فَائِدَةٌ: وإن أَخَّرَ طوافَ الزِّيَارَةِ أو القدُومِ فطافَهُ عِنْدَ الخروجِ كفاهُ عَنْهُمَا (١).
فَصْلٌ في زِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّريفِ ﵇ وَقَبْرِ صاحبيهِ، ﵄
وهي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثى (٢)، فإذا دَخَلَ مَسْجِدَ المَدِينَةِ قَالَ ما يَقُولُهُ في دُخُولهِ غَيْرَهُ مِنَ المَساجِدِ، ثُمَّ يُصلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ ثُمَّ يأتي القَبْرَ الشَّرِيفَ، فَيَقِفُ قُبَالَةَ وَجْهِه ﷺ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الحُجْرَةِ والمِسْمَارَ الفِضَّةَ الذي في الرُّخامَةِ
стр. 282
الحَمْراءِ، فَيُسَلِّمُ على جَنَابِهِ الشَّريفِ فيقولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، وإن زَادَ على ذَلِكَ فَحَسَنٌ، ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ يَسْتقبلُ القِبْلَةَ، والحُجْرَةُ عن يَسارِهِ قَريبًا لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَهُ ﷺ ، وَيَدْعُو (١)، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قليلًا من مَقَامِ سَلامِهِ نحوَ ذِراعٍ على يمينِهِ، فَيُسَلِّمُ على أبي بكرٍ ﵁ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ نحوَ ذراعٍ على يمينِهِ، أيضًا، فَيُسَلِّمُ على عُمر ﵁.
وَيَحْرُمُ الطَّوافُ بالحُجْرَةِ، ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدها.
ولا يَتَمَسَّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يمسُّهُ ولا حائِطَهُ، ولا يُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ ولا يقَبِّلُه.
وَتُسَنُّ الصَّلاةُ بِمَسْجِدِه ﷺ ، وأن يَأْتيَ مَسْجِدَ قُباءَ فَيُصَلِّيَ فيه ركعتينِ، وعادَ إلى قَبْرِ رسول الله ﷺ فَوَدَّع، وأعادَ الدُّعاءَ.
стр. 283
وَسُنَّ أن يَقُولَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ من حَجِّهِ مُتَوَجِّهًا: "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، آيبُونَ تَائِبونَ عابِدونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَق اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (١).
وَيَحْسُنُ أن يُقالَ لِلْحاجِّ إذا قَدِمَ: تَقَبَّلَ اللهُ نُسُكَك، وَأَعْظَمَ أَجْرَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
وكانوا يَغْتَنِمُونَ أَدْعِيَةَ الحَاجِّ قَبْلَ أن يَتَلَطَّخوا بالذُّنُوبِ.
فَصْلٌ في صِفَةِ العُمْرَةِ
مَنْ كان في الحَرَمِ مِن مَكِّيٍّ وغيرِه، خَرَجَ إلى الحِلِّ، فَأَحْرَمَ مِن أدْناه، والأَفْضَلُ مِن التَّنْعِيمِ ثُمَّ مِنَ الجِعْرَانَةِ، ثُمَّ من الحُدَيْبِيَّةِ، ثُمَّ ما بَعُدَ، وَمَن كانَ خَارِجَ الحَرَمِ داخلَ الميقاتِ فمن دُوَيْرَةِ أهْلِه، وَحَرُمَ مِنَ الحَرَم، وَيَنْعَقدُ وعليه دَمٌ.
ثُمَّ يَطوفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ وَيُقصِّرُ، ولا بَأْسَ بها في السَّنَةِ مِرارًا، وهي في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُها في رمضان.
وَيُسَنُّ تكرَارُها فيه، ويُكْرَهُ الإكثارُ مِنْها في غيره، والموالاةُ بَيْنَهُما، وَتُسَمَّى حَجًّا أَصْغَرَ.
стр. 284
فَصْلٌ في أَرْكَانِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وَوَاجِبَاتِهِمَا
أَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ:
الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الزِّيَارَةِ، والسَّعِي.
وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ:
الإحرامُ مِن الميقاتِ، والوقُوفُ بِعَرَفَة إلى اللَّيْل، والمبيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إلى دخولِ النِّصفِ الثَّاني، والمَبيتُ بِمنىً، والرمي مُرتبًا، والحلقُ أو التَّقْصيرُ، وطوافُ الوَدَاعِ.
وأركانُها ثَلاثَةٌ:
الإحرامُ، والطَّواف، والسَّعِيُ.
وواجِبُها اثنان:
الإحرامُ من الحِلِّ، والحَلْقُ أو التَّقْصيرُ. وما عدا ذَلِكَ سُنَنٌ، فمن تَرَكَ الإحرام لم يَنْعَقِد نُسُكُهُ أو رُكنًا غَيْرَهُ أو نيتَهُ إن شُرِطَتْ لم يَتِمَّ نُسُكُهُ إلَّا بِهِ.
وَمن تَرَك واجِبًا ولو سَهْوًا فعليه دَمٌ، ولا شيءَ في تَرْكِ السُّنَّةِ إلَّا أنَّه يَنْقُصُ بذلك أَجْرُهُ.
ويُكْرَهُ تَسْمِيةُ من لم يَحُجَّ صَرُورةً -بالصاد المهملة- لأَنَّه اسمٌ جَاهِليٌّ، وأن يقال حِجَّةُ الوَداعِ، لأَنَّه اسم على أن لا يَعُودَ، وَشَهْرُ السِّلاحِ عِنْدَ قدومِ تَبُوكَ.
стр. 285
بَابُ الفَواتِ والإحْصَارِ
الفَواتُ سَبْقٌ لا يُدْرَكُ، والإحْصارُ الحَبْسُ.
فمن طَلَعَ عليه فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ، ولم يَقِفْ بِعَرَفَةَ لِعُذْرِ حَصْرٍ أو غيرِهِ أو لِغَيْرِ عُذْرٍ فاتَهُ الحَجُّ، وانْقَلَبَ إحرامُهُ عُمْرَةً إن لم يَخْتَرِ البَقَاءَ عليه لِيَحُجَّ من قَابِلٍ، ولا تُجْزِئُهُ عن عُمْرَةِ الإسلامِ كمنذورةٍ، وعليه القَضَاءُ، ولو نَفْلًا، وعلى مَن لم يَشْتَرِطْ أَوَّلًا هَدْيٌ شاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ من حينِ الفَواتِ يَذْبَحُه في القضاءِ، فإن كان قارِنًا قَضَى قارنًا. فإن عَدِمَ الهَدْيَ زَمَنَ الوجُوبِ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ: ثَلاثةً في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذا رَجَعَ ثُمَّ حَلَّ.
والعبدُ لا يُهْدِي، ولو أَذِنَ لَهُ سَيَّدُهُ بل يصومُ، وهكذا كُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ في الإحرامِ، ولا يُجْزِئُهُ عنه إلَّا الصِّيامُ، فيصومُ عن كُل مُا من قيمةِ الشَّاةِ يَوْمًا.
فَائِدَةٌ: إذا وَقَفَ كُلُّ الحَاجِّ إلَّا يسيرًا الثَّامِنَ أو العَاشِرَ خطأً أَجْزَأَهُم. ومن مُنِعَ البَيْتَ ولو بَعْدَ الوقوفِ أو في عُمْرةٍ ذَبَحَ هَديًا بنيةِ
стр. 286
التَّحَلُّلِ وجُوبًا، فإن لم يَجدْهُ صامَ عَشَرَةِ أيّامٍ بالنِّيَّةِ، وَحَلَّ، ولا إطْعامَ فيه، ولو نوى التَّحَلُّلَ (١) قبل أَحَدهما لم يَحِلَّ، ولَزِمَهُ دمٌ لِتَحَلُّلِهِ، ولِكُلِّ محظورٍ فَعَلَهُ بَعْدَه.
ويُبَاحُ التَّحلُّلُ لِحَاجَةِ قِتَالٍ أو بَذْلِ مَالٍ لا يسيرٍ لِمُسْلِمٍ، ولا قضاءَ على من تَحَلَّلَ قَبْلَ فَواتِ الحَجِّ في نَفْلٍ، ومثلُهُ من جُنَّ أو أُغْمِي عليه.
ومن حُصِرَ عن طوافِ الإفاضةِ فقط لم يَحِلَّ حَتَّى يَطُوفَ (٢).
ومن حُصِرَ عن واجبٍ لم يَتَحَلَّلْ وعليه دَمٌ وحَجُّهُ صَحيحٌ.
ومن صُدَّ عن عَرَفَةَ في الحَجِّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ولا شيءَ عليه.
ومن أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أو ذهابِ نَفَقَةٍ أو ضَلَّ الطَّريقَ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَقْدِرَ على البَيْتِ، فإن فاتَهُ الحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، ولا يَنْحَرُ هديًا معه إلَّا بالحَرَمِ.
وَمَن شَرَطَ في ابتداءِ إحْرَامِهِ أن يُحِلَّ مَتَى مَرِضَ، أو ضاعت نفقتُهُ، أو نَفِدَتْ، ونحوُهُ، أو قال: إن حَبَسَني حَابِسٌ، فَمَحِلِّي من حيثُ حَبَسْتَنِي، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بجميعِ ذَلِكَ ولا شيءَ عليه.
* * *
стр. 287
بَابُ الهَدْي والأَضَاحِي
الهَدْيُ ما يُهدَى إلى الحَرَمِ من نَعَمٍ وغيرها، والأضْحِيةُ ما يُذْبَحُ من بَهِيمَةِ الأَنْعامِ أَيَّامَ النَّحْرِ بِسَبَبِ العيدِ تَقرُّبًا إلى الله تعالى.
والأَفْضَلُ إِبلٌ ثُمَّ بَقرٌ ثُمَّ غَنَمٌ إن أَخْرَجَ كَامِلًا، والأَفْضَلُ مِن كُلِّ جِنْسٍ أَسْمَنُ ثُمَّ أغلَى ثَمَنًا، ثُمَّ أَشْهَبُ، وهو الأَمْلَحُ، وهو الأَبيضُ، أو ما بَيَاضُهُ أَكْثَرُ من سَوادِه، ثُمَّ أصْفَرُ، ثُمَّ أسْوَدُ.
وَجَذَعُ ضَأْنٍ أَفْضَلُ من ثَنِيِّ مَعْزٍ، ومِنْ سُبُعِ بقَرَةٍ أو بَدَنَةٍ شاةٌ، ومِنْ بقَرَةٍ أو بَدَنَةٍ سَبع شياهٍ، وتَعَدُّدٌ في جِنْسٍ أَفْضَلُ من المُغَالاتِ بالثَّمَنِ، وذكرٌ كَأُنثى.
ولا يُجْزِئُ إلَّا جَذَعُ ضَأْنٍ أو ثَنِيُّ غيرِهِ، فَجَذَعُ ضَأْنٍ الذي له ستةُ أَشْهُرٍ، وثنيُّ مَعْزٍ له سَنَةٌ، وثنيُّ بَقَرٍ الذي له سنتانِ، وثَنِيُّ إبلٍ الذي له خمسُ سنين، وتُجْزِئُ شاةٌ عن واحدٍ وعن أهل بيته وعيالِهِ، وبَدَنَةٌ أو بقَرَةٌ عن سبعةٍ، ويُعْتبَرُ ذَبحُها عنهم.
وَتُجْزِئُ جَمَّاءُ وَبَتراءُ وخَصِيٌّ وَمَرْضُوضُ الخُصيَتَينِ، وما خُلِقَ
стр. 288
بلا أذنٍ أو ذَهَبَ نِصْفُ أليتيهِ أو أُذُنِهِ، لا بيِّنَةُ العَوَرِ، ولا قَائِمَةُ العَيْنَيْنِ مع ذَهَابِ أَبْصارِهِما، ولا عَجْفَاءُ لا تُنْقِي؛ وهي الهَزِيلَةُ التي لا مُخَّ فيها، ولا عَرْجَاءُ لا تُطِيقُ مشيًا مع صحيحةٍ، ولا بيِّنَةُ المَرَضِ، ولا جَدَّاءَ وهي التي شابَ وَنَشِفَ ضَرْعُها، ولا هَتْماءُ، وهي التي ذَهَبَتْ ثنايَاها من أصْلِها، ولا عَصْماءُ، وهي ما انْكسرَ غِلافُ قَرْنها، ولا خَصِيٌّ مجبوبٌ، ولا عضباءُ وهي ما ذَهَب أكثرُ أُذُنِها أو قَرْنها، وتُكْرَهُ مَعِيبَتُهُما بِخَرْقٍ أو شَقٍّ أو قَطْعِ النِّصْفِ فَأَقَلَّ.
فَصْلٌ
والسُّنَّةُ نَحْرُ إبلٍ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُها اليُسْرَى، بأن يطعَنَها في الوَهْدَةِ وهي ما بَيْنَ أَصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ على جَنْبِها الأَيْسَرِ مُوَجَّهَةً إلى القِبْلَةِ، وَيَجُوزُ عكسُهُ، وَيُسَمِّي حين يُحَرِّكُ يَدَهُ بالفِعْلِ، وهي شَرْطٌ، لكنها تَسْقُطُ سَهْوًا لا جَهْلًا، ويَقُولُ: "اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ وَلَكَ" (١).
وَيَذْبَحُ الواجِبَ قَبْلَ النَّفْلِ.
وَيُسَنُّ إسلامُ ذابحٍ، ويُكْرَه ذَبْحُ كِتابيٍّ، وذبحُ غيره من الكُفار
стр. 289
مَيْتَةٌ. وَيُسَنُّ أن يتولَّى صاحِبُها ذَبْحَها بنفسِهِ، ويحضُرُ إن وَكَّلَ، وتُعتبَرُ نيتُهُ إِذَنْ إلَّا مع التَّعْيِينِ.
وَوَقْتُ ذَبْحِ أُضْحِيَةٍ، وهَدْيِ نَذْرٍ أو تَطَوُّعٍ أو مُتْعَةٍ أو قِرانٍ من بَعْدِ أَسْبَقِ صلاةِ العيدِ بالبَلَدِ أو قدرِهَا لمن لم يُصَلِّ، وإن فاتت الصَّلاةُ بالزَّوالِ ذَبَحَ وآخِرُهُ آخِرُ اليوم الثَّاني من أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ويُكْرَهُ في ليلتِهِمَا.
فإن فات الوقتُ قَضَى الواجِبَ وسقطَ التَّطَوُّعُ.
ووقتُ ذبحِ واجبٍ بِفِعْلِ محظورٍ من حينِهِ، وإن أرادَ فِعْلَهُ لِعُذْرٍ فَلَهُ ذَبْحُهُ قبلَهُ، وكذا ما وَجَبَ لِتَرْكِ واجِبٍ.
فَرْعٌ: وَيَتَعَيَّنُ الهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هذا هَدْيٌ. أو بِتَقْلِيدِهِ، أو إشْعَارِهِ مع النِّيَّةِ فيهما.
وتتعيَّنُ الأَضحيةُ بقوله: هذه أُضْحِيةٌ أو للهِ ونحوه من ألفاظِ النَّذْرِ فيهما، لا بالنِّيَّةِ حَالَ الشِّراءِ، ولا بِسَوْقِهِ مع نيتِهِ كإخراجِهِ ما لا يُتَصَدَّقُ بِهِ. وما تَعَيَّنَ جَازَ نَقْلُ المِلْكِ فيه وشراءُ خَيْرٍ مِنْهُ، ولا يجوزُ بَيْعُهُ في دَيْنٍ ولو بَعْدَ مَوْتِ من عَيَّنَهُ.
وإن عُيِّنَ مَعْلُومٌ عيبُهُ تعَيَّنَ، وإن عَلِمَ عَيْبَهُ بعد التَّعْيِينِ مَلكَ الرَّدَّ، وإن أُخِذَ الأَرْشُ تُصُدِّقَ بِهِ أو اشْتُرِيَ بِهِ لَحْم وتُصُدِّقَ بِه إن لم يَتَّسِعْ لِشاةٍ.
стр. 290
وله ركوبُ المُعَيَّنِ لِحَاجَةٍ فقط بلا ضَرَرٍ ويَضْمَنُ النَّقْصَ، وإن ولدت ذُبِحَ معها إن أمكنَ حملُهُ أو سَوْقُهُ وإلَّا فكَهَدْي عَطِبَ.
ولا يشربُ من لَبَنِها إلَّا ما فَضَلَ عنه، وَيَجُزُّ صُوفَها لِمَصلَحَةٍ، وَيَتَصَدَّقُ به، وله إعطاءُ الجَازِرِ منها هَدِيةً وَصَدَقةً، لا بِأُجْرَةٍ، وينتفعُ أو يَتَصَدَّقُ بِجِلْدِها وجُلِّها، وَيَحْرُمُ بيعُ شيءٍ منهما أو منها.
وإن سُرِقَ مَذْبوحٌ من أُضْحِيةٍ أو هديٍ مُعَيَّنٍ ابتداءً أو عن واجِبٍ في الذِّمَّةِ ولو بنذرٍ فلا شيءَ فيه، وإن لم يكن مُعينًا ضُمِنَ.
وإن ذَبَحها ذَابِحٌ في وقْتِها بلا إِذْنٍ، فإن نَواها عن نفسِهِ مع عِلْمِهِ أنَّها أُضحِيَةُ الغَيْرِ لم تُجْزِئْ واحدًا منهما، وإن فَرَّقَ اللحم مالِكُها أجزأَتْهُ وَضَمِنَ ذابِحٌ ما بين القيمتينِ، وإن فَرَّقَ اللَّحْمَ ضَمِنَ قيمتَها، وإن نواها عن رَبِّها أو أَطْلَقَ أجزأتْ ولا ضمان.
وإن ضَحَّى كُلٌّ بأضحيةِ الآخَرِ غَلَطًا أجزأتْهُما ولا ضمان، وإن بقِيَ اللَّحْمُ فَرَّقَ كُلٌّ أُضْحِيَتَهُ.
وإن أتلَفَها أجنبيٌّ أو صاحِبُها ضَمِنَها بقيمَتِها يَوْمَ التَّلَفِ تُصْرَفُ في مثلِها، بخلافِ عَبْدٍ تَعيَّن لعِتْقٍ فلا يلزَمُ صَرْفُ قيمتِهِ في مثلِهِ.
ولو مَرِضَتْ فَخَافَ عليها فَذَبَحَها فعليه بَدَلُهَا، ولو تَرَكَها فماتَتْ فلا، وإن فضل عن شِراءِ المِثْلِ شيءٌ فحكْمُهُ كَأَرْشِ مَعيبٍ.
وإن عَطِبَ بالطَّرِيقِ هديٌ واجِبٌ أو تطوعٌ بِنِيَّةٍ دامت ذبحَهُ
стр. 291
مَوْضِعَه. ويُسَنُّ غَمْسُ نعلِهِ في دَمِهِ، وَضَرْبُ صَفْحَتِه بِها لِيَعْرِفَها الفُقراءُ فَيَأْخُذُوها، وَحَرُمَ أَكْلُهُ وأَكْلُ خاصّتِهِ منها.
وإن تَلِفَ أو عَابَ بفعلِهِ أو تفريطِهِ لَزِمَهُ بَدَلُهُ كَأُضْحِيَةٍ، وإِلَّا أَجْزَأَ ذبحُ ما تعيَّبَ مِنَ الواجِبِ بالتَّعْيينِ كتعيينهِ مَعيبًا فَبَرِئَ.
وإن وَجَبَ قَبْلَ تعيينٍ كفديةٍ ومنذورٍ في الذِّمَّةِ فلا، وعليه نظيرُهُ، ولو زَادَ عَمَّا في الذمَّةِ، وكذا لو سُرِقَ أو ضَلَّ ونحوُهُ.
ولَيْسَ له استرجاعُ عاطِبٍ، ومعيبٍ، وَضَالٍّ وُجِدَ ونحوه.
فَائِدَةٌ: يَجِبُ الهَدي بالنَّذْرِ، ومنه: إن لَبِسْتُ ثَوْبًا مِن غَزْلكَ، فهو هَدْيٌ. فَلَبِسَهُ، أَهْداهُ وعليه إيصالُهُ إلى فُقَراءِ الحَرَمِ.
ويبيعُ غَيْرَ المَنْقُولِ كالعَقارِ، وَيَبْعَثُ ثَمَنَهُ لهم. وإن عَيَّنَهُ لِمَوْضِع غَيْرِ الحَرَمِ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فيه، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ على مَسَاكِينِهِ، أو إطْلاقهُ لهم، إلَّا أن يكونَ فيه صَنَمٌ أو شيءٌ من الكُفْرِ أو المعاصِي، كبُيُوتِ النَّارِ والكنائِسِ وَنَحْوِها فلا يُوفِ به.
وإن نَذَرَ هديًا وأَطْلَقَ فَأَقَلُّ مجزئٍ شاةٌ أو سُبع بَدَنةٍ أو سُبْعُ بقَرَةٍ، وإن ذَبَح إحداهُما عنه كانَتْ كُلُّها واجِبَةً، وإن نَذَرَ بَدَنَةً أجْزأَتْهُ بقَرَةٌ إن أطلقَ، وإلَّا لَزِمَهُ ما نواهُ، وإن نَذَرَ مُعينًا أَجْزَأَهُ ولو صغيرًا أو معيبًا.
ويُسَنُّ أن يَأْكُلَ من هديهِ التَّطوعِ ويُهْدِيَ ويتصدَّقَ أثلاثًا
стр. 292
كالأُضْحِيَةِ، فإن أَكَلَها ضَمِنَ المشروعَ للصَّدَقَةِ منها كالأُضْحِيَةِ، وإن فَرَّق أجنبيٌّ نَذْرًا بِلا إِذْنِ لم يضمَنُ.
ولا يَأْكُلُ من واجبٍ إلَّا من دمِ مُتعَةٍ وقرانٍ، وما جازَ لَهُ أكلُهُ فَلَهُ هديتُهُ وما لا فلا، فإن فَعَلَ ضَمِنَهُ بمثلِهِ لَحْمًا، ويضمنه أجنبيٌّ بقيمَتِهِ.
تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ سَوْقُ الهَدْي مِنَ الحِلِّ وأن يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وإشعارُ البُدْنِ والبَقَرِ بِشَقِّ صفحةِ سَنَامِها اليُمنى أو مَحَلِّهِ مِمَّا لا سَنَامَ لها حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، وتقليدهما مَعَ غَنَمٍ النَّعْلَ وآذانَ القِرَبِ والعُرَى، وإن ساقَهُ من قبل الميقاتِ أَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ.
فَصلٌ
والأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُسْلِمٍ، ولو مُكاتَبًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، ويُكْرَهُ تَرْكُها لقادِرٍ عليها، وتَجِبُ بِنَذْرٍ، وكانت واجِبَةً على النَّبِيِّ ﷺ .
وَذَبْحُ أُضْحِيةٍ وعقيقةٍ أفْضَلُ من الصَّدَقَةِ بثَمَنِهِما.
وَيُسَنُّ أن يَأْكُلَ منها، ويُهْدِيَ، وَيَتَصَدَّق أَثْلاثًا ولو واجبةً، لكن لا يُهدي لِكَافِرٍ من واجبةٍ، ولا يُهْدِي ولا يَتَصَدَّقُ من أُضْحِيَةِ يَتِيمٍ ولا المُكاتَبِ.
стр. 293
ويجوزُ قَوْلُ مُضَحٍّ: "من شَاءَ اقْتَطَعَ" (١). وَأَكْلُها إلَّا ما يقعُ عليه الاسمُ، فلو أَكَلَ الجميع ضَمِنَ ما يَقَعُ عليه الاسم بمثلِهِ لَحْمًا، ويُعْتبَرُ تمليك الفَقِيرِ فلا يكفي إطعامُهُ.
فَائِدَةٌ: إذا دَخَلَ العَشْرُ حَرُمَ على مُريدٍ أن يُضَحِّي أو يُضحَّى عنه أَخْذُ شيءٍ من شعرِهِ أو ظُفُرِهِ أو بشرتهِ إلى الذَّبْحِ، فإن فَعَلَ تَابَ ولا فديةَ. ويُسنُّ حَلقُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، ولو أَوْجَبَها ثُمَّ مات قَبْلَ الذَّبْحِ أو بعده قام وارثُهُ مَقَامَهُ.
فَصْلٌ
والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَدَةٌ في حَق الأَبِ، وهي عن الغُلامِ شاتانِ مُتقارِبتانِ سِنًّا وَشَبَهًا، فإن تَعَذَّرَتا فواحِدَةٌ، وعن الجَارِية شَاةٌ. فإن لم يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَعُقُّ بِهِ اقْتَرَضَ إن كَانَ لَهُ وَفَاءٌ.
ولا يعقُّ غَيْرُ الأَبِ ولا المولودُ عن نفسِهِ إذا كَبِرَ، فإن فَعَلَ لم يُكْرَه فيهما.
تُذْبَحُ في سَابِعِ ولادَتِهِ، ويُحْلَقُ فيه رَأْسُ ذَكَرٍ، ويُتَصَدَّقُ بوزنِهِ ورِقًا، وكُرِهَ لَطْخُه من دَمِها. ولا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ أو بقرةٌ إلَّا كامِلَةً، وتجوزُ قَبْلَ السَّابع، ويُسَمَّى فيه.
وَتَحْرُمُ التَّسْمِيةُ بِمُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله، كَعَبْدِ الكَعْبَةِ وَعَبْدِ النَّبِيِّ، وبما
стр. 294
يُوازي أسماءَ اللَّهِ، وبما لا يليقُ إلَّا بِهِ تعالى كَبَرٍّ، وقُدّوسٍ، وخَالِقٍ، وَرَحْمَنٍ، ومُهَيْمِنٍ، وَمَلِكِ الأَمْلاكِ.
وَكُرِهَ بِحَرْبٍ، وَيَسَارٍ، ومُرَّةَ، وَحَزْنٍ، ونَافِعٍ، وَأَفْلَحَ، ونَجِيحٍ، وبَرَكَةَ، وَيَعْلَى، ومُقْبِلٍ، ورافِع، ورَباحٍ، والعاصِي، وشِهَابٍ، والمُضْطَجِعِ، وَنَبِيٍّ، وكذا ما فيه تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ كالتَّقِيِّ، والزَّكِيِّ، والأَشْرَفِ، والأَفْضَلِ، وَبَرَّةَ، لا بأسماءِ الأَنبياءِ والملائِكَةِ.
وأحبُّ الأَسماءِ إلى الله هو عَبْدُ اللهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وكُلُّ ما أُضيفَ إلى الله فَحَسَنٌ، ولا يُكْرَهُ التَّكَني بأبي القاسم بعد النَّبِيِّ ﷺ .
وتُكْرَهُ التَّسْمِيةُ بأسماءِ الشياطينِ، كَخِنْزَبٍ، وَوَلْهَانٍ، والأَعْورِ، والأَجْدَعِ، وبأسماء الفَراعِنَةِ والجَبَابِرَةِ كفِرْعَونَ، وهامانَ، والوليد.
ويُسَنُّ تَغْييرُ الاسْمِ القَبيحِ إلى اسمٍ حَسَنٍ، وَيَحْرُمُ على كُلِّ أَحَدٍ أن يُلَقِّبَ أَحَدًا بما يكرَهُهُ سواءٌ كان مُنشِئَه أولم يكن؛ لأَن الله تعالى سَمَّاهُ فُسُوقًا، والسُّنَّةُ أن تَدْعُوَ أخَاكَ بِأَحَبِّ أسمائِهِ إليه، لكن إذا لم يُمكن تَعْرِيفُهُ إلَّا باللَّقَبِ جَازَ.
تَنْبِيهٌ: فإن لم يَفْعَلِ العقيقةَ يَوْمَ السَّابِعِ ففي أربعةَ عَشَرَ، فإن فاتَ ففي إحدٍ وعشرين، ولا تُعْتبَرُ الأَسابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وينزعُها أعضاءً، ولا يكسِرُ عظمها، وطبخُهَا أَفْضَلُ.
ويكونُ منه بِحُلْوٍ.
стр. 295
وَحُكْمُها كأُضْحِيَةٍ؛ لكن يُباعُ جِلْدٌ ورأْسٌ وسَواقِطُ، وَيَتَصَدَّقُ بثَمَنِهِ، ولا يعتبَرُ تملِيكها للفقيرِ، وإن اتَّفَقَ وقتُ أُضْحِيةٍ وعقيقةٍ فَعَقَّ أو ضَحَّى ونوى عنهُما حَصَلا.
وَيُسَنُّ أن يعطِيَ القَابِلَةَ مِنْها فَخِذًا.
وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِها: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وإِلَيْكَ، هذِهِ عِقيقِةُ فُلانٍ بن فُلانٍ" (١).
* * *
стр. 296
كتابُ الجهاد
وهو قِتَالُ الكُفارِ، وهو فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ إذا قَامَ بِهِ من يَكْفي، سَقَطَ وُجُوبُه عن غَيْرِهم، ويُسَنُّ في حَقِّهِمْ بِتَأَكُّدٍ.
ولا يَجِبُ إلَّا على ذَكَرٍ حُر مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ، وهو الصحِيحُ الواجِدُ بمِلْكٍ أو بَذْلِ الإمامِ أو نائبِهِ لزاده وما يَحملُهُ، وما يَكفي أهلَهُ في غَيْبتِهِ، وَأَقلُّ ما يُفْعَلُ مع القُدْرَةِ كُل عَامٍ مَرَّةً إلَّا أن تَدْعُوَ حاجةٌ إلى تأخيرِهِ لِضَعْفِ المسلمينَ، أو قلةِ عَلَفٍ أو ماءٍ في الطَّريقِ أو انتظارِ مَدَدٍ فيجوزُ تَرْكُهُ بِهُدْنَةٍ أو غيرها، لا إن رُجِيَ إسلامُهُمْ، ولا يعتبَرُ أَمْنُ الطَّرِيقِ، ونُسِخَ تحريم القتالِ في الأَشْهرِ الحُرُمِ.
ومن حَضَرَ الصَّفَ، أو حصَرَهُ أو حَصَرَ بلدَهُ عَدو، أو احتاجَ إليه بعيدٌ، أو تقابَلَ الزَّحْفانِ، أو استنفَرَهُ من له استنفارُهُ ولا عُذْرَ، تَعيَّنَ عليه ولو عَبْدًا.
ولا ينفرُ في خُطبةِ الجُمُعَةِ ولا بَعْدَ الاقامَةِ لها، ولا يَقْطَعُ الصَّلاةَ التي هو فيها.
стр. 297
ولو نُودِي بالصَّلاةِ والنفِيرِ معًا صَلَّى ثُمَّ نَفَرَ مع البُعْدِ، ومع القُرْبِ ينفرُ ويُصَلي رَاكِبًا وهو أفضلُ.
ومُنِعَ ﷺ من نَزْعِ لأْمَةِ الحَرْبِ (١) إذا لَبِسَها حتَّى يَلْقَى العدو، ومن الرَّمْزِ بالعَينِ والإشارةِ بها، ومن الشِّعْرِ والخَطِّ وَتعلُّمِهما.
فَصْلٌ
أَفْضَلُ ما يُتَطَوَّعُ به الجِهَادُ، وهو أفْضَلُ مِن الرِّبَاطِ، وغَزْوُ البَحْرِ أفْضَلُ من غَزو البَرّ، وتكفرُ الشَّهَادَةُ كُلَّ ذَنْب غَيْرَ الديْنِ.
والجِهادُ من السياحَةِ، وأمَّا السياحَةُ في الأَرْضِ لا لِمَقْصُودٍ ولا إلى مَكَانٍ مَعْرُوفٍ فَمَكْرُوهَةٌ.
ويُغْزَى مَع كُل بَر وفاجِرٍ يحفَظانِ المسلمين. ويُسَنَ تشييعُ الغَازِي ماشيًا إذا خَرَجَ، لا تَلَقِّيه.
والرباطُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَة وهو الإقامةُ بِثَغْرٍ تقويَةً للمسلمين، وَأَقلُّهُ سَاعةٌ وتمامُهُ أربعونَ، وإن زادَ فَلَهُ أَجْرُهُ. وهو بأَشَدِّ الثّغُورِ خَوْفًا أَفْضَلُ، وأفْضَلُ من المقامِ بِمَكَّةَ، والصلاةُ بها أفضل من الصَّلاةِ بالثَّغْرِ.
ويُكْرَهُ لِغَيْرِ أهْلِ الثغْرِ نَقْلُ أهلِهِ من الذريةِ والنساءِ إليه لا إلى غير مَخُوفٍ.
стр. 298
والحَرْسُ في سبيل الله ثوابه عظيم وأجرُهُ جَسِيمٌ.
فَائِدَةٌ: وَحُكْمُ الهِجْرَةِ باقٍ لا ينقطع إلى يومِ القِيَامَةِ، وتَجِبُ على من يعجَزُ عن إظهار دِينه بِمَحَلٍّ يغلبُ فيها حُكْمُ الكُفْرِ أو البَدَعِ المُضِلَّةِ كَرَفْضٍ واعتزالٍ إن قَدَر، ولو امرأةً في عِدَّة بلا راحِلةٍ ولا مَحْرَمٍ، وتُسَنُ لِقَادِرٍ على إظهارِهِ.
ولا يُجَاهِدُ تَطوعًا من عليه دَين لآدمي ولو مُؤَجلًا ولا وفاءَ له إلَّا بإذن غريمِهِ أو رهن مُحْرِزٍ أو كفيل مَلِيءٍ، ولا مَنْ أبواهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ عاقلانِ إلَّا بإذنهما أو إِذنِ من يُوجد منهما، ولا طاعة للوالدينِ في تَرْكِ فريضةٍ كَحَج واجِب، وَتَعَلمِ عِلْم واجِبٍ يقوِّمُ بِهِ دينَه من طهارة وصلاةٍ وصيام ونحو ذَلِكَ.
* * *
стр. 299
كِتَابُ البَيْعِ
يَنْعَقِدُ بالمُعاطاةِ وبالإيجابِ والقَبول بسبعةِ شُروطٍ:
الرضى مِنَ البَائِع والمُشْتَرِي، وكونُهُما جائزَي التَّصَرفِ، وكونُ المبيعِ مالًا وهو ما فيه مَنْفَعَة مُبَاحَة في غَيْرِ الضَّرُورَةِ، وكونُهُ مَمْلُوكًا لبائِعِهِ أو مَأْذونًا له فيه، وكونُهُ مَقْدورًا على تسليمِهِ، وكونُهُ مَعْلومًا لَهُما برؤيةٍ أو صِفَةٍ تكفي في السَّلَمِ، وَكَوْنُ الثَّمَنِ مَعْلومًا لَهُما، فلا يَصِحُّ البَيْعُ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السّعْرُ.
وإن باعَ مُشاعًا بينَهُ وبَيْنَ غيره، أو عبدَهُ وعبدَ غيره بغير إِذنِهِ، أو عبدًا وحُرًّا، أو خَلًّا وخَمْرًا صفقةً واحدةً صَحَّ في نصيبهِ وفي عَبْده، وفي الخَلِّ في كُلِّ بقسطِهِ من الثَّمَنِ، ولِمُشْتَرٍ الخِيارُ.
ولا يَصِحُّ بلا حاجَةٍ البَيْعُ ولا الشِّراءُ مِمن تلزمُهُ الجُمُعَةُ بعد ندائِها الثَّاني الذي بين يَدَي الخطيب، وتَصِحُّ سَائرُ العقودِ.
ولا يَصِحُّ بَيْعُ عصيرٍ أو عِنَبٍ لمن يتخذُه خَمْرًا، ولا بَيْعُ سِلاحٍ في فتنةٍ، ولا بَيْعُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكافِرٍ لا يُعْتَقُ عليه ويَحْرُمُ.
стр. 300
ولا يَصِحُّ بَيْعُ مَأْكُولٍ ومشروبٍ ومشمومٍ لمن يشرَبُ عليه مُسْكِرًا، وَأَقْداحٍ ونحوها لمن يشربُهُ بها، ولا بَيْعُ بَيْضِ وَجَوْزِ ونحوِهِما لِقمارٍ، ولا شَرْيُ بَيْض وغيرِه مُكتَسَبٍ من القمارِ، ويحرُمُ أَكْلُهُ.
ولا بَيعُ أَمَةٍ وغُلامٍ لِمَن عُرِفَ بوطئ الدُّبُرِ أو لِلْغِنَاءِ، وكذا إجارتُهُما، ومن اتُّهِمَ بغلامِهِ فدبَّرَهُ وهو فاجِرٌ مُعْلِنٌ أُحيلَ بينهما.
ويَحْرُمُ سَوْمُهُ على سَوْمِ أخيه مع رِضى البائِعِ صَرِيحًا، ويَصِحُّ المَبيعُ، وأما المزايَدَةُ في المُناداةِ فجائزةٌ، وكذا سَوْمُ إِجارةٍ.
وَيَحْرُمُ ولا يَصِحُّ بيعُهُ على بيعِ أخيهِ المسلمِ ولا شراؤهُ على شرائِهِ، وكذا الإجارَة.
فَصْل
والشُّروطُ في البَيع ضَرْبانِ:
أَحَدَهُما: صحيحٌ، كشرطِ رَهْنٍ وضامِنٍ وتأجيل ثَمَنٍ، وَكَشَرْطِ البَائِعِ نَفْعًا معلومًا في المبيعِ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وكشرطِ المُشْتَرِي نفعَ البائِع كحمل الحَطَبِ أو تكسيرِهِ، وكتفْصيلِ الثَّوْبِ أو خياطتِهِ، وإن تجمَعَ بين شرطينِ كَحَمْلِ الحَطَبِ وتكسيره بَطَلَ البيعُ.
الثَّاني: فاسِدٌ، وهو نوعان:
أحدُهُما: يُبْطِلُ العَقْدَ، كَشَرْطِ عَقْدٍ آخَرَ من قَرْضٍ وغيره، أو ما يُعَلِّقُ البَيع كبعتك إن جِئْتني بِكَذا، أو إن رَضِي فلانٌ.
стр. 301
والثَّاني: لا يُبْطِلُهُ، كشرطِ أن لا خسارةَ أو متى نَفَقَ وإلَّا رَدَّهُ ونحو ذَلِك. وإن شَرَطَ البراءةَ من كُلِّ عَيْبٍ مجهولٍ لم يبرأ.
فَصْلٌ
والخِيارُ سَبْعةُ أَقْسَامٍ:
خِيارُ المَجْلِسِ، فَلِكُلٍّ من المُتبايعيْنِ الخَيارُ ما داما في مجلسِ العَقْدِ، فإذا تَفَرقا بأبدانِهِما عُرْفًا سَقَطَ.
الثَّاني: خِيارُ الشَّرْطِ، وهو أن يَشترطَاهُ أو أَحدُهما مُدَّةً معلومةً ولو طويلةً، وَحَرُمُ حيلةً لأَجلِ الربْحِ بالقَرْضِ، ولم يَصِحَّ البَيْعُ.
فَائِدَةٌ: وَيَنْتَقِلُ المِلْكُ زَمَنَ خيارِ الشَّرْطِ والمَجْلِسِ لِمُشْتَرٍ لكن يَحْرُمُ ولا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ في مبيعٍ وعِوَضِهِ مُدَّتَهُما إلَّا عتقَ مُشْتَرٍ مُطْلقًا، وكذا تصرفُهُ في المَبِيع والخيارُ لَهُ.
الثَّالِثُ: خِيارُ الغَبْنِ، فإذا غُبِنا أو أَحَدُهُما غَبْنًا يخرجُ عن العادةِ لِنَجْشٍ أو غيره فللمَغْبُونِ الخيارُ، لا إن غُبِنَ لاستعجالٍ.
الرابِعُ: خِيارُ التَّدْلِيسِ بما يزيدُ بِهِ الثَّمَنُ كتصريَةٍ، وتسويدِ شَعْرِ جارِيَةِ، فمن وَجَدَ شيئًا من ذَلِكَ فَلَهُ الخِيارُ.
فَائِدَةٌ: خِيارُ الغَبْنِ والعَيْبِ والتَّدْلِيس على التَّراخي ما لم يوجَدْ دَليلُ الرِّضا إلَّا في التَّصْرِيَةِ وهي جَمْعُ اللَّبَنِ في ضَرْعِ بَهِيمَةِ الأَنعامِ؛ فهو ثَلاثة أيامٍ.
стр. 302
الخَامِسُ: خِيَارُ العَيْبِ الذي تَنْقصُ به قيمَةُ المَبِيعِ كمرضٍ وَفَقْدِ عُضوٍ وزيادتِهِ، فإذا عَلِمَ العَيْبَ خُيِّرَ بين إمْساكٍ مع أَخْذِ الأَرْشِ أو رَدٌ وَأَخْذِ ثَمَنٍ، وإن تَلِفَ المَبِيعُ أو أعتِقَ ونحوهُ تَعينَ الأَرْشُ، وإن تعيب عندَهُ أيضًا خُيرَ فيه بَيْنَ أخْذِ الأَرْشِ أو رَدِّهِ مع دَفْعِ الأَرْشِ ويأْخُذُ الثَّمَنَ، وإن اختَلَفا عِنْدَ من حَدَثَ فَقَوْلُ مُشْتَرٍ بيمينِهِ، ومن عَلِمَ بِعَيْبِ المبيعِ حِين الشِّراءِ فلا خيارَ لَهُ.
السَّادِسُ: خيارُ تَخْبيرِ الثَّمَنِ، فَمَتَى بانَ أكثَرَ أَو أَنَّهُ اشتراهُ بِه مُؤَجَّلا، أو مِمَّن لا تُقْبَلُ شهادتُهُ له، أو بأكثَرَ من ثَمَنِهِ حيلةً، أو باعَ بعضَهُ بِقِسْطِهِ، ولم يُبَيِّنْ ذَلِكَ، فَلِمُشْتَرٍ الخِيَارُ.
السَّابِعُ: خِيارٌ يَثْبُتُ لاخْتِلافِ المُتَبايِعَيْن، فإذا اختَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ أو في الأُجْرَةِ ولا بينَةَ لواحدٍ منهما أو لَهُما حَلَفَ البائِعُ أولًا ما بِعْتُه بكذا، ثُمَّ المُشْتَرِي ما اشتريتُهُ بكذا، وإِنَّما اشتريتُهُ بكذا، ثُمَّ لِكلّ الفسخُ إن لم يَرْضَ بقولِ الآخَرِ، وَبَعدَ تَلَفِ المبيع يتحالفانِ أيضًا كَذَلِكَ، ويغرَمُ المُشْتري قيمتَهُ.
وإن اختلفا في أَجَلٍ أو شَرْط ونحوه فالقولُ قَوْلُ نَافِي ذَلِكَ، أو في عَيْنِ المَبِيعِ أو قَدرِهِ فقول البائِعِ، وَيثبُتُ الخِيارُ للخُلْفِ في الصِّفَةِ وَلَتَغَيُّرِ ما تَقَدمَتْ رؤيتُهُ.
стр. 303
فَصْل
ومن اشترَى مَكيلًا أو مَوْزونًا أو مَعْدودًا أو مَذْروعًا لَزِمَ بالعَقْدِ ولم يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَيَحْصُلُ قَبْضُ ما بِيعَ بكيلٍ ونحوه بِذَلِكَ مع حضورِ المُشْتَرِي أو نائبِهِ أو وعائِهِ، ويُكْرَهُ زَلْزَلَةُ الكَيلِ.
وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ في غَيْرِ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَّا المبيعَ بِصِفَةٍ أو رؤيةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، ويحصُلُ قَبْضُ صُبْرَةٍ وَمَنْقُولٍ بنقلٍ، وما يُتناوَلُ بتناولِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بالتَّخْلِيَةِ.
فَائِدَة: والإقَالَةُ لِلنَادِم من بائعٍ ومُشْتَرٍ سُنَّةٌ، وهي فَسْخٌ.
تَنْبِيه: ما قَبْضُهُ شرط لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فيه إذا تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فعلى بائعٍ، وإلَّا فَعَلَى مُشْتَرٍ ما لم يَمْنَعْهُ مِنْهُ بائِع أو يكن ثَمَرًا على شَجَرٍ.
فَصْلٌ
الرِّبَا مِنَ الذنُوبِ العِظَامِ بل الكبَائِرِ المُوبِقَاتِ، يَجِبُ التّنزُّهُ عنه باتفاقِ الخَلِيقَاتِ، وهو نَوْعانِ: رِبا فَضْلٍ، ورِبَا نَسِيئَةٍ.
فَرِبَا الفَضْلِ يَحْرُمُ في كُلِّ مَكِيلٍ وموزُونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ولو يَسيرًا لا يتأتى لِحَبَّةِ حنطَةٍ وأَرْزَةٍ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِهِ مُتَساوِيًا وبغيرِهِ مُطْلقًا، ويشتَرطُ فيهما القَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ.
стр. 304
ولا يَصِحُّ بَيع مَكيلٍ بِجِنْسِهِ وَزنًا ولا موزونٍ بجنسِهِ كيلًا إلَّا إذا عَلِمَ تساويَهمَا في معيارِهِما الشَّرْعي.
وَرِبا النَّسِيئةِ يَحْرُمُ فيما اتفقا في علةِ رِبا الفَضْل كَمَكيلٍ بِمَكيلٍ وموزونٍ بموزونٍ نَسَاءً، إلَّا أن يكونَ الثمَنُ أحدَ النَقْدينِ فَيَصِحُّ.
وَيَصِحُّ بيع مَكِيلٍ بِمَوْزُونٍ وعكسُهُ مُطْلقًا، ويجوزُ صَرْفُ ذهبٍ بِفِضّةٍ وعكسُهُ بِشَرْطِ القَبْضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فإذا افتَرَقَ المُتَصارِفَانِ بَطَلَ العَقْدُ فيما لم يقبَضُ، وَيَحْرُمُ تعاطيهما عَقْدًا فَاسِدًا، فلا يملكُ بِهِ ولا ينفُذُ تَصَرُّفُهُ ويضمنُهُ وزيادتهُ بالقيمةِ كمغصوبِ لا بالثَّمَنِ، ويعزّرُ فَاعِلُهُ.
تَنْبِيهٌ: الربا من أَكْبَرِ المُحَرَّمَاتِ، بل هو من الكَبَائِرِ العِظَامِ والسَّبع المُوبِقَاتِ، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].
وقال رسول الله ﷺ : "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ"، قِيلَ: يا رسُول اللهِ وما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المُحْصَناتِ الغَافِلاتِ
стр. 305
المُؤْمِنَاتِ". متفق عليه (١).
وقال ﷺ : "لَعَنَ الله آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وكَاتِبَهُ". رواه الخمسة (٢).
والأَحاديثُ في ذَلِكَ أَكْثَرُ من أن تُذْكَرَ وَأَشْهَرُ من أن تُشْهَرَ، ونَاهِيكَ بِذَنْبٍ تَوَعّدَ اللهُ فَاعِلَهُ بالمُحَارَبَةِ وَلَعَنَهُ النَّبِيّ ﷺ الكريمُ وشاهدَيهِ وكاتِبَهُ. ومِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ، وأَبْهَرِ الوَقَائِع، وأعظمِ ما يَتَّعِظُّ بِهِ أولوا البَصائِرِ، وَأَبْلَغِ ما يَعْتَبِرُ به العُقَلاءُ من الأَوائِلِ والأَوَاخِرِ، ما حُكِيَ أن سُليمان بن داود ﵉ احتاجَ إلى حنطةٍ فَبَعَثَ إلى وادِ النَّمْلِ فاقتَرَضَ مِنْهُم، فقالت النَّمْلَةُ إلى غَداةِ غَدٍ، فَلَمَّا أَصْبَحوا إذا الوادي بأَسْرِهِ حِنْطَة، فَلَمَّا أَخْصَبَت الأَرْضُ بَعَثَ إليهم سُليمان أضعافَ ذَلِكَ، فَأَخَذُوا مِقْدار ما أقْرَضُوا، وتَركوا البَاقِي مَكانَهُ، فَأَرْسَلَ إِليهم سليمان يُعاتِبُهُم على ذَلِكَ فقالت النَّمْلَةُ: إِنَّا مَعاشِرَ النمْلِ لا نَأْكُلُ الربا. ذَكَرَهُ وَهْب.
فلِلهِ دَرُّ عَاقِلٍ فَطِنٍ رَحِيمٍ بِنَفْسِهِ اتعظَ بهذِهِ القِصَّةِ، وَسَلَكَ سبيلَ هَذِهِ النَّملة، فَتَدَارَكَ ما أسْلَفَهُ ما دامَ في زمن المُهْلَةِ، ولم يَغْتَرَّ بمن باعَ أُخراهُ بدنياه، واتّخَذَ إلهَهُ هَواهُ، وَجَعَلَ دينَهُ وعبادَتَهُ تحصيلَ
стр. 306
ما يتمناه، فكانت بئسَ العاقِبَةُ عُقْبَاه، نَسْأَلُ الله أن يُعافِينا ولا يكلنا إلى أَحَدٍ سِوَاه.
فَصْل
وإِذا بَاعَ دارًا شَمِلَ البَيع أرضَها وَبِناها وسَقْفَها وبابًا مَنْصوبًا وَسُلَّمًا وَرَفًّا مَسْمُورين، وخابيةً مدفونةً، لا قفلًا ومفتاحًا، ودلوًا وبكرةً ونحوها.
وإن باعَ أَرْضًا شَمِلَ غَرْسَها وَبِنَاهَا، لا زَرْعًا وَبَذْرًا إلَّا بشرطٍ، وَيَصِحُّ مع جَهْلِهِما.
وإذا باعَ ما يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مرارًا فأصوله للمُشْتَرِي، والجَزَّةُ واللَّقْطَةُ الظَّاهرتانِ للبائعِ ما لم يَشْرطْهُ المُشْتَرِي. ومن باعَ نَخْلًا تَشَقَّقَ طلعُهُ فالثَّمَرُ لَهُ مُبَقًّى إلى الجدادِ، وكذا حُكْمُ شَجَرٍ فيه ثَمَر باد، أو ظَهَرَ من نَوْرِهِ كمشمشٍ، أو خَرَجَ من أكمَامِهِ كوَردٍ وقُطنٍ، وما قبلَ ذَلِكَ والورَقُ مطلقًا للمُشْتَرِي.
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ ولا يَصِحُّ بَيع ثَمَرٍ قَبْلَ بُدُو صَلاحِهِ، ولا زرعٍ قَبْلَ اشتدادِ حَبِّهِ لغيرِ مَالِكِ الأَصْلِ أو أرضِهِ إلَّا بشرطِ القَطْعِ إن كان مُنْتَفعًا به، وليس مُشاعًا، ولا تُبَاعُ رطبةٌ وبقولٌ مُفْرَدَة عن أَصْلِها إلَّا جَزَّةً جَزَّةً بشرطِ القَطْع في الحَالِ، ولا قثاءٌ وخيار وباذنجانٌ ونحوها إلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً أو مع أصْلِهِ.
стр. 307
وإن تَرَكَ ما شُرِطَ قَطْعُهُ بطلَ البَيْعُ بزيادةٍ كَثيرَةٍ إلَّا الخَشَبَ فلا، ويشتركانِ في الزِّيادَةِ فيها.
وحصادٌ ولُقاطٌ وجَدادٌ على المُشْتَرِي، وعلى البائعِ السَّقْيُ.
ولو تَضَرَّرَ الأَصْلُ وما تَلِفَ من ثَمْرةٍ ونحوِهَا سِوَى يسيرٍ بآفةٍ سَماويةٍ؛ وهي ما لا صُنعَ لآدَمي فيها كريح، ومَطَرٍ، وَجَلِيْدٍ، وجرادٍ؛ فعلى بائِعٍ ما لم يُبَعْ مع أَصْلٍ أَو يُؤَخَّرِ الأخذُ عن عادتِهِ، وإن تَعَيّبتْ بها خُيِّرَ بَيْنَ إمضاءٍ مع أَرْشٍ أو رَدٍّ وَأَخْذِ ثَمَنٍ كاملًا، وإن اختُلِفَ في التَّلَفِ أو قَدْرِهِ فَقَوْلُ البَائِعِ، وإن أَتْلَفَهُ آدميٌّ مُعَيَّنٌ أو عَسْكَر أو لُصُوص خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْن فَسَخٍ وإمضاءٍ ومُطَالَبَةِ مُتْلِفٍ.
وصلاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ شَجَرةٍ صَلاحٌ لجمِيع نَوْعِها الذي في البُسْتانِ، وصلاحُ ثَمَرِ نَخْلٍ أن يَحمَرَّ أو يَصْفَرَّ، وعِنَبٍ أن يتموَّهَ بالماءِ الحلوِ، وبقيةُ ثَمَرٍ بُدُو النضْجِ، وطيبُ الأَكْلِ.
فَائِدَةٌ: وَيَشْمَلُ بَيعُ دابةٍ عذارَهَا ومِقْودَها ونعلَها، وبيعُ قِنٍّ يَشْمَلُ لُبْسَهُ لِغَيْرِ جَمَالٍ.
فَصْلٌ
وَيصِحُّ السَّلَمُ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُها: أن يكونَ فيما يُمْكِنُ ضَبْطُ صفاتِهِ، كمكيلٍ وموزونٍ ونَحوهِمَا.
стр. 308
الثاني: ذِكْرُ جِنْسِهِ ونوعِهِ وكُلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ غَالِبًا وحداثةٍ وَقِدَمٍ.
الثَّالِثُ: ذِكْرُ قَدْرهِ، ولا يَصِحُّ في مكيلٍ وَزْنًا ولا في موزونٍ كيلًا.
الرَّابِعُ: ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ أقلهُ شَهْر.
الخَامِسُ: أن يُوجَدُ غَالِبًا في مَحَلهِ، فإن تعذرَ أو بعضُهُ صَبَرَ أو أَخَذَ رَأسَ مالِهِ.
السَّادِسُ: قَبْضُ رَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ التَّفرقِ، فإن تَفَرقا قبلَهُ بَطَلَ فيما لم يُقْبَضْ.
السَّابِعُ: أن يُسلِم في الذمةِ، فلا يَصِحُّ في عَيْنٍ ولا في ثَمَرةِ شَجَرةٍ مُعينَةٍ أو بستانٍ مُعَينٍ، وَيَجِبُ الوَفَاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ إن لم يُشْرطْ في غيرِهِ. ولا يَصِحُّ بَيْعُ مُسْلَمٍ فيه قَبْلَ قَبْضِهِ، ولا الحوالةُ به ولا عليه، ولا أخذُ رَهْنٍ وكفيلٍ به، ولا أَخْذُ غيره عَنْهُ (١).
* * *
وقال ﵇ لِعَليٍّ: "فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ"، متفق عليه (١).
وقال ﵇ لمعاذ لمّا بَعَثَهُ إلى اليمن: "لأَنَّ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلًا واحدًا خَيْرٌ لَكَ من الدُّنيا وما فيها"، رواه أحمد (٢).
وقال ﵇: "مَنْ دَعَا إلى هُدى، كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ من آثامِهِمْ شَيْئًا"، رواه مسلم (٣).
وقال ﵇: "لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فهو يَقْضِي بها"، متفق عليه (٤).
وقال ﵇: "إذا مَاتَ ابنُ آدمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا من ثَلاث: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رواه مسلم (٥).
стр. 311
وقال ﵇: "مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ فَهُوَ في سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ" (١).
وقال ﵇: "فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدناكم"، ثُمَّ قال: "إنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوْتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمي النَّاسِ الخَيْرَ"، رواهُما التِّرمِذي (٢).
وقال ﵇: "فَقيهٌ واحِدٌ أَشَدُّ على الشَّيطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ"، رواه ابن ماجه والترمذي (٣).
стр. 312
وقال ﵇: "لِكُلِّ شيءٍ عِمَادٌ، وعِمَادُ هذا الدينِ الفِقْه، وما عُبدَ الله بشيءٍ أفضلَ من فقهٍ في الدِّين"، رواه الدارقطني (١).
وقال ﵇: "أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُون ما فِيهَا إلَّا ذِكْرَ اللهِ، وما والاهُ، وعَالِمًا أَوْ مُتَعَلمًا"، رواه الترمذي (٢).
وقال ﵇: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغي فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلى الجَنَّةِ، وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ العِلْمِ رِضَىً بِمَا يَصْنَعُ، وإِنَّ العَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ من في السَّمَواتِ وَمَنْ في الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضلُ العَالِمِ على العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ على سَائِرِ الكَواكِبِ، وإن العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وإِنَّ الأَنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ"، رواه التِّرمذي وصححه ابن حِبَّان (٣).
стр. 313
وقال ﵇: "مَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ ستين سنة" (١).
وقال ﵇: "يَسيرُ الفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ العِبادَةِ" (٢).
وقال ﵇: "فَقِيهٌ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ من ألفِ عَابِدٍ" (٣).
وقال ﵇: "أَفْضَلُ العِبَادة الفِقْه" (٤)، رواها الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه".
وقال ﵇: "ما تَصَدَّقَ النَّاسُ بِصَدَقةٍ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمٍ يُنْشَرُ"، رواه الطبراني (٥).
وقال ﵇: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ المَرْءُ المُسْلِمُ عِلْمًا
стр. 314
ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهْ المُسْلِمَ"، رواه ابن ماجه وصححه (١).
وقال ﵇: "ذَنْب العَالِمِ ذَنْبٌ واحدٌ، وَذَنْبُ الجَاهِلِ ذَنْبَانِ"، رواه الديلمي في "الفردوس" (٢).
وقال ﵇: "اُغْدُ عَالِمًا أو مُتَعَلِّمًا أو مُسْتَمِعًا أو مُحِبًّا، ولا تَكُن الخَامِسَة تَهْلِك"، رواه البزار والطبراني (٣).
وقال ﵇: "مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ العَامِلِ" رواه ابن ماجه (٤).
وقال ﵇: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ تَكَفَّلَ الله بِرِزْقِهِ" رواه الخطيب (٥).
стр. 315
وقال ﵇: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ فهو في سبيل الله حَتَّى يَرْجِعَ" (١) رواه أبو نُعَيْم.
تَنْبِيهُ: وليحذَرِ العَالِمُ غَايةَ الحَذَرِ من الوقوع في الذُّنُوبِ صَغَائِرِها وكَبائِرِها، فلا يُرَخِّصُ لِنَفْسِهِ في أَدْنَى شيء منها بل يَشُدُّ زِمَامَها ما أمكَنَهُ وإلَّا تُهْلِكُهُ وهو لا يَشْعُرُ، فإنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ مِنْ ذَنْبِ الجَاهِلِ بكثيرٍ؛ لأَنَّه يفعلُهُ على بصيرةٍ وعِلْمٍ، ولأَنَّهُ يُقتَدى به. فكثيرًا ما تكونُ معصيتُهُ وسيلةً إلى معصيةِ غَيْرِهِ فيكونُ عليه وزرانِ: وِزْرُ معصيتِهِ، ومثلُ وِزْرِ من اقتدَى به.
فَيَجِبُ على العَالِمِ إذا حَدَّثَتْهُ نفسُهُ بالذَّنْبِ أن يخافَ هذه العاقِبَةَ، ويجتهدَ على مَنْعِها منه؛ لأَنَّه لو لم يكن فيه إلَّا هذا المَحْذُورُ العَظِيمُ لكانَ الواجِبُ عليه كَفَّها عنه بأي وجهٍ أمكنَ، وألا يكونَ عاصيًا ومُتَسَبِّبًا لمعصيةِ المَلِكِ الجَليلِ. قال الإمامُ أحمد: العَالِمُ يُقْتَدى بِهِ، لَيْسَ العَالِمُ مِثلَ الجَاهِلِ. ومعناه لابن المبارك وغيره.
وقال الفضيل بن عياض: يُغْفَرُ لسبعينَ جاهِلًا قَبْلَ أن يُغْفَرَ لِعالِمٍ واحدٍ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أَشَدُّ النَّاسِ عَذابًا يوم القيامة عَالِمٌ لم يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ، فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ اليَهُودِ.
стр. 316
وفي الجُمْلَةِ العِلْمُ أَفْضَلُ الأَعْمالِ، وَأَقْرَبُ العلماءِ إلى اللهِ أولاهُم بِه، وأكثرهُم لَهُ خَشيةً، وأعظمهم مُوافَقَةً، وأحسنُهم سِيرَةً، وَأَشَدُّهُم اتباعًا لهدي النَّبِيِّ ﵇ وطريقةِ صَحْبِهِ وسَلَفِ أُمتهِ الكِرام.
وقال ﵇: "كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعاةً، ولا تكُونوا له رواة" (١).
وقال علي ﵁: قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلانِ: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ، وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ، فالجَاهِلُ يَغُرُّ النَّاسَ بِتَنَسُّكِهِ، والعَالِمُ يُنَفِّرُهُم بتهتُّكِهِ.
إذا عَرَفْتَ هذا فاعلم أيضًا أَن الآثار الواردةَ عن السَّلَفِ الصَّالح في فَضْل العِلْمِ وأهله كثير جدًّا، منها ما قاله على كَرَّم اللهُ وجهه: كَفَى بالعِلْمِ شَرَفًا أن يَدَّعِيَه من لا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحَ إِذا نُسِبَ إليه، وَكَفى بالجَهْلِ ذَمًّا أنَّه يتبرأُ مِنْه من هو فيه.
وقال معاذ ﵁: تَعلَّموا العِلْمَ، فإن تَعلُّمَهُ لَكَ حَسَنَةٌ، وطلبَهُ عِبادَةٌ، ومذاكرتَهُ تَسْبيحٌ، والبحثَ عنه جِهادٌ، وتعليمَهُ من لا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وبذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ.
стр. 317
وقال أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: مَثَلُ العُلماءِ كالنُّجُوم في السماءِ، إذا بَدَتْ للنَّاسِ اهْتَدَوْا، وإذا خَفِيَتْ عنهم تَحَيَّروا.
وقال وهب بن منبه ﵁: يَتَشَعَّبُ مِن العِلْمِ الشَّرَفُ وإن كانَ صاحبه دنيئًا، والعِزُّ وإن كان مهينًا، والقُرْبُ وإن كان قصيًّا، والغِنَى وإن كان فقيرًا، والنُّبْلُ وإن كان حَقيرًا، والمهابَةُ وإن كان وضيعًا.
وقال الشَّافعيُّ ﵁: طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ من صَلاةِ النَّافِلَة.
وقال: لَيْسَ بعد الفَرائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْم.
وقال: من أرادَ الدُّنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخِرَةَ فعليه بالعِلْمِ.
وقال: من لا يُحِبُّ العِلْمَ لا خَيْر فيه، ولا يكونُ بيْنَكَ وبينَهُ معرِفَةٌ ولا صداقةٌ.
وقال: العِلْمُ مُرُوءةٌ، مَنْ لا عِلْمَ لَهُ لا مُروءَةَ له.
وقالَ: إن لم يكن الفُقَهَاءُ، وفي روايةٍ: العامِلونَ أولياءَ فَلَيْسَ للهِ وليٌّ.
وقال: ما أَحَدٌ أورعَ لِخَالِقِهِ من الفُقهاء.
стр. 318
وقال: من تَعَلَّمَ القُرآنَ عَظُمَتْ قيمتُهُ، ومن نَظَرَ في الفِقْهِ نَبُلَ قَدْرُهُ، ومن نَظَرَ في اللُّغَةِ رَقَّ طَبْعُهُ، ومن نَظَرَ في الحِسابِ جَزُلَ رأيُهُ، ومن كَتَبَ الحديثَ قَويت حُجَّتُهُ، ومن لم يَصُنْ نفسَهُ لم ينفَعْهُ علمُهُ.
وقال أبو الدرداء: ما نحنُ لولا كَلِماتُ الفُقَهاءِ.
وقال علي ﵁: العَالِمُ أَعْظَمُ أَجْرًا من الصَّائِمِ القَائِمِ الغَازِي في سَبيلِ اللهِ.
وقال أبو ذَرٍّ وأبو هريرة رضوان الله عنهما: بابٌ مِنَ العِلْمِ نتعلمُهُ أَحَبُّ إلينا من ألفِ رَكْعَةٍ، وبابٌ مِنَ العِلْمِ نُعَلِّمُهُ عُمِلَ بِهِ أولم يُعْمَلْ أَحَبُّ إلينا من مائةِ رَكْعَةٍ تطوعًا.
وقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ وهو على هذه الحَالَةِ ماتَ شَهيدًا" (١).
وقال أبو هريرة أيضًا: لأَنَّ أعْلَم بَابًا مِنَ العِلْمِ في أَمْرٍ وَنَهْيٍ أَحَبُّ إليَّ من سبعين غزوةً في سبيل اللهِ.
وقال أبو الدرداء ﵁: مذاكرةُ العِلْمِ ساعةً خير من قيام ليلة.
стр. 319
وقال الحسن البصري: لأَنَّ أَتَعلَّم بابًا مِنَ العِلْمِ فَأُعَلِّمَه أحبُّ إِليَّ من أن تكونَ ليَ الدُّنيا كُلُّها في سبيل اللهِ.
وقال: يحيى بن أبي كثير: دِراسَةُ العِلْمِ صلاةٌ.
وقال سفيان الثَّوْرِيُّ: ليسَ شيءٌ بَعْدَ الفرائضِ أَفْضَلَ من طَلَبِ العِلْمِ.
وقيل لأَحمدَ بنِ حنبل: أيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِليكَ: أجْلِسُ باللَّيلِ أنسخُ أو أُصلي تطوعًا؟ قال: نَسْخُكَ تَعْلَمُ به أمرَ دينكَ فهو أَحَبُّ إليَّ.
وقال مكحول: ما عُبِدَ اللهُ بأفضلَ من الفقِهِ.
وقال الزُّهريُّ: ما عِنْدَ اللهِ مِثْلُ الفِقْهِ.
وقال سعيدُ بن المُسَيَّب: ليست عبادةُ الله بالصَّوْمِ ولا بالصَّلاةِ، ولكن بالفِقه في دينه، يعني أعظمَهَا وأفضلَها.
وقال ابن أبي فروة (١): أَقْرَبُ النَّاسِ من دَرَجَةِ النُّبُوةِ أَهْلُ العِلْمِ، وَأَهْلُ الجِهَادِ، فالعلماءُ دَلوا النِّاس على ما جاءت به الرُّسُلُ، وأهلُ الجِهادِ جاهدوا على ما جاءت به الرُّسُلُ.
وقال سفيان بن عُيينةَ: أَرْفَعُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ منزلةً من كانَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وهم الرُّسُلُ والعُلَماءُ.
стр. 320
وقال سَهْلُ بن عبد الله التُّسْتَريُّ: من أرادَ النَّظَرَ إلى مَجَالِسِ الأَنبياءِ فلْيَنْظُر إلى مجالِسِ العُلَماءِ، فاعْرِفُوا لَهُمْ ذَلِكَ.
فَهَذهِ نُبْذَةٌ يَسِيرةٌ مِمَّا جاءَ في فضيلَةِ الاشتغالِ بالعِلْمِ، ولو اسْتقْصِيَ ذَلِكَ لَبَلَغَ عِدَّةَ مُجَلَّداتٍ؛ لكن في هذا القَدْرِ كِفَايَةٌ لمن وَفَّقَهُ اللهُ لِرضَاهُ، وكفاهُ شَرَّ خَلْقِهِ ونفسِهِ وهواهُ، ومِنَ الشَّيطَانِ وأَعْوانِهِ وأَوليائِهِ حَماهُ، فَنَسْأَلُ اللهَ تعالى بِمَنِّهِ أن يُوَفِّقَنا لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، ويَعْصِمَنَا من الغرورِ والزَّيْغِ والزَّلَلِ، ويُجيرَنا من مُوجِباتِ النَّدَمِ، ويغفرَ لَنَا ما زَلّتْ بِهِ القَدَم، وأن يَهْديَنا سواءَ السَّبيلِ، ويُلْهِمَنا اتباعَ النَّبِيِّ الجليل ﷺ ، وأن يَمُنَّ علينا بِحُسْنِ الخِتَامِ وسترِهِ الجَمِيل، إنَّه حَسْبُنا وَنِعْمَ الوكيل، ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العلي العظيم.
فَصْلٌ في ذِكْرِ شَيءٍ مِن آدابِ طَالِبِ العِلْمِ
أعلم أَنَّهُ أَوَّلُ ما يَجِبُ على الطَّالِبِ إخلاصُ النِّيَّةِ، فإنَّهُ إن لم يُقدم النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الخالِصَةَ لم يكن عليه نُورٌ، ولا على عِلْمِهِ نُورٌ، بل ولا ينفعُهُ عِلْمُهُ ولا يَنْتَفعُ بِهِ غيرُهُ، فيجبُ عليه أن يَنْوِيَ بِطَلبِهِ العِلْمَ التَّقَرُّبَ إلى مولاهُ بمعرِفَةِ الحلالِ لِيَتْبَعَهُ وَمَعْرِفَةِ الحرام ليجتَنِبَه، ولتكونَ عبادتُهُ للهِ تعالى على بصيرةٍ فتكونَ نافعةً صحيحةً؛ فإنّ