← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

ومن كان مجتهدًا مخطئًا فهو غير مبطل؛ لإتيانه بالمأمور به (١). (٢) وهذا أيضًا فيه عندنا نظر (٣)، فإنّ المجتهد في مسألة القائل: بأنّ المصيب واحد، يظنّ خطأ صاحبه، ولا معنى لذلك إلَّا أنَّه مبطلٌ فيما أتى به، وإنما بذْلُ الوسعِ أقامَ عذرَه. نعم، قد يجاب بأنّه ليس يعلم حال التولية، أنَّه يحكم بخلاف ما يعتقده، وذلك لأنَّ على الحاكم أنْ يجتهد في الحكم عند كلِّ حادثة، وربما تغير اجتهاده. وأيضًا، فلعل أبا بكر ﵁ نهى زيدًا عن الحكم فيما يخالفه فيه، وقصر توليته على الحوادث التي يوافقه فيها. وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولَّى الإمام رجلًا، وقال: لا تحكم في قتل المسلمِ [بـ] الكافرِ (٤) والحرّ [بـ] العبيدَ (٥)، جاز وقد قصر عمله على باقي الحوادث (٦).

стр. 3222

وواقعة زيد واقعة عين، لا يمكن فيها نفي هذا الاحتمال. وأيضا فلعل أبا بكر ﵁ كان يرى أنّ كلّ مجتهدٍ مصيبٌ، فالمسألة مشهورة باضطراب الآراء فيها قديما وحديثا (١). قال: (فرعان الأول لو رأى الزوج لفظًا (٢) كناية ورأته المرأة صريحا فله الطلب ولها الامتناع فيراجعان غيرهما). هذان فرعان من فروع حكم الاجتهاد (٣). الأول: لو كان الزوجان مجتهدين، فخاطبها الزوج بلفظة يرى أنها كناية في الطلاق ولا نيّة، وترى المرأة أنها صريحة فيه، فللزوج طلب الاستمتاع منها، ولها الامتناع عملًا مع كلِّ منهما بمقتضى اجتهاده. وطريق قطع المنازعة بينهما أنْ يرَاجعَا مجتهدًا آخر غيرهما حاكمًا أو حكمًا من جهتهما، ليحكم بينهما بما أدّى إليه اجتهاده.

стр. 3223

وهذا الطريق متعين لدفع المشاجرة في نحو الصورة المفروضة، سواءً قلنا: المجتهد واحد أم كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، وهذا إذا لم تكن المنازعة فيما يجري فيه الصلح، فإنْ جرى فيها الصلح كالحقوق المالية، فينقطع بطريق الصلح أيضًا. هذا ما في الكتاب (١). وقد ذكر القاضي في مختصر التقريب هذا الفرع، وجعله من أدلة خصومه القائلين: بأنّ المصيب واحد، وأنهم قالوا: هذا يقتضي الجمع بين التسليط على الاستمتاع والامتناع منه. ثم أجاب عنه: بأنا نسألكم عن هذه الحادثة إذا عنت وكل ما قدرتموه جوابًا ظاهرًا في حقهما فهو حكم الله قطعًا، قال: فإن زعموا أنّ المرأة مأمورة بالامتناع جهدها والرجل مباح له الطلب للاستمتاع وإنْ أدّى إلى قهرها ولم يعدوا ذلك تناقضًا في ظاهر الجواب فهو حكم الله تعالى عندنا ظاهرًا وباطنًا (٢). قال: ومما تمسكوا به أنّ المنكوحة بغير ولي إذا زوجها وليُّها ثانيًا من شافعي والذي تزوج بها أولًا حنفي، والمرأة مترددة بين دعوتهما (٣) وهما مجتهدان فما وجه القول في جمع الحلّ والتحريم؟ (٤).

стр. 3224

وأجاب بجوابه الأوّل: وأنّ كلّ ما أجبتم به في ظاهر الأمر، ولم تعدوه تناقضًا، فهو حكم الله تعالى عندنا. ثم قال: وإن اجتزيت بهذا القدر كفاك وإن أردت التفصيل في الجواب. قلنا: من القائلين بأن المصيب واحد من صار في هذه الصورة إلى الوقف حتى يرفع الأمر إلى القاضي كما قدمناه في الصورة (١) المعلومة الأولى فعلى هذا نقول: حكم الله فيهما الوقف ظاهرًا وباطنًا حتى نرفع أمرهما إلى القاضي فينزلهما على اعتقاد نفسه وهذا حكم الله حينئذ، ومنهم من قال نسلم المرأة إلى الزوج الأول فإنْ نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق به فلا يبعد أنْ يكون هذا هو الحكم، قال وهذه الصورة وأمثالها من المجتهدات وفيها تقابل الاحتمالات فيجتهد المجتهد فيها عندنا، وما أدى إليه اجتهاده فهو حقّ من وقف أو تقديم أو غيرهما من وجوه الجواب (٢). قال: (الثاني إذا تغير الاجتهاد كما لو ظنّ أنّ الخلع فسخٌ ثمّ ظنّ أنَّه طلاق فلا ينتقض الأوّل بعد اقتران الحكم وينتقض قبله). إذا أداه اجتهاده إلى أنّ الخلع فسخٌ فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثًا بمقتضى هذا الاعتقاد (٣)، ثمّ تغير اجتهاده، وأدّاه إلى أنَّه طلاق (٤).

стр. 3225

فإمَّا أن يتغير بعد قضاءِ القاضي بمقتضى الاجتهاد الأوّل المقتضي لصحة النّكاح، فلا ينقض بالاجتهاد الثاني، بل يبقى على النكاح. وإمَّا أنْ يتغير قبل القضاء بالصّحة، فيجب عليه مفارقتها؛ لأنَّ الظنّ المصاحب له الآن قاضٍ بأنّ اجتهاده الأوّل خطأ فليعمل به. وهذا ما أراده المصنف بقوله: "وينتقض قبله" ومراده بالنّقض: ترك العمل بالاجتهاد الأوّل، وإلّا فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا فيما إذا

стр. 3226

تغير اجتهاده في حقّ نفسه. فلو تغير في حقّ غيره؛ كما إذا أفتى مقلده بصحة نكاح المختلعة ثلاثًا، ونكحها المقلد عملًا بفتواه، ثمّ تغير اجتهاده ولم يكن الحاكم قد حكم بصحة النّكاح قبل تغير اجتهاده. فالمختار: أنَّه يجب عليه تسريحها كما في حقّ نفس المجتهد. ولو قال: مجتهد للمقلد - والصورة هذه -: أخطأ بكَ من قلدته. فإنْ كان الذي قلّده أعلمَ من الثاني، أو (١) استويا، فلا أثر له لقوله. وإن كان الثاني أعلم. قال الرافعي: فالقياس أنّا إنْ أوجبنا تقليدَ الأعلم، فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده وإلا فلا أثر له (٢). قال النووي: وهذا ليس بشيء بل الوجه الجزم بأنّه لا يلزمه شيء ولا أثرَ لقولِ الثاني (٣).

стр. 3227

خاتمة: القاضي إذا حكمَ في هذه الواقعة، ثمّ تغير اجتهاده لم يكن له النّقض لكون المسألة اجتهادية (١).

стр. 3228

ولنا: - فيما إذا حكم الحاكم بحكم، ثم انقدح له ما لو كان مقاربٌ لمنع الحكم - قولٌ بليغٌ، فلنورده، فنقول ذلك على أقسام: أحدها: أنْ يَكونَ أمرًا متجدِدًا لم يكنْ حالَةَ الحكْمِ. مثاله: أنْ يباعَ مالُ يتيمٍ بقيمتِه؛ لحاجته، ويُحْكَمَ بصحَةِ البيْعِ، ثمّ تَغْلُو الأسعارُ بعد ذلك، فتصير قيمتُه أكثرَ، فهذا لا اعتبار به؛ لأنَّ الشرطَ البيعُ بالقيمةِ ذلك الوقت، لا بعده. الثاني: أنْ يحكم باجتهاده لدليلٍ أو أمارةٍ، ثمّ يظهرُ له دليلٌ أو أمارةٌ أرجحُ (١) من الأوّل، ولا ينتهي إلى ظهور النّص. فهذا أيضًا (٢) لا اعتبار به، وإنْ كانَ لو قارنَ لوجب الحكم به؛ لأنَّ الحكمَ بالراجحِ، وإنْ كانَ واجبًا لكن الرجحان حاصلٌ الآن في ظنّه، ولا يدري لو حصل ذلك الاحتمال عنده حالة الحكمِ هلْ يكون عنده راجحًا أو مرجوحًا؟ والاعتبار إنما هو بالرجحان حال الحكم، ولا يلزم من الرجحان في وقت الرجحانُ في وقت غيره؛ لتفاوت الظنون بحسب الأوقات، وما يكون فيها من أمور لا تنحصر يتغير بها الظنّ، ولا يتمكن الظانّ من الجزم بأنّ الظنّ الذي عنده في وقت، لو نظر في وقت آخر لكان مستمرًا، ورجحان الاعتقاد إنما يحصل حالًا فحالًا، وأمّا اعتقاد الرجحان، فقد يكون يعتقد - في وقت قطعًا - رجحانَ أمرٍ عنده في الماضي، وهو

стр. 3229

من الأمور الوجدانيات (١) ليس مما نحن فيه. نعم (٢)، سيأتي قسم منه هنا، فاضبط هذا هنا؛ لتنتفع به إذا قلناه. الثالث: أنْ يظهر دليلٌ أو أمارةٌ تساوي الأوّل فبطريق الأولى لا اعتبار به، وإن كان لو قارن لمنع من الحكم. وبهذا تعلم أنّ إطلاق من أطلق أنَّه إذا ظهر بعد الحكم ما لو قارن؛ لمنع من الحكم (٣) بنقض الحكم، ليس بجيد (٤). الرابع: أنْ يظهر نصٌّ، أو إجماع، أو قياس جليّ بخلافه فينقض الحكم؛ لأنَّ ذلك أمرٌ مقطوعٌ به، فلم ينقضه بظنّ، وإنما نَقَضَه بالدليلِ القاطعِ على تقديمِ النّص، والإجماع والقياس الجليّ على الاجتهاد، فهو أمرٌ لو قارنَ العلمَ به لوجب تقديمه قطعًا، فلذلك نُقِضَ به. الخامس: أنْ يظهر أمر لو قارن لمنع ظنًّا لا قطعًا كبيّنة الداخل فإنّ في (٥) تقديمها على بيّنة الخارج خلافًا، فهو أمر مظنون مجتهد فيه، ولكنّ الحاكم الذي يراه اجتهادًا أو تقليدًا قاطعٌ بظنّه، ووجوبِ العملِ به، فلو

стр. 3230

قارنَ لوجبَ الحكم به، وهو يعلم من نفسه أنَّه إنما يحكم به، فإذا حكم للخارج (١) معتقدًا أنَّه لا بينة للداخل، ثمّ جاءت البينة، فقد ظهر أمر لو قارن لمنع ظنًّا، والظنّ السابق معلومٌ الآن. وهذا هو اعتقاد الرجحان الذي أشرنا إليه من قبل. وقد اختلف الأصحاب ها هنا في النّقض: فمن ذهب إلى أنَّه لا ينقض؛ فوجهه أنَّه أمرٌ مجتهَدٌ فيه. ومن قال بالنّقض؛ فوجهه أنَّه عالم بظنّه وبأنّه إنما حكم معتقدًا عدم بينة الخارج فهو قاطع بما كان يمنعه من الحكم لو قارن. فانظر هذا التفاوت بين المراتب، وأنّ هذه المرتبة بين ظهور النّص، وبين ظهور الدليل الراجح أو المساوي، فلذلك نقض في النّص قطعًا ولم ينقض في الدليل أو الأمارة قطعًا وحصل التردد في هذا على وجهين. السادس: أنْ يظهر معارض محضّ من غير مرجح. كما إذا حكم للخارج ببينة، ثمّ جاءت بينة لخارج آخر، فهذه البينة لو قارنت لمنعت الحكم للتعارض. فإذا ظهرت بعد الحكم؛ فلوالدي - أيده الله تعالى - في المسألة احتمالان: أحدهما: أنْ يقال إنّه كظهور الأمارة المساوية فلا ينقض به قطعًا.

стр. 3231

وأرجحهما عندي، أنّها ليست كالأمارة المساوية؛ لأنَّ مساواة الأمارة المساوية مظنونة، وجاز أنْ تضعف في وقت آخر ويستمر رجحان الأمارة المحكوم بها لعدم الوثوق بالظنون، وجاز أنّها لو لاحت له في (١) وقت الحكم لكانت مرجوحة غير مساوية، وأمّا البينة إذا عارضت أخرى فمساواتها معلومة ميؤوس فيها من الترجيح فلا يبقى لاحتمال استمرار ذلك الحكم أو غيره فيرد (٢) الأمر إلى ما كان عليه قبل الحكم ويقف لقطعنا باستواء الجانبين بخلاف الأمارات التي لا يوثق بحال الظنون فيها فإنّه لو لم يمض الحكم فيها أدّى إلى عدم استمرار الأحكام وأنْ لا يحكم بشيء. وقد مال والدي - أيده الله تعالى - إلى ترجيح الأوّل. وقال: لم أجد في كلام الأصحاب إلى الآن ما أعْتَضِد به في الجزمِ بأحدهما، غير أني أميلُ إلى عدمِ النقضِ، وأنَّ الحاكمَ لا يحكمُ ولا ينقض إلَّا بمستند. ولك أنْ تقول: ظهورنا يقطع بمساواته مستند، وقد تخلّص (٣) من هذا أنّ العلم بمقارنة ما يقطع بتقديمه على مستند الحكم موجب لنقضه قطعًا، والعلم بمقارنة ما يظنّ تقديمه فيه وجهان كبينة الداخل، والعلم بمقارنة ما يمنع الحكم ويوجب التوقف فيه الاحتمالان المذكوران. وهذا هو القسم السادس (٤)

стр. 3232

والذي قبله الخامس (١) والذي قبله الرابع (٢) والثلاثة الأوّل لا نقض فيها قطعًا. أمّا الأوّل (٣)؛ فللعلم بعدم المقارنة. وأمّا الثاني (٤) والثالث (٥)؛ فللشك فيها وعدم استقرار الأحكام.

стр. 3233

الباب الثاني: الإفتاء

стр. 3234

قال: (الباب الثاني: في الإفتاء . وفيه مسائل: الأولى: يجوز الإفتاء للمجتهد ومقلد الحي واختلف في تقليد الميت؛ لأنّه لا قول له لانعقاد الإجماع على خلافه. والمختار جوازه للإجماع عليه في زماننا). يشتمل هذا الباب على ثلاث مسائل (١): الأولى: النظر فيما يتعلق بالمفتي . اعْلَمْ أنَّه يجوز للمجتهد الإفتاء (٢).

стр. 3235

وأمّا المقلد (١) فقال: أبو الحسين البصري، وجماعة لا يجوز له الإفتاء مطلقًا (٢). وذهب قوم إلى الجواز مطلقًا إذا عرف المسألة بدليلها (٣). وذهب الأكثرون إلى أنَّه إن تبحر في مذهب ذلك المجتهد، واطلع على مأخذه، وكان أهلًا للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى، وإلا فلا (٤). وقال آخرون: إن عدم المجتهد جاز وإلا فلا (٥).

стр. 3236

وقالت طائفة: يجوز لمقلد الحيّ أنْ يفتي بما شافهه به، أو نقله إليه موثوق بقوله، أو وجده مكتوبًا في كتاب معتمد عليه، ولا يجوز لمقلد الميت (١). هذا شرح ما في الكتاب، وعبارته قد تُوهِم اختصاص الخلاف بمقلد الميت، وهو جائز (٢) مطلقًا، وقد تُوهِمُ أنَّ اختيارَه جوازُ إفتاءِ (٣) المقلدِ العاميَّ. والظنّ به أنّه لم يختر هذا المذهب، وإنْ كان وجهًا في المذهب. فقد قال القاضي في مختصر التقريب: أجمعوا على أنَّه لا يحلّ لمن شدَا شيئًا من العلم أنْ يفتي (٤). وإنما قال المصنفُ في تقليدِ الميتِ، ولم يقلْ في مقلدِ الميتِ، مع أنّ الغرض حكم إفتاء مقلد الميت، لا بيان حكم تقليده؛ ليشير إلى أنّ جواز إفتائه مشروط بصحة تقليده؛ فيلزم من الخلاف فيها الخلاف في إفتائه. قوله: "لأنّه لا قول له" أي: احتجَّ من منع (٥) تقليد الميت بأنّ الميت لا قول له؛ بدليل انعقاد الإجماع على خلافه، ولو كان ذا قول، لم ينعقد مع مخالفته كالحيّ، وإذا لم يكن له قول لم يجز تقليده.

стр. 3237

واستدل المصنف على اختياره بالإجماع عليه في زماننا (١). وهذا قد ذكره الإمام فقال: انعقد الإجماع في زماننا هذا على جواز العمل بهذا النّوع لأنّه ليس في هذا الزمان مجتهد، والإجماع حجّة (٢). ولقائل أنْ يقول: لا يجامع قولك: ليس في هذا الزمان مجتهد (٣). قولك: إجماع أهل هذا الزمان حجّة؛ لأنَّ الإجماع المعتبر هو إجماع المجتهدين (٤). قال: (الثانية يجوز الاستفتاء للعامي لعدم تكليفهم في شيء من الأعصار بالاجتهاد وتفويت معائشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه دون المجتهد؛ لأنّه مأمور بالاعتبار. قيل: معارض بعموم ﴿فَاسْأَلُوا﴾، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.

стр. 3238

وقول عبد الرحمن لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وسيرة الشيخين. قلنا: الأول مخصوص وإلا لوجب بعد الاجتهاد والثاني في الأقضية والمراد من السيرة (١) لزوم العدل). هذه المسألة ناظرة فيما يتعلق بالمستفتي باحثة عمّن يجوز له الاستفتاء ومن لا يجوز فنقول للمكلف حالات: الأولى: أنْ يكون عاميًا صرفًا لم يحصِّل شيئًا من العلوم التي يترقى بها إلى منازل المجتهدين. - فالجماهير على أنَّه يجوز له الاستفتاء، ويجب عليه التقليد في فروع الشريعة جميعها، ولا ينفعه ما عنده من علوم لا تؤدي إلى الاجتهاد، وإن كانت عدد الحصى (٢). - ومنع منه معتزلة بغداد مطلقًا، وقالوا: يجب عليه الوقوف على طريق الحكم، ولا يرجع إلى العالم إلا لينبه (٣) على أصولها وطريقة النظر فيها (٤).

стр. 3239

قال القاضي عبد الوهاب (١): وعلى هذا جعفر بن مبشر (٢) وجعفر بن حرب (٣) منهم (٤). - وفصّل الجبائي فقال: يجوز في المسائل الاجتهادية دون ما عداها كالعبادات الخمس (٥).

стр. 3240

الحالة الثانية: العَالِمُ الذي تعالى عن رتْبَةِ العامَّةِ بتحصِيلِ بعضِ العلومِ المعتبرَةِ، ولم يحِطْ بمنصبِ الاجتهادِ. فالمختار: أنّ حكمَه حكمُ العاميِّ الصِّرف؛ لعجزه عن الاجتهاد (١). وقال قوم (٢): لا يجوز له ذلك، ويجب عليه معرفة الحكم بطريقه؛ لأنَّ له صلاحية معرفة طرق (٣) الأحكام بخلاف العامي (٤). واستدل المصنف على جواز الاستفتاء للعامي سواءً كان عاميًا صرفًا وهو المذكور في الحالة الأولى، أو عالمًا وهو المذكور في الثانية (٥) بوجهين: أحدهما: إجماع السلف عليه إذ لم يكلّفوا العوام في عصر من الأعصار بالاجتهاد، بل قنعوا منهم بمجردِ أخذِ الأحكامِ من أقوالهم من غيرِ بيانِ مأخذِها (٦).

стр. 3241

فإن قلتَ: دعوى قيامِ الإجماعِ على إفتاءِ المستفتين صحيحة، ولكن من أين لكم أنّ المستفتين لم يسألوا عن بيان المأخذ؟ قلت: لم ينقل ذلك ولا لَامَ أحدٌ العوام على تركِهم السؤالَ عن وجهِ دلالةِ الدليلِ، ويعلم قطعًا أنّهم كانوا لا يذكرون الدليل عند الإفتاء مع علمهم بجهل المستفتى به (١). والثاني: أنّ وجوب ذلك عليهم يؤدي إلى تفويت معايشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه، وذلك مؤذن باختلال نظام العالم وفساد الأحوال (٢). فإن قلت: هذا يقتضي أنْ لا يجب النظر في أصول الدين، وأن يجوز فيه التقليد؛ لأنا نعلم أنّ الصحابة والتابعين ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام، بل ربما لاموا المشتغل به مع أنَّه يلزم منه تعطيل أمور المعايش؛ لأنَّ غموض أدلة الأصول أكثر. قلت: إنْ سلمنا عدمَ جوازِ التقليدِ فيه، فالفرقُ أنَّ مطالبه معدودة محصورة لا تتكرر، وأكثر أدلتها قواطع تحمل الطبع السليم على الإذعان لها، بخلاف الأحكام الفرعية، فإنّها غير متناهية، وأكثر

стр. 3242

أدلتها ظنون، تضطرب بحسب الأذهان، فكان تحصيل رتبة الاستدلال فيها محتاجًا إلى الانقطاع عن الاشتغال بغيرها فأدّى إلى ما ذكرناه (١). واحتج الجبائي: بأن الحقّ في المسائل الاجتهادية متعدد، بخلاف غيرها، فإنّه واحد، فالتقليد فيه لا يؤمن من الوقوع في غير الحقّ. والجواب: بعد تسليم (٢) أنّ كلّ قول في المجتهدات حقّ، أنَّه لا يؤمن فيها أيضًا من الوقوع في الخطأ؛ لاحتمال تقصير المجتهد في الاجتهاد، أو أنْ لا يجتهد أو يفتي بخلاف اجتهاده (٣). تنبيه: ذهب معظم الأصوليين إلى أنّ القول بأنّ العاميَّ مقلدٌ للمفتي فيما يأخذ منه؛ لأنَّ التقليد إن عرف بأنه: قبول قول القائل بلا حجّة فقد تحقق ذلك، إذ ليس قوله في نفسه بحجة، وإن عرف بأنّه: قبول قول القائل مع الجهل بمأخذه، تحقق في قول المفتي أيضًا. قال القاضي في مختصر التقريب: والذي نختاره أنّ ذلك ليس بتقليدٍ أصلًا، فإنَّ قولَ العالمِ حجةٌ في حقٍّ المستفتي نَصَبَهُ الربُّ تعالى علمًا في حقّ العامي، وأوجب عليه العمل به، كما أوجب على المجتهد العمل باجتهاده،

стр. 3243

واجتهادُه علمٌ عليه، وقولُه علم على المستفتي. ويخرج لك من هذا أنّه لا يتصور تقليد مباح في الشريعة لا في الأصول ولا في الفروع؛ إذِ التقليد على ما عرَّفه القاضي: هو اتباع من لم يقم باتباعه حجّة ولم يستند إلى علم. قال: ولو ساغ تسميةُ العاميِّ مقلدًا مع أنّ قول العالم في حقه واجب الاتباع جاز أنْ يسمى المتمسك بالنصوص وغيرها من الدلائل مقلدًا (١). قوله: "دون المجتهد" هذا هو الحال. الثالثة: وهو أنْ يبلغَ المكلَّفُ رتبةَ الاجتهاد، فإنْ كان قدْ اجتهدَ في المسألة، ووضح في ظنّه وجه الصواب، لم يقلد غيره بلا ريب. وإنْ لم يكن قدْ اجتهدَ فيها فهي مسألة الكتاب، وقد اختلفوا فيها على مذاهب: الأول: المنعُ من التقليدِ مطلقًا، وإليه ذهب أكثر الفقهاء وجمع من الأصوليين (٢) منهم القاضي، واختاره المصنف تبعًا

стр. 3244

للإمام (١) وهو المختار عند الآمدي (٢) وابن الحاجب (٣). والثاني: التجويزُ مطلقًا، وعليهِ سفيان الثوري وأحمد، وإسحاق (٤) (٥). والثالث: يجوز تقليد الصحابة فقط (٦).

стр. 3245

والرابع: يجوز تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم (١). والخامس: يجوز تقليدُ العالمِ لأعْلَمَ منه، ولا يجوز لمساوِيهِ ودُونَه، وإليه ذهب محمد بن الحسن (٢). والسادس: يجوز له التقليد فيما يخصه دون ما يفتي به (٣).

стр. 3246

والسابع: أنَّه يجوز فيما يخصه إذا خشي فوات الوقت، باشتغاله بالحادثة وهو رأي أبي العباس بن سريج (١). والثامن: أنَّه يجوز للقاضي دون غيره (٢). واستدل المصنف على أنّ المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقًا، بأنه مأمور بالاعتبار في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٣) فإذا تركه يكون تاركًا للمأمور به فيعصي.

стр. 3247

ولا يرد العامي لأنّه خرج من عموم الأمر بدليل عجزه عن الاجتهاد، هذا إن جعلناه مقلدًا وإن لم نجعله مقلدًا كما قال القاضي فلا سؤال (١). وجعل الآمدي المعتمد في المسألة أنْ يقال جوازُ تقليدِ المجتهدِ للمجتهدِ حكمٌ شرعيٌ، فلا بد عليه من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فعلى مدعيه بيانه، والقياس على العامي لا يصلح أنْ يكون دليلا لما عرفت من الفرق (٢). ولمعارض أنْ يقول: القولُ بوجوبِ الاجتهادِ على المجتهدِ فيما نزل به من الوقائع مطلقًا، وحرمة التقليد عليه، حكم شرعيٌّ، فلا بد عليه من دليل وعلى مدعيه بيانه. قوله: "قيل معارض" أي: عارض (٣) الخصم الاستدلال على منع التقليد للمجتهد (٤) بأوجه: الأول: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) والعالم قبل (٦) أنْ يجتهد لا يعلم فوجب تجويز الاجتهاد له (٧).

стр. 3248

والثاني: قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) والعلماء هم أولو الأمر لأنَّ أمورهم تنفذ على الأمراء والولاة (٢). والثالث: إجماع الصحابة: روى أحمد عن سفيان بن وكيع بن الجراح (٣) قال: حدثنا قَبِيصَة (٤) قال حدثنا أبو بكر بن عياش (٥) عن عاصم عن [أبي] (٦) وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف

стр. 3249

كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًا، فقال: ما ذنبي قد بدأت هكذا (١) لعلي، فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان، فقال: نعم، فقد التزم عثمان ذلك بمحضر من عظام الصحابة من غير نكير عليه (٢).

стр. 3250

فكان إجماعًا على جواز أخذ المجتهدِ بقول المجتهدِ الميِّتِ، وإذا ثَبَتَ في الميِّتِ ثَبَتَ في الحيِّ بطريقِ الأولى (١). وأجاب المصنف عن الأوَّل بأنه: عام مخصوص، بالمقلدين، وإلَّا لوجب الاجتهاد على المجتهد بعد اجتهاده؛ لأنّه بعد الاجتهاد أيضًا ليس بعالم بل هو ظانٌّ وذلك باطل بالإجماع (٢) (٣). ولقائل أنْ يقول: المراد بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) إنْ كنتم غيرَ ذوِي علمٍ، وذَو العلمِ صادقٌ على منْ يتوصلُ إلى الأحكامِ بمسالكِ الظنونِ، وهذا واضح، بل الجواب أنّ السؤال مشروط بعدم العلم، ولم يوجد في المجتهد؛ لأنّه عالم. وقولكم: قبل الاجتهاد لا يعلم.

стр. 3251

قلنا: لا يخرج عن كونه عالمًا بغيبوبة المسألة عن ذهنه، مع تمكنه من معرفتها من غير احتياج إلى غيره. وأجاب الإمام أيضًا: بأنّ ظاهر الآية يقتضي وجوب السؤال على المجتهد وهو غير واجب بالاتفاق (١). قلت (٢): وفي دعوى الاتفاق نظر، فإنّ القائل بتجويزه إذا ضاق الوقت، لا بد وأنْ يوجبَه عليه والحالة هذه، ولعلَّ مرادَه بالاتفاقِ، اتفاقُ الخصمين المانع مطلقًا ومقابله؛ لأنَّ البحث في هذا الدليل بينهما. وأجاب المصنف عن الثاني بأنّ الآية الأولى (٣) دلت على وجوب الطاعة في الأقضية والأحكام جمعًا بين الأدلة (٤). وأيضًا المتبادر إلى الفهم من إطلاق أولي الأمر الأمراء والحكام. وأجاب عن الثالث بأنّ المرادَ من سيرة أبي بكر وعمر ﵁ لزومُ العدلِ والإنصافِ والسَنَنِ المرضيِّ في جميع الحالاتِ؛ لأنّه من (٥) المتبادر إلى الذهن من

стр. 3252

السيرة (١). وأيضًا في سند الحديث سفيان بن وكيع وقد قال فيه أبو زرعة (٢) متّهم بالكذب (٣) (٤). قال: (الثالثة: إنما يجوز في الفروع وقد اختلف في الأصول ولنا فيه نظر وليكن آخر كلامنا وبالله التوفيق) . هذه المسألة فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز فنقول: أمّا الاستفتاء في الفروع، فهو جائز على ما سلف فيه من

стр. 3253

الكلام. وهل عملُ العاميِّ بقول المجتهدِ تقليدٌ؟ فيه ما أوردناه عن القاضي والأصوليين. وأما الاستفتاء في الأصول (١). فذهب كثير من الفقهاء، وبعض المتكلمين كعبيد الله بن الحسين العنبري والحشوية (٢) والتعليمية (٣) إلى جوازه (٤).

стр. 3254

وربما بالغ بعضهم فقال التقليد: واجب والنظر في ذلك حرام (١). وذهب الباقون: إلى عدم جوازه (٢)، وأنه يجب على كلّ أحدّ معرفة الله وما يجب له من الأوصاف، ويجوز عليه ويتقدَّس عنه، وكذلك جملة العقائد بالنظر والاستدلال. ولما كان محل المسألة علم الكلام، لم يطل المصنف فيها، ولتقاوم الأدلة عنده لم يجزم بشيء بل قال: إنَّ له (٣) فيه نظرًا، ونحن نورد نزرًا (٤) يسيرًا من معتصمات الفريقين. أمّا مجوزو التقليد فاحتجوا بوجوه: منها: أنّ النظر في أصول الدين منهي عنه لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥)، ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا

стр. 3255

بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١) والنظر يفضي إلى فتح باب الجدال (٢). (٣) وروي أنَّه ﷺ نهى الصحابة؛ لما رآهم يتكلمون في مسألة القدر (٤)، وإذا كان منهيًا عنه فلا يكون واجبًا، فيكون التقليد جائزًا (٥). وأجيب (٦) عنه: بمنع كون النظر منهيًا عنه، والآيات محمولة على النهي عن الجدال بالباطل جمعًا بين الأدلة فإنّ قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٧) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٨). وأثنى الله تعالى على الناظرين بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي

стр. 3256

خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) وأمّا الحديث فلعل النبي ﷺ لما علم صحةَ اعتقادِهم وحَقَيَّةَ (٢) يقينِهم بما تَلَقَوْهُ (٣) عنه وشاهدوا من المعجزات الخوارق، علم أنّ الجدال بعد ذلك لا يفيدهم شيئًا، وربما أورث شكًّا فنهاهم لذلك. أمَّا الساذج (٤) الذي لم يثبت عنده شيء، فكيف لا يجب عليه السعي في إثبات يقينه والذّب عن تأكيد دينه. ومنها: أنّ النظر فيه مظنّة الوقوع في الشكوك والشبهات والخروج إلى البدع. وأجيب: بأن التقليد لا بد أنَّه ينتهي إلى النّظر والاستدلال؛ لامتناع التسلسل، وحينئذ ما ذكرتم من المحذور لازم للتقليد، مع زيادة محذور احتمال كذب المقلّد فيما أخبر به المقلد عن اعتقاده. وأمّا المانعون منه فاعتصموا بوجوه: منها: أنّ تحصيل العلم في أصول الدّين كان واجبا على المصطفى ﷺ بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) فيكون واجبًا على أمته بقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3257

. . (١). ومنها: أنّ التقليد مذموم شرعًا في قوله تعالى حكاية عن قوم في معرض الذّم لهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٢). ووجوه الحجاج في المسألة عديدة. وقد ذكرنا أنّ محلها علم الكلام، فمن أراد الإحاطة به، فهو محال على كتبه.

стр. 3258

خاتمة وبنجاز هذه المسألة تمّ هذا الشرح المبارك أسأل الله تعالى أنْ يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريم موجبًا للفوزِ لديه، وأنْ يعمَّ النَّفع به بمحمد وآله وصحبه. وقدْ راعينا فيه جانب التَّوسط؛ لأنَّ الكتاب مختصر، فالألْيَقُ بشارحه أنْ يحذو حَذْوَه، ولا يتعدى ممشاه فوق خَطْوِه، وقد كنّا نروح ونغدو على المسألة، وربما لم نخرج عن حدّ الشرح قدرَ أُنْمُلة، وفي النفسِ حَزَازَات من مباحثَ نترك ذكرَها خشيةَ التطويل، ونَسْلُكُ في الإضرابِ عنها سبيلَ غيرنا، وإنْ كنَّا لا نرتضي تلك السبيل، على أنَّا لم نألُ جهدًا فيما وضعناه، ولم نرض إلَّا أنْ نحله محلَ النَّجم، وفي الظنِّ أنَّا ما أنصفناه، فإنَّا لم نغادر صغيرة ولا كبيرة مما يطالب الشارح بها إلَّا وقد جمعناها فيه، مع زيادات مِنْ نُقُولٍ، وفرائدَ يَهِيمُ الفَهِمُ إذا سَمِعَها طربًا، وينطق (١) شاكرُها ملءَ فيه، ومباحث ما البدورُ الكواملُ إلَّا ما تطلعُ، ولا العُرُبُ الأترابُ إلَّا ما تَفُوهُ به بناتُ فكرها وتسمع. لكنَّ الكتابَ مع أنّه الروض المبدعةُ أزهارُه، والواضحُ الجليُّ الذي ينضال لديه النّهار وأنواره، لم يغنِ على نفسه لقلّة ما أودع فيه من المسائل، ولم يبن عن جمعٍ كبيرٍ، فلم نهتم له ولا به، وكيف

стр. 3259

لا؟ وقد كنَّا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب، وقالت: النَّفس حِطَّة (١)، وبعد عليه، فنقول: من رأى القلم يكتب والهمّة تملي عليه. أمَّا القلم قد أبلَ (٢) وليس في تلك شطّة (٣). وفي عزمي والله الميسر أنْ أضع (٤) شرحًا على مختصر ابن الحاجب بسيطًا لا عذر لي إذا لم آتِ فيه بالعَجَبِ العُجَاب، محيطًا بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلَّا القشر عن اللباب، والله المسؤول أنْ يوفقنا لصالح الأعمال، ويجمعنا على العلم ونشره في كلّ حال بمنِّه وكرمِه، إنّه المرجو خيرُه المأمولُ يسرُه، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين. قال المصنف أيده الله: فرغت منه صبيحة يوم الجمعة السادس عشر من صفر المبارك سنة اثنين وخمسين وسبعمائة (٧٥٢ هـ) أحسن الله تقضيها بالمدرسة العادلية منزل سيدي ووالدي أحسن الله إليه من دمشق

стр. 3260

المحروسة، وكتب مؤلفه عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي أصلحه الله تعالى وكان له، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل. تم بحمد الله