← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147311

مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات

ابن بلبان الحنبلي

Полный текст (520 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تمْديدُهُ بالتَّلْيينِ والماءِ الحارِّ، فَعَلَ ذَلِكَ، وإن لم يُمْكِنْ ذَلِكَ إلَّا بِعَسْفٍ، تَرَكَه بحَالِه، فإن كانَ على صِفَةٍ لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ على النَّعْشِ إلَّا على وَجْهٍ يَشْتَهِرُ بِالمُثْلَةِ، تُرِكَ في تابُوتٍ أو تَحْتَ مِكَبَّة، كما يُصْنَعُ بالمرْأَةِ. ويُسَنُّ قَصُّ شَارِبِهِ، وتقليمُ أَظْفارِهِ، وأخذُ شَعْرِ إبْطَيْهِ إن طالت ما لم يَكُن مُحْرِمًا، وجَعْلُ ذَلِكَ مَعهُ كَعضوٍ سَاقِطٍ. وحَرُمَ حَلْقُ رأْسِهِ وأَخْذُ عانتِهِ وخَتْنُهُ. وإن كَانَ المَيِّتُ مَقْطوعَ الرَّأْس أو الأَعْضاءِ لُفِّقَ بعضُها إلى بَعْضٍ بالتَّقْمِيطِ والطِّينِ الحُرِّ، حَتَّى لا يَتبَيَّنَ تَشْويهُه، ويُبْقَى عَظْم نَجِسٌ جُبِرَ به مع خَوفِ مُثْلَة. ويُمْسَحُ على الجبيرةِ إن خِيفَ مُثْلَة بقلعِهَا، ويُنْزَعُ خَاتمٌ وحَلْقَة ونحوُهما ولو ببَرْدِهِ، لا أَنفُ ذَهَب. ويُسَنُّ ضَفْرُ شَعْرِ المرْأَةِ ثلاثَ ضَفَائِرَ قَرْنَيْها ونَاصيتِها، ويُسْدَلُ خَلْفَها. فإذا فَرَغَ مِن غَسْلِهِ، نَشَّفَه بثَوْبٍ نَدْبًا. ويُجَنَّبُ مُحْرِمٌ ماتَ ما يُجَنَّبُ حَيًّا لبقاءِ الإحرامِ، لكن لا يَجِبُ الفِدَاءُ على الفَاعِل به ما يُوجبُ الفِدْيَةَ. ويُسْتَرُ على نَعْشِهِ بشيءٍ، ويُكَفَّنُ في ثوبَيْه، وتَجوزُ الزِّيادةُ كَحلالٍ، فَيُغَسَّلُ بماءٍ وسِدْرٍ، ولا

стр. 177

يُلْبَسُ ذَكَرٌ المَخِيطَ، ولا يُغَطَّى رأسُهُ ولا وجْهُ أنْثَى، ولا يُقَرَّبُ طِيبًا، ولا تُمْنَعُ منه مُعْتَدَّةٌ، ولا يُوقَفُ بعَرَفَةَ، ولا يُطافُ بِهِ. ويَجِبُ بقاءُ دَمِ شهيدٍ عليه إلَّا أن يخالِطَهُ نَجاسَةٌ فَيُغْسَلا، ودفنُهُ في ثيابِهِ التي قُتِلَ فيها بعد نَزع لامَةِ حَرْبٍ ونحو فَرْوةٍ وخُفٍّ، ومن سَقَطَ من شاهِقٍ، أو دابةٍ لا بفعلِ العَدوِّ، أو ماتَ بِرَفْسَةٍ أو حَتْفَ أَنْفِهِ، أو وُجِدَ مَيِّتًا ولا أثرَ به، أو عادَ سَهْمُهُ عليه، أو حُمِلَ فَأَكَلَ أو شَرِبَ أو نَامَ أو بَالَ أو تَكَلَّمَ، أو عَطَسَ، أو طَالَ بقاؤُهُ عُرْفًا فكغيرِهِ. وسِقْطٌ لأَكْثَرَ من أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - كمولودٍ - حَيًّا، وتُسَنُّ تسمِيَتُهُ ولو وُلِدَ قبلها، وإن جُهِلَ أذكَرٌ أم أُنْثَى سُمِّيَ بصَالح لهما؛ كَطَلْحَةَ وهِبَةُ اللَّهِ، ويُصَلَّى على طفلٍ حُكِمَ بإسلامِهِ. ومن يُمِّمَ لِعَدمِ الماءِ وصُلِّىَ عليه ثُمَّ وُجِدَ قَبْلَ دفنِهِ وَجبَ غُسْلُهُ، وإن وُجِدَ فيها بَطَلَتْ. فَائِدَةٌ: والشُّهداء غيرُ شهيد المَعْرَكَةِ بِضْعَةٌ وعِشْرُونَ كُلُّهم يُغسَّلُونَ ويُصَلَّى عَليهم وهم: المَطْعُونُ، والمَبْطُونُ، والغَرِيقُ، والشَّرِيقُ، والحَرِيقُ، وصَاحِبُ الهَدْمِ، وذاتُ الجَنْبِ، والسِّلِّ، وصَاحِبُ اللَّقْوَةِ، والصَّابِرُ في الطَّاعُونِ، والمُتَردِّي من رُؤُوسِ الجِبَالِ، ومَن مَاتَ في سَبيلِ اللَّهِ، ومَن طَلَبَ الشَّهادَةَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، ومَوْتُ المُرَابِطِ، وأُمَناءُ الَّله في الأَرْضِ، والمجْنُونُ، والنُّفسَاءُ،

стр. 178

واللَّدِيغُ، ومن قُتِلَ دُونَ مالِهِ أو أَهْلِهِ أو دِينِه أو دَمِه أو مَظْلَمتِهِ، وفريسُ السَّبُعِ، ومَنْ سَقَطَ عَن دَابَّتِهِ، ومِن أَغْرَبِها مَوْتُ الغَريبِ. وكُلُّ شَهِيدٍ غُسِّلَ صُلِّيَ عليه وجُوبًا، ومَن لا فَلا. تَتِمَّةٌ: ويَحْرُمُ سُوءُ الظَّنِّ بمسلمٍ ظَاهِرِ العَدالةِ، ويَجِبُ على غَاسِلٍ وطبيبٍ سَتْرُ قَبِيحٍ. ويُسَنُّ إظهار خيرٍ إلَّا المشهور بِبِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أو قلة دينٍ أو فُجُورٍ ونَحْوِهِ فيُسَنُّ إظهارُ شَرِّهِ وستْرُ خَيرِهِ، ولا يُشهَدُ لأَحد بِجَنَّةٍ ولا نارٍ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ له النبي ﷺ . فَصْلٌ في الكَفَنِ ويَجِبُ كَفَنُه ومُؤْنَةُ تَجْهِيزِه غيرُ حَنُوطٍ وطِيبٍ في مَالِه مُقدَّمًا على دَينٍ ولو بِرَهْنٍ، وعلى أَرْشِ جِنَايةٍ وغيرهِمَا لِحَقِّ اللهِ وَحَقِّ المَيِّتِ ثَوبٌ واحِدٌ يَسْتُرُ جميعَ البَدَنِ، فلو أَوْصَى بِأَقَلَّ أو لا تَلِيقُ بِهِ لم تَصِحَّ. ويُشْتَرَطُ ألَّا يَصِفَ البشَرَةَ. وَيَجِبُ مَلْبُوسُ مثلِهِ في الجُمَعِ والأَعيادِ ما لم يُوصِ بِدُونِهِ، ويُكْرَهُ أَعْلَى، فإن عَدِمَ فعلى من تَلْزَمُهُ نفقتُهُ إلَّا الزَّوْج، ثُمَّ من بيتِ المَالِ إن كان مُسْلِمًا، ثمَّ على مُسْلِمٍ عَالِمٍ به. ومَن نُبِشَ وسُرِقَ كَفَنُهُ كُفِّنَ من تَرِكَتِهِ ثانِيًا وثالِثًا ولو قُسِمَتْ ما

стр. 179

لم تُصْرَفْ في دَيْنٍ أو وصيَّةٍ، وإن فُقِدَ وبقي كفنُهُ فما من مالِهِ فهو تَرِكَةٌ وما تُبرِّعَ به فَلِمُتبَرِّعٍ وما فَضَلَ مِمَّا جُبِي فلربِّهِ، فإن جُهِلَ فَفِي كفنٍ لآخَر، فإن تعذر تُصُدِّقَ بِهِ. ولا يُجْبَى كَفَنٌ لِعَدَمٍ، إن أمكنَ سَتْرُهُ بحَشِيشٍ ونَحْوِهِ. ويُكْرَهُ في رَقِيقٍ يَحْكي هَيْئَةَ البَدَنِ، وبشَعْرٍ وصُوفٍ بلا حَاجةٍ، وبمُزَعْفَرٍ، وَمُعَصْفَرٍ ولو لامْرَأَةٍ حَتَّى المَنْقُوشِ، ويَحْرُمُ بجُلُودٍ وحَريرٍ ومُذَهَبٍ مُطْلقًا، ويجوزُ ضَرُورَةً، ويكونُ ثَوْبًا واحِدًا. وأَفْضَلُ الأَكفانِ البَيَاضُ، وأفْضَلُهُ القُطْنُ، ويُسَنُّ تَكفِيْنُ الرَّجُلِ في ثلاثِ لَفائِفَ بيضٍ وأَحْسَنُها أَعْلاها، وتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وتعميمُهُ. ويُكفَّنُ صغيرٌ في ثَوْبٍ، ويجُوزُ في ثلاثةٍ ما لم يرثه غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وصغيرةٌ في قميص ولِفَافَتَيْنِ فَيَبْسُطُ بعضَ اللَّفائِفِ فَوْقَ بَعْضٍ، ويُبَخِّرُها بِالعودِ بَعْدَ رَشَها بماءِ وَرْدٍ وغيره، ثُمَّ يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقيًا، ويجعَلُ الحَنُوطَ -وهو أخْلاطٌ من طِيبٍ- فيما بَينها لا على ظَهْرِ العُلْيَا، ويَجْعَلُ في قُطْنٍ بَيْنَ ألْيَتَيْهِ، ويَشُدُّ فَوْقَهُ خِرقْةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفَيْنِ كالتُّبَّانِ تَجْمَعُ ألْيَتَيْهِ وَمثَانَتَهُ، وكَذلِكَ في المخارج النَّافِذَةِ، ويَجْعَلُ الباقي على مَنافِذِ وَجْهِهِ ومَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَمَغَابِنه. ويُطَيِّبُ رَأْسَهُ ولِحْيَتَه، وإن طُيِّبَ كُلُّهُ ولو بِمِسْكٍ غيرَ داخِلِ عَيْنَيْه فهو حَسَنٌ، ويُكْرَهُ داخِلَهما وبِوَرْسٍ وَزَعْفَرانٍ وطَلْيُهُ بِصَبِرٍ أو غيره ليُمَسِّكَهُ ما لم يُنْقَلْ، والطِّيبُ والحَنُوطُ سُنَّةٌ.

стр. 180

ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ العُلْيَا من الجانِبِ الأَيْسَرِ على شِقِّه الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْمَنِ على الأَيْسَرِ، ثُمَّ الثَّانيةُ كَذَلِكَ، ويَجْعَلُ ما عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُها إن خَافَ انْتِشَارِها، وتُحَلُّ في القَبْرِ، ولا يُحَلُّ الإِزارُ. ويُسَنُّ تكفِينُ امرَأَةٍ وخُنْثى في خَمْسَةِ أثوابٍ: إزَارٍ وخِمَار، وقميصٍ، ولِفَافتين، ويُسَنَّ تَغْطِيةُ نَعْشٍ بأَبْيَضَ، وكُرِهَ بغَيرِهِ. فَائِدَةٌ: وإن ماتَ مُسَافِرٌ، كَفَّنَهُ رَفِيقُه مِن تَرِكَتَهِ، فإن تَعَذَّرَتْ فمِنه، ويأخُذُه من تَرِكَتِهِ، أو مِمَّن تَلْزَمُه نَفَقَتُهُ إن نَوَى الرُّجُوع أو استأْذَنَ حَاكِمًا لا إن نَوى التَّبَرُعَ، وإن كان للميت كفَن واضطَر إليه حيٌّ لِبَرْدٍ ونحوِهِ فالحَيُّ أَحقُّ بِهِ، وإن كان لِحَاجَةِ الصَّلاة فالميتُ أَحَقُّ بكفَنِهِ ولو لِفَافَتَيْنِ ويُصَلّي عليه عُرْيانًا. فَصْلٌ في الصَّلاةِ عَلَيْهِ تُبَاحُ في المَسْجِدِ إن أُمِنَ تلويثُهُ وإلَّا حَرُمَ، وَيسْقُطُ فرضُها بِمُكَلَّفٍ، وَتُسَنُّ جَمَاعَةً ولو صَلَّى نِسَاءٌ، إلَّا على النبي ﷺ فلا؛ احْتِرامًا له وتَعْظيمًا، وأن لا تَنْقُصَ الصُّفُوفُ عن ثلاثةٍ، والأَوْلى بها وصِيُّهُ العدلُ، فَسَيِّدٌ برقيقِهِ، فالسُّلْطان، فنائِبُهُ الأَميرُ، فالحَاكِمُ وهو القَاضِي، ثُمَّ أقرب العَصَبةِ، ثُمَّ ذَوو أَرْحَامِهِ، ثُمَّ

стр. 181

الزَّوْجُ، ومع التَّساويْ يُقَدَّمُ الأَوْلَى بالإِمَامَةِ، فإن اسْتَووْا في الصِّفَاتِ، أُقْرعَ. ويُقَدَّمُ الحُرُّ البَعيدُ على العَبْدِ القَرِيبِ، والعَبْدُ المُكَلَّفُ على الصَّبِيِّ والمَرْأَةِ. فإن اجْتَمَعَ أَوْلِياءُ مَوْتَى قُدِّمَ الأَوْلَى بالإِمامَةِ، ثُمَّ يُقْرَعُ مع التَّسَاوِي. وَلِوَليِّ كُلِّ مَيِّتٍ أن يَنْفَرِدَ بِصَلاتِهِ على مَيِّتِهِ إن أَمِنَ الفَسَاد. وَمَنْ قَدَّمَهُ وليٌّ لا وَصِيٌّ فهو بِمَنْزِلَتِهِ، فإن بَدَرَ أَجْنَبِيٌّ وَصَلَّى بغيرِ إذْنٍ، فإن صَلَّى الوَليُّ خَلْفَه، صَارَ إذْنًا، وإلَّا فَلَهُ أن يُعِيدَ الصَّلاةَ، وإذا سَقَطَ فَرْضُها سَقَطَ التَّقْدِيمُ. ويُسَنَّ للإِمَامِ أن يَصُفَّهم، وأن يُسَوِّي صُفُوفَهم، والفَذُّ هُنا كغيرِها ويُسَنُّ أن يَقُومَ إمامٌ عِنْدَ صَدْرِ ذَكَرٍ، ووَسَطَ أُنْثَى، وبين ذَلِكَ منْ خُنْثَى. فإنِ اجْتَمَعَ رجَالٌ فقط، أو نِسَاءٌ فقط، أو خَنَاثى فقط، سَوَّى بَيْنَ رُؤوسِهِمْ. ويُقَدَّمُ إلى الإِمامِ وفي المَسِيرِ من كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَلُهُمْ، فإن تساوَوْا فَأَكبرُ، فإن تسَاوَوْا فَسَابِقٌ، فإذا تساوَوْا فَقُرْعَةٌ. وإن اجتمعَ أنواعٌ جُعِلَ وَسَطُ المرْأةِ حِذَاءَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وخُنْثَى بَيْنَهما، وَجَمْعُ المَوْتَى بِصلاةٍ واحدةٍ أفضلُ. والأَوْلَى مَعْرِفَةُ ذُكُورِيّتِهِ وأُنوثِيَّتِهِ، واسْمِه، وتَسْمِيَتُه في دُعائِهِ، ثم يُحْرِمُ كَمَا سَبَقَ، ويَضَعُ يَمينَه على شِمَالِهِ، وَيَتَعَوَّذُ ولا يَسْتَفْتحُ، ويُكَبِّرُ أربعَ تكبيراتٍ، يَقْرَأُ بَعْدَ الأُولى الفَاتحةَ فَقط سِرًّا ولو لَيْلًا، ويُصَلِّي على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ

стр. 182

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الثَّانية كما في التَّشَهُّدِ ولا يزيدُ عليه، ويَدْعُو بعد الثَّالِثَةِ سِرًّا. ويُسَنُّ بالمأْثُور فيقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنا، وصَغِيرِنا وكَبيرِنا، وَذَكَرِنا وأُنْثانا" (١)، إنَّكَ تَعْلَمُ مُنقَلَبنا، ومَثْوَانا، وَأَنْتَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ. "اللَّهُمَّ من أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيه عَلَى الإِسْلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوفَّه على الإِيمَانِ" (٢). "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، وعَافِهِ، واعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزَلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغْسِلْهُ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنوبِ والخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ من الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا من دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا من زَوْجِهِ، وأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ وأَعِذْهُ من عَذَابِ القَبْرِ وعَذَابِ النَّارِ، وَأَفْسِحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فيه" (٣). "اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ، ابنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ، وأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ،

стр. 183

وَلا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، اللَّهُمَّ إن كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بإحْسَانِهِ، وإن كانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ" (١). وإن كَانَ صغِيرًا أو بَلَغَ مَجنُونًا واسْتَمَرّ قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوالدَيْهِ، وَفَرطًا وأَجْرًا وشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهما، وَأَعْظِمْ به أُجُورَهما، وألحِقْه بِصَالِح سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، واجْعَلْه في كَفَالَةِ إبْراهيمَ، وقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الجَحِيمِ. وإن لم يَعْرِفْ إسْلامَ والِدَيْه، دَعا لَمَوالِيهِ. وَيقُولُ في دُعائِهِ لامْرَأة: اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ، ابْنَةُ أَمَتِكَ، نَزَلَتْ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ به. ولا يقُولُ: وَأَبْدِلْها زَوْجًا خَيْرًا من زَوْجِها! ويقولُ في خُنْثَى: هذا المَيِّتُ ونحوه. وإن عَلِمَ من المَيِّتِ غَيْرَ الخَيْرِ فلا يقولُ ولا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا. وَيقَفُ بَعْدَ الرَّابِعَة قليلًا، ولا يأتي بدعاءٍ ولا بغيرِهِ، ويُسَلِّمُ وَاحِدَةً عن يمينِه ويباحُ ثانيةً عن يسارِهِ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ مع كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. وَيُسَنُّ وقُوفُه مَكانَهُ حَتَّى تُرْفَعَ.

стр. 184

والواجِبُ من ذَلِكَ، القِيَامُ إن كانتِ الصَّلاةُ فَرْضًا، والتَّكْبِيراتُ الأَرْبَعُ، فإن تَرَكَ غَيْرُ مَسْبُوقٍ تكبيرةً عَمْدًا، بَطَلَتْ، وسَهْوًا يُكَبِّرُها ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، فإن طَالَ أو وُجِدَ مُنافٍ استأْنَفَ. والفَاتِحَةُ على إمامٍ ومُنْفَرِدٍ، والصَّلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ، ودَعْوَةٌ للمَيِّتِ، ولا تَتَعَيَّنُ في الثَّالِثَّةِ، بل يَجُوزُ في الرَّابِعَةِ، ويَتَعَيَّنُ غيرُهُ في مَحَالِّهِ، والتَّسْلِيمَةُ، وَلَو لَمْ يَقُلْ وَرَحْمَةُ الله. وَحضُورُ المَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ فلا تَصِحُّ على جَنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ، لأَنَّها كإِمام، ولا من وَرَاءِ حائِلٍ قَبْلَ الدَّفْنِ كحائِطٍ ونحوِه، لا مُسَامَتَةُ الإِمامِ للمَيِّتِ، لكن يُكْرَهُ تَركُها. ويُشْتَرَطُ إسلامُ المَيِّتِ، وتَطْهِيرُه بِماءٍ، أو تُرَابٍ لِعُذْرٍ، فإن تَعَذَّرا، صُلِّي عَلَيْهِ، وشُرُوطُ الصَّلاةِ إلَّا الوقتَ، لا معرِفَةُ عَيْنِ المَيِّتِ فَيَنْوِي على الحاضِرِ، وإن نَوَى أَحَدَ المَوتى اعْتُبِرَ تَعْيينُه، فإن بَانَ غَيْرَه لم تَصِحَّ. ولا تَجُوزُ الزِّيادَةُ على سَبع تكبِيراتٍ، ولا النَّقْصُ عن أرْبَع، والأَوْلَى ألا يَزِيدَ على الأَرْبَعِ، فإن زَادَ إمامٌ توُبِعَ إلى سَبعٍ، ما لم تُظَنَّ بِدْعَتُه أو رَفْضُه، فلا يُتَابَعُ، ولا يَدْعُو بَعْدَ الرَّابِعَة في المُتَابَعَةِ، ولا تَبْطُلُ بِمُجَاوَزَةِ سَبْعٍ، وَحَرُمَ سلامٌ قَبْلَهُ، وينبغي أن يُسَبَّحَ بهِ بَعْدَها.

стр. 185

وإن كَبَّرَ فَجِيءَ، بِأُخْرَى كَبَّرَ ثَانيةً، ونَواهُما، فإن جِيءَ بِثَالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ ونَوَى الجَنَائِزَ الثَّلاثَ، فإن جِيءَ بِرَابعةٍ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ ونَوى الكُلَّ، فَيصِيرُ مُكَبِّرًا على الأُولى أَرْبَعًا، وعلى الثَّانِيةِ ثَلاثًا، وعلى الثَّالِثَة ثِنْتَيْنِ، وعلى الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً، فَيَأْتِي بثَلاثٍ، يَقْرَأُ في الخَامِسَةِ، ويُصَلِّي على النَّبِيِّ ﷺ في السَّادِسَةِ، ويَدْعُو في السَّابِعَةِ. فإن جِيءَ بِخَامِسَةٍ لم يَنْوِها لِئَلَّا يُجاوِزَ السَّبْعَ تكبيراتٍ، بل يُصَلِّي عليها بَعْدَ سَلامِهِ، ولا تُرْفَعُ الأُولى قَبْلَ سَلامِ الإِمام. ويَقْضِي مَسْبُوقٌ على صِفَتِها، فإن خَشِيَ رَفْعَهَا تابَعَ التَّكْبِيرات. وإن سَلَّمَ ولَمْ يَقْضِ صحَّتْ، ويُتابِعُ الإِمامَ فيما هو فيه. ومَتَى رُفِعَتْ بَعدَ الصَّلاةِ لم تُوضَعْ لأَحَدٍ فَيُكْرَهُ. ومَنْ لم يُصَلِّ يُسَنُّ له أن يُصَلِّي إذا وُضِعَتْ قَبْلَ الدَّفْنِ أو بَعْدَهُ، ولَوْ جَمَاعَةً على القَبْرِ إلى شَهْرٍ من دَفْنِهِ، وزيادَةٍ يَسِيرَةٍ، ويَحْرُمُ بَعْدَها، وكذا حُكْمُ غَريقٍ ونحوِهِ. وَيُصَلِّى على غَائِبٍ عن البَلَدِ ولو دُون مسافَةِ قَصْرٍ بِالنِّيَّةِ إلى شَهْرٍ، ولا يُصَلِّى كُلَّ يَوْمٍ على كُلِّ غائِبٍ، وتُكْرَهُ إعادَتُها إلَّا إذا حَضَرَ مَن صلى عليه بالنِّيَّةِ، أو وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ صُلّي على بَقِيَّتِهِ فَتُسَنُّ إعَادتُها، أو صُلَّي عليه بلا إِذنِ مَن هو أَوْلَى مع حضورِهِ فَتُعادُ تَبَعًا.

стр. 186

وَيَحْرُمُ أن يُغَسِّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، أو يُكَفِّنَهُ أو يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، أو يَتْبَعَ جَنَازَتَه، أو يَدْفِنَه لكن يُوَارِيهِ لِعَدَمِ كَافِرٍ. ولا يُصَلَّى على مَأْكُولٍ في بَطْنِ سَبُعٍ، ومُسْتَحِيلٍ بإحْرَاقٍ ونحوهما. ولا يُسَنُّ للإِمامِ الأَعْظَمِ، وإمامِ كُلِّ قَرْيَةٍ وهو وَالِيها في القَضَاء الصَّلاةُ على غَالٍّ، وَهو مَنْ كَتَمَ شيئًا من غنيمَةٍ، ولا على قَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا، وإن اختلطَ أو اشتبهَ من يُصَلَّى عليه بغيرِهِ صُلِّيَ على الجَميع بنيةِ من يُصَلَّى عليه، وغُسِّلُوا وكُفِّنُوا ودُفِنُوا مع المسلمين إن لم يُمْكِنْ إفْرَادُهُم. وإن وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ تَحْقِيقًا -غيرُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ- غُسِّلَ، وَكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عليه، ودُفِنَ وجُوبًا بِنِيَّةِ ذَلِكَ البَعْضِ فقط، ثُمَّ إن وُجِدَ البَاقي صُلِّي عليه ودُفِنَ بِجَنْبِهِ، ولم يُنْبَشْ، ولا يُصَلَّى على ما بَانَ من حَيٍّ، كَيَدِ سَارِقٍ ونحوِهِ. وَيَحْرُمُ أن يُدْفَنَ المُسْلِمُ في مَقْبَرَةِ الكُفّارِ وبالْعَكْسِ، ولو انْدَرَسَتْ مقبرتُهُم فَجُعِلَتْ مَقْبَرَةً للمُسْلِمِينَ جَازَ، فإن بَقِيَ عَظْمٌ، جُعِلَ بمكانٍ آخَرَ، وغَيْرُها أولى. وإن وُجِدَ مَيِّتٌ ولم يَتَمَيَّزْ بِعَلامَةٍ، من خِتَانٍ، وثيابٍ، وغير ذَلِكَ، أَمُسْلِمٌ هو أمْ كافِرٌ؟ فإن كان في دارِ إِسْلامٍ غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليه، وإلَّا فلا.

стр. 187

وله بالصَّلاةِ قِيرَاطٌ، وهو أَمْرٌ معلُومٌ عِنْدَ اللهِ، وبتَمَام دَفْنِها قِيرَاطٌ بِشَرْطِ أن لا يُفَارِقَها من الصَّلاةِ حَتَّى تُدفَنَ. فَصْلٌ في حَمْلِهِ ودَفْنِهِ ويسقُطانِ، وتكفينٌ بِكافِرٍ، ويُكْرَهُ أَخْذُ الأُجْرَةِ عليها وعلى الغُسْلِ. وَيُسَنَّ أن يَحْمِله أَرْبَعَةٌ، وصِفَتُهُ: أن يَضَعَ قَائِمَةَ النَّعْشِ اليُسْرَى المُقَدَّمَةَ على كَتِفِه اليُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلى المُؤَخَّرةِ، ثُمَّ يَضَعُ قَائِمتَه اليُمْنى المُقدَمَّةَ على كَتِفِهِ اليُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى المُؤَخَّرَةِ (١). وإن حَمَلَ بَيْنَ العَمُوديْن كُلُّ واحِدٍ على عاتِقٍ كان حَسَنًا. ولا بَأْسَ بِحَمْلِ طِفْلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولا بِحَمْلِ المَيتِ بأعْمِدَةٍ، وعلى دَابَّةٍ للحَاجَةِ، ولا بالدَّفْنِ لَيْلًا، ويُكْرَهُ عِنْدَ طُلُوع الشَّمْسِ، وَغُرُوبِها، وقِيامِها. وَيُسَنُّ الإِسْرَاعُ بِهَا دون الخَبَبِ، مَا لَمْ يُخَفْ عليها مِنه، وكونُ ماشٍ أمَامَها، وراكبٍ -ولو سَفِينَةً- خَلْفَها، ويُكْرَهُ كَوْنُهُ أمَامَهَا لا كونُ ماشٍ خلفَها، ويُكْرَهُ رُكوبٌ لغيرِ حاجةٍ، وغيرِ عَوْدٍ، والقُرْبُ منها أفضَلُ. ويُكْرَهُ أن يتقدَّمَ إلى مَوضِع الصَّلاةِ عليها، وأن تُتْبَعَ بماءِ وَرْدٍ ونحوِه، أو بنَارٍ لغير حَاجَةِ ضوءٍ كالتبخيرِ عند خُرُوج روحِهِ.

стр. 188

ويُكْرَهُ جُلُوسُ من تَبِعَها قبل وَضعِهَا بالأَرضِ للدَّفْنِ إلَّا لِمَنْ بَعُدَ عَنها، وإن جاءتْ وهو جالِسٌ، أو مَرَّتْ بِه، كُرِهَ قيامُه لها. ويُكْرَهُ رَفع الصَّوْتِ والضَّجَّةِ عِنْدَ رَفْعِها ومَعَها ولو بِقِراءَةٍ وذكْرٍ، بل يُسَنُّ سِرًّا، وأن يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكّرًا في مَآلِه، مُتَّعِظًا بالمَوْت، وبِمَا يَصِيرُ إليه المَيِّتُ. ويُكْرَهُ التَّبَسُّمُ حِينَئذٍ، والضَّحِكُ أَشَدُّ، والتَّحَدُّثُ في أمْرِ الدُّنْيا، وكذا مَسْحُه بِيَدِهِ أو بشيءٍ عليها تَبَرُّكًا، وقَوْلُ القائِلِ مع الجَنَازَةِ: اسْتَغْفِروا له، ونحوُه، بِدْعَةٌ مَكْروهَة. وَيَحْرُمُ أن يتْبَعَها مع مُنكَرٍ عَاجِزًا عن إزَالَتِهِ نحو طَبْلٍ، ونِيَاحَةٍ، ولَطْمِ نِسْوَةٍ، وتَصْفِيقٍ، وَرَفْعِ أَصْواتِهِنَّ، ويَلْزَمُ القَادِرُ أن يتبعَهَا ويُنكرَ، فَلَو ظَنَّ إن تَبِعَهَا أُزِيلَ المُنْكَرُ لَزِمَهُ. وضرْبُ النِّساءِ بالدُّفِ مَعَها مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عنه اتفاقًا. وَيُسَنُّ أن يُدْخَلَ قَبْرَهُ مِن عند رِجْلَيْهِ، إن كانَ أسْهَلَ عَلَيْهم، وإلَّا مِن حيثُ سَهُلَ ثُمَّ سَواءٌ. ولا تَوْقِيتَ في عَدَدِ من يُدْخِلُه، بل بِحَسَبِ الحَاجَةِ. ويُكْرَهُ أن يُسَجَّى قَبْرُ رَجُلٍ إلَّا لِعُذْرٍ، ويُسَنُّ لامْرَأَةٍ. وَمَنْ مَاتَ في سَفِينَةٍ وتعَذَّرَ خُرُوجُه إلى البَرِّ، ثُقِّلَ بشيءٍ بَعْدَ غَسْلِهِ، وتكْفينِهِ، والصَّلاةِ عليْه، وأُلْقِىَ في البَحْرِ سَلًّا كإدْخَالِهِ القَبْرَ. وإن مَاتَ في بِئْرٍ أُخْرِجَ، فإن تَعَذَّرَ طُمَّتْ عليه، ومع الحاجَةِ إليها يُخْرَجُ مُطْلقًا.

стр. 189

وَأَوْلَى النَّاسِ بِتكْفِينٍ ودَفْنٍ أولاهُم بِغُسْلٍ، والأَوْلَى للأَحَقِّ أن يَتَولَّاه بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِنَائِبِه، ثمَّ مَن بَعْدَهم بِدَفْنِ رَجُلٍ الرِّجالُ الأَجَانِبِ، ثُمَّ مَحَارِمُه مِن النِّسَاء، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّاتُ. وبِدَفْنِ امْرَأَةٍ مَحارِمُهَا الرِّجال، ثُمَّ زَوْجُها، ثُمَّ الرِّجالُ الأَجَانِبُ، ثُمَّ محَارِمُها من النِّساءِ. وَيُقَدَّمُ مِنَ الرِّجَالِ خَصِيٌّ ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، ومن بَعُدَ عَهْدُه بِجِمَاعٍ، ولا يُكْرَهُ للرِّجالِ دَفْنُ امْرَأَةٍ، وَثَمَّ مَحْرَمٌ. واللَّحْدُ أَفْضَلُ، وهو أن يُحْفَرَ في أَرْضِ القَبْرِ مِمَّا يلي القِبْلَةَ مكانٌ يُوضَعُ فيه المَيِّتُ. ويُكْرَهُ الشَّقُّ بلا حَاجَة؛ وهو أن يُبْنَى جَانِبَا القَبْرِ بِلَبِنٍ أو غيرِهِ، أو يُشَقَّ وَسَطُه فيَصِيرَ كالحَوْضِ، ثُمَّ يُوضَعَ المَيِّتُ فيه، وَيُسْقَفَ عليه بِبَلاطٍ أو غيره. ويُسَنُّ تَعْمِيقُه وتَوْسِيعُه، قال الأَكْثَرُ: قَامَةً وَسَطًا، وَبَسْطَةً، وَيَكْفِي ما يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ والسِّبَاعَ! ويُنْصَبُ عليه اللَّبِنُ نَصْبًا، ويجوزُ بِبَلاطٍ. ويُكْرَهُ دَفْنُهُ في تَابُوتٍ، ولو امْرَأَةً، وإدخالهُ خشبًا أو ما مَسَّتْهُ النَّارُ. ويُسَنُّ قَوْلُ مَن يُدْخِلُهُ عِنْد وضعِهِ: "بِسْمِ اللهِ، وعَلَى مِلَّةِ

стр. 190

رسول الله" (١). وإن أَتَى عِنْدَ وَضْعِه وإِلْحَادِهِ بِذِكْرٍ، أو دُعاءٍ يَلِيقُ، فَلا بَأْسَ. ويُسَنُّ الدُّعاءُ لَهُ عِنْدَ القَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ واقِفًا وتَلْقِينُهُ، فيقُومُ المُلَقِّنُ عِنْدَ رأسه بعد تَسْويَةِ التُّرابِ عَلَيْهِ، فيقولُ: "يا فُلانَ ابنَ فُلانَةَ". ثلاثًا، فإن لم يَعْرِف اسمَ أُمِّهِ، نَسَبَه إلى حَوَّاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: "اذْكُرْ ما خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا، شَهَادَةَ أن لا إِلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وأَنَّكَ رَضِيتَ باللهِ رَبًّا، وبالإِسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبالقُرْآنِ إمَامًا" (٢)، وبالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبالمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأَنَّ النَّار حَقٌّ، وإن البَعْثَ حَقٌّ، وأنَّ السَّاعَةَ آتيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ من في القُبُورِ.

стр. 191

وَيُسَنُّ وَضْعُهُ في لَحْدِهِ على جَنْبِهِ الأَيْمَنِ، وَوَضْعُ لَبنَةٍ أَوْ حَجَرٍ أو شَيْءٍ مُرْتَفِع كما يَضَعُ الحَيُّ تَحْتَ رَأسِهِ، وتكْرَهُ مِخَدَّةٌ ومُضَرَّبَةٌ، وبِسَاطٌ تحتَهُ، ويسنَدُ خلْفَهُ وأمامَهُ بِتُرابٍ لِئَلَّا يَسْقُطَ، ويَجِبُ اسْتِقْبالُه القِبْلَةَ. ويُسَنَّ لِكُلِّ من حَضَرَ حَثْوُ التُّرابِ فيه ثَلاثًا باليدِ، ثُمَّ يُهَالُ. ويُسَنُّ رَفْعُ القَبْرِ قَدْرَ شِبْرٍ، ويُكْرَهُ فَوْقَهُ، وتَسْنِيمُه أَفْضَلُ مِن تَسْطِيحِهِ، إلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، إذا تَعَذَّرَ نَقْلُهُ، فالأَوْلَى إخْفَاؤُهُ. ويُسَنُّ أن يُرَشَّ عليه الماءُ، ويُوضَعَ عليْه حَصىً صِغَارٌ يُجَلَّلُ بِهِ ليحفَظَ تُرابَهُ. ولا بَأْسَ بتَطْيينِه وتَعْلِيمِه بِحَجَرٍ أو خشبة أو نَحْوِهُما. وَيُكْرَهُ البِنَاءُ عَليْه من قُبَّةٍ أوغيرها، والزِّيادةُ على تُرابه بلا حَاجَةٍ، وتزويقُهُ، وتَخْلِيقُه، ونحوُه، وتَجْصِيصُه، واتكاءٌ إليه، وَمَبِيتٌ، وحديثٌ بِأَمْرِ الدُّنْيا، وتَبَسُّمٌ عِنْدَهُ، وضَحِكٌ أشَدُّ، وكتابَةٌ، وجُلوسٌ، وَوَطءٌ عليْه، والطَّوافُ به، وتَبْخِيرُهُ، وتَقْبِيلُهُ، واستشفاءٌ بِتُرابه، وتَغْشِيةُ قُبُور الأَنْبياءِ والصَّالحين. وَيَحْرمُ التَّخَلِّي على القُبورِ أو بَيْنها، وإسراجُهَا، واتِّخَاذُ المَسْجِدِ عَلَيْهَا وَبَيْنِها، وَتتعَيَّنُ إزالتُهُ. ويُكْرَهُ المَشْيُ بِالنَّعْلِ فيها؛ فَيُسَنُّ خَلْعُهُ إذا دَخَلَها ما لَمْ يَخَفْ نَجَاسَةً أو شَوْكًا ونحوَه.

стр. 192

والدَّفْنُ في صَحْراءَ أَفْضَلُ إلَّا النَّبِيِّ ﷺ ، واخْتَار صَاحِبَاه الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا، ولم يُزَدْ؛ لأَن الخَرْقَ يَتَّسِعُ والمَكانُ ضَيِّقٌ، وجاءتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ على دَفْنِهم كَمَا وَقَعَ. ومن وصَّى بدفنِهِ بدارٍ أو أَرْضٍ بِمُلْكِهِ دُفِنَ مع المسلمين، وَمَن سَبَقَ إلى مسبلةٍ قُدِّمَ، وإن جاءَ اثنانِ معًا أُقْرعَ. وَلا بَأْسَ بِنَقْلِ المَيِّتِ إلى مكانٍ آخرَ بَعيدٍ لِغَرَضٍ صَحيح، كَبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ، ومُجَاوَرَةِ صَالحٍ، مع أَمْنِ التَّغَيُّر، إلَّا الشَّهِيدَ حَتَّى لو نُقِلَ رُدَّ إليه. ويجوز نبشه لتحسين كفنه وإفراده عمن دفن معه. وَيُسَنُّ جَمْعُ الأَقارِبِ في البِقَاعِ الشَّرِيفَةِ، وما كَثُرَ فيه الصَّالِحُون. ويَحْرُمُ قَطْعُ شيءٍ من أطرافِهِ وإتلافُه وإحراقُهُ ولو أَوْصى بِهِ، ولا ضَمَانَ فيه، ولِوَليِّهِ المحاماةُ عنه. وإن آلَ إلى إتلافِ الطَّالِب فلا ضمان، وإن دُفِنَ بلا غُسْلٍ مع الإِمكانِ أو بلا كَفَنٍ أو صلاةٍ أو إلى غيرِ القِبْلَةِ، لَزِمَ نَبْشُهُ لِذَلِكَ. وَيَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ في قَبْرٍ واحِدٍ، إلَّا لضَرُورَةٍ أو حَاجَةٍ، ويُسَنُّ الحَجْزُ بينهما بِتُرابٍ، وأن يُقَدَّمَ إلى القِبْلَةِ من يُقَدَّمُ إلى الإِمامِ في الصَّلاةِ. وإذا صَارَ رَمِيمًا جَازَتِ الزِّراعةُ وحرثُهُ وغير ذلك مَا لم يُخَالِف شَرْطَ واقفِهِ.

стр. 193

ويَحْرُمُ حَفْرُهُ في مُسَبَّلَةٍ قَبْلَ الحَاجِة، وأن يُدْفَنَ معه حُلِيٌ أو ثيابٌ غيرُ كفنِهِ، وخرقُ كَفَنِهِ أو ثيابِهِ، وكسْرُ أوانيهِ ونحوِها، وَدَفْنُهُ في مَسْجِدٍ ونحوِه، ويُنْبَشُ، وفي مِلْكِ غيرِه. ولِلْمَالِكِ إلزامُ دافنِهِ بِنَقْلِهِ والأَوْلى تَرْكُهُ، وإن وَقَعَ في القَبْر ما لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا أو رَمَاهُ ربُّه فيه نُبِشَ وأُخِذَ، وإن كُفِّنَ بثوبٍ غَصْبٍ أو بَلَع مَالَ غَيْرِه بِغَيرِ إذْنه ويبقَى كخاتمٍ وطلبَهُ رَبُّه لم يُنْبَشْ، وَغُرِمَ ذَلِكَ من تَركَتِه، كَمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ تَجِبُ قيمتُه منها، فإنْ تَعَذَّرَ الغُرْمُ نُبِشَ وأُخِذَ الكفَنُ، وَشُقَّ جوفُه لأَجْلِ المالِ إن لم تُبْذَلْ له قِيمتُهُ. وإن بَلَعَهُ بإذن رَبِّه أُخِذَ إذا بَلِيَ. ولا يُعَرَّضُ لَه قَبْلَهُ، ولا يَضْمَنُهُ، وإن بَلَعَ مَالَ نفسِهِ، لَمْ يُنْبَشْ قَبْلَ أن يَبْلَى، إلَّا أن يَكُونَ عليه دَيْنٌ. ولو مَاتَ وَلَهُ أنفٌ ذَهَبٌ، لم يُقْلَعْ، ويأخذُ بائعه ثمنَهُ من تركتِهِ، ومَع عَدَمِها يَأخُذُهُ إذا بَلِيَ. فَائِدَةٌ: وإنْ ماتَتْ حَامِلٌ بِمَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ حَرُمَ شَقُّ بطْنِها، وتَسْطُوا عليه القَوابِلُ فَيُخْرِجْنَهُ، فإن تَعَذَّرَ تُرِكَ حَتَّى يموتَ ولا تدفنُ قبلَهُ، ولو خَرَجَ بَعْضُهُ حيًّا شُقَّ حَتَّى يَخرُجَ، فلو ماتَ قبل خروجِهِ أُخْرِجَ وغُسِّلَ، وإن تَعَذَّرَ خُروجُهُ تُرِكَ وغُسِّلَ ما خرجَ منه، وأَجْزَأ، وما بَقِيَ في حُكْمِ البَاطِنِ لا يُيَمَّمُ لَهُ، وصلي عليه معها.

стр. 194

وإن مَاتَتْ ذِميَّةٌ حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ دَفَنها مُسْلِمٌ وَحْدَها إن أَمْكَنَ، وإلَّا فمَعَ المسلمين، وجَعَلَ ظَهْرَها إلى القِبْلَةِ على جَنْبِها الأَيْسَر، ولا يُصَلَّى عليه؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مولودٍ ولا سِقْطٍ. ويَلْزَمُ تَمْيِيزُ قُبُورِ أهل الذِّمَّة، ويُصَلَّى على مُسْلِمَةٍ حَامِلٍ، وحَمْلِها إن مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرهِ، وإلَّا عَلَيْها دُونَه. ويُسَنُّ أن يُصْلَحَ لأَهْلِ المَيِّت طَعَامٌ يُبْعَثُ إليهم ثلاثًا، لا لِمَنْ يَجْتَمعُ عِنْدَهم فيُكْرَهُ، كفعْلِهم ذَلِكَ للنَّاسِ والأَكل مِنْه، وكَذَبْحٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَأَكْلٍ منه، وَأَنْكَرُ من ذَلِكَ أن يُوضَعَ الطَّعامُ والشَّرابُ على القَبْرِ ليأخُذَهُ النَّاسُ. وإخراجُ الصَّدَقَةِ مع الجَنَازَةِ بِدْعَةٌ مكروهَةٌ، وكذا الصَّدَقَةُ عِنْدَ القَبْرِ. فَصْلٌ يُسَنُّ لِذُكُورٍ زِيارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ بلا سَفَرٍ، وتُبَاحُ لِقَبْرِ كافِرٍ، ولا يُسَلِّمَ عليه، بَلْ يقولُ له: أَبْشِرْ بِالنَّارِ. ولا يُمْنَعُ من زِيَارَةِ قريبهِ المُسْلِم، وتُكْرَهُ للنِّسَاءِ غير النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ فيُسَنُّ. فإن عُلِمَ أنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ حَرُمَتْ. وإن اجتازَتْ بِقَبْرٍ في طريقها فَسَلَّمَتْ عليه، ودَعَتْ له فَحَسَنٌ. وَيَقِفُ الزَّائِرُ أمامَ القَبْرِ ويقربُ منه، ولا بَأْسَ بِلَمْسِ القَبْرِ باليدِ، وأما التَّمَسُّحُ بِهِ والصَّلاةُ ونحو ذَلِكَ فَبِدْعَةٌ مكروهَةٌ.

стр. 195

ويُسَنُّ لمن زَارَها أَو مَرَّ بها أن يَقُولَ مُعَرِّفًا: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وإنَّا إن شَاءَ الله بِكُمْ لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمينَ مِنْكُمْ والمُسْتَأْخِرينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا ولَكُمُ العافية" (١)، "اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، واغْفِرْ لَنا وَلَهُمْ" (٢)، ونحوه. فَائِدَةٌ: تُسَنُّ تَعْزيةُ المُصَاب بالمَيِّتِ قَبْلَ الدَّفْنِ أو بعدَهُ، حَتَّى الصَّغيرِ والصَّدِيقِ ونحوِهِ، ومن شَقَّ ثوبَهُ وينبغي أن ينهاهُ، ويُكْرَهُ استدامَةُ لبسِهِ إلى ثلاثٍ، والتَّعْزِيةُ بَعْدَها وتكرارُهَا، والجلوسُ لأَجلها، والمَيِّتُ عِنْدَهُم، ولِشَابّةٍ أجنبيةٍ. فيقولُ في تَعْزِيَةِ المُسْلِمِ بِمُسْلِمٍ: "أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وأَحْسَنَ عَزَاكَ وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ"، وبكافر: "أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاكَ". ويَحْرُمُ تَعْزِيَةُ الكَافِرِ. ويقولُ المُعَزَّى: "اسْتَجَابَ اللهُ دُعاءَكَ، وَرَحِمَنا وإيَّاك"، ويجوزُ بِغيرِ ذَلِكَ فِيهِما. ولا بَأْسَ أن يَجْعَلَ المُصَابُ عليه علامةً يُعرفُ بها لِيُعَزَّى. تَنْبِيهٌ: يُسَنَّ له أن يَسْتَرْجِعَ فيقول: "إنَّا للهِ وإِنَّا إليه رَاجِعُونَ،

стр. 196

اللَّهُمَّ آجُرْنِي في مُصِيبَتِي، واخْلُفْ لي خَيْرًا مِنْها" (١)، ويُصَلِّي رَكْعَتَيْن، وَيَصْبِرُ، وَيجِبُ من الصَّبْرِ ما يمنَعُ من مُحَرَّمٍ مُطْلَقًا. ويُكْرَهُ له تَغْييرُ حَالِهِ، من خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِه، وغَلْقِ حَانُوتِهِ، وتَعْطِيلِ مَعاشِهِ ونحوه. ولا يُكْرَهُ البُكاءُ على المَيِّتِ، قَبْلَ المَوْتِ وبعْدَه. ويَحْرُمُ النَّدْبُ، وهو البُكَاءُ مع تَعْدِيدِ مَحَاسِنِه، والنِّياحَةُ، وهي رَفْعُ الصَّوْتِ بذلك بِرَنَّةٍ، وشَقُّ الثِّيابِ، وَلَطْمُ الخُدودِ، والصُّرَاخُ، وخَمْشُ الوَجْهِ، ونَتْفُ الشَّعْرِ، ونَشْرُهُ وَحَلْقُهُ وكُلُّ ما يُشْبِهُ إظهارَ تَظَلُّمٍ من ظَالِم. ويُبَاحُ يَسيرُ النُّدْبَة الصِّدْقِ، إذا لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ النَّوْحِ، ولا قَصَدَ نَظْمَهُ، نَحو: يا ولدَاهُ يا أَبَتَاهُ. تَتِمَّةٌ نَفِيسَةٌ: كُلُّ قُرْبَةٍ فَعلَها المُسْلِمُ وجَعَلَ ثَوابها أَو بَعْضَهُ كَنِصفٍ ونحوِهِ لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أو مَيِّتٍ جَازَ ولو جَهِلَهُ، وَنَفَعَهُ ذَلِكَ بحصولِ الثَّواب لَهُ حَتَّى لرسول الله ﷺ من تَطَوِعٍ وواجبٍ كَحَجٍ، وصَلاةٍ، وصَوْمٍ، ودُعاءٍ، واستغفارٍ، وعِتْقٍ، وصَدَقَةٍ، وأُضحِيةٍ، وأَداءِ دينٍ، وقراءَةٍ وغيرِ ذَلِكَ. ويُسَنُّ إهداءُ ذَلِكَ فيقول: اللَّهُمَّ أَثِبْني بِرَحْمَتِك على ذلك، واجْعَل ثَوابَهُ لِفُلانٍ.

стр. 197

ويُسَنُّ ما يُخَفِّفُ عن المَيِّتِ، ولو بجعلِ جريدةٍ رَطْبَةٍ في القَبْر، وفي معناه غَرْسُ غيرِها. ويُسَنُّ الذِّكْرُ والقِراءَةُ عنْدَهُ، والله أَعْلَمُ (١)

стр. 198

كتَابُ الزَّكَاةِ وَهِيَ فَرْضُ عَينٍ على كُلِّ مُسْلِمٍ مَلَكَ نِصَابًا مُلْكًا تَامًّا، وإنما تَجِبُ في بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ، وبَقَرِ الوَحْشِ، وغَنَمِهِ، والمُتَوَلِّدِ بَيْنَ ذَلِكَ وغيرِهِ، والخَارِجِ من الأَرْض، والنَّخْلِ، والأَثْمَانِ، وعُروضِ التِّجَارَةِ، ولا تَجِبُ في غَيْرِ ذَلِكَ. وشُروطُ وجوبِهَا خَمْسَةٌ: الإِسْلامُ، فلا تَجِبُ على كَافِرٍ ولو مُرْتَدًّا. والحُرِّيَّةُ، لا كمالُهَا فَيُزَكي مُبَعَّضٌ ما ملَكَهُ بحريتِهِ، ولا على رَقِيقٍ ولو مُكَاتِبًا. الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ، تَقرِيبًا في أَثمانٍ وعُرُوضٍ، وتحديدًا في غيرِهِما ولو مَغْصُوبًا، وَيَرْجِعُ بِزَكَاتِهِ على غَاصِبِهِ، أو ضَالًّا، أو غَائِبًا، أو مَسْروقًا، أو مَدْفُونًا مَنْسِيًّا، أو موروثًا جَهِلَهُ، أو عند من هو ونحوه، ويُزَكِّيه إذا قَدَرَ عليه، أو مَرْهُونًا، ويُخْرِجُها راهنٌ مِنْهُ بلا إِذْنٍ إن تَعذَّرَ غيرُهُ، ويَرجِعُ عليه مُرْتَهِن بها إدْا أيسرَ، أو دينًا، وإنما يَجِبُ أَداءُ زكاتِهِ إذا قَبَضَهُ. الرَّابِعُ: تَمَامُ المِلْكِ، فلا زَكاةَ في دَينِ الكِتَابَةِ، ولا في سَائِمَةٍ،

стр. 199

وغيرِها مَوقُوفَةِ على مَسْجِدٍ ورِبَاطٍ ونحوِهما، أو على آدَميٍّ غيرِ مُعيَّنٍ كالمَسَاكينِ، ولا في حِصَّةِ مُضَارِبٍ قَبْلَ القِسْمَةِ. ويُزَكِّي رَبُّ المَالِ حصتَهُ منه كالأَصل لِمُلْكِهِ بظهورِهِ. الخامسُ: تَمامُ الحَوْل، ولا يَمْنَعُ نَقْصُ نصفِ يومٍ. وَتَجِبُ في مَالِ الصَّغِيرِ والمجنونِ، وَيَمْنَعُ وجوبَهَا دَيْنٌ ينقصُ النِّصَابَ. ومَتَى قَصَد ببيْع ونحوِهِ الفِرارَ منها بَعد مُضيِّ أكثرِ الحَوْلِ حَرُمَ ولم تسقُطْ. وإن قَالَ لم أقصِدِ الفرارَ قُبِلَ ما لم تَدُلَّ عليه قرينةٌ. ولو أَتْلَفَ المَالَ بعد الحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ من أَدائِهَا ضَمِنَها. ولا تسقُطُ بتلفِ المالِ، إلَّا الزَّرْعَ والثَّمَرَ إذا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ حَصَادٍ وجَدادٍ، وإلَّا الذي لم يدخُلْ تَحْتَ يَدِه كالدُّيُونِ. فائدة: وديونُ الله مِن زكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، ونَذْرٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، ودَيْنِ حَجٍّ، سَواءٌ، فإذا مَاتَ مَن عليه شَيءٌ منها، أُخِذَتْ من تَرِكَتِهِ، فَيُخْرِجُهُ وارثٌ مُكَلَّفٌ وَوَلِيُّ غيرِه، فإن كان مَعَها دَيْنُ آدَميٍّ وضَاقَ مَالُه، اقْتَسَموا بالحِصَص إلَّا إذا كانَ بِرَهْنٍ فيُقَدَّمُ. وَتُقَدَّمُ أُضْحِيةٌ مُعيَّنَةٌ عليه، وَنذْرٌ بمُعَيِّنٍ على زَكَاةٍ ودَيْنٍ، وكذا الحُكْمُ إذا أَفْلَسَ حَيٌّ.

стр. 200

بَابُ زَكاةِ السَّائِمَةِ وَهِيَ الإِبلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، ولا تَجِبُ فيها إلَّا بِشَرْطِ أن تُتَّخَذَ لِلدَّرِّ والنَّسْلِ، وأن تكونَ سَائِمَةً، وهي التي تَرْعَى المُبَاحَ أكْثَرَ الحَوْلِ، ولا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ السَّوْمِ، ولا شيءَ فيها حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا، فَنِصَابُ الإِبلِ خَمْسٌ فيها شَاةٌ، ولا يُجْزِئُ بَعِيرٌ ولا بَقَرَةٌ ولا نِصْفَا شَاتَيْن. وفي عَشْرِ شَاتَانِ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثٌ، وعشرين أَرْبَعٌ، وفي خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخاضِ، وفي سِتٍّ وثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفي سِتٍّ وأرْبَعِين حِقةٌ، وفي إِحْدَى وستينَ جَذَعَةٌ، وفي سِتٍّ وسَبْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ، وفي إِحْدى وتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، وفي مِئَةٍ وإِحْدَى وعِشْرِين ثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، ثُمَّ في كُلِّ أَرْبَعين بنتُ لَبُونِ، وفي كُلِّ خمسينَ حِقَّةٌ. تَنْبِيهٌ: بِنْتُ المَخَاض مَا تَمَّ لها سَنَةٌ، واللَّبُون سَنتَانِ، والحِقّةُ ثَلاثٌ، والجَذَعَةُ أَرْبَعٌ، والشَّاةُ حيثُ أُطْلِقتْ في هذا البابِ وغيره، فالمُرادُ بها جَذَعَةُ الضَّأْنِ، وهي ما تَمَّ لها سِتةُ أَشْهُرِ، وثَنِيَّةُ المَعْزِ ما تَمَّ لَهَا سَنَةٌ. وَنِصابُ البَقَرِ أَهْلِيَّةً كانَت أو وَحشيّةً ثلاثون وفيها تبيعٌ، وفي

стр. 201

أَرْبَعينَ مُسِنَّةٌ، وفي ستينَ تبيعانِ، ثُمَّ في كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وفي كُلِّ أربعينَ مُسِنّةٌ. تنبيهٌ: التَّبِيعُ ابن سَنَةٍ، والمُسِنَّةُ بنتُ سنَتَيْنِ. ونِصَابُ الغَنَمِ أهليَّةً كانت أو وَحْشِيَّةً أربعونَ وفيها شاةٌ، وفي مائَةِ وإِحدى وعشرينَ شَاتَانِ، وفي مائَتينِ وَوَاحِدَةِ ثَلاثُ شِيَاهٍ إلى أَرْبَعِ مَائَةِ، ثُمَّ في كُلِّ مَائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، ولا يُؤْخَذُ ذكرٌ، ولا هَرِمَةٌ، ولا مَرِيضَةٌ ولا مَعِيبَةٌ لا يُضَحَّى بها إلَّا إن يكونَ الكُلُّ كَذَلِكَ، ولا الرُّبَى (١) ولا حَامِلٌ، ولا طَرُوقَةُ الفَحْلِ، ولا كَرِيمَةٌ، ولا أَكُولَةٌ إلَّا برضا رَبِّها، وتُؤْخَذُ صَغِيرةٌ من صغارِ غَنَمٍ لا بَقَرٍ وإِبِلٍ، فلا تجزئُ فُصْلانٌ وعَجَاجِيلُ؛ بل يُؤْخَذُ كَبيرةٌ بالقِسْطِ فَيُقَوَّمُ النِصَابُ من الكِبَار ويقوَّمُ فَرْضُهُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الصِّغَارُ، ويُوخَذُ عنها كبيرةٌ بالقِسْطِ. وإذا اختلَطَ اثنان فأَكْثرُ من أهل الزكاةِ في نِصَابِ مَاشيةٍ لَهُمْ جَمِيعَ الحَوْلِ، واشتَرَكا في المَبِيتِ، والمَسْرَحِ، والمَحْلَبِ، والفَحْلِ، والمَرْعَى زَكيَّا كالواحِدِ، ولا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الخُلطة، ولا اتِّحَادُ مَشْرَبٍ وراعٍ وفحل إن اختَلَفَ النَّوْعُ. فَائِدةٌ: إذا كَانت سَائِمَةٌ بمَحَلَّينِ بينهمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ فَلِكُلٍّ حُكْمُ نَفْسِهِ، فإذا كان لَه شِيَاهٌ بِمَحَالٍّ مُتَباعِدةٍ في كُلِّ مَحَلٍّ أربعون؛ فَعَليْهِ شِيَاهٌ بِعَدَدِ المَحَالِّ، ولا تأثيرَ لتفرِقَةِ المَالِ في غير السَّائِمَةِ.

стр. 202

بَابُ زَكَاةِ الخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ تَجِبُ في كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ، من الحَبِّ كالقَمْحِ والشَّعِيرِ، والذُّرَةِ والأُرْزِ والحِمَّصِ، والعَدَسِ والسِّمْسِمِ، والكَراوْيَا، والكُزْبَرَةِ، وبِزْرِ القُطْنِ، والكَتَّانِ كَبِزْرِ البِطِّيخِ ونحوِه. ومِنَ الثَّمَرِ كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، والسُّمَّاقِ ونَحوِها. ولا زَكَاةَ في عُنَّابٍ، وزيتونٍ، وَجَوْزٍ، وتِينٍ، وَمِشْمِشٍ، وتُوتٍ، وَنَبْقٍ، وزعْرُورٍ، ورُمَّانٍ، ونحوِهَا. وَشُرِطَ لوجُوبِهَا فيهما شَرْطَانِ: الأَوَّلُ: أن يَبْلُغَ نِصَابًا وقدْرُهُ بعدَ تصفيةِ الحَبِّ وجفافِ الثَّمَرِ خَمْسةُ أوسُقٍ، وهي ألفٌ وسِتمائَةِ رَطْلٍ بالعراقي، وثلاثُمَائَةِ رَطْلٍ واثنان وأربعون رَطْلًا وستةُ أسبَاع رَطْلٍ بالدِّمَشقيّ. الثاني: أن يكُونَ مَالِكًا للنِّصَابِ وقتَ وجوبها، وهو اشتدادُ الحَبِّ وبُدوُّ صلاحِ الثَّمَرِ.

стр. 203

فَصْلٌ وَيَجِبُ العُشْرُ واحدٌ من عَشْرَةٍ فيما سُقِيَ بلا كُلْفَةٍ، كالذي يسقى من الأَنْهَارِ والسَّواقِي، ولا يُؤَثِّرُ حفرُهُما وتَنْقِيَتُهُمَا، وَمُؤْنَةُ السَّقي في نَقْصِ الزَّكاة؛ لأَنَّه كَحرثِ الأَرْضِ، وإن اشترى ماءَ بِرْكَةٍ أو حَفيرَةٍ، وَسَقَى به سَيْحًا، فالعُشْرُ، وكذا إن جَمَعَه وسَقَى به. وَيجِبُ نِصْفُ العُشْرِ فيما سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كالدُّولاب تُدِيرهُ البَقَرُ، والنَّاعُورَةِ تُدِيرُهَا المَاءُ، والسَّانِيَةِ، والنَّاضِحِ، وهما البَعِيرُ يُسْتَقَى عليه، وما يُحْتَاجُ في تَرْقِيةِ المَاءِ إلى الأَرْضِ إلى آلةٍ من غَرْفٍ أو غيْرِه. فإن سقي بِهِمَا سواءً، وَجَبَ ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ، أَو بِأَحَدِهما أكْثَرَ نَفْعًا ونُمُوًّا اعْتُبِرَ أكثرُهَما، فإن جُهِلَ وجَبَ العُشْرُ. وَيجِبُ إخراجُ زَكاةِ الحَبِّ مُصَفًّى، والثَّمَرِ يَابِسًا، فلو أَخْرَجَ رُطْبًا لم يُجزئْهُ، وَوَقَع نَفْلًا. وَيُسَنُّ للإِمَامِ أن يَبْعَثَ خَارِصًا لثمرةِ النَّخْلِ والكَرْمِ عِنْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا، وَيَكْفي واحدٌ، ويُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أمينًا خَبِيرًا، وأُجرَتُهُ على رَبِّ الثَّمَرَةِ، ويَجِبُ عليه بَعْثُ السُّعَاةِ قُرْبَ الوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ المَالِ الظَّاهِرِ. وَيَجتَمعُ العُشْرُ والخَراجُ في الأَرْضِ الخَرَاجِيَّةِ؛ وهِيَ ما فُتِحَتْ عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ، كَمِصْرَ والشَّام والعراقِ.

стр. 204

وتَضْمِينُ أموالِ العُشْرِ والخَرَاج بقدرٍ مَعْلومٍ بَاطِلٌ. ويَجِبُ في العَسَلِ العُشْرُ سواءٌ أخذَهُ من مواتٍ أو مملوكةٍ، ونِصَابُهُ مائةٌ وستون رِطلًا عراقيةً. وفي المَعْدِنِ رُبْعُ العُشْرِ من عينِ نَقْدٍ، وقيمةِ غيرهِ في الحَالِّ إذا بَلَغَ نِصَابًا بعد سَبْكٍ وتَصْفِيةٍ، وهو كُلُّ مُتَولِّدٍ من الأَرضِ من غَيْرِ جِنْسِهَا غيرِ نَبَاتٍ كَذَهَبٍ، وفِضةٍ، ونُحَاسٍ، وَرصَاصٍ، وَحَدِيدٍ، وياقُوتٍ، وعَقِيقٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وبَنْفَشٍ، ومُوْميَا، ونُورَةٍ، وَيَشْمٍ، وَزَاجٍ، وفَيْرُوزَجٍ، وَبِلَّوْرٍ، وَسَبجٍ، وكحْلٍ، وَمَغْرَةٍ، وزِئْبَقِ، وزُجَاجٍ، ومِلْحٍ، ونِفْطٍ، وسِنْدرَوْسٍ، ونحوِ ذَلِكَ. ولا زَكَاةَ فيما يَنْزِلُ من السَّمَاءِ على الشَّجَرِ كالمنِّ والتَّرْتَجِين، ولا فيمَا يَخْرُجُ من البَحْرِ من اللؤلؤ والمَرْجَانِ والعَنْبَرِ والحَيوان. ويَجِبُ في الرِّكاز الخُمْسُ في الحَالِ، أَيَّ نَوْعٍ كَانَ من المَالِ، وهو الكَنْزُ مِن دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ أو مَنْ تَقدَّم مِنَ الكُفَّارِ ولو قليلًا، ولا يَمْنَعُ وجُوبَهُ الدَّيْنُ، ويُصْرَفَ مَصرِفَ الفَيءِ المُطْلَقِ للمصَالِح كُلِّهَا. * * *

стр. 205

بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ وَهِيَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وفيها رُبْعُ العُشْرِ إذا بلغَتْ نِصَابًا. فَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرونَ مِثْقالًا، وبالدَّنَانِير خَمْسةٌ وعِشرونَ وسُبْعا دَينارٍ وتُسْع دِينَار. ونِصَابُ الفِضَّةِ مَائَتا دِرْهَمٍ، ويُضَمُّ الذَّهَبُ إلى الفِضَّةِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ ويُخْرِجُ من أيِّهِمَا شَاءَ. ولا زَكَاةَ في مَغْشُوشِهِمَا، حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا، فإن شَكَّ في بلوغِهِ خُيِّرَ بين سَبْكِهِ وَبَيْنَ أن يَحْتَاطَ فيُخْرِجَ زكَاتَهُ بيقينِ، ولا في غِشِّهِمَا إلَّا أن يكونَ فِضَّةً فَيُضَمَّ إلى ما معَهُ من النَّقْدِ. ويُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ واتخاذهُ، والمعامَلَةُ بِهِ إذا أعْلَمَهُ بِذَلِكَ، ولو جَهِلَ قدر الغِشِّ، وإن لم يُعْلِمْهُ وهو يجهلُهُ حَرُمَ. فَصْلٌ وَتَحْرُمُ تحلية المَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَو فِضَّةٍ، ويُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنَ الفِضَّةِ الخَاتِمُ ولو زادَ على مِثْقَالٍ، ما لم يَخْرُجْ عن العَادةِ، وجعلُهُ بِخِنْصِر يَسَارِهِ أَفْضَلُ، ويَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّه، وكُرِهَ في سَبَّابَةٍ ووُسْطَى.

стр. 206

ويُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ المِنْطَقَةِ والجَوْشَنِ، والخُوْذَةِ ونحوِ ذَلِكَ، ومِنَ الذَّهَبِ قَبيعةُ السَّيْفِ، وما دَعَتْ إليه ضَرُورَةٌ؛ كَأَنْفٍ وَرَبْطِ سِنٍّ. ويُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْهُمَا ما جَرَت عَادَتُهنَّ بِلُبْسِهِ. وَلا زَكَاةَ في حُلِيٍّ مُبَاحٍ، إلَّا أن يُعَدَّ للكِرَاءِ أو التِّجَارَةِ. ويُبَاحُ لَهُما التَّحَلي بالجَوْهَرِ ونحوِهِ. وكُرِهَ تَخَتُّمُهُمَا بحَديدٍ، وصُفْرٍ، ونُحَاسٍ، وَرَصَاصٍ، ويُباح بعقيقٍ، وقيل يُسن، وهو قَويٌّ.

стр. 207

بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ وهي ما يُعَدُّ لِبَيْعٍ وشِرَاءٍ لأَجْلِ رِبْحٍ، وإنما تَجِبُ فيها إِذا بَلَغَتْ قِيمَتُها نِصَابًا، فَتُقَوَّمُ بالأَحَظِّ للفُقَراءِ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ويُخْرَجُ من قيمَتِهَا رُبُعُ العُشْرِ، ولا تصيرُ للتِّجَارَة إلَّا أن يمِلكَهَا بِفِعْلِهِ بِنيَّةِ التِّجَارَةِ حَالَ التَّملُّكِ، ولا عِبْرَةَ بقيمةِ آنِيةِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، بل بِوَزْنِها، ولا بما فيه صِنَاعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فَيُقَوَّمُ عَارِيًا عنها، ومن عندَهُ عرضُ تجارةٍ فَنَواهُ: للقُنْيَةِ، ثُمَّ نَواهُ للتِّجَارَة لم يصر للتِّجارةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا حُلِيَّ اللُّبْسِ. * * *

стр. 208

بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ تَجِبُ بأَوَّلِ لَيْلَةِ العيدِ، فمن ماتَ أو أَعْسَرَ قَبْلَ الغُروب فَلا زَكاةَ عليه، وبعدَهُ تستقرُّ في ذِفَتِهِ، وهي واجِبَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ يَجِدُ ما يفْضُلُ عن قوتِهِ وقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ العِيدِ وليلتَهُ بعد ما يَحْتَاجُ إليه من مَسْكَنِ، وخَادِمٍ، ودابَّةٍ وثياب بِذْلةِ، وكُتُبِ عِلْمِ، وتَلْزَمُه عن نَفْسِهِ وعَن من يَمُونُه من المُسْلِمِينَ، فإن لم يجد لِجَمِيعِهِمْ بَدَأَ بنَفْسِهِ؛ فَزَوْجَتِه؛ فَرَقِيقهِ؛ فَأُمِّهِ؛ فأبيه؛ فَوَلدِهِ؛ فأقْرَبَ في ميراثٍ، ويُقْرِعُ مع تَسَاوٍ. وتَجِبُ لآبِقٍ وعلى من تَبَرَّع بمؤنَةِ شَخْصٍ شَهْرَ رمضانَ لا على من استأْجَرَ أَجِيرًا بطعامِهِ، وتُسَنُّ عن الجَنينِ، ولا يَمْنَعُ الذَينُ وجوبَهَا إلَّا مع طلبِهِ. وهي صَاعٌ من بُرٍّ أو تَمْرٍ، أو زبيبٍ، أو شَعِير، أَو أَقِطٍ، ويُجْزِئُ دقيقُ البُرِّ والشَّعِيرِ وسَوِيقُهمَا إذا كان وزنَ الحَبِّ، ويُخْرِجُ مَع عَدَمِ ذَلِكَ ما يقومُ مقامَهُ من كُلِّ حَبٍّ وثَمَرٍ مَكِيلٍ ويُقتاتُ، كَذُرَةٍ وَدخْنٍ وَبَاقِلّا.

стр. 209

وأَفْضَلُ مُخْرَجٍ تَمْرٌ فزبيبٌ فَبرٌّ فأنفعُ فشعيرٌ فدقِيقُهمَا فسويقُهُمَا، وأن لا يُنْقِصَ أَخْذًا عن مُدِّ بُرٍّ أو نِصْفِ صَاعٍ من غيرِهِ. ويَجُوزُ إعطاءُ واحدٍ ما على جماعَةٍ وعكسُهُ، وأن تُخْرَجَ يومَ العيدِ قَبْلَ صلاتِهِ، ويُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْها. ويَحْرُمُ عن يومِ العِيدِ مع القُدْرَةِ، ويَجِبُ قضاؤها، وتُجْزِئُ قبلَهُ بيومينِ فقط، ومَصْرِفُها كَزَكَاةٍ. * * *

стр. 210

بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ يَجِبُ على الفَوْرِ كالنَّذْرِ والكَفارَةِ، ولَهُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَلِزَمَنِ حَاجَةٍ، ولِقَرِيبِ وجَارٍ. وَمَنْ جَحَدَ وجوبَهَا عَالِمًا أو جَاهِلًا وعُرِّفَ كَفَرَ وَلَو أخرجها. وَمَنْ مَنعَها بُخْلًا أو تَهَاونًا أُخِذَتْ وعُزِّرَ. ومن ادَّعى إخراجَهَا أو بَقَاءَ الحَوْلِ، أو نَقْصَ النِّصَابِ، أو زَوَالَ المِلْكِ صُدِّقَ بلا يَمِينٍ. ويَلْزَمُ أن يُخْرِجَ عن الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ وليُّهُما. وَيُسَنُّ إظهارُهَا، وأن يُفَرِّقَها رَبُّها بنفسِهِ، وأن يقولَ عِنْدَ دفعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَاِ مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا، وأن يقولَ الآخِذُ: آجَرَكَ اللهُ فيما أَعْطَيْتَ، وبَارَكَ لَكَ فيما أَبْقَيْتَ، وجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا. وهو في حَقِّهِ آكدُ، وله دفعُها إلى السَّاعِي. ويُشْتَرَطُ لإِخراجِها نِيَّةٌ من مُكَلَّفٍ إلَّا أن تُؤْخَذَ قَهْرًا ويُغَيَّبَ مَالُهُ أو يُتَعَذَّرَ الوُصُول إلى المَالِكِ بِحَبْسٍ ونحوِهِ، فَيأْخُذَها السَّاعِي، وتُجْزِئُ بَاطِنًا في الأَخِيرِ فقط، والأَفْضَلُ قَرْنُها بالدّفْعِ.

стр. 211

ويَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بزمنِ يسيرِ فَينوي الزَّكَاةَ أو الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ، ولا تُجْزِئُ إن نَوى صَدَقَةً مُطْلَقَةً وإن تَصَدَّقَ بجميعِ مَالِهِ. وَلا تَجِبُ نِيَّةٌ الفَرْضِيَّةِ، ولا تَعْيينُ المَالِ المُزَكّى عَنْه، وإن وَكَّلَ في إخراجِهَا مُسْلِمًا أَجْزَأَتْ نِيَّةُ المُوكِّلِ مع قُرْبِ الإِخراجِ، ومَعَ بُعْدِهِ تَجِبُ نِيَّةُ الوَكِيلِ أيضًا. وَالأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كل مالٍ في فقراءِ بَلَدِهِ، لكن يَحْرُمُ نَقْلُها إلى مَسَافَةِ قَصْرٍ، ويُكْرَهُ إلى ما دُونها، وتُجْزِئُ فيهما، ومَنْ بباديةٍ أو خَلا بلدُهُ من مُستحِقٍّ فَرَّقَها بأقربِ بَلَدٍ مِنْهُ، ومُؤنَةُ نَقْلٍ ودفْعٍ عليه ككيلٍ ونحوِه. والمُسَافِرُ بالمَالِ يُفَرِّقُهَا بالبلدِ الذي أكثرُ إقامةِ المَالِ فيه. ويُخْرِجُ فطرتَهُ، وفِطرةَ عِيالِهِ بالبلد الذي هو فيه، وزَكَاةُ المَالِ في بَلَد المالِ. ويَجُوزُ تعجيلُهَا لحولينِ فقط إذا كَمُلَ النِّصَابُ لا منه فقط إلَّا لِحوْلٍ، فإن تَلِفَ أو نَقصَ وقَعَ نَفْلًا، والله أَعلم. * * *

стр. 212

بَابُ أَهْلِ الزَّكاةِ وهم ثَمَانِية: الأَول: الفقِيرُ، وهو مَن يجدُ أَقلَّ من نصفِ كفايتِهِ. الثَّاني: المِسْكِينُ، وهو من يَجدُ نصفَهَا فأكْثَرَ، ويُعْطَيانِ تَمَامَ كفايتِهمَا وكفايةِ عَائِلتِهِمَا سَنَةً، وإن تَفَرَّغَ قادرٌ على التكَسُّبِ للعبَادَةِ لم يُعْطَ، وإن تَفرَّغَ لِلعِلْمِ لِتَعدُّرِ الجَمْعِ أُعطِي. الثَّالِثُ: العَامِلُ عليها، كَجَابٍ، وحَافِظٍ، وكَاتِبِ، وقَاسِمٍ، ويُشتَرَطُ كونُهُ مُكَلَّفًا، مُسْلِمًا، أَمِينًا، كافيًا من غير ذوي القُرْبى، ولو غَنيًّا وقِنًّا، ويُعْطَى قَدْرَ أُجْرَتهِ. الرَّابِعُ: المُؤَلَّفُ، وهو السَّيدُ المُطَاعُ في عَشِيرَتِهِ مِمَّن يُرْجى إسلامُهُ، أو يُخْشَى شَرُّهُ، أو يُرْجَى بعطيتِهِ قُوَّةُ إِيمَانه، أو إسْلامُ نظيرهِ، أو جبايَتُهَا ممن لا يُعْطِيها، أو كَفُّ شَرِّهِ، أو الدفعُ عن المسلمين. ويُعْطَى ما يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ، ويُقْبَلُ قولُهُ في ضَعْفِ إسلامِهِ لا أَنَّهُ مُطاعٌ إلَّا ببَيِّنَةِ.

стр. 213

الخَامِسُ: المُكَاتَبُ، وهو رقيقٌ اشترى نَفْسَهُ من سَيِّدِهِ بمالٍ معلومٍ إلى نُجُومٍ مَعْلُومَةٍ، ويُجْزِئُ أن يشتريَ منها رَقَبَةً لا تَعْتِقُ عليه فيعتقها، وأن يفديَ بِها أسيرًا مُسْلِمًا، لا أن يُعْتِقَ قِنَّهُ أو مكاتَبَهُ عَنْهَا. السَّادِسُ: الغَارِمُ، وهو من تَدَيَّنَ لإِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس أو تَدَيَّنَ لنفسِهِ أو عِيالِهِ في مُبَاحٍ أو مُحَرَّمٍ وَتَابَ ثُمَّ أَعْسَرَ. السَّابِعُ: الغَازِي بلا دِيوَانٍ أو سَهْمُهُ لا يكفِيهِ، فَيُعْطَى ما يَحتَاجُ لِغَزْوِه. وتُجْزِئُ لِحَجِّ فَرْض فَقِيرٍ وعمرتِهِ، لا أن يشتَرِيَ منها فَرَسًا أو عَقَارًا يقِفُهَا على الغُزَاةِ. الثَّامِنُ: ابن السَّبِيلِ المُنْقَطعُ بغيرِ بَلَدِهِ في سَفَرٍ مُبَاحٍ، أو مُحَرَّمٍ وتَابَ، لا مَكرُوهٍ ونُزْهَةٍ، فَيُعْطَى - ولو وجدَ مُقْرضًا - ما يُبَلِّغُهُ بَلدَهُ أو مُنْتَهَى قَصْد وعودَهُ إِليها، فإن فَضَل مع غَارِمٍ أو مُكاتَبٍ أو غَازٍ أو ابنِ سَبِيلٍ شيءٌ بعد حاجتِهِ رَذَهُ، وغيرُ هَؤلاءِ يَتَصَرَّفُ في فاضلٍ بما شَاءَ. فَائِدَةٌ: ويُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ وكفارَةٍ ونحوهِمَا لصغيرٍ لم يَأْكُلِ الطَّعَامَ، وَيَقْبَلُ ويَقْبِضُ له وليُّه، وعند عَدَمِهِ يَقْبِضُ لَهُ مَن يليهِ من أُمٍّ وقَرِيبٍ، وغيرِهما، فَيُصْرَفُ ذَلِكَ في أُجْرة رضاعَتِهِ وكسوتِهِ، وما لابُدَّ لَهُ مِنه.

стр. 214

فَصْلٌ ولا يُجْزِئُ دَفعُها لِكَافِرٍ ما لم يَكُن مُؤلَّفًا، ولا رقيقٍ ما لم يَكُنْ مُبَعَّضًا - فَيُعْطَى بقَدْرِ حريتِهِ - أو عَامِلًا، ولا غَني بمالٍ أو كَسْبٍ، ولا إِلى عَمودَيْ نَسَبِهِ إلَّا أن يكونا عُمَّالًا أو مؤلَّفيْنَ أو غُزَاةً أو غارمينَ لذاتِ بَيْنٍ، ولا لِزَوْجٍ، أَو من تَلْزَمُ المُزَكِّي نفقتُهُ ما لم يكن عامِلًا أو غَازِيًا أو مُؤلَّفًا أو مُكَاتِبًا أو ابن سَبيلِ أو غارمًا لذاتِ بَيّنٍ، ولا لِبَني هَاشِمٍ ما لم يكونُوا غُزَاةً أو مؤلَّفَةً أو غارمينَ لذاتِ بينٍ، فإن دَفَعَهَا لِمَن ظَنَّهُ أهْلًا فَتبَيَّنَ عَدَمُهُ لم تُجْزِئْهُ، وله استردادُها منه بنمائِها، وتُجْزِئُهُ إن ظَنَّهُ فقيرًا فبَانَ غنيًّا. ويُسَنُّ تَعمِيمُ الأَصْنَافِ، والتَّسويةُ بينهم إن وُجِدَتْ، وأن يُفَرِّق الزَّكاة على أقاربِهِ الذين لا يلزمُهُ نفقتُهُم على قدرِ حاجتِهِمْ، وعلى ذَوي أرحامِهِ كعمَّتِه وبنتِ أَخيه، وإن دفعَهَا من تَبَرَّعَ بنفقتِهِ بضمِّهِ إلى عِيالِهِ أَجْزَأَتْ. فَصْلٌ وَتُسَنُّ صَدَقةُ التَّطوُّع في كُلِّ وقْتٍ بطيبِ نَفْسٍ، وفي الصَّحَةِ، وسِرًّا أفضلُ، وتتأكدُ في رمضان، وفي أوقاتِ الحَاجَةِ، وفي كُلِّ زَمانِ أو مكانٍ فَاضِلِ كالعَشْرِ والحَرَمَيْنِ، وهي على ذِي الرَّحِمِ صَدَقَة وصِلَةٌ لا سيَّمَا مع العَداوة فهي عليه، ثُمَّ على جَارٍ أَفْضَلُ.

стр. 215

وتُسَنُّ بالفاضِلِ عن كفايَتِهِ وكِفَايَةِ من يمونُهُ دائِمًا، وإن تَصَدَّقَ بما ينقُصُ مُونَةَ من تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُه أَو أَضَرَّ بنفسِهِ أو بغريمِهِ حَرُمَ. ومن أرادَ الصَّدَقَةَ بمالِهِ كُلِّهِ وهو وحدَهُ، ويَعْلَمُ من نفسِهِ حُسْنَ التَّوكُّلِ والصَّبْرِ عن المسالةِ فَلَهُ ذَلِكَ، وإلَّا حَرُمَ ومُنِعَ وحُجِرَ عليه. والفقيرُ لا تقْتَرِض وَيَتَصَدَّقُ، ووفاءُ الدَّين مُقَدَّمٌ على الصَّدَقَةِ وغيرِهَا. وتَجُوزُ لِكَافِرِ وغَنيٍّ وغيرِهما، ولَهُمْ أَخْذُهَا لكن يُسَنُّ التَّعَفُّف فلا يأخذُ الغَنيُّ صَدَقَةً ولا يَتَعَرَّضُ لها، فإن أَخَذَها مُظْهِرًا للفاقَةِ حَرُمَ. وَيَحْرُمُ المَنُّ بالصَّدَقَةِ وغيرها، وهو كَبِيرَةٌ مُبْطِلٌ للثَّوابِ. ولا يقْصِدُ الخَبيثَ فيتصَدَّقَ بِهِ، بل يَتَصَدَّقَ بالجيدِ، وأفضلُها جُهْدُ المُقِلِّ في يدِ مُحْتَاجٍ. * * *
следующие страницы →