← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القسم الثاني نجاسة الحيوان وفيه ستة مباحث المبحث الأول: نجاسة الكلب: اختلف أهل العلم في نجاسة عين الكلب على قولين: القول الأول: أن الكلب نجس، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٢).

стр. 72

فقوله: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، وإذا كان الماء الذي في الإناء يتنجس بلعاب الكلب فلعابه نجس، وإذا كان لعابه نجسًا فيقاس عليه عرقه وبوله وسائر جسده. واستدلوا أيضًا بما روى مسلم عن ابن عباس، قال: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي» قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ» قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخرج الكلب وأخذ بيده ماء فنضح مكانه، فهذا يدل على نجاسة الكلب. القول الآخر: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة، والمالكية (١). واستدلوا بعموم القرآن والسنة: فأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وجه الدلالة: أن الله أباح لنا الأكل مما أمسكت الكلاب، ولو كان المكان الذي أمسكت منه الكلاب نجسًا لأمر بالغسل مكانه. واعترض عليه بأنه كيف يستدل على طهارة الكلب بأنيابه ولعابه الذي نص النبي ﷺ على نجاسته، ثم إن من العلماء من قال بوجوب غسل ما أصاب الكلب لنجاسته.

стр. 73

قال النووي: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله، بخلاف الإناء (١). ثم إن الآية أنه يباح الأكل مما أمسكت الكلاب المعلمة، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، ثم إن الآية عامة، والأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب حديث خاص يدل على نجاسة لعاب الكلب، وهذا دليل خاص، والخاص يقدم على العام. أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر قال: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٢). واعترض عليه من وجهين: الأول: نُقل الإجماع على نجاسة بول الكلب، فكيف يستدل به على طهارة الكلب؟! الثاني: أن النجاسة قد تطهر بالاستحالة، فإن لم تغسل فقد تطهرها الشمس. الراجح: أن الكلب نجس، والدليل أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وليس مرة بل سبع مرات الأولى بالتراب، وإذا كان لعابه نجسًا فكذا سائر جسده. المبحث الثاني: نجاسة الخنزير: قال النووي: نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ الْخِنْزِيرِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ، وَلَكِنَّ مَذهبَ مَالكٍ طهارةُ الخنْزيرِ مَادَامَ حَيًّا (٣).

стр. 74

وقال تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قالوا: معنى ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، ومعنى الآية أن لحم الخنزير نجس (١). واعترض عليه بما قاله الشوكاني: بأن معنى ﴿رِجْسٌ﴾ أي: حرام وليس نجسًا. وأجيب عنه: بأن حَمْله على الحرام فيه بُعد؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه حرام) فيصعب أن يكون صدر الآية وآخرها على تَكرار التحريم، والصحيح أن قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ دليل على النجاسة. واستدلوا بأن الخنزير أَوْلَى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه، بخلاف الكلاب، فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه (٢). المبحث الثالث: نجاسة سباع البهائم والطير: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير (٣). واستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا

стр. 75

يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» (١). ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع. الدليل الثاني: ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (٢). وروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْر (٣). فدل ذلك على أن السباع ذات الناب والطير ذات المخلب محرم أكلها لنجاستها. القول الآخر: ذهب المالكية والشافعية إلى طهارة سباع البهائم والطير (٤). واستدلوا بأن السباع كالأسد والصقر يجوز بيعها والانتفاع بها؛ فهذا دليل على طهارتها، وكذا سباع الطير. واعترض عليه بأنه ليس كل نجس لا يجوز الانتفاع به، فقد ورد في الحديث أن شحوم الميتة يُنتفع بها في طلي السفن وإن كانت نجسة بالإجماع، ويحرم أكلها. الراجح: نجاسة السباع كالأسد والصقر وغيرهما، والله أعلم. المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم: ذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم (٥). واستدلوا بأن ريق الكلب نجس، فماذا يكون الشأن في بوله؟ وكذا بول الحيوانات غير مأكولة اللحم.

стр. 76

واستدلوا بحديث ابن عمر قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، والسباع غير مأكولة اللحم إذا شربت من الماء؛ فالنبي ﷺ يقول إذا كان الماء قليلًا فإنه ينجس الماء بسبب شربها؛ فبولها وروثها من باب أَوْلى. واستدلوا بأن لحم الحيوان غير مأكول اللحم خبيث، فكذا بوله نجس (١). المبحث الخامس: نجاسة الميتة: نُقل الإجماع على نجاسة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية. فقال ابن قدامة: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ (٢). وقال ابن رشد (٣): وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ: مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. المبحث السادس: في الجلالة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الجلالة: اختلف أهل العلم في تعريف الجلالة على ثلاثة أقوال:

стр. 77

القول الأول: ما كان أكثر علفها النجاسة، وهو قول الحنابلة، وقول للحنفية، وللشافعية (١). قال ابن قدامة: قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهْ لُحُومَ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانَهَا. قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْقَذَرَ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حَرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا (٢). القول الثاني: أن الجلالة هي ما كان علفها النجاسة ولم يخلط بغيره، وأنتن لحمها من ذلك (٣). القول الثالث: أن المراد بالجلالة: ما ظهر ريح القذر في لحمها (٤). قال ابن القيم: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ، حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا. قال الشيخ سيد سابق: والجلالة: هي التي تأكل العَذِرة، من الإبل، والغنم، والدجاج، وغيرها، حتى يتغير ريحها، فإن حُبست بعيدة عن العَذِرة زمنًا، وعُلفت طاهرًا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، حلت؛ لأن علة النهي والتغير قد زالتْ (٥). المطلب الثاني: حكم لحم الجلالة. اختلف أهل العلم في حكم الانتفاع بالجلالة؛ مِنْ أكل لحمها، وشرب لبنها، وركوب ظهرها على ثلاثة أقوال:

стр. 78

القول الأول: يُكره الانتفاع بالجلالة، قاله الحنفية، وقول للشافعية، وقول للحنابلة (١). القول الثاني: يحرم الانتفاع بالجلالة، وهو قول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). واستدل القائلون بالتحريم والكراهة بعموم الأدلة الناهية عن الانتفاع بالجلالة، ومنها: ما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْجَلاَّلَةِ فِى الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ (٤)، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ. القول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه لا بأس بالانتفاع بالجلالة (٥). والراجح: هو كراهة الشرب من لبن الجلالة، وأكل لحمها وركوب ظهرها، وإذا حُبست بعيدة عن النجاسة، وعُلفت طاهرًا حتى ذهب ريحها النتن، وطاب لحمها الرديء، وذهب اسم الجلالة عنها، حلت، وعلة النهي قد زالت، والله أعلم (٦).

стр. 79

الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: طهارة بني آدم، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: طهارة بدن المسلم. المبحث الثاني: طهارة بدن المشرك. المبحث الثالث: طهارة مني الإنسان. المبحث الرابع: رطوبة الفرج. المبحث الخامس: طهارة اللبن. المبحث السادس: حكم القيء. القسم الثاني: طهارة الحيوان، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم. المطلب الثاني: طهارة الدم في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم. المطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم.

стр. 80

المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف النفس. المطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة. المبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة. المبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب (كالحمار والبغل). المبحث الخامس: طهارة دم الكبد، والطحال، والسمك. المبحث السادس: طهارة إنفحة الميتة. القسم الثالث: طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان، وفيه مبحثان: المبحث الأول: طهارة الخمر. المبحث الثاني: طهارة الطِّيب الذي فيه كحول.

стр. 81

القسم الأول طهارة بني آدم وفيه ستة مباحث المبحث الأول: طهارة بدن المسلم: سواء كان محدثًا، أم غير محدث، وسواء كان حدثًا أكبر أم أصغر: أجمع العلماء على طهارة المسلم إذا كان متطهرًا من الحدث الأكبر والأصغر (١)، وإذا أحدث حدثًا أكبر كالجنابة أو أصغر كالبول؛ فإنه طاهر عند جمهور العلماء. واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٢). وجه الدلالة: أن أبا هريرة ﵁ كان جنبًا وهو حدث أكبر، وقال له النبي ﷺ : «إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، ولو كان المحدث نجسًا لما حمل النبي ﷺ أمامة بنت زينب وهو يصلي، ومعلوم أن أمامة كانت جارية وهي على حدث؛ ففي الصحيحين من حديث أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ : كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣). وروى مسلم عن عَائِشَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ لَهَا: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسجدِ»، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ» (٤)، أي: لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى.

стр. 82

والأدلة على أن المسلم طاهر سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر متوافرة ومتضافرة. قال شيخ الإسلام: وَأَبْدَانُ الْجُنُبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ طَاهِرَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ (١). وذهب الحنفية في قول إلى أن من أحدث فهو نجس نجاسة حكمية (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل. واعترض عليه بأن تجديد الوضوء يسمى طهارة مع أنه متطهر، فلا يشترط أن تكون الطهارة عن نجاسة، وأبو هريرة ﵁ لما اعتبر أن حدثه نجاسة أخبره النبي ﷺ بقوله: «المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». والصحيح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من طهارة بدن المسلم، سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر. المبحث الثاني: طهارة بدن المشرك: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن المشرك، وبه قال الحنفية، والصحيح من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 83

الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فإن كان طعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حلًّا لنا، لزم من ذلك طهارة أبدانهم وأيديهم التي يباشرون بها هذا الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب، وبالطبع يباشر جسدها، ويصاب من عرقها، عُلم من ذلك طهارة أبدانهن. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (١). فلو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله ﷺ ثمامة وهو لا يزال مشركًا بسارية في المسجد؛ فدل ذلك على طهارة بدن المشرك (٢). وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وفي البخاري أن النبي ﷺ : «أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (٣). القول الثاني: أن بدن المشرك نجس، وهو قول عند المالكية، وابن حزم (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فدل ذلك على نجاسة بدن المشرك، ونهى لذلك عن دخولهم المسجد الحرام، والأصل أن تُحمل الألفاظ على حقيقتها الشرعية. واعترض عليه بأنه إذا أبيح الأكل من طعام أهل الكتاب مع أنهم يباشرون ذلك بأيديهم، فعُلم أن بدن المشرك طاهر، وأن المراد بالنجاسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ نجاسة معنوية، والقرينة التي دلت على ذلك أن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك.

стр. 84

واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قال: «فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» (١). قالوا: إن النبي ﷺ لم يأذن في استعمال آنية أهل الكتاب إلا بعد غسلها؛ فدل ذلك على نجاستها. واعترض عليه بأنه لا بد من الجمع بين الأدلة، فقد أباح الله لنا الأكل من طعام أهل الكتاب، وقد أكل ﷺ من طعام اليهود (٢)، ونهى النبي ﷺ عن الأكل من آنية أهل الكتاب نهي احتااط واستحباب، وحَمَله بعض العلماء على أن أهل الكتاب إذا كانوا يُكثرون من أكل الخنزير وشرب الخمور فيُحمل عليه هذا الحديث ليس لنجاسة بدن المشرك، ولكن لنجاسة الخنزير. الراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من طهارة بدن المشرك، والمراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ النجاسة المعنوية، أي: نجاسة الشرك، وإنه لو نطق بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه طهارة معنوية؛ لأن المؤمن لا ينجس. المبحث الثالث: طهارة مني الإنسان: اختلف أهل العلم في طهارة مني الإنسان على قولين: القول الأول: ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن المني طاهر (٣). واستدلوا لذلك بأدلة منها الدليل الأول: ما روى مسلم عن عائشة ﵄ وفيه: (وَإِنِّي

стр. 85

لأَحُكُّهُ - أي: المَنِيَّ- مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي) (١). فعائشة ﵄ كانت تفركْ المَنِيَّ من ثوب رسول الله ﷺ ، ولو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات. واعترض عليه بأن تطهير النجاسة لا يُشترط غسلها بالماء، فطهارة النجاسة في أسفل النعل بدلكه بالأرض، وطهارة ذيل المرأة إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب. الدليل الثاني: روى ابن خزيمة عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ وهُو يصلي (٢)، فدل ذلك على طهارة المني إذ كان يصلي به النبي ﷺ ، ولو كان نجسًا لوجب غسله قبل الصلاة. الدليل الثالث: عن عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْلُتُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَيَحُتُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ. (٣) فإذا كان النبي يسلت المني من ثوبه وهو رطب من غير غسل دل ذلك على طهارته. وصح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، أَمِطْهُ عَنْكَ بِعُودٍ أَوْ إِذْخِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ أَوِ الْمُخَاطِ (٤).

стр. 86

القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن المني نجس ويجب تطهيره (١). واستدلوا لذلك بما رود في الصحيحين عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (٢). فغسل فرجه من المني فهذا دليل على نجاسة المني. قال شيخ الإسلام: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٣). واعترض عليه بأن الغسل لا يدل على النجاسة؛ لأنه قد يغسل ما يستقذر كالمخاط وغيره، وليس هو نجسًا بالإجماع. الدليل الثاني: استدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ (٤). فدل غسل المني على نجاسته، إذ الطاهر لا يحتاج إلى تطهير. واعترض عليه بأن المخاط وكل ما يُستقذر قد يُغسل، وليس بنجس، فليس الغسل دليلًا على النجاسة، ووَرد أن عائشة ﵄ كانت تفرك المني إذا كان يابسًا ولا تغسله. الدليل الثالث: عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ مِنَ الْمَاءِ الْأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالْقَيْءِ» (٥).

стр. 87

واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل. الدليل الرابع: عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ عُمَرَ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ، فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ، فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً، فَرَكِبَ، حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ الاِحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: قد أَصْبَحْتَ وَمَعَك ثِيَابٌ، فَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًاه لَكَ يَا بْنَ الْعَاصِ، إنْ كُنْتَ تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا؟ فوَالله لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَ سُنَّةً، أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ، وَأَنْضِحُ مَا لَمْ أَرَ (١). قال الباجي: وَقَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ) يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَا كَانَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ حَتَّى أَسْفَرَ الصُّبْحُ رَأَى أَنَّ تَطْهِيرَ ثَوْبِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ مُبَادَرَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِهِ وَتَتَبُّعَهُ لَهُ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ التَّأْخِيرَ وَأَمَرَهُ بِاسْتِبْدَالِ ثَوْبٍ - دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا عِنْدَهُمْ لَمَا اشْتَغَلَ عُمَرُ بِغُسْلِهِ. وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ: تَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِإِزَالَةِ مَا لَمْ تَلْزَمْ إزَالَتُهُ (٢). واعترض عليه بأن إسناده منقطع، فيحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر. الدليل الخامس: واستدلوا بأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵄: «إذا وجدتِ المني رطبًا فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فحُكيه» (٣).

стр. 88

واعترض عليه بما قاله ابن الجوزي: هذا الحديث لا يُعرف، إنما المنقول أنها هي كانت تفعل ذلك من غير أن يكون أمرها (١). أما دليلهم من المعقول: فاستدلوا بقياس المني على المذي، قال الباجي: دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي (٢). واعترض عليه بما قاله ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة، فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم يستحكم طبخه - دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة (٣). واستدلوا بأن المني خارج من مخرج البول، وكل ما خرج من مخرج البول نجس. واعترض عليه بأنه قد يخرج من مخرج واحد ما هو طاهر وما هو نجس، فيخرج من الدبر الريح وهو طاهر، ويخرج الغائط وهو نجس، ويخرج من الفم المخاط وهو طاهر، ويخرج القيء وهو نجس على قول. واستدلوا بأنه إذا كانت نواقض الوضوء نجسة كالبول والغائط، وإذا كان المني يوجب الغسل فنجاسته من باب أَوْلى. واعترض عليه بأن هذه القاعدة ليست مطردة، فخروج الريح ناقض للوضوء بالإجماع، مع أن الريح طاهر بالإجماع لا يُغسل مكانه ولا ما أصاب من الثياب، وكذا مس الفرج ليس بنجس وهو ناقض للوضوء، وكذا أكل لحم الجزور طاهر وهو ناقض للوضوء، ولو مس بولًا أو غائطًا مع أنه نجس بالإجماع لا ينقض وضوءه بل يغسل ما مسه فقط، وكذا لو جامع ولم يُنزل فإن عليه الغسل بالرغم من أنه لم يُمنِ. قال الشافعي: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي الْفَرْجِ الْحَلَالِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَاءٌ فَأَوْجَبْت عَلَيْهِ الْغُسْلَ، وَلَيْسَتْ فِي الْفَرْجِ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ عَذِرَةٍ

стр. 89

وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ. أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَالْغُسْلُ إنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ مِنْ نَجَاسَةٍ كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مِنْ الَّذِي غَيَّبَهُ فِي حَلَالٍ نَظِيفٍ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ أَقْذَرَ مِنْهُ، ثُمَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ مَوْضِعِهِمَا الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ، وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ (١). والراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن المني طاهر؛ لأن عائشة كانت تحك المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ولو كان نجسًا لما جاز له الصلاة فيه، وصح عن ابن عباس ﴿أنه قال: إنه بمنزلة المخاط. والمخاط طاهر، فدل ذلك على طهارة المني. ودل على ذلك أن المني مبتدأ خلق بني آدم والأنبياء والرسل، فهل يليق أن يكون أصل هؤلاء نجسًا؟ والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. قال الشافعي: بَدَأَ الله خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَجَعَلَهُمَا مَعًا طَهَارَةً. وَبَدَأَ خَلْقَ وَلَدِهِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، فَكَانَ فِي ابْتِدَائِهِ خَلْقَ آدَمَ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا الطَّهَارَةُ دَلَالَةَ أَنْ لَا يَبْدَأَ خَلْقُ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ نَجِسٍ. وقال ابن القيم: والله تعالى أحكمُ من أن يجعل مَحَالَّ وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسة فهو أكرم من ذلك، وأيضًا فإن الله تعالى أخبر عن هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصُّلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعَذِرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره، ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السَّوِي، فالمهين ههنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث، وأيضًا فلو كان المني نجسًا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات؛ ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب، فلقد أبعد النجعة مَنْ جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة. والناس إذا سَبُّوا الرجل قالوا: (أصله خبيث) و (هو خبيث الأصل) (٢).

стр. 90

المبحث الرابع: رطوبة الفرج: قال ابن عابدين: وَأَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَطَاهِرَةٌ اتِّفَاقًا (١). قلت: وأما رطوبة الفرج الداخل فطاهرة على قول جمهور العلماء (٢). ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لبينها النبي ﷺ لأمته ولنقله لنا أمهات المؤمنين وأصحاب النبي الأمين، فلما لم يَرد ذلك عُلم طهارة رطوبة الفرج ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] والأصل الطهارة حتى يثبت خلافه، والله أعلم. المبحث الخامس: طهارة اللبن: لبن المرأة المسلمة طاهر بالإجماع. وكذا لبن مأكول اللحم؛ كالإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والظباء وغيرها من الصيود، طاهر بنص القرآن، والأحاديث الصحيحة، والإجماع (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. قال الكاساني: خرجت الآية مخرج الامتنان، والمنة موضع النعمة تدل على الطهارة (٤). المبحث السادس: حكم القيء: ذهب الحنفية والشافعية في المشهور عنهم إلى نجاسة القيء مطلقًا سواء تغير أم لم يتغير (٥).

стр. 91

واستدلوا لذلك بحديث عمار، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ، فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلاَّ بِمَنْزِلَةِ المَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ البَوْلِ وَالغَائِطِ وَالمَنِيِّ مِنَ المَاءِ الأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالقَيْءِ»، فدل ذلك على أن القيء ينقض الوضوء، وهو نجس. واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل. واستدلوا بحديث أبي الدرداء ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَنَا صَبَبْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ وَضُوءَهُ (١). قالوا: إن القيء إذا كان ينقض الوضوء فهو نجس. واعترض على هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن القيء مختلف في نقضه للوضوء، والراجح أنه لا ينقض الوضوء. الثاني: لو قلنا: إن القيء ينقض الوضوء، فليس كل ناقض للوضوء نجسًا، فأكل لحم الجزور ينقض الوضوء وهو طاهر بالإجماع، وكذا الريح طاهر وهو ناقض الوضوء. الثالث: أن القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، ولو كان هذا القيء نجسًا لبينه النبي ﷺ لأمته، ونقله لنا أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين ﷺ ؛ لأن هذا الفعل يكثر ويتكرر وقوعه، فلما لم يُحفظ دليل على نجاسته عُلم أنه طاهر، إذ إن الأصل الطهارة، والله أعلم. * * *

стр. 92

القسم الثاني طهارة الحيوان وفيه ستة مباحث المبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم: وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ طَاهِرٌ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَكُلُّ حَلَالٍ هُوَ طَيِّبٌ، وَالطَّيِّبُ لَا يَكُونُ نَجِسًا بَلْ هُوَ طَاهِرٌ (١). المطلب الثاني: طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم: قال ابن تيمية: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ اللَّحْمَ بِالْقِدْرِ فَيَبْقَى الدَّمُ فِي الْمَاءِ خُطُوطًا، وَهَذَا لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي الْعَفْوِ عَنْهُ (٢). وقال ابن العربي: قال الإمام الحافظ: الصحيح أن الدم إذا كان مفردًا حرم منه كل شيء، وإن خالط اللحم جاز؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، إنما حرم الدم بالقصد إليه (٣). وفي «الجوهرة النيرة»: أما الذي يبقى في اللحم بعد الذكاة فهو طاهر (٤). ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. فنصت الآية على الدم المسفوح، وهذا غير مسفوح.

стр. 93

قال المرداوي: المحرم هو الدم المسفوح وأما الدم الذي يبقى في خلال اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق - فمباح (١). المطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم: اختلف أهل العلم في حكم بول وروث الحيوان مأكول اللحم على قولين: القول الأول: ذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة إلى طهارة بول وروث الحيوان المأكول (٢). قال شيخ الإسلام: وَبَوْلُ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى تَنَجُّسِهِ، بَلْ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا سَلَفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (٣). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (٤). فلو كانت أبوال الإبل نجسة لما أمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من أبوالها، فدل ذلك على طهارة أبوال الإبل. وروى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، قَالَ: أُصلي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فإذا كان من شروط الصلاة طهارة البقعة التي يصلي فيها، وقد أذن له النبي ﷺ في الصلاة في مرابض الغنم مع أنها لا تخلو من البول والروث، فدل ذلك على طهارة بول وورث الغنم. وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿، قَالَ: (طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ (٥). فإدخال البعير المسجد، والطواف عليه، وقد يبول البعير أثناء الطواف، فلو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله المسجد.

стр. 94

واستدلوا بأن الحَمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول، فهذا دليل على طهارته، إذ لو كان بوله نجسًا لأُخرج من المسجد خاصة، فقد أمر الله بتطهير المسجد الحرام بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. واستدلوا بما قاله ابن تيمية: فَإِنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُزْرَعُ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ ذَلِكَ الْحَبَّ وَيُقَرُّونَ عَلَى أَكْلِهِ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّ الْحُبَّ لَا يُدَاسُ إلَّا بِالدَّوَابِّ، وَنَتَيَقَّنُ أَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَبُولَ عَلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي يَبْقَى أَيَّامًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُقَدِّمَاتٌ يَقِينِيَّةٌ (١). القول الثاني: أن بول وروث الحيوان المأكول نجس، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ … »، فكلمة: «البول» تدل على نجاسة جميع الأبوال، فهنا «أل» تدل على الاستغراق، أي: عامة الأبوال. واعترض: بأن المراد بالبول بول الآدمي، دل عليه السياق، و «أل» للعهد الذهني. واستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (٣)، أي: نجس.

стр. 95

واعترض عليه: بأن الروثة قد تكون روثة حمار أو غير مأكول اللحم، وهي نجسة، حتى لو كانت روثة البهائم أو مأكول اللحم؛ فإنه لا يستنجى بها؛ لأنها طعام إخواننا من الجن. والراجح: طهارة بول وروث الحيوان المأكول، والله أعلم.

стр. 96

المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف النفس: النفس: هو الدم، وفي الحديث عن أم سلمة قالت: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فقوله: «أَنُفِسْتِ؟» يعني: نزل منكِ الدم بالحيض؟ وكذا النفاس يسمى بذلك لنزول الدم. المطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة: ذهب جمهور العلماء إلى أن ما لا نفس له سائلة إذا سقط في الماء فإنه طاهر، وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). واستدلوا بما روى البخاري عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» (٢). وجه الدلالة ما قاله ابن القيم: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِمَقْلِهِ، وَهُوَ غَمْسُهُ فِي الطَّعَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ لَكَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ، ثُمَّ عُدِّيَ هَذَا الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالنَّحْلَةِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، إِذِ الْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ هُوَ الدَّمَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُودًا فِيمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ انْتَفَى الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ (٣). القول الثاني: أن ما لا نفس له سائلة إذا سقط في الماء نَجَّسَ الماء، وهو قول عند الشافعية (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا مات الذباب

стр. 97

فهو نجس. قلت: ولكن هذه الآية عامة، وقد استثني من هذه الآية ما لا نفس له سائلة، وحديث غمس الذباب ثم الشرب من الإناء دليل على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لأمر بإراقة ما في الإناء، فكما أن إهاب الميتة إذا دُبِغَ فقد طهر؛ لعموم قول النبي ﷺ : «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، فكذا ما لا نفس له سائلة. المبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة، أو هل ينجس الماء إذا ولغت الهرة فيه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة سؤر الهرة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بما ورد عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ، عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ» (٢).

стр. 98

فقوله ﷺ : «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» يدل على طهارة الهرة وسؤرها. المبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن الحمار والبغل، وبه قال المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. فسَخَّر الله الخيل، والبغال، والحمير لتركب، ولا شك أن من ركبها فإنه قد يصاب من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لما أباحها الله لهم. قال ابن قدامة: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَبُهَا، وَتُرْكَبُ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا. فَأَشْبَهَا السِّنَّوْرَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّهَا رِجْسٌ». أَرَادَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ (٢). قلت: أي أكلها. وذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أن الحمار والبغل نجسان (٣). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁: إِنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ (٤). واعترض عليه بأن المنهي عنه أكل لحم الحمر، وقوله: «فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أي: أكل لحوم الحمر. أما أبدان الحمر وعرقها فهي طاهرة، وكذا البغال.

стр. 99

المبحث الخامس: طهارة دم الكبد والطحال والسمك: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (١). قال المرداوي: والكبد والطحال، وهما دمان، ولا خلاف في طهارتهما. قال الجصاص: لما أباح الله السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، وقد تلقى المسلمون هذا الخبر بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه، وجب تخصيص الآية: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ في إباحة دم السمك؛ إذ لو كان محظورًا لما حل دون إراقة دمه، كالشاة وسائر الحيوان ذوات الدماء (٢). المبحث السادس: أنفحة الميتة: اختلف أهل العلم في أنفحة الميتة إذا أُخذت من حيوان رضيع على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة، ورواية عن أحمد إلى طهارة إنفحة الميتة (٣). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:

стр. 100

أما دليلهم من السنة، فعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ السَّمْنِ، وَالْجُبْنِ، وَالْفِرَاءِ قَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ الله فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» (١). وجه الدلالة: (وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) يدل على أن إنفحة الميتة طاهرة لأنه فيها تحريم. واعترض عليه بأن الحديث لا يصح. وأما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: ذَكَرْنَا الْجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِح الْمَيْتَةِ. فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ وَكُلُوهُ (٢). وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ يَضَعُ السِّكِّينَ، وَيَذْكُرُ اسْمَ اللهِ، وَيَقْطَعُ وَيَأْكُلُ (٣). القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الإنفحة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (٤).

стр. 101

واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وكذا استدلوا بما روى ثَوْرُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلاَّ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ (١). واعترض عليه بأنه ضعيف، وقد ثبت عن عمر خلافه. والراجح: ما قاله شيخ الإسلام: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ وَأَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ (٢). * * *

стр. 102

القسم الثالث طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان وفيه مبحثان المبحث الأول: طهارة الخمر. اختلف العلماء في نجاسة الخمرعلي قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الخمر، وهو قول الأئمة الأربعة (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. فالله وصف الخمر بأنها رجس، أي: نجسة نجاسة حسية. واعترض عليه من وجوه: الأول: أن الله قرن بين الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، وإذا كان الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية، عُلم أن الخمر كذلك. الثاني: أن في الآية قرينة تدل على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية وليست الحسية، وهى قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وعمل الشيطان ليس حسيًّا، وإنما هو معنوي، أي: إن الشيطان يزين الخمر. وقد دلت آيات من الكتاب العزيز على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية، وهي نجاسة الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، والآيات كثيرة. الثالث: ما قاله النووي: وَلَا يَظْهَرُ مِنْ الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّجْسَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ

стр. 103

الْقَذَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِالِاجْتِنَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّجَاسَةُ (١). الرابع: عن ابن عباس: قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].، يقول: سخط (٢). واستدلوا بما روى الطيالسي، عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي بِأَرْضٍ أَهْلُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ فَقَالَ: «دَعُوهَا مَا وَجَدْتُمْ مِنْهَا بُدًّا، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ» - أَوْ قَالَ: «اغْسِلُوهَا، ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا وَكُلُوا» - قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: «وَاشْرَبُوا» (٣). وجه الدلالة: أن غسل الأواني بسبب أكل لحم الخنزير وشرب الخمر - دليل على نجاستهما. واعترض عليه بأن لفظة: (يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ) ضعيفة لعلتين: الأولى: أن أبا قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة. الثانية: أن الحديث في الصحيحين بدون زيادة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر. واستدلوا بأنه إذا كان حرم بيع الخمر وعدم الانتفاع به، وقد أمر الرسول بإراقتها، فهذا دليل على النجاسة. واعترض عليه: بأنه لا يشترط أن يكون كل حرام نجسًا، وقد قرن بين تحريم الخمر وتحريم بيع الأصنام، والأصنام ليست نجسة، ولكن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وهناك بعض الأشياء يحرم بيعها ويجوز الانتفاع بها، كما في الحديث: أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى

стр. 104

بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». أي: البيع حرام، أما الانتفاع بالميتة في طلي السفن والاستصباح، ودهن الجلود، وغير ذلك من وجوه الانتفاع فمباح. القول الآخر: أن الخمر طاهرة، وبه قال ربيعة، وبعض الشافعية، وداود (١). واستدلوا بأن الأصل طهارة الشيء، والنجاسة تحتاج إلى دليل يقتضي نجاسة الخمر، والأدلة التي ذكروها تدل على تحريم الخمر، وليس فيها دليل صحيح صريح على نجاسة الخمر، والسم محرم الأكل وليس نجسًا. وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا. فَخَرَجْتُ، فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ» (٢) ولو كانت الخمر نجسة لما سُكبت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ لأن النبي ﷺ نهى عن التخلي في طريق الناس، ولم يرد أنهم غسلوا الأواني ولو كانت الخمر نجسة لغُسلت الأواني بعد إراقتها. والراجح: أن الأصل في الأعيان الطهارة، ولم يأت دليل صحيح صريح يفيد نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر، وعدم الانتفاع بها، وعدم بيعها وليس فيها ما يفيد النجاسة. المبحث الثاني: طهارة الطِّيب الذي فيه كحول. إذا كان الطيب فيه كحول وإذا شُرب يسكر؛ فإنه يحرم استعماله؛ لأن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». «كُلُّ مُسْكِرٍ» يشمل كل مسكر، سواء كان من العطور أو العنب أو غيرهما. وقد أمر الله باجتناب الخمر، فلا يجوز الانتفاع بها بأي وجه من وجوه الانتفاع.

стр. 105

الفصل الثالث تطهير النجاسات وفيه تمهيد وتسعة مباحث تمهيد: حكم إزالة النجاسة أو هل تصح العبادات لو كان الإنسان ملتبسًا بالنجاسة؟ المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء، وفيه ثمانية مطالب. المبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب. المبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض. المبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة. المبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح. المبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ. المبحث السابع: التطهير بالدلك. المبحث الثامن: التطهير بالاستحالة. المبحث التاسع: الأسآر.

стр. 106

التمهيد: حكم إزالة النجاسة يختلف حكم إزالة النجاسة من عبادة إلى أخرى، فهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة، فذكرِ الله لا يجب له الطهارة؛ فعن عائشة ﵄ قالت: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ). وقال رسول الله ﷺ لعائشة ﵄ حين حاضت: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». فالحائض تفعل كل مناسك الحج من وقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي، وتُكثر من ذكر الله، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر. أما الصلاة فيشترط لها الطهارة من الحدثين، وكذا الطواف. المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء: وفيه ثمانية مطالب: الأصل في تطهير النجاسات الماء، فالماء يطهر البدن بالاستنجاء، والمذي، والودي بالغسل، وكذا الثوب والبقعة وغير ذلك. المطلب الأول: حكم النية للاستنجاء. نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية (١). المطلب الثاني: الاستنجاء من البول والغائط. قد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على نجاسة البول والغائط، ومنهم ابن عبد البر، وابن رشد، وابن المنذر، والطحاوي (٢)، وغيرهم. وأجمع العلماء على جواز الاستجمار (٣)، ودلت على ذلك النصوص المستفيضة.

стр. 107

المطلب الثالث: لا يستنجى من الريح: قال النووي: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَالنَّوْمِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَالذَّكَرِ، وَحُكى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ، وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ (١). قال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا (٢). المطلب الرابع: هل يستنجى من الحصاة والدود؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الحصاة والدود إذا خرج ناشفًا، فإنه لا يستنجى منه؛ لأن الاستنجاء شُرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا، والحصاة إذا كانت طاهرة وخرجت ناشفة، فهي تشبه الريح، والريح لها رائحة منتنة، فإذا كان لا يستنجى منه فالحصاة الناشفة أَوْلَى. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عن الشافعية، وبعض الحنابلة (٣). وذهب الشافعية في قول، والحنابلة في المشهور عنهم إلى أنه يشرع الاستنجاء؛ لأنه خارج من مخرج الغائط (٤). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أنه لا يجب الاستنجاء إذا خرجت الحصاة ناشفة. المطلب الخامس: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن (٥). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ

стр. 108

الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ … (١). قولها: (حَتَّى إِذَا ظَنَّ)، دل ذلك على غلبة الظن، وغسل الجنابة طهارة. واعترض عليه بأن الظن يأتي بمعنى اليقين: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. وأجيب عليه: بأن (ظن) تفيد اليقين بقرينة، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ولا توجد قرينة هنا. وذهب بعض الحنفية، وقول عند الحنابلة إلى أنه لا بد من اليقين في الاستنجاء (٢). واستدلوا بماروى مسلم عن ابن عباس ﴿: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ» (٣). فإن كان هذا الرجل يعذب لأنه كان لا يستنزه من بوله كان لا بد من اليقين عند قضاء الحاجة أنه تطهر. واعترض عليه بأن معنى الحديث: بأنه لا يهتم بالاستنجاء، أما إذا غلب على ظنه أنه أنقى المحل فقد تطهر، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقد تؤدي كثرة الاستنجاء إلى الوسوسة. فالراجح: أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن، والله أعلم. المطلب السادس: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء. ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصح الوضوء قبل الاستنجاء، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤).

стр. 109

واستدلوا بأن من توضأ ثم لف على يده خرقة حتى لا يمس فرجه واستنجى، فإن طهارته صحيحة. واستدلوا بما روى البخاري عن علي، قال النبي ﷺ : «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» (١). واعترض عليه: بأنه وردت عند مسلم «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» (٢). ثم إن الواو لا تقتضي الترتيب، والأصل هو الاستنجاء قبل الوضوء، ولو توضأ ثم لف على يده خرقة واستنجى من غير أن يمس ذكره، فهو جائز على قول جماهير أهل العلم. قال الحافظ: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر ولكن من يقول بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل. والسنة أن يستنجى قبل الوضوء ليخرج من الخلاف، وليأمن من عدم انتقاض طهره (٣). المطلب السابع: نَضْح الماء على الفرج والسراويل بعد الوضوء: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب نضح الفرج أو السراويل بشيء من الماء (٤). واستدلوا بما ورد عَنْ أَبِي الْحَكَمِ، أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ» (٥).

стр. 110

واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . وبالتالي لا يستحب نضح الفرج بعد الوضوء لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على نضح الفرج بعد الوضوء والأصل براءة الذمة، والله أعلم. المطلب الثامن: إذا تجاوز الخارج موضع العادة هل لا بد من الاستنجاء أم يكفي الاستجمار؟ ذهب جمهور العلماء (١) إلى أن الغائط إذا تجاوز الحد المعتاد فإن الحجارة لا تجزئ لأنها لا تنقي، ويتعين الماء الطهور. أما الحنفية فقالوا: يكفي بكل مائع مزيل (٢). والراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل بالماء أوبالحجارة أوبالمناديل وغيرذلك، ويُشترط أن تُزال عين النجاسة، والأفضل هو الماء لأنه أفضل في الإنقاء، وقد تكون المناديل الورقية أفضل من الأحجار، وإذا تعذر استخدام الماء، فالأحجار تجزئ إذا كانت تنقي، والأمر على حَسَب الاستطاعة. قال شيخ الإسلام: ويجزي الاستجمار ولو بواحدة في الصفحتان والحشفة وغير ذلك
следующие страницы →