← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفُوا جَمِيعًا. هذا الحديث إسناده صحيح ولكن فى متنه النهي: (وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ)، وقد أجمع العلماء على جواز تطهير المرأة بفضل الرجل؛ ولذا ضَعَّفَ أحمد أحاديث الباب. وعن عبد الله بن سرجس، قال: (نَهَى رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ) (١). واعترض عليه بأنه ضعيف. القول الثالث: يُكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن (٢)، وهو قول عند الشافعية (٣). واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن الوضوء بفضل المرأة، وتوضأ بفضل ميمونة، وفِعل النبي ﷺ لا يعارض قوله. فإن أَمَرَ بشيء وَتَرَكَهُ دل ذلك على أن الأمر على الاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفَعَلَهُ دل ذلك على أن النهي على الكراهة، إلا إذا جاء دليل يدل على الخصوصية؛ كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولما قيل له: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». القول الرابع: ذهب ابن عمر إلى أنه لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو

стр. 37

حائضًا (١). واعترض على هذا القول من وجهين: الأول: أنه لم يرد في القرآن والسنة اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا. الثاني: عموم قول النبي ﷺ لعائشة: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ»، ومعناه أن الأذى في مكان الحيضة، وليس في مواضع الوضوء، فلا دليل على اشتراط الحيض. والراجح: أنه يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة؛ ذلك لأن الأصل في الماء أنه طهور إلا ما ظهر فيه النجاسات، وفضل المرأة ليس كذلك، وأما الأحاديث الواردة في الباب أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وأنه ﷺ توضأ بفضل ميمونة؛ فقد قال الإمام أحمد: إنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ (٢). قال ابن عبد البر: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَتَوَضَّأَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِهِ انْفَرَدَتْ بِالْإِنَاءِ أَوْ لَمْ تَنْفَرِدْ، وَفِي مِثْلِ هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صِحَاحٌ. وَالَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْهَا، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (٣). القسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه: قال ابن المنذر (٤): (أَجْمَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ الَّذِي قَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) (٥).

стр. 38

وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته باتفاق العلماء (١). القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الماء المتغير بممازجة النجاسة: أجمع العلماء على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه، نجس؛ قليلًا كان أو كثيرًا. قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوِ الْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا - أَنَّهُ نَجَسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ (٢). قال الشافعي: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي من وجه لا يُثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم اختلافًا (٣). قال الطحاوي: قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَغَلَبَتْ عَلَى طَعْمِ مَائِهَا أَوْ رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ، أَنَّ مَاءَهَا قَدْ فَسَدَ (٤). قال الباجي: ما تغير بنجاسة خالطته؛ فلا خلاف في نجاسته (٥). قال ابن نجيم: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جارٍ (٦).

стр. 39

المبحث الثاني: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره طهور بالإجماع. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله يُتطهر منه (١). قال ابن رشد: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الْمُسْتَبْحِرَ لَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ (٢). المبحث الثالث: الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره: اختلف العلماء في الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره - على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء إذا كان قليلًا فإنه ينجس وإن لم يتغير، وإذا كان كثيرًا فإنه لا ينجس إلا بالتغير (٣). واستدلوا بحديث ابن عمر، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (٤).

стр. 40

فمنطوق هذا الحديث: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، ومفهومه: (أن الماء إذا كان دون قلتين يحمل الخبث، ولو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن لتحديد القلتين فائدة. واعترض عليه بأن مفهوم الحديث: «إن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» إذا سقطت فيه

стр. 41

النجاسة ولم تغيره، وبأن منطوق: «إن الْمَاء لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» بالرغم مما يلقى فيها من النتن ولم يغير أوصافه الثلاثة، وهذا سيشمل القليل والكثير، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق، قُدم المنطوق على المفهوم، والمعنى الصحيح للحديث: أنه إذا كان الماء قليلًا دون القلتين فإن أقل نجاسة تغيره ويحمل الخبث، وإذا كان أكثر من قلتين فإنه يكون له القدرة على مدافعة النجاسة، والأصل في الماء قليلًا كان أو كثيرًا أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة. واستدلوا بأن الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فإنه ينجس وإن لم يتغير؛ لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». ففي الحديث نهي عن الاغتسال في المال الدائم الذي بال فيه وقد يتغير وقد لا يتغير، فلما يشترط التغير، دل ذلك على أن الماء إذا كان قليلًا فإنه لا يشترط التغير. واعترض عليه بأن النبي ﷺ نهى عن الاغتسال في الماء الدائم الذي بال فيه؛ لأنه ينجس بذلك، وكذلك لأنه قد يوسوس من اغتسل في الماء الذي يبول فيه. وأما الظاهرية فأخذوا بظاهر النص بمنع البول في الماء الراكد، وجوزوا أن يبول في إناء ثم يُصب في الماء. قال النووي: وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد. واستدلوا بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ» (١).

стр. 42

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء وإراقة الماء بمجرد ولوغ الكلب، ولم يرد أنه فرق بين الماء إذا تغير أو لم يتغير. واعترض عليه بأن الماء الذي في الإناء وولغ فيه الكلب ينجس وهو يتغير حتمًا. القول الثاني: ذهب مالك في رواية، وأحمد في رواية إلى أن الماء القليل والكثير لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، والماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو باقٍ على صفته، فيصح الوضوء به. واستدلوا بعموم ما رُوِى عن النبي ﷺ ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ

стр. 43

ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِي يُلْقَى فِيهَا مَا يُلْقَى مِنَ النَّتْنِ؟! فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، أي: إن الماء سواء كان كثيرًا أو قليلًا ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة فلا ينجسه شيء، وهو طهور. واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١). وجه الدلالة: ما قاله الباجي (٢): وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَهَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْفَعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ تَطْهِيرُهَا وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى مَا نَجُسَ مِنْهُ بِالْبَوْلِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَطْهِيرُهُ لِلْمُصلِّانَ فِيهِ. المبحث الرابع: الماء المتغير بمجاورة نجاسة: لو تغير الماء بمجاورة نجاسة كجيفة بقربه فإنه طهور، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. قال النووي: لَوْ تَغَيَّرَ المَاءُ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ - يَعْنِي جِيفَةً مُلْقَاةً خَارِجَ الْمَاءِ قَرِيبَةً مِنْهُ- وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَضُرُّ الْجِيفَةُ قَطْعًا بَلْ الْمَاءُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ (٣). قال الحطاب: الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرَةِ شَيْءٍ لَهُ فَإِنَّ تَغَيُّرَهُ بِالْمُجَاوِرَةِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُجَاوِرُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَاءِ أَوْ مُلَاصِقًا لَهُ. فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ إلَى جَانِبِ الْمَاءِ جِيفَةٌ أَوْ عَذِرَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَنَقَلَتِ الرِّيحُ رَائِحَةَ ذَلِكَ إلَى الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا (٤).

стр. 44

المبحث الخامس: الماء المسخن بنجاسة: اختلف أهل العلم في الماء المسخن بنجاسة على قولين: الأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الماء المسخن بنجاسة طهور (١). الثاني: ذهب المالكية إلى كراهة الماء المسخن بالنجاسة (٢). والراجح: أن الماء المسخن بالنجاسة طهور؛ لأنه لم تقع نجاسة تغيره، والروث النجس إذا تحول إلى دخان أصبح له حكم الدخان، والدخان كله طاهر، دل على ذلك حديث جابر ﵁: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (٣). وجه الدلالة: إن شحوم الميتة إن كانت نجسة بالإجماع، فإنه يجوز الانتفاع بها في الوقود، ومعنى: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» هو أنه لا يجوز بيعها، مع جواز الانتفاع بها في الوقود. المبحث السادس: الماء المسخن بالشمس: اختلف أهل العلم في الماء المسخن بالشمس على قولين: القول الأول: أن الماء المسخن بالشمس طهور غير مكروه، وهو قول بعض المالكية، وبعض الشافعية، والحنابلة (٤). والأصل في الماء المسخن بالشمس أنه طهور، وليس هناك دليل على الكراهة.

стр. 45

القول الآخر: ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١) إلى كراهية الماء المسخن بالشمس. واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله ﷺ وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فقال: «لَا تَفْعَلِي هَذَا يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ» (٢). واعترض عليه بأنه لا يصح. أمادليلهم من المأثور: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ (٣). واعترض عليه بأنه لا يصح عن عمر. فالراجح: أن الماء المسخن بالشمس طهور من غير كراهة. القسم الخامس: الماء أو الثوب المشكوك فيه: وفيه مبحثان: المبحث الأول: في حكم الماء إذا كان مشكوكًا فيه. إذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة، أو تيقن نجاسة الماء وشك في نقيضه، هل يبنى على اليقين أو على الشك؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يبنى على اليقين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية،

стр. 46

والحنابلة (١). قال ابن رجب: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ فِي مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ بَدَنٍ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ زَوَالَهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا أَوْ نَجَاسَةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ (٢). قلت: كذلك لو شك في طلوع الفجر، فإنه يأكل حتى يستيقن، ولو شك في عدد الطواف، أو عدد الطلاق، أو الركعات، ففي كل ذلك يعمل باليقين ويطرح الشك. وقد خالف المالكية في ذلك؛ ففي «تهذيب المدونة»: ولو أيقن بالوضوء، ثم شك في الحدث، فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا، فليُعد وضوءه (٣). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، فيمن أيقن الوضوء وشك في الحدث وهو في الصلاة أنه لا يعيد وضوءه، وأن وضوءه صحيح، ويبني على اليقين؛ لما ورد في الصحيحين عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٤). قال الدسوقي: مَنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَمَنْ شَكَّ خَارِجَهَا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ (٥). المبحث الثاني: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة: اختلف أهل العلم فيما إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة: القول الأول: ذهب الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد: أنه إذا

стр. 47

اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أنه يتحرى (١). قال الشافعي: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ وَلَا يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَيُصَلِّي فِيهِ وَيُجْزِئُهُ. وإذا كان من صلى في ثوب نجس لم يعلم إلا بعد الصلاة، لم يُعد، والرسول ﷺ صلى وفي نعليه أذى ولم يُعد، فإن تحرى فهو أَوْلَى (٢). قال شيخ الإسلام: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تُشترط له النية، ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يُعد، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على الظن طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير (٣). القول الثاني: ذهب المالكية في قول، والمشهور من مذهب أحمد إلى أنه يصلي بعدد الثياب النجسة أو المحرمة، ويزيد صلاة (٤). قال ابن قدامة: وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَصَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلَاةً (٥). واستدلوا لذلك بأنه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه، بخلاف مَنْ تحرى فقد يخطئ، والعمل بالظن مع إمكان اليقين لا يجوز. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو التحري. وأما قول من قال: إنه يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة؛ لأنه يقينًا يكون صلى في ثوب طاهر، فهذا أحوط إذا لم يكن هناك مشقة، فإذا كانت ثَمّ مشقة فقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب: ٧٨].

стр. 48

وذهب أبو ثور إلى أنه يصلي عريانًا (١)، واستدل بأن الثوب النجس كالمعدوم. واعترض عليه بما قاله ابن القيم: وقول أبي ثور فى غاية الفساد، فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرًا وأحب إلى الله من صلاته عريانًا بادي السوءة للناظرين (٢). القسم السادس: الماء الحرام، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الوضوء بالماء المحرم: إذا سرق رجل من غيره أو غصب ماءً فتوضأ به، هل يصح وضوءه؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن من سرق ماءً فتوضأ به آثم، ويرتفع حدثه، ويُزال خبثه، واستدلوا لذلك بأن الجهة منفكة، فهو قد تطهر طهارة صحيحة، وعليه إثم الغصب أو السرقة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية (٣). وذهب الحنابلة في المشهور إلى أنه لا يصح الوضوء بالماء المسروق أو المغصوب (٤). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٥). قال ابن حزم: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الله تَعَالَى وَأَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله فهو مردود غير مقبول (٦). واستدلوا بما رُوِى عَنْ عَطَاءِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصلي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ»، قَالَ: فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ يُصلى وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ وَإِنَّ الله لَا يَقْبَلُ

стр. 49

صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» (١). واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر؛ لأنه إذا كان الله لم يقبل صلاة مسبل إزاره، فلماذا أمره بإعادة الوضوء وهو لم يُحدث؟ الراجح: أن الماء المغصوب تصح الطهارة به مع الإثم، فجهة المنع من قِبل الغصب لا من قِبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، والله أعلم. المبحث الثاني: الوضوء من بئر ثمود: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز الوضوء من بئر ثمود (٢). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ ﴿، أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ، وَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ (٣). وجه الدلالة: أَمْره ﷺ بإراقة ما سقوا، وعلف العجين للدواب، دل ذلك على نجاسة الماء. واعترض عليه بأن هذا ماء سخط وغضب، وليس ماءً نجسًا.

стр. 50

وذهب الشافعية في قول إلى أن الوضوء من بئر ثمود مكروه (١). والراجح: أن ماء بئر ثمود طهور؛ لأنه باقٍ على خلقته، ولكن النبي ﷺ قد أمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها؛ لأنه ماء سخط وغصب، والماء طهور، ولكن لا يجوز الوضوء منها. القسم السابع: الوضوء بالمائع غير الماء، وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم الطهارة بالنبيذ. ذهب جمهور العلماء (٢) إلى أن الحدث لا يُرفع بالنبيذ ولا غيره من المائعات إلا الماء، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، ولكن ورد خلاف في المسألة. قال ابن المنذر (٣): أجمع العلماء على أن الحدث لا يُرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت. قال الغزالي: والطهورية مُخْتَصَّة بِالْمَاءِ من بَين سَائِر الْمَائِعَات، أما فى طَهَارَة الْحَدث فبالإجماع. واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. قال النووي: فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (٤). وذهب أبو حنيفة في رواية أنه يتوضأ بالنبيذ إن لم يجد غيره (٥). وذهب محمد بن الحسن إلى أنه يتوضأ بالنبيذ ويتيمم إن لم يجد غيره (٦). واستدلوا لذلك بحديث ابن مسعود: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ لَقِيَ الْجِنَّ، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: «مَا هَذَا فِي الإِدَاوَةِ؟» قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: «أَرِنِيهَا، تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ

стр. 51

طَهُورٌ» فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا (١). واعترض عليه بأنه لا يصح، ولا يجوز رفع الحدث بالنبيذ، والله أعلم. المبحث الثاني: حكم المائع غير الماء الذي تخالطه النجاسة: ذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسة إذا خالطت مائعًا كفأرة وقعت في سمن فإنه يتنجس، ولا فرق بين القليل والكثير والمتغير وغير المتغير (٢). واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ

стр. 52

فَمَاتَتْ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» (١).

стр. 53

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة إذا كان مائعًا، ولم يفرق بين القليل والكثير. واعترض عليه بأن هذا الحديث شاذ. والمحفوظ ما رواه البخاري، عن ابن عباس، عن ميمونة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا،

стр. 54

فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ». فدل ذلك على أنه إذا سقطت فأرة في سمن سواء كان جامدًا أو مائعًا؛ فإنه يلقى ما حولها ثم يؤكل؛ فدل على طهارة ما تبقى. وهذا هو الراجح، والله أعلم. ===

стр. 55

حاصل ما ورد فيما سبق (١) تطلق الطهارة في اللغة على النظافة نقيض النجاسة: والطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث. فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال وكذا الحيض. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض حل لكم وطاؤهن. ومعنى «إزالة النجاسة» أي إزالة النجس عن البدن والثوب والمكان والإناء. وقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي من النجاسة التي هي انقطاع دم الحيض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة حل لكم وطأهن وهذا هو رفع الحدث. (٢) ينقسم الماء من حيث حكمه إلى قسمين: طهور ونجس، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فكلمة «ماء» نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقال النبي ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فقد ورد النص بالماء الطهور، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة علي أن هناك قسمًا ثالثًا.

стр. 56

(٣) وينقسم الماء من حيث طبيعته إلى أقسام: القسم الأول: الماء المطلق [وهو يأتي من مصادر كثيرة]: ١ - ماء المطر: لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان]. ٢ - ماء العيون: لعموم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] والينابيع هي عيون الماء. ٣ - ماء الآبار: جمع بئر وهو ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بضاعة ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». ٤ - ماء الأنهار: لعموم قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾، والماء الناتج من الثلج والبرد، ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به. ٥ - ماء البحار: وهو الماء المتبحر المتسع، وأجمع العلماء على أن ماء البحار طهور؛ لقول النبي ﷺ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». ٦ - ماء زمزم: طهور ويُرفع به الحدث ويُزال به الخبث لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو﴾ وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده. القسم الثاني: الماء المستعمل: وهو الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل فهذا ماء مستعمل وكذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، أو وقوع بعض الماء المستعمل في الإناء الذي يتوضأ أو يغتسل منه، فهذه صور للماء المستعمل، وهو طهور لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو﴾ كلمة «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله أوجب التيمم على من لم يجد الماء، وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ». ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور، والماء المتردد علي العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر

стр. 57

على أول اليد، ثم على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو. (٤) اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، وذهب جمهور العلماء إلى جواز وضوء الرجل بفضل المرأة لما روى مسلم أن النبي ﷺ : «كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ». واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ميمونة قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورسول الله ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ» ولكن الأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة طهور، والأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة. قاله أحمد. القسم الثالث: الماء المتغير بطول مكثه: ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته بالاتفاق. القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه: نجس، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، بالإجماع. القسم الخامس: إذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة فإنه يبني على اليقين ويطرح الشك وإذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، فإنه يتحرى ويصلي في أحد الثياب وتجزئه صلاته. القسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان. المبحث الاول: الوضوء بالماء المغصوب أو المحرم تصح الطهارة به مع الإثم. المبحث الثاني: لا يجوز الوضوء بماء بئر ثمود؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يريقوا ما استقوا من بئرها لأنه ماء سخط وغضب والماء طهور لأنه باق على خلقته. القسم السابع: لا يجوز الوضوء بالمائعات غير الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء ولم ينقلنا إلى سائل آخر. * * *

стр. 58

الباب الثاني النجاسات وفيه تمهيد وفصول تمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف النجاسة. المبحث الثاني: أقسام النجاسات. المبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة. الفصل الأول: النجاسات. وفيه أقسام: القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير. المبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية. المبحث الثالث: نجاسة المذي. المبحث الرابع: نجاسة الودي. المبحث الخامس: نجاسة الدم. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نجاسة دم الحيض. المطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان. المطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد.

стр. 59

القسم الثاني: نجاسة الحيوان. وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: نجاسة الكلب. المبحث الثاني: نجاسة الخنزير. المبحث الثالث: نجاسة سباع والطير والبهائم. المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم. المبحث الخامس: نجاسة الميتة. المبحث السادس: في الجلالة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الجلالة. المطلب الثاني: حكم لحم الجلالة.

стр. 60

التمهيد وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: تعريف النجاسة: النجاسة في اللغة: ضد النظافة والطهارة، فكل شيء يُستقذر فهو نجس. وفي الشرع: مستقذر مخصوص كالبول ونحوه، فالمخاط والبصاق مثلًا قذر لغة، وليس قذرًا شرعًا، والبول قذر لغة وشرعًا (١). وفي «المصباح المنير»: نجس الشيء: إذا كان قذرًا غير نظيف (٢). والنجاسة في عرف الشرع: قذر مخصوص، وهو ما يمنع جنسه الصلاة، كالبول والغائط والدم.

стр. 61

المبحث الثاني: أقسام النجاسات: تنقسم النجاسات باعتبار ذاتها عند الحنفية إلى قسمين: الأول: نجاسة حقيقية، وتكون مرئية كالغائط، أو غير مرئية كالبول إذا جف. الثاني: نجاسة حكمية، وهي نجاسة الحدث. أما الشافعية والحنابلة فقسموها إلى نجاسة حكمية وعينية. قال النووي: «هِيَ الَّتِي تَيَقَّنَ وُجُودَهَا وَلَا تُحَسُّ، كَالْبَوْلِ إِذَا جَفَّ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا أَثَرٌ، فَيَكْفِي إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا مَرَّةً، وَيُسَنُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً. وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِزَالَةِ مَا وُجِدَ مِنْهَا مِنْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَرِيحٍ» (١). وتنقسم النجاسة عند الشافعية والحنابلة باعتبار تطهيرها إلى ثلاثة أقسام: الأول: نجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب، فتحتاج إلى سبع غسلات مع غسل مرة بالتراب، بخلاف غيرها من النجاسا ت. الثاني: نجاسة مخففة: وهي نجاسة بول الطفل الرضيع، ويكفي في طهارته النضح. الثالث: نجاسة متوسطة، وهي باقي النجاسات (٢). المبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة. الأصل في المياه الطهارة ما لم يتبين نجاستها، فكل ما لم يتبين لنا أنه نجس من المياه فهو طاهر؛ قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]. فما لم يتبين تحريمه فهو حلال. قال شيخ الإسلام: الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، وَأَنَّ النَّجَاسَاتِ مُحْصَاةٌ مُسْتَقْصَاةٌ (٣). وقال الشوكاني: حق استصحاب البراءة الأصلاة وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم

стр. 62

بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك، وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة (١). قال ابن حزم: من ادعى نجاسة أو تحريمًا لم يُصدق إلا بدليل من نص قرآن أو سنة صحيحة (٢). * * *

стр. 63

الفصل الأول النجاسات القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي: وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير: أجمع العلماء على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير. قال النووي: وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين (١). نقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم. وقال ابن جزي: وأما الأبوال والرجيع (الغائط) فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا (٢). المبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية: ذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول الصبي. وذهب بعض الحنابلة وداود الظاهري إلى طهارة بول الصبي (٣). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ

стр. 64

يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (١). واعترض عليه بما قاله القرطبي: والعجَبُ ممَّن يستدِلُّ برشِّ بولِ الصبيِّ أو بالأمرِ بِنَضْحِهِ على طهارتِهِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على ذلك! وغايةُ دلالتِهِ على التخفيف في نوعِ طهارته؛ إذْ قد رُخِّصَ في نَضْحه ورشِّه، وعُفِيَ عن غَسْله تخفيفًا، وخُصَّ بهذا التخفيف الذَّكَرُ دون الأنثى؛ لملازمتهم حَمْلَ الذُّكْرَان؛ لفرطِ فَرَحهم بهم ومحبَّتهم لهم، والله أعلم (٢). المبحث الثالث: نجاسة المذي: قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ (٣). قال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة أو لطول عزبه، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته (٤). وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (٥). واختلف العلماء في معنى: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ»: فذهب الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية (٦) إلى أنه يجب غسل موضع الحشفة، وهذا

стр. 65

فَهْم ابن عباس (١). وذهب أكثر المالكية إلى وجوب غسل الذكر كله بعد المذي؛ لعموم الحديث: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ»، أي: كله (٢). وذهب الحنابلة وابن حزم إلى غسل الذكر كله مع الأنثيين (٣). واستدلوا بعموم قوله ﷺ : «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وأُنثييهِ وَيَتَوَضَّأُ» (٤). واعترض عليه بأن زيادة: «أُنثييهِ» لا تصح عن رسول الله ﷺ . والراجح: غسل حشفة الذكر؛ لأن هذا فهم ابن عباس.

стр. 66

والأحوط: غسل الذكر وما حوله من الأنثيين بالاستنجاء وغسل ما أصابه. المبحث الرابع: نجاسة الودي: قال ابن قدامة: وَأَمَّا الْوَدْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ خَاثِرٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَوْلِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَجَارٍ مَجْرَاهُ (١). قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ (٢). المبحث الخامس: نجاسة الدم: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نجاسة دم الحيض: قال الشوكاني: وَاعْلَمْ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ نَجِسٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (٣). وفي الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّى فِيهِ» (٤) وعموم قول النبي ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّى» (٥). المطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان: قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على أَنْ الْكثير من الدَّم أَي دم كَانَ حاشا دم السّمك وَمَا لَا يسيل دَمه -نجس (٦).

стр. 67

وقال النووي: وَالدَّلَائِلُ عَلَى نَجَاسَةِ الدَّمِ مُتَظَاهِرَةٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ طَاهِرٌ. وَلَكِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ (١). قال ابن حجر: الدم نجس اتفاقًا (٢). قال القرطبي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ حَرَامٌ نَجِسٌ (٣). ومع أن الأئمة يرون نجاسة الدم إلا أنهم يرون العفو عن يسير الدم، أما الدم المسفوح فنجس. قال ابن عبد البر: وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ رِجْسٌ نَجِسٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَسْفُوحَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْجَارِي فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْكَثِيرُ، إِذِ الْقَلِيلُ لَا يَكُونُ جَارِيًا مَسْفُوحًا، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنَ الدَّمِ الْجَارِي نُقْطَةٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَسْفُوحِ الْكَثِيرِ وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَلِيلِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى أَصْلِهَا فِي اللُّغَةِ (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وجه الدلالة: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، أي: نجس. واعترض عليه بأن معنى: ﴿رِجْسٌ﴾، حرام. وأجيب عنه: بأن أول الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا﴾ يدل على التحريم؛ فإن معنى رجس مغاير للتحريم، ويكون معنى رجس: نجسًا؛ ليدل على معنى جديد. قالوا: إذا كان معنى: ﴿رِجْسٌ﴾، أي: نجس، ولكن نجاسة معنوية.

стр. 68

وأجيب عنه: كيف نقول: إن نجاسة الميتة والدم المسفوح نجاسة معنوية، وهي نجاسة حسية ظاهرة؟! واستدلوا بأن دم الحيض نجس بالدلائل المتظاهرة، فيقاس عليه سائر الدماء. وذهب بعض المتكلمين والشوكاني إلى أن دم الإنسان طاهر (١). واستدلوا بأن الصحابة كانوا يجاهدون ويصلون في جراحاتهم (٢). ويُدفن الشهيد بدمه، ولو كان نجسًا لغسل منه الدم. واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟! فَإِذَا

стр. 69

سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيهَا (١). فعُلم أن الدم ليس بنجس؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ» (٢). فلو كان الدم نجسًا لورد غسل المسجد. واستدلوا بجواز دخول المستحاضة المسجد، مع أن دمها ينزف، كما ورد في البخاري عن عائشة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ»، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ (٣). فدل ذلك على طهارة الدم. واعترض عليه بأن وضع الطست تحتها دليل على اجتناب النجاسة. وأما حديث سعد فلم يرد نص صريح أنه غسل أو لم يغسل، فليس بصريح. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من نجاسة الدم المسفوح، وأن اليسير معفو عنه. المطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد. اختلف العلماء في نجاسة دم الشهيد على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى طهارة دم الشهيد، واستدلوا بما روى البخاري عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ» (٤) يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، ولو كان دم الشهيد نجسًا لأمر بغسلهم قبل دفنهم. (٥) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي اللهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» (٦). فشبه الدم بالمسك، والمسك طاهر، فيكون دم الشهيد طاهرًا.

стр. 70

واعترض عليه من وجهين: الأول: تشبيه الدم بالمسك هذا يُشْبه قول النبي ﷺ : «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» ليس معنى ذلك أن رائحة فم الصائم تتغير، ولكن المعنى أن الأمر الناتج عن عبادة له فضل. الثاني: أن الريح ريح المسك في الآخرة، وأحكام الدنيا لا تقاس على أحكام الآخرة. القول الآخر: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة دم الشهيد، وهو مذهب المالكية والشافعية، وقول عند الحنابلة (١). واستدلوا بأن دم الشهيد يدخل في عموم الدم المسفوح، والإجماع الوارد على أن الدم المسفوح نجس، وقد قال تعالى عنه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ والله تعالى أعلم. * * *

стр. 71

القسم الثاني نجاسة الحيوان وفيه ستة مباحث المبحث الأول: نجاسة الكلب: اختلف أهل العلم في نجاسة عين الكلب على قولين: القول الأول: أن الكلب نجس، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٢).

стр. 72

فقوله: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، وإذا كان الماء الذي في الإناء يتنجس بلعاب الكلب فلعابه نجس، وإذا كان لعابه نجسًا فيقاس عليه عرقه وبوله وسائر جسده. واستدلوا أيضًا بما روى مسلم عن ابن عباس، قال: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي» قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ» قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخرج الكلب وأخذ بيده ماء فنضح مكانه، فهذا يدل على نجاسة الكلب. القول الآخر: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة، والمالكية (١). واستدلوا بعموم القرآن والسنة: فأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وجه الدلالة: أن الله أباح لنا الأكل مما أمسكت الكلاب، ولو كان المكان الذي أمسكت منه الكلاب نجسًا لأمر بالغسل مكانه. واعترض عليه بأنه كيف يستدل على طهارة الكلب بأنيابه ولعابه الذي نص النبي ﷺ على نجاسته، ثم إن من العلماء من قال بوجوب غسل ما أصاب الكلب لنجاسته.

стр. 73

قال النووي: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله، بخلاف الإناء (١). ثم إن الآية أنه يباح الأكل مما أمسكت الكلاب المعلمة، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، ثم إن الآية عامة، والأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب حديث خاص يدل على نجاسة لعاب الكلب، وهذا دليل خاص، والخاص يقدم على العام. أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر قال: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٢). واعترض عليه من وجهين: الأول: نُقل الإجماع على نجاسة بول الكلب، فكيف يستدل به على طهارة الكلب؟! الثاني: أن النجاسة قد تطهر بالاستحالة، فإن لم تغسل فقد تطهرها الشمس. الراجح: أن الكلب نجس، والدليل أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وليس مرة بل سبع مرات الأولى بالتراب، وإذا كان لعابه نجسًا فكذا سائر جسده. المبحث الثاني: نجاسة الخنزير: قال النووي: نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ الْخِنْزِيرِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ، وَلَكِنَّ مَذهبَ مَالكٍ طهارةُ الخنْزيرِ مَادَامَ حَيًّا (٣).

стр. 74

وقال تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قالوا: معنى ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، ومعنى الآية أن لحم الخنزير نجس (١). واعترض عليه بما قاله الشوكاني: بأن معنى ﴿رِجْسٌ﴾ أي: حرام وليس نجسًا. وأجيب عنه: بأن حَمْله على الحرام فيه بُعد؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه حرام) فيصعب أن يكون صدر الآية وآخرها على تَكرار التحريم، والصحيح أن قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ دليل على النجاسة. واستدلوا بأن الخنزير أَوْلَى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه، بخلاف الكلاب، فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه (٢). المبحث الثالث: نجاسة سباع البهائم والطير: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير (٣). واستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا

стр. 75

يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» (١). ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع. الدليل الثاني: ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (٢). وروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْر (٣). فدل ذلك على أن السباع ذات الناب والطير ذات المخلب محرم أكلها لنجاستها. القول الآخر: ذهب المالكية والشافعية إلى طهارة سباع البهائم والطير (٤). واستدلوا بأن السباع كالأسد والصقر يجوز بيعها والانتفاع بها؛ فهذا دليل على طهارتها، وكذا سباع الطير. واعترض عليه بأنه ليس كل نجس لا يجوز الانتفاع به، فقد ورد في الحديث أن شحوم الميتة يُنتفع بها في طلي السفن وإن كانت نجسة بالإجماع، ويحرم أكلها. الراجح: نجاسة السباع كالأسد والصقر وغيرهما، والله أعلم. المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم: ذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم (٥). واستدلوا بأن ريق الكلب نجس، فماذا يكون الشأن في بوله؟ وكذا بول الحيوانات غير مأكولة اللحم.
следующие страницы →