تقديم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فهذا كتاب جامع في الصيام وأحكامه، وكذا قيام الليل والاعتكاف والعيدين وزكاة الفطر وما يتعلق بذلك من فقه وأحكام، أعدَّه أخي في الله الشيخ/ محمد حلاوة - حفظه الله وبارك فيه، وقد أتقن عمله وفَّقه الله، فقد جمع ما يتعلق بكل باب من مادة علمية، فجمع الأحاديث والآثار، وخرجها فأحسن تخريجها، ثم حكم عليها بما تستحقه صحة أو ضعفًا، مع عدم إهماله لأقوال علماء العلل، ثم إنه أورد أقوال أهل العلم والفقه، ابتداءً من الصحابة رضوان الله عليهم، ثم أقوال التابعين وأتباعهم، وكذا أقوال أصحاب المذاهب الأربعة، وأيضًا أقوال أئمة آخرين وعلماء كالظاهرية وابن تيمية ومتأخري الفقهاء، ورجح القول الذي تقتضي الأدلة رجحانه، وكذا؛ فإنه وفقه الله لكل خير، لم يغفل الآيات التي لها اتصال بالموضوعات، فأوردها وأورد أقوال العلماء فيها، فأفاد وأحسن، جزاه الله خيرًا.
هذا، وقد راجعت مع أخي الشيخ محمد عمله؛ فألفيته من فضل الله نافعًا موفقًا، فأسأل الله له مزيدًا من السداد والتوفيق والسير قُدمًا في الدعوة إلى الله وطلب العلم الشرعي.
وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وسلم والحمد لله رب العالمين
كتبه
أبو عبد الله
مصطفى بن العدوي
стр. 2
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة.
ثم أما بعد: فمِن أحبِّ الأعمال إلى الله تعالى وأبلغِها إلى مرضاته، وأحضِّها للظفر بجناته، إقامةُ أركان الشريعة، وفرائضِ الملة الرفيعة، ولا صحة لذلك ولا قَبول إلا على الوجه الذى دعا إليه الباري وبه أمر.
روى البخاري (١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : وَمَا تَقَرَّبَ إلى عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلى مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ».
ومن هذه الفرائض العظام شعيرة الصيام.
стр. 3
وهذا الصوم قد فضَّله الباري جل اسمه على سائر الطاعات، وذلك بإضافته إلى نفسه العلية؛ تعظيمًا لقدره وشانه، وتنويهًا بسامق مكانه، فقد ثبت فى «الصحيحين» (١) من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
كيف لا! وصيام رمضان أحد أركان الإسلام الركين، ومن أعظم معالمه وأثبت دعائمه، ففى «الصحيحين» (٢)، عن ابن عمر ﴿قال: قال رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ … ». فذكر منها: « … وَصَوْمُ رَمَضَان».
أيامه بالرحمات والسكينة مُجَلَّلة، وبالمنافع والبركات الغزار مُعجَّلة، فى لياليه الطُّهر ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، فيها تنزل الملائكة الكرام، حافِّين بالعباد وهم فى تبتلٍ وابتهالٍ، ودموعهم فى انهمالٍ، راجين من الكبير المتعال أن يغفر لهم زلاتِهم، ويمحو حوباتِهم، ويُقِيل عثراتِهم، ويَكشف كرباتِهم، ويفرِّجُ مُلماتِهم، كلُّ ذلك وأشدُّه أيام الاعتكاف حين يكونون عن الدنيا فى انصراف، بقلوبٍ من ربها وجلة، فلله ما أبهاه من شهر عظيم.
فانظروا إلى ما خصكم الله به من الإنعام والإكرام وحباكم به من العطايا الجسام، وشَرَّفكم بنبي الرحمة ورسول الهدى وأنقذكم ببركته من الردى، فاستدرِكوا رحمكم الله مواسم العمر فحادي الموت بالرحيل قد حدا، واغتنموا ليلة القدر فلعل أن تُكتبوا في ديوان السعداء فإنها ليلة تفوق ليالي الدهر، وهي خير من ألف شهر، فيا فوز من أحياها ويا سعادة من رآها لقد نال فخرًا وسؤددًا.
فليلة القدر يُفتح فيها الباب، وتُقرب الأحباب، ويُسمع الخطاب، ويُرد الجواب، ويُكتب للعاملين فيها جزيل الأجر والثواب.
اعلم أن ليلة القدر ليلة شريفة فيها يتجلى رب الأرباب، ويجزل للعاملين بطاعته الثواب، ويسمع فيها الدعاء ويستجاب فيها، تنزل الملائكة بأمر رب العالمين.
стр. 4
هي ليلة القدر التي شرفت على … كل الشهور وسائر الأعوام
من قامها يمحو الإله بفضله … عنه الذنوب وسائر الآثام
فيها تجلى الحق ﷻ … وقضى القضاء وسائر الأحكام
فادعوه واطلبه لكي تعطى المنى … وتجاب بالإنعام والإكرام
فالله يرزقنا القبول بفضله … ويجود بالغفران للصوام
ويذيقنا فيها حلاوة عفوه … ويميتنا حقًّا على الإسلام
فالصيام: وقايةٌ وترسٌ للمسلم من الخطايا والأوزار، وجُنهٌ تحميه من التلطِّخ - عياذًا بالله - بالأدران والأكدار؛ فقد ثبت فى «الصحيحين» (١) من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصِّيَامُ جُنَّةٌ». أي: وقاية يقي صاحبه من الشهوات، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (٢).
وقيل: إن الصيام جُنةٌ، أي: وقايةٌ من النار.
فالصوم فيه مضاعفةُ الحسنات، وإقالةُ العثرات، ومغفرةُ الذنوب والسيئات، ورفعةُ الدرجات، فيه تُفتح الجنات، وتُنزل الرحمات وتُغفر الزَّلات.
فطوبى لمن جَوَّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الأكبر، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، طوبى لمن ترك طعامًا في دار تنفد لدار أكلها دائم وظلها.
وصم ما تستطيع تجده ريا … إذا ما قمت ظمآنًا سغيبا
الصوم من أعظم العبادات التى بها رفع الدرجات، وتكفير الخطايا والسيئات، وكَسر الشهوات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات، فالصيام هو الطريق
стр. 5
الأعظم للوصول إلى تقوى الله ؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. [البقرة: ١٨٣].
والتقوى تكفلُ للعبد السعادة فى الدنيا والآخرة؛ فهى وصية الله للأولين والآخرين، كما قال رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
فالمقصود من الصيام هو تحصيل تقوى الله ، وهل يتم ذلك بالصوم عن الطعام والجماع؟ كلا، إنما يكون بصوم الجوارح عن الآثام، وصمتِ اللسان عن فضول الكلام، وغضِّ البصر عن النظر إلى الحرام، وكفِّ الكف عن أخذ الحُطام، ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام، وبذل ندى الكف، والتورع عن الأذى والكف. قال ﵊: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
فرمضان شهر التوبة، فيا من عصى وأسرف ارجع إلى ربك وأقبل عليه، فإنه غافر الذنب وقابل التوب، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فيا من فرط في رمضان ومضى رمضان وهو على الذنوب والعصيان، غافل عن الصيام والقيام، يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، إلى متى الغفلة والتسويف وطولُ الأمل واتباعُ الشيطان والهوى؟!!
فما أجملَ رمضان عندما يكون بدايةَ التوبة والإنابة.
رمضان أقبل قم بنا يا صاح … هذا أوان تبتل وصلاح
واغنم ثواب صيامه وقيامه … تسعد بخير دائم وفلاح
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلم يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ».
متى يُغفر لمن لم يُغفر له في رمضان؟ متى يُقبل من رُد في ليلة القدر وما فيها من الغفران؟ متى يزلف من رمي فيه بالإبعاد والهجران؟ متى يشفى قلب لم تشفه آيات
стр. 6
القرآن؟ يا لها من خسارة لا تشبه الخسران أن ترى المحسنين قد حظوا بالقرب والزلفى والرضوان، وأُزلفت لهم الجنات، وأُلبسوا التيجان، وأُعطوا الملك والخلد، وأُدخلوا على الرحمن، وقد رُميت بالطرد والإبعاد والحرمان، تُغل وتُجر إلى النيران، أترى قلبك هذا نائمًا أم يقظان؟
• يا من صام رمضان: لقد عظمت مصيبتك بعدم توبتك فأين مقلتك الباكية؟ وأين دمعتك الجارية؟ وأين زفرتك الرائحة الغادية؟ لأي يوم أخرت توبتك؟ ولأي عام ادخرت أوبتك؟ إلى عام قابل وحول حائل؟ كلا فما إليك مدة الأعمار؟ ولا معرفة المقدار؟ فكم من مؤمل أمّل بلوغه فلم يبلغه؟ وكم من مدرك لم يختمه؟ وكم من أعد طيبًا لعيده جُعل في تلحيده؟ وثيابًا لتزيينه صارت لتكفينه؟ ومتأهبَا لفطره صار مرتهنًا في قبره؟ وكم من لا يصوم بعده سواه وهو يطمع في غيره أنه يراه؟
فأين الصوام القوام المرافقون لنا في سالف الأعوام؟ وأين من كانوا معنا ليالي شهر رمضان شاهدين وفي كل حق لله معاملين؟ أتاهم والله هادم اللذات وقاطع الشهوات ومفرق الجماعات، فأخلي منهم المشاهد؟ وعطل منهم المساجد، تراهم في بطون الألحاد صرعى، لا يجدون لهم فيه دفعًا ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ينتظرون يومًا الأمم فيه إلى ربها تُدعى والخلائق تحشر إلى الموقف وتسعى والفرائص ترعد من هول ذلك اليوم والعيون تذرف دمعًا، والقلوب تتصدع من الحساب صدعًا (ونفخ في الصور فجمعناهم جمعًا) (١).
فعلى المسلم أن يغتنم مواسم الطاعة ولا يفرط فيها، بل يشتغل بما يدوم نفعه، ويبقى أثره وما هي إلا أيامًا معدودات تصام تباعًا، وتنقضي سراعًا.
أرى الأيام تسرع بارتحال … وبدر الشهر صار إلى هلال
فبادر باغتنام الأجر فيما … سيأتي من عشر فضال
ولا تترك محبك من دعاء … فإن ذنوبه مثل الجبال
стр. 7
فإن ملائكة الرحمن تثني … عليك بمثله من ذي الجلال
والصوم شهر الجود والإحسان، والمودة والإخاء والرأفة والرحمة والصفاء، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﴿قال: «كان رسول الله أجود الناس فكان أجود ما يكون في رمضان»
فكن متصدقًا سرًّا وجهرًا … ولا تبخل وكن سمحًا وهوبا
تجد ما قدَّمَتْه يداك ظلًّا … إذا ما اشتد بالناس الكروبا
فشعور الصائم بالجوع يذكره بإخوانه الذين ذاقوا من البؤس ألوانًا بعد رغد العيش، وتجرعوا من العلقم غصصا بعد وفرة النعيم، فشردتهم وقتلتهم ودمرتهم وطحنتهم الحروب، وبعضهم يعيش بين أنات وأصوات الصواريخ والدبابات والقذائف والنيران، فاعتاضوا عن الفرحة بالبكاء وحل محل البهجة الأنين والعناء، كم من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويلتمس حنان الأم الرؤوم ويدنوا إلى من يخفف بؤسه، وكم من أرملة توالت عليها المحن بفقد عشيرها تذكرت برمضان عزَّا قد مضى تحت كنف زوج عطوف كل اولئك وأمثالهم قد استبدلوا بعد العز ذلًّا، بعد الرخاء والهناء فاقة وفقرًا.
إن المسلم إذا تذكر هذا أو سمعه ذاب قلبه كمدًا وحزنًا وحرقة على ديار المسلمين، وأنه ليجد الكلمات عاجزة والبيان شحيحًا، أف لقلب لا يعتصر لذلك ألما، وعميت عين لا تسح لذلك دمعًا، أين شعور الجسد الواحد في حياة المسلمين؟ إننا نحكي هذه الفجائع ونحن نرى ما لا ينقضي منه العجب، ألسنا كلنا مسلمين؟ إنما المؤمنون إخوة فأين أخوتنا في الدين؟، تلكم الرابطة العظيمة فهلا تحركنا، هلا أنفقنا وجدنا.
من هنا كان واجبًا على كل مسلم أن يعايش هذا الواقع بقلبه وقالبه، ولسانه ويده، ونفسه وماله، وقلمه ودعائه، حتى يكون الجميع على علم وبصيرة بما يراد بالإسلام والمسلمين وليكون الجميع صفا واحدًا في مواجهة قوى الشر وجحافل الباطل على اختلاف مللها ومذاهبها ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] فيا من تصومون في وقت واحد وتفطرون في وقت واحد وتتجهون إلى قبلة واحدة
стр. 8
وتجمعكم مشاعر واحدة أليس في ذلك كله ما يشعركم بضرورة الوحدة الإسلامية؟ أليس في ذلك كله ما يدعوكم إلى التعاون والإخاء؟ الاجتماع على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
فحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء، فيرعى اليتامى ويواسي الأيامى، ويرحم أعزاء قوم قد ذلوا، ولا ينسى أراضي للمسلمين منكوبة بمجاهديها وشهدائها ويتاماها وأراملها وأسراها، يستجدون أمم الأرض لقمة أو كساء أو خيمة أو غطاء، وكم هو جميل كذلك الاستعداد لهذا الشهر بتفريج كربة وملاطفة يتيم ومواساة ثكلى وتفتيش عن أصحاب الحوائج فإن لم تستطع خيلا ولا مالا فأسعفهم بكلمة طيبة وابتسامة حانية ولفتة طاهرة من قلب مؤمن ودعاء لهم بتفريج كربهم وإصلاح حالهم ونصرهم على عدوهم، إن إخوتكم قد أملوا فيكم خيرًا فليجدوا عندكم ما يؤملون (١)
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة … فلا يدوم على الإنسان إمكان
لقد حرص السلف الصالح على اغتنام هذا الشهر بفعل الخيرات وترك المنكرات، فجعلوا من لياليه قيامًا وركوعًا ودموعًا وخشوعًا، وجعلوا من نهاره ذكرا وتلاوة وصدقات وبرًا وتقوى وإحسانًا وصلات.
أرأيت كيف يقضون ليلهم وكيف يحافظون على أوقاتهم؟ ونحن نهدر أيامنا ونضيع أعمارنا.
فقد صار هذا الشهر عند الكثير شهر النوم والكسل والسهرات والمسلسلات والمباريات وفي النهار نائم، وفي الليل هائم، فالله يرحمنا وإياهم فما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم … ونزلت بالبيداء أبعد منزل
أيها النائم والركب سرى … الحق القوم ولا تقعد ورى
واحسرتاه قد تقضى العمر وانصرمت … ساعاته بين العجز والكسل
стр. 9
والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد … ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل
أيا صاح هذا الركب قد سار مسرعًا … ونحن قعود ما الذي أنت صانع
على نفسه فليبك من كان باكيًا … أيذهب وقت وهو باللهو ضائع
فأوصي نفسي وإخواني بالإكثار من فعل الخيرات، واغتنام هذا الشهر الكريم بالاكثار من قراءة القرآن وذكر الواحد الديان والتذلل بين يدي الملك العلام والتوبة والاستغفار والرجوع إلى الرحيم الرحمن.
جاء الصيام فجاء الخير أجمعه … ترتيل ذكر وتحميد وتسبيح
فالنفس تدأب في قول وفي عمل … صوم النهار وبالليل التراويح
وقال آخر:
دواء قلبك خمس عند قسوته … أفدم عليها تفز بالخير والظفر
خلاء بطن وقرآن تدبره … كذا تضرع باك ساعة السحر
وفي قيامك جنح الليل أوسطه … وأن تجالس أهل الخير والخبر
وقال الشاعر:
دع التكاسل في الخيرات تطلبها … فليس يسعد بالخيرات كسلان
ولما تقدَّم من عظمة الفريضة المفعمة بالخيرات، ولتعلُّق أحكامها: بالصحة والسقم، والحل والسفر، والشروق والغروب، والليل والنهار ولمدة زمانها، وما يعتري الصائم فيها من عوارضَ تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الصيام، وقصورِهم عن معرفة أحكامه وسننة وآدابه، رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفِه، وتعنَّيت لتحبيره جُهدى، مستلهمًا من المولى عزَّ شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون للصائمين والصائمات دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا.
على كف الندى أُهدي كتابي … وأُرخي في محبتكم ركابي
فإن كان الذي أهدي يسيرًا … ففيض الوُد أكمل في النِّصاب
стр. 10
وسميته «الجامع العام في فقه الصيام» جمعت فيه ما يتعلق بصيام الفريضة، وصيام التطوع، من فضائل وأحكام ثم لما كان هناك مباحث تتعلق بصيام رمضان، كالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وضعت فقه الاعتكاف، ولما كان رمضان شهر القيام وضعت قيام رمضان، ولما كانت زكاة الفطر تتعلق بالفطر من رمضان أدرجت في الكتاب زكاة الفطر، وإذا كان هذا شهر الصيام والقيام والصدقة والإحسان فليختم بالفرح والسرور والغبطة والحبرور ذيلت بفقه العيدين.
وقد التزمت فيه ما صحَّ عن النبي العدنان ﵊، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها أو للردِّ على من استدلَّ بها، وكذلك ذكرت الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ثم ذكرت أقوال الأئمة المجتهدين، ورجَّحت ما يقتضي الدليل رُجحانَه (١).
وبعد أن أضنيتُ نفسى فى جمع هذا الكتاب، وتبويبه وترتيبه، وتخريجِ أحاديثِه وآثارِه والحكمِ عليها في ضوء قواعدِ الجرح والتعديل، قمت بعرض ما جمعته على شيخنا المفضال -مصطفى بن العدوي - حفظه الله من كل سوءٍ وبارك فيه -، فراجعه على دَيدنِه فى سماحة خلقه، وبرِّه بطلاب العلم، فقدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه، وتصويب ألفاظه؛ فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجعل ما قدَمه فى ميزان حسناته يوم يلقى مولاه، وأسألُه سبحانه أن يُسعدَه بجنته، ويشملَه برحمته، وأن يكرمَه بمغفرته، وأن يرزقه مزيدَ العلم النافعِ، ومزيد العمل الصالح وأن ينفع بعلمه وسعيه المبذولَ
стр. 11
الإسلامَ والمسلمين، وأن يرزقَه الإخلاصَ فى جميع ذلك، وأن يتقبَّل منه جميعَ أعمالِه، وأن يجعلَه من أهل جنة الفردوس، وأن يجزيَه عنى وعن المسلمين خير الجزاء.
وإني لأعلم أن هناك من هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل ولكني أذكر قول القائل:
وما كنت أهلًا للذي قد كتبته … وإني لفي خوف من الله نادم
ولكنني أرجو من الله عفوه … وإني لأهل العلم لا شك خادم
ولما آمل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأت على الشأن الكئود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود.
رب تقبل عملي … ولا تخيب أملي
أصلح أموري كلها … قبل حلول أجلي
ولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلته في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمةَ من الزلل والخطأ والنسيان، فقد قيل: أبى الله أن يصح إلا كتابه.
وقال الشافعي: «لقد ألفت هذه الكتب ولم آل جهدًا فيها، ولابد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه، ولله در من قال:
كم من كتاب قد تصفحته … وقلت في نفس أصلحته
حتى إذا طالعته ثانيًا … وجدت تصحيفًا فصححته
وما أحسن ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة البشر، فسبحان مَنْ تنزَّه عن النقص».
فمن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عثر فيه على تغيير أو زلل، فليعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليصلح منه ما يحتاج إلى إصلاح متفضلًا، فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية، فهو الذي وسع كل شيء علما، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا.
стр. 12
سطره لنفسه … قائله وجامعه
فليعف عن زلاته … ناقله وسامعه
فألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعوجَّ وندَّ، والتنبيه إلى ما ندَّ عنه القلم.
وإن تَجِدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فيه وعلا
وأسأل الله أن يجعل عملى هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعنى به والمسلمين، وأن يجعلَه فى ميزان حسناتى يوم الدين، وأسأله أن يجزىَ عنى والديَّ أعمَّ الجزاءِ والمثوبةِ، وأن يمتَّعهما بالصحة والعافية، وأن ينوِّرَ أوقاتهما بالهدى والتُّقى، وأن يرزقَهما جنةَ الفردوس.
هذا وما كان من توفيقٍ فمن الواحد المنان، وما كان من خطأٍ أو نسيانٍ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ، والله المستعان.
إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أبو عبد الله
محمد بن علي بن حلاوة
مصر - كفر الشيخ - البرلس
هاتف: ٠١٠١٠٦٣٧٤٦٦
стр. 13
الباب الأول
وفيه فصول
الفصل الأول: في تعريف وفضل الصوم
الفصل الثاني: على من يجب الصيام؟
الفصل الثالث: النية
الفصل الرابع: أحكام دخول الشهر ورؤية الهلال
الفصل الخامس: من يباح له الفطر
الفصل السادس: مفسدات الصوم
الفصل السابع: المفطرات المستجدة
الفصل الثامن: الكفارة وما يتعلق بها من أحكام
الفصل التاسع: القضاء وما يتعلق به من أحكام
الفصل العاشر: مباحات الصيام
الفصل الحادي عشر: الإفطار والسحور
стр. 14
الفصل الأول: في تعريف وفضل الصوم
وفيه مباحث
المبحث الأول: تعريف الصيام
المبحث الثاني: فضل الصوم
المبحث الثالث: فضائل شهر رمضان
المبحث الرابع: ما يجب على الصائم تركه
المبحث الخامس: الحكمة من مشروعية الصيام
المبحث السادس: أقسام الصيام
المبحث السابع: حكم صيام رمضان
المبحث الثامن: ترك الصيام بغير عذر
стр. 15
المبحث الأول: تعريف الصيام
• الصَّوْمُ لغة: الإمساكُ عن الشيء والتَّرْكُ له.
وقيل للصائم صائمٌ لإمْساكِه عن المطْعَم والمشْرَبِ والمنْكَح.
وقيل للصامت صائمٌ لإمساكه عن الكلام، قالت مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلم الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].
وقيل للفرس صائمٌ لإمساكه عن العَلَفِ مع قيامِه.
قال أَبو عبيدة: كلُّ مُمْسكٍ عن طعامٍ أَوْ كلامٍ أَوْ سيرٍ فهو صائمٌ (١).
• الصوم شرعًا: الإمساك عن المفطرات من شخص مخصوص مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتمامُه وكمالُه باجتناب المحظورات وعدم الوقوع فى المحرمات؛ لقوله ﵇: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٢).
فقولنا: «الإمساك عن المفطرات» كالأكل والشرب والجماع.
وقولنا: «من شخص مخصوص» أي المسلم العاقل …
وقولنا: «من طلوع الفجر إلى غروب الشمس» هذا بالإجماع (٣).
стр. 16
الخلاصة: الصيام لغةً: الإمساك.
وشرعًا: الإمساك بنية من شخص مخصوص عن المفطرات، كالطعام والشراب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
المبحث الثاني: فَضْلُ الصوم
١ - الصوم من أسباب المغفرة ورفعة الدرجات فى الآخرة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ المسْلمينَ وَالمسْلماتِ وَالمؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالمتَصَدِّقِينَ وَالمتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
٢ - الصائمون هم السائحون (١): قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالمعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ المؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] (٢).
стр. 17
٣ - إضافته إلى الله تعالى تشريفًا لقدره وشانه وتنويهًا بسامق مكانه: ففي الصحيحين (١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «قال اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (٢).
стр. 18
٤ - الصوم فى سبيل الله يباعد عن النيران: ففي «الصحيحين» (١) عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ (٢) إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (٣).
٥ - الصوم وقاية وجُنة من النار: ففي الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ».
وعن عثمان بن أبى العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ» (٥)، وفى لفظٍ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ».
وقال ابن العربي (٦): إنما كان الصوم جُنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا، كان ذلك ساترًا
стр. 19
له من النار في الآخرة.
وفي «الصحيحين» (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (٢).
أي أن الصوم قامع لشهوة النكاح وعدم الوقوع في الزنا. وهذا يدل على أن الصوم يُضعف شهوات النفس التي تدخل النار.
٦ - باب الريان للصائمين يوم القيامة: ففي «الصحيحين» (٣) عن سهل بن سعد الساعدى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنَّ في الْجَنَّةِ بَابًا يُقال لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلم يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
قال ابن حجر (٤): الرَّيَّان بَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة يَخْتَصّ بِدُخُولِ الصَّائِمِينَ مِنْهُ، وَهُوَ مِمَّا وَقَعَت المنَاسَبَة فِيهِ بَيْن لَفْظه وَمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الرِّيّ وَهُوَ مُنَاسِب لِحَالِ
стр. 20
الصَّائِمِينَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ لم يَظْمَأ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اُكْتُفِيَ بِذِكْرِ الرِّيِّ عَنْ الشِّبَع لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَلْزِمهُ، قُلْت: أَوْ لِكَوْنِهِ أَشَقّ عَلَى الصَّائِم مِنْ الْجُوع.
٧ - فرح الصائم بصومه يوم القيامة: «ففي الصحيحين» (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ : الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المسْكِ».
٨ - الصوم كفارة للخطيئات: ففي «الصحيحين» (٢) عن حذيفة قال: قال: عمر ﵁: «من يحفظ حديثًا عن النبي ﷺ فى الفتنة؟ قال: حذيفة: أنا سمعته يقول: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».
٩ - الصوم لا مثل له: عن أبي أُمامة الباهلى ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: مُرني بأمر آخذه عنك. قال: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» (٣).
١٠ - وهناك حديثٌ يدلُّ على أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة، ولكن فى إسناده حُيّىُّ بن عبد الله، وفيه مقال.
стр. 21
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (١).
المبحث الثالث: فضائل شهر رمضان
١ - شهر القرآن: قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ - تصفيدُ الشياطين وفتحُ أبواب الجنان وغلق أبواب النيران:
ففي «الصحيحين» (٢)، عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ (٣)، ...............
стр. 22
وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ (١)، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ»، وفى البخاري: «وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (٢).
٣ - كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة: روى البخاري (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلم يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلم يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عَنْدَهُ فَلم يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» (١).
وروى مسلم (٢) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصَّلَوَاتِ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لما بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ».
٥ - رمضان شهر الجود: ففي الصحيحين (٣) عن ابن عباس ﴿قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ المرْسَلَةِ» (٤).
стр. 25
٦ - الصيام سببٌ لجعلك من الصدِّيقين والشُّهداء: عن عمرو بن مُرة الجُهنى ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟ قَالَ: «مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (١).
في كل يوم عتقاء ولكل منهم دعوة مستجابة: عن الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - هُوَ شَكَّ، يَعْنِي الْأَعْمَشَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» (٢).
٨ - فيه ليلة القدر: من فضائل هذا الشهر العظيم أن فيه ليلةً هي خير من ألف شهرٍ أى: للعبادة فيها، قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الملَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].
قال القرطبي: معنى قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أى: العمل فيها خيرٌ من العمل فى ألف شهر.
وروى البخاري (٣)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فينبغى للمؤمن أن يقوم فى هذه الليلة للواحد القهار بِذُلٍّ وانكسارٍ، يدعوه ويرجوه أن يغفرَ له زلاتِه، ويتجاوزَ عن سيئاتِه؛ فإن هذه الليلة تُحْسَب بالعمر.
стр. 26
قال ابن رجب (١): فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقى من الشهر، فعسى أن يستدرك ما فات من ضياع العمر.
تَوَلَّى العُمُر في سهو … وفي لَهْوٍ وفي خُسْر
فيا ضيعةَ ما أَنْفَقْ … تُ في الأيام من عُمْري
وما لِي في الَّذِي ضيَّعْ … تُ من عمريَ من عُذْرِ
فما أغْفَلَنَا عن وا … جبات الحمد والشكر
أمَا قد خَصَّنا الل … هُ بشهرٍ أيِّما شهرِ
بشهرٍ أنْزَلَ الرحم … نُ فيهِ أشرفَ الذِّكْرِ
وهل يُشبِهُه شهرٌ … وفيه ليلةُ القدرِ
فكمْ مِنْ خَبرٍ صَحَّ … بما فِيها من الخير
رَوَيْنَا عن ثقاتٍ أنَّ … ها تُطْلَبُ في الوِتر
فطُوبى لأمْرئ يطلُ … بُهَا في هِذِه العَشرِ
فَفِيْهَا تنزلُ الأملا … كُ بالأنوار والبرِ
وقد قال: «سلامٌ هـ … يَ حتى مَطْلعِ الفجرِ
ألَا فادَّخِروها إنْ … نَها من أنْفَسِ الذُّخر
فكمْ مِنْ مُعْتَقٍ فيها … من النارِ ولا يَدْرِي
يا ليلة القدر للعابدين اشهدي، يا أقدام القانتين اركعى لربك واسجدى، يا ألسنة السائلين جِدِّي فى المسألة واجتهدي.
يا رجال الليل جدوا … رب داعٍ لا يُرد
ما يقوم الليل إلا … من له عزم وجد
стр. 27
ليلة القدر عند المحبين ليلة الحظوة، بأنس مولاهم وقربه، وإنما يفرون من ليالى البعد والهجر، يا من ضاع عمره فى لا شيء، استدرك ما فاتك فى ليلة القدر، فإنها تحسب بالعمر. يا يعقوب الهجر، قد هبت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرًا، ولوجدت ما كان لفقده فقيرًا.
كان لى قلب أعيش به … ضاع منى فى تقلبه
رب فاردده على فقد … عيل صبرى فى تطلبه
وأغثنى ما دام بى رمق … يا غياث المستغيث به
لو قام المذنبون فى هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] لبزر لهم التوقيع عليها: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
أشكو إلى الله كما قد شكى … أولاد يعقوب إلى يوسف
قد مسنى الضر وأنت الذى … تعلم حالى وترى موقفى
بضاعتى المزجاة محتاجة … إلى سماح من كريم وفى
فقد أتى المسكين مستعطرا … جودك فارحم ذله واعطف
فأوف كيلى وتصدق على … هذا المقل البائس الأضعف
لليلة القدر عند الرب تفضيل … وفي فضائلها قد جاء تنزيل
فجد فيها على خير تنال به … أجرًا فللخير عند الرب تفضيل
واحرص على فعل أعمال تُسر بها … يوم المعاد ولا يغررك تأميل
فكم رأينا صحيح الجسم ذا أمل … في ليلة القدر لم يبله تنويل
فتب إلى الله واحذر من عقوبته … عن كل ما فيه توبيخ وتنكيل
стр. 28
ولا تغرنك الدنيا وزخرفها … فكل شيء سوى التقوى أباطيل
هي ليلة تُتلقى فيها الوفود، ويحصل لهم المقصود من القبول والفوز والسعود، أترى يؤلمك أيها المطرود؟
هذه أوقات يربح فيها من فهم ودرى، ويصل إلى مراده كل من جد وسرى، ويفك فيها العاني وتطلق الأسرى، تقدم القوم وأنت راجع إلى ورا أو ليس كل هذا قد جرى وكأنه لم يجر، قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
وقد جاء في صحيح الإسناد: أنها تُلتمس في الأفراد فاطلبوها في هذه الأعداد تظفروا بحسن القبول ونيل المراد ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
هي ليلة يجود فها الرب على العباد، ويقضي فيها القضاء بما شاء وأراد، تُكتب فيها الآجال والأرزاق، وهي أفضل الليالي في حقنا على الإطلاق، فاغتنموها فإنها عظيمة القدر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
فليلة القدر خير قال خالقنا … من ألف شهر هنيئًا من لها شهدا
فيها القرآن بأمر الله أنزله … بعلمه وبهذا النص قد وردا
فيها تُفتح أبواب السماء لمن … مد الأكف وبالأعمال مجتهدا
وينزل الروح فيها والملائك من … عند المهيمن لن تحصي لهم عددا
يا فوز عبد رآها إنه رجل … قد عاش في الدهر عيشًا دائمًا رغدًا
وفاز بالأمن والغفران مغتبطًا … ونال ما يرتجى من ربه أبدا
فاطلب من الله إن وافيتها سحرا … جنات عدن تكن من جملة السُّعدا
وابك ونُحْ وتضرع في الدجى أسفا … وقل إلهي تفضل بالجميل غدا
شهر يفوق على الشهور بليلة … من ألف شهر فُضلت تفضيلا
فاجهد عساك تنالها فيما بقي … بالجد واحذر أن تكون غَفولا
стр. 29
أيها المسلمون اجتهدوا في هذا الليالي المباركات فإنها فرصة العمر، والفرص لا تدوم، والله أخبر أن ليلة القدر خير من ألف شهر، يعني تزيد على ثمانين عامًا، وهي عمر طويل لو قضاه الإنسان كله في طاعة الله فليلة واحدة، وهي ليلة القدر، خير منه وأفضل، وهذا فضل عظيم وثواب جزيل وخير عميم، من وُفق لها يُغفر له ما تقدم من ذنبه فيكون من الذنوب التي فَعلها كيوم ولدته أمه.
عبدَ الله جِد واجتهد وشمِّر ونافس في الأعمال الصالحة، لعلك تدرك ليلة القدر وتفوز بالعتق والأجر وجائزة الرب، لعلك تكون من المقبولين، لعل الرحيم الرحمن ينظر إليك فيرحمك رحمة لا تشقى بعدها أبدًا، فما هي إلا أيام وساعات فنافس وسارع وسابق أيامًا معدودات، جد فيما بقي منها.
٩ - يختص بمزيد من الطاعات: من فضائل شهر رمضان أن النبي ﷺ كان يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان، وكان يخصُّ هذا الشهر بمزيدٍ من العبادة. ففي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي سعيد الخدرى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِف الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ».
قال ابن رجب (٣): فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية، على كل حال كان بعضهم لا يزال منفردًا فى بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليس من
стр. 30
ذكرنى».
أوحشتنى خلواتى … بك من كل أنيسي
وتفردت فعاينتك … بالغيب جليسي
وقال فى موضع آخر: كانت امرأة حبيب بن أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.
يا نائمًا بالليل كم ترقد … قم يا حبيبى قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته … وردًا إذا ما هجع الرُّقَّد
ما نام حتى يتقفى ليله … لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لذوى الألباب أهل التقى … قنطرة العرض لكم موعد
وقال الشاعر:
أدم الصيام مع القيام تعبدًا … فكلاهما عملان مقبولا
قم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم … إلا كنومة حائر ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة … فتساق من فرش إلى أكفان
يا حبذا عينان في غسق الدجى … من خشية الرحمن باكيتان
فالله ينزل كل آخر ليلة … لسمائه الدنيا بلا كتمان
فيقول: هل من سائل فأجيبه … فأنا القريب أجيب من ناداني
وقال آخر:
قم الليل يا هذا لعلك ترشد … إلى كم تنام الليل والعمر ينفد
أراك بطول الليل ويحك نائما … وغيرك في محرابه يتهجد
ولو علم البطال ما نال زاهد … من الأجر والإحسان ما كان يرقد
стр. 31
فصام وقام الليل والناس نوم … ويخلو برب واحد متفرد
بحزم وعزم واجتهاد ورغبة … ويعلم أن الله ذا العرش يعبد
ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها … لكان رسول الله حيا يخلد
أترقد يا مغرور والنار توقد … فلا حرها يطفى ولا الجمر يخمد
فيا راكب العصيان ويحك خلها … فتحشر عطشانا ووجهك أسود
فكم بين مشغول بطاعة ربه … وآخر بالذنب الثقيل مقيد
فهذا سعيد في الجنان منعم … وهذا شقي في الجحيم مخلد
كأني بنفسي في القيامة واقف … وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد
وقد نصب الميزان … للفصل والقضا
وقال آخر:
امنع جفونك أن تذوقا مناما … وذر الدموع على الخدود سجاما
واعلم بأنك ميت ومحاسب … يا من على سخط الجليل أقاما
لله قوم أخلصوا في حبه … فرضى بهم واختصهم خداما
قوم إذا جن الظلام عليهم … باتوا هنالك سجدا وقياما
خمص البطون من التعفف ضمرا … لا يعرفون سوى الحلال طعاما
وقال آخر:
لله ساهر ليله ما يهجع … وَجِلُ الفؤاد من الذنوب مُصَدَّع
يبكي بدمع ساكب هفوَاتِهِ … والليل في جلبابه متبرقع
نَدِمٌ على ما كان من عصيانه … ملكا تذل له الملوك وتخضع
يا رب ما للذنب غيرك غافر … وإليك منه يا إلهي المفزع
يا رب عبدك ضارع فاغفر له … ما لم يزل يدعوك فيه ويضرع
стр. 32
وعن القاسم بن راشد الشيباني قال: كان رفاعة بن صالح نازلا عندنا وكان له أهل وبنات وكان يقوم فصلي ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته:
يا أيها الركب المعرّسونا
أكُلَّ هذا الليل ترقدونا
ألا تقومون فتصلونا
قال: فيتواثبون من هنا باك ومن ها هنا داع، ومن ها هنا قارئ ومن ها هنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى.
أرأيت يا أخي كيف يقضون ليلهم وكيف يحافظون على أوقاتهم؟ ونحن نهدر أيامنا ونضيع أعمارنا لا نبالي ولا نحرص على ذلك! وأرخص شيء عندنا الوقت، الدقائق تمر، والأنفاس لا تعود، وعمرك محاسب عليه فأعد حساباتك، واغتنم ساعاتك، لذا فاعلم حفظك الله أن قيام الليل هو طريق الصالحين. وسبيل العاملين، وتكفير لذنوب المذنبين، وهداية للفجرة والعاصين (١).
ألا يا عين ويحك أسعديني … بطول الدمع في ظلم الليالي
لعلك في القيامة أن تفوزي … بخير الدهر في تلك العلالي
١٠ - عمرة في رمضان تعدل حجة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تَقْضِى حَجَّةً» (٢). وفي رواية: «حَجَّةً مَعِي».
فالعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض. فهنيئًا لمن يوفق لعمرة في رمضان، هنيئًا له بحجة مع النبي العدنان.
١١ - شهرا عيد لا ينقصان: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» (٣).
стр. 33
معنى لا ينقصان في ثواب العمل فيهما: قال إسحاق: لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين (١).
١٢ - شهر رمضان شهر الصبر: عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ - صَوْمُ الدَّهْرِ» (٢).
المبحث الرابع: ما يجب على الصائم تركه
١ - قول الزور: روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٣).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ».
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» (٤).
стр. 34
قال: ابن خزيمة: بَابُ نَفْيِ ثَوَابِ الصَّوْمِ عَنِ الممْسِكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَعَ ارْتِكَابِهِ مَا زُجِرَ عَنْهُ غَيْرَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» (١).
قال: ابن قدامة (٢): وَيَجِبُ عَلَى الصَّائِم أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ. قال أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلَا يُمَارِي، وَيَصُونَ صَوْمَهُ، كَانُوا إذَا صَامُوا قَعَدُوا في المسَاجِدِ، وَقَالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنَا. ولا يغتاب أحدًا ولا يعمل عملا يجرح به صومه.
قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
وقال أبو هريرة: قال: رسول الله ﷺ : «قال الله : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ … » الحديث.
стр. 35
• وهذه بعض المخالفات التي تقع في رمضان في هذا الباب:
١ - ارتكاب بعض الصوام المعاصي والسيئات ووقوعهم في المحرمات وبذاءة اللسان والظلم والعدوان والحقد والحسد والبغضاء وهم صيام، فتراه يصوم ولا يبالي على ماذا أفطر ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة والفري في أعراض الناس يقطعون بذلك ساعات صومهم كما زعموا، وفي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، ولله در القائل: أتزعم أنك صائم، وأنت في لحم أخيك سائم.
٢ - سماع الأغاني والموسيقى والألحان وهذا وإن كان محرما في غير رمضان، فتحريمه في رمضان أشد لشرف الزمان، فرمضان هو شهر القرآن لا شهر الألحان.
حب الكتاب وحب ألحان الغناء … في قلب عبد مؤمن لا يجتمعان
٣ - تضييع ليالي رمضان بالتلفاز وما فيه من أغان محرمة، وكلام مبتذل رخيص ورقص وميوعة وأفلام غرام هدامة خليعة وممارسة للعري والاختلاط والدعوة لمحاربة الفضيلة والحياء، فيقضي رمضان في سهرات ومسلسلات ومباريات ولهو، ففي الليل هائم وفي النهار نائم، ولله در القائل:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا … وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه … ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
ورب قبيحة ما حال بيني … وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الدواء لها ولكن … إذا ذهب الحياء فلا دواء
واذكر مناقشة الحساب فإنه … لابد يحصي ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته … بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
٤ - يقع البعض في رمضان في الكسل الشديد وكثرة النوم ولا سيما في نهار رمضان ومنهم من لا يستيقظ من نومه إلا قبيل المغرب لتناول الإفطار، أين الصيام إذن؟ وأين الصلوات المكتوبات؟ وأين ذكر الله وتلاوة القرآن؟ وترى السهر وتعظم البلية
стр. 36
لسهر هؤلاء على ما يغضب الله من متابعة للقنوات الفضائية وغير الفضائية والتي تبث العري والخلاعة والمجون ويزداد سعارها وخلاعتها في هذا الشهر الفضيل فأي صوم لهؤلاء الذين قضوا نهارهم في النوم وأفطروا على مشاهدة الأجساد العارية؟
والواجب اغتنام أيام رمضان بالتقرب إلى الله والاجتهاد والمنافسة فيها بالإقبال على مختلف الطاعات من صلاة فرائض ونوافل، وصيام وقيام وتبكير للمساجد وكثرة ذكر ولزوم استغفار ودعاء وأمر بمعروف ونهي عن منكر ودراسة وحفظ وقراءة للقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار بتدبير وتعقل له واعتكاف وعمرة وصدقة وجود وتوبة وقراءة كتب العلم وحضور مجالس الذكر والوعظ واستماع أشرطة مفيدة وبذل للعمل ودعوة وسخاء وكفالة يتيم وتفطير صائم واجتهاد في بر الوالدين وصلة رحم وإكرام جار وتفقد أحوال المسلمين وقضاء حاجات الناس وعيادة مرضى وزيارة مقابر ومواساة للفقراء وللمساكين وإدخال سرور وغير ذلك من أنواع الطاعات.
٥ - الإفطار بعد غروب الشمس على الدخان قبل أكل أي شيء ولربما دخل المسجد وألقى السيجارة عند الباب وريحه الخبيثة تعصف وتفوح، ويا ويل من يصلي بجانبه أعانه الله على تحمل هذه الرائحة. استعن بالله تعالى وكن صاحب عزيمة وهمة عالية فلا تغلبك تلك الشهوة إني والله لأربأ بمثلك أن يدنس هاتين الشفتين الرطبتين بلا إله إلا الله بهذا الدخان الخبيث أيجوز أن تكون مسلما موحدا وتغلبك سيجارة، والله إن هذه هي الدناءة نسأل الله العافية، سائل نفسك أخي هل التدخين خبيث أم طيب؟ وأين أنت من كلام المولى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
هل تطيب نفسك بالتدخين في المسجد؟ ولم؟ هل هو نافع أم ضار؟ هل هو طعام أم شراب؟ أم هو دخان كاسمه؟ هل هو لذيذ أم كريه؟ هل فيه إيذاء برائحته الخبيثة؟ وهل هو إلا تبذير وإسراف وإضاعة للمال والمبذرون إخوان الشياطين، والله لا يحب المسرفين، (ادفع دينارًا واشرب نارًا).
يا من يريد دمار صحته ويه … وى الموت منتحرا بلا سكين
لا تيأسن فإن مثلك واجد … كل الذي ترجوه في التدخين
стр. 37
أقول: من ابتلي بالتدخين أو غيره من العادات الضارة فعليه أن يستغل شهر الصوم فيصوم عنه في ليله كما صام عنه في نهاره ليهجره إلى غير رجعة وأن يواصل عزيمته وقوة إرادته بالليل كما كانت بالنهار.
والنفس كالطفل إن تهمله شب على … حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وأن يقطع مجالسه السابقة ويعتاض عنها بمجالس أهل الخير والصلاح فهي خير عون له على ذلك بعد إعانة الله وتوفيقه.
صحبة الصالحين بلسم قلبي … إنها للنفوس أعظم راقي
٦ - المبالغة في الإنفاق وتناول الأطعمة وتضييع غالب الوقت في المطبخ والنهم والشبع المفرط بمشويات ومقليات ومشهيات ومقبلات ومشروبات ومطعومات وغيرها من المسميات، حتى أصبح رمضان عند كثير من الناس شهر الطعام والشراب والموائد لا شهر الصيام والقيام والفوائد.
فشهر رمضان عندهم مناسبة لملء البطون وجلب التخمة واستدعاء لأمراض البطنة وتخبط الجسم وعجزه عن القيام بالعبادات، وصار نشيده - ويا للأسف -:
إنما الدنيا طعام … وشراب ومنام
فإذا فاتك هذا … فعلى الدنيا السلام
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.
قال الشاعر:
فإن الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشراب
لقد جاع فيها الأنبياء كرامة … وقد شبعت فيها بطون البهائم
ولذلك سئل أحد الحكماء عن الطعام فقال: (ينبغي أن نأكل لنعيش لا أن نعيش لنأكل).
٧ - إذا تأملنا واقع كثير من النساء في رمضان وكيف تقضي وقتها رثَينا لحالها وعزيناها، فالنوم في نهار رمضان يأخذ نصيب الأسد من وقت المرأة المسلمة.
ثم يأتي في الدرجة الثانية المطبخ، فنجدها تنام إلى الظهر ثم تبدأ بترتيب المنزل ثم الدخول إلى المطبخ لإعداد وجبة الإفطار إلى حوالي العصر، وبعد العصر إعداد
стр. 38
المشروبات ومائدة الإفطار، وبعد الإفطار الاستعداد لمأدبة العشاء، وبعد العشاء العودة إلى المطبخ لغسل الأواني ثم الاشتغال بالمسلسلات أو المكالمات الهاتفية الفضولية، أو التجول في الأسواق بلا ضرورة ولا حاجة ملحة، وهكذا!! إلى وقت السحور، ثم إعداد وجبة السحور، ثم النوم …
فبالله عليك هل استفدت من شهر الرحمات؟! هل تعرضت إلى نفحات الرحمن؟!
قال الشاعر:
فبادر إلى الخيرات قبل فواتها … وخالف مراد النفس قبل مماتها
ستبكي نفوس في القيامة حسرة … على فوت أوقات زمان حياتها
فلا تغتر بالعز والمال والمنى … فكم قد بلينا بانقلاب صفاتها
٨ - الجهل بأحكام الصيام من شروط ومفسدات، وعدم السؤال عنها قبل مباشرتها، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي الحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ولله در القائل:
ومن غدا بغير علم بعمل … أعماله مردودة لا تقبل (١)
* * *