← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة فضيلة الشيخ مصطفى العدوي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: فهذا كتاب الطهارة وأحكامها أعده أخي في الله الشيخ/ محمد حلاوة حفظه الله وبارك فيه، ونفع به وبعلمه وقد اعتنى فيه بهذا الباب العظيم، إذ قد بوَّب فأحسن التبويب وأورد فأحسن الإيراد، فقد أورد أدلة العلماء في المسائل سواء من الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة المباركة، وحكم على الأحاديث بما تستحِقّه صحةً أو ضعفًا، وجمع بين ما ظاهره التعارض، ورجح ما تقضيه المقامات من وجوه الترجيح، وذلك كما أسلفتُ بعد تخريج الأحاديث والحكم عليها، وكذا فعل بالآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وكذا فإنه وفقه الله لم يهمل أقوال الفقهاء، بل أوردها وعزاها إلى مصادرها قولًا بعد قولٍ؛ فخرج كتابه كتابًا حديثيًا فقهيًّا، فأسأل الله أن يجازيه خيرًا، ويوفقه لمزيد من العلم الشرعي والدعوة إلى الله . هذا، وقد نظرت في كتابه هذا وراجعتُ عمله؛ فألفيته ولله الحمد موفقًا نافعًا، فالله أسأل أن يزيده سدادًا وتوفيقًا. وهذا، ولأخي محمد حلاوة حفظه الله كتبٌ أُخر في الفقه منها: فقه الزكاة، وفقه الصيام، ولله الحمد فعمله موفق، فأسأل الله أن يبارك فيه وفي علمه. وصلِّ الله على نبينا محمد وسلم، والحمد لله رب العالمين. كتبه أبو عبد الله مصطفى بن العدوي

стр. 2

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على الناس أجمعين، بعثه للإيمان مناديًا، وإلى دار السلام داعيًا وللخليقة هاديًا ولكتابه تاليًا، وفي مرضاته ساعيًا وبالمعروف آمرًا وعن المنكر ناهيًا. فسبحان من شرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمره فدعا إلى الله سرًّا وجهارًا، ليلًا ونهارًا إلى أن طلع فجر الإسلام، وأشرقت شمس الإيمان، وعلت كلمة الرحمن، وبطلت دعوة الشيطان، وأضاءت بنور رسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد تفرقها وشتاتها؛ فأشرق وجه الدهر حسنًا، وأصبح الظلام ضياء، واهتدى كل حيران فلما كمل الله به دينه، وأتم به نعمته، ونشر به على الخلائق رحمته، فبلغ رسالات ربه ونصح عباده، وجاهد في الله حق جهاده (١) فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ١٠٢﴾ [آل عمران ١٠٢].

стр. 3

فمن أراد عزًّا وفلاحًا، ونشد خيرًا وصلاحًا، وطلب توفيقًا ونجاحًا فعليه بتقوى الله. في تقوى الله الخروج من المضائق، والسلامة من العوائق، والنجاة من المآزق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق]. التقوى هي السبيل إلى الجنان، والطريق لرضا الرحمن، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ٦٣﴾ [مريم]. وهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة. وبعد: فالصلاة من أعظم أركان الإسلام، وهي التي تصل العبد بربه المنَّان، أمر الله بها موسى الكليم، فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ١٤﴾ [طه: ١٤]، وأُمِرَ بها سيد الأنبياء وخاتم المرسلين فقال له ربه الكريم: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد دعا إبراهيم الخليل فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقد أثنى الله على إسماعيل؛ لأنه ﴿كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. فالصلاة تفرج الكربات، وترفع بها الدرجات، وتمحى بها الخطايا والسيئات، فكم ينال الخاشع في صلاته من البركات وعظيم الخيرات، ولمَّا كانت الطهارة شرطًا لصحة هذا الركن العظيم، فقد دعا الإسلام إلى طهارة القلب من الشرك بالتوحيد والإيمان، وإلى طهارة الجوارح من الأوساخ والأدران، فالطهارة شطر الإيمان، وتكفر عن العبد الخطايا والآثام، وتَحُلّ عُقَد الشيطان، وإسباغها مع النطق بالشهادتين عند ختامها تُدخل العبد الجنان، صحَّ ذلك كله عن النبي العدنان، فروى مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ، أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا

стр. 4

رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (٢). وقد صح عند مسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٣). والناظر في كتاب الرحمن، وفي سنة النبي العدنان يجد فيهما ما يصلح للعباد في كل مكان وزمان وفي الحال والمآل، حتى الأمور الجِبِلية التي جُبِل عليها الإنسان بفطرته، عَلَّمنا إيَّاها رسول الهدى، فروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: «أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ … ». فإذا كان نبينا قد علمنا كل شيء فلماذا نترك شريعة رب البرية ونتحاكم إلى حثالة أذهان البشرية، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾ [النساء]، فلابد للمسلم أن يسير على شرع الله في دينه ودنياه، وفي عباداته ومعاملاته، وفي كل شيء من أمور حياته، قال تعالى:

стр. 5

﴿قلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣﴾ [الأنعام]. إنَّ المتأمل لما جاءت به الشريعة الغراء لَيَأْخُذْهُ العَجَبُ، ويشعر بالدهشة تملأ نفسه وتأثر قلبه، وتملك عليه جوارحه، فهي شريعة مبنية على رفع الحرج عن المكلفين، والتيسير على عموم المسلمين، فمن لم يجد الماء تيمم لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. وكذا في الشتاء القارص والبرد الحالك إذا لبس المرء الخفين أبيح له المسح عليهما، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ومحمدًا نبينا ورسولًا. وبما تقدَّم من أهمية الطهارة، ولتعلُّق أحكامها بالصحة والسقم، والحل والسفر، والشروق والغروب، والليل والنهار ولمدة زمانها، وما يعتري المسلم فيها من عوارضَ تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الطهارة، وقصورِهم عن معرفة أحكامها وسننها وآدابها؛ رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفِه، وتعنَّيت لتحبيره جهدي، مستلهمًا من المولى عزَّ شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون للمسلمين والمسلمات دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا. على كف الندى أُهدي كتابي … وأُرخي في محبتكم ركابي فإن كان الذي أهدي يسيرًا … ففيض الوُد أكمل في النِّصاب وسميته «الجامع لأحكام الطهارة» وقد التزمت فيه ما صحَّ عن النبي العدنان G، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها أو للردِّ على من استدلَّ بها، وكذلك ذكرت الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ثم ذكرت أقوال الأئمة المجتهدين، ورجَّحت ما يقتضي الدليل رُجحانَه (١).

стр. 6

وقد قسمت هذا الكتاب إلى عشرة أبواب: الباب الأول: المياه. والباب الثاني: النجاسات. والباب الثالث: الأنية. والباب الرابع: قضاء الحاجة. والباب الخامس: خصال الفطرة. والباب السادس: الوضوء. والباب السابع: المسح على الحائل. والباب الثامن: الغسل. والباب التاسع: التيمم. والباب العاشر: الحيض. وهذا ترتيب منطقي فأول ما يفعله من أراد الطهارة أن يأتي بالمياه ثم توضع المياه في الأنية ثم قضاء الحاجة ثم الوضوء وإذا كان يلبس الخف يمسح عليه، وإذا أجنب فيجب عليه الغسل، وإذا فقد المرء الماء تيمم ثم ختمت بالحيض وهو خاص بالنساء. وبعد أن أضنيتُ نفسى فى جمع هذا الكتاب، وتبويبه وترتيبه، وتخريجِ أحاديثِه وآثارِه والحكمِ عليها في ضوء قواعدِ الجرح والتعديل، قمت بعرض ما جمعته على شيخنا المفضال مصطفى بن العدوي - حفظه الله من كل سوءٍ وبارك فيه -، فراجعه على دَيدنِه فى سماحة خلقه، وبرِّه بطلاب العلم، فقدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه، وتصويب ألفاظه؛ فكم أذكره في خلواتي، وأدعو له في صلواتي، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجعل ما قَدَّمه فى ميزان حسناته يوم يلقى مولاه، وأسألُه سبحانه أن يُسعدَه بجنته، ويشملَه برحمته، وأن يكرمَه بمغفرته، وأن يرزقه مزيدَ العلم النافعِ، ومزيد العمل الصالح وأن ينفع بعلمه وسعيه الإسلامَ والمسلمين، وأن يرزقَه الإخلاصَ فى جميع ذلك، وأن يتقبَّل منه جميعَ أعمالِه، وأن يجعلَه من أهل جنة الفردوس، وأن يجزيَه عني وعن المسلمين خير الجزاء. وإني لأعلم أن هناك من هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل، ولكني أذكر قول القائل: وما كنت أهلًا للذي قد كتبته … وإني لفي خوف من الله نادم

стр. 7

ولكنني أرجو من الله عفوه … وإن لأهل العلم لا شك خادم ولما آمل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأت على الشأن الكؤود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود. رب تقبل عملي … ولا تخيب أملي أصلِح أموري كلها … قبل حلول أجلي ولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلته في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمةَ من الزلل والخطأ والنسيان، فقد قيل: أبى الله أن يصح إلا كتابه. وقال الشافعي: «لقد ألفت هذه الكتب ولم آل جهدًا فيها، ولابد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء] فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه، ولله در من قال: كم من كتاب قد تصفحته … وقلت في نفسِ أصلحته حتى إذا طالعته ثانيًا … وجدت تصحيفًا فصححته وما أحسن ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة البشر، فسبحان مَنْ تنزَّه عن النقص». فمن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عثر فيه على تغيير أو زلل، فليعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليصلح منه ما يحتاج إلى إصلاح متفضلًا، فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية، فهو الذي وسع كل شيء علمًا، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا. سطره لنفسه … قائله وجامعه فليعف عن زلاته … ناقله وسامعه فألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعوجَّ وندَّ، والتنبيه إلى ما ندَّ عنه القلم.

стр. 8

وإن تَجِدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فيه وعلا وأسأل الله أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يجعلَه فى ميزان حسناتي يوم الدين، وأسأله أن يجزي عنى والديَّ أعمَّ الجزاءِ والمثوبةِ، وأن يمتَّعهما بالصحة والعافية، وأن ينوِّرَ أوقاتهما بالهدى والتُّقى، وأن يرزقَهما جنةَ الفردوس. هذا وما كان من توفيقٍ فمن الواحد المنان، وما كان من خطأٍ أو نسيانٍ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ، والله المستعان. إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأكثر ما يجني عليه اجتهاده وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. محمد بن علي حلاوة مصر - كفر الشيخ - البرلس هاتف: ٠١٠١٠٦٣٧٤٦٦

стр. 9

الباب الأول تمهيد وفيه مباحث المبحث الأول: تعريف الطهارة. المبحث الثاني: أقسام المياه من حيث حكمها (طهور، ونجس). المبحث الثالث: أقسام المياه من حيث طبيعتها. وفيه سبعة أقسام القسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب: القسم الثاني: الماء المستعمل. القسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه. القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث. القسم الخامس: حكم الماء أو الثوب المشكوك فيه، وفيه مبحثان. القسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان. القسم السابع: حكم الوضوء بالمائعات غير الماء، وفيه مبحثان.

стр. 10

المبحث الأول تعريف الطهارة تطلق الطهارة في اللغة على معانٍ: الأول: الطهارة تطلق على النظافة نقيض النجاسة. الثاني: تطلق على طهارة القلب من الشرك، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] بكفرهم، وطهارة المشرك بإسلامه؛ ولذا قال النبي ﷺ : «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (١). الثالث: تطلق على الطهارة من الذنب بالتوبة وإقامة الحد، ومنه قول ماعز والغامدية: «يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي» أي: بإقامة الحد. الرابع: تطلق الطهارة على النزاهة والكف عن الإثم وما لا يحل، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] يتنزهون عن إتيان الذكور. الخامس: تطلق الطهارة على الحلال والبعد عن الحرام، ومنه قوله تعالى عن قوم لوط ﵇: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] حلال لكم بالزواج بهن، ولا يحل لكم إتيان الذكور. السادس: تطلق الطهارة على طهارة القلب من الريبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. السابع: تطلق على انقطاع دم الحيض، ومنه قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 11

الثامن: تطلق الطهارة على الاغتسال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. التاسع: تطلق الطهارة على الاستنجاء بالماء، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، نزلت في أهل قباء، كانوا يستعملون الماء في الاستنجاء. العاشر: تطلق الطهارة على السلامة من سائر المستقذرات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]. الحادي عشر: تطلق على الطهارة من الفاحشة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] من الفاحشة (١). والطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث (٢). فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» معنى أحدث: أي: أحدث الحدث الأصغر من بول أو غائط أو ريح، الذي يجب منه الوضوء، دل على ذلك قوله ﷺ : «حَتَّى يَتَوَضَّأَ». والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال، وكذا الحيض، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض فيحل لكم وطؤهن. ومعنى «إزالة النجس» أي: إزالة النجس عن البدن، والثوب، والمكان، والإناء. فإزالة النجاسة عن البدن تكون بالاستنجاء أو الغسل، فهذا رجل يعذب في قبره لعدم نظافة بدنه، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﴿، أن النبي ﷺ مر عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا

стр. 12

يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (١). وإزالة نجاسة الثوب بطهارته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. وإزالة النجاسة عن المكان الذي يصلي فيه تكون بتطهيره من النجاسات، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أنس: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ» قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْه (٢). فصبُّ الماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسات، ووجوب طهارة المكان الذي يصلي فيه المرء. وإزالة النجاسة عن الإناء الذي يتطهر منه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (٣). وقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من النجس، الذي هو انقطاع دم الحيض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة من الحيض، حل لكم وطؤهن.

стр. 13

المبحث الثاني أقسام المياه من حيث حكمها (طهور ونجس) اختلف أهل العلم في أقسام المياه على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا لذلك بالسنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٢).

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 15

وجه الدلالة: أن ماء البحر ليس بنجس وهو طاهر بلا شك، وسؤال الصحابي من أجل أن يعلم هل هو طهور أم لا؟ فدل ذلك على أن الماء ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس. واعترض عليه بما قاله شيخ الإسلام (١): وَقَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَالْبَحْرُ مُتَغَيِّرُ الطَّعْمِ تَغَيُّرًا شَدِيدًا لِشِدَّةِ مُلُوحَتِهِ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ - مَعَ هَذَا التَّغَيُّرِ. قلت: فدل ذلك على أن الماء قسمان: طهور ونجس. واستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٢). فإذا كان الماء الذي غمس فيه ليس بنجس، ولا يمكن التطهر منه، فهذا هو الماء الطاهر، وهو القسم الثالث من أقسام المياه. وأما دليلهم من المعقول فقالوا: إن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو

стр. 16

النجس (١). القول الآخر: أن الماء قسمان: طهور ونجس، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). واستدلوا لهذا القول بعموم القرآن والسنة: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. فكلمة (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء؛ سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور (٣). وقد استدل ابن المنذر بالآية على أن الماء قسمان: طهور ونجس، فقال: قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب، أو سنة، أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون، أو طعم، أو ريح (٤). أما دليلهم من السنة: فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٥).

стр. 17

في الحديث دلالة على أن الماء طهور لا ينجسه شيء، فهذا هو الماء الطهور الذي يجوز الوضوء به، والماء النجس ثابت بالإجماع، وبقي الماء الطاهر لا دليل عليه، فدل ذلك على أن الماء ينقسم إلى قسمين (طهور ونجس). وورد في الصحيحين عن حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ- أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (١). فالماء إذا أضيف إليه السدر لا بد أن يتغير، وإذا كان هذا المتغير بشيء طاهرٍ يطهر الميتَ،

стр. 18

فطهارة الحي كطهارة الميت، فما طهر الميت طهر الحي (١). ومع هذا التغير فهو ماء طهور، ولم يطلق عليه ماء طاهر؛ فدل ذلك على أن الماء قسمان: طهور ونجس. وعَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ (٢). وجه الدلالة: أن الماء يختلط بالعجين وَتَطَهَّر به النبي ﷺ ، وأطلق عليه ماء طهور، وليس بطاهر، فعُلم أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس. وقد وردت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تدل على الماء الطهور؛ منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقول النبي ﷺ في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ»، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة تدل على أن هناك قسمًا ثالثًا، وهو الماء الطاهر، والحاجة إلى بيانه مما يُحتاج إليه، فدل ذلك على أن الماء قسمان، وما كان ربك نسيًّا. * * *

стр. 19

أقسام المياه من حيث طبيعتها القسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: ماء المطر ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. المطلب الثاني: ماء العيون: فعيون الماء إذا لم تتغير أحد أوصافها الثلاثة؛ فيجوز الوضوء والاغتسال والتطهر بمائها لعموم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، والينابيع هي عيون الماء. المطلب الثالث: ماء الآبار، والآبار: جمع بئر، وهي: ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بُضاعة، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». فدل ذلك على أن ماء الآبار إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة؛ فهو طهور. المطلب الرابع: ماء الأنهار: كنهر النيل، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. المطلب الخامس: الماء الناتج عن الثلج والبَرَد. ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به. في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (١). المطلب السادس: ماء البحار. والبحار: جمع بحر، وهو الماء المتبحر المتسع. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة،

стр. 20

فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله ويُتطهر منه (١). وقال ابن جزي: الماء المطلق، وهو الباقي على أصله، فهو طاهر مطهر إجماعًا، سواء أكان عذبًا أو مالحًا، أو من بحر أو سماء أو أرض (٢). قلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد عن ابن عمرو، وأبي هريرة، وابن عمر عدم التطهر بماء البحر (٣).

стр. 21

وقد دل على جواز التطهر بماء البحر الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وكلمة: «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء سواء كان ماء بحر أو غيره. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في ماء البحر، قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ». المطلب السابع: ماء زمزم. أي: حكم رفع الحدث، وإزالة الخبث بماء زمزم. اختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث على أقوال: القول الأول: ذهب المالكية والشافعية إلى جواز رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم، وعند الشافعية إزالة الخبث بماء زمزم خلاف الأَوْلى (١). القول الثاني: ذهب الحنفية والمشهور عند الحنابلة إلى أنه يُكره استعمال ماء زمزم في رفع

стр. 22

الحدث وإزالة الخبث (١). القول الثالث: يحرم فيهما، وهو قول عند الحنابلة (٢). القول الرابع: يُكره فيهما (٣). القول الخامس: يُستحب الوضوء بماء زمزم (٤). القول السادس: يُكره الغسل دون الوضوء (٥). والراجح: جواز رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده. وأما مَنْ مَنَع إزالة الخبث ورفع الحدث بماء زمزم؛ فاستدلوا بأنه مبارك ومعظم، وأنه لا يُرفع به الحدث ولا يُزال به الخبث، بل هو للشرب؛ ولذا قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وإِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (٦). واعترض عليه بأن الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ ماء مبارك، ومع ذلك توضأ منه النبي ﷺ وأصحابه. أما من قال بأنه لا يُزال به الخبث؛ لأن فيه إهانة لماء زمزم، و يُرفع به الحدث؛ لأنه ماء مبارك لاقى بدنًا طاهرًا. واعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وهذا عام في ماء زمزم وغيره. وأما مَنْ فَرَّق بين الغسل وبين الوضوء فاستدلوا بما روى عبد الرزاق عن ابن عباس

стр. 23

: (إِنَّى لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ هِيَ لِشَارِبٍ - أحسبه قال -: وَمُتَوَضِّئٍ حِلٌّ وَبِلٌّ) (١). واعترض عليه بأنه هذا قول ابن عباس، وقد خالفه غيره من أصحاب النبي ﷺ . فبهذا ترجح قول من قال بالجواز؛ لقوة الأدلة، وعدم وجود دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم. وإذا كان الصحابة توضئوا بالماء المبارك الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ (٢)؛ فكذا يجوز الوضوء بماء زمزم. القسم الثاني: الماء المستعمل: صور الماء المستعمل: الصورة الأولى: الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل. قال الماوردي: الماء المستعمل في رفع الحدث، وهو ما انفصل من أعضاء المحدث في وضوئه، أو بدن الجنب في غسله. فالحاصل: أن ما تقاطر من العضو الذي تتم به الطهارة ماء مستعمل بلا نزاع (٣). الصورة الثانية: إذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، هل يصير مستعملًا؟ أو انغمس في ماء قليل لرفع الجنابة، هل يصير مستعملًا؟

стр. 24

ذهب الحنفية إلى أن الجنب إذا انغمس في البئر بنية رفع الحدث، فسد الماء (١). وذهب المالكية إلى أنه إذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا (٢). وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا (٣). الصورة الثالثة: وضوء الرجال والنساء من إناء واحد، ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء وما يتعلق من أحكام. تفصيل ذلك فيما يلي: المبحث الأول: حكم الماء المستعمل المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل. اختلف أهل العلم في حكم الماء المستعمل على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الماء المستعمل طهور، وبه قال المالكية، ورواية عن الحنابلة (٤). واستدلوا بالقرآن والسنة والمعقول: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله أوجب التيمم على من لم يجد الماء. وأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ

стр. 25

ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ (١)». ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسَ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» (٢) فإذا كان المسلم بدنه طاهرًا لاقى ماء طاهرًا، فالتقاء طاهر بطاهر لا يُفقد الماءَ الطُّهُورية. واستدلوا بحديث الرُّبيع، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِينَا، فَيُكْثِرُ، فَأَتَانَا فَوَضَعْنَا لَهُ الْمِيضَأَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، مَرَّةً مَرَّةً، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ مسح رأسه - وهو فرض - بالماء المتبقي من غسل يديه، وهو ماء مستعمل بلا شك، استعمل في رفع الحدث. واستدلوا بأن الماء المتردد على العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر على أول اليد، ثم يمر على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، وهذا ماء مستعمل بيقين. قال ابن حزم: فَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ مُتَوَضِّئٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِهِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَى مِرْفَقِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ وَالْحِسِّ يَدْرِي كُلُّ مُشَاهِدٍ لِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ قَدْ وُضِّئَتْ بِهِ الْكَفُّ وَغُسِلَتْ، ثُمَّ غُسِلَ بِهِ أَوَّلُ الذِّرَاعِ ثُمَّ آخِرُهُ، وَهَذَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّ يَدَهُ إلَى الإِنَاءِ وَهِيَ تَقْطُرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي طَهَّرَ بِهِ الْعُضْوَ، فَيَأْخُذُ مَاءً آخَرَ لِلْعُضْوِ الآخَرِ، فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ

стр. 26

سَلِيمٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ الْعُضْوَ الثَّانِي إلاَّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ مَازَجَهُ مَاءٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ آخَرَ، وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ» (١). واستدلوا بأن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف فهذا الماء المستعمل طهور بالإجماع يجوز الوضوء به. قال ابن قدامة: إَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (٢). قلت: فعُلم أن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف، ولم يرد به رفع الحدث، كان طهورًا بالإجماع، فبأي دليل يخرج عن طهوريته إذا نوى به رفع الحدث؟! وهل النية تُخْرجه عن طهوريته، والنية محلها القلب؟! القول الثاني: ذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة أن الماء المستعمل طاهر غير طهور (٣). واستدلوا بما ورد في البخاري عن المسور ومروان بن الحكم، قالا: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيةَ». .. وفيه: وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ (٤). وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله، قال: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (٥). وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) (٦). فاستعمال الصحابة وضوء النبي ﷺ والتمسح به دليل على أنه الماء المستعمل طاهر.

стр. 27

قلت: وما المانع أن يكون طهورًا يرفع به الحدث ويُزَالُ به الخبث؟ واستدلوا بأن الماء المستعمل طاهر غير طهور بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (١). فنهى النبي ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم حتى لا يصير مستعملًا (٢)؛ وذلك لأن الاغتسال يؤثر في الماء. واعترض عليه بأن قولهم: (حتى لا يصير مستعملًا) ليست علة نص عليها الحديث. ولو قلنا بأن هذه علة في الغسل، فهل يمنع الوضوء من الماء الدائم؟ فدل ذلك على بطلان هذه العلة، ثم إنهم قالوا: لو انغمس في الماء بدون نية رفع الحدث فالماء طهور؛ فهل النية تحول الماء والنية محلها القلب؟! وقد تكون العلة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم أنه قد يبول فيه فيؤثر في الماء. واستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهورًا لجمعوه؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء (٣). ويجاب عنه: بأن الصحابة﴾ كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ .... الحديث. فكيف يمكن جمع هذا الماء؟! ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن، كما أن كونه لم يُجمع لا يدل على أنه لا يُتطهر به؛ ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلًا على عدم طهوريته. واستدلوا بأن الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق.

стр. 28

واعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فيشمل الماء المستعمل وغيره. وخرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه. واستدلوا بأن الماء استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى. واعترض عليه: بأن العبد إذا أعتق صار حرًّا فكيف يعتق مرة أخرى؟! القول الثالث: ذهب أبو حنيفة في رواية إلى أن الماء المستعمل نجس (١). واستدلوا لذلك بالقرآن والسنة: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل (٢). واعترض على قولهم: (والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة) من وجوه: الأول: أن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة شرعية مع أنه متطهر. الثاني: لو كان المحدث نجسًا لما صح حمل النبى ﷺ لأُمَامَةَ في الصلاة؛ فعن أبي قتادة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ . الثالث: المتوضئ لا بد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى ذلك أنه سوف تتنجس ثيابه، فهل حَكَم أحد بالنجاسة؟ الرابع: إنما سُمِّيَ الوضوء والغسل طهارة لرفع الحدث، ولنفي الذنوب، كما صح في الأخبار (٣). أما دليلهم من السنة: فما روى مسلم عن أبي أُمَامَة، قال عمرو بن عَبَسَة السُّلَمِي: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ

стр. 29

لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). وجه الدلالة: أن الخطايا نجاسات، فيتنجس الماء المستعمل بها؛ ولذا يكون نجسًا. واعترض عليه: بأن العبد إذا أذنب لا ينتقض وضوؤه، ولا يقال: إنه تنجس، وأن الذنوب ليست شيئًا حسيًّا يخالط الماء فينجسه. قال ابن حزم: وَمَا عَلِمْنَا لِلْخَطَايَا أَجْرَامًا تَحِلُّ فِي الْمَاءِ. وقال النووي: وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِهَا مَعَ الْمَاءِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِعَارَةُ فِي غُفْرَانِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ فَتَخْرُجَ حَقِيقَةً (٢). الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ» (٣).

стр. 30

وجه الدلالة: أن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم جاء مقرونًا بالنهي عن البول فيه، وإذا كان البول ينجسه فكذا الاغتسال. واعترض عليه: بأن «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» لو صح فالاشتراك في النهي لا يلزم منه الاشتراك في الحكم. ولهذا أدلة كثيرة منها: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والأكل للإباحة، ﴿وآتوا حقه﴾ على الوجوب. والراجح: أن الماء المستعمل طهور، يجوز التطهر به إذا أطلق عليه ماء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، ولم يرد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يُخرج الماء المستعمل من عموم الآية. قال ابن المنذر: وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّدَى الْبَاقِيَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِمَا طَاهِرٌ - دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَنْ خَالَفَ الْقَوْلَ (١). الصورة الثانية للماء المستعمل: حكم الماء المستعمل من غمس يد القائم من نومه: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال. القول الأول: أنه إذا غمس القائم من النوم يده في الإناء، فإن الماء ينجس. وبه قال أحمد فى روااة، والطبري (٢). واستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». فنهى النبى ﷺ عن غمس اليد

стр. 31

لاحتمال أن تكون اليد نجسة. واعترض عليه: بأن اليد طاهرة، و قوله ﷺ : «فَلَا يَغْمِسْ» تُحمل على الاستحباب والصارف: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، والشك لا يقضي على اليقين. و كون النبي ﷺ أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء - قرينة على أن الغسل ليس بواجب؛ لأن الواجب مرة. قال ابن القيم: القول بنجاسته من أشذ الشاذ (١).

стр. 32

القول الثاني: ذهب أحمد في رواية (١) إلى أن هذا الماء طاهر غير مطهر. واستدل لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، فإذا نهى عنه دل ذلك على تحول الماء إلى طاهر غير مطهر. واعترض عليه بأن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، وإنما فيه نهي عن غمس اليد في الماء بعد القيام من النوم، والأصل في الماء أنه طهور. القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم طهور، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٢). قال ابن عبد البر: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ كَانَ جُنُبًا أَوِ امْرَأَةً حَائِضًا، فَأَدْخَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ يَضُرُّهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ في يده نَجَاسَةٌ، كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ وَيَأْمُرُونَ بِهِ، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَحَدٌ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَدُهُ نَظِيفَةٌ لَا نَجَاسَةَ فِيهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وُضُوءَهُ (٣). الراجح: أن من استيقظ من نومه أو مس فرجه، فأدخل يده في وَضُوئِه فليس ذلك يضره، إلا أن يكون في يده نجاسة، وغَسل اليد بعد قيامه من نومه قبل أن يغمسها في الإناء على الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء. الصورة الثالثة للماء المستعمل، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء: أجمع العلماء على جواز وضوء الرجال جميعًا من إناء واحد، وكذا النساء من إناء واحد، وكذا النساء والرجال جميعًا إذا كانوا من المحارم، وقد نقل الإجماع غير واحد.

стр. 33

قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا فِي جَوَاز تَوَضُّؤِالرجلَيْن والمرأتين مَعًا (١). قال الترمذي: قول عامة الفقهاء: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد (٢). وعن عائشة ﵄ قالت: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ (٣). المطلب الثاني: وضوء المرأة بفضل الرجل: قد نقل الإجماع غير واحد على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل. قال النووي: وَأَمَّا تَطْهِيُرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ فَجَائِزٌ بِالْإِجْمَاع (٤). المطلب الثالث: وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة: اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، واختلفوا في جواز وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت بالماء - على أربعة أقوال: القول الأول: يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٥).

стр. 34

واستدلوا بما روى مسلم، عن عمرو بن دينار: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ (١). واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ). وعن ابن عباس: أنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ ﷺ اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا فَقَالَتْ: إِنِّى اغْتَسَلْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٢). فالأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة

стр. 35

طهور. القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، ويجوز إزالة النجاسة للرجل ورفع حدث المرأة والصبي (١). واستدل بحديث الحكم بن عمرو الغِفَاري، أن رسول الله ﷺ نَهَى أَنْ يُتَوَضَّأَ الرَّجلُ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ (٢).

стр. 36

وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفُوا جَمِيعًا. هذا الحديث إسناده صحيح ولكن فى متنه النهي: (وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ)، وقد أجمع العلماء على جواز تطهير المرأة بفضل الرجل؛ ولذا ضَعَّفَ أحمد أحاديث الباب. وعن عبد الله بن سرجس، قال: (نَهَى رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ) (١). واعترض عليه بأنه ضعيف. القول الثالث: يُكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن (٢)، وهو قول عند الشافعية (٣). واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن الوضوء بفضل المرأة، وتوضأ بفضل ميمونة، وفِعل النبي ﷺ لا يعارض قوله. فإن أَمَرَ بشيء وَتَرَكَهُ دل ذلك على أن الأمر على الاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفَعَلَهُ دل ذلك على أن النهي على الكراهة، إلا إذا جاء دليل يدل على الخصوصية؛ كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولما قيل له: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». القول الرابع: ذهب ابن عمر إلى أنه لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو

стр. 37

حائضًا (١). واعترض على هذا القول من وجهين: الأول: أنه لم يرد في القرآن والسنة اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا. الثاني: عموم قول النبي ﷺ لعائشة: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ»، ومعناه أن الأذى في مكان الحيضة، وليس في مواضع الوضوء، فلا دليل على اشتراط الحيض. والراجح: أنه يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة؛ ذلك لأن الأصل في الماء أنه طهور إلا ما ظهر فيه النجاسات، وفضل المرأة ليس كذلك، وأما الأحاديث الواردة في الباب أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وأنه ﷺ توضأ بفضل ميمونة؛ فقد قال الإمام أحمد: إنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ (٢). قال ابن عبد البر: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَتَوَضَّأَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِهِ انْفَرَدَتْ بِالْإِنَاءِ أَوْ لَمْ تَنْفَرِدْ، وَفِي مِثْلِ هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صِحَاحٌ. وَالَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْهَا، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (٣). القسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه: قال ابن المنذر (٤): (أَجْمَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ الَّذِي قَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) (٥).

стр. 38

وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته باتفاق العلماء (١). القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الماء المتغير بممازجة النجاسة: أجمع العلماء على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه، نجس؛ قليلًا كان أو كثيرًا. قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوِ الْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا - أَنَّهُ نَجَسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ (٢). قال الشافعي: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي من وجه لا يُثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم اختلافًا (٣). قال الطحاوي: قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَغَلَبَتْ عَلَى طَعْمِ مَائِهَا أَوْ رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ، أَنَّ مَاءَهَا قَدْ فَسَدَ (٤). قال الباجي: ما تغير بنجاسة خالطته؛ فلا خلاف في نجاسته (٥). قال ابن نجيم: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جارٍ (٦).

стр. 39

المبحث الثاني: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره طهور بالإجماع. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله يُتطهر منه (١). قال ابن رشد: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الْمُسْتَبْحِرَ لَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ (٢). المبحث الثالث: الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره: اختلف العلماء في الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره - على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء إذا كان قليلًا فإنه ينجس وإن لم يتغير، وإذا كان كثيرًا فإنه لا ينجس إلا بالتغير (٣). واستدلوا بحديث ابن عمر، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (٤).

стр. 40

فمنطوق هذا الحديث: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، ومفهومه: (أن الماء إذا كان دون قلتين يحمل الخبث، ولو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن لتحديد القلتين فائدة. واعترض عليه بأن مفهوم الحديث: «إن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» إذا سقطت فيه
следующие страницы →