ومن قَتلَ صَيْدًا صَائِلًا دَفْعًا عن نفسِهِ أو بتخليصِهِ من سَبُعٍ أو شَبَكَةٍ ليطلِقَهُ، أو قَطَعَ مِنْهُ عُضوًا مُتآكِلًا لم يَحِلَّ ولم يَضمَنْهُ، ولا تأثيرَ لِحَرَمٍ ولا إحْرَامٍ في تحريم حَيوانٍ إنْسِيٍّ، ولا في مُحَرَّمِ الأَكْلِ إلَّا المُتَولِّدِ.
ويحرُمُ بإحرامٍ قتلُ قَمْلٍ وصِئْبَانِهِ لا براغيثَ ولو بِزِئْبَقٍ ونحوه، وكذا رَمْيُهُ، ولا جزاءَ فيه.
ولا يَحْرُمُ صَيْدُ البَحْرِ والأَنْهارِ والعيُونِ.
وَيُسَنُّ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ في الحِل والحَرَمِ غيرِ آدميٍّ كالفَوَاسِقِ، -وهي: الحِدَأَةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، وغُرابُ البَيْنِ، والفَأْرَةُ، والحَيّةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ-، والأَسَدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والبَازِيِّ، والصَّقْرِ، والشَّاهِينِ، والعُقابِ، والحَشَراتِ المُؤْذِيَةِ، والزَّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَراغِيثِ، والرَّخَمِ، والبُومِ، والدِّيدانِ، ولا جزاءَ في ذَلِكَ.
وإن احتاجَ إلى فِعْلِ مَحْظُورٍ فَلَهُ فِعْلُهُ وعليه الفِداءُ.
السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكاح، فلا يَتَزَوَّجُ ولا يُزَوِّجُ غَيْرَهُ بولايةٍ ولا وَكَالةٍ، ولا يَقْبَلُ له النِّكَاحَ وَكِيلُهُ الحَلالُ، ولا تُزَوَّجُ المُحْرِمَةُ، والنَّكَاحُ في ذَلِكَ كُلِّه بَاطِل مطلقًا ولا فِدْيَةَ، ويَصِحُّ للنَّبِيِّ ﷺ .
стр. 247
والاعْتِبارُ بحالَةِ العَقْدِ. وتُكْرَهُ خِطْبَتُهُ، وخِطْبَةُ مُحِلٍّ مُحْرِمَةً كخِطبة عَقْدِهِ وحضورِهِ وشهادةٍ فيه، ويُبَاحُ الرَّجْعَةُ.
الثَّامِنُ: الجِمَاعُ في فَرْجٍ أَصْلِيٍّ من آدَمِي أو غَيْرِهِ، فمن فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ ولو بَعْدَ الوُقُوفِ، فَسَدَ نُسُكُهُما، ولو سَاهيًا وجَاهِلًا أو مُكْرَهًا، أو نائِمَةً، ويَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، وعليهما المُضِيُّ في فاسده.
وحُكْمُهُ حُكْمُ الإحرامِ الصَّحِيحِ، فَيَفْعَلُ بَعْدَ الإفْسَادِ كما كان يَفْعَلُ قَبْلَهُ، مِنَ الوُقُوفِ وغيره، ويَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ من الوَطْءِ وغيرِهِ، وعليه الفِدْيةُ إذا فَعَلَ محظورًا، والقَضَاءُ على الفَوْرِ، ولو نَفْلًا إن كانا مُكَلَّفَيْنِ، وإلَّا بعدَهُ بَعْدَ حَجَّةِ الإسلامِ على الفَوْرِ.
وَيَصِحُّ قَضاءُ عَبْدٍ مُكَلَّفٍ في رِقِّه من حَيْثُ أَحْرَما أَوَّلًا من الميقاتِ أو قبله، فإن أَفْسَدَ القضاءَ، قَضَى الواجِبَ.
وَنَفَقَةُ المرْأةِ في القضاءِ عليها إن طاوَعت، وإن أُكْرِهَتْ فعلى مُكْرِهِهَا.
وَيُسَنُّ تفرقُهُما في القَضاءِ من المَوْضِعِ الذي أصابَها فيه إلى أن يُحِلَّا، بأن لايَرْكَبَ مَعَها على بَعِيرٍ، ولا يَجْلِسَ معها في خِباءٍ وما أَشْبَه ذَلِك، بل يكونُ قريبًا منها يُراعي أَحْوالَها.
والعُمْرَةُ في ذَلِكَ كالحَجِّ، يُفْسِدُها الوُطْءُ قبلَ الفَرَاغ من السَّعْي لا بعدَه، وَيجِبُ المُضِيُّ في فاسِدِها، والقضاءُ والدَّمُ، وهو شَاةٌ. لكن
стр. 248
إن كانَ مَكِّيًّا أو مُجاورًا بها، أَحْرَمَ للقَضَاءِ من الحِلِّ سواءٌ كانَ قد أَحْرَمَ بها منه، أو لا.
وإن أَفْسَدَ المُتَمَتِّعُ عُمْرَتهُ وَمَضَى في فاسِدها وَأَتَمَّها، خَرَجَ إلى الميقاتِ فَأَحْرَمَ منه بِعُمْرَةٍ، فإن خَافَ فَوْتَ الحَجِّ أَحْرَمَ به من مَكَّة، وعليه دَمٌ. فإذا فَرَغَ من حَجِّهِ خَرَجَ فَأَحْرَمَ من الميقاتِ بعُمْرةٍ مكان التي أَفْسَدَها، وعليه هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذا قَدِمَ مَكةَ لِمَا أَفْسَدَ من عُمْرَتِهِ.
وإن أَفْسَدَ المُفْرِدُ حَجَّتَهُ وأَتَمَّهَا، فَلَهُ الإحرامُ بالعُمْرَةِ مِن أَدْنَى الحِلِّ، وإن أَفْسَدَ القَارِنُ نُسُكَه، فعليه فِداءٌ واحِدٌ.
وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ وقبلَ الثَّانِي لم يَفْسُدْ حَجُّهُ، قارنًا كان أو مُفْرِدًا، لكنْ فَسَدَ إحْرامُه. فَيُحْرِمُ من الحِل ليَطُوفَ للزِّيَارَةِ في إحرامٍ صَحيح، وَيَسْعَى إن لم يَكُنْ سَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لأَنَّ عليه بَقِيَّةَ أفعال الحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ شَاةٌ.
والقَارِنُ كالمُفْرِدِ، ولا فِدْيَةَ على مُكْرَهَةٍ، ولا يَلْزَمُ الواطئُ الفِدْيَة عنها.
التَّاسِعُ: المُبَاشَرَةُ فيما دُونَ الفَرْجِ لِشَهْوَةٍ بِوَطْءٍ أو قُبْلَةٍ أو لَمْسٍ، وكذا نَظَرٌ لِشَهْوَةٍ، فإن فَعَلَ فَأَنْزَلَ أو لا فعليهِ بَدَنَةٌ ولم يَفْسُدْ نُسُكُه؛ لأَنه لا يفسُدُ إلَّا بالوطءِ في الفَرْجِ.
стр. 249
فَصْلٌ
والمَرْأَةُ إحْرامُها في وَجْهِها، فَيَحْرُمُ تغطيتُهُ بِبُرْقعٍ أو نِقابٍ أو غيرِه، فإن غَطَّتْه لغير حَاجَةٍ، فَدَت، ولحاجةٍ كمُرُورِ رِجَالٍ قريبًا منها، تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِن فَوْقِ رَأْسِهَا على وَجْهِهَا، ولو مَسَّ وَجْهَهَا.
وَيَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرَّجُلِ إلَّا لُبْسَ المخيطِ والتَّظْلِيلِ بِالْمَحْمِلِ ونحوِه.
وَيَحْرُمُ عليهما لُبْسُ قُفَّازَيْن وهو كُلُّ ما يُعْمَلُ لليَدِ إلى الكُوعِ وفيه الفدية.
ويُبَاحُ لها خَلْخَالٌ ونحوُهُ من حُلِيٍّ.
وَيُسَنُّ لها الخِضَابُ عِنْدَ الإحرامِ، وكُرِهَ بَعْدَهُ، فإن شَدَّتْ يديها بِخِرْقَةٍ فَدَتْ، ويكرَهُ لَهُما كُحْلٌ بإثمدٍ ونحوِه غَيْرُ مُطَيَّبٍ لزينةٍ، ولا يُكْرَهُ غيرُه إن لم يكن مُطَيَّبًا، ويَجُوزُ لَهُمَا لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْليِّ وَغيرِهما، وَقطْعُ رائِحَةٍ كريهةٍ بغير طيبٍ، واتجارٌ، وعملُ صَنْعَةٍ ما لم يُشْغِلا عن واجبا أو مُسْتَحَبٍّ، وَنَظر في مرآةٍ لِحَاجَةِ، وكُرِه لزينةٍ، وَلَهُ لُبْسُ خَاتَم.
تَنْبِيهٌ: وَيَتَأَكَّدُ في حَقِّ المُحْرِم اجتنابُ ما نَهَى اللَّهُ عنه مِنَ الرَّفَثِ وهو الجِمَاعُ، وكذا التَّقْبِيلُ والغَمْزُ، وأن يُعَرِّض لها بالفُحْشِ
стр. 250
من الكَلامِ واجتنابُ الفُسُوقِ وهو السِّبَابُ، واجتنابُ الجِدَالِ وهو المِراءُ فيما لا يَعني.
وَيُسَنُّ لَهُ بِتَأكُّدٍ قِلَّةُ الكَلامِ إلَّا فيما يَنْفَعُ، وأن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبِيَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى، وقِراءَةُ القُرآن، والأَمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ، وَتَعْلِيمُ الجَاهِلِ ونحوُ ذَلِكَ.
* * *
стр. 251
بَابُ الفِدْيةِ
وَهي ما يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أو حَرَمٍ، وله تَقْدِيمُها على فِعْل المَحْظُورِ لِعُذْرٍ بَعْدَ وجودِ السَّبَبِ المُبِيحِ، وهي على ثلاثةِ أضْرُبٍ:
أحَدُها: على التَّخْييرِ، وهو نَوْعانِ:
أَحَدُهما: يُخَيَّرُ فيه بَيْنَ صيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَو ذَبْحِ شَاةٍ، أو إطْعَامِ سِتَّةِ مَساكينَ لِكُلِّ مِسْكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاع تَمْرٍ أو زبيبٍ أو شَعيرٍ، وهي فديةُ حَلْقٍ وتَقْلِيمٍ، وَتَغْطيةِ الرَّأْسِ، واللُّبْسِ والطيبِ، سواءٌ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أو غيرِهِ، وَيَأْثَمُ بفعلِهِ بلا عُذْرٍ.
الثَّاني: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فيه بين مِثْلِهِ أو تقويمِهِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ، وَقُرْبِهِ بِدَراهِمَ يَشْتَرِي بها طَعَامًا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فَيُطعِمُ كُلَّ مِسْكينٍ مُدَّ بُرٍّ أو نِصْفَ صَاعٍ من غيرِهِ، أو يصُومُ عن طعامِ كُلِّ مسكينٍ يَوْمًا، وإن بَقِيَ ما لا يَبْلُغ يومًا صَامَ يَوْمًا، ولا يَجِبُ التّتابُعُ في هذا الصَّوْمِ، ولا يجوزُ أن يَصُومَ عن بَعْضِ الجزاءِ أو يُطْعِمَ عن بَعْضِهِ، وإن كان مِمَّا لا مِثْلَ لَهُ خُيِّرَ في قيمَتِهِ بَيْنَ أن يشتَرِيَ بها طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ للمساكين، وَبَيْنَ أن يَصُوم عن طَعام كُلِّ مسكينٍ يومًا.
стр. 252
الضرْبُ الثَّاني: على التَّرْتيبِ، وهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ:
أحدُها: دَمُ مُتْعَةٍ وقرانٍ فَيَجِبُ الهَدْيُ، فإن عَدِمَهُ موضعَهُ، أو وَجدَهُ ولا ثَمنَ معه إلَّا في بلدِهِ، فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في الحَجِّ، والأَفْضَلُ أن يكونَ آخرُها يَوْمَ عَرَفَةَ، فيَصُومُهُ للحاجَة، ويُقَدِّمُ الإحرامَ بالحَجِّ على يوم التَّرْوِيَةِ، فيكونُ اليَوْمُ السَّابِعُ من الحِجَّةِ مُحْرِمًا وهو أولُها، وله تقديمُهَا على إحرامِهِ بالحَجِّ بعد إحرامِهِ بالعُمْرَةِ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ. ولا يَصِحُّ صَومُها بعد إحرامِهِ بالحَجِّ قَبْلَ فراغِهِ، ولا في أيامِ منى لبقاءِ أعمالٍ مِنَ الحَجِّ، ولا بعدها قَبْلَ طوافِ الزّيَارَةِ، وبعدَهُ يَصِحُّ.
والاختيارُ إذا رَجَعَ إلى أهله، فإن لم يَصُمِ الثَّلاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أيامَ مِنًى ولا دَمَ عليه، فإن لم يَصُمْهَا فيها ولو لِعُذْرٍ صَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عشرةً وعليه دَمٌ، وكذا إن أَخَّرَ الهَدْي عن أيامِ النَّحْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
ولا يَجِبُ تَفْرِيقٌ ولا تتَابُعٌ في الثَّلاثَةِ ولا السَّبْعَةِ، ولا بَيْنَ الثَّلاثَةِ والسَّبْعَة إذا قَضَى.
ولا يَلْزَمُ من قَدَرَ على هَدْيٍ بَعْدَ وجوبِ الصَّوْمِ الانتقالُ، شَرَعَ فيه أوْ لا وله ذلك.
ومن لَزِمَهُ صَوْمُ المتعَةِ فَمَاتَ قبل أن يَأْتِيَ بِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أُطْعِمَ عنه لِكُل يَوْمٍ مسكينٌ وإلَّا فلا.
стр. 253
الثَّاني: المُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ هَدْيٌ يَنْحَرُهِ بِنِيَّةِ التَّحَللِ مَكَانَهُ، فإن لم يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بالنِّيَّةِ ولا إطعامَ فيه.
الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الوَطْءِ، فيجِبُ بِهِ في حَجٍّ قَبْلَ التَّحَللِ الأَولِ بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْهَا، صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ: ثلاثةً في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ، وفي عمرةٍ شاةٌ، والمرأةُ كالرَّجُلِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّماءُ الواجِبَةُ لِفَواتِ الحَجِّ، أو لِتَرْكِ واجِبٍ، أو مُباشَرَةٍ في غَيْرِ الفَرْج، فما أَوْجَبَ بَدَنَةً كَمَا لو بَاشَرَ دُون فَرْجٍ، أو كَرَّرَ النَّظَرَ، أو قَبَّلَ أو لَمَسَ لِشَهْوِةٍ فَأَنْزَلَ، أو استمنَى فَأَمْنى فحُكْمُها كبدنةِ وطءٍ.
وما أَوْجَبَ شاةً كما لو أَمْذَى بِذَلِكَ أو باشَرَ ولم يُنْزِلْ أو أَمنى بنظرةٍ، فكَفديةِ لُبْس ونحوه، وخطأٌ في الكُلِّ كَعَمْدٍ، وأُنثى مع شَهوةٍ كَرَجُلٍ.
وما وَجَبَ لِفَواتٍ أو تَرْكِ واجبٍ فَكَدَمِ مُتعَةٍ، ولا شيءَ على من فَكَّرَ فَأَنْزَلَ.
تَنْبِيهٌ: وَمَن كَرَّرَ مَحْظورًا من جِنْسٍ غيرِ قَتْلِ صَيْدٍ بأن حَلَقَ، أو قَلَّمَ، أو لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو وَطِئَ، وأعادَهُ قبل التكفيرِ عن الأَولِ فَكَفَّارةٌ واحدةٌ، وإلَّا لَزِمَهُ أُخرى.
وإن كان من أجناسٍ فَلِكُلِّ جِنْسٍ فديةٌ، ويتعدَّدُ جزاءُ الصَّيدِ بتعَدُّدِهِ.
стр. 254
فَائِدَةٌ: وإن حَلَقَ أو قَلَّمَ أو وَطِئَ أو قَتَلَ صَيْدًا، عَامِدًا أو نَاسِيًا أو مُخطئًا أو مُكْرَهًا ولو نائمًا، قَلَعَ شَعْرَهُ أو صَؤَبَ رَأْسَهُ إلى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَه فعليه الكَفَّارَةُ.
وإن لَبِسَ أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه، نَاسِيًا أو جَاهِلًا أو مُكْرَهًا، فلا كَفَّارَةَ، ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ الثِّياب في الحَالِ، ويُقَدِّمُ غسلَهُ على الطَّهارَةِ لِعَدَمِ الماءِ لهما، فإن لم يَجِد ماءً مَسَحَهُ أوحَكَّهُ بِتُرابٍ ونحوِه حَسَبَ الإمكانِ، وله غسلُهُ بيدِهِ وبمائِعٍ، فإن أخَّرَهُ بلا عُذْرٍ فَدَى.
تَتِمَّةٌ: ومَن رفَضَ إحرامَهُ لم يَفْسُدْ، ولم يَلْزَمْهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ، بل يلزَمهُ الفِدَاءُ لِكُلِّ محظورٍ يَفْعَلُهُ بعدَهُ، ومن تَطيَّبَ قبل إحرامِهِ في بَدَنِهِ فَلَهُ استدامتُهُ فيه لا لُبْسُ مُطَيَّبٍ بعدَهُ، فإن فَعَلَ أو استدامَ لُبْسَ مخيطٍ أَحْرَمَ فيه ولَوْ لَحْظَةً فدَى، وإن لَبِسَ أو افترشَ ولو تَحْتَ حَائِلٍ لا يمنَعُ ريحَهُ أو مباشرتَهُ ما انقطَعَ ريحُ الطيبِ مِنْهُ ولكن يفوحُ بِرَشِّ الماءِ فَدَى.
فَصْلٌ
وَكُلُّ هَدْيٍ أو إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بَحَرَمٍ أو إحْرامٍ، كجزَاءِ صَيْدٍ، وما وَجَبَ لِتَرْكِ واجِبٍ أو فَواتٍ، لو بِفِعْلٍ مَحْظورٍ في الحَرَمِ، وَهَدْي تَمَتُّعٍ، وقِرانٍ ومنذورٍ ونحوِها، يَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِه أو إطلاقُه لمساكِينِهِ، وهُم من كَانَ مُقيمًا به، أو وارِدًا إِليه مِن حَاجٍّ
стр. 255
وغيره مِمَّن له أخْذُ زكاةٍ لِحَاجَةٍ، إن قَدَرَ بنفسِهِ أو بمن يرسلُهُ مَعَهُ، فإن دَفَعَ إلى فقيرٍ في ظَنِّهِ فَبانَ غنيًا أَجْزَأَ، والأَفضلُ أن ينحر للحَجِّ بمنى وللعُمْرة بالمروَةِ، وإن سلَّمَهُ إليهم فَنَحَرُوهُ أَجْزَأَ وإلَّا استردَّهُ ونحرَهُ، فإن أبى أو عَجَزَ ضَمِنَهُ، فإن لم تقْدِرْ على إيصالِهِ إليهم نَحَرَهُ في غَيْرِ الحَرَمِ وَفَرَّقَهُ بمَنْحَرِهِ.
فَائِدَةٌ: وفديةُ الأَذى واللُّبْسِ ونحوهما وما وجَبَ بفعلِ مَحْظورٍ خَارِجَ الحَرَمِ تُجْزِئُ حَيْثُ وُجِدَ سَببُها، وفي الحَرَم أيضًا.
ودمُ إحصارٍ حيثُ أُحْصِرَ، وصَوْمٌ وحَلْق وَهديُ تطوع وما سُمِّيَ نُسُكًا يُجْزِئُ بِكُل مكانٍ كَأُضْحِيةٍ.
وَوَقْتُ ذَبْحِ فدية الأَذى واللُّبْسِ ونحوهما وما أُلْحِقِ بِهِ حين فعْلِهِ، وله الذبحُ قبلَهُ لِعُذْرٍ، وكَذَلِكَ ما وجَبَ لِتَرْكِ واجبٍ.
تَنْبِيهٌ: وكُلُّ دَمٍّ ذُكِرَ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ كأُضْحِيةٍ وهي جَذعُ الضأنِ، وثنيُّ المَعْزِ أو سُبُع بَدَنَةٍ أو سُبعُ بَقَرَةٍ، وتجزئُ بقرةٌ عن بدنةٍ وإحداهما عن سَبْعِ شياهٍ، والله أعلم.
* * *
стр. 256
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
وَيَجْتَمِعُ ضمانٌ وجزاءٌ في مملوكٍ، وهو ضَرْبانِ:
مَا لَهُ مِثْلٌ من النَّعَمِ فَيَجِبُ فيه مثلُهُ، وهو نَوْعانِ:
أحدُهما: قَضَتْ فيه الصَّحَابةُ، ومنه في النَّعَامَة بَدَنَةٌ، وفي حِمَارِ الوَحْشِ وبَقَرِهِ وَأيَّلٍ وثَيْتَلٍ (١) وَوَعْلٍ بَقَرَةٌ، وفي الضَّبُعِ كَبْشٌ، وفي الغَزالِ شَاةٌ، وفي كُل من وَبْرٍ (٢) وَضَحب جَدْيٌ له ستةُ أشهُرٍ، وفي يَرْبُوعٍ جَفْرَةٌ لها أربعةُ أشهُرٍ، وفي أرنبٍ عَناقٌ أصغَرُ من الجَفْرَةِ، وفي واحدةِ الحمامِ شاةٌ، وهو كُل ما عَبَّ وَهَدَرَ فَيَدْخُلُ فيه القَطَا والفَواخِتُ (٣) والوَرَاشينُ (٤) والقَمارِيُّ
стр. 257
والدَّبَاسِي (١) ونحوها.
النَّوع الثَّاني: ما لم تَقْضِ فيه الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قَوْلِ عَدْلَيْن خَبيرينِ، ويَجُوزُ أن يكونَ القَاتِل أحدَهما، وأن يكونا القاتلَيْن.
ويُضْمَنُ صغيرٌ وكبيرٌ، وصحيحٌ ومعيبٌ، وماخِضٌ بمثله.
ويجُوزُ فِداءُ أعورَ من عَيْنٍ وأعرجَ من قائمةٍ بأَعوَرَ وأعْرَجَ من أُخْرى، وذكرٍ بِأُنثى وعكسُهُ لأَعْوَرَ بأعْرَجَ ونحو ذَلِكَ.
الضرْبُ الثَّاني: ما لا مِثْلَ لَه، وهو باقي الطَّيْرِ، وفيه قيمته مكانَهُ.
وإن أتلَفَ جُزْءًا من صيدٍ واندمَلَ وهو مُتَمَتِّعٌ وله مِثْلٌ، ضمنَهُ بمثلِهِ لحمًا من مِثْلِهِ، وما لامثلَ له يُضْمَنُ بما نقصَ من قيمتِهِ، وفيما اندمَلَ غير مُمتَنِعٍ جزاءُ جميعِهِ.
فإن جنى على حاملٍ فألقت ميتًا ضَمِنَ نقصها فقط، كما لو جَرَحَها، وإن نَفَّر صيدًا فتلف بِشيءٍ ولو بآفَةٍ سماويةٍ أو نقص في حال نفورِهِ ضَمِنَهُ، وإن رَمَى صيدًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ سَقَطَ على آخَرَ فماتا ضَمِنَهُمَا، وإن نتفَ رِيشَه، أو شَعرهُ، أو وَبَرَهُ فعاد فلا شيء فيه، وإن صارَ غير مُمتنعٍ فكجُرْحٍ.
وإن اشتركَ جماعةٌ في قتلِ صَيْدٍ فعليهم جَزاءٌ واحدٌ كالقارنِ.
стр. 258
بَابُ صَيْدِ الحَرَمَيْنِ
يَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ على الحَلالِ والمُحْرِمِ، فمن أَتْلَفَ منه شيئًا، ولو كافرًا أو صغيرًا أو عَبْدًا، فعليه ما على المُحْرِمِ في مِثْلِهِ. ويَحْرُمُ صيدُ بحرٍ فيه ولا جَزَاءَ، ولا يُكْرَهُ قَتْلُ القَمْلِ فيه.
وإن رَمَى الحَلالُ من الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو بعضَ قوائِمه فيه، أو أرْسَل كلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أَصْلُه في الحِلِّ، أو أَمْسَكَ طائِرًا في الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُهُ في الحَرَمِ ضمنَهُ، لا أُمَّه.
ولو رَمَى الحَلالُ صَيْدًا، ثُمَّ أحْرَمَ قَبْلَ الإصَابَةِ، لم يَضْمَنْ؛ اعْتبارًا بحالةِ الإصَابَةِ، وإن قَتَلَ من الحَرَمِ صَيْدًا في الحِلِّ بِسَهْمِهِ، أو كَلْبِه أو صَيْدًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ أو أمسك حمامةً في الحَرَمِ فَهَلَكَ فِراخُها في الحِلِّ، لم يَضْمَنْ.
وإن أرسلَ كَلْبَه من الحِلِّ على صَيْدٍ في الحِلِّ فَقَتَلَهُ أو غيرَهُ في الحَرَمِ أو فَعَلَ ذلك بسهمِهِ بأن شَطَحَ السَّهْمُ فَدَخَلَ الحَرَمَ لم يَضْمَنْ،
стр. 259
لكن لا يُؤكَلُ، ولو جَرَحَ من الحِلِّ صَيْدًا في الحِلِّ فَمَاتَ في الحَرَمِ حَلَّ.
فَصْلٌ
ويحرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الحَرَمِ، حَتَّى ما فيه مضرةٌ، كشوْكٍ وعَوْسَجٍ، وحشيشٍ، وورقٍ، وسِواكٍ ونحوِه، ويَضْمَنُه، إلَّا اليابسَ وما زالَ بِفِعْلِ غير آدَمِيٍّ، أو انكسَرَ ولم يَبِنْ، والإذْخِرَ والكَمَأةَ والفَقْعَ والثَّمَرَةَ.
وما زرَعَهُ الآدميُّ من بَقْلٍ ورياحينَ وزُرُوعٍ، وشَجَرٍ غُرِسَ من غَيْرِ شَجَرِ الحَرَمِ فَيُبَاحُ أخذُه والانتفاعُ به، وما انْكَسَرَ من الأَغْصانِ، وانْقَلَع من الشَّجَرِ، بغير فِعْلِ آدَمِيٍّ، وكذا الوَرَقُ السَّاقِطُ، ويجُوزُ رعْيُ حشيشهِ لا الاحتشاش للبهَائِمِ.
وإذا قَطَعَ ما يحرُمُ قطعُهُ حَرُمَ انتفاعُه وانتفاعُ غيره به كصيْدٍ ذَبَحهُ مُحْرِمٌ، ويَضْمَنُ القَاطِعُ الشجرةَ الكبيرةَ والمتوسطةَ ببقرةٍ، والصغيرةَ بشاةٍ، والحشيشَ والورقَ بقيمته، والغصنَ بما نقص. وإن استخلف الغُصنُ والحشيش سَقَط الضَّمانُ، وكذا لو رَدَّ شَجَرةً فَنبَتَتْ. ويَضْمَنُ نَقْصَها إن نَبَتَتْ ناقصةً.
وإن قَلَعَ شَجَرَةً من الحَرَمِ فغَرَسها في الحِلِّ لَزِمَهُ رَدُّها، فإن تَعَذَّرَ وَيَبِسَتْ أو قَلَعها من الحَرَمِ فَغَرَسها في الحَرَمِ فَيَبِسَت ضمِنَهَا، فإن قَلَعَها غيره من الحِلِّ بعد أن غَرَسَها هو ضَمِنَها قالِعُها بِخِلافِ من
стр. 260
نَفَّرَ صَيْدًا فَخَرَجَ إلى الحِلِّ فإنه يضمنُه المُنَفِّرُ لا القَاتِلُ، ويُخيَّرُ في الجزاءِ كما في جَزَاءِ الصَّيْدِ.
وإن قَطَعَ غُصْنًا في الحِلِّ أصلُهُ أو بعض أصلِهِ في الحَرَمِ ضَمِنَهُ لا إن قَطَعُهُ في الحَرَمِ، وأصله كُلُّه في الحِلِّ، ويُكْرَهُ إخراجُ تُرابِ الحَرَمِ وحجارتِهِ إلى الحِلِّ لا ماءِ زَمْزَمَ.
فَائِدَةٌ: وَحَدُّ الحَرَمِ من طَرِيقِ المدينةِ ثلاثةُ أميالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيا، ومن اليَمَنِ سَبْعَةٌ عِنْدَ أضاءة لِبْنٍ (١).
ومن العِراقِ كذلك على ثَنِيَّةِ خِلٍّ؛ وهو جَبَلٌ بالمَقْطَعِ، ومن الجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ في شِعْبِ عبد الله بن خالد.
ومن جُدَّةَ عَشَرَةُ أميالٍ عند مُنْقَطِعِ الأَعْشاشِ، وهي البيوت من قَصبٍ ونحوه.
ومن الطَّائِفِ على عرفاتٍ من بَطْنِ نَمِرَةَ سَبْعَةُ أميالٍ عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَةَ، ومن بطن عُرَنة أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا، وحُكْمُ وَجٍّ حُكْم الحِلِّ وهو وادٍ بالطائِفِ.
تَتِمَّةٌ: مَكَّةُ أفضلُ من المدينةِ، وتُسَن المُجاورةُ بِها، وتُضَاعَفُ الحَسَنَةُ والسَّيئَةُ بمكانٍ وزمانٍ فاضلٍ، والصَّلاة بالمسجدِ الحَرامِ بمائةِ ألفِ صلاةٍ، وبمسجده ﷺ بألفٍ، وبالأَقْصى بخمس مئة، وباقي الحسنات كالصَّلاةِ.
стр. 261
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ صيدُ حَرَمِ المدينةِ، وقَطْعُ شَجَرِهِ وحشيشِهِ إلَّا لحاجةِ المسانِدِ والرَّحْلِ والقَتَبِ والحَرْثِ والعَلَفِ ونحوها، ومن أدْخَلها صَيْدًا فلَهُ إمساكُهُ وذبحُهُ، ولا جزاءَ فيما حَرُمَ من ذَلِكَ ويَحِلُّ أكلُهُ، وحرمها بريدٌ في بريدٍ، وهو ما بين ثَوْرٍ وعَيْرٍ، وهما جَبَلان مشهورانِ بها، وذلك ما بينَ لابتيها، وَجَعَل النَّبِيّ ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلًا حِمًى.
فَائِدَةٌ: الأَوْلى أن لا تُسَمَّى المدينةُ يثْرِبَ.
* * *
стр. 262
بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ
يُسَنُّ الاغْتِسَالُ لَه حَتَّى لِحائِضٍ، ودُخولُها نَهَارًا مِن أَعْلاها من ثَنِيَّةِ كَداءٍ، وأن يَخْرُجَ من كُدىً من الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى، وأن يَدْخُلَ المَسْجِدَ من بابِ بَني شَيْبَةَ.
فإذا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ" (١)، "اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابًةً وَبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّن حَجَّهُ واعْتَمَرَه تَعْظِيمًا وَتَكْريمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا" (٢). الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ كثيرًا كَما هو أَهْلُه، وكما يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ، وعِزِّ جَلالِه، والحمدُ للَّهِ الذي بَلَّغَنِي بَيْتَه، ورآني لِذَلِكَ أَهْلًا، والحمدُ للَّهِ على كُلِّ حَالٍ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرامِ، وقد جِئْتُكَ لِذَلِكَ،
стр. 263
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، واعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إله إلَّا أنْتَ. يَرْفَعُ الرَّجُلُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ، وما زادَ من الدُّعاءِ فَحَسَنٌ.
ثُمَّ يبتدئُ المُعْتَمِرُ بطوافِ العُمْرَةِ، وَلَيْسَ لها طَوافُ قُدُومٍ، وبِطَوافِ القُدُوم المُفْرِدُ والقَارِنُ ويُسَمَّى طواف الوُرودِ أيضًا وهو تَحِيَّةُ الكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ المَسْجِد الصَّلاةُ، ويُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوافِ. فيكونُ أوَّلَ ما يَبْدَأُ بِه الطَّوافُ، إلَّا إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، أو ذَكَر فَرِيضَةً فَائِتَةً، أو خافَ فَوْتَ رَكْعَتي الفَجْرِ أو الوِتْرِ، أو حَضَرَتْ جَنَازةٌ، فَيُقَدِّمُ ذَلِكَ عليه ثُمَّ يَطُوفُ.
والأَوْلى للمَرْأَةِ تَأْخِيرُهُ إلى اللَّيْلِ حيثُ لا مَحْذُورَ إن أمِنَتْ الحَيْضَ والنِّفَاسَ، ولا تُزَاحِمُ الرِّجالَ لتَسْتَلِمَ الحَجَرَ، لكن تُشيرُ إليه كالذي لا يُمْكِنُهُ الوصولُ إليه. وَيَضْطَبِعُ بردائِهِ في طَوَافِ القُدُومِ، وفي طواف العُمْرَةِ المُتَمَتِّعُ، ومَن في معناه، غيرُ حَامِلِ مَعْذُورٍ، فَيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتقه الأَيسرِ، فإذا فَرَغَ سَوّاه، ولا يَضْطَبِعُ في السَّعْي.
وَيَبْتَدِئُ من الحَجَرِ الأَسودِ وهو جِهَةُ المَشْرِقِ فيُحاذيه أو بَعْضَه بجميعِ بَدَنِهِ، فإن لم يَفْعَل، أو بَدَأَ بالطَّوافِ من دُونِ الرُّكْنِ، كالبَابِ ونحوِهِ لم يُحْتَسب بِذَلِكَ الشَّوْطُ، ثُمَّ يستلمُهُ أي يمسحُهُ بيدِهِ اليُمْنى ويُقَبِّلُهُ من غير صَوْتٍ يظهرُ للقُبْلَة، فإن شَقَّ استَلمَهُ وَقَبَّل يَدَهُ، فإن شَقَّ استَلَمَهُ بشيءٍ وَقَبَّلَهُ، فإن شَقَّ أشار إِليه بيدِهِ أو شيء واستقبَلَهُ
стр. 264
بوجهِهِ ولا يُقَبِّلُ المشارَ بِهِ ولا يُزاحِمُ فيؤذيَ أحدًا، ويقول: "بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ، إِيمانًا بِكَ، وتَصْدِيقًا بِكتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ واتِّباعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ ﷺ " (١)، ويقولُ ذَلِكَ كُلَّما استلمَهُ.
ثُمَّ يَأْخُذُ على يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي بَابَ البَيْتِ، وَيَجْعَلُهُ على يَسارِهِ لِيُقَرِّبَ جانِبَه الأَيْسَرَ إِليه، فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ الشَّامِيّ والعِراقِيَّ، وهو جِهَةَ الشَّامِ، ثُمَّ يليه الرُّكْنُ الغَرْبِيُّ وهو جِهَةَ المَغْرِبِ، ثُمَّ اليَمَانِيُّ وهو جِهَةَ اليَمنِ، فإذا أتَى عليه اسْتَلَمه، ولم يُقَبِّلْه. ولا يَسْتَلِمُ ولا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْن الآخَرَيْن، ولا صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ولا غيرَها من المساجدِ والمدافِنِ التي فيها الأَنْبياءُ والصَّالِحون.
ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها، مَاشٍ، غَيْرَ حامِلٍ مَعْذُورٍ وَغَيْرَ نِسَاءٍ، وغَيْرَ مُحْرِمٍ من مكّةَ أو قُرْبِها، فلا يُسَنُّ لهم رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ، ولا في غيرِ هذا الطَّوافِ، وإن فات لم يَقْضِ.
والرَّمَل إسراعُ المَشْي مع تَقَارُبِ الخُطَى من غَيْرِ وَثْبٍ، وهو أَولى مِنَ الدُّنُوِّ من البَيْتِ بدُونِهِ، والتأخيرُ لأَحدِهما أَوْلَى.
стр. 265
وَيَمْشِي الأَشوَاطَ الأَرْبَعَةَ الباقية، وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ والرُّكْنَ اليَمَانِيّ، اسْتَلَمهما، وإن شَقَّ أشارَ إليهما، ويقولُ كُلَّما حاذَى الحَجَرَ: اللَّهُ أكْبَرُ فقط، وبين اليَمَانيِّ وبينه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: : ٢٠١]، وفي بَقِيَّة طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واهدني السَّبِيلَ الأَقْوم، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وأنتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، وَيَدعو بما أَحَبَّ.
وتُسَنُّ القِراءَةُ فيه، وتُكْرَهُ إن غَلَّطَ المُصَلِّين، ويُصلِّي على النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدعُ الحديثَ لا الأَمْرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المُنكرِ وما لا بُدَّ منْهُ.
تَنْبِيهٌ: وَمَنْ طَافَ أو سَعَى مَحْمُولًا أو رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لم يُجْزِئْه، ولِعُذْرٍ يُجْزِئُ، ولا يَقَعُ عن حامِلِهِ إلَّا إن نَوَى وَحْدَهُ أو نَوَيا جميعًا عنه. وإن طَافَ مُنكِّسًا؛ بأن جَعَل البَيْتَ عن يَمِينِه، أو طَافَ على جِدَارِ الحَجَرِ أو شاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ وهو القَدْرُ الذي تُرِكَ خَارِجًا عن عَرْضِ الجِدَارِ مُرْتَفِعًا عن الأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ لأَنَّهُ مِنْها، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن الطَّوافِ وإنْ قَلَّ، أو لم يَنْوِ، أو طَافَ خَارِجَ المَسْجِدِ، أو مُحْدِثًا، وَيَلْزَمُ النَّاسَ انتظارُ حائِضٍ لأَجْلِهِ فقط إن أَمْكَنَ أو نَجِسًىا أو شاكًّا في طَهَارَتِهِ وهو فيه لا بعد فراغِهِ، أو عُرْيانًا، أو قَطَعَه بِفَصْلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا، ولو سَهْوًا، أو لِعُذْرٍ، أو أحْدَثَ في بَعْضِهِ، لم يُجْزِئْه.
стр. 266
فَتُشْتَرَطُ الموالاةُ فيه، وفي السَّعْيِّ.
وإن طَافَ في المَسْجِدِ من وَرَاءِ حائل أَجْزَأَ، وإن طافَ على سَطْح المَسْجِدِ أو قَصَدَ في طوافِهِ غَريمًا، وَقَصَدَ معه طَوافًا بنيَّةٍ حقيقيَّةٍ لا حُكميَّةٍ توجَّه الإجْزاءُ، قاله في "الفروع" (١).
والنِّيَّةُ الحقيقيةُ أن ينْوِيَ الطِّواف حقيقة، والحُكْمِيَّةُ أن يكونَ نَوى قَبْلَ قَصْدِ الغَرِيمِ، واستَمَرَّ حُكْمُها بَعْدَهُ بأن لم يَقْطَعْهَا، وهو معنى قولهم: استصحابُ حُكْمِ النِّيَّةِ.
وإن شَكَّ في عَدَدِ الأَشْواطِ، أَخَذَ باليقينِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْن.
وإن قَطَعَهُ بِفَصْل يَسِيْرٍ، أو أُقِيمَت صَلاةٌ، أو حضَرَت جَنَازَةٌ، صَلَّى وَبَنَى من الحَجَرِ، ثُمَّ يُصَلِّي ركعتين ولو وقتَ نَهي، والأَفْضَلُ خَلْفَ المَقَام، ويَجُوزُ فِعْلُهُما في غَيْر المَسْجِدِ، وهُما سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، يقْرَأُ في الأُولى بَعْدَ الفَاتِحَةِ (الكافرون)، وفي الثَّانية (الإخلاص).
ولا بَأْسَ بِمرورِ الطَّائِفينَ بين يَدَيهِ، ولا بصلاتِهِمَا إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَيَكْفي عَنْهما مَكْتُوبَةٌ وراتِبَةٌ.
وَيُسَنُّ الإكثارُ من الطَّوافِ كُل وَقْتٍ، وله جَمْعُ أسابيعَ، فإذا فَرَغَ منها رَكَع لِكُلِّ أسبوع رَكْعَتين، والأَوْلى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ عَقِبَهُ.
стр. 267
فَائِدَةٌ: إذا فَرَغَ مُتَمَتِّعٌ ثُمَّ عَلِمَ أن أَحَدَ طَوافَيه بِلا طَهَارَةٍ وَجَهِلَه، لَزِمَهُ الأَشَدُّ، وهو جَعْلُهُ للعُمْرَةِ، فلا يُحِلُّ بالحَلْقِ، وعليه لَهُ دَمٌ ويصيرُ قَارِنًا، وَيُجْزِئُهُ الطَّوافُ لِلحَجِّ عن النُّسُكَيْنِ، ويُعِيدُ السَّعْيَ، وإن جَعَلَهُ مِن الحَجِّ لَزِمَهُ طَوافُه وَسَعْيُهُ وَدَمٌ.
وإن كانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّه من عُمْرَتهِ لم يَصِحَّا، وَتَحَلَّلَ من عمرتهِ الفَاسِدَةِ بطوافِهِ الذي نَواهُ لِلحَجِّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ لِحَلْقِهِ، وَدَمٌ لِوَطْئِهِ في عُمْرَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: جُمْلَةُ شُروطِ صِحَّةِ الطَّوافِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ:
الإسلامُ، والعَقْلُ، والتَّمْيِيزُ، والنِّيَّةُ، وَسَتْرُ العَوْرَةِ، وَطَهَارَةُ الحَدَث والخَبَثِ، وَتكْمِيلُ السَّبْعِ، وَجَعْلُ البَيْتِ عن يسارِهِ، والطَّوافُ بجميعِه، وطوافه ماشِيًا مع القُدْرَةِ، والمُوالاةُ بَينَهُ، وأن يَطُوفَ دَاخِلَ المَسْجِدِ، وأن يبتدِئَ من الحَجَرِ الأَسود فيُحَاذِيَه.
وسُنَنُهُ عَشْرٌ:
اسْتِلامُ الرُّكْنِ وتقبيلُهُ أو ما يقومُ مَقَامَهُ، واستلامُ الرُّكْنِ اليَمَاني، والاضْطِباعُ، والرَّمَلُ في موضِعِهِ، والمشيُ في موضِعِه، والدُّعَاءُ، والذِّكْرُ، والدُّنُوُّ مِنَ البَيْتِ، وَرَكْعَتا الطَّوافِ.
فَصْلٌ
ثُمَّ يَسْتَلِمُ الحَجَر وَيَخْرُجُ للسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفا، فيَرْقَى الصَّفا نَدْبًا، حَتَّى يَرى البَيْتَ إن أمْكَنَهُ فَيَسْتَقْبِلُهُ ويُكَبِّرُ ثلاثًا وَيَقُولُ:
стр. 268
"الحَمْدُ لله على ما هدانا، لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي وَيُمِيتُ، وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وهو عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِير، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْده" (١)، لا إلهَ إلَّا الله ولا نَعْبُدُ إلَّا إياهُ مُخْلِصِين لَهُ الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافِرُون، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وطواعِيَتِكَ، وطواعيَةِ رَسُولِك، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّن يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلائِكَتَكَ، وأنْبيائَك ورُسُلَك، وعِبادَك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ وإلى ملائِكَتِكَ وإلى رُسُلِكَ وإلى عِبادِك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ يَسِّرْني لليُسْرِ، وَجَنِّبْنِي العُسْرَ، واغْفِرْ لِي في الآخِرَةِ، واجْعَلْنِي من أئمَّةِ المُتَّقِين (٢)، واجْعَلْنِي من وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعيم، واغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَوْمَ الدِّين، اللَّهُمَّ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَاد، اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي للإسْلامِ، فَلا تَنْزِعْنِي مِنْهُ، ولا تَنْزِعْه مِنِّي، حَتَّى تَوَفَّانِي على الإسْلامِ.
اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْني إلى العَذابِ، ولا تُؤْخِّرْني لسُوءِ الفِتَنِ، وَيَدعو بِمَا أَحَبَّ ولا يُلَبِّي.
стр. 269
ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفا وَيَمْشي حَتَى يُحاذِيَ العَلَمَ، وهو المِيلُ الأَخْضَرُ المُعَلَّقُ بِرُكْنِ المَسْجِدِ على يَسَارِهِ بنحوِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَيَسْعَى الماشي سَعْيًا شَدِيدًا، نَدْبًا إلى العَلَم الآخَرِ بِشَرْطِ أن لا يُؤْذِي ولا يُؤْذَى، ثُمَّ يمشي حَتَى يأتي المَرْوَةَ فَيَرْقَاهَا نَدْبًا، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَة ويقولُ عليها ما قالَ على الصَّفا.
وَيَجِبُ استيعابُ ما بَيْنَهما فَيُلْصِقُ عَقِبَ رِجْلَيْه بِأَسْفَلِ الصَّفَا، وأصابعَهُما بأسْفَلِ المَرْوَةِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إلى الصَّفَا فَيَمْشِي في مَوْضِعِ مشيه، وَيَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيهِ إلى الصَّفَا، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، يَعُدُّ ذَهابَهُ مَرَّةً ورجوعَهُ مَرَّةً، فإن بَدَأ بالمروةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ والذِّكْرِ فيما بَيْنَ ذَلِكَ، ومنه: "رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، واعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ" (١)، ولا يُشْرَعُ السَعْيُّ بَيْنَهُما إلَّا في حجٍّ أو عُمْرَةٍ، وتُشْتَرَطُ نيتُهُ ومُوالاتُهُ، وكونُهُ بَعْدَ طوافٍ، ولو مَسنونًا.
وتُسَنُّ موالاتُهُ بَيْنَ الطَّوَافِ والسَّعْي، والسُّتْرَةُ، والطَّهَارَةُ مِن حَدَثٍ ونَجَسٍ، وكُرِهَ على غير طَهَارةٍ، والمَرْأَةُ لا تَرْقَى، ولا تَسْعَى شديدًا.
وَتُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتَمِرٍ بِذَلِكَ، وتقصيرُهُ من جَمِيعِ شَعْرِهِ ويُوَقِّرُهُ لِيَحْلِقَهُ للحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ مُتَمَتِّعٌ بِذَلِكَ إن لم يكن سَاقَ الهَديَ ولو لَبَّدَ رَأْسَه، وإن كانَ مَعَه هديٌ أَدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ.
стр. 270
وليسَ لَهُ أن يُحِلَّ ولا يَحْلِقَ حَتَّى يَحُجَّ فيحرِمَ بِهِ بعد طوافِهِ وسعيهِ لعمرتهِ كما يأتي، وَيُحِلُّ منهما يَوْمَ النَّحْرِ، وإن كان مُعْتَمِرًا غيرَ مُتَمَتِّعٍ فإنه يُحِلُّ ولو كان مَعَهُ هَدْي في أشْهُرِ الحَجِّ أو في غيرها، وَيَقْطَعُ المُتَمَتِّعُ والمُعْتَمِرُ التَّلبيةَ إذا شَرَعَ في الطَّوافِ، وإن أتى بها في طوافِ القُدومِ سِرًّا فَلا بَأْسَ.
* * *
стр. 271
بَابُ صِفَةِ الحَجِّ والعُمْرَةِ
يُسَنُّ لِمُتَمَتِّع حَلَّ من عُمْرَتِهِ، ولغيرِهِ من المُحِلِّينَ بِمَكَّةَ أو قُرْبِها، الإحْرَامُ بالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وهو الثَّامِنُ من ذي الحِجَّةِ إلَّا من لَمْ يَجِدْ هديًا وَصَامَ، ففي سَابِعِهِ، وَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ في إحرامِهِ من المِيقَاتِ من غُسْلٍ وغيرِه، ثُمَّ يَطُوفُ ويُصَلِّي رَكْعَتَين، ثُمَّ يُحْرِمُ من المَسْجِدِ والأَفضل مِن تَحْتِ الميزابِ، ويَصِحُّ من خَارِجِ الحَرَمِ ولا دَمَ، ولا يَطُوفُ بَعْدَهُ قَبْلَ خروجِهِ لِوَداعِ البيت، فلو طافَ وَسَعَى بعده، لم يُجْزِئْهُ عن السَّعِي الواجبِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ إلى مِنًى قَبْلَ الزَّوالِ فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الإمامِ، ويبيتُ بها إلى أن يُصَلِّيَ مَعه الفَجْرَ، ولو صَادَفَ يَوْمَ جُمُعةٍ، وهو مُقِيمٌ بِمَكَّةَ مِمَّن تَجِبُ عليهِ وَزَالتِ الشَّمْسُ، لَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ صلاتِها، وَقَبْلَ الزَّوالِ يُخَيَّرُ، فإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إلى عَرَفَة فَأَقامَ بِنَمِرَةَ نَدْبًا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فإذا زَالت الشَّمْسُ استُحِبَّ للإمامِ أو نائبِهِ أن يَخْطُبَ خُطْبَةً واحدةً يُقَصِّرُها، وَيَفْتَتِحُها بالتكْبيرِ، يُعَلِّمُ النَّاسَ فيها
стр. 272
مَناسِكَهم مِنَ الوقوفِ وَوَقْتِهِ والدَّفْعِ من عَرَفَاتٍ والمبيتِ بِمُزْدَلِفَة وغيرِ ذلك من الأَحكامِ، فإذا فَرَغَ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمْعًا إن جاز لَهُ بأذانٍ وإِقامَتَيْنِ، وإن تَرَك الأَذانَ فلا بَأْسَ، وكذا يجمَعُ المُنْفَرِدُ أيضًا.
ثُمَّ يأتي الموقِفَ ويَغْتَسِلُ لَه، وعرفةُ كُلُّها مَوْقِف إلَّا بطنَ عُرَنْةَ، وَحَدُّ عَرَفَةَ من الجَبَلِ المُشْرِفِ على عُرَنَةَ إلى الجِبالِ المُقَابِلَةِ له إلى ما يَلي حَوائِط بني عامِرٍ.
وَيُسَنُّ أن يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَراتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ واسمُه إلالٌ، على وَزْنِ هِلالٍ، ولا يُشْرَعُ صُعُودُهُ، وَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، رَاكِبًا بِخلافِ سَائِرِ المَناسِكِ والعباداتِ فإنه يكونُ فيها راجلًا، ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ ومن قَوْلِ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي ويُميتُ وهو حَيٌّ لا يموتُ، بيدِهِ الخَيْرُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وفي سَمْعي نورًا، وَيَسِّرْ لي أمْري" (١). وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ.
وَوَقْتُ الوُقُوفِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَة إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، فمَن حَصَلَ بعَرَفَةَ في هذا الوَقْتِ ولو لَحْظَةً، وَلو مَارًّا بها، أو نَائِمًا، أو جَاهِلًا بها، وهو من أَهْلِ الوقُوفِ، صَحَّ حَجُّهُ،
стр. 273
لا مَجْنُونٌ وَمُغْمًى عليه وَسَكْرانُ، إلَّا أن يُفيقُوا وهم بها قبلَ خروج وقتِ الوقوفِ.
وَيُسَنُّ أن يَقِفَ طَاهِرًا من الحَدَثَينِ، وَيَصِحُّ وقوفُ حَائِضٍ إجماعًا؛ لأَن عائشة ﵂ وَقَفَتْ حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ (١)، ولا تُشْتَرَطُ سترةٌ ولا استقبالٌ، ولا نِيَّةٌ.
وَيَجِبُ أن يَجْمَعَ في الوقوفِ بَيْنَ اللَّيْل والنَّهارِ إن وَقَفَ نهارًا، فإن دَفَعَ قَبْلَ الغُروبِ فَعَليه دَمٌ إن لم يَعُدْ قبلَهُ، وإن وافاها لَيْلًا فَوَقَفَ بها فلا دَمَ عليه، وإن خَافَ فَوْتَ الوقوفِ إن اشتغلَ بالصَّلاة فَلَهُ صَلاةُ خَائِفٍ.
تَتِمَّةٌ: وقْفَةُ الجُمُعَة في آخِرِ يَوْمِها سَاعَةُ الإجَابَةِ، فإذا اجتمَعَ فَضْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ مع يَوْمِ عَرَفَةَ، كان لها مَزِيَّةٌ على سائرِ الأَيامِ، لكن ما اشتَهَرَ على ألْسِنَةِ النَّاس مِنَ العَوَامِّ أنها تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حِجَّةً، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُروبِ الشَّمْسِ بسَكينةٍ مُسْتَغْفِرًا إلى مُزْدَلِفةَ وهي ما بين المَأْزِمَيْنِ ووادي مُحَسِّرٍ - مع أميرِ الحَاجِّ أو نائبه، ويُكْرَهُ قَبْلَهُ، يُسْرِعُ في الفَجْوَةِ، ويُلبِّي في الطَّرِيقِ، وَيَذْكُرُ اللهَ، ويَنْوي جَمْعَ المَغْرِبِ مع العِشاءِ تأخيرًا، فإذا وَصَلَها صَلَّاهُما قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ بإقامَةٍ لِكُلِّ صَلاةٍ بلا أَذانٍ، وإن أَذَّنَ للأُولى فَحَسَنٌ، فإن فاتَتْهُ الصَّلاةُ مع
стр. 274
الإمامِ بها أو بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَبِيتُ بِها حَتَى يُصْبِحَ ويُصلي الفجرَ.
ولَيْسَ لِغَيْرِ رُعَاةٍ وسُقَاةٍ الدَّفْعُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فإن فَعَلَ فعليه دمٌ ما لم يُوافِها بعدَهُ قبل الفجرِ كالذي لم يَأْتِها إلَّا في النِّصف الثاني، وله الدَّفْعُ قبل الإمامِ.
ومَن أصبحَ بها صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ أتى المَشْعَرَ الحرامَ فَرَقى عليه أو وَقَفَ عِنْدَهُ وحَمِدَ الله تعالى، وهلَّلَ وَكَبَّرَ وَدَعا، فيقول: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنا فيه وَأَرَيْتَنا إيَّاه، فَوَفِّقْنا لِذِكْرِك كما هَدَيْتَنا، واغْفِرْ لَنَا، وارْحَمْنا كما وَعَدْتَنا بقولك -وقَوْلُك الحَقُّ-: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩].
ويستَمِرُّ يَدعو حَتَّى يُسْفِرَ جدًّا، ثُمَّ يَدْفَعُ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى مِنًى وعليه السَّكينةُ، فإذا بَلَغَ وادي مُحَسِّرٍ أسْرَعَ راكبًا كان أو ماشيًا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ، ويكونُ مُلَبِّيًا إلى أن يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وهي آخِرُ الجَمَراتِ مِمّا يلي مِنًى، وأولُها مِمَّا يلي مَكَّة، ويأخذُ حَصَى الجِمارِ من طريقِه قبلَ أن يَصِلَ إلى مِنًى، أو من مُزْدَلِفَةَ، ومن حيثُ أَخَذَه جَازَ، ويُكْرَهُ مِن مِنى وسائرِ الحَرَمِ، وتكسيرهُ، ويكونُ أكبَرَ مِن
стр. 275
الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ، فلا يُجْزِئُ صغيرٌ جِدًا ولا كبير، ويُجْزِئُ مع الكراهةِ نَجِسٌ وحصاةٌ في خاتَمٍ، إن قَصَدَها، وتُجْزِئُ من مِسَنٍّ وَبِرامٍ ومَرْمَرٍ ورُخامٍ وغيرِها لا ما رُمِيَ بِهِ، أو غَيْرُ الحَصَاةِ كَجَوْهَرٍ وَذَهَبٍ ونحوهِما، وعَدُد الحصى سبعون حصاة. ولا يسن غسله.
فإذا وَصَلَ إلى مِنًى -وَحدُّها من وَادي مُحَسِّرٍ إلى جمرةِ العَقَبَةِ- بَدَأَ بها الرَّاكِبُ رَاكبًا والماشي ماشِيًا، لأَنَّها تَحِيَّةُ مِنى، فَرَمَاها بِسَبع حَصَيَاتٍ واحدةً بعد واحدةٍ بعد طلوع الشَّمْسِ نَدْبًا، فإن رَمى بَعْدَ نِصْفِ ليلةِ النَّحْرِ أَجْزَأَ، وإن غرَبت الشَّمْسُ فبعدَ الزَّوالِ من الغَدِ. فإن رَماها دَفْعَةً واحدةً لم يُجْزِئْهُ وَيُؤَدَّبُ.
ويشترطُ عِلْمُه بحصولها في المَرْمَى، فلو وقعت خَارِجَهُ ثُمَّ تَدَحْرَجَت فيه أو على ثَوْبِ إنسانٍ ثُمَّ صارت فيه ولو بِنَفْضِ غيره أجْزَأَتْهُ.
ويُسَنُّ أن يُكَبِّرَ مع كُلِّ حَصاةٍ وأن يقول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعيًا مَشْكُورًا. وَيَسْتَبْطِنُ الوادِيَ، وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ وَيَرْمي عن جانبِهِ الأَيْمَنِ، وَيَرْفَعُ يُمناهُ حَتَّى يُرى بياضُ إبطه، ولا تقِفُ عِنْدها بل يرميها وهو ماشٍ، وله رميها من فوقِها.
وَيَقْطَعُ التلبية بَأَوَّل الرَّمي، ثُمَّ يَنْحَرُ هديًا مَعَهُ، ثُمَّ يَحْلِقُ رأسَهُ ويبدأُ بأيمنِهِ ويستقْبِلُ القِبْلَةَ فيه، ويُكبِّرُ وَقْتَ الحَلْقِ، والأَوْلَى أن لا يشارِطَ الحَلَّاقَ على الأُجْرَةِ.
стр. 276
وإن قَصَّرَ فمن جميع شعر رأْسِهِ لا من كُلِّ شَعْرةٍ بعينها، والمرأةُ تُقَصِّرُ قَدْرَ أُنمُلَةٍ فَأقَلَّ من رؤوس الضَّفَائِرِ كَعَبْدٍ، ولا يَحلِقُ إلَّا بإذن سيدِه.
ويُسَنُّ أخذُ ظفُرِه وشاربِهِ ونحوه، وإمرارُ المُوسَى على من عَدِمَ الشَّعْرَ، ثُمَّ قَد حَلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إلَّا النِّساءَ، وعَقْدَ النَكَاحِ.
فَائِدَةٌ: الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ لِذَكَرٍ والتِّقْصِيرُ لأُنْثى نُسُكٌ في تَرْكهما دَمٌ؛ لا إن أَخَّرَهُما عن أيامِ مِنًى أو قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْيِ أو على النَّحْرِ أو نَحرَ أو طافَ قَبْلَ رميه، وَيُكْرَه مع العلم.
فَرْعٌ: ويحصُلُ التَّحَلُلُ الأَولُ باثنينِ من ثَلاثَةٍ وهي الرَّمْيُ والحَلْقُ والطَّوافُ، والثَّاني بما بَقِيَ منها مع السَّعي. ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمامُ بِمنًى يوم النَّحْرِ خُطْبَةً يَفْتَتِحُها بالتكْبِيرِ يُعَلِّمُهُم فيها النَّحْرَ والإفاضَةَ والرَّمْيَ، ثُمَّ يُفيض (١) إلى مكة، فيطوفُ مُفْرِدٌ وقارِنٌ لم يَدْخُلاها قبل ذَلِكَ للقدومِ ويرمُلُ.
ويطوفُهُ مُتَمَتِّعٌ بلا رَمَلٍ ثُمَّ يطوفُ للزِّيَارَةِ وَيُسمَّى طوافَ الإفاضَةِ والصَّدَرِ (٢) يُعَيِّنُه بنيتِهِ وهو رُكنٌ لا يتم الحَجُّ إلَّا بِهِ، ووقتُهُ من نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِمن وَقَفَ ولغيرِهِ بعد الوقوفِ، وفعلهُ يَوْم النَّحْرِ أَفْضَلُ،
стр. 277
وإن أَخَّرَهُ عن أيامِ مِنًى جَازَ ولا شيءَ فيه كالسَّعْيِ، ثُمَّ يَسْعَى المُتَمَتِّعُ ومن لَم يَكُن سَعَى مع طوافِ القدُومِ، ثُمَّ يَشْرَبُ من زمزمَ لِمَا أحَبَّ، لأَن ماءَ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، وَيَتَضَلُّعُ مِنه وَيَرُشُّ على بَدَنِهِ وثَوْبِهِ ويقول: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا واسِعًا، ورِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفاءً من كُلِّ داءٍ، واغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وامْلأَهُ من خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ.
فَائِدَةٌ: وَيُسَنُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ والحِجْرُ منه، ويكونَ حافِيًا بلا خُفٍّ ولا نَعْلٍ بِغَيْرِ سِلاحٍ، ويُكَبِّرُ وَيَدْعُوفي نواحِيه، ويُصَلِّي فيه رَكْعَتَيْنِ، ويُكْثِرُ النَّظَرَ إِليه.
فَائِدَةٌ: وإذا أرادَ أن يَسْتَشْفِيَ بشيءٍ من طيبِ الكَعْبَةِ، فليأتِ بطيبٍ من عِنْدِهِ (١)، فَيَلْزِقَه عليها ثُمَّ يأخذَهُ، ولا يأخُذُ من طِيبِها شيئًا، وإذا نَزَعَ ثَوْبَها تَصَدَّقَ بِهِ.
ثُمَّ يَرْجِعُ إلى منى فَيُصَلِّي بها ظُهْرًا لِنَحْرٍ ويبيتُ بها ثَلاث ليالٍ، وَيَرْمي الجمراتِ بها أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كُلَّ يومٍ بَعْدَ الزَّوالِ وجوبًا.
ويُسَنُّ قَبْلَ الصَّلاةِ إلَّا السُّقَاةَ والرُّعَاةَ، فلهم الرَّمْيُ كُلَّ وَقْتٍ، ولو في يومٍ واحدٍ أو لَيْلَةٍ واحدةٍ من أيامِ التِّشْرِيقِ، وآخِرُ رَمْيِ كُلِّ يومٍ إلى الغُروبِ.
ولا يَدَعُ الصَّلاة مع الإمامِ في مَسْجِدِ مِنًى وهو مَسْجِدُ الخَيْفِ،
стр. 278
فَيَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ واحدةً بعد واحدةٍ، فيبدأُ بالجَمْرَةِ الأُولى، وهي أبْعَدُهُنَّ من مكِّةَ، وَتَلي مَسْجِدَ الخَيْفِ، فَيَجْعَلُها عن يسارِهِ وَيَرميها، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قليلًا، لِئَلَّا يُصِيبَهُ الحَصَى، فَيَقِفُ وَيَدْعُو اللَّهَ رَافِعًا يَدَيْهِ ويُطِيلُ، ثُمَّ يأتي الوُسْطى، فَيَجْعَلُها عن يَمينه، وَيَرميها كذلك، وَيقِفُ عِنْدَها وَيدْعُو كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرْمِي جَمَرَةَ العَقَبَةِ كَذَلِكَ وَيَجْعَلُها عن يمينِهِ وَيَسْتَبْطِنُ الوَادِيَ، ولا يَقِفُ عِنْدَها.
وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في الجَمَراتِ كُلِّها، وتَرْتيبُها شرطٌ بأنْ يَرْمِيَ أوَّلًا التي تَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ، ثُمَّ الوُسْطى ثُمَّ العَقَبَةَ، فإن نكسه لم يُجْزِئْه، وإن أَخَلَّ بحصَاةٍ من الأولى، لم يَصِحَّ رَمْيُ ما بعدَهَا، وإن جَهِلَ مَحَلَّها بنى على اليقينِ، ثُمَّ يَرْمِي في اليوم الثَّاني والثَّالث كذلك، وإن أَخرَ الرَّمْيَ كُلَّه ورمْيَ يَوْمِ النَّحْر، فَرَماهُ آخِرَ أيَّامِ التَشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ أداءً وكان تاركًا للأَفْضَلِ.
وَيَجِبُ ترتيبُهُ بنيَّتِهِ، وكذا لو أَخَّرَ رَمْيَ يومٍ أو يومينِ.
وفي تأْخِيرِ رمي جَمْرةٍ أو الكُلِّ من أيامِ مِنًى دمٌ، وفي تَرْكِ حصاةٍ ما في شعْرَةٍ، وفي حَصاتَيْن ما في شَعْرَتَيْنِ.
ولا مَبيتَ على سُقاةٍ ورُعاةٍ، فإن غَرَبتِ الشَّمسُ وهم بها لَزِمَ الرُّعاةَ فقط المبيتُ، وإن تَرَكَهُ غيرُهُم ليلةً فعليه دَمٌ.
ومن كانَ مَريضًا أو مَحْبُوسًا أو لَهُ عُذْرٌ جازَ له أن يستنيبَ من يَرْمِيَ عَنْهُ والأَوْلى أن يشهدَهُ إن قَدَرَ.
стр. 279
ويُسَنُّ أن يَضَعَ الحَصى في يدِ النَّائِبِ ليكونَ لَهُ عمل في الرَّمْي.
وَيَخْطُبُ الإِمامُ ثَانيَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُم حُكْمَ التَّعْجيلِ والتَّأخِيرِ وتوديعَهُم.
ولِكُلِّ حَاجٍّ غَيْرِ الإمامِ المُقيمِ للمنَاسِكِ التَّعْجيلُ في ثاني التَّشْرِيقِ وهو النَّفْرُ الأَولُ لكن ينفرُ قَبْلَ غروبِ الشَّمْسِ، فإن غَرَبَت وهو بها لَزِمَهُ المبيتُ والرَّمْيُ مِن الغَدِ، ثُمَّ يَنْفِرُ وهو النَّفْرُ الثَّاني، ويسقُطُ رَمْيُ اليومِ الثَّالثِ، ويدفِنُ حصاهُ في المَرْمَى، ولا يَضُرُّ رجوعُهُ.
وإذا نَفَرَ من مِنًى يسن نزوله بالأَبطحِ -وهو المُحَصَّبُ، وَحَدُّهُ ما بينَ الجَبَلَيْنِ إِلى المَقْبَرَةِ- فَيُصَلِّي به الظُهْرَيْنِ والعِشائَيْنِ، وَيَهْجَعُ يَسيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
فإذا أتَى مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حَتَّى يُودِّعَ البَيْتَ بالطَّوافِ بَعْدَ الفَراغِ من جميعِ أمُورِهِ وهو على كُلِّ خَارِجٍ من مكَّةَ، ثُمَّ يُصلِّيَ ركعتينِ خَلْفَ المَقَامِ، ويأتِيَ الحَطِيمَ -وهو تحتَ المِيزابِ- فَيَدْعُوَ، ثُمَّ يَأْتِيَ زَمْزَمَ فَيَشْرَبَ منه ثُمَّ يَسْتَلِمَ الحَجَرَ ويقَبِّلَهُ ويقفُ في المُلْتَزَمِ -وهو ما بَيْنَ الحَجَرِ الأَسْودِ وباب الكَعْبَةِ- فَيَلْتَزِمُهُ مُلْصِقًا بِهِ صَدْرَهُ، وَوَجْهَهُ، وَبَطْنَهُ، ويَبْسُطُ يديه عليه، وَيَجْعَلُ يمينَهُ نحو البَابِ، ويسارَهُ نحو الحَجَرِ، وَيَدْعُو بِما أَحَبَّ من خَيْرَيِ الدُّنيا والآخِرَةِ ومنه: اللَّهُمَّ هذا بَيْتُكَ، وَأَنا عَبْدُكَ وابنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَني على ما سَخَّرْتَ لي من
стр. 280
خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي في بِلادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي على أداءِ نُسُكي، فإن كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رضًا، وإلَّا فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أن تَنْأَى عن بَيْتِكَ دَارِي، فهذا أوانُ انْصِرَافِي إن أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ ولا بِبَيْتِكَ، ولا رَاغِبٍ عَنْكَ ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي العافيةَ في بَدَني، والصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، والعِصْمَةَ في ديني، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وارْزُقْنِي طاعَتَك ما أَبْقَيْتَنِي، واجْمَعْ لي بَيْنَ خَيْرَي الدُّنيا والآخرةِ، إِنَّك على كُلِّ شيءٍ قديرٌ. ويُصَلِّي على النَّبِيِّ ﷺ .
فإذا خَرَجَ وَلَّاها ظَهْرَهُ ولا يَلْتَفِتُ، فإن فَعَلَ أَعادَ الوَدَاع نَدْبًا. والحَائِضُ تَقِفُ على بَابِ المَسْجِدِ وَتَدْعو بِذَلِكَ، ولا وَداعَ عَليها ولا فِدْيَةَ إلَّا أن تَطْهُرَ قَبْلَ مُفارقَةِ البُنْيانِ فَتَرْجِعُ وتُوَدِّعُ، فإن لم تَفْعَل ولو لِعُذْرٍ فَعَليها دَمٌ.
فإذا وَدَّع ثُمَّ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ ونحوِهِ، أو اتَّجَرَ أو أَقَامَ أعادَ الوداعَ، لا إن اشترى حاجةً في طريقِهِ أو صَلَّى، وإن خَرَجَ قبلَهُ فعليه الرُّجُوعُ إِليه لِفِعْلِهِ إن كانَ قريبًا ولم يَخَفْ على نَفْسٍ أو مَالٍ أو فواتِ رُفْقَتِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ ولا شيءَ عليه إذا رَجَعَ، فإن لم يمكنهُ أو أمكنَهُ ولم يَرْجِعْ أو أَبْعَدَ مسافَةَ قَصْرٍ فَعليه دَمٌ رَجَعَ أو لا، وسواء تركَهُ عَمْدًا أَو خَطأً أو نسيانًا.
وَمَتى رَجَعَ مع القُرْبِ لم يَلْزَمْهُ إحرامٌ، وَيَلْزَمُهُ مع البُعْدِ بِعُمْرَةٍ يأتي بها، ثُمَّ يَطوفُ للوداعِ.
стр. 281
فَائِدَةٌ: وإن أَخَّرَ طوافَ الزِّيَارَةِ أو القدُومِ فطافَهُ عِنْدَ الخروجِ كفاهُ عَنْهُمَا (١).
فَصْلٌ في زِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّريفِ ﵇ وَقَبْرِ صاحبيهِ، ﵄
وهي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثى (٢)، فإذا دَخَلَ مَسْجِدَ المَدِينَةِ قَالَ ما يَقُولُهُ في دُخُولهِ غَيْرَهُ مِنَ المَساجِدِ، ثُمَّ يُصلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ ثُمَّ يأتي القَبْرَ الشَّرِيفَ، فَيَقِفُ قُبَالَةَ وَجْهِه ﷺ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الحُجْرَةِ والمِسْمَارَ الفِضَّةَ الذي في الرُّخامَةِ
стр. 282
الحَمْراءِ، فَيُسَلِّمُ على جَنَابِهِ الشَّريفِ فيقولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، وإن زَادَ على ذَلِكَ فَحَسَنٌ، ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ يَسْتقبلُ القِبْلَةَ، والحُجْرَةُ عن يَسارِهِ قَريبًا لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَهُ ﷺ ، وَيَدْعُو (١)، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قليلًا من مَقَامِ سَلامِهِ نحوَ ذِراعٍ على يمينِهِ، فَيُسَلِّمُ على أبي بكرٍ ﵁ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ نحوَ ذراعٍ على يمينِهِ، أيضًا، فَيُسَلِّمُ على عُمر ﵁.
وَيَحْرُمُ الطَّوافُ بالحُجْرَةِ، ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدها.
ولا يَتَمَسَّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يمسُّهُ ولا حائِطَهُ، ولا يُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ ولا يقَبِّلُه.
وَتُسَنُّ الصَّلاةُ بِمَسْجِدِه ﷺ ، وأن يَأْتيَ مَسْجِدَ قُباءَ فَيُصَلِّيَ فيه ركعتينِ، وعادَ إلى قَبْرِ رسول الله ﷺ فَوَدَّع، وأعادَ الدُّعاءَ.
стр. 283
وَسُنَّ أن يَقُولَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ من حَجِّهِ مُتَوَجِّهًا: "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، آيبُونَ تَائِبونَ عابِدونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَق اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (١).
وَيَحْسُنُ أن يُقالَ لِلْحاجِّ إذا قَدِمَ: تَقَبَّلَ اللهُ نُسُكَك، وَأَعْظَمَ أَجْرَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
وكانوا يَغْتَنِمُونَ أَدْعِيَةَ الحَاجِّ قَبْلَ أن يَتَلَطَّخوا بالذُّنُوبِ.
فَصْلٌ في صِفَةِ العُمْرَةِ
مَنْ كان في الحَرَمِ مِن مَكِّيٍّ وغيرِه، خَرَجَ إلى الحِلِّ، فَأَحْرَمَ مِن أدْناه، والأَفْضَلُ مِن التَّنْعِيمِ ثُمَّ مِنَ الجِعْرَانَةِ، ثُمَّ من الحُدَيْبِيَّةِ، ثُمَّ ما بَعُدَ، وَمَن كانَ خَارِجَ الحَرَمِ داخلَ الميقاتِ فمن دُوَيْرَةِ أهْلِه، وَحَرُمَ مِنَ الحَرَم، وَيَنْعَقدُ وعليه دَمٌ.
ثُمَّ يَطوفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ وَيُقصِّرُ، ولا بَأْسَ بها في السَّنَةِ مِرارًا، وهي في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُها في رمضان.
وَيُسَنُّ تكرَارُها فيه، ويُكْرَهُ الإكثارُ مِنْها في غيره، والموالاةُ بَيْنَهُما، وَتُسَمَّى حَجًّا أَصْغَرَ.
стр. 284
فَصْلٌ في أَرْكَانِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وَوَاجِبَاتِهِمَا
أَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ:
الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الزِّيَارَةِ، والسَّعِي.
وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ:
الإحرامُ مِن الميقاتِ، والوقُوفُ بِعَرَفَة إلى اللَّيْل، والمبيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إلى دخولِ النِّصفِ الثَّاني، والمَبيتُ بِمنىً، والرمي مُرتبًا، والحلقُ أو التَّقْصيرُ، وطوافُ الوَدَاعِ.
وأركانُها ثَلاثَةٌ:
الإحرامُ، والطَّواف، والسَّعِيُ.
وواجِبُها اثنان:
الإحرامُ من الحِلِّ، والحَلْقُ أو التَّقْصيرُ. وما عدا ذَلِكَ سُنَنٌ، فمن تَرَكَ الإحرام لم يَنْعَقِد نُسُكُهُ أو رُكنًا غَيْرَهُ أو نيتَهُ إن شُرِطَتْ لم يَتِمَّ نُسُكُهُ إلَّا بِهِ.
وَمن تَرَك واجِبًا ولو سَهْوًا فعليه دَمٌ، ولا شيءَ في تَرْكِ السُّنَّةِ إلَّا أنَّه يَنْقُصُ بذلك أَجْرُهُ.
ويُكْرَهُ تَسْمِيةُ من لم يَحُجَّ صَرُورةً -بالصاد المهملة- لأَنَّه اسمٌ جَاهِليٌّ، وأن يقال حِجَّةُ الوَداعِ، لأَنَّه اسم على أن لا يَعُودَ، وَشَهْرُ السِّلاحِ عِنْدَ قدومِ تَبُوكَ.
стр. 285
بَابُ الفَواتِ والإحْصَارِ
الفَواتُ سَبْقٌ لا يُدْرَكُ، والإحْصارُ الحَبْسُ.
فمن طَلَعَ عليه فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ، ولم يَقِفْ بِعَرَفَةَ لِعُذْرِ حَصْرٍ أو غيرِهِ أو لِغَيْرِ عُذْرٍ فاتَهُ الحَجُّ، وانْقَلَبَ إحرامُهُ عُمْرَةً إن لم يَخْتَرِ البَقَاءَ عليه لِيَحُجَّ من قَابِلٍ، ولا تُجْزِئُهُ عن عُمْرَةِ الإسلامِ كمنذورةٍ، وعليه القَضَاءُ، ولو نَفْلًا، وعلى مَن لم يَشْتَرِطْ أَوَّلًا هَدْيٌ شاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ من حينِ الفَواتِ يَذْبَحُه في القضاءِ، فإن كان قارِنًا قَضَى قارنًا. فإن عَدِمَ الهَدْيَ زَمَنَ الوجُوبِ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ: ثَلاثةً في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذا رَجَعَ ثُمَّ حَلَّ.
والعبدُ لا يُهْدِي، ولو أَذِنَ لَهُ سَيَّدُهُ بل يصومُ، وهكذا كُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ في الإحرامِ، ولا يُجْزِئُهُ عنه إلَّا الصِّيامُ، فيصومُ عن كُل مُا من قيمةِ الشَّاةِ يَوْمًا.
فَائِدَةٌ: إذا وَقَفَ كُلُّ الحَاجِّ إلَّا يسيرًا الثَّامِنَ أو العَاشِرَ خطأً أَجْزَأَهُم. ومن مُنِعَ البَيْتَ ولو بَعْدَ الوقوفِ أو في عُمْرةٍ ذَبَحَ هَديًا بنيةِ