← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وجوزه آخرون للغائبين مطلقًا دون الحاضرين (١). ومنهم من قال: يجوز إن لم يوجد في (٢) ذلك منع. قال صفي الدّين الهندي وهذا ليس بمرضي؛ لأنَّ ما بعده أيضًا كذلك فلم يكن له خصوصية بزمانه ﷺ (٣). ومنهم من قال إن ورد الإذن بذلك جاز وإلا فلا (٤). ثمّ من هؤلاء من نزّل السكوت عن (٥) المنع منه مع العلم بوقوعه منزلة الإذن (٦). ومنهم من اشترط صريح الإذن (٧). هذه جملة المذاهب في المسألة، وبه يعلم أنّ دعوى المصنف الاتفاق على جوازه للغائبين ليس بجيد (٨).

стр. 3187

واحتج المصنف على الجواز بأنّه لا يمتنع أنْ يقول الرسول ﷺ : لقد أوحي إليَّ أنّك مأمورٌ بأنْ تجتهدَ أو بأنْ تعملَ على وِفْقِ ظنّك. واحتج المانعون بأنّ الاجتهاد في معرض الخطأ والنّص آمن منه وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك السبيل الآمن قبيح عقلًا. وأجاب عنه تبعا للإمام: بأنّ الشَّرع لا قال له: أنت مأمورٌ بأنْ تجتهد، وتعمل على وفق ظنّك كان آمنا من الغلط؛ لأنّه بعد الاجتهاد يكون آتيًا بما أمر به وهو ضعيف، فإنّ الإذن في الاجتهاد لا يمنع وقوع الخطأ فيه. وقد يقال: في تقرير الجواب إنَّه بالأمر صارَ آمنًا من الخطأ بفعل الاجتهاد أي يكون فعله الاجتهادَ صوابًا لا أنَّه يأمن من تأدية الاجتهاد إلى الخطأ. وإذا كان الإقدام على الاجتهاد صوابًا فلا عليه أنْ يخطئ بعد إتيانه بما أمر به. وأجيب عنه أيضًا: بأنّا لا نسلم أنَّه قادر على التوصل إلى النّص؛ وذلك لأنَّ ورود النّص ليس باختياره ومسألته بل جاز أنْ يسأل عن القضية ولا يرد فيها نصّ بل يؤمر بالعمل فيها بالظنّ ولا يمكنكم نفي هذا الاحتمال إلا إذا أثبتم نفي جواز الاجتهاد، فبيان نفي جواز الاجتهاد بناءً على نفي هذا الاحتمال دور. واعلم أنّ الإمام قال: الخوض في هذه المسألة قليل الفائدة؛ لأنّه لا ثمرة له في الفقه.

стр. 3188

وهذا فيه نظر إذ ينبني على هذا الأصل مسائل: - منها إذا شكّ في نجاسة أحدِ الإناءين ومعه ماءٌ طاهر بيقين، أو الثوبين ومعه آخر طاهر بيقين، أو ماء يغسل به أحدهما، ففي جواز الاجتهاد له بين الإناءين والثوبين وجهان أصحهما أنَّه يجتهد (١). - وكذلك إذا غاب عن القبلة فإنّه لا يعتمد على خبر من أخبره عن علمٍ ولا على الاجتهاد إلَّا إذا لم يقدر على معرفة القبلة يقينًا، وكذلك حكى الأصحاب وجهين في المصلي إذا استقبل حِجْر الكعبة وحده وقالوا: الأصحّ المنع؛ لأنَّ كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه فلا يجوز العدول عن اليقين إليه (٢). قال: (ولم يثبت وقوعه) هذا عائد إلى اجتهاد الحاضر الذي جعله المصنف محلّ الخلاف. وقد ذهب الأكثرون إلى ما قاله المصنف من التوقف (٣).

стр. 3189

ومنهم من قال بوقوعه (١). ومنهم من نفاه (٢). وهذا في حقّ الحاضرين. وأما الغائبون. فمنهم من ذهب إلى وقوع التعبد به في حقهم (٣). ومنهم من منعه (٤).

стр. 3190

وتوقفت فرقة ثالثة (١). واحتج من قال بالوقوع في الحاضر والغائب؛ بقول الصديق ﵁ لأبي قتادة (٢) حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ غيره سلَبه: "لاها الله (٣)، إذًا لا نعمد إلى أسَدٍ من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك

стр. 3191

سلبه، فقال النبي ﷺ : صدق" (١). فإنّ الصديق ﵁ قال ذلك اجتهادًا وإلّا لأسنده إلى النّص؛ لكونه أدعى إلى الانقياد وقرره النبي ﷺ على ذلك، فإذا جاز في حقّ الحاضر جاز بطريق أولى في حق الغائب. ويخصّ الغائب حديث معاذ (٢) المذكور في كتاب القياس. وأجيب عنهما: بأنّهما أخبار آحاد والمسألة علمية، وقول الغزالي هذا حديث معاذ مشهور قبلته الأمّة (٣) أخذه من إمام الحرمين (٤)، وإمام الحرمين تلقاه من القاضي فإنّه قال في التقريب: إنّ الأمّة تلقته بالقبول (٥). وليس بجيد لما عرفت في كتاب

стр. 3192

القياس (١). واحتج من أنكر الوقوع مطلقًا بأنّهم لو اجتهدوا في عصره ﷺ لنقل واشتهر كاجتهادهم بعده (٢). والمختار عندنا التوقف في حقّ الحاضرين (٣). وأمّا الغائبون فالظاهر وقوع تعبدهم به ولا قطع. قال: (الثالثة (٤): لا بد له أن يعرف من الكتاب والسنّة والإجماع ما يتعلق بالأحكام وشرائطِ القياس وكيفيةِ النظر وعلمِ العربية والناسخ والمنسوخِ وحالِ الرواة ولا حاجة إلى الكلام والفقه؛ لأنّه نتيجته). شرط المجتهد أنْ يكون محيطًا بمدارك الأحكام ، ومتمكنًا من استثارة الظنّ بالنّظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يتعين تأخيره (٥)، وإنما يكون كذلك بأمور: (٦)

стр. 3193

أحدها: كتاب الله فإنّه الأصل ولا بدّ من معرفته، ولكن لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما يتعلق منه بالأحكام. قال الغزالي: وهو مقدار خمسمائة آية، ولا يشترط حفظها من وراء ظهره، بل أنْ يكون عالمًا بمواقعها، حين يطلب الآية إذا احتيج إليها (١). وثانيها: سنة رسول الله ﷺ ولا يشترط فيها أيضًا الحفظ ولا معرفة ما لا يتعلق بالأحكام كما في معرفة الكتاب. قال الغزالي: ويكفيه أنْ يكون عنده أصل مصحَّحٌ لجميع أحاديث الأحكام، كسنن أبي داود، ومعرفة السنن لأحمد البيهقي، أو أصل وقعت العناية فيه لجميع أحاديث الأحكام، ويكتفي منه بمعرفة مواقع كلّ باب فيراجعه وقت الحاجة (٢). قال الشيخ محيي الدّين النووي قدّس الله روحه والتمثيل (٣) بسنن أبي داود لا يصحّ فإنّه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمه، وكم في صحيحي البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود (٤).

стр. 3194

وثالثها: الإجماع فليعرف مواقعه حتى لا يفتي بخلافه، ولكنه لا يلزمه حفظ جميع مواقعه بل كلّ مسألة يفتي فيها فينبغي أنْ يعلم أنّ فتواه ليست مخالفة للإجماع إمّا بموافقة مذهب عالم أو تكون الواقعة متولدة في العصر ليس لأهل الإجماع فيها خوض (١). ورابعها: القياس فلتعرفه، وتعرف شرائطه، فإنّه مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وأساليب الشريعة (٢). وخامسها: كيفية النظر فلتعرف شرائط البراهين والحدود وكيف تركب المقدمات وتستنتج المطلوب لتكون على بصيرة من نظره (٣). وسادسها: علم العربية لغةً ونحوًا وتصريفًا، فلتعرف القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حدّ يميز به بين صريح الكلام

стр. 3195

وظاهره ومجمله ومبينه وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه إلى غير ذلك، وليس عليه أنْ يبلغ مبلغ الخليل بن أحمد (١). وسابعها: معرفة الناسخ من المنسوخ مخافة أنْ يقع في الحكم بالمنسوخ المتروك ولا يشترط حفظ ذلك جميعه كما تقدم (٢). وثامنها: حال الرواة في القوة والضعف، وتمييز الصحيح عن الفاسد، والمقبول عن المردود (٣). قال الغزالي وليكتف بتعديل الإمام العدل بعد أنْ يعرف صحة مذهبه في التعديل (٤). وكذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: يعول على قول أئمة المحدثين كأحمد والبخاري ومسلم، والدارقطني وأبي داود؛ لأنّهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم (٥) (٦).

стр. 3196

قال الغزالي: فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد، ومعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون الحديث واللغة وأصول الفقه (١). وقال الإمام: أهمّ العلوم للمجتهد أصول الفقه (٢)، وشرط الإمام أنْ يكون عارفًا بالدليل العقلي، وعارفًا بأننا مكلفون به (٣). وقد اتبع في ذلك الغزالي (٤)، فإنّه ذكر ذلك ولم يذكر القياس، وكأنهما تركاه لكونه متفرعًا (٥) عن الكتاب والسنّة. ولكن لقائل أنْ يقول: الإجماع والعقل أيضًا كذلك، فلِمَ ذكرا قوله: "ولا حاجة" أي: لا يحتاج المجتهد إلى علم الكلام؟ " (٦). لأنا لو فرضنا إنسانًا جازمًا بالإسلام تقليدًا؛ لأمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام (٧)، ولكن الأصحاب عدّوا معرفة أصول

стр. 3197

الاعتقاد من الشروط (١). ولا حاجة أيضًا إلى تفاريع الفقه، وكيف يحتاج إليها والمجتهد هو الذي يولدها ويحكم فيها (٢). فإذا كان الاجتهاد نتيجته، فلو شرط فيه لزم الدور. ونقل اشتراط الفقه عن الأستاذ أبي إسحاق. ولعله أراد ممارسة الفقه. وهذا قد ذكره الغزالي فقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق يحصل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمن الصحابة ﵁ ذلك ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضًا

стр. 3198

. . . (١). قال ابن الصلاح: واشتراط ذلك في صفة المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية، هو الصحيح، وإن لم يكن كذلك في صفة المفتي (٢) المستقل على تجرده؛ لأنَّ حال المفتي يقتضي اشتراط كونه على صفة تسهل عليه معها إدراك أحكام الوقائع على القرب من غير تعب كثير، ولا يحصل ذلك لأحد الخلف إلَّا بحفظ أبواب الفقه ومسائله، ولا يشترط حفظ الجميع بل قدر يتمكن به من إدراك الباقي على القرب (٣). واعلم أنّ ما ذكرناه من اشتراط هذه العلوم إنما هو في حق المجتهد المطلق، أمّا المجتهد في بعض الأحكام دون بعض (٤)، فمن عرف طرق النظر

стр. 3199

القياسي له أنْ يفتي في مسألة قياسية وإن لم يعرف غيره، وقس على هذا (١). وزعم بعض النّاس أن الاجتهاد لا يتجزأ، وهو ضعيف. وأمّا المجتهد المقيَّد الذي لا يعدو مذهب إمام خاص، فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع. قال ابن الصلاح: والذي رأيته من كلام الأئمة مشعر (٢) بأنّه لا يتأدى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد، قال: والذي يظهر أنَّه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى (٣). خاتمة شرط الغزالي في المجتهد العدالة ثمّ قال: وهذا يشترط لجواز الاعتماد على قوله، أمَّا هو في نفسه، إذا كان عالمًا فله أنْ يجتهد لنفسه،

стр. 3200

ويأخذ باجتهاد نفسه، فالعدالة شرط لقبول الفتوى لا لصحة الاجتهاد (١) هكذا ذكره. واقتضى كلام غيره أنّ العدالة ركن في الاجتهاد (٢). ويتفرع على هذا: أنّ الفاسق إذا أدَّاه اجتهاده في مسألة إلى حكم، هل يأخذ بقوله من عُلِمَ صدقُهُ في فتواه بقرائن؟ (٣) بل قد يقال: إذا كانت العدالة ركنًا في الاجتهاد، فلا يجوز له أنْ يأخذ في حقِّ نفسه باجتهاده، بل يقلّد لكونه والحالة هذه غير مجتهد. وهذا بعيد.

стр. 3201

الفصل الثاني: حكم الاجتهاد

стр. 3202

قال: (الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد . اختلف في تصويب المجتهدين في مسائل الفروع بناءً على الخلاف في أنّ لكلّ صورة حكمًا معينًا، وعليه دليل (١) قطعي أو ظني. والمختار ما صحّ عن الشافعي ﵁: أنّ في الحادثة حكمًا معينًا وعليه أمارة من وجدها أصاب، ومن فقدها أخطأ ولم يأثم). المسألة عظيمة الخطب، وقد اختصر المصنف القول فيها، فلنتوسط فيما نورده، ثمّ نلتفت (٢) إلى ما ذكره (٣). فنقول: في المسألة أبحاث: أولها: ذهب طوائف المسلمين على طبقاتهم إلى أنَّه: ليس كلُّ مجتهدٍ في الأصول مصيبًا ، وأنّ الإثمَ غيرُ محطوطٍ عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع،

стр. 3203

وإنْ بالغ في الاجتهاد والنظر. سواءً كان مدركُه عقليًا، كحدوثِ العالمَ، وخلقِ الأعمال. أو شرعيًا لا يعلم إلا بالشرعِ، كعذابِ القبرِ والحشرِ. ولا يعلم خلافٌ بين المسلمين في ذلك (١). إلَّا ما نقل عن الجاحظ (٢) وعبيد الله بن الحسين العنبري (٣) أنهما قالا: بالتصويب في الأصول.

стр. 3204

قال ابن السمعاني: وكان العنبري يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظّموا الله، وفي نافي القدر: هؤلاء نزَّهوا الله (١). ومنهم: من لم ينقل عن الجاحظ التصويب، بل نفي الإثم والحرج فقط (٢). والقاضي في مختصر التقريب اقتصر على النقل عن العنبري ثم قال: واختلفت الرواية عنه، فقال في أشهر الروايتين: إنما أصوِّبُ كلّ مجتهد في الدّين لجمعهم الملّة، فأمّا الكفرة فلا يصوبون. وغلا بعض الرواة عنه فصوب الكافة من المجتهدين دون الراكنين إلى الدّعة (٣). ونحن نتكلم معهما على سبيل الاختصار فنقول:

стр. 3205

أنتما أولًا: محجوجان بالإجماع قبلكما وبعدكما. وثانيا: إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجتما عن حيز العقلاء وانخرطتما في سلك الأنعام. وإنْ أريد الخروج عن عهدة التكليف ونفي الحرج كما نقل عن الجاحظ، فالبراهين النقلية من الكتاب والسنّة والإجماع الخارجة عن حدّ الحصر تردّ هذه المقالة (١). وأما تخصيص التصويب بالمجتمعين على الملّة الإسلامية فنقول: مما خاض فيه المسلمون القولُ بالتشبيه تعالى الله عنه علوًا كبيرًا، والقولُ بخلق القرآن وغير ذلك، مما يعظم خطره، وأجمعوا قبل العنبري على أنَّه يجب على المرء إدراك بطلان القول بالتشبيه. قال القاضي: ونقول له أيضًا ما الذي حجزك عن القول بأن المصيب واحد فإن احتج بغموض الأدلة قلنا: له فالكلام في النبوات والإحاطة بصفات المعجزات وتميزها من المخاريق والكرامات أغمض عند العارفين بأصول الديانات من الكلام في القدر وغيره، مما يختلف فيه أهل الملّة فهلا عذرت الكفرة بما ذكرت قال وهذا لا محيص له عنه (٢). البحث الثاني: في تصويب المجتهدين في المسائل الفروعية .

стр. 3206

وقد ضبط صفي الدّين الهندي المذاهب فيه جيدًا، فقال: "الواقعة التي وقعت إمّا أنْ يكون عليها نصٌّ أوْ لا. فإنْ كان الأوّل: فإمّا أن وجده المجتهد أو لا. والثاني: على قسمين؛ لأنَّه إمّا قصّر في طلبه أو لم يقصّر. فإن وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام. وإن لم يحكم بمقتضاه فإنْ كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقًا. وإن لم يكن مع العلم به ولكنه قصّر في البحث عنه فكذلك، وإن لم يقصّر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب، فحكمه حكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد وسيأتي إن شاء الله تعالى. وإن لم يجده فإن كان (١) لتقصيره في الطلب فهو أيضًا مخطئ وآثم. وإن لم يقصّر بل بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده بأنْ خفي عليه الراوي الذي عنده النّص أو عرفه ولكنه مات قبل وصوله إليه، فهو غير آثم قطعًا. وهل هو مخطئ أو مصيب؟ على الخلاف الذي يأتي إن شاء الله تعالى فيما لا نص فيه، وأولى بأنْ يكون مخطئًا.

стр. 3207

وأمّا التي لا نصّ عليها؛ فإمّا أنْ يقال لله تعالى فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين أو لا، بل حكمه فيها تابع لاجتهاد المجتهد، فهذا الثاني قول من قال: كلّ مجتهد مصيب وهو مذهب جمهور المتكلمين منا كالشيخ أبي الحسن (١)، والقاضي أبي بكر (٢)، والغزالي (٣). ومن المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم (٤) وأتباعهم. ونقل عن الشافعي (٥) وأبي حنيفة (٦)، وأحمد (٧)، والمشهور عنهم خلافه. وهؤلاء اختلفوا في أنَّه وإن لم يكن يوجد في الواقعة حكمٌ معين، فهل وُجِدَ فيها ما لو حكم الله تعالى فيها بحكم لما حكم إلا به، أو لم يوجد ذلك؟ . والأوّل هو القول بالأشبه (٨)، . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3208

وهو قول كثير من المصوبين" (١). وإليه صار أبو يوسف (٢) ومحمد بن الحسن وابن سريج في إحدى الروايتين عنه. قال القاضي في مختصر التقريب: وذهب بعضهم في الأشبه إلى أنَّه ليس هذا بل هو أولى طرق الشبه في المقاس والعبر، ومثلوا ذلك بإلحاق الأرز بالبر بوصف الطعم أو القوت أو الكيل فأحد هذه الاوصاف أشبه عند الله تعالى وأقرب في التمثيل (٣) (٤). وأمّا الثاني فَقَوْلُ الخلَّصِ من المصوِّبة (٥).

стр. 3209

وأمَّا الأوّل: وهو أنّ لله تعالى في الواقعة حكمًا معينًا؛ فإمّا أنْ يقال عليه دلالة وأمارة فقط، أو ليس عليه لا دلالة ولا أمارة. فأمّا القول الأول: وهو أنّ على الحكم دليلا يفيد العلم والقطع، فهو قول بشر المريسي والأصمّ (١) وابن علية. وهؤلاء اتفقوا على أنّ المجتهد مأمور بطلبه، وأنّه إذا وجده فهو مصيب، وإذا أخطأه فهو مخطئ، ولكنّهم اختلفوا في المخطئ هل يأثم ويستحق العقاب؟ . فذهب بِشْرٌ إلى التأثيم (٢). وأنكره الباقون لخفاء الدليل وغموضه (٣). واختلفوا أيضًا في أنَّه هل ينقض قضاء القاضي فيه؟ فذهب الأصمّ إلى أنَّه ينقض (٤).

стр. 3210

وخالفه الباقون (١). وأما القول الثاني وهو أنَّ على الحكم أمارة فقط، فهو قول أكثر الفقهاء؛ كالأئمة الأربعة (٢) وكثير من المتكلمين (٣). وهؤلاء اختلفوا: فمن قائل: إنّ المجتهد غير مكلّف بإصابته؛ لخفائه وغموضه، وإنما هو مكلف بما غلب على ظنّه، فهو وإن أخطأ على تقديرِ عَدَمِ إصابتِهِ، لكنَّه معذورٌ مأجور، وهو منسوبٌ إلى الشافعي ﵁ (٤) " (٥). وعلى هذا فعلام يؤجر المخطئ؟ فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: وهو اختيار المزني، وظاهر النّص أنَّه يُؤْجَر على القصد إلى الصواب ولا يُؤْجَر على (٦) الاجتهاد؛ لأنّه أفضى به إلى الخطأ، فكأنّه لم يسلك الطريق المأمور به (٧).

стр. 3211

وشبّهه القفال (١) في الفتاوى (٢) برجلين رميَا إلى كافرٍ فأخطأَ أحدهما، يؤْجر على قصد الإصابة، بخلاف صاحبِه، والساعي إلى الجمعة إذا فاتته، يؤجرُ على القصدِ، وإن لم ينل ثواب العمل. والثاني: أنَّه يؤجر على القصد وعلى الاجتهاد جميعا؛ لكونه بذل ما في وسعه (٣).

стр. 3212

ومن قائل: إنّه مأمور بطلبه ومكلف بإصابته أولًا، فإنْ أخطأه، وغلب على ظنّه شيء آخر، فهناك يتغير التكليف، ويصير مأمورًا بالعمل بمقتضى ظنِّه ولا يأثم. وأما القول الثالث وهو أنَّه لا دلالة عليه ولا أمارة، فذهب إليه وجمع من المتكلمين (١). وقد زعم هؤلاء أنّ ذلك الحكم كدفين يتفق عثور الطالب عليه ويتفق تعديه (٢) قال القاضي في مختصر التقريب: واختلف هؤلاء فذهب بعضهم إلى أنَّ (٣) العثور عليه ليس بواجب وإنما الواجب الاجتهاد. وذهب بعضهم إلى أنّ العثور عليه مما يجب على المكلف وإن لم يكن

стр. 3213

عليه دليل (١). هذا شرح المذاهب في المسألة فلنعد إلى لفظ الكتاب (٢). قوله: "اختلف في تصويب المجتهدين في مسائل الفروع": إشارة إلى أنّ خلاف العنبري في الأصول لا احتفال به، وقد أصاب؛ فإنّه لا ينبغي أنْ يعدَّ ما ذهب إليه هذا الرجل قولًا في الشريعة المحمدية، مع أنّه مصادم بالإجماع قبله (٣). والذي نراه غير شاكين فيه (٤)، أنّ المجمعين لو عاصروا العنبري لم يلتفتوا إلى ما قاله ولعدّوا الإجماع قائمًا دونه. قوله: "بناءً على الخلاف. . . إلى آخره" مقتضاه: أنَّ كلَّ من قال: بأنَّ لكلِّ صورة حكمًا معينًا، وعليه دليل قطعي أو ظني، قال: بأنّ المصيب واحد، ومن لم يقل بذلك صوب الكلّ (٥). قوله: "والمختار. . . . إلى آخره" باح باختيار المذهب الذي حكيناه من اشتمال الحادثة على حكم معين، وعليه دليل قطعي أو ظني لا يكلف المجتهد به، وإنما يكلف بما غلب على ظنّه (٦).

стр. 3214

قال: (لأنَّ الاجتهاد مسبوق بالدلالة لأنّه طلبها والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهادان (١) لاجتمع النقيضان ولأنه قال ﷺ : "من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر"). هذان وجهان (٢) استدل بهما على اختياره: أحدهما: أنّ الاجتهاد مسبوق بدلالة الدليل على الحكم؛ لأنّه عبارة عن طلب دلالة الدليل على الحكم، والطلب مسبوق على المطلوب، فيكون الاجتهاد متأخرًا عن الدلالة، والدلالة متأخرة عن الحكم بها؛ لأنها نسبة بين الدليلين الذي هو المطلوب، والمدلول الذي هو الحكم، والنسبة متأخرة عن كلّ واحد من الأمرين؛ لتوقف تحققها على تحققهما، فيلزم منه أنْ يكونَ الاجتهادُ متأخرًا عن الحكم بمرتبتين؛ لتأخره عن الدلالة المتأخرة عن الحكم، فلو تحقق الاجتهادان أي كان كلّ مجتهد مصيبًا لاجتمع النقيضان (٣) لاستلزامه ثبوت حكمين متناقضين (٤)

стр. 3215

في نفس الأمر بالنسبة إلى مسألة واحدة (١). وهذا الدليل فيه نظر: أنّا وإنْ سلمنا أنّ الاجتهاد طلب الدلالة، فلا نسلم أنّ طلبَ الشيءِ يتوقفُ على ثبوتِه في الخارج، بلْ على تصوره فقط، ثمّ إنّه لا يثبت به إلَّا أحدَ شطرَي ما ادّعاه، فإنّه لا يدلُّ على سقوطِ الإثم عن المخطئ وحصولِ الأجرِ له (٢). الوجه الثاني: الحديث الذي ذكره في الكتاب، واللفظ في الصحيحين: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (٣).

стр. 3216

دلّ الحديث على أنّ المجتهد قد يخطئ وقد يصيب وهو المدَّعَى (١). فإن قلت: لا ينافي ذلك كون كلِّ مجتهدٍ مصيبًا، إذ (٢) يتصور الخطأ عند القائلين بهذه المقالة، وذلك فيمن لم يستفرغ الوسع في الطلب مع كونه غير عَالِمٍ بالتقصير، فإنّه مخطئ غيرُ آثمٍ؛ للجهل بالتقصير، فلعلّ هذه الصورة هي المرادة من الحديث (٣). قلت: هذا تخصيصٌ بصورةٍ نادرةٍ من غيرِ دليل. وأيضًا: إنْ تحقق الاجتهاد المعتبر فيما ذكرته، فقد ثبت المدعى وهو خطأ بعض المجتهدين في الجملة، وإلا فلا يجوز حمل الحديث عليه من غير صارفٍ عن حمله على الاجتهاد المعتبر؛ لأنَّ الشرعي مقدم على العرفي واللغوي (٤). واعلم أنّ الاستدلال بالحديث قويٌّ، لو كانت المسألة ظنية، ولكنَّ المسألةَ قطعيةٌ، كما صرَّح بها الأصوليون على اختلاف طبقاتهم. وبذلك تحلّ شبهة من قال: ليس كلّ مجتهد مصيبًا؛ لقول من قال من

стр. 3217

المجتهدين: ليس كل مجتهد مصيبًا؛ لأنّه إنْ أصاب فما قاله حقّ، وإن أخطأ فقد أخطأ بعض المجتهدين، فلم يكن كلّ مجتهد مصيبًا. فنقول: الخلاف في أنّ المصيبَ واحدٌ إنما هو (١) في مسائل الفروع الظنيّة كما عرفت، أمّا مسائل الأصول القطعية، فالمصيب فيها واحد بلا خلاف. ولك في حلّ هذه النكتة طريقة أخرى فنقول: نلتزم أنَّه مصيب في قوله: ليس كلّ مجتهد مصيبًا. ولكن لم قلت: إنّه يلزم من ذلك أنْ يكون الواقع في نفس الأمر ليس إلّا أنَّه ليس (٢) كل مجتهد مصيبًا. وقولك: لأنّه مصيب. قلنا: وكذا خصمه أيضا مصيب بناءً على القول بالتصويب. فحكم الله في حقّ هذا أنَّه ليس كل مجتهد مصيبا غير (٣) أنَّه في حقّ خصمه أنّ كلّ مجتهد مصيبٌ. فهاتان طريقتان في حلّ هذه الشبهة: الأولى: على تقدير كونها من مسائل الأصول

стр. 3218

والثانية: على التزام كونها من مسائل الفروع. ومن جيّد ما استدل به القائلون بأنّ المصيب واحد، اجتماع الصحابة فمن بعدهم للمناظرة، وطلبُ كلِّ واحدٍ من المتناظرين خصمَه إلى ما ينصره، فلوْ أنّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، لم يكن إلى الحجاج والنَّظرِ فائدة. وأجاب عنه القاضي: بأنّ التناظر ثابت، وأمّا ما ادعيتموه من غرض المتناظرين، فأنتم منازعون فيه، ولسنا نُسَلِّم أنّ العلماء إنما تنازعوا؛ ليدعو (١) كلّ واحد منهما خصمه، بل للتدرب في طرق الاجتهاد ولاحتمالِ وضوحِ (٢) نصٍّ يقطعُ البحثَ، وغير ذلك (٣). قال: (قيل لو تعين فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله فيفسق أو يكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا: لما أمر بالحكم بما ظنه وإن أخطأ حكم بما أنزل الله. قيل: لو لم يصوب الجميع لما جاز نصب المخالف وقد نصب أبو بكر زيدا (٤) ﵁.

стр. 3219

قلنا: لم يجز تولية المبطل، والمخطئ ليس بمبطل). احتج المصوّبون بوجهين (١): أحدهما: أنَّه لوْ لم يكنْ كلُّ مجتهدٍ مصيبًا، لتعين الحكمُ في الواقعةِ قبلَ الاجتهادِ، وحينئذٍ فيكونُ المجتهدُ المخالفُ باجتهادِه لذلك الحكمِ حاكمًا، بخلاف ما أنزل الله فيفسق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، أو يكفر بالآية الأخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) (٤). وأجاب بأنَّا لا نسلم أنَّه والحالة هذه يكون حاكمًا، بخلاف ما أنزل الله، فإنَّه لما كان مأمورًا بالحكم بموجب ظنِّه بعد الاجتهاد، فحكمُه به حكمٌ بما أنزل الله، وإن أخطأ في اجتهاده بعدم إصابة ذلك الحكم المتعين (٥).

стр. 3220

ولقائل أنْ يقول: إذا كان الحقُّ واحدًا متعينًا، فهو الذي أنزله الله تعالى، والحكم بخلافه حكم بخلاف ما أنزل الله. نعم هو حكم بشيء أنزل الله؛ أنّ الحاكم به يؤجر، ولا يأثم لبذله الوسع في اجتهاده، فكان ينبغي تقريره هكذا، إنما يفسّق أو يكفّر الحاكم بخلاف ما أنزل الله من كلّ وجه؛ لأنّه الذي يصدق عليه إطلاق قول القائل: حَكَمَ بخلافِ ما أنزل الله. أمَّا الحاكم بما أنزل الله أنّ له أنْ يحكمَ به، وإن لم يحكم به وإنْ لم ينزل المحكوم به، ولم يجعله الحقّ عنده فليس حاكمًا، بخلاف المنزل. أو نقول: هو حاكم بخلافه، ولكن هو معذور لما ذكرناه. والفسق والكفر يختصان بغير المعذور. والثاني: أنَّه لو لم يكن كلُّ مجتهدٍ مصيبًا، لما جاز للمجتهدِ أنْ ينصِّبَ حاكمًا مخالفًا له في الاجتهاد؛ لأنّه في ظنِّه قد مكَّنه من الحكم بغير الحقّ، وليس كذلك؛ لأنّه جائز بدليل أنّ أبَا بكر ﵁ نصّب زيدًا ﵁ مع أنَّه كان يخالفه في الجدّ (١) وفي غيره، وشاع ذلك بين الصحابة من غير نكير (٢). وأجاب: بأن الممتنع إنما هو تولية المبطل؛ أي الذي يقضي بالباطل،

стр. 3221

ومن كان مجتهدًا مخطئًا فهو غير مبطل؛ لإتيانه بالمأمور به (١). (٢) وهذا أيضًا فيه عندنا نظر (٣)، فإنّ المجتهد في مسألة القائل: بأنّ المصيب واحد، يظنّ خطأ صاحبه، ولا معنى لذلك إلَّا أنَّه مبطلٌ فيما أتى به، وإنما بذْلُ الوسعِ أقامَ عذرَه. نعم، قد يجاب بأنّه ليس يعلم حال التولية، أنَّه يحكم بخلاف ما يعتقده، وذلك لأنَّ على الحاكم أنْ يجتهد في الحكم عند كلِّ حادثة، وربما تغير اجتهاده. وأيضًا، فلعل أبا بكر ﵁ نهى زيدًا عن الحكم فيما يخالفه فيه، وقصر توليته على الحوادث التي يوافقه فيها. وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولَّى الإمام رجلًا، وقال: لا تحكم في قتل المسلمِ [بـ] الكافرِ (٤) والحرّ [بـ] العبيدَ (٥)، جاز وقد قصر عمله على باقي الحوادث (٦).

стр. 3222

وواقعة زيد واقعة عين، لا يمكن فيها نفي هذا الاحتمال. وأيضا فلعل أبا بكر ﵁ كان يرى أنّ كلّ مجتهدٍ مصيبٌ، فالمسألة مشهورة باضطراب الآراء فيها قديما وحديثا (١). قال: (فرعان الأول لو رأى الزوج لفظًا (٢) كناية ورأته المرأة صريحا فله الطلب ولها الامتناع فيراجعان غيرهما). هذان فرعان من فروع حكم الاجتهاد (٣). الأول: لو كان الزوجان مجتهدين، فخاطبها الزوج بلفظة يرى أنها كناية في الطلاق ولا نيّة، وترى المرأة أنها صريحة فيه، فللزوج طلب الاستمتاع منها، ولها الامتناع عملًا مع كلِّ منهما بمقتضى اجتهاده. وطريق قطع المنازعة بينهما أنْ يرَاجعَا مجتهدًا آخر غيرهما حاكمًا أو حكمًا من جهتهما، ليحكم بينهما بما أدّى إليه اجتهاده.

стр. 3223

وهذا الطريق متعين لدفع المشاجرة في نحو الصورة المفروضة، سواءً قلنا: المجتهد واحد أم كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، وهذا إذا لم تكن المنازعة فيما يجري فيه الصلح، فإنْ جرى فيها الصلح كالحقوق المالية، فينقطع بطريق الصلح أيضًا. هذا ما في الكتاب (١). وقد ذكر القاضي في مختصر التقريب هذا الفرع، وجعله من أدلة خصومه القائلين: بأنّ المصيب واحد، وأنهم قالوا: هذا يقتضي الجمع بين التسليط على الاستمتاع والامتناع منه. ثم أجاب عنه: بأنا نسألكم عن هذه الحادثة إذا عنت وكل ما قدرتموه جوابًا ظاهرًا في حقهما فهو حكم الله قطعًا، قال: فإن زعموا أنّ المرأة مأمورة بالامتناع جهدها والرجل مباح له الطلب للاستمتاع وإنْ أدّى إلى قهرها ولم يعدوا ذلك تناقضًا في ظاهر الجواب فهو حكم الله تعالى عندنا ظاهرًا وباطنًا (٢). قال: ومما تمسكوا به أنّ المنكوحة بغير ولي إذا زوجها وليُّها ثانيًا من شافعي والذي تزوج بها أولًا حنفي، والمرأة مترددة بين دعوتهما (٣) وهما مجتهدان فما وجه القول في جمع الحلّ والتحريم؟ (٤).

стр. 3224

وأجاب بجوابه الأوّل: وأنّ كلّ ما أجبتم به في ظاهر الأمر، ولم تعدوه تناقضًا، فهو حكم الله تعالى عندنا. ثم قال: وإن اجتزيت بهذا القدر كفاك وإن أردت التفصيل في الجواب. قلنا: من القائلين بأن المصيب واحد من صار في هذه الصورة إلى الوقف حتى يرفع الأمر إلى القاضي كما قدمناه في الصورة (١) المعلومة الأولى فعلى هذا نقول: حكم الله فيهما الوقف ظاهرًا وباطنًا حتى نرفع أمرهما إلى القاضي فينزلهما على اعتقاد نفسه وهذا حكم الله حينئذ، ومنهم من قال نسلم المرأة إلى الزوج الأول فإنْ نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق به فلا يبعد أنْ يكون هذا هو الحكم، قال وهذه الصورة وأمثالها من المجتهدات وفيها تقابل الاحتمالات فيجتهد المجتهد فيها عندنا، وما أدى إليه اجتهاده فهو حقّ من وقف أو تقديم أو غيرهما من وجوه الجواب (٢). قال: (الثاني إذا تغير الاجتهاد كما لو ظنّ أنّ الخلع فسخٌ ثمّ ظنّ أنَّه طلاق فلا ينتقض الأوّل بعد اقتران الحكم وينتقض قبله). إذا أداه اجتهاده إلى أنّ الخلع فسخٌ فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثًا بمقتضى هذا الاعتقاد (٣)، ثمّ تغير اجتهاده، وأدّاه إلى أنَّه طلاق (٤).

стр. 3225

فإمَّا أن يتغير بعد قضاءِ القاضي بمقتضى الاجتهاد الأوّل المقتضي لصحة النّكاح، فلا ينقض بالاجتهاد الثاني، بل يبقى على النكاح. وإمَّا أنْ يتغير قبل القضاء بالصّحة، فيجب عليه مفارقتها؛ لأنَّ الظنّ المصاحب له الآن قاضٍ بأنّ اجتهاده الأوّل خطأ فليعمل به. وهذا ما أراده المصنف بقوله: "وينتقض قبله" ومراده بالنّقض: ترك العمل بالاجتهاد الأوّل، وإلّا فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا فيما إذا
следующие страницы →