← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1470

النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (287 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثالث: الجمال أو الجانب الأدبي إنَّ الشروط الأخلاقية كافية في البرهنة على ربانية هذه الرسالة، وإن النفوس التي تمتلك البصيرة، لا تحتاج لأكثر من توفر العاملين السابقين: تعليم الحقيقة، والدعوة إلى الفضيلة. لكن عامة الناس يهتمون كثيرًا للشكل الخارجي، بعيدًا عن متانة المحتوى، فالمحسوس لديها يسبق المعقول. [القرآن، والأدب العربي] ولذلك فقد جاء القرآن نموذجًا لا يبارى في الأدب العربي، إنه المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبًا بوجه عام، فلغته تأخذ بالقلوب، وتفحم بالحجة، وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب. ١ - لغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، إنها تجمع بين رقة الأولى، وجزالة الثانية. ٢ - إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكًا من النثر، وأقل نظمًا من الشعر. ٣ - كلماته منتقاة، لا توصف بالغريب إلا نادرًا، تمتاز بالإيجاز العجيب، والنقاء في التعبير. ٤ - إنه أسلوب يجمع بين العقل والعاطفة على رغم ما بينهما من تباعد. ٥ - وهو في وحدة سوره، وترتيبها، وتناسق أجزائها آية وأي آية!

стр. 72

الباب الثالث: المصدر الحقيقي للقرآن الفصل الأول: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية [القرآن في الفترة المكية] كانت حياة العرب في مرحلة نزول القرآن حياة (الضلال المبين)، وزمانهم زمن (الجاهلية الأولى)، وفي وسط هذه الجموع من الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد تعرف في الأثر باسم «الحنفاء». وكانت الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت تتمثل في عدة طوائف، منهم: الصابئين، وهم طائفة وثنية، ونحن نرى أن الوثنية التي كانت سائدة في الحجاز لا تقدم لنا تفسيرًا سليمًا عن مصدر القرآن الكريم. ولو نظرنا للبيئة اليهودية والمسيحية، سنجد أنه من المتعذر أن تكون أصلًا للقرآن، فإنه لم يلتق بعلماء اليهود والنصارى لوقت يسمح له بالأخذ عنهم. ١ - أما لقاؤه ببحيرى الراهب فهي مقابلة عارضة، وكانت في حضور جميع أفراد القافلة، وأنه كان مسؤولًا لا مستمعًا. ٢ - وأمَّا رحلاته للتجارة للشام، فلا يمكن التعويل عليها، لأمور: - مشاغله التي كان ذاهبًا لها. - أنه مع قومه، ورفقائه. - أن اللغة الأجنبية مثلت حاجزًا مهمًّا. - أن معارضيه لم يستخدموا هذه الحجة وهي أقرب لهم مما افتروه.

стр. 73

وفي دراسة التاريخ الكنسي في هذا الوقت ما يدفع هذه الفرية من أساسها. هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد، فحيثما اتجه وجد ضلالًا يحتاج إلى الهداية، وانحرافًا يتطلب التقويم، ولن يجد أبدًا نموذجًا أخلاقيًا ودينيًا يصلح لأن ينقله محمد أو ينبني عليه نظامه الإصلاحي. * أما الاتصال بالكتب المقدسة؛ فغير ممكن لأمور: ١ - أنَّ محمدًا ﷺ لم يكن يقرأ ويكتب، وليس هناك ما يدل على أنه قرأ كتابًا قط (١). ٢ - أن الكتب السماوية في ذلك الوقت لم تكن مكتوبة بالعربية. * ولا يمكن أن يكون القرآن قد أُخذ عن شعر بعض العرب، كأمية بن الصلت وغيره لأمور: ١ - قد نفى القرآن أن يكون شعرًا، وبالتأمل في شعر بعض الشعراء سنجد أنهم كانوا يصفون أمورًا كشرب الخمر، وهو ما لا نجد له أثرًا في القرآن. ٢ - أن العرب الذين هم أهل الفصاحة والمعرفة، لم يدع أحدٌ منهم أن القرآن مسروق أو منحول من الشعر الموجود في ذلك العصر أيًّا كان قائله. * ولا يمكن أن يكون القرآن ثمار التأملات الشخصية للنبي ﷺ ، لأمور: ١ - أن في القرآن من المعلومات ما لا يخضع لمثل هذه التأملات، كالتاريخ والقصص الموجود في القرآن. ٢ - أن تفاصيل المعلومات المبثوثة في القرآن، كصفات الله المتعددة، وأسمائه الحسنى، والمصير الذي ينتظر الإنسان بعد موته، وغير ذلك من التفاصيل المبثوثة في القرآن، مع عدم تراجعه عن أي حقيقة من تلك الحقائق، كل ذلك لا يمكن أن يبلغه العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة. _________ (١) أجاب المؤلف عن بعض الشبه الاستشراقية في هذا الموضوع، (١٤٩).

стр. 74

الفصل الثاني: البحث عن القرآن في الفترة المدنية [القرآن في الفترة المدنيَّة] في هذه الفترة حصل اتصال مع طائفة منظمة دينيًّا، وهم اليهود، والسؤال الذي يمكن طرحه، هل يمكن أن يكون القرآن قد أخذ عن هؤلاء اليهود شيئًا؟! إن الناظر في القرآن يلمح موقفه الشديد من المجتمع اليهودي بصفة عامة، فقد ذكر القرآن عددًا من صفاتهم، ومنها: أنهم لم يحفظوا كتابهم، وكانوا يتعاملون بالربا، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويستبيحون الرشوة والكذب، فلا يمكن القول بأن القرآن مأخوذ عن أحبار اليهود (١). ولا بد من القول: إنه لم يجسر أي مؤرخ يقدر مسؤوليته أن يزعم أخذ النبي ﷺ على شخص أو أشخاص تلقى منهم محمد ﷺ . إن القرآن يخبرنا عن علماء أهل الكتاب، وأنهم على قسمين: _________ (١) تكلم المؤلف بكلام متميز عن ادعاءات بعض المستشرقين حول هذه المسألة، فلتنظر: (١٦٨). وتحدث عن ادعاءات المستشرقين، باختلاف التعاليم المكية عن المدنية في القرآن، وفي سياق الرد، نبه على عدة نقاط منها: ١ - أن القصص القرآني لم يختلف بين القرآن المكي والمدني. ٢ - أن معرفة العرب بإبراهيم وإسماعيل معرفة قديمة، لوجودهم في جوار الكعبة، بيت الله الذي أمر إبراهيم ببنائه، ثم إن قصة إبراهيم وردت في القرآن المكي كذلك. ٣ - أن عدد الصلوات ظل ثابتًا في مكة والمدينة. ٤ - أن فكرة (الله) والحديث عنه لم يختلف في القرآن المكي عن المدني، وأن فكرة (إله الحرب) في القرآن المدني، لم تكن إلا تنفيذًا لإنذار عام وصريح أعلن عنه، وتكرر ذكره قبل ذلك في مكة. ٥ - أن فكرة النسخ حصلت لأن الحوادث تتطلب حلولًا متنوعة، وأن الله تعالى نصَّ في بعض الآيات على كونها مؤقتة، مثل: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، و ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، والنسخ انعكاس لفكرة التدرج، والمسلك التدريجي في التعليم والتشريع ليس عيبًا، وإنما هو أنجح المناهج في تكوين النفس الواعية المستنيرة المشبعة بالحكمة، والأمم المنظمة، والخلق المتين.

стр. 75

١ - الغالبيةُ العظمى، والتي كانت تكن العداء الكبير للإسلام وأهله، وكان هؤلاء يسعون أشد السعي لإحراج محمد، وكانوا ينكرون النصوص الموجودة في كتبهم إمعانًا في العداوة والبغضاء. ٢ - وكان فريق منهم استمعوا للنبي ﷺ ، وطابقوا صفاته بما كانوا يعرفونه من صفة النبي الخاتم، وهؤلاء سرعان ما انقادوا للحق، وأتوا إليه مذعنين، كعبد الله بن سلام، وكان من أوسع اليهود علمًا. وصارت علاقة أمثال عبد الله بن سلام، أو من آمن في تلك المرحلة من أصحاب الديانات الأخرى، كسلمان الفارسي، أو مارية القبطية = كل هؤلاء كانوا يقفون موقف التابع، وكان النبي ﷺ هو المتبوع. وأخيرًا، فلا بد من التفريق بين الاقتباس، والاتفاق، فلا شك أن القرآن يتفق مع الكتب السابقة في كثير من المبادئ والتعاليم؛ لأنَّ الكتب خرجت من مشكاة واحدة.

стр. 76

خاتمة لقد بحثنا مسترشدين بالوقائع التاريخية افتراض وجود مصدر بشري لتعاليم القرآن، فتتبعنا مؤسس الإسلام في مراحل حياته المزدوجة: الحياة العادية وحياة الرسالة، في مسقط رأسه أو في موطنه الأخير، في رحلاته وفي اتصالاته، وتعرضنا لقدرته على القراءة ولمدى توفر الوثائق تحت يده. فجميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين، والتاريخ، والأخلاق، والقانون، والكون. لقد كان الوحي نقطة تحول في علم الرسول ﷺ . إن الرسول ﷺ كان يمتلك أخلاقًا حسنة في حياته قبل البعثة، شهد بها خصومه، بل كان يُعرف بينهم بالصادق الأمين، ولم يكن هو نفسه يتوقع أن يكلف بدور المرسل من عند الله. لكن حياته تحولت يوم نزل عليه الوحي، وفي إدراك خصائص الوحي إدراكٌ لمصدره أيضًا. ١ - لقد كان الوحي ينزل منجمًا ومجزءًا، ولم يكن النبي ﷺ يصطنع

стр. 77

الوحي، بل كان ينزل عليه بلا معرفة سابقة منه، بل ولا تهيؤ (١)! ٢ - وكان النبي ﷺ يقف من الوحي موقف التعظيم، ويخشى أشد الخشية أن ينسب لله تعالى ما لم يقله، ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]. ٣ - ولم يكن الوحي يعكس شخصية الرسول ﷺ ، ففي أكثر الأوقات لا يذكر عنه شيئًا، وتأمل - مثلًا -: حين مات عمه أبو طالب، وزوجته خديجة، وحزن لذلك حزنًا شديدًا، ومع ذلك لم يشر الوحي إلى ذلك، بل نجد في الوحي آيات اللوم والعتاب له ﵊. ٤ - ولا يمكن أن يكون الوحي نابعًا من الإخلاص الشخصي للنبي ﷺ ، أو أنه من الأوهام اللا شعورية، وأنه اجترار لمعارف قديمة كانت طي النسيان، وذلك لأمور: أولًا: لأننا لا نجد في التاريخ ما يمكن أن ينهض ليفسر استقامة الخط الذي اتبعه القرآن، وتفسير خطواته الجازمة الفاصلة. ثانيًا: لا يوجد أدنى علامة تشير من قريب أو بعيد لخلل عقلي، بل العكس هو الصحيح. ولأنه لا يمكننا التعرض لتجربة الوحي لنتأكد من صحتها، إلا أنه يمكننا التحقق من صحة الوحي بأمور، منها: ١ - الاتفاق في جوهر تعاليمه مع ما قرره الأنبياء السابقون، وهذا التطابق يفتح أعين الغافلين على صدقهم، وصحة مبادئهم التي تناولت بالوصف الحقائق العليا من زوايا مختلفة. ٢ - الحقائق العلمية - المتفقة تمام الاتفاق مع المشاهد الحسي، والواقع العلمي - المبثوثة في القرآن (٢). ٣ - الأخبار المستقبلية، والتي أخبر القرآن بتحققها، ووقعت كما أخبر. _________ (١) كحادثة الإفك. (٢) من المهم مراجعة هذا الفصل في الكتاب: (١٨٧)، وما بعدها، لأنَّ المؤلف ذكر رؤيته لمسألة الإعجاز العلمي، وهي رؤية جديرة بالمطالعة. قال الدكتور دراز تحت عنوان حقائق علمية: «ولكن القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة لا يسوق الدروس من التعاليم الدينية والأحاديث الجارية وحدها؛ وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة، لا بغرض دراستها وفَهْمِها في ذاتها فحسب؛ وإنما لأنها تذكِّر بالخالق الحكيم القدير، ونلاحظ أن هذه الحقائق التي يقدمها تتفق تمامًا مع آخر ما توصل إليه العلم الحديث»، ثم ذكر ﵀ أمثلة لذلك. وعلق على ذلك بقوله: «عند اختيارنا للآيات التي استشهدنا بها في هذه الفقرة، حرصنا على تلافي ما يعاب به على الطريقة التوضيحية المعروفة بالتأويل، والتي تتلخص في تفسير آيات القرآن بحيث تتفق نتائج التفسير مع النتائج العلمية المقررة. ولكن الحماس دفع بعض المفسرين المحدثين إلى المبالغة في استخدام هذه الطريقة التوفيقية لصالح القرآن؛ بحيث أصبحت خطرًا على الإيمان ذاته؛ لأنها إما أن تقلل من الاعتماد على معنى النص باستنطاقه ما لا تحتمله ألفاظه وجمله، وإما أن تعول أكثر مما يجب على آراء العلماء، وحتى على افتراضاتهم المتناقضة، أو التي يصعب التحقق من صحتها. وبعد أن نستبعد هذه المبالغات عن البحث، نرى أن من مقتضيات الإيمان - التي لا غنى عنها - أن نضاهي الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن مع نتائج العلماء المنهجية البطيئة».

стр. 78

إن منهج القرآن الكامل ينهض دليلًا كافيًا على مصدره الرباني، لقد انتشرت الدعوة القرآنية في البداية في الجزيرة العربية بين العرب، ولكن غايتها هي أفراد البشرية أجمعين.

стр. 79

المقدمة الخامسة مقدِّمة كتاب: «الظاهرة القرآنية»، لمؤلفه الأستاذ مالك بن نبي ﵀ عزيزي السيد بن نبي.

стр. 80

فرغت لتوِّي من قراءة كتابك القيم (الظاهرة القرآنية)، ومما أعطى لموضوعك أهمية كبرى أنه قديم وحديث معًا. ففي ضوء العلم الحديث، ولجت قضية رئيسية ما فتئت تشغل المفسرين في كل زمن، ولعلي أنا لامستها في دراسات عديدة سابقة، سواء ما كان منها بالعربية أو الفرنسية. إنَّ الغبطة التي شعرت بها وأنا أقرؤه، لهي من العمق بقدر ما أتاحت لي هذه القراءة أن أدرك من جديد، ذلك الجهد الجاد المستقل والمتجرد، يقود الباحثين عن الحقيقة إلى نتائج متماثلة، بل موحدة على الرغم من المسافة التي يمكن أن تفصل بينهم في المكان والزمان. وإذا نحينا جانبًا أسلوبك الفني في الكتابة، وطريقتك الرائعة في عرض الأشياء، فإننا نجد طرقنا في الدراسة متشابهة بصورة بارزة. ليس هذا فحسب، بل من غير النادر أن يحمل تفحصنا للأمر المثل نفسه وأن يشير إلى المعنى ذاته. إنَّ المسألة هي في البحث عن المصدر الحقيقي للقرآن، وأن نعرف ما إذا كان يمكن أن يكون هذا الكتاب قد استخرج من علم أو إدراك من أرسل به، أو من معرفة بشرية على وجه العموم، أم أنه على العكس من ذلك، هنالك أسباب لا يمكن دفعها تحدونا للاعتقاد بمصدره العلوي الإلهي. تلك هي المسألة التي جئتَ بدورك تلزم نفسك بالعمل على حلها، بإيجاد الأسس الثابتة والعقلية، للإيمان بالمصدر الإلهي لهذا الكتاب، وتسليط الأضواء عليها. وإذا كان المفسرون التقليديون، تَوَصُّلًا إلى الهدف نفسه، قد أكدوا بصورة خاصة على الجانب الأدبي من المسألة، فإن هذا الموقف على كل حال يجد تفسيره وما يسوغه في المسلمة الأعم للقرآن. تلك المسلَّمة التي تميز بها الأسلوب القرآني في جمال لا يضاهى وجلال

стр. 81

مميز، وبالاعتراف الفوري بالعجز عن الإتيان بمثله، وهو الوجه الأقرب منالًا لسائر البلغاء من البدو. على أنه من الصحيح أيضًا أن هؤلاء المفسرين، وهم ينظرون في محتوى القرآن، قد رأوا في اتساع وعمق المعرفة التي يحملها للإنسانية، دليلًا في ذاته على خصائصه التي تتجاوز طاقة البشر، وأن التعارض بين توجيه بعض الآيات، كآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] مثلًا، والمشاعر الشخصية للرسول ﷺ ، لشهادة لا تُرَدُّ على استقلالية القرآن عن النبي. فهل يمكن أن يقال إن هذه النتائج المستخلصة من قبل أجدادنا، تجعل كل محاولة لتفسير جديد عديمة الجدوى؟ هل يقال إن واجبنا يتحدد من الآن فصاعدًا، بتدوين هذه النتائج الجاهزة، وبالنظر إليها كأنها الكلمة الأخيرة حول حقيقة الأشياء؟ كلا، ثم كلا. إذ أنه بقدر ما تتطور معارفنا حول الطبيعة والنفس الإنسانية، وكلما اكتسبنا سببًا جديدًا يحملنا على أن نرى الأشياء من زاوية مختلفة، فإن ذلك يدعونا إلى أن نضع المشكلات حين ندرسها بما يتفق وهذا الجديد من واقع العلم. والمسألة القرآنية لا ينبغي لها أن تخرج عن هذه القاعدة. فإذا كان صحيحًا أن القرآن معجزة مستمرة، وإذا كانت علائم صدقه من ناحية أخرى لا تنحصر في عبارته فحسب، بل في عالمي الطبيعة والنفس أيضًا كما يقول القرآن نفسه ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. إذا كان الأمر كذلك فإن واجبًا يقع على كل مؤمن متصل بمعطيات العلم. إنه التقريب بين جانبي روحه: بين معتقده وعلمه، حين يواجه النصوص المنزلة، لا أقول بفرضيات العلماء التي لم تتحقق أو التي لا تقبل التحقيق، ولكن

стр. 82

بالنتائج الثابتة والمستخرجة من تجاربهم، وأن يأخذ من تلك الواجهة ما ينتج عنها من دروس. وإذا كان في الواقع هنالك حقيقتان، فإنه لا يحق لواحدة منهما أن تنكر الأخرى، بل على العكس من ذلك، عليها أن تؤكدها وتشد من أزرها. وإذا اتفق لمؤمن متعلم أن ملك موهبة الكتابة فوق هاتين الصفتين من الإيمان والعلم، فإن واجبًا آخر يقع على عاتقه: إنه إخراج ثمار علمه بلغة عصره، كما يفعل نبي يخاطب قومه بلغتهم. إنني أستطيع أن أؤكد بأنك قمت بكلا الواجبين. فقد تأملت بنضج، ذلك الاتصال بالعقل والتراث، بالعلم والعقيدة وأفرغت في عرض جميل واضح ومتماسك شرارة ما تفجر من ذلك اللقاء. فسداد حكمك، وحرارة عقيدتك، وحداثة مصطلحاتك، وجمال أسلوبك؛ هذه كلها ميزات بارزة لا أستطيع أن أفيك ما تستحق من تهنئة عليها، ولكني أرى من الواجب أن أوجه كلمة إلى الشباب المثقف كيما يتفادى التباسًا يمكن أن يقع فيه حول الهدف الحقيقي من هذه الدراسة. أريد أن أقول لهؤلاء الشباب: إن الأمر لا يعني هنا نشرة لجمع المعلومات وتخزينها في الذاكرة، ولكن نموذجًا حيًّا من نقاش جدلي، فائدته الحيوية الكبرى بما يذكي من الطاقة الروحية لسائر القراء القادرين على التفكير بمنهجية، كما يضع كل منهم بدوره قضية (الحقيقة) ويبحث بوسائله الذاتية عما يتعين عليه اتخاذه في سبيلها. فإذا استطاعت نشرة من هذا النوع أن تخدم بوصفها علاجًا للتشكك الديني فتلك زيادة في الخير، إنما يبقى الهدف الأساسي قبل كل شيء محاربة اللامبالاة حول مسألة (الحقيقة العلوية). على كل حال فإن دراسة كهذه، لا تفكر في أن تفرض نفسها على أنها نوع من العقيدة، نقبله بعيون مغمضة وبغير نقاش، فهذا على ما يبدو لي أبعد ما يكون عن فكر المؤلف، فضلًا عن أنه يتنافى مع المبادئ القرآنية التي يدافع عنها.

стр. 83

فالقرآن لم يعلن فحسب بأن الإيمان لا يفرض من الخارج، ولكنه أدان بقوة كل اتباع أعمى يلقي بزمامه إلى سلطة لا تستند إلى العقل، وقد دعا دائمًا باستمرار إلى التأمل الفردي المنسحب من تأثير الوسط الخارجي والأفكار المسبقة، ومن كل فكرة مستقاة بعفوية دون تمحيص. إن (ديكارت) لم يفعل غير ذلك، حينما رفض أسلوب الهيمنة، مطالبًا بحق العقل، مؤكدًا واجب كل امرئ بألا يأخذ بغير الثابت والبديهي الذي لا مراء فيه. أكثر من هذا؛ ففي هذا الإطار يبدو لنا المذهب الديكارتي من هذه الناحية، أقل تشددًا وتمسكًا من القرآن فمن المعروف بأية عناية أوضح الفيلسوف الفرنسي تأملاته، وهو يضع تلك القاعدة المنهجية التي لا تقبل غير الأفكار الواضحة والمحددة. هو لم يشأ بذلك التكلم عن الأمور التي تنظر إلى الإيمان والمثل، ولكن عن الحقائق المجردة التي لا يمكن معرفتها إلا بالضوء الطبيعي وحده. فإذا كان (ديكارت) قد اضطر إلى مثل هذا التحفظ؛ لأنه يعد الإيمان المسيحي تكتنفه أمور غامضة بوصفه موضوعًا، فمن ذا الذي لا يرى أن هذا التحفظ لا محل له في العقيدة القرآنية؟ مهما يكن من أمر فإنني لا أرى جيدًا السبب الذي يستطيع أن يسوغ التقليل من شأن الفكر الديكارتي. فهناك انطباع بأنك تضعف بطريقة منهجية من شأن هذا الفكر، كما لو أن ديكارت ذلك الوجه الكبير في الفلسفة الحديثة، كان كافرًا أو متشككًا أو رجلًا يعتقد بسذاجة، بكمال الفكر الإنساني واستقلاليته المطلقة تجاه كل تحسس خارجي، مستمد من الطبيعة أو مما هو فوق الطبيعة. ولهذا أتمنى أن تحمل الطبعات القادمة ما يبدد بعناية هذا الالتباس. وهناك ملاحظة أخرى صغيرة. إنها تتعلق بحياة محمد ﷺ . يبدو لي أنك أخذًا بتأكيدات بعض المستشرقين، قبلت بدون صعوبة افتراضهم حول مدة اعتكاف النبي قبل نزول الوحي.

стр. 84

فنحن نعلم موضوعهم المفضل في هذا الإطار. إنه يرتكز على القول إنها فترة احتضان وتخمر للأفكار الدينية التي سبقت وضوح القرآن في الوعي المحمدي. وبما أن فكرة تهدف لعمل واسع عظيم كالقرآن، لا يمكن التصور بأن تتحدد معالمها بين ليلة وضحاها، ويقتضي لها الوقت الضروري والطبيعي لتحضيرها، فإن هؤلاء الكتاب قد التزموا جانب الافتراض، وافترضوا لهذا الاعتزال مدة تمتد عبر سنين عديدة. وهكذا تحتم على محمد أن يختفي منذ زواجه في سن الخامسة والعشرين، ليفرغ إلى تأملاته، ولا يعود للظهور إلا وهو يحمل رسالته ذات صباح. وعلى الرغم من أنك جهدت في تفنيد ورفض فكرة الاعتكاف هذه، فإنك تبدو مع ذلك قد أفسحت المجال لوجود خلفية وسند مادي لها، أعني بذلك انطواء الرسول لمدة خمسة عشر عامًا. إن فرضية غياب كهذا، ليست فحسب مجانبة لا سند لها، بل إنها غير صحيحة على الإطلاق من الوجهة التاريخية. فالمصادر الوثيقة جدًّا تحدد في الواقع تاريخ هذا الاعتكاف بالضبط بشهر قبل نزول القرآن، كما تحدد بدقة أكثر أن هذا الشهر تخللته عودة إلى منزله مرات عدة كليما يتزود، وقد سبقت هذا الشهر أيضًا رؤى واضحة كان يراها الرسول في منامه ثم ما يلبث أن يجدها حقيقة كفلق الصبح. لقد حدثت هذه الإرهاصات جميعها في الأربعين من عمره، أي في عام هبوط الوحي. وإذا ذهبنا بعيدًا، وافترضنا جدلًا أن هذا الشهر من الاعتكاف، قد داوم عليه الرسول في كل عام، منذ زواجه وحتى نزول الوحي؛ يبقى أن نلاحظ بأن أحد عشر من اثني عشر شهرًا من سني حياته في هذه الفترة قد قضاها في محيط اجتماعي، وأمام أعين مواطنيه. والقرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] إنما

стр. 85

يستخرج بالضبط، حجة من استمرار إقامة الرسول بين قومه فترة واسعة وكافية، ليدرك الناس جميعًا ميزاته واهتماماته، وعجزه الشخصي عن القيام بوضع آيات القرآن. فماذا كانت أعماله في تلك المرحلة الانتقالية؟ هناك حدث محدد وأكيد على الأقل، ففي نحو الثلاثين من عمره شارك في إعادة بناء الكعبة، ومن المعلوم من ناحية أخرى أنه تحمل بكفاءة ونشاط أعباءه العائلية؛ إذ رزق أكثر أولاده قبل قيامه بالرسالة. وإذا كنا لا نملك تفاصيل أكبر حول أعماله اليومية قبل البعثة، فمرد ذلك بدون شك، إلى أنه فيما عدا المسلمة البارزة لعظيم أخلاقه، لا نجد في تلك الفترة من الزمن أمرًا منفصلًا عن مألوف وسطه يمكن التحدث عنه. فسكوت سائر رجال السيرة، عن التفصيلات الإضافية في هذا الخصوص، نقطة نسجلها كما لاحظت بحق، لصالح التراث الإسلامي الذي تحلى دائمًا بأمانة تاريخية متشددة إلى أقصى حد، حين عزف عن كل توسيع أو تقليص، للمعطيات الثابتة التي يجدها في متناوله، سواء كانت هذه المعطيات لصالح قضيته أو في غير صالحها. بعد هذا كله، أعود لأهنئك مرة أخرى على واسع الجهد، الذي به نجحت في إلقاء ضوء جميل حول المسألة الدينية في عمومها، وحول الفكر القرآني خاصة، كيما تسهم في دعم الأساس العقلاني للإيمان. فعساك تجد أعظم ثوابك في ذلك النجاح المعنوي الذي يستحقه كتابك، وعسى نداؤك المنطقي والشاعري الذي أطلقته ليلامس أصحاب العقول النيرة، يتسرب إلى عميق نفوسهم فيبعث فيهم من جديد حياة القلب والعقل معًا. باريس (١٥) أيلول/ سبتمبر (١٩٤٦ م) محمد عبد الله دراز أستاذ في الأزهر الشريف

стр. 86

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة المؤلف للطبعة الثانية] الجزءُ الأوَّل من كتاب (النبأ العظيم) مولود جديد .. قديم .. جديدٌ في مقطعه ونهايته، قديمٌ في مطلعه وبدايته. كان مسقط رأسِه في الحرمِ الجامعي، منذ نيف وعشرين عامًا؛ ولكنَّه لم يبرز منه يومئذ إلا عنقه وصدره .. أما أطرافُه فلم تنشأ، وأما خَلقه فلم يكتمل إلا اليوم. لقد شهدَ طلاب الأمس بداية أمره، حين كان يملى عليهم نجومًا متفرقة، في فترات متلاحقة أو غير متلاحقة، وكانوا كلما اجتمعت منه صفحات معدودة لا تزيد عن عقد وبعض عقد، استعجلوا طبعَها، وجعلوا يستحثُّون همة المؤلف لوضع لاحقتها. ثم أتت بعد ذلك شؤون (١) حالت دون إتمام وضعه، بله إكمال طبعه؛ فبقي

стр. 87

القدر الذي طبع منه حبيسًا في دار الطبع، أو مقصورًا على الرعيل الأول من طلاب هذا البحث .. حتى أذن العلي القدير - وكل شيءٍ عنده بمقدار - أن يضيف المؤلف إليه اليوم خليَّات أخر، اكتمل بها قوامه، وأخذَ بها أهبته للخروج من نطاق الثقافة الجامعية، إلى فضاء الثقافة العالمية، لكي يتحدَّث إلى كل عقل واع ناقد، لا يأخذ ما يأخذ إلا على بصيرة وبيِّنة، ولا يذر ما يذر إلا على بصيرة وبيِّنة؛ وإلى كل وجدان تجريبي ذائق، لا يكتفي بالخبر عن المعاينة؛ ولا يستغني بالوزن عن الموازنة. إنه حديث يبدأ من نقطة البدء .. فلا يتطلب من قارئه انضواءً تحت راية معينة؛ ولا اعتناقًا لمذهب معين، ولا يفترض فيه تخصصًا في ثقافة معينة؛ ولا حصولًا على مؤهل معين، بل إنه يناشده أن يعود بنفسه صحيفة بيضاء؛ إلا من فطرة سليمة؛ وحاسَّة مرهفة؛ ورغبةٍ صادقة في الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن. وإنه إذًا لواصل إن شاء الله. في شعبان سنة (١٣٧٦ هـ) - (مارس ١٩٥٧ م) محمد عبد الله دراز

стр. 88

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة المؤلف للطبعة الأولى] الحمد لله الذي فضلنا بالقرآن على الأمم أجمعين، وآتانا به ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين، أنزله هدايةً عالميَّة دائمة، وجعله للشرائع السماوية خاتِمة، ثم جعل له من نفسه حجَّة على الدهر قائمة. والصلاة والسلام على من كان خلقُه القرآن، ووصيته القرآن، وميراثه القرآن، القائل: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه» (١). اللهم كما أعطيتنا حظًّا من وراثة هذا الذكر الحكيم، فيسرت علينَا حفظه وتذكره، وحبَّبت إلينا تلاوته وتدبره، نسألك أن تجعلنا من خيار وارثيه الذين هم بهدايته مستمسكون، والذين هم على حراسته قائمون، والذين هم تحت رايته يوم القيامة يبعثون، في جندِ إمامنا الأعظم، ورسولِنا الأكرم، محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه. أما بعد: فهذه بحوثٌ في القرآن الكريم، قدَّمتها بين يدي دروس التفسير لطلبة كلية أصول الدين بالجامع الأزهر المعمورِ، أردتُّ بها أن أنعتَ كتابَ الله بحليته وخصائصه، وأن أرفع النقاب عن جانب من الحقائق المتصلة به، وأن أرسُم الخطة التي ينبغي سلوكها في دراسته.

стр. 89

وقد راعيتُ في أكثر هذه البحوث شيئًا من التفصيل والتحليل، وشيئًا من التطبيق والتمثيل، فلم أكتفِ بالإشارة حيث تُمكن العبارة، ولا بالبرهان إذا أمكن العيان، راجيًا بذلك أن تنفتح لها عيون الغافلين؛ فيجدوا نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وأن تنشرح بها صدور المؤمنين، فيزدادوا إيمانًا إلى إيمانهم. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. في سنة (١٣٥٢ هـ - ١٩٣٣ م). محمد عبد الله دراز

стр. 90

البحث الأول: في تحديد معنى القرآن، والفرق بينه وبين الحديث القدسي والنبوي [معنى القرآن في اللغة] القرآن في الأصل مصدر على وزن فُعلان بالضم، كالغفران والشكران والتكلان، تقول: (قرأته قرءًا، وقراءةً، وقرآنًا) بمعنى واحد، أي: تلوته تلاوة، وقد جاء استعمال القرآن بهذا المعنى المصدري في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وما بعدها، أي قراءته. ثم صار علمًا شخصيًّا (١) (٢) لذلك الكتاب الكريم، وهذا هو الاستعمال الأغلب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. ويسمى - أيضًا - الكتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢].

стр. 91

[سر تسمية القرآن: القرآن، والكتاب] روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًّا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا (١) بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه. وفي تسميته بهذين الاسمين إشارةٌ إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني: أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتبٍ حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ولم يصبه ما

стр. 92

أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السَّند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، أي بما طلب إليهم حفظه. [سرُّ الفرق بين القرآن والكتب السماوية في الحفظ] والسر في هذه التفرقة أنَّ سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأنَّ هذا القرآن جيء به مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم. [تعريف القرآن بالحدود المنطقية] ولما كان القرآن بهذا المعنى الأسمى جزئيًّا حقيقيًّا (١) كان من المتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص (٢). وذلك شأنُ كلِّ الجزئيات الحقيقية لا يمكن تحديدها بهذا الوجه؛ لأنَّ أجزاء التعاريف المنطقية كليات، والكليُّ لا يطابق الجزئي مفهومًا (٣)؛ لأنَّه يقبل الانطباق على كل ما يفرض مماثلًا له في ذلك الوصف ذهنًا وإن لم يوجد في الواقع فلا يكون مميزًا له عن جميع ما عداه، فلا يكون حدًّا صحيحًا.

стр. 93

وإنما يحدَّد الجزئي بالإشارة إليه حاضرًا في الحس، أو معهودًا في الذهن (١). فإذا أردت تعريف القرآن تعريفًا تحديديًّا فلا سبيل لذلك إلا بأن تشير إليه مكتوبًا في المصحف أو مقروءًا باللسان، فتقول: هو ما بين هاتين الدفتين، أو تقول: هو ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١ - ٢]، إلى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]. أمَّا ما ذكره العلماء من تعريفه بالأجناس والفصول كما تعرف الحقائق الكلية: فإنما أرادوا به تقريب معناه وتمييزه عن بعض ما عداه مما قد يشاركه في الاسم ولو توهمًا؛ ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية وبعض الأحاديث النبوية تشارك القرآن في كونها وحيًا إلهيًّا، فربما ظن ظانٌّ أنها تشاركه في اسم القرآن أيضًا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع. [تعريف القرآن] فقالوا: «القرآن هو كلام الله تعالى، المنزَّل على محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته». [شرح التعريف] (فالكلام) جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى (الله) تميِّزه عن كلام من سواه من الإنس والجن والملائكة. و (المنزَّل) مخرجٌ للكلام الإلهي الذي استأثر الله به في نفسه، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلًا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].

стр. 94

وتقيَّد المنزَّل بكونه (على محمد) لإخراج ما أُنزل على الأنبياء من قبله، كالتوراة المنزَّلَة على موسى، والإنجيل المنزَّلِ على عيسى، والزبور المنزَّلِ على داود، والصحف المنزَّلة على إبراهيم، ﵈. وقيد (المتعبد بتلاوته)، أي: المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، لإخراج ما لم نؤمر بتلاوته من ذلك، كالقراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، وكالأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله إن قلنا: إنَّها منزلة من عند الله بألفاظها. [الفرق بين القرآن والأحاديث النبوية] أما الأحاديث النبوية فإنها بحسب ما حوته من المعاني تنقسم إلى قسمين: (قسم توفيقي) استنبطه النبيُّ بفهمه في كلام الله أو بتأمله في حقائق الكون، وهذا القسم ليس كلام الله قطعًا. و (قسم توقيفي) تلقى الرسول ﷺ مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه. وهذا القسم وإن كان ما فيه من العلوم منسوبًا إلى معلِّمه وملهمه سبحانه، لكنه - من حيث هو كلام - حري بأن ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الكلام إنما ينسبُ إلى واضعه وقائلِه الذي ألَّفه على نحو خاص، ولو كان ما فيه من المعنى قد تواردت عليه الخواطر، وتلقاه الآخر عن الأول. فالحديث النبوي إذًا خارج بقسميه من القيد الأول (١) في هذا التعريف. [الفرق بين القرآن، والأحاديث القدسية] وكذلك الحديث القدسي إن قلنا: (إنه منزل بمعناه فقط)، وهذا هو أظهر القولين فيه عندنا؛ لأنه لو كان منزلًا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله. فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعًا: وحرمة مس المحدث لصحيفته، ولا قائل بذلك كلِّه. وأيضًا: فإنَّ القرآن لما كان مقصودًا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر وهو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته احتيج لإنزال لفظه، والحديث القدسي لم ينزل

стр. 95

للتحدي ولا للتعبد بل لمجرد العمل بما فيه، وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه، فالقول بإنزال لفظه قول بشيء لا داعي في النظر إليه، ولا دليل في الشرع عليه، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة (يقول الله ﵎ كذا)، لكنَّ القرائن التي ذكرناها آنفًا كافية في إفساح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه، وهذا تأويل شائع في العربية. فإنك تقول حينما تنثر بيتًا من الشعر: (يقول الشاعر كذا) وتقول حينما تفسر آية من كتاب الله بكلام من عندك: (يقول الله تعالى كذا) وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى وفرعون وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم، وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم (١).

стр. 96

[إيراد على ما سبق] فإن زعمت أنه لو لم يكن في الحديث القدسي شيء آخر مقدس وراء المعنى لصح لنا أن نسمي بعض الحديث النبوي قدسيًّا أيضًا، لوجود هذا المعنى فيه. فجوابه: أننا لما قطعنا في الحديث القدسي بنزول معناه لورودِ النصِّ الشرعي على نسبته إلى الله، بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قال الله تعالى كذا) سميناه قدسيًّا لذلك، بخلاف الأحاديث النبوية فإنها لمَّا لم يرد فيها مثل هذا النصِّ جاز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلمًا بالوحي، وأن يكون مستنبطًا بالاجتهاد والرأي، فسمي الكل نبويًّا وقوفًا بالتسمية عند الحد المقطوع به، ولو كانت لدينا علامة، تميز لنا قسم الوحي لسميناه قدسيًّا كذلك.

стр. 97

على أنَّ هذا الامتياز لا يؤدي إلى نتيجة عملية، فسواء علينا عند العمل بالحديث أن يكون من هذا القسم أو من ذاك؛ إذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تبليغه صادق مأمون، وفي اجتهاده فطنٌ موفَّق، وروحُ القدس يؤيده فلا يقره على خطأ إن أخطأ في أمر من أمور الشريعة، فكان مردُّ الأمر في الحقيقة إلى الوحي في كلتا الحالتين، إما بالتعليم ابتداءً، وإما بالإقرار أو النسخ انتهاءً؛ ولذلك وجب أن نتلقى كل سنته بالقبول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 98

البحث الثاني: في بيان مصدر القرآن، وإثبات أنه من عند الله بلفظه ومعناه لقد علم الناس أجمعون علمًا لا يخالطه شك أنَّ هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أُمِّيٍ ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله .. هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمنٍ وملحد؛ لأنَّ شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره، ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض. أما بعد، فمن أين جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أمن عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟ [تعريف القرآن بنفسه، وبالمتكلم به] نقرأ في هذا الكتاب ذاته أنه ليس من عملِ صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاعٍ ثمَّ أمين: ذلكم هو جبريل ﵇ تلقَّاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصًّا من النصوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا: (١) الوعي والحفظ. ثم (٢) الحكاية والتبليغ. ثم (٣) البيان والتفسير. ثم (٤) التطبيق والتنفيذ.

стр. 99

أمَّا ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منهما بسبيل، وليس له من أمرهما شيء، إن هو إلا وحي يوحى. وهكذا سماه القرآن حيث يقول: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، ويقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، وأمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني. ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦]، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]، (واتل - سورة الكهف)، (ورتل - سورة المزمل) (١)، فانظر كيف عبَّر بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون الكلام عربيًّا، وكل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة. [تصريح القرآن بأنه لا صنعة فيه لمحمد ولا لغيره من الخلق] القرآن إذًا صريح في أنه (لا صنعة فيه لمحمدٍ ﷺ ولا لأحدٍ من الخلق، وإنما هو منزَّل من عند الله بلفظِه ومعناه). والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد ﷺ . [إقرار النبي ﷺ بأن القرآن ليس من عنده من أقوى الأدلة على أن القرآن كلام الله] في الحق أن هذه القضية لو وَجَدَت قاضيًا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه.

стр. 100

أيُّ مصلحة للعاقل الذي يدَّعي لنفسه حق الزعامة ويتحدَّى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول: أيُّ مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه. الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حملُه وغلت قيمتُه وأمنت تهمتُه، حتى أن منهم من ينبش قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة، أمَّا أن أحدًا ينسب لغيره أنفس آثار عقله وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد. ولو أنَّنا افترضناه افتراضًا لما عرفنا له تعليلًا معقولًا ولا شبه معقول، اللهم إلا شيئًا واحدًا قد يحيك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في (نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي) ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعتِه عليهم ونفاذ أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه. وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه. [الفساد الذاتي للافتراض السابق] أمَّا إنه فاسد في ذاته؛ فلأن صاحب هذا القرآن قد صدَرَ عنه الكلام المنسوب إلى نفسِه والكلام المنسوب إلى الله تعالى؛ فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئًا، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه بزائدة فيها شيئًا، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتهما في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهلَّا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوَهِمُ. [معرفة أحوال النبي ﷺ دليل على صدقه في قوله: القرآن كلام الله] وأمَّا فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنَّه مبني على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمرٌ يأباه علينا

стр. 101

الواقع التاريخي كلَّ الإباء، فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته .. لا يشكُّ في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة، وأن سرَّه وعلانيته كانا سواءً في دقة الصدق وصرامة الحق في جليل الشؤون وحقيرها، وأن ذلك كان أخصَّ شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها، كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه (١) إلى يومنا هذا ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] وما بعدها. وكأني بك ها هنا تحب أن أقدم لك من سيرته المطهرة مثلًا واضحَ الدلالة على مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي الذي نحن بصدده، وأنه لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه، فإليك طرفًا من ذلك: (١) [حاجة النبيِّ ﷺ إلى الوحي، وتأخرِّه، دليلٌ على كون القرآن من عند الله] لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالًا ومجالًا، ولكَّنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرؤه على الناس.

стр. 102

[حادثة الإفك] ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة ﵂ وأبطأَ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: «إني لا أعلم عنها إلا خيرًا» (١)، ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله والكل يقولون: ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة، أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله» (٢). هذا كلامه بوحي ضميره، وهو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصدِّيق المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنًا براءتها، ومصدرًا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها، الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما. فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضَه، ويذب بها عن عرينه، وينسبها إلى الوحي السماوي لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] وما بعدها. (٢) [دلالة آيات العتاب على مصدرية القرآن] وأخرى كان يجيئه القولُ فيها على غير ما يحبه ويهواه، فيخطِّئه في الرأي يراه، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالتعنيف

стр. 103

الشديد، والعتاب القاسي، والنقد المر، حتى في أقل الأشياء خطرًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨]، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ٥] وما بعدها. أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وُجدانه، معبِّرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه، أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟! ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟! بلى، إنَّ هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتمًا شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]. وتأمَّل آية الأنفال المذكورة، تجد فيها ظاهرة عجيبة، فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطييب النفوس بها، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها، فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام - لو كان عن النفس مصدره - يمكن أن يصدر عنها آخره، ولمَّا تمضِ بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب والندم وبين ابتسامة الرضا والاستحسان؟ كلَّا، وإن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضرابًا عن الأول ماحيًا له، ولرجع آخر الفكر وفقًا لما جرى به العمل، فأيُّ داع دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو وتسجيله، على ما فيه من تقريع علني بغير حق، وتنغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها

стр. 104

حلالًا طيبة؟ إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أنَّ - ها هنا - ألبتة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: (لقد أسأتَ، ولكني عفوت عنك وأذنت لك). وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه ﵇ كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثمًا اختار أقربهما إلى رحمة أهله، وهداية قومه، وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله، لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحًا، أو جاوزه خطأً ونسيانًا، بل كل ذنبه أنه مجتهدٌ بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير، هبه مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل .. أليس معذورًا ومأجورًا؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية (١)، وإنما نبَّهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية. هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟! أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟! توفي عبد الله بن أُبَيّ كبيرُ المنافقين؛ فكفَّنه النبي في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر ﵁: أتصلي عليه وقد نهاك ربُّك؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما خيرني ربي فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيده على السبعين) وصلى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٠ - ٨٤]، فترك الصلاة عليهم - اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين وانظر ماذا ترى؟ (٢) -

стр. 105

إنها لتمثِّل لك نفس هذا العبد الخاضع وقد اتخذ من القرآن دستورًا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر (١) النص الأول تخييرًا له بين طريقين، فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة، ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع. وهكذا كلما درست مواقف الرسول ﷺ من القرآن في هذه المواطن أو غيرها تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة؛ وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن، معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض، بل تصدع بالبيان فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانًا للخبيث والطيب، أحبَّ الناسُ أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا؛ إذ لا تزيدها طاعة الطائعين، ولا تنقصها معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما، وشتان ما بين سيد ومسود، وعابد ومعبود. (٣) [توقُّفُ الرسول ﷺ في بيان القرآن، ودلالتُه على المصدرية] ولقد كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلامًا لا يفهم هو معناه، وتأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته؟ أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمورٌ لا آمر؟

стр. 106

نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فأزعجت الآية الصحابة إزعاجًا شديدًا، وداخلَ قلوبُهم منها شيء لم يدخلها من شيء آخر؛ لأنَّهم فهموا منها أنهم سيحاسبون على كل شيء حتى حركات القلوب وخطراتها - فقالوا: يا رسول الله، أُنزِلت علينا هذه الآية ولا نطيقها - فقال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (١) فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إلى آخر السورة المذكورة، وهنالك علموا أنهم إنما يحاسبون على ما يطيقون من شأن القلوب، وهو ما كان من النيَّات المكسوبة والعزائم المستقرة، لا من الخواطر والأماني الجارية على النفس بغير اختيار. الحديث في مسلم وغيره، وأشار إليه البخاري في التفسير مختصرًا (٢).

стр. 107

وموضع الشاهد منه: أنَّ النبي ﷺ لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر لبين لهم خطأهم ولأزال اشتباههم من فوره؛ لأنَّه لم يكن ليكتم عنهم هذا العلم وهم في أشد الحاجة إليه، ولم يكن ليتركهم في هذا الهلع الذي كاد يخلع قلوبهم وهو بهم رءوف رحيم، ولكنَّه كان مثلهم ينتظر تأويلها. ولأمر مَا أخر الله عنهم هذا البيان، ولأمر مَا وضع حرف التراخي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] (١). [صلح الحديبية، ودلالته على المصدرية] واقرأ في صحيح البخاري وسنن أبي داود (٢) وغيرهما قضية الحديبية، ففيها آية بينة: أذن الله للمؤمنين أن يقاتلوا من يعتدي عليهم أينما وجدوه، غير ألا يقاتلوا في الحرم من لم يقاتلهم فيه نفسه، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وما بعدها، فلما أجمعوا زيارة البيت الحرام في ذلك العام - وهو العام السادس من الهجرة - أخذوا أسلحتهم حذرًا أن يقاتلهم أحد فيدافعوا عن أنفسهم الدفاع المشروع. ولما أشرفوا على حدود الحرم علموا أن قريشًا قد جمعت جموعها على مقربة منهم فلم يثن ذلك من عزمهم؛ لأنهم كانوا على تمام الأهبة (٣)، بل زادهم ذاك استبسالًا وصمموا على المضي إلى البيت، فمن صدهم عنه قاتلوه، وكانت قريش قد نهكتها الحروب، فكانت البواعث كلها متضافرة والفرصة سانحة للالتحام في موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدمغه، وإنهم لسائرون عند الحديبية إذ بركت راحلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ أصحابه يثيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، أي: (حرنت الناقة)، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما خلأت

стр. 108

القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» (١). يعني: أن الله الذي اعتقل الفيل، ومنع أصحابه من دخول مكة محاربين، هو الذي اعتقل هذه الناقة، ومنع جيش المسلمين من دخولها الآن عنوة، وهكذا أيقن أن الله تعالى لم يأذن لهم في هذا العام بدخول مكة مقاتلين، لا بادئين ولامكافئين. وزَجَر الناقةَ فثارت إلى ناحية أخرى فنزل بأصحابه في أقصى الحديبية، وعدل بهم عن متابعة السير؛ امتثالًا لهذه الإشارة الإلهية التي لا يعلم حكمتها، وأخذ يسعى لدخول مكة من طريق الصلح مع قريش قائلًا: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطَّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»، ولكن قريشًا أبت أن يدخلها في هذا العام لا محاربًا ولا مسالمًا، وأملت عليه شروطًا قاسية بأن يرجع من عامه، وأن يردَّ كل رجل يجيئه من مكة مسلمًا، وألا ترد هي أحدًا يجيئها من المدينة تاركًا لدينه، فقبل تلك الشروط التي لم يكن ليمليها مثل قريش في ضعفها على مثل المؤمنين في قوتهم، وأمر أصحابه بالتحلل من عمرتهم وبالعودة من حيث جاءوا، فلا تسل عما كان لهذا الصلح من الوقع السيئ في نفوس المسلمين، حتى إنَّهم لما جعلوا يحلقون بعضهم لبعض كاد يقتل بعضهم بعضًا ذهولًا وغمًّا، وكادت تزيغ قلوب فريق من كبار الصحابة، فأخذوا يتساءلون فيما بينهم، ويراجعونه هو نفسه قائلين: لِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ وهكذا كاد الجيش يتمرد على أمر قائده ويفلت حبله من يده، أفلم يكن من الطبيعي إذ ذاك لو كان هذا القائد هو الذي وضع هذه الخطة بنفسه أو اشترك في وضعها أو وقف على أسرارها أن يبين لكبار أصحابه حكمة هذه التصرفات التي فوق العقول، حتى يطفئ نار الفتنة قبل أن يتطاير شررها؟ ولكن انظر كيف كان جوابه حين راجعه عمر: «إني رسول الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري». يقول: إنما أنا عبد مأمور ليس لي من الأمر شيء إلا أن أنفذ أمر مولاي واثقًا بنصره قريبًا أو بعيدًا، وهكذا ساروا راجعين وهم لا يدرون تأويل هذا

стр. 109

الإشكال حتى نزلت سورة الفتح فبينت لهم الحكم الباهرة والبشارات الصادقة، فإذا الذي ظنوه ضيمًا وإجحافًا في بادئ الرأي كان هو النصر المبين والفتح الأكبر (١)، وأين تدبير البشر من تدبير القدر؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٤] وما بعدها. (٤) [حالته ﷺ عند نزول الوحي، ودلالتها على مصدرية القرآن] ولقد كان ﷺ حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلًا فيحرك به لسانه وشفتيه؛ طلبًا لحفظه، وخشية ضياعه من صدره.

стр. 110

ولم يكن ذلك معروفًا من عادته في تحضير كلامه، لا قبل دعواه النبوة ولا بعدها، ولا كان ذلك من عادة العرب، إنما كانوا يزوِّرون كلامهم في أنفسهم، فلو كان القرآن منبجسًا من معين نفسه لجرى على سنة كلامه وكلامهم، ولكان له من الروية والأناة الصامتة ما يكفل له حاجته من إنضاج الرأي وتمحيص الفكرة، ولكنه كان يرى نفسه أمام تعليم يفاجئه وقتيًّا ويلم به سريعًا، بحيث لا تجدي الروية شيئًا في اجتلابه لو طلب، ولا في تداركه واستذكاره لو ضاع منه شيء، وكان عليه أن يعيد كل ما يلقى إليه حرفيًّا، فكان لا بد له في أول عهده بتلك الحال الجديدة التي لم يألفها من نفسه أن يكون شديد الحرص على المتابعة الحرفية، حتى ضمن الله له حفظه وبيانه بقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] الآيات من سورة القيامة، وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. * * * * * [سيرته ﷺ العامة، ودلالتها على أن القرآن من عند الله] هذا طرف من سيرته بإزاء القرآن، وكلها شواهد ناطقة بصدقه في أن القرآن لم يصدر عنه، بل ورد إليه، وأنه لم يفض عن قلبه، بل أفيض عليه، فإذا أنت صعدت بنظرك إلى سيرته العامة لقيت من جوانبها مجموعة رائعة من الأخلاق العظيمة. وحسبك الآن منها أمثلة يسيرة إذا ما تأملتها صورت لك إنسانًا الطهر ملء ثيابه، والجدُّ حشو إهابه، يأبى لسانه أن يخوض فيما لا يعلمه، وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يعلنه، ويأبى سمعه أن يصغي إلى غلو المادحين له، تواضعٌ هو حلية العظماء، وصراحة نادرة في الزعماء، وتثبت قلما تجده عند العلماء، فأنى من مثله الختل (١) أو التزوير، أو الغرور أو التغرير؟ حاش لله!
следующие страницы →