← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المطلب العاشر: هل الصفرة والكدرة (١) في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر ليس بحيض. وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية والحنابلة (٢). أما الدليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، فما رواه مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسِاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (٣). وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا بعد الطهر فما رواه أبو داود بإسناد صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا» (٤). القول الثاني: أن الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، وهو مذهب مالك، وهو الوجه الصحيح عند الشافعية (٥). عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كُنَّا فِي حِجْرِهَا مَعَ بَنَاتِ ابْنَتِهَا، فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَطَّهَّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي، ثُمَّ تُنَكَّسُ بِالصُّفْرَةِ الْيَسِيرَةِ، فَتَسْأَلُهَا فَتَقُولُ: «اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تَرَيْنَ إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا» (٦).

стр. 597

القول الثالث: أن الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقًا. وهو قول ابن حزم (١). وروى البخاري عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا» (٢). والراجح: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصَّة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض. والله أعلم. المطلب الحادي عشر: في المبتدأة، تعريفها، وأقسامها. تعريف المبتدأة: هي من كانت في أول حيض ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك. أقسام المبتدأة: تنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام: الأَوْل: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره، فإذا نزل بالمبتدأة دم فهذا حيض فإذا انقطع دمها اغتسلت وصلت ما لم تتجاوز أكثر الحيض عند الجمهور (٣). لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فإذا وجد دم الحيض بصفاته فله حكمه لأنه دم جبلة. الثاني: أن يتجاوز الدم أكثر الحيض: هذه المسألة سبقت في أكثر الحيض، فمن العلماء من قال: تجلس عشرة أيام ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريًا. ومن العلماء من قال: تمكث خمسة عشر يومًا ثم تغتسل وتصلي. ومن العلماء من قال: تمكث يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي؛ لأنه أقل الحيض وما زاد فهو مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا. ومن العلماء من قال: تمكث ستًّا أو سبعًا، وهو غالب

стр. 598

عادة النساء. والراجح: أنه لا حد لأكثر الحيض ما دام هو بصفته ما لم يطبق شهرًا، أما إذا تغيرت صفات الدم وكان لا يشبه دم الحيض فهو استحاضة من حين تغيره، والله أعلم. الثالث: أن ينزل عليها دم الحيض وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض بل هو دم فساد، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (١). وذهب المالكية (٢) إلى أنه يعتبر حيضًا ولو دفعة. متى تثبت للمبتدأة عادة؟ اختلف أهل العلم في ثبوت العادة للمبتدأة على ثلاثة أقوال: القول الأول: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية، والمشهور عند الشافعية (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩﴾ [الأعراف] فسمى الثاني عودًا وهو لم يسبق إلا مرة واحدة (٤). القول الثاني: تثبت العادة بمرتين. وهو قول أبي حنيفة ووجه للشافعية ورواية في مذهب الحنابلة (٥). قال ابن قدامة: الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنِ الْمُعَاوَدَةِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ (٦).

стр. 599

وقال الشوكاني: قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة (من عاد إليه يعود: إذا رجع) فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر، وأقل التكرر يحصل بمرتين (١). القول الثالث: تثبت العادة بثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). والراجح: أن المبتدأة التي جاءتها العادة مرة ثم في المرة الثانية إن استحاضت، فلها أن ترجع إلى عادتها الأَولى وتمكث نفس عدد الأيام، والله أعلم. * * *

стр. 600

الفصل الثاني صفة الغسل من الحيض وفيه تمهيد وأربعة مباحث تمهيد بين يدي الغسل من الحيض وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: نجاسة دم الحيض. المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟ المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟ المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض. صفة الغسل من الحيض وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض. المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض. المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض. المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.

стр. 601

صفة الغسل من الحيض ويشتمل على تمهيد ومباحث تمهيد: بين يدي الغسل من المحيض وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: نجاسة دم الحيض. قال الشوكاني: واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين. المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُزال دم الحيض النجس إلا بالماء، وبه قال بعض الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسنة. أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. وجه الدلالة: ما قاله النووي (٢): ذَكَرهُ امْتِنَانًا، فَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحْصُلِ الِامْتِنَانُ. أما السنة: فهو ما ورد في الصحيحين: من حديث أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ» (٣).

стр. 602

وفي الصحيحين: من حديث أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». فكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على أن طهارة النجاسة لا تكون إلا بالماء. القول الثاني: أن النجاسة تُزال بأي مزيل طاهر، وهو المشهور من مذهب الحنفية وهو قول ابن تيمية (٢). واستدلوا بحديث سَلْمَانَ وفيه: أن النبي ﷺ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ (٣). فدل ذلك على إزالة النجاسة بالأحجار، وهذا فيه دلالة على أنه لا يتعين إزالة النجاسة بالماء. وروى أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا» (٤). فدل ذلك على تطهير النعلين بالتراب، وهذا دلالة على عدم تعين الماء في إزالة النجاسة. وروى أحمد عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» (٥).

стр. 603

فدل ذلك على تطهير ثوب المرأة بالتراب وهو تطهير بغير الماء. الراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل فالنجاسة عين خبيثة فإذا زالت بأي مزيل طهرت وجد، والله أعلم. المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟ لا يجب التكرار في غسل النجاسات، ففي الصحيحين من حديث أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ» (١). وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قال النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (٢). قوله ﷺ : «فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ» أمر بالغسل ولم يحدد عددًا معينًا، ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي ﷺ ، فدل ذلك على أنه لا يُشترط عدد معين إلا في غسل الكلب فإنه يغسل سبع مرات لأن النص ورد فيه. المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض: اختلف أهل العلم في علامة الطهر عند الحائض: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم الحائض ورأت الجفوف فقد طهرت، وبه قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهو انقطاع الدم، فإذا رأت الجفاف فقد طهرت.

стр. 604

وذهب الإمام مالك إلى أن المرأة إذا رأت القَصة البيضاء فقد طهرت، وإذا كانت ممن لا يرى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف (١). روى مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ» (٢)، تُرِيدُ بِذلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. واختلف العلماء في معنى القصة البيضاء على قولين: القول الأول: ما قاله الحافظ: هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَدْفَعُهُ الرَّحِمُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، قَالَ مَالِكٌ: سَأَلْتُ النِّسَاءَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُنَّ يَعْرِفْنَهُ عِنْدَ الطُّهْرِ (٣). القول الثاني: أن معنى القَصة البيضاء أن تخرج القطنة بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة والكدرة، فيكون ذلك علامة نقائها وطهرها. والراجح: أن النساء على قسمين: قسم ترى السائل الأبيض عند الطهر فتنتظر حتى تراه، وقسم من النساء لا ترى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف. والله أعلم. * * *

стр. 605

صفة الغسل من الحيض وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض. قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ (١). وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فلا يجوز إتيان الحائض إلا بشرطين: الأول: انقطاع الدم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. الثاني: الاغتسال بعد انقطاع الدم لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وروى البخاري من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (٢). المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض. اختلف العلماء في حكم النية في الغسل من المحيض على قولين: القول الأول: أن النية شرط في صحة الغسل من المحيض، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا … ﴾.

стр. 606

وجه الدلالة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ وهذا يكون بالنية، إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. فدل ذلك على أن النية شرط في صحة الغسل. وفي الصحيحين من حديث عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». وفي الحديث نفي أن يكون هناك عمل شرعي بدون نية. القول الثاني: أن النية سُنة في الغسل من المحيض، وهو مذهب الحنفية (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». «إِنَّمَا يَكْفِيكِ» هذا حصر ولو كانت النية واجبة لذُكْرت. والراجح: قول الجمهور، أي أن النية شرط في صحة الغسل، وأمر النية سهل ويسير ومجبول عليه الإنسان، فلا يحتاج إلى تطويل حتى ذُكر أن الإنسان إذا أراد أن يفعل الشيء بدون نية فهذا فعل ما لا يطاق، ولذا فإن فعل جميع المسلمين صحيح في الغسل والصلاة والصوم وغيرذلك من حيث النية، والله أعلم. المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض، أو: هل تسمي لغسل الحيض أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الحنفية والشافعية (٢) إلى استحباب التسمية قبل غسل الحيض. واستدلوا بما روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْر الله، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» (٣).

стр. 607

وذهب الحنابلة إلى أنه تجب التسمية قبل غسل المحيض (١). واستدلوا بأنه لما كان التسمية واجبة في الطهارة الصغرى عندهم وجبت في الكبرى لأنها صغرى وزيادة. وذهب بعض العلماء إلى أن التسمية لا تُشرع؛ لأنه لم ينقل في صفة غسل النبي ﷺ ذِكْر التسمية، ولو كانت التسمية واجبة أو مستحبة لذُكرت، وما كان ربك نسيًّا. المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة. ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الوضوء في غسل الجنابة. قال الحافظ: قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَة غيرُ وَاجِب (٢). وقال ابن عبد البر لِأَنَّ الله إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أيضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله ﷺ وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْل (٣). ودل على ذلك عموم قول النبي ﷺ للذي أصابته الجنابة: «خذ هذا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْك». ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ ، فدل ذلك على أن الواجب تعميم البدن بالماء، وأن الوضوء سنة. وقال النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ : (وإنما) تفيد الحصر، فدل ذلك أن الواجب هو إفاضة الماء وتعميم الجسد.

стр. 608

الفصل الثالث ما يحرم على الحائض وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع. المطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر الله وتسبحه مقدار الصلاة؟ المطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصلِّ، فهل تقضي هذه الصلاة؟ المبحث الثاني: الصوم، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم بالإجماع. المطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان فهل يجب عليها إمساك بقية اليوم؟ المطلب الثالث: في صحة صوم المرأة إذا طهرت من الحيض قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر. المطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم حاضت في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟ المبحث الثالث: تحريم وطء الحائض، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها. المطلب الثاني: إذا جامع الرجل امرأته وهي حائض فهل تجب عليه كفارة؟ المبحث الرابع: يحرم الطواف على الحائض.

стр. 609

الفصل الثالث ما يحرم على الحائض المبحث الأول الصلاة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع. قال ابن رجب: وقد حكى غير واحد مِنْ الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة (١). وقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنِ الْحَائِضِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِ (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» (٣). والأدلة على تحريم الصلاة على الحائض متوافرة. المطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر الله وتسبحه مقدار الصلاة؟ قال النووي: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وُضُوءٌ وَلَا تَسْبِيحٌ وَلَا ذِكْر فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: الْأَوْزَاعِيُّ

стр. 610

وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ، حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ (١). وقال ابن نجيم من الحنفية: وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ فِي مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ (٢). واستدلوا بما روى الطبراني: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَدَ الْعَبَّاسَ ذَوْدًا مِنْ إِبِلٍ فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ فَبِتُّ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ كَثِيرٍ فَتَوَسَّدْتُ الْوِسَادَةَ الَّتِي تَوَسَّدَهَا رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ قَامَ ﵇ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَأَقَلَّ هِرَاقَةَ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَافْتَتَحَ وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ حَائِضًا، فَقَامَتْ فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ قَعَدَتْ خَلْفَهُ تَذْكُر الله (٣). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . قال ابن رجب: وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله بمقدار تلك الصلاة (٤). فعن الحسن يقول في الحائض: تتوضأ عند كل صلاة وتذكر الله (٥). عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - فِي الْحَائِضِ تُنَظِّفُ وَتَتَّخِذُ مَكَانًا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاة تَذِكْر اللَّهَ فِيهِ (٦). ورُوي عن عقبة بن عامر وأبي جعفر محمد بن علي ولا يصح عنهما. قال ابن رجب: وأنكر ذلك أكثر العلماء. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح: قِيلَ لِأَبِي قِلَابَةَ: الْحَائِضُ تَسْمَعُ الْأذَانَ فَتَوَضَّأُ وَتُكَبِّرُ

стр. 611

وَتُسَبِّحُ؟ قَالَ: «قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَمَا وَجَدْنَا لَهُ أَصْلًا» (١). قال النووي: إذَا قَصَدَتِ الطَّهَارَةَ تَعَبُّدًا مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَتَأْثَمُ بِهَذَا لِأَنَّهَا مُتَلَاعِبَةٌ بِالْعِبَادَةِ، فَأَمَّا إمْرَارُ الْمَاءِ بِغَيْرِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ فَلَا تَأْثَمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الحائِضَ إذا أَمْسَكَتْ عَنِ الطَّعَامِ بِقَصْدِ الصَّوْمِ أَثِمَتْ وَإِنْ أَمْسَكَتْ بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَأْثَمْ (٢). والراجح: أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذِكْر في أوقات الصلاة، ولكن يستحب لها الإكثار من ذِكْر الله، وقد قال النبي ﷺ لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وتفعل الحائض كل شيء من ذِكْر لله ورمي وسعي وغيره من أفعال الحج إلا الطواف، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه فدل ذلك على الإكثار من ذِكْر الله للحائض وغير ذلك من العبادات التى لا يشترط له الطهارة، والله أعلم. المطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصلِّ، فهل تقضي هذه الصلاة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على خمسة أقوال: القول الأول: أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت لا يجب عليها القضاء، وهو قول الحنفية، ورواية عند المالكية وبعض الشافعية (٣). قال ابن حزم: بُرْهَانُ قَوْلِنَا هُوَ أَنَّ الله تَعَالَى جَعَلَ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا مَحْدُودًا أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَفِي آخِرِ وَقْتِهَا، فَصَحَّ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ لَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا لَيْسَ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ، فَإِذًا هِيَ لَيْسَتْ عَاصِيَةً فَلَمْ تَتَعَيَّنِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بِعُدُولِهَا تَأْخِيرَهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهَا حَتَّى حَاضَتْ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَكَانَ مَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ مُضِيِّ مِقْدَارِ تَأْدِيَتِهَا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا قَاضِيًا لَهَا لَا مُصَلِّيًا، وَفَاسِقًا بِتَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَمُؤَخِّرًا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ (٤).

стр. 612

القول الثاني: إذا حاضت المرأة قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، ولم تكن صلت العصر، وكذا لو حاضت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة، فإنها تجب عليه بعد ما تطهر، وكذا باقي الصلوات. وهو المشهور من مذهب المالكية (١). واستدلوا بما روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ» (٢). فإذا حاضت المرأة قبل الوقت بأقل من ركعة ولم تُصَلِّ الوقت، وجب عليها إذا طهرت أن تقضي هذا الوقت، أما إذا حاضت والباقي من الوقت مقدار ركعة أو أكثر فإنها تسقط الصلاة عنها، وذلك بأنه إذا بقي من الوقت مقدار ركعة، فقد حصل لها العذر فسقطت، وإن بقي أقل من ركعة ولم تصلِّ فهذه الصلاة في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت. القول الثالث: إن أدركت من الوقت مقدارًا يسع تلك الصلاة، ولم تكن صلت وجب عليها القضاء إذا طهرت، وإن كان أقل من ذلك لم يجب ذلك. وهو مذهب الشافعية (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فهذا في أول الوقت ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فهذا آخر الوقت. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللهِ» (٤). دل ذلك أن الوجوب من أول الوقت إلى آخره. واعترض عليه بأن الحديث موضوع. القول الرابع: أن الحائض إذا أدركت من الصلاة قدر تكبيرة الإحرام وجب عليها

стр. 613

القضاء. وهو قول الحنابلة (١). واستدلوا بما روى البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْر قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» (٢). وجه الدلالة: قوله ﷺ : «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً»، أي مقدار السجدة، وهي جزء يسير من الوقت قد يقارب تكبيرة الإحرام. واعترض عليه بأن المراد بالسجدة هنا الركعة، فروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا» (٣) وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ. وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ ﴿، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِه» (٤). والمراد بسجدتين: ركعتين. قال القرطبي: أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة (٥). القول الخامس: لا قضاء على المرأة إذا حاضت في وقت الصلاة. واستدلوا بأن هذا الفعل مما عمت بها البلوى وهو متواجد في النساء، ولو كان أداء الصلاة واجبًا لبينه ﷺ لأمته. والراجح في هذه المسألة: أن المرأة إذا حاضت في الوقت قبل أن تصلي فإذا طهرت تقضي هذا الوقت، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين والله أعلم.

стр. 614

المطلب الرابع: إذا طهرت الحائض قبل المغرب بربع ساعة ثم اغتسلت فلم تنته إلا بعد أذان المغرب فهل تصلي العصر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجب عليها صلاة العصر؛ لأنها طهرت من الحيض، فكما أنها لو طهرت قبل الفجر في ليالي رمضان ثم اغتسلت بعد الفجر أنه يصح صومها، فكذا الصلاة، وهو قول عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: أنه لا يجب عليها القضاء. وهو قول المالكية وقول عند الشافعية (٢). قال ابن حزم: فَإِنْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِمِقْدَارِ مَا لَا يُمْكِنُهَا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَلَا تَلْزَمُهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. ثم قال: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا أنَّ الله لَمْ يُبِحِ الصَّلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ، وَقَدْ حَدَّ اللهُ تَعَالَى لِلصَّلَوَاتِ أَوْقَاتَهَا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّهُورُ وَفِي الْوَقْتِ بَقِيَّةٌ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تُكَلَّفْ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي لَمْ يَحِلَّ لَهَا أَنْ تُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتِهَا (٣). والراجح: أن تلك الصلاة تجب عليها لأنها لو طهرت قبل الفجر من المحيض ثم اغتسلت بعد الفجر فإنه يصح صومها، فكذا الصلاة فقد تطهر قبل انقضاء وقت الصلاة ثم تغتسل بعد انتهاء وقتها فعليها القضاء، والله أعلم. المبحث الثاني: الصوم، وفيه مطالب: المطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم. قال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ على أنَّ الحائضَ والنفساءَ لا تَجبُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَلَا الصَّوْمُ فِي الْحَالِ (٤).

стр. 615

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». وتقضي الحائض الصوم بالإجماع. روى مسلم عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟! فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ». المطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان، فهل يجب عليها إمساك بقية النهار؟ إذا طهرت الحائض أثناء النهار فلا يجب عليها إمساك بقية يومها؛ لأن أقل الصوم يوم، فإذا جاز لها الأكل أول النهار جاز لها آخره. وكيف تكلف بإمساك يوم أفطرت في أوله وسوف تقضيه؟! (١). المطلب الثالث: المرأة تطهر من الحيض قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الفجر. ذهب جمهور العلماء إلى أن صومها صحيح. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ … وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] أن الله أباح المباشرة حتى طلوع الفجر، فالغسل يكون بعد الفجر. وعن أم سلمة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي»، وفي رواية: «يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ». قال سحنون: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى الطُّهْرَ فِي آخِرِ لَيْلَتِهَا مِنْ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: إنْ رَأَتْهُ قَبْلَ الْفَجْرِ اغْتَسَلَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَصِيَامُهَا مُجْزِئٌ عَنْهَا (٢). وقال ابن المنذر: وإذا أصبح المرء جنبًا، أو كانت امرأة حائضًا فطهرت آخر الليل ثم

стр. 616

أصبحا صائمين يغتسلان (١). المطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟ إذا جامع الرجل امرأته في رمضان وهي طاهرة برضاها ثم نزل الحيض هل عليه الكفارة؟ ذهب بعض الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا جومعت في رمضان برضاها ثم نزل عليها الحيض أنه تجب عليها الكفارة (٢)، واستدلوا بأن الحيض طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ عذر (٣). وذهب الحنفية وقول عند الشافعية إلى أن لا كفارة عليها (٤). واستدلوا بأن الحيض لما نزل عليها في ذلك اليوم الذي جومعت فيه أسقط عنها الكفارة؛ لأنه يجب عليها قضاؤه. واعترض عليه: بأن الحيض نزل عليها بعدما استقرت في ذمتها الكفارة. الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن المرأة إذا جومعت برمضان برضاها ثم نزل عليها الحيض أنها تجب عليها الكفارة، والله أعلم. المبحث الثالث: الطواف للحائض، وفيه مطالب: المطلب الأول: يحرم على الحائض الطواف. اتفق العلماء على أنه لا يصح طواف الحائض.

стр. 617

قال النووي: وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا طَوَافٌ مَفْرُوضٌ وَلَا تَطَوُّعٌ وَأَجْمَعُوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شئ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ (١). قال ابن عبد البر: الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا (٢). وقد قال النبي ﷺ لعائشة: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». المطلب الثاني: في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة. أجمع العلماء على صحة إحرام الحائض والنفساء، وأن الحيض والنفاس لا يمنع صحة الإحرام (٣). وقال النبي ﷺ لعائشة: «وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» مع أن عائشة حائض، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض، ومثل ذلك النفساء. المطلب الثالث: في المرأة إذا اضطرت للطواف وهي حائض. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح طواف الحائض وإن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، وبه قال المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة (٤). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». القول الثاني: أن المرأة الحائض إذا اضطرت أن تخرج من مكة قبل الطهر فإنها تجبر بدم

стр. 618

شاة أو بدنة لأنه الطهارة عندهم واجبة وليست بشرط. وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج]. قال السرخسي: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّوَرَانِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُحْدِثِ وَالطَّاهِرِ، فَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِيهِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَمِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالنَّصِّ فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَا يُوجِبَ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَالرُّكْنِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِمَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ، فَأَصْلُ الطَّوَافِ رُكْنٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَالطَّهَارَةُ فِيهِ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَكُونُ مُوجِبُ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ فَلَمْ تَصِرْ الطَّهَارَةُ رُكْنًا، وَلَكِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالدَّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبَاتِ فِي بَابِ الْحَجِّ (٢). واعترض عليه بأن خبر الواحد يوجب العلم ويعمل به، ولو قلنا بأن خبر الواحد لا يُقبل فإن كثير من أحكام الشريعة تضيع. القول الثالث: أن المرأة إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها. وهو قول ابن تيمية وابن القيم. واستدلوا بعموم قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣). وروى البخاري: عَنْ عِمْرَانَ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٤).

стр. 619

قال ابن القيم: وَلَا رَيْبَ أَنَّ وُجُوبَ الطَّهَارَةِ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِهَا فِي الطَّوَافِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِلَا طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ بَاطِلَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعُرْيَانِ، وَأَمَّا طَوَافُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ وَالْعُرْيَانِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَإِنْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَالِ (١). وقال ابن القيم في موضع آخر: ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَلَا بَيْنَ زَمَنِ إمْكَانِ الِاحْتِبَاسِ لَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ وَبَيْنَ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ النَّصِّ. المطلب الرابع: يباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة. قال النووي: وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تُمنع من شيء من مناسك الحج إلى الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره. قلت: فدل هذا الإجماع على أن الحائض لا تمنع من السعي بين الصفا والمروة. وفي الصحيحين قال النبي ﷺ لعائشة: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». فدل ذلك على أن الحائض لا تمنع من المناسك إلا الطواف. قال ابن حزم: وَلَهَا أَنْ تَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْهَ إلَّا عَنِ الطَّوَافِ [بِالْبَيْتِ] فَقَطْ (٢). وقد يشكل أنه كيف نقل الإجماع على جواز سعي الحائض بين الصفا والمروة وورد حديث يخالف ذلك؟!. فعن عائشة أنها قالت: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ

стр. 620

أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِي». واعترض عليه بأن زيادة: «وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» شاذة، (١) ولا تصح. المطلب الخامس: في المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج. القول الأول: أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج، فإنها تُدخل الحج على العمرة فتصير قارنة وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بما روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ (٣). وروى مسلم من حديث جابر وفيه أن عائشة قالت: قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ!!» فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» (٤).

стр. 621

قلت: فهذا يدل على أن عائشة كانت قارنة. وقال ابن عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَبْتَدِئِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَتِهِ هَذَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (١). قال ابن قدامة: إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ، فَمَعَ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى (٢). قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ. من الأدلة: قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن النبي ﷺ أمر من كان معه هدي أن يهل بالحج مع العمرة. القول الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج عليها أن ترفض عمرتها وتهل بالحج (٣). واستدلوا بأن عائشة لما شكت إلى النبي ﷺ أنها حائض ولم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قال النبي ﷺ : «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» (٤). وفي رواية: «ارْفُضِي عُمْرَتِكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» (٥). وجه الدلالة: ارْفُضِي عُمْرَتِكِ أو وَدَعِي الْعُمْرَةَ. وأيضًا: قول عائشة: يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ.

стр. 622

فكل هذا يدل على أن عائشة كانت مُفْرِدة بالحج وأنها نقضت عمرتها وإن اعتمرت بعد الانتهاء من الحج وذهبت إلى التنعيم مع عبد الرحمن واعتمرت بعد ذلك، وقال النبي ﷺ : «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ». واعترض على هذه الاستدلالات من وجهين: الوجه الأول: أعل بعض أهل العلم لفظة: ارْفُضِي عُمْرَتِكِ أو دَعِي الْعُمْرَةَ. قال ابن قدامة: فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «اُنْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَدَعِي الْعُمْرَةَ». انْفَرَدَ بِهِ عُرْوَةُ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَالْقَاسِمِ، وَالْأَسْوَدِ، وَعَمْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ، وَطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، حَدِيثَ حَيْضِهَا، فَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهَا: «دَعِي الْعُمْرَة، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي». وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ (١). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُخَالَفَتِهِ بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ، يَدُلُّ عَلَى الْوَهْمِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ وَالْأُصُولَ، إذْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فِيهِ رَفْضُ الْعُمْرَةِ مَعَ إمْكَانِ إتْمَامِهَا. وقال ابن القيم: تَعْلِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَرَدُّهَا بِأَنَّ عروة انْفَرَدَ بِهَا، وَخَالَفَ بِهَا سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا طَاوُوسٌ والقاسم والأسود وَغَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ (٢). قلت: وقد تابع عروة القاسم كما في الموطأ؛ لأن رسول الله قال: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» (٣). الوجه الثاني: ما قاله ابن عبد البر: جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَدَعِي عَمَلَ الْعُمْرَةِ يَعْنِي الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَذَلِكَ تَأَوَّلُوا فِي رِوَايَةِ مَنْ

стр. 623

رَوَى وَاسْكُتِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَيِ أمْسِكِي عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ بِرَفْضِهَا وَابْتِدَاءِ الْحَجِّ وَإِنْشَائِهِ كَمَا زَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ (١). وقال ابن القيم: قَوْلَهُ: «دَعِي الْعُمْرَةَ»، أَيْ دَعِيهَا، بِحَالِهَا لَا تَخْرُجِي مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَهَا، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». الثَّانِي: قَوْلُهُ: «كُونِي فِي عُمْرَتِكِ». قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رَفْضِهَا لِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ. والحاصل: أن الجمع بين هذه الأحاديث أن عائشة أحرمت بالعمرة وأنها لم تترك العمرة بل تركت أعمالها وأدخلت الحج في العمرة، ودل على ذلك قول عائشة: «وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ»، كما في الصحيحين. أما الجواب عن قوله: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ»، فهو ما قاله ابن القيم: قَوْلُهُ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» فعائشة أَحَبَّتْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ طَوَافَهَا وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، وَأَنَّ عُمْرَتَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَجِّهَا، فَصَارَتْ قَارِنَةً، فَأَبَتْ إِلَّا عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَمَا قَصَدَتْ أَوَّلًا، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ، قَالَ: «هِذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» (٢). المطلب السادس: طواف الوداع يسقط عن الحائض. قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع (٣).

стр. 624

وفي الصحيحينعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلاَّ حَابِسَتَكُمْ!! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَانْفِرِي» (١). وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ (٢). المبحث الرابع: وطء الحائض، وفيه مطالب: المطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها. نقل غير واحد من أهل العلم تحريم جماع الزوجة في فرجها حال الحيض، منهم ابن المنذر والنووي وابن قدامة وابن حزم والقرطبي وغيرهم كثير (٣). ويحل للرجل فعل كل شيء مع امرأته من الاستمتاع والمباشرة إلا الجماع (٤). روى مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ: فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ:

стр. 625

كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا (١). وروى البخاري عن عائشة قالت: وَكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ (٢). وفي الصحيحين من حديث أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ (٣). قال النووي: فَفِيهِ جَوَازُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ مُلَاقَاةِ الْبَشَرَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَوْ يَمْنَعُ الْفَرْجَ وَحْدَهُ عِنْدَ مَنْ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا الْفَرْجَ. وروى الطبري: أَنَّ مَسْرُوقًا، رَكِبَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: مَا لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَتْ لَهُ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا فَرْجَهَا (٤). قال ابن رجب: واحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج مِنْ الحائض. وهي أعلم الناس بهذه المسألة، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها (٥). المطلب الثاني: في كفارة من جامع امرأته وهي حائض. من جامع امرأته وهي حائض فيجب عليه التوبة والاستغفار. وهل تجب عليه الكفارة؟ من رأى الكفارة استدل بما روى أحمد عن ابن عباس عن النبي

стр. 626

ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ (١).

стр. 627

ذهب ابن حزم بأنه لا يجب على من أتى امرأة في حيضها إلا التوبة والاستغفار (١). واستدلوا بما قاله ابن عبد البر: وحجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة، اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة وأن الذمة على البراءة ولا يجب أنه لا يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة (٢). وأما دليلهم من المأثور بأنه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار فما ورد عن أبي قلابة أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في المنام أبول دمًا قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض فاستغفر الله ولا تعد (٣). واعترض عليه بأنه لم يدرك أبو قلابة أبا بكر، ولكن صح هذا المعنى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي وقال عطاء: لم أسمع فيه بكفارة معلومة فليستغفر الله (٤). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . قال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ اضْطِرَابُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَأَنَّ الذِّمَّةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، ولا يجب ان يثبت فيها شيئ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ وَلَا مَطْعَنَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ

стр. 628

الْمَسْأَلَةِ (١). وقال ابن المنذر: فَالْكَفَّارَةُ لَا يَجُوزُ إِيجَابُهَا إِلَّا أَنْ يُوجِبَهَا اللهُ أَوْ يُثْبَتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَوْجَبَهَا، وَلَا نَعْلَمُ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ حُجَّةً تُوجِبُ ذَلِكَ (٢). وقال ابن حزم: إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول الرسول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (٣). المبحث الرابع: تحريم طلاق الحائض. أجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم بدعي مخالف للسنة، ودل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٤). * * *

стр. 629

الفصل الرابع الاستحاضة وفيه ثمانية مباحث المبحث الأول: تعريف الاستحاضة. المبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة. المبحث الثالث: المستحاضة تعمل بالعادة أم بالتمييز؟ المبحث الرابع: حكم الاستحاضة المعتادة غير المميزة. المبحث الخامس: المستحاضة المتحيرة وفيه مطلبان: المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد. المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت. المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء. المبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء. المبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثًا أم لا؟

стр. 630

الفصل الرابع الاستحاضة وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: تعريف الاستحاضة: في اللسان: الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد (١). المبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة: الفرق الأول: أن دم الحيض يميل إلى السواد ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة. روى البخاري (٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي. وجه الدلالة ما قاله ابن رجب: وفي حديث عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته (٣). وعن أنس بن سيرين قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي (٤). قال ابن رجب: البحراني: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد (٥). وروى أبو داود: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا

стр. 631

كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» (١). وَقَالَ مَكْحُولٌ: «إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ» (٢). الفرق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَنَقُولُ: إذَا كَانَ الدَّمُ يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِئًا ثَخِينًا مُحْتَدِمًا وَأَيَّامًا رَقِيقًا إلَى الصُّفْرَةِ أَوْ رَقِيقًا إلَى الْقِلَّةِ، فَأَيَّامُ الدَّمِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ الْمُحْتَدِمِ الثَّخِينِ أَيَّامُ الْحَيْضِ وَأَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ (٣). الفرق الثالث: أن دم الحيض منتن الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له (٤). الفرق الرابع: أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد (٥). وإن كانت هذه الفروق لا دليل عليه من الكتاب والسنة سوى أن دم الحيض يميل إلى السواد، فقد تكون هذه الصفات لدم الحيض من خلال التجربة والمشاهدة. المبحث الثالث: المستحاضة هل تعمل بالعادة أم بالتمييز؟ اختلف أهل العلم في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين: القول الأول: أن المستحاضة تعمل بالعادة دون التمييز، ومثاله: امرأة لها عادة معلومة سبعة أيام، ثم جاءها الدم، فجلست عدتها فإن تمادى بها فإنها تمكث سبعة أيام ثم تغتسل

стр. 632

وتصلي، وهو مذهب الحنفية ووجه عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة (١). واستدلوا بما روت عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ،: أن أَمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (٢). وجه الدلالة من هذين الحديثين أن المرأة المستحاضة تمكث قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتصلي، ولم تؤمر أن تميز دم الحيض من الاستحاضة. القول الثاني: أن المرأة المستحاضة تعمل بالتمييز دون العادة. قال الرملي: (وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ) الْمُمَيِّزَةِ (بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ) الْمُخَالِفَةِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) (٣). واستدل لهذا القول بعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». قال الحافظ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ المرأةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ (٤). وقال ابن رجب: وأما قول النبي: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» فقد اختلف العلماء في تأويله: فتأوله الأكثرون، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزًا، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردَّها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء

стр. 633

دم غيره فإنها تغتسل وتصلي (١). فالحاصل: إنْ تميز دم الحيض من الاستحاضة فتعمل بالتمييز، وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة. المبحث الرابع: حكم المستحاضة المعتادة غير المميزة: ذهب جمهور العلماء إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي (٢). واستدلوا بعموم قول النبي لفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لما قَالَتْ: «إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قال النبي ﷺ لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». وذهب الإمام مالك إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس زيادة على حيضها ثلاثة أيام لا تصلي ولا تصوم ولا يطؤها زوجها (٣). واستدلوا بما روى البيهقي: أَنَّ ابْنَةَ مَرْثَدٍ الأَنْصَارِيَّةَ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: تَنَكَّرْتُ حَيْضَتِى. قَالَ: «كَيْفَ؟». قَالَتْ: تَأْخُذُنِي فَإِذَا تَطَهَّرْتُ مِنْهَا عَاوَدَتنِي. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتِ ذَلِكَ فَامْكُثِى ثَلَاثًا» (٤). واعترض عليه بأنه لا يصح. وقال ابن عبد البر: فَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ الِاسْتِظْهَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَبِينَ فِيهَا انْقِضَاءُ دَمِ الْحَيْضِ

стр. 634

مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إِذْ حَدَّ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي انْفِصَالِ اللَّبَنِ. والراجح أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي لعموم قول النبي ﷺ لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». المبحث الخامس: المتحيرة وفيه مطلبان: المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد: امرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة أو ستة. الراجح أنها تنظر كم يومًا تحيض أمها أو أختها، فإذا كانت أمها تحيض خمسة أيام، فإنها تمكث خمسة أيام ثم تغتسل وتصلي. المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت: امرأة تقول: عدد أيام حيضتي ستة أيام ولكني لا أدري في أي وقت من الشهر. الراجح: أن دم الحيض له صفات معينة يميز بها عن الاستحاضة، فعليها أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت دم الحيض لأنه دم جبلة ثم الباقي يكون دم الاستحاضة. المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء: اختلف أهل العلم في هل يجب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء أم لا: فذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب غسل الفرج، واختلفوا في هل يكفي غسله مرة واحدة أو تغسله لكل صلاة؟ قال النووي: وَأَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ وَحَشْوِهِ وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعهَا زَوَالًا لَهُ تَأْثِيرٌ أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ وَجَبَ التَّجْدِيدُ وَإِنْ لَمْ تَزُلِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ،

стр. 635

كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ (١). وفي كشاف القناع: (وَلَا يَلْزَمُهَا إذَنْ إعَادَةُ شَدِّهِ، وَ) لَا إعَادَةُ (غَسْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ تُفْرِطْ) فِي الشَّدِّ لِلْحَرَجِ، فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الشَّدِّ وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَعَادَتْهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي». قال ابن رجب: اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أن الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهورلكن الأصح هنا: أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإن الأمر الاغتسال، وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط (٣). وذهب الحنفية إلي أنه لا يجب غسل الفرج من دم الاستحاضة. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (٤). وجه الدلالة ما قاله الكاسانى: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَفَى الْحَرَجَ فِي تَرْكِهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ فِي تَرْكِهِ حَرَجٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِي الْمَفْرُوضِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْه (٥). واعترض عليه بأن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء وإنما يرجع إلى الايتار.
следующие страницы →