كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» (١).
وَقَالَ مَكْحُولٌ: «إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ» (٢).
الفرق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَنَقُولُ: إذَا كَانَ الدَّمُ يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِئًا ثَخِينًا مُحْتَدِمًا وَأَيَّامًا رَقِيقًا إلَى الصُّفْرَةِ أَوْ رَقِيقًا إلَى الْقِلَّةِ، فَأَيَّامُ الدَّمِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ الْمُحْتَدِمِ الثَّخِينِ أَيَّامُ الْحَيْضِ وَأَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ (٣).
الفرق الثالث: أن دم الحيض منتن الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له (٤).
الفرق الرابع: أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد (٥).
وإن كانت هذه الفروق لا دليل عليه من الكتاب والسنة سوى أن دم الحيض يميل إلى السواد، فقد تكون هذه الصفات لدم الحيض من خلال التجربة والمشاهدة.
المبحث الثالث: المستحاضة هل تعمل بالعادة أم بالتمييز؟
اختلف أهل العلم في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:
القول الأول: أن المستحاضة تعمل بالعادة دون التمييز، ومثاله: امرأة لها عادة معلومة سبعة أيام، ثم جاءها الدم، فجلست عدتها فإن تمادى بها فإنها تمكث سبعة أيام ثم تغتسل
стр. 632
وتصلي، وهو مذهب الحنفية ووجه عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة (١).
واستدلوا بما روت عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ،: أن أَمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (٢).
وجه الدلالة من هذين الحديثين أن المرأة المستحاضة تمكث قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتصلي، ولم تؤمر أن تميز دم الحيض من الاستحاضة.
القول الثاني: أن المرأة المستحاضة تعمل بالتمييز دون العادة.
قال الرملي: (وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ) الْمُمَيِّزَةِ (بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ) الْمُخَالِفَةِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) (٣).
واستدل لهذا القول بعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». قال الحافظ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ المرأةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ (٤).
وقال ابن رجب: وأما قول النبي: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» فقد اختلف العلماء في تأويله: فتأوله الأكثرون، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزًا، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردَّها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء
стр. 633
دم غيره فإنها تغتسل وتصلي (١).
فالحاصل: إنْ تميز دم الحيض من الاستحاضة فتعمل بالتمييز، وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة.
المبحث الرابع: حكم المستحاضة المعتادة غير المميزة:
ذهب جمهور العلماء إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي (٢).
واستدلوا بعموم قول النبي لفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لما قَالَتْ: «إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قال النبي ﷺ لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
وذهب الإمام مالك إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس زيادة على حيضها ثلاثة أيام لا تصلي ولا تصوم ولا يطؤها زوجها (٣).
واستدلوا بما روى البيهقي: أَنَّ ابْنَةَ مَرْثَدٍ الأَنْصَارِيَّةَ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: تَنَكَّرْتُ حَيْضَتِى. قَالَ: «كَيْفَ؟». قَالَتْ: تَأْخُذُنِي فَإِذَا تَطَهَّرْتُ مِنْهَا عَاوَدَتنِي. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتِ ذَلِكَ فَامْكُثِى ثَلَاثًا» (٤).
واعترض عليه بأنه لا يصح.
وقال ابن عبد البر: فَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ الِاسْتِظْهَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَبِينَ فِيهَا انْقِضَاءُ دَمِ الْحَيْضِ
стр. 634
مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إِذْ حَدَّ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي انْفِصَالِ اللَّبَنِ.
والراجح أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي لعموم قول النبي ﷺ لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
المبحث الخامس: المتحيرة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد:
امرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة أو ستة. الراجح أنها تنظر كم يومًا تحيض أمها أو أختها، فإذا كانت أمها تحيض خمسة أيام، فإنها تمكث خمسة أيام ثم تغتسل وتصلي.
المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت:
امرأة تقول: عدد أيام حيضتي ستة أيام ولكني لا أدري في أي وقت من الشهر.
الراجح: أن دم الحيض له صفات معينة يميز بها عن الاستحاضة، فعليها أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت دم الحيض لأنه دم جبلة ثم الباقي يكون دم الاستحاضة.
المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء:
اختلف أهل العلم في هل يجب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء أم لا:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب غسل الفرج، واختلفوا في هل يكفي غسله مرة واحدة أو تغسله لكل صلاة؟
قال النووي: وَأَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ وَحَشْوِهِ وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعهَا زَوَالًا لَهُ تَأْثِيرٌ أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ وَجَبَ التَّجْدِيدُ وَإِنْ لَمْ تَزُلِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ،
стр. 635
كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ (١).
وفي كشاف القناع: (وَلَا يَلْزَمُهَا إذَنْ إعَادَةُ شَدِّهِ، وَ) لَا إعَادَةُ (غَسْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ تُفْرِطْ) فِي الشَّدِّ لِلْحَرَجِ، فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الشَّدِّ وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَعَادَتْهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (٢).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي».
قال ابن رجب: اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أن الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهورلكن الأصح هنا: أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإن الأمر الاغتسال، وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط (٣).
وذهب الحنفية إلي أنه لا يجب غسل الفرج من دم الاستحاضة.
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (٤).
وجه الدلالة ما قاله الكاسانى: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَفَى الْحَرَجَ فِي تَرْكِهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ فِي تَرْكِهِ حَرَجٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِي الْمَفْرُوضِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْه (٥).
واعترض عليه بأن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء وإنما يرجع إلى الايتار.
стр. 636
والراجح أنه لا يجب غسل فرج المستحاضة عند كل وضوء، والأمر بالاغتسال وغسل الفرج معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، ويستحب للمستحاضة غسل الفرج وحشوه وشده في كل فترة من الزمان من باب التنظيف على حَسَب اليسر والاستطاعة لعموم قوله: «فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ».
المبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب على المستحاضة أن تغسل فرجها قبل الوضوء أو التيمم وتحشوه بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة، فإن اندفع به الدم وإلا شدت مع ذلك خرقة في وسطها، ولجمت فرجها قدر الإمكان لكيلا لا يسيل الدم وذلك لكل صلاة وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا لذلك بما روى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: «لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي» (٢).
قوله: «ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ» قال ابن منظور وَهُوَ أَنْ تَشُدَّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ أَوْ قُطْنَةٍ تَحْتَشِي بِهَا وتُوثِقَ طَرَفَيْهَا فِي شَيْءٍ تَشُدُّه عَلَى وَسَطِهَا فَتَمْنَعُ سَيَلَانَ الدَّمِ، وهوَ مأْخؤذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابَّةِ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِهَا (٣).
واستدلوا بحديث حمنة بنت جحش وفيه. فقلت: يا رسول الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ
стр. 637
الدَّم» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «فَتَلَجَّمِي … » (١) أي ألجمي خروج الدم بعصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة.
وروى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة الوداع: وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله علاه وسلم: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي».
والراجح: ما ذهب إليه المالكية من أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة وكذا لا يجب شد العصابة على الفرج لكل صلاة، لأن ذلك لم يصح عن النبي ﷺ أنه أمر بذلك لكل صلاة والله أعلم.
المبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثًا أم لا؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة يعتبر حدثًا ويجب الوضوء لكل صلاة، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (٢).
واستدلوا لذلك بما روى البخاري، جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ
стр. 638
صَلِّي» قال أبي: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ (١).
قال رسول الله ﷺ : «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، اغْتَسَلَتْ، وَصَلَّتْ، وَصَامَتْ، وَتَوَضَّأَتْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٢).
وعن جابر عن رسول الله أنه أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (٣).
وعَنْ سَوْدَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» (٤).
القول الآخر: ذهب المالكية إلى أنه لا يعتبر دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء (٥).
قال ابن المنذر: وَالنَّظَرُ دَالٌّ عَلَى مَا قَالَ رَبِيعَةُ إِلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: النَّظَرُ يَدُلُّ علاهِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَالَّذِي يَخْرُجُ فِي أَضْعَافِ الْوُضُوءِ، وَالدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ إِنْ كَانَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَابْتَدَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي الْوُضُوءِ فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ غَسْلِهَا بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ يُنْتَقَضَ مَا
стр. 639
غَسَلَتْ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي يُوجِبُ الطَّهَارَةَ فِي قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الطَّهَارَةَ قَائِمٌ (١).
وقول المالكية هو الراجح، أي إنه لا يُشترط الوضوء بل يستحب والأحاديث التي وردت بالوضوء لكل صلاة لا تخلو من مقال. والله أعلم.
* * *
стр. 640
خلاصة الحيض
١ - تعريف الحيض: هو الدم الخارج من فرج المرأة على سبيل الصحة، من غير سبب الولادة، في أوقات معلومة.
٢ - بداية الحيض كانت عند حواء لعموم قول النبي لعائشة لما حاضت: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، وكثر الحيض في بني إسرائيل، عن عائشة قالت: «كان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب، يستشرفن للرجال في المساجد، فحرم الله علاهن المساجد، وسُلطت علاهن الحيضة».
٣ - الحيض دليل على بلوغ المرأة بالإجماع.
٤ - لا حد لأقل السن ولا لأكثر السن الذي تحيض فيه المرأة؛ لعمومقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، علق الله الحكم بوجود الدم الذي هو أذى، فإذا وُجد الأذى وُجد الحيض.
٥ - حيض الحامل: بعض النساء تحيض وهي حامل فتمتنع عن الصلاة فإذا ذهبت الحيضة اغتسلت وصلت وكذا المرضعة.
٦ - لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره.
قال ابن تيمية: علَّق الله باسم الحيض أحكامًا متعددة في الكتاب وفي السنة ولم يقدر لأقله ولا لأكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة في ذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمَن قَدَّر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسنة.
٧: امرأة تحيض كل شهر ستة أيام، في شهر استمر معها تسعة أيام ماذا تصنع؟
إذا كانت هذه الأيام الزائدة التي ينزل فيها الدم بنفس صفة دم الحيض، فالعبرة بانقطاع دم الحيض، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولعموم قول النبي ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي
стр. 641
الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
٨: امرأة حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت خمسة أيام ثم حاضت، ماذا تصنع؟
إذا انقطع الدم بعد ثلاثة أيام ورأت القَصة البيضاء أو الجفوف فإنها تغتسل وتصلي، ثم إذا رأت دم الحيض مرة ثانية فإنها تدع الصلاة لأن العبرة بوجود الحيض.
٩: إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت.
: العبرة بوجود دم الحيض سواء تقدمت أو تأخرت.
١٠: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل بنزوله.
يختلف الحكم باختلاف حالات النساء:
الحالة الأولى: إذا كان تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها من أجل ضرر صحي يقرره طبيب ثقة أمين فيجوز لها ذلك.
الحالة الثانية: إذا كان تعاطي المرأة دواء من أجل تنظيم الحمل للقيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها وكان ذلك برضا الزوج، وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة الأم فلا بأس، وفي البخاري: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ».
الحالة الثالثة: إذا كان الحامل على منع الحيض هو منع الولد خشية الفقر، فهذا لا يجوز لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١].
الحالة الرابعة: منع الحيض لقطع النسل مطلقًا، فهذا محرم.
الحالة الخامسة: استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو في الحج لإتمام النسك، يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض أو في الحج، إذا قرر أهل الخيرة الأمناء ومَن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ولا يؤثر في جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك وقد جعل الله لها رخصة في قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا.
١١: هل الصفرة والكدرة حيض أم طهر؟
روى أبو داود بسند صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ
стр. 642
شَيْئًا». فالصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض، والله أعلم.
الفصل الثانى: صفة الغسل من المحيض.
النساء تنقسم إلى قسمين: قسم ترى السائل الأبيض عند الطهر فتنظر حتى تراه، وقسم لا ترى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف.
حكم التسمية: لا تستحب قبل الغسل من المحيض وحديث: «كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ، أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» لا يصح عن رسول الله.
غسل اليد ثلاثًا، ثم الاستنجاء، ثم غسل اليد بالصابون ثم الوضوء ثم إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا ثم غسل الرجل.
فرائض الغسل من المحيض: النية مع تعميم الجسد بالماء؛ لعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء بعد أن جاء الماء أعطاه إناء من ماء: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ علاكَ»، وعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ علاكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ».
الفصل الثالث: ما يحرم على الحائض:
١ - يحرم على الحائض الصلاة لعموم قول النبي ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».
إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت هل يجب علاها القضاء؟
يجب علاها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت، فهذا أحوط للدين وأبرأ للذمة.
٢ - يحرم على الحائض الصيام بالإجماع.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».
أ وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وذلك لأمرين:
الأول: لما سئلت عائشة ﵄: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟!
стр. 643
فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
الثاني: أن المشقة لاحقة في إعادته؛ فلهذا ألزمها قضاء الصيام دون الصلاة.
ب وإذا طهرت الحائض أثناء النهار فلا يجب علاها إمساك بقية يومها؛ لأن أقل الصوم يوم فإن جاز لها الأكل أول النهار جاز آخره، وكيف تُكلف بإمساك يوم أفطرت في أوله وسوف تقضيه؟!
ج وإذا طهرت المرأة من حيضها قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر صح صومها بالإجماع، وفي الصحيحين عن أم سلمة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي».
وإذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم فلا تسقط الكفارة؛ لأن الكفارة استقرت في ذمتها قبل نزول دم الحيض.
٣ - يحرم على الحائض الطواف بالإجماع. ولعموم قول النبي لعائشة: «فَافْعلي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».
ويباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة بالإجماع.
٤ - تحريم وطء الحائض في فرجها بالإجماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
٥ - تحريم طلاق الحائض بالإجماع. دل على ذلك حديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ، ﴿: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
стр. 644
الفصل الرابع: الاستحاضة:
١ - الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد.
٢ - الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة:
الفروق الحيض الاستحاضة الفرق الأول يميل إلى السواد . أحمر يميل إلى الصفرة. الدليل: في البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وسَلمَ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي الفرق الثاني ثخين خفيف الفرق الثالث منتن الرائحة لا رائحة له الفرق الرابع لا يتجمد يتجمد
٣ - المستحاضة: إذا كانت تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة عملت بالتمييز؛ لعموم قوله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة؛ لعموم قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش لما قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
* * *