← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147311

مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات

ابن بلبان الحنبلي

Полный текст (520 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بزمنِ يسيرِ فَينوي الزَّكَاةَ أو الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ، ولا تُجْزِئُ إن نَوى صَدَقَةً مُطْلَقَةً وإن تَصَدَّقَ بجميعِ مَالِهِ. وَلا تَجِبُ نِيَّةٌ الفَرْضِيَّةِ، ولا تَعْيينُ المَالِ المُزَكّى عَنْه، وإن وَكَّلَ في إخراجِهَا مُسْلِمًا أَجْزَأَتْ نِيَّةُ المُوكِّلِ مع قُرْبِ الإِخراجِ، ومَعَ بُعْدِهِ تَجِبُ نِيَّةُ الوَكِيلِ أيضًا. وَالأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كل مالٍ في فقراءِ بَلَدِهِ، لكن يَحْرُمُ نَقْلُها إلى مَسَافَةِ قَصْرٍ، ويُكْرَهُ إلى ما دُونها، وتُجْزِئُ فيهما، ومَنْ بباديةٍ أو خَلا بلدُهُ من مُستحِقٍّ فَرَّقَها بأقربِ بَلَدٍ مِنْهُ، ومُؤنَةُ نَقْلٍ ودفْعٍ عليه ككيلٍ ونحوِه. والمُسَافِرُ بالمَالِ يُفَرِّقُهَا بالبلدِ الذي أكثرُ إقامةِ المَالِ فيه. ويُخْرِجُ فطرتَهُ، وفِطرةَ عِيالِهِ بالبلد الذي هو فيه، وزَكَاةُ المَالِ في بَلَد المالِ. ويَجُوزُ تعجيلُهَا لحولينِ فقط إذا كَمُلَ النِّصَابُ لا منه فقط إلَّا لِحوْلٍ، فإن تَلِفَ أو نَقصَ وقَعَ نَفْلًا، والله أَعلم. * * *

стр. 212

بَابُ أَهْلِ الزَّكاةِ وهم ثَمَانِية: الأَول: الفقِيرُ، وهو مَن يجدُ أَقلَّ من نصفِ كفايتِهِ. الثَّاني: المِسْكِينُ، وهو من يَجدُ نصفَهَا فأكْثَرَ، ويُعْطَيانِ تَمَامَ كفايتِهمَا وكفايةِ عَائِلتِهِمَا سَنَةً، وإن تَفَرَّغَ قادرٌ على التكَسُّبِ للعبَادَةِ لم يُعْطَ، وإن تَفرَّغَ لِلعِلْمِ لِتَعدُّرِ الجَمْعِ أُعطِي. الثَّالِثُ: العَامِلُ عليها، كَجَابٍ، وحَافِظٍ، وكَاتِبِ، وقَاسِمٍ، ويُشتَرَطُ كونُهُ مُكَلَّفًا، مُسْلِمًا، أَمِينًا، كافيًا من غير ذوي القُرْبى، ولو غَنيًّا وقِنًّا، ويُعْطَى قَدْرَ أُجْرَتهِ. الرَّابِعُ: المُؤَلَّفُ، وهو السَّيدُ المُطَاعُ في عَشِيرَتِهِ مِمَّن يُرْجى إسلامُهُ، أو يُخْشَى شَرُّهُ، أو يُرْجَى بعطيتِهِ قُوَّةُ إِيمَانه، أو إسْلامُ نظيرهِ، أو جبايَتُهَا ممن لا يُعْطِيها، أو كَفُّ شَرِّهِ، أو الدفعُ عن المسلمين. ويُعْطَى ما يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ، ويُقْبَلُ قولُهُ في ضَعْفِ إسلامِهِ لا أَنَّهُ مُطاعٌ إلَّا ببَيِّنَةِ.

стр. 213

الخَامِسُ: المُكَاتَبُ، وهو رقيقٌ اشترى نَفْسَهُ من سَيِّدِهِ بمالٍ معلومٍ إلى نُجُومٍ مَعْلُومَةٍ، ويُجْزِئُ أن يشتريَ منها رَقَبَةً لا تَعْتِقُ عليه فيعتقها، وأن يفديَ بِها أسيرًا مُسْلِمًا، لا أن يُعْتِقَ قِنَّهُ أو مكاتَبَهُ عَنْهَا. السَّادِسُ: الغَارِمُ، وهو من تَدَيَّنَ لإِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس أو تَدَيَّنَ لنفسِهِ أو عِيالِهِ في مُبَاحٍ أو مُحَرَّمٍ وَتَابَ ثُمَّ أَعْسَرَ. السَّابِعُ: الغَازِي بلا دِيوَانٍ أو سَهْمُهُ لا يكفِيهِ، فَيُعْطَى ما يَحتَاجُ لِغَزْوِه. وتُجْزِئُ لِحَجِّ فَرْض فَقِيرٍ وعمرتِهِ، لا أن يشتَرِيَ منها فَرَسًا أو عَقَارًا يقِفُهَا على الغُزَاةِ. الثَّامِنُ: ابن السَّبِيلِ المُنْقَطعُ بغيرِ بَلَدِهِ في سَفَرٍ مُبَاحٍ، أو مُحَرَّمٍ وتَابَ، لا مَكرُوهٍ ونُزْهَةٍ، فَيُعْطَى - ولو وجدَ مُقْرضًا - ما يُبَلِّغُهُ بَلدَهُ أو مُنْتَهَى قَصْد وعودَهُ إِليها، فإن فَضَل مع غَارِمٍ أو مُكاتَبٍ أو غَازٍ أو ابنِ سَبِيلٍ شيءٌ بعد حاجتِهِ رَذَهُ، وغيرُ هَؤلاءِ يَتَصَرَّفُ في فاضلٍ بما شَاءَ. فَائِدَةٌ: ويُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ وكفارَةٍ ونحوهِمَا لصغيرٍ لم يَأْكُلِ الطَّعَامَ، وَيَقْبَلُ ويَقْبِضُ له وليُّه، وعند عَدَمِهِ يَقْبِضُ لَهُ مَن يليهِ من أُمٍّ وقَرِيبٍ، وغيرِهما، فَيُصْرَفُ ذَلِكَ في أُجْرة رضاعَتِهِ وكسوتِهِ، وما لابُدَّ لَهُ مِنه.

стр. 214

فَصْلٌ ولا يُجْزِئُ دَفعُها لِكَافِرٍ ما لم يَكُن مُؤلَّفًا، ولا رقيقٍ ما لم يَكُنْ مُبَعَّضًا - فَيُعْطَى بقَدْرِ حريتِهِ - أو عَامِلًا، ولا غَني بمالٍ أو كَسْبٍ، ولا إِلى عَمودَيْ نَسَبِهِ إلَّا أن يكونا عُمَّالًا أو مؤلَّفيْنَ أو غُزَاةً أو غارمينَ لذاتِ بَيْنٍ، ولا لِزَوْجٍ، أَو من تَلْزَمُ المُزَكِّي نفقتُهُ ما لم يكن عامِلًا أو غَازِيًا أو مُؤلَّفًا أو مُكَاتِبًا أو ابن سَبيلِ أو غارمًا لذاتِ بَيّنٍ، ولا لِبَني هَاشِمٍ ما لم يكونُوا غُزَاةً أو مؤلَّفَةً أو غارمينَ لذاتِ بينٍ، فإن دَفَعَهَا لِمَن ظَنَّهُ أهْلًا فَتبَيَّنَ عَدَمُهُ لم تُجْزِئْهُ، وله استردادُها منه بنمائِها، وتُجْزِئُهُ إن ظَنَّهُ فقيرًا فبَانَ غنيًّا. ويُسَنُّ تَعمِيمُ الأَصْنَافِ، والتَّسويةُ بينهم إن وُجِدَتْ، وأن يُفَرِّق الزَّكاة على أقاربِهِ الذين لا يلزمُهُ نفقتُهُم على قدرِ حاجتِهِمْ، وعلى ذَوي أرحامِهِ كعمَّتِه وبنتِ أَخيه، وإن دفعَهَا من تَبَرَّعَ بنفقتِهِ بضمِّهِ إلى عِيالِهِ أَجْزَأَتْ. فَصْلٌ وَتُسَنُّ صَدَقةُ التَّطوُّع في كُلِّ وقْتٍ بطيبِ نَفْسٍ، وفي الصَّحَةِ، وسِرًّا أفضلُ، وتتأكدُ في رمضان، وفي أوقاتِ الحَاجَةِ، وفي كُلِّ زَمانِ أو مكانٍ فَاضِلِ كالعَشْرِ والحَرَمَيْنِ، وهي على ذِي الرَّحِمِ صَدَقَة وصِلَةٌ لا سيَّمَا مع العَداوة فهي عليه، ثُمَّ على جَارٍ أَفْضَلُ.

стр. 215

وتُسَنُّ بالفاضِلِ عن كفايَتِهِ وكِفَايَةِ من يمونُهُ دائِمًا، وإن تَصَدَّقَ بما ينقُصُ مُونَةَ من تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُه أَو أَضَرَّ بنفسِهِ أو بغريمِهِ حَرُمَ. ومن أرادَ الصَّدَقَةَ بمالِهِ كُلِّهِ وهو وحدَهُ، ويَعْلَمُ من نفسِهِ حُسْنَ التَّوكُّلِ والصَّبْرِ عن المسالةِ فَلَهُ ذَلِكَ، وإلَّا حَرُمَ ومُنِعَ وحُجِرَ عليه. والفقيرُ لا تقْتَرِض وَيَتَصَدَّقُ، ووفاءُ الدَّين مُقَدَّمٌ على الصَّدَقَةِ وغيرِهَا. وتَجُوزُ لِكَافِرِ وغَنيٍّ وغيرِهما، ولَهُمْ أَخْذُهَا لكن يُسَنُّ التَّعَفُّف فلا يأخذُ الغَنيُّ صَدَقَةً ولا يَتَعَرَّضُ لها، فإن أَخَذَها مُظْهِرًا للفاقَةِ حَرُمَ. وَيَحْرُمُ المَنُّ بالصَّدَقَةِ وغيرها، وهو كَبِيرَةٌ مُبْطِلٌ للثَّوابِ. ولا يقْصِدُ الخَبيثَ فيتصَدَّقَ بِهِ، بل يَتَصَدَّقَ بالجيدِ، وأفضلُها جُهْدُ المُقِلِّ في يدِ مُحْتَاجٍ. * * *

стр. 216

كِتَابُ الصِّيَامِ يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ، أو إِكْمالِ شَعْبَانَ على جَمِيع النَّاسِ، فإن حالَ دون مَطْلَعِهِ ليلَةَ الثَّلاثِينَ من شَعْبَان غَيْمٌ أو قَتَرٌ أو جَبَلٌ أو غيرُها وَجَبَ صِيَامُهُ احْتِياطًا بِنِيَّةِ رَمَضانَ. وَتَثْبُتُ أحكَامُ الصَّوْمِ من صَلاةِ التَّراويحِ، ووجوبِ كفَارَةٍ بوطءٍ فيه وغيرِ ذَلِكَ، ولا يَثْبُتُ غيرُ أحكامِهِ كوقوعِ طلاقٍ وعِتْقٍ وحلولِ أَجَلٍ معلقةٍ عليهِ. وَتَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ بِخَبَرٍ مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ، عَدْلٍ ولو عَبْدًا أو أُنْثَى، ولا يُقْبَلُ في شوالَ وبَقِيَّة الشُّهُورِ إلَّا رجُلانِ عَدْلانِ. وشروطُ وجوبِ الصُّوْمِ أَرْبَعَةٌ: الإِسلامُ، والبُلوغُ، والعَقْلُ، والقُدْرَةُ عليه، فَمَنْ عَجَزَ عنه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زوالُهُ أفطرَ وَأَطْعَمَ عن كُلِّ يَوْمٍ مِسكينًا مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صَاعٍ مِمَّا يُجْزِئُ في الفطْرَةِ.

стр. 217

وشروطُ صحتِهِ سِتَّةٌ: الإِسلامُ، وانقطاعُ دَمِ الحَيْضِ، والنِّفَاسِ. الرَّابِعُ: التَّمييزُ، وَيَجِبُ على وَلِيِّ مُمَيِّزٍ أَمْرُهُ بِهِ، وضَرْبُهُ عليه إن أطاقَهُ. الخَامِسُ: العَقْلُ، وإن نواهُ لَيْلًا وجُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جَمِيعَ النَّهَارِ إلَّا لَحْظَةً أَجْزَأَهُ. السَّادِسُ: النِّيَّةُ كُلَّ لَيْلَةٍ لِكُلِّ صَوْمٍ واجِبٍ، فَمَنْ خَطَرَ بقلبِهِ لَيْلًا إنه صَائِمٌ غَدًا أو أَكَلَ أو شَرِبَ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ فقد نَوَى، ولا يَضُرُّ الإِتيانُ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمُنَافٍ للصَّوْمِ. وَفَرْضُهُ: إمْسَاكٌ عن المُفَطِّرَاتِ من طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّاني إلى غُروبِ الشَّمْسِ. وَسُنَنُهُ تِسْعَةٌ: تَعْجِيلُ الفِطْرِ، وتأْخِيرُ السُّحُورِ، والزِّيَادةُ في أَعْمَالِ الخَيْرِ، والإِكثارُ من قراءَةِ القُرْآنِ، ومِنَ العُمْرَةِ، واغتسالُ مَنْ أَجْنَبَ لَيْلًا قَبْلَ طُلُوعِ الفجر، وقولُهُ جَهْرًا بِرَمَضان وسِرًّا بغيرِهِ إذا شُتِمَ: إِنِّي صَائِمٌ، يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ عِنْدَ فِطْرِهِ: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" (١)، وفطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فَعَلَى تَمْرٍ،

стр. 218

فإن عُدِمَ فعلى الماءِ، وأن يدعُوَ عِنْدَ فِطْرِهِ، وأن يُفَطَرَ الصَّائِمَ، والتتابُعُ في قَضَاءِ رَمَضان. فَصْلٌ يَحْرُمُ الفِطْرُ بِرَمَضانَ بِلا عُذْرٍ، وهو من أَعْظَمِ الكَبَائِرِ، فَيُعَزَّرُ فَاعِلُهُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا. ويَجِبُ الفِطْرُ على الحائِضِ، والنُّفَسَاءِ، وعلى من يَحْتَاجُهُ لإنقَاذِ مَعْصُومٍ مِن مَهْلَكَةٍ. ويُسَنُّ لِمُسَافِرٍ يَسْتَبِيحُ القَصْرَ، ولِمَرِيضٍ يَخَافُ الضَّرَرَ. ويُبَاحُ لِمَن سَافَرَ في أَثناءِ يَوْمٍ، ولِحَامِلٍ ومُرْضِعٍ خَافَتَا على أنفُسِهمَا أو على وَلَدَيْهِمَا، وَمَنْ أفْطَرَتْ خَوْفًا على الولَدِ أطعَمَتْ لِكُلِّ يَوْمٍ مسكينًا من مَالِ الولد أو من يَمُونُهُ. وإن أَسْلَمَ الكَافِرُ، وَطَهُرَتِ الحَائِضُ، وَبَرئَ المَرِيضُ، وقَدِمَ المُسَافِرُ، وبَلَغَ الصَّغِيرُ، وعَقَلَ المَجْنُونُ في أَثناءِ يومٍ لَزِمَهُم الإمساكُ والقَضَاءُ.

стр. 219

فَصْلٌ في المُفَطِّراتِ وهي ثلاثةَ عَشَرَ: خُرُوجُ دَمِ الحَيْضِ، والنِّفَاسُ، والمَوْتُ، والرِّدَّةُ، والعَزْمُ على الفِطرِ والتَّرَدُّدُ فيه، والقيءُ عَمْدًا، والاحتقانُ من الدُّبُرِ، وبَلْعُ النُّخَامَةِ بعد وصولها إلى الفَمِ، وَأَوَّلُهُ مَخْرَجُ الخَاءِ، والحِجَامَةُ لِلْحَاجِمِ والمَحْجُومِ، وإنزالُ المَني بتكرارِ النَّظَرِ لا بِنَظْرَةٍ وفِكْرٍ واحتِلامٍ، وخُروجُ مَنيٍّ أو مَذِيٍّ بِتَقْبِيلٍ، أو لَمْسٍ أو استمنَاءٍ، أو مُبَاشَرَةٍ دونَ الفَرْجِ والجِمَاعُ فيه. وكُلُّ ما وَصَلَ إلى الحَلْقِ أو الجَوْفِ أو الدماغِ من مَائِعٍ وغيرِهِ، فَيُفطِرُ إن قَطَرَ في أُذُنِهِ مَا وَصَلَ إلى دِمَاغِهِ، أو دَاوى الجَائِفَةَ فَوَصَلَ إلى جَوْفِهِ، أو اكْتَحَلَ بما عَلِمَ وصولَهُ إلى حلقِهِ، أو مَضَغَ عِلْكًا أو ذاقَ طَعَامًا فوَجَدَ طعْمَهُ في حلقِهِ، أو بَلَعَ ريقَهُ بَعْدَ أَن وَصَلَ إلى ما بين شفتَيهِ، وإن فَعَلَ شَيئًا من ذَلِكَ نَاسِيًا أو مُكْرَهًا لم يُفْطِرْ إلَّا بالجماعِ. ومَن جَامَعَ في نَهَارِ رَمضَانَ في فَرْجٍ أو دُبُرٍ لآدميٍّ أو بهيمةٍ في حَالَةٍ يلزَمُهُ فيها الإِمساكُ لَزِمَتْهُ الكَفارَةُ، وكذا من جُومِعَ إن طاوعَ غَيْرَ جَاهِلٍ أو نَاسٍ، وهي عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ من العيوبِ المُضِرَّةِ

стр. 220

بالعَمَلِ، فإن لم يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرينِ مُتَتَابِعَينِ، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ ستينَ مِسْكِينًا، فإن لم يَجِد سَقَطَت بِخِلافِ غيرِها من الكَفّارَاتِ. ولا كَفَّارَةَ بِمُفَطِّرٍ غير الجِمَاعِ. فَصْلٌ فيما يُكْرَهُ فيه وحُكْمُ قَضَائِهِ يُكْرَهُ لِلصَّائمِ أن يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ، والمُبَالَغَةُ في المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ، ومَضْغُ عِلْكٍ لا يتحلَّلُ، وذَوْقُ طَعَامٍ بِلا حَاجَةٍ، وإن وَجَدَ طَعْمَهُ في حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَتَرْكُ بقيةِ طَعَامٍ بين أَسنانِهِ، وشمُّهُ ما لا يَأْمَنُ أن يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إلى حَلْقِهِ، كَسَحِيقِ مِسْكٍ وكافُورٍ ودُهْنٍ ونحوِهِ، وقُبْلَةٍ، ودَواعِي وَطْءٍ من تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، ويَحْرُمُ ذَلِكَ إن ظَنَّ إنْزالًا، ومَضْغُ عِلْكٍ يَتَحَلَّلُ، ويتأكدُ في حَقِّهِ وجوبُ اجْتِنَابِ نَحْوِ كَذِبٍ وغِيبَةٍ ونَمِيمَةٍ وَشَتْمٍ وفُحْشٍ. وَمَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ. ويُسَنُّ على الفَوْرِ مُتَتَابِعًا إِلَّا إذا بَقِيَ من شعبانَ قَدْرُ ما عليهِ فَتَتَعَيَّنُ المُبَادَرَةُ بِهِ. ويَجِبُ تقديمُهُ على نَذْرٍ لم يَخَفْ فَوْتَهُ. ولا يَصِحُّ تَطَوُّع بِصَوْمٍ قَبْلَهُ، ويَحْرُمُ تأخيرُهُ إلى رَمَضانَ آخرَ بلا عُذْرٍ، فإن فَعَلَ وَجَبَ مع القَضَاءِ إطعامُ مسكينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، ولِعُذْرٍ يَقْضِي بِلا كَفَّارَةٍ.

стр. 221

وإن ماتَ مَنْ أخرَهُ إلى رَمَضانَ فأكثَرَ بِلا عُذْرٍ أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مسكِينٌ ولا يمضَى، ولِعُذْرٍ لا يَجِبُ شيءٌ. وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَوْمٍ، أو حَجٍّ، أو صَلاةٍ، أو طَوافٍ، أو اعتِكَافٍ في الذّمَّةِ لم يَفْعَلْ مِنْهُ شَيْئًا مع إمكانِهِ، سُنَّ لِوَليّهِ قَضَاؤهُ، ويَجُوزُ لِغَيْرِهِ بإذْنِهِ ودونِهِ، ويُجْزِئُ صَوْمُ جَمَاعَةٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ. وإن خَلَّفَ مالًا وَجَبَ، فَيَفْعَلُهُ وَلِيُّهُ أو يدفَعُ مَالًا من يفعَلُهُ عنه، ولا يُقْضَى مُعَيَّنٌ مَات قبلَهُ، وفي أثنائِهِ يسقُطُ الباقي. والحَجُّ المَنْذورُ يُفْعَلُ عَنْهُ، وإن لم يَتمكَّن مِنْهُ، وإن كان عليه صَوْمٌ من كَفَّارَةٍ أو مُتْعَةٍ أو قِرانٍ أُطعمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكينٌ.

стр. 222

بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُهُ صَوْمُ يَوْمِ وفِطْرُ يَوْمِ، وَيُسَنُّ صَومُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرِ، والأَفْضَلُ أيامُ البِيضِ وهي الثَّالِثَ عَشَرَ، والرَّابِعَ عَشَرَ والخَامِسَ عَشَرَ، وهو كَصَوْمِ الدَّهْرِ. وَيُسَنُّ صَوْمُ يومِ الاثنينِ والخَمِيسِ، وسِتَّةِ أَيامِ من شَوالِ وَلو متفرقةً، مَنْ صَامَهَا بَعْدَ أَن صَامَ رَمَضَانَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرِ. وَصَوْمُ التِّسْعِ من ذِي الحجَّةِ، وآكَدُهَا التَّاسِعُ وَهْوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، ثُمَّ الثَّامِنُ وهو يومُ التَّرْوِيَةِ، وَصَوْمُ المُحَرَّمِ، وهو أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ صيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، وأفضلُهُ يومُ عَاشُورَاء، وهو العاشِرُ مِنْهُ ثُمَّ تاسوعاء، وهو التَّاسِعُ. وَصَوْمُ يَوْمِ عاشورَاء كفارةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سنتينِ. والمُرَادُ بالتَّكْفِيرِ بالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ والطَّهَارةِ وغير ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، فإن لم تَكُن رُجِيَ التَّخْفِيفُ من الكبائِرِ، فإن لم تكن رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ.

стр. 223

ولا يُسَنُّ لِمَن بِعَرَفَةَ صَومُ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وقَارِنٍ عَدِما الهَدْيَ. وَيُكْرَهُ إفرادُ رَجَبٍ بالصَّوْمِ، وتزولُ الكَرَاهَةُ بِفطرِ يَوْمٍ فِيهِ أو بصومِ شَهْرٍ آخَرَ من السَّنَةِ، وإفرادُ يوم الجُمُعَة، والسَّبْتِ، والشَّكِّ، والنَّيْروزِ، والمِهْرجَانِ، وهما عيدانِ للكُفّارِ، وإفرادُ كُلِّ عيدٍ لهم أو يومٍ يُفْرِدونَهُ بتعظيمٍ إلَّا أن يُوافِقَ عادةً في الكُلِّ. ويُكْرَهُ تَقَدُّمُ رَمَضانَ بِيَوْمٍ أو يومينِ لا بِأَكْثَرَ، ويُكْرَهُ الوِصَالُ وهو أن لا يُفْطِرَ بَيْنَ اليَوْمَينِ إلَّا للنَّبِيِّ ﷺ . وَيَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمَي العِيدينِ، وَكَذا أيامُ التَّشريقِ إلَّا عن دمِ مُتْعَةٍ وقِرَانٍ. ويَجُوزُ صَوْمُ الذَهْرِ إذا لم يَتْرُك بِهِ حَقًّا ولا خاف منه ضرَرًا، أو لم يَصُم هذِهِ الأَيامَ. وَمَنْ دَخلَ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ تَطَوعًا وَجَبَ عليه إتمامُهَا، وإن كان غيرَهُمَا اسْتُحِبَّ له إتمامُهُ. وكُرِهَ قَطْعُهُ بِلا عُذْرٍ، وسُنَّ قضاؤهُ مُطْلَقًا. وإن دَخَلَ في فَرْضِ كِفَاتةٍ أو واجِبٍ مُوَسَّعٍ كَقَضَاءِ رَمَضانَ قَبْلَ رَمَضانَ آخر، وكالمكتُوبَةِ في أَوَّلِ وقتِهَا، وكَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وكفَّارَةٍ، حَرُمَ خروجُهُ منه بلا عُذْرٍ، ويجب قَطْعُهُ لِرَدّ مَعْصُومٍ عن هَلَكَةٍ وإنقاذِ غَرِيقٍ ونحوِهِ، ويَجُوزُ لِهَرَبِ غَرِيمٍ وقلبُهُ نَفْلًا. ولَيلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُعَظَّمَةٌ، تُرْجَى إِجَابَةُ الدُّعاءِ فيها، وهي مُخْتَصَّةٌ بالعَشْرِ الأَخيرِ من رَمَضانَ فَتُطْلَبُ فيه، وليالي الوِتْرِ آكَدُ،

стр. 224

وأَرْجَاها ليلةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، وهي أَفْضَلُ اللَّيالي حَتَى ليلةِ الجُمُعَةِ، وهو أَفْضَلُ الأَيامِ. وَيُسَنُّ أن يَنَامَ فيها مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا إِلى شَيْءٍ، ويَذْكُرُ حاجَتَه في دُعائِهِ، وأن يكون من دُعائِهِ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي" (١). وَتَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأَخيرِ، فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أنتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ القَدْرِ. إن كان قَبْلَ مُضِيِّ أول لَيلةٍ مِنَ العَشْرِ وَقَعَ في اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ، وإن كانت مَضَت وقع في اللَّيْلَةِ الأَخيرةِ من العام المُقْبِل. وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ القَدْرِ، قَامَ العَشْرَ كُلَّهُ. وَنَذْرُهُ في أثْنَائِهِ كَطَلاقٍ. * * *

стр. 225

بَابُ الاعْتِكَافِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ كُلَّ وَقْتٍ، وفي رَمَضانَ آكَدُ، وآكَدُهُ عَشْرُهُ الأَخيرُ، ويَجِبُ بالنَّذْرِ. وأَقَلُّهُ سَاعَةٌ وتَكفي من نَذَرَهُ وأَطْلَقَ. ويُسَنُّ أن لا يَنْقُصَ عن يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وأن يكُونَ صَائِمًا. وشُروطُ صِحَّتِهِ سِتَّةٌ: النِّيَّةُ، وَالإِسْلامُ، والعَقْلُ، والتَّمْييزُ، والطَّهَارَةُ مِمَّا يُوجِبُ الغُسْلَ، وأن يكونَ بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فيه الجَمَاعَةُ إن كانَ مِمَّن تَلْزَمُهُ وَأَتى عَليه وَقْتُ صَلاةٍ. ومن المَسْجِدِ ما زِيدَ فيه، وسطحُهُ، ورحبتُهُ المَحُوطَةُ، ومَنَارَتُهُ التي هي أو بَابها فيه. وإن نَذَرَ الاعتِكَافَ أو الصَّلاةَ بِمَسْجِدٍ من الثَّلاثَةِ تَعَيَّنَ هُوَ أو الأَفْضَلُ. وَأَفْضَلُهَا المَسْجِدُ الحَرامُ، فَمَسجِدُ المَدينةِ، فالأَقْصى، وإن عَيَّنَ غيرَها أَجْزَأَهُ في غيرِهِ.

стр. 226

وإن نَذَرَ زَمَنًا مُعينًا شَرَعَ قَبْلَ دخولِهِ وَتأَخَّر حَتَّى يَنْقَضِيَ وَتَابَعَ، ولو أَطْلَقَ. وإن نَذَرَ عَدَدًا فَلَهُ تَفْريقُهُ ما لم يَنْوِ التَّتَابُعَ. ولا تدخُلُ ليلةُ يَوْمِ نَذْرٍ كما لا يَدْخُلُ يوم ليلةٍ. ومَن نَذَرَ شَهْرًا أو عَشْرًا مُطْلَقًا تَابَعَ وَدَخَلَت اللَّيالي، ومن نَذَرَ يومَينِ أو ليلتَينِ فأكثر مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ ما بَيْنَ ذَلِكَ من ليلةٍ أو نَهَارٍ. وَيَبْطُلُ التّتابُعُ بالخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ لِغيرِ عُذْرٍ، وبِنِيَّةِ الخُروجِ مِنْهُ، وبالوطءِ في الفَرْجِ، وبالإِنْزَالِ عن مُبَاشَرَةٍ دُونَهُ، وبالرِّدَّةِ، والسُّكْرِ، لا بالإِغماءِ. وحيثُ بَطَلَ لَزِمَ استئنافُ منذورٍ مُتَتَابِعٍ بِلا كَفارَةٍ إن لم يكن مُقَيدًا بزمنٍ وإلَّا فَمَعَ كَفَّارَةِ يمين لفواتِ المَحَلِّ. وَلا يَبْطُلُ بخروجِهِ لما لا بُدّ مِنْهُ كَقَضَاءِ الحَاجَةِ، والطَّهَارَةِ الواجبةِ، وإزالَةِ النَّجَاسَةِ، ولِجُمُعَةٍ تَلْزَمُهُ، ولإِتيانٍ بِمَأْكَلٍ ونحوه لِعَدَمِ خَادِمٍ، ولا يعودُ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدُ جَنَازَةَ إلَّا بِشَرْطٍ. ويُسَنُّ اشتغالُهُ بالقُرَبِ لا إِقراءِ قُرآنٍ وَعِلْمٍ ومُنَاظَرَةٍ فيه. ويُكْرَهُ الصَّمْتُ إلى اللَّيْلِ، وإن نَذَرَهُ لم يَفِ بِهِ. ويُسَنُّ لَهُ تَرْكُ لُبْسِ رَفيعِ الثِّيَابِ.

стр. 227

فَصْلٌ في حُكْمِ المَسْجِدِ " أَحَبُّ البِلادِ إِلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُها إِليه أَسْوَاقُهَا" (١). ويُسَنُّ أن يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عن كُلِّ وَسَخٍ، وَقَذَرٍ، وقَذَاةٍ، ومُخَاطٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إِبْطٍ، وعن رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ؛ مِنْ بَصَلٍ وثُومٍ ونحوِهِما، وعن إخْرَاجِ الرِّيح من الدُّبُرِ، وعن بُزَاقٍ ولو في هواهُ، وهو فيه خطيئَةٌ، فإن كانت أَرْضُه حَصْبَاءَ ونحوَها، فَكَفَّارَتُها دَفْنُها وإلَّا مَسَحَها بثَوْبِهِ أو غيرِهِ، ولا يَكْفِي تَغْطِيَتُهَا بِحَصِيرٍ، وإن لم يُزِلْها فَاعِلُهَا، لَزِمَ غيرَه إزَالَتُها ولو عَلَى حَائِطِهِ. ويُسَنُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهِ؛ فإن بَدَرَه بُصاقٌ أخذَهُ بِثَوْبِهِ. وَتَحْرُمُ زَخْرَفَتُهُ بِذَهَبٍ أو فِضةٍ، وتَجِبُ إزَالتُه. وتُكْرَهُ بِنَقْشٍ وصُبْغٍ وكِتَابَةٍ، وغيرِ ذَلِكَ مما يُلْهِي المُصَلِّيَ عن صَلاتِهِ غَالِبًا، وإن كانَ مِن مَالِ الوَقْفِ حَرُمَ، وَوَجَبَ الضَّمَانُ، ويُصَانُ عن تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ أوغيرِه في قِبْلَتِه. وَيَحْرُمُ فيه البَيْعُ والشِّرَاءُ والإِجَارَةُ، فإن فَعَلَ، فَباطِلٌ. ويُسَنُّ أنْ يُقَالَ لَه: "لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ" (٢).

стр. 228

ولا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فيه بِصَنْعَةٍ مِنْ خِيَاطَةٍ وغَيْرِهَا، ولو قَليلًا لِحَاجَةٍ، فلا يَجُوزُ أن يُتَّخَذَ المَسْجِدُ مَكَانًا للمَعَاشِ، ولا بَأْسَ باليَسيرِ لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نعلِهِ، ولا بالكِتَابَةِ، لأَنَّهَا نَوْعُ تحصيلِ عِلْمٍ. وَيُسَنُّ أن يُصَانَ عن صَغيرٍ لا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ ولا فَائِدَةٍ، وعن مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ، وعن لَغَطٍ وخُصُومَةٍ، وكَثْرَةِ حَدِيثٍ لاغٍ، وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ، وعن رَفْعِ الصِّبْيانِ أصْوَاتَهم باللَّعِبِ وغيرِه، وعن مَزامِيرِ الشَّيْطَانِ؛ مِنَ الغِنَاءِ والتَّصْفِيقِ، والضَّرْبِ بِالدُّفِّ، وعن اخْتِلاطِ النِّسَاءِ والرِّجَالِ فيه، وعن إِيذاءِ المُصَلينَ وغيرِهم بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ. وَيُمْنَعُ السَّكْرانُ من دُخُولهِ، ونَجِسُ البَدَنِ عنِ اللُّبْثِ فيه، ولا بَأْسَ بالمُنَاظَرَةِ في مَسَائِلِ الفِقْهِ فيه، إذا كانَ القَصْدُ طَلَبَ الحَقِّ، فإن كَانَتْ مُغَالَبَةً ومُنَافَرَةً دَخَلَ في الجِدَالِ المَنْهِى عنه، ولم يَجُزْ في المَسْجِدِ ولا غيرِه. ويُسَنُّ أن يُصَانَ عن المرورِ فيه؛ فَلا يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَّا لِحَاجَةٍ، كَكَوْنِهِ طَريقًا قَريبًا. ويُسَنُّ صَوْنه عن عَمَلِ سَمَاعٍ، وإنْشَادِ ضَالَّةٍ، وأن يَقولَ لَهُ سَامِعُهُ: "لا وَجَدْتَها، ولا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ" (١)، وعن إِقَامَةِ حدٍّ، وعن سَلِّ سَيْفٍ، ونحوِه.

стр. 229

ويُكْرَهُ فيه الخَوْضُ والفضُولُ، وحَدِيثُ الدُّنيا، والارْتِفَاقُ بِهِ، وإخْراجُ حَصَاهُ وتُرابِه للتَبَرُّكِ بِهِ وَغَيْرِهِ، ولا يَجُوزُ أن يُغْرَسَ فيه شَيءٌ، ويُقْلَعُ مَا غُرِسَ فيه ولو بعد إيقَافِهِ. وَيَحْرُمُ الجِمَاعُ فيه، والبَوْلُ ولو بإناءٍ، وَفَصَدٌ، وحِجَامَة، وقيءٌ ونحوُهُ، وإن بَالَ خَارِجَهُ وجسدُهُ فيه دُونَ ذَكَرِهِ كُرِهَ. ويُبَاحُ فيهِ الوُضُوءُ والغُسْلُ بِلا ضَرَرٍ إلَّا أن يحصُلَ مَعَهُ بُصَاقٌ أو مُخَاطٌ. ويُبَاحُ قَتْلُ القَمْلِ والبراغيثِ فيه إن أَخْرَجَهُ وإلَّا حَرُمَ إلقاؤهُ فيه. وَيُمْنَعُ الكَافِرُ مِن دُخُولِ الحَرَمَيْنِ وَمَسَاجِدِ الحِلِّ ولو بِإِذْن مُسْلِمٍ. وَيَجُوزُ دخُولُ ذِمِّيٍّ اسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِها. وإذا دَخَلَهُ وَقْتَ السَّحَرِ فلا يَتَقَدَّمُ إلى صَدْرِهِ؛ لأَن المَلائِكَةَ تكونُ قَبْلَ الصُّبْحِ في الصَّفَ الأَوَّلِ. وَيُكْرَهُ السُّوَالُ والتَّصَدُّقُ على السَّائِلِ فيهِ لا عَلَى غَيْرِه، وَيَضَعُ نعلَيهِ بِلُطْفٍ، ولا يَرْمِ بهِمَا على وَجْهِ الكِبْرِ والتَّعَاظُمِ، ويَحْرُمُ أن يؤذِيَ بِهِمَا أَحَدًا، وإن كان ذَلِكَ سَبَبًا لإِتلاف شيءٍ ضَمِنَهُ. ويُسَنُّ كَنْسُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، وإخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ، وَتَنْظِيفُه وتَطْيِيبُه فِيهِ، وتبخيرُهُ في الجُمَعِ، وَشَعْلُ القَنَادِيلِ فيه كُلَّ لَيْلَةٍ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، ويُكْرَهُ بِأَكْثَرَ.

стр. 230

وَيَشْتَغِلُ في المَسْجِدِ بالصَّلاةِ والقِرَاءَةِ والذِّكْرِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ويُكْرَهُ أن يُسْنِدَ ظهرَهُ إِليها، وأن يُشَبِّكَ أصابِعَه فيه، أو يُفَرْقِعَهَا. ويُبَاحُ اتِّخَاذُ المِحْرَابِ فيه، وفي المَنْزِل. ويُضْمَنُ المَسْجِدُ بالإِتْلافِ وبالغَصْبِ. وَيَحْرُمُ أن يُبْنَى مَسْجِدٌ إلى جَنْبِ مَسْجِدٍ إلَّا لِحَاجَةٍ كضيقِ الأَوَّلِ ونحوِهِ. ويُكْرَهُ تَطْيينُهُ وبناؤه بِنَجِسٍ. وإذا لم يَبْقَ من أهلِ الذِّمَّةِ في القَرْيَةِ جَازَ أن تُتَّخَذَ الكنيسَةُ مَسْجِدًا. ويُكْرَهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ مُداوَمَةُ مَوضِعٍ منه لا يُصَلِّي إلَّا فيه، فإن دَاوَمَ، فَلَيْسَ هو أَوْلى من غيرِه بِهِ، فإذا قامَ منه فلغيرِهِ الجلوسُ فيه. ولَيْسَ لأَحَدٍ أن يُقِيمَ مِنْهُ إنْسَانًا ويَجْلِسَ أو يُجْلِسَ غيرَهُ مكَانَهُ، إلَّا الصَّبِيَّ ونحوَهُ، فَيُؤَخَّرُ عن المكانِ الفَاضِلِ. وإذا سَرَّحَ شَعْرَهُ فيه وجَمَعَهُ فلم يَتْرُكْ منه شيئًا فلا بَأْسَ وإلَّا كُرِهَ، والله أعلم. * * *

стр. 231

كِتَابُ الحَجِّ هو فَرْضُ كِفَايَةٍ كلَّ عَامٍ، وهو والعُمْرَةُ واجِبَانِ في العُمْرِ مَرَّةً بِخَمْسَةِ شُروطٍ: الإِسلامُ، والعَقْلُ، والبُلُوغُ، وكمالُ الحُريَّة، لكن يَصِحَّانِ من الرَّقِيقِ والصَّغِيرِ ولا يُجزئانِ عن حَجَّةِ الإِسْلامِ وعُمْرَتِهِ إلَّا أن يَعْتِقَ أو يبلُغَ في الحَجِّ قَبْلَ الوُقُوفِ أو بَعْدَهُ، وتقِفَ في وقْتِهِ، وفي العُمْرَةِ قَبْلَ طَوافِها فَيُجْزِئُهُمَا ما لم يكونَا سَعَيَا مع طَوافِ القُدُومِ، وَقَبْلَ الوقوفِ فلا يُجْزِئُهُمَا الحجُّ، ولو أعادا السَّعْيَ بَعْدَ الوقُوفِ. ولا يَصِحُّ إحرامُ مُمَيِّزٍ إلَّا بإذنِ وَليِّهِ في مَالِهِ، ويُحْرِمُ الوَلِيُّ عن من لم يُمَيز ولو مُحْرِمًا أولم يَحُجَّ، ويَفْعَلُ ما يَعْجِزَانِ عَنْهُ، ويَبْدَأُ بالرَّمْيِ عن نفْسِهِ ولا يُعْتَدُّ برَمْيٍ حَلالٍ، ويُطَافُ به رَاكِبًا أو مَحْمُولًا لِعَجْزٍ، ويعتبر نِيّة طَائِفٍ بِهِ وكَوْنُهُ يَصِحُّ أن يعقد لَهُ الإِحْرامُ لا كونُهُ طافَ عن نَفْسِهِ ولا مُحْرِمًا.

стр. 232

وَكَفَّارَةُ الحَجِّ وما زادَ على نَفَقَةِ الحَضَرِ في مَالِ وَليِّهِ إن أنْشَأَ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا على الطَّاعة، وإلَّا فلا شَيءَ على الوَليِّ كما لو سافَرَ بِهِ لِيُقِيمَ بمكةَ لِعِلْمٍ أو غيره. وعمدُ صَغِيرٍ ومجنُونٍ خَطَأٌ، ولا يُحْرِمُ قِنٌّ بِنَفْلٍ إلَّا بإذنِ سَيِّدِه، وينعقِدَانِ بنَذْرِهِ ويلزمَانِهِ، والمرأَةُ لا تُحْرِمُ بنفلٍ إلَّا بإِذنٍ الزَّوْجِ، فإن أَحْرَمَت هي أو القِنُّ بِنَفْلٍ بلا إِذنٍ فَلِزَوْجٍ وسَيدٍ تحليلُهُما، وعليهما الامتثالُ، ويكونانِ كَمُحْصَرٍ. وَلَيْسَ له مَنْعُها من حَجِّ فَرْضٍ كَمُلَت شُرُوطُه أوْ لا، أَحْرَمَتْ به بإذنه أوْ لا، أو مَنْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ فَحَلَفَ زَوْجُها ولو بالطَّلاقِ الثَّلاثِ لا تَحَجُّ ذا العَامِ لم يَجُز أن تُحِلَّ، وإن أفْسَدَ قِنٌّ حَجَّهُ بوطءٍ مضى وقضى، وليسَ لسيدِهِ مَنْعُهُ إن كان شَرَعَ فيما أفْسَدَهُ بإذنه، ولِكُلٍّ من أَبَوَيْ بَالِغٍ منعُهُ من إحرامٍ بنَفْلى كجِهَادٍ، ولا يُحلِّلانِهِ، ولا غريمٌ مَدينًا، وليسَ لِوَليِّ سفيهٍ مُبذِّرٍ مَنْعُهُ من حَجِّ الفَرْضِ ولا تحليلُهُ، ويدفَعُ نفقتَهُ إلى ثِقَةٍ يُنْفِقُ عليه في الطَّرِيقِ. الخَامِسُ: الاستِطَاعَةُ، وهي مِلْكُ زَادٍ يحتاجُهُ ووعائِهِ، ولا يَلْزَمُهُ حملُهُ إن وَجَدَهُ يُبَاعُ بالمَنَازِل بثَمَنِ مِثْلِهِ في الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بزيادةٍ يَسيرةٍ، وإلَّا لَزِمَهُ. ومِلْكُ راحِلَةٍ بآلتِهَا يَصْلُحَانِ لِمثْلِهِ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ لا دونَها, إلَّا

стр. 233

لِعَاجِزٍ، ولا يَلْزَمُه حَبْوًا ولو أَمْكَنَهُ، أو مِلْكُ ما يقدِرُ بِهِ على تَحْصِيلِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا يحتاجُهُ من كُتُبٍ، ومَسْكَنٍ، وخَادِمٍ، وما لا بدَّ منه. لكِنْ إن فَضَلَ عنه، وأَمْكَن بَيْعُهُ وشرى ما يكفِيهِ، ويَفْضُلُ ما يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ. وأن يكُونَ فَاضِلًا عن قَضَاءِ دَيْنِهِ ومؤْنَتِهِ، ومؤْنَةِ عيالِهِ على الدَّوَامِ من عَقَارٍ، أو بِضَاعَةٍ أو صِنَاعَةٍ ونحوِها. ولا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غيرِهِ لَهُ، ومنها سَعَةُ وقْتٍ، وأَمْنُ طَرِيقٍ يُمْكِنُ سُلُوكُهُ ولو بَحْرًا، أو غَيْرَ مُعْتَادٍ بلا خَفَارَةٍ، ويُوجَدُ فيه الماءُ والعَلَفُ على المُعْتَادِ، ودَليلٌ لِجَاهِلٍ، وقائدٌ لأَعْمَى، ويلزمُهُمَا أُجْرَةُ المِثْلِ لَهُمَا، فمن كَمُلَ لَهُ ذَلِكَ وَجَبَ عليهِ السَّعْيُ فَوْرًا. والعَاجِزُ لِكِبَرٍ أَو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أو ثِقَلٍ لا يَقْدِرُ مَعَهُ على الرُّكُوبِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أو لِكَوْنِهِ نِضْوَ الخِلْقَةِ لا يَثْبُتُ (١) على الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يَلْزَمُهُ أن يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عنه ويَعْتَمِر فَوْرًا من بَلَدِهِ. ويُجْزِئَانِ عَمَّنْ عُوفِيَ بَعْدَ إحرامِ النَّائِب لا قبلَهُ، ويَسْقُطَانِ عَمَّنْ لم يجد نَائِبًا. ومن لَزِمَاهُ فَتُوفِّي ولو قبل التَّمَكنِ أُخْرِجَ عنه من جَمِيع مَالِهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ من حيثُ وجَبَا.

стр. 234

ويُجْزِئُ من أَقْرَبِ وطنَيهِ، ومن خَارِجِ بَلَدِهِ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، ويسْقُطُ بِحَجِّ أَجْنبيٍّ عنه لاعن حَيٍّ (١) بلا إذنه، ويقع عن نفسِهِ ولو نفلًا. وَمَنْ ضَاقَ مَالُهُ أو لَزِمَهُ دينٌ أُخِذَ لِحَجٍّ بِحِصَّتِهِ، وحُجَّ بِهِ من حيثُ يَبْلُغُ، وإن ماتَ هو أو نائِبُهُ بطريقِ الحَجِّ حُجَّ عنه من حيثُ مَاتَ فيما بقِيَ مَسَافَةً وفِعْلًا، وإن صُدَّ فَعَلَ ما بَقِيَ. وإن وَصَّى بِحَجِّ نَفْلٍ وأَطْلَقَ جَازَ من ميقَاتِهِ ما لم تمنَعْ قَرِينَةٌ. ولا يَصِحُّ مِمَّن لم يَحُجَّ عن نفسِهِ أن يَحُجَّ عن غيرِهِ ولا نَذْرِهِ ولا نافلتِهِ، فإن فَعَلَ انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسلامِ. ولو أَحْرَمَ بِنَذْرٍ أو نَفْلٍ مَن عليه حَجَّةُ الإِسلامِ وَقَعَ عنها، والتائِبُ كالمنُوبِ عنه. ويَجُوزُ للقَادِرِ وغيرِهِ أن يستَنِيبَ في نَفْلِ حَجٍّ وبعْضِهِ. والنَائِبُ أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ لِيحُجَّ منه، ويَضْمَنُ على ما زَادَ على نَفَقَةِ المعروفِ، أو عَلَى طريقٍ أقْرَبَ بلا ضَرَرِ ويَردُّ ما فَضَلَ، وتَجِبُ لَهُ نفقَةُ رجُوعِهِ وخَادِمِه إن لم يَخْدُمْ نَفْسَه مثلُهُ، ويَرْجِعُ بما استدانَهُ لِعُذْرٍ، وبِمَا أَنْفَقَ على نفسِهِ بنيةِ الرُّجُوعِ، وما لَزِمَ النَّائِبَ بمخالفتِهِ فمنه.

стр. 235

فَصْلٌ ويُشْتَرَطُ لوجُوبِهِ على أُنْثًى مَحْرَمٌ، وهو زَوْجٌ أو ذَكَرٌ مُسْلِمٌ، مُكَلَّفٌ ولو عَبْدًا تحرُمُ عليه تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِسَبَبٍ مُبَاحٍ أو نَسَبٍ، ونفقتُهُ عليها، فَيُشْتَرَطُ لَها مِلْكُ زَادٍ وراحِلَةٍ لَهُمَا. ولا يَلْزَمُهُ مع بذلِهَا ذَلِكَ له أن يُسَافِرَ مَعَها، وتكُونُ كمن لا مَحْرَم لها، ومن أَيِسَتْ منه استنَابَتْ. وإن حَجَّتْ بِلا مَحْرَمٍ حَرُمَ عليها وأَجْزَأَ، وإن ماتَ بالطَرِيقِ مع قُرْبٍ رَجَعَتْ وإلَّا مَضَتْ. فَصْلٌ ومن أرادَ الحَجَّ فليُبَادِرْ، وليَجْتَهِدْ غَايَةَ الاجتهادِ في التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والخُرُوج من المَظَالِمِ بِوَفَاءِ دَيْنِهِ وإرْضَاءِ خُصُومِهِ ومُصَالَحَةِ أعدائِهِ، ولْيُخْلِصِ النِّيَّةَ في أمُورِهِ كُلِّهَا، ويُحصِّلْ أطيبَ الزَّادِ لأَداء أَنْسَاكِهِ فَرْضِهَا ونفْلِهَا، فإن الحَجَّ والعُمْرَةَ بالمَالِ الحَرامِ حَرامٌ بالإِجماعِ، وهو عِنْدَنَا بَاطِلٌ فلا فَائِدَةَ فيهِ ولا انْتِفَاع. ولْيجتَهِدْ في رَفِيقٍ صَالِح، وإن كَانَ عَالِمًا فَهْوَ أَنْفَعُ لِيقْتَدِيَ بِهِ ويَتَمَسَّكَ بِغَرْزِهِ. ويُصَلِّي ركعتين، يَشْرَعُ بَعْدَهُمَا بِدُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ، وَيَسْتَخِيرُ، هل يحجُّ العامَ أو غَيْرَه - إن كان الحَجُّ نَفْلًا -، ويُصَلِّي في مَنْزِلهِ رَكْعَتَينِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهم هذا دِيني وَأَهْلِي، ومَالَي وَوَلَدِي، وَدِيعَةٌ

стр. 236

عِنْدَك، "اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأَهْلِ والمَالِ والوَلَدِ" (١). ويَخْرُجُ يَوْمَ خَميسٍ أو اثنينٍ، ويُبَكِّرُ، ويقولُ إذا نَزَلَ مَنْزِلًا أو دَخلَ بَلَدًا: "أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شَرِّ ما خَلَقَ، فإنه لا يَضُرُّهُ شَيءٌ حَتَّى يرتَحِلَ مِنْهُ" (٢). ويُسَنُّ أن يَحُجَّ عن أبويهِ إن كَانَا ميْتَينِ أو عَاجِزَينِ، ويُقَدِّمُ أُمَّهُ على أبيهِ وواجِبَهُ على نَفْلِهَا. * * *

стр. 237

بَابُ المَواقِيتِ وهي مَوَاضِعُ وأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَمِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ ذو الحُليفَةِ، والشَّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، واليَمَنِ يلملمُ، ونَجْدِ الحِجَازِ واليَمَنِ والطائِفِ قَرْنٌ، والمَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ. وهذِهِ لأَهْلِهَا ولِمَنْ مَرَّ عليها، ومَن مَنْزِلُهُ دونَ ميقاتٍ فمنْهُ لِحَجٍّ وعُمْرَةٍ. ويُحْرِمُ من بِمَكَةَ لِحَجٍّ منها، ويَصِحُّ مِنَ الحِلِّ ولا دَمَ عليه، ولِعُمْرَةِ من الحِلِّ، ويَصِحُّ من مكة وعليه دَمٌ. ومن لم يَمُرَّ بمِيقَاتٍ أَحْرَمَ إذا حَاذَى أقْرَبَ المواقيتِ إليه، فإن لم يحاذ مِيقاتًا أَحْرَمَ عن مكة بمرحلتينِ. ولا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أرادَ مَكَّةَ أو الحَرَمَ -ولو لِغَيْرِ نُسُكٍ- تَجَاوُزُ مِيقَاتٍ بِلا إِحْرَامٍ، إلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أو خَوْفٍ أو حَاجَةٍ مجَرَّرُ كَحَطَّابٍ ونحوِهِ، وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ لِقَرْيتِهِ بالحِلِّ. وأُبِيحَ للنِّبِيِّ ﷺ وأصحابِهِ دُخولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ

стр. 238

من طُلوعِ الشَّمْسِ إلى صَلاةِ العَصْرِ. ويُكْرَهُ الإحْرَامُ قَبْلَ المِيقَاتِ وبالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِهِ. وَمَنْ جَاوَزَ الميقاتَ بلا إِحْرَامٍ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ لِيُحْرِمَ منه إن لم يَخَفْ فَوْتَ الحَجِّ أو ضرَرًا، فإن خَافَ أَحْرَمَ من مَوْضِعِهِ، وعليه دَمٌ. * * *

стр. 239

بَابُ الإحْرَامِ هو نِيَّةُ النُّسُكِ، ويُسَنُّ لِمَنْ يُرِيدُهُ غُسْلٌ أو تَيَمُّمٌ لِعُذْرٍ، ولا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَيْنَ غُسْلٍ وإِحْرَامٍ، وتنظُّفٌ وتَطَيُّبٌ في بَدَنِهِ، ويُكْرَهُ في ثَوْبِهِ. ولُبْسُ إِزَارٍ ورِدَاءٍ أَبْيَضَينِ نَظِيفَينِ، ونعلين بعد تَجَرُّدِ ذَكَرٍ من مَخِيطٍ، وإحرامُهُ عَقِبَ صَلاةِ فَرْضٍ أو ركعتينِ نَفْلًا في غَيْرِ وَقْتِ نَهْي، ولا يَرْكَعُهُمَا مَن عَدِمَ المَاءَ والتُّرَابَ. ويُسَنُّ أن يُعَيِّنَ نُسُكًا ويَلْفِظَ بِهِ، وأن يشترطَ فيقولُ: "اللَّهُمِّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الفُلانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، وإن حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي". ويَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّةٍ لا بِجُنُونٍ، وإغْمَاءٍ وسُكْرٍ كَموْتٍ، ويُخَيَّرُ بين تَمَتُّعٍ وهو أفضلُها، فإِفْرَادٍ، فَقِرانٍ. فالتَّمَتُّعٌ: أن يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ في أَشْهرِ الحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ فراغِهِ مِنْها يُحْرِمُ بالحَجِّ في عامِهِ. والإفْرَادُ: أن يُحْرِمَ بالحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ يُحْرِمُ بالعُمْرَةِ.

стр. 240

والقِرَانُ: أن يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا، أو بالعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عليها الحَجَّ قَبْلَ شُرُوعِهِ في طوافِهَا. وَيَجِبُ عَلَى مُتَمتِّعٍ دَمُ نُسُكٍ بشروطٍ سَبْعَةٍ: أن لا يكونَ مِنْ حَاضِري المَسْجِدِ الحَرامِ، وهُم أَهْلُ الحَرَمِ، وَمَنْ مِنْهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، وكذا من استوطَنَها من غَيْرِ أَهْلِها، وأن يَعْتَمِرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، وأن يَحُجَّ من عَامِهِ، وأن لا يُسَافِرَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ مَسَافَةَ قَصْرٍ، وأن يُحِلَّ من العُمْرَةِ قَبْلَ إحرامِهِ بالحَجِّ، وأن يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ من الميقَاتِ أو من مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ من مَكَّة، وأن ينويَ التَّمَتُّعَ في ابتداء العُمْرَةِ أو أَثْنَائِها. وَيَلْزَمُ القَارِنَ أيضًا إذا لم يَكُنْ مِن حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. ولا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وقرانٍ بفسادِ نُسُكِهِمَا ولا بفواتِهِ. ومن أَحْرَمَ مُطْلقًا صَحَّ وصرفَهُ لِمَا شَاءَ، وبِمِثْلِ ما أَحْرَمَ فُلانٌ انعقدَ بمثلِهِ. فَصْلٌ والتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ من حِينِ إحرامِهِ، ويُسَنُّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فيها، والإكثارُ منها، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، لا في مسَاجِدِ الحِلِّ وأَمْصَارِهِ، ولا في طَوافٍ، والسَّعْيِ بَعْدَهُ. ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا حَوْلَ البَيْتِ لئلا يشغَلَ الطَّائِفينَ.

стр. 241

ويُسَنُّ أن يُلَبِّيَ عن أَخْرَسَ، وَمَرِيضٍ، وَصَغِيرٍ، ومَجْنُونٍ، ومُغْمًى عليه. وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهَا، فَيَسْأَلُ اللَّهَ الجَنَّةَ وَيَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، ويَدْعُو بما أَحَبَّ، والصَّلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ. وصِفَتُهَا: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ" (١). ولا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ على ذَلِكَ ولاتُكْرَهُ، ولا تكْرَارُها في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، ولا تُشْرَعُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ عليها. وتتَأَكَّدُ إذا عَلا نَشْزًا، أو هَبَطَ واديًا، وفي دُبُرِ الصَّلاةِ المكتُوبَةِ، ولو صَلَّى وَحْدَهُ، وعِنْدَ إقبالِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، وبالأَسْحَارِ، وإذا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وإذا سَمِعَ مُلَبِّيًا، أو أتى مَحْظُورًا نَاسِيًا إذا ذَكَرَهُ، أو رَكِبَ دابَّتَهُ أو نَزَلَ عنها، أو رَأَى البَيْتَ. ولا بَأْسَ أن يُلَبِّيَ الحَلالُ، وتُلَبِّيَ المَرْأَةُ، ويُعْتبَرُ أن تُسْمِعَ نَفْسَهَا، ويُكْرَهُ جَهْرُهَا بها أكثرَ من سَمَاعِ رَفِيقَتِها. * * *

стр. 242

بَابُ مَحْظُورَاتِ الإحْرَامِ وهي: ما يَحْرُمُ على المُحْرِمِ فِعْلُهُ، وهي تِسْعَةٌ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ من جَمِيعِ بَدَنِهِ ولو من أَنْفٍ بِحَلْقٍ أو غيره، فإن كانَ لَهُ عُذْرٌ من مَرَضٍ، أو قَمْلٍ أو قُرُوحٍ، أو صُدَاعٍ، أو شِدَّةِ حَرٍّ، أَزَالَهُ، وَفَدَى، كَأَكْلِ صَيْدٍ لِضَرورَةٍ. الثَّاني: تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، فَمَنْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ، أو قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارِ فَأَكْثَرَ، ولو مُخْطِئًا أو نَاسِيًا، فَعَليهِ دَمٌ، وفِيمَا دُونَ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ، وبَعْضُ شَعْرَةٍ أو ظُفُرٍ كَجَمِيعِهِ. وإن خَرَجَ في عينيهِ شَعْرٌ فَقَلَعَهُ، أو نَزَلَ شَعْرُ حاجِبَيهِ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فأزالَهُ، أو كُسِرَ ظفُرُهُ فَقَصَّهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، أو قَطَعَ إصْبَعًا بِظُفْرِها، أو قَلَعَ جِلْدًا عليه شَعْر، أو افْتَصدَ فَزَالَ شَعْرٌ، فلا فِدْيَةَ عَليه في شَيءٍ من ذَلِك، فإن خَلَّلَ لحيتَهُ أو مَشَطَها أو رأسَهُ فَسَقَطَ شَعْرٌ مَيِّتٌ فلا شيءَ عليه.

стр. 243

وإن تَيَقَّنَ أَنّهُ بانَ بالمشطِ أو التَّخلِيل فَدَى. وَتُسَنُّ الفديةُ مع الشَّكِّ، وَلَهُ حَكُّ بَدَنِهِ ورأْسِهِ بِرِفْقٍ ما لم تقْلَع شَعْرًا. الثَّالِثُ: تعمُّدُ ذَكَرٍ تغطيةَ الرَّأْسِ والأُذنَانِ منه، فمن غَطَّاه بِلاصِقٍ ولو بِقِرْطَاسٍ فيه دواءٌ، أو بطينٍ، أو نُوْرَةٍ، أو حِنَّاءٍ، أو عصبَهُ، ولو بِسَيْرٍ، أو عِصَابَةٍ لِصُدَاعٍ، أو استَظَلَّ بِمَحْمِلٍ ونحوه، أو بِثَوْبٍ ونحوِه رَاكِبًا أو لا، فَدَى مُطْلقًا، وحَرُمَ بِلا عُذْرٍ، لا إن حَمَلَ عليه شيئًا أو نَصَبَ حيالَهُ شيئًا أو استَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ. الرَّابِعُ: تعمدُ ذَكَرٍ لُبْسَ المخيطِ إلَّا أن لا يجدَ إزارًا فَلَهُ لُبْسُ سراويلَ أو نعلينِ فَلَهُ لُبْسُ خفينِ أو نحوهِما حَتَّى يَجِدَ إزارًا ونعلينِ ولا فديَةَ، ويَحْرُمُ قَطْعُ الخُفينِ. ولا يَعْقِدُ عليه رِداءً ولا غيرَهُ إلَّا إزارًا ومِنْطَقَةً وهِمْيانًا فيهما نَفَقَةٌ لِحاجَةِ العَقْدِ، ويتقلَّدُ بِسيفٍ لحَاجَةٍ، ويحمِلُ جِرابَهُ وقِرْبَةً في عُنُقِهِ لا صدرِهِ، وله أن يَتَّزِرَ ويلتحِفَ بقميصٍ ويرتَدِيَ بِهِ وبرداءٍ موصَّل، وإن طَرَحَ على كَتِفَيْهِ قَبَاءً فَدَى. الخَامِسُ: الطِّيبُ، فمتى طيَّبَ مُحْرِمٌ ثَوْبَهُ أو بَدَنَهُ، أو استعمَلَهُ في أَكْلٍ أو شُرْبٍ، أو ادهانٍ أو اكتحالٍ، أو استعاطٍ، أو احتقانٍ، بحيثُ يَظْهَرُ طعمُهُ أو ريحُهُ، أو قَصَدَ شَمَّ دُهْنٍ مُطَيَّبٍ، أو مِسْكٍ أو كافُورٍ أو عَنْبَرٍ أو زَعْفَرانٍ أو وَرْس، أو ما يُنْبِتُهُ آدميٌّ لطيبٍ ويُتَّخَذُ

стр. 244

مِنْهُ كَوَرْدٍ وبنفْسَجٍ ومنثورٍ (١) ولَيْنوُفَرٍ (٢) وياسمَيِنَ ونحوِه، وشَمُّه، أو مسُّ ما يعلقُ به كماءِ وَرْدٍ حَرُمَ وَفَدى، لا إن شَئَم بِلا قَصْدٍ، أَو مَسَّ ما يعلقُ، أو شَمَّ ولو قَصْدًا فواكهَ أو عودًا بلا حرْق، أو نباتَ صحراءَ ونحوَهُ، أو ما ينبتُهُ آدَمِيٌّ لا بِقَصْدِ طيب كحِنّاءٍ وعُصْفُرٍ وقَرَنْفُلٍ، أو لِقَصْدِهِ ولا يُتَّخَذُ منه كريحانٍ فارِسيٍّ وهو الحَبَقُ، وَنَمَّامٍ (٣) وَبَرمٍ (٤) - وهو ثَمَرُ العِضَاةِ (٥) - كَأُمِّ غَيْلان ونحوِها، ونَرْجِسٍ وَمَرْزجُوشٍ (٦) أو ادهن بغير مطيَّب.

стр. 245

السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ واصطيادُهُ، وهو الوحشيُّ المأكولُ والمُتَولِّدُ منه ومن غيره، والاعتبار بأَصْلِهِ، فَحَمَامٌ وبَطٌّ وحشيٌّ، فمن أَتْلَفَ صَيْدًا أو بَعْضَهُ، أو تَلِفَ في يدِهِ بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ أو إشارةٍ لمريدٍ صيدَهُ، أو أعانَهُ بمناولةِ آلةٍ، ويَحْرُمُ ذَلِك، لا دلالةٍ على طيِبٍ ولِبَاسٍ، فعليهِ الجزاءُ إلَّا أن تقْتُلَهُ مُحْرِمٌ فبينَهُمَا. ولو دَلَّ حَلالٌ حَلالًا على صيد بالحَرَمِ فكما لو دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، وَحَرُمَ أكلُهُ من ذَلِكَ كُلِّهِ، وكذا ما ذُبِحَ أو صيد لأَجله. ويلْزَمُهُ بأكلِهِ الجزاءُ، وما حَرُمَ عليه لِدَلالَةٍ أو إعانةٍ أو لكونِهِ صِيدَ لَهُ لا يَحْرُمُ على محرمٍ غيرِهِ كحلال. وإن نَقَلَ بيضَ صَيْدٍ فَفَسَدَ، أو حَلَبَ صَيْدًا ضَمِنَ ذَلِكَ بقيمَتِهِ مكانَهُ، لا إن أتلفَ بَيْضًا مَذِرًا أوفيه فَرْخٌ مَيِّتٌ، إلَّا بيضَ نَعَامٍ؛ لأَن لقشرِهِ قِيمَة. ولا يملِكُ صَيْدًا ابتداءً بغير إرْثٍ، فلو قبضَهُ رَهْنًا أو هِبَةً أو بشراءٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وعليه إن تَلِفَ قبلَهُ الجزاءُ مع قيمته في هِبَةٍ وشراءٍ. وإن أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ أو حَلالٌ بالحَرَم فَذَبَحَهُ ولو بعد حِلِّهِ أو إخراجِهِ من الحَرَمِ ضَمِنهُ وكان ميتةً في حَقِّهِ وحَقِّ غيره، وإن ذَبَح مُحِلٌّ صيدَ حَرَمٍ فكالمُحْرِم.

стр. 246

ومن قَتلَ صَيْدًا صَائِلًا دَفْعًا عن نفسِهِ أو بتخليصِهِ من سَبُعٍ أو شَبَكَةٍ ليطلِقَهُ، أو قَطَعَ مِنْهُ عُضوًا مُتآكِلًا لم يَحِلَّ ولم يَضمَنْهُ، ولا تأثيرَ لِحَرَمٍ ولا إحْرَامٍ في تحريم حَيوانٍ إنْسِيٍّ، ولا في مُحَرَّمِ الأَكْلِ إلَّا المُتَولِّدِ. ويحرُمُ بإحرامٍ قتلُ قَمْلٍ وصِئْبَانِهِ لا براغيثَ ولو بِزِئْبَقٍ ونحوه، وكذا رَمْيُهُ، ولا جزاءَ فيه. ولا يَحْرُمُ صَيْدُ البَحْرِ والأَنْهارِ والعيُونِ. وَيُسَنُّ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ في الحِل والحَرَمِ غيرِ آدميٍّ كالفَوَاسِقِ، -وهي: الحِدَأَةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، وغُرابُ البَيْنِ، والفَأْرَةُ، والحَيّةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ-، والأَسَدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والبَازِيِّ، والصَّقْرِ، والشَّاهِينِ، والعُقابِ، والحَشَراتِ المُؤْذِيَةِ، والزَّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَراغِيثِ، والرَّخَمِ، والبُومِ، والدِّيدانِ، ولا جزاءَ في ذَلِكَ. وإن احتاجَ إلى فِعْلِ مَحْظُورٍ فَلَهُ فِعْلُهُ وعليه الفِداءُ. السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكاح، فلا يَتَزَوَّجُ ولا يُزَوِّجُ غَيْرَهُ بولايةٍ ولا وَكَالةٍ، ولا يَقْبَلُ له النِّكَاحَ وَكِيلُهُ الحَلالُ، ولا تُزَوَّجُ المُحْرِمَةُ، والنَّكَاحُ في ذَلِكَ كُلِّه بَاطِل مطلقًا ولا فِدْيَةَ، ويَصِحُّ للنَّبِيِّ ﷺ .

стр. 247

والاعْتِبارُ بحالَةِ العَقْدِ. وتُكْرَهُ خِطْبَتُهُ، وخِطْبَةُ مُحِلٍّ مُحْرِمَةً كخِطبة عَقْدِهِ وحضورِهِ وشهادةٍ فيه، ويُبَاحُ الرَّجْعَةُ. الثَّامِنُ: الجِمَاعُ في فَرْجٍ أَصْلِيٍّ من آدَمِي أو غَيْرِهِ، فمن فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ ولو بَعْدَ الوُقُوفِ، فَسَدَ نُسُكُهُما، ولو سَاهيًا وجَاهِلًا أو مُكْرَهًا، أو نائِمَةً، ويَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، وعليهما المُضِيُّ في فاسده. وحُكْمُهُ حُكْمُ الإحرامِ الصَّحِيحِ، فَيَفْعَلُ بَعْدَ الإفْسَادِ كما كان يَفْعَلُ قَبْلَهُ، مِنَ الوُقُوفِ وغيره، ويَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ من الوَطْءِ وغيرِهِ، وعليه الفِدْيةُ إذا فَعَلَ محظورًا، والقَضَاءُ على الفَوْرِ، ولو نَفْلًا إن كانا مُكَلَّفَيْنِ، وإلَّا بعدَهُ بَعْدَ حَجَّةِ الإسلامِ على الفَوْرِ. وَيَصِحُّ قَضاءُ عَبْدٍ مُكَلَّفٍ في رِقِّه من حَيْثُ أَحْرَما أَوَّلًا من الميقاتِ أو قبله، فإن أَفْسَدَ القضاءَ، قَضَى الواجِبَ. وَنَفَقَةُ المرْأةِ في القضاءِ عليها إن طاوَعت، وإن أُكْرِهَتْ فعلى مُكْرِهِهَا. وَيُسَنُّ تفرقُهُما في القَضاءِ من المَوْضِعِ الذي أصابَها فيه إلى أن يُحِلَّا، بأن لايَرْكَبَ مَعَها على بَعِيرٍ، ولا يَجْلِسَ معها في خِباءٍ وما أَشْبَه ذَلِك، بل يكونُ قريبًا منها يُراعي أَحْوالَها. والعُمْرَةُ في ذَلِكَ كالحَجِّ، يُفْسِدُها الوُطْءُ قبلَ الفَرَاغ من السَّعْي لا بعدَه، وَيجِبُ المُضِيُّ في فاسِدِها، والقضاءُ والدَّمُ، وهو شَاةٌ. لكن

стр. 248

إن كانَ مَكِّيًّا أو مُجاورًا بها، أَحْرَمَ للقَضَاءِ من الحِلِّ سواءٌ كانَ قد أَحْرَمَ بها منه، أو لا. وإن أَفْسَدَ المُتَمَتِّعُ عُمْرَتهُ وَمَضَى في فاسِدها وَأَتَمَّها، خَرَجَ إلى الميقاتِ فَأَحْرَمَ منه بِعُمْرَةٍ، فإن خَافَ فَوْتَ الحَجِّ أَحْرَمَ به من مَكَّة، وعليه دَمٌ. فإذا فَرَغَ من حَجِّهِ خَرَجَ فَأَحْرَمَ من الميقاتِ بعُمْرةٍ مكان التي أَفْسَدَها، وعليه هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذا قَدِمَ مَكةَ لِمَا أَفْسَدَ من عُمْرَتِهِ. وإن أَفْسَدَ المُفْرِدُ حَجَّتَهُ وأَتَمَّهَا، فَلَهُ الإحرامُ بالعُمْرَةِ مِن أَدْنَى الحِلِّ، وإن أَفْسَدَ القَارِنُ نُسُكَه، فعليه فِداءٌ واحِدٌ. وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ وقبلَ الثَّانِي لم يَفْسُدْ حَجُّهُ، قارنًا كان أو مُفْرِدًا، لكنْ فَسَدَ إحْرامُه. فَيُحْرِمُ من الحِل ليَطُوفَ للزِّيَارَةِ في إحرامٍ صَحيح، وَيَسْعَى إن لم يَكُنْ سَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لأَنَّ عليه بَقِيَّةَ أفعال الحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ شَاةٌ. والقَارِنُ كالمُفْرِدِ، ولا فِدْيَةَ على مُكْرَهَةٍ، ولا يَلْزَمُ الواطئُ الفِدْيَة عنها. التَّاسِعُ: المُبَاشَرَةُ فيما دُونَ الفَرْجِ لِشَهْوَةٍ بِوَطْءٍ أو قُبْلَةٍ أو لَمْسٍ، وكذا نَظَرٌ لِشَهْوَةٍ، فإن فَعَلَ فَأَنْزَلَ أو لا فعليهِ بَدَنَةٌ ولم يَفْسُدْ نُسُكُه؛ لأَنه لا يفسُدُ إلَّا بالوطءِ في الفَرْجِ.

стр. 249

فَصْلٌ والمَرْأَةُ إحْرامُها في وَجْهِها، فَيَحْرُمُ تغطيتُهُ بِبُرْقعٍ أو نِقابٍ أو غيرِه، فإن غَطَّتْه لغير حَاجَةٍ، فَدَت، ولحاجةٍ كمُرُورِ رِجَالٍ قريبًا منها، تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِن فَوْقِ رَأْسِهَا على وَجْهِهَا، ولو مَسَّ وَجْهَهَا. وَيَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرَّجُلِ إلَّا لُبْسَ المخيطِ والتَّظْلِيلِ بِالْمَحْمِلِ ونحوِه. وَيَحْرُمُ عليهما لُبْسُ قُفَّازَيْن وهو كُلُّ ما يُعْمَلُ لليَدِ إلى الكُوعِ وفيه الفدية. ويُبَاحُ لها خَلْخَالٌ ونحوُهُ من حُلِيٍّ. وَيُسَنُّ لها الخِضَابُ عِنْدَ الإحرامِ، وكُرِهَ بَعْدَهُ، فإن شَدَّتْ يديها بِخِرْقَةٍ فَدَتْ، ويكرَهُ لَهُما كُحْلٌ بإثمدٍ ونحوِه غَيْرُ مُطَيَّبٍ لزينةٍ، ولا يُكْرَهُ غيرُه إن لم يكن مُطَيَّبًا، ويَجُوزُ لَهُمَا لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْليِّ وَغيرِهما، وَقطْعُ رائِحَةٍ كريهةٍ بغير طيبٍ، واتجارٌ، وعملُ صَنْعَةٍ ما لم يُشْغِلا عن واجبا أو مُسْتَحَبٍّ، وَنَظر في مرآةٍ لِحَاجَةِ، وكُرِه لزينةٍ، وَلَهُ لُبْسُ خَاتَم. تَنْبِيهٌ: وَيَتَأَكَّدُ في حَقِّ المُحْرِم اجتنابُ ما نَهَى اللَّهُ عنه مِنَ الرَّفَثِ وهو الجِمَاعُ، وكذا التَّقْبِيلُ والغَمْزُ، وأن يُعَرِّض لها بالفُحْشِ

стр. 250

من الكَلامِ واجتنابُ الفُسُوقِ وهو السِّبَابُ، واجتنابُ الجِدَالِ وهو المِراءُ فيما لا يَعني. وَيُسَنُّ لَهُ بِتَأكُّدٍ قِلَّةُ الكَلامِ إلَّا فيما يَنْفَعُ، وأن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبِيَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى، وقِراءَةُ القُرآن، والأَمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ، وَتَعْلِيمُ الجَاهِلِ ونحوُ ذَلِكَ. * * *
следующие страницы →