بَابُ آدَابِ الأَكْلِ والشُّرْبِ
يُسَنُّ غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وبعده ولو مُتَوضئًا، وأن يتوضأَ الجُنُبُ قبل الأَكلِ والشُرْبِ.
ولا يُكْرَهُ غَسْلُ اليدينِ في الإِناءِ الذي أُكُلَ منه، ويُكْرَهُ بطَعامٍ، وهو القوتُ، ولو دقيقَ حِمِّصٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَّاءٍ ونحوه، ولا بأس بِنُخَالَةٍ.
وإن دعت الحاجَةُ إلى استعمالِ القُوتِ، كالدَّبغ بدقيقِ الشَّعيرِ، واستعمالِ اللَّبَنِ والدَّقِيقِ للجَربِ ونحو ذلك رُخصَ فيه.
ويُسَنُّ بِتَأَكُّدٍ أن يَتَمَضْمَضَ من شُرْبِ اللَّبَنِ، ويُسَنُّ لِمن أَكَلَ أن يَلْعَقَ أصابِعَهُ قبل غَسْلِهَا أو مَسْحِها، أو يُلْعِقَها لغيره.
ويَعْرِضُ رَبُّ الطعامِ الماءَ لِغَسْلِهِما ويقدِّمُهُ بِقُرْبِ طعامِهِ، ولا يَعْرِضُ الطَّعامَ.
وتُسَنُّ التَّسميةُ على الطَّعامِ والشَّرابِ، ويجهَرُ بها فيقولُ: بِسْمِ الله، ولو زادَ الرَّحمن الرحيم لكان حسنًا. وأن يَأْكُلَ بيمينه، ومِمَّا يليه
стр. 352
ويُكْرَهُ تركُهُما، والأَكْلُ والشُّرْبُ بشمالِهِ إلَّا من ضَرورةٍ، وإن جَعَلَ بيمينه خُبْزًا وبشمالِهِ شيئًا يأْتَدِمُ به، وَجَعَلَ يَأْكُلُ من هذا ومن هذا، كُرِهَ لما فيه من الشَّرَهِ؛ ولأَنَّهُ أَكَلَ بِشِمَالِهِ.
ومَنَ أَكَلَ أو شَرِب بِشمالِهِ شاركَهُ الشَّيطانُ في ذلك. وإن نسيَ التَّسْميةَ في أَوَّلِهِ قال إذا ذَكَرَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وآخِرَهُ. فإن كانوا جماعةً سَمُّوْا كُلُّهُمُ حَتَّى المُمَيِّزُ، ويُسمَّى عمن لا عَقْلَ له.
وإذا فَرَغَ الآكلُ والشَّارِبُ حَمِدَ الله جَهْرًا وقال ما ورد، ومنه: "الحَمْدُ للَّهِ الذي أطْعَمَنا وسَقَانا وجَعَلَنا مسلمين" (١).
"الحَمْدُ للَّهِ الذي أَطْعَمَنِي هذا وَرَزَقَنيهِ، من غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ" (٢).
стр. 353
ويُسَنُّ الدُّعاء لصاحِبِ الطَّعامِ ومنهُ: "أفْطَرَ عِنْدَكُم الصائمونَ، وَأَكَلَ طعامَكُمُ الأَبرارُ، وصَلَّت عليكم الملائكة، ونَزَلَتْ عليكم الرَّحْمَةُ، وذكَركم اللَّهُ فيمن عنده" (١).
ويُسَنُّ إذا فَرَغَ من الأَكل ألَّا يُطِيلَ الجُلُوسَ من غَيْرِ حاجةٍ، بل يستأذِنُ رَبَّ المنزلِ وينصرِفُ.
وَيُسمي الشَّارِبُ عِنْدَ كل ابتداءٍ، ويَحْمَدُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ، وإن فَعَلَهُ في أَكْلِ كُلِّ لُقْمةِ كان حسنًا؛ لأَن الإِمام أحمد فَعَلَهُ وقال: أَكْل وحَمْدٌ خَيْرٌ من أَكْلٍ وَصَمتٍ.
ويُكْرَهُ الأَكْلُ من أعلى الطعام، ومن وسطه، فالأَكمل الأَكل من أسفلِهِ وكذلك الكيلُ.
وَيُكْرَهُ نَفْخُ الطَّعَامِ والشَّرَابِ والتَّنفُّسُ في إنائيهِمَا، وأكلهُ حارًّا بلا حاجَةٍ، وأَكلُهُ مِمَّا يَلي غَيْرَهُ إن كان الطَّعامُ نوعًا واحدًا، فإن كان أنواعًا أَو فاكِهةً فلا بأس.
وكُرِهَ شديدًا أن يَتَعَمَّدَ القَوْمَ حينَ وَضْعِ الطَّعامِ فَيَفْجَأَهُم، وأن يَتْبَعَ القومَ من غير أن يُدْعى وهو الطُّفَيْليّ، ولا تقبل شهادتُهُ.
стр. 354
وقال الشيخ عبد القادر (١): ويحرُمُ التَّطَفُلُ على طعام النَّاس، وهو دخولُهُ مع المَدْعُوينَ من غَيْرِ أن يُدْعَى، وهو ضَرْبٌ من الوَقَاحَةِ والغَصْبِ، ففيه إِثمان، أحدهما: الأَكلُ لِمَا لَمْ يُدْعَ إليه، والآخَرُ: دخولُهُ إلى مَنْزِلِ الغَيْرِ بغَير إذنِهِ، والنَّظَرُ إلى أسرارِهِ والتَّضْييقُ على من حَضَرَ، انتهى.
وكُرِهَ الخُبْزُ الكِبارُ، لأَنَّهُ لا بَرَكَةَ فيه، وأن يتبذلَهُ، فلا يمسَحُ يَدَهُ ولا السكينَ به، ولا يضعُهُ تَحْتَ القَصْعَةِ ولا تحت المِمْلَحَةِ، ويجوزُ وضعُ المِلْحِ وحدَهُ على الخُبْزِ.
وَيُسَنُّ أن يُصَغِّرَ اللُقْمَةَ، ويجيدَ المَضْغَ، ويطيلَ البَلْعَ، لا يأخذ لُقْمَةً حَتَّى يَفْرُغَ من التي قبلَهَا، وتصغيرُ الكَسْرِ، وأن ينويَ بأَكْلِهِ وشُرْبِهِ التَّقَوِّيَ على الطَّاعَةِ، وَيَبْدَأَ الأَكبرُ، والأَعلَمُ، وصاحِبُ البَيْتِ، ويُكْرَهُ لغيرهم السَّبْقُ إلى الأَكلِ. وإذا أَكَلَ معه ضريرٌ أعلمَهُ بما بين يديه.
ويُسَنُّ مَسْحُ الصَّحْفَةِ وأكلُ ما تناثَرَ، والأَكْلُ عِنْدَ حضور رَبِّ الطَّعامِ وإذنِهِ، والأَكْلُ بثلاثِ أصابعٍ، ويُكْرَهُ بما دُونَها، وَبِما فَوْقَها بلا حاجَةٍ، ويُبَاحُ بالمِلْعَقةِ.
ويُكْرَهُ القِرانُ في التَّمْرِ وَنَحْوهِ، مِمَّا جرت العادةُ بتناوُلِهِ إفرادًا، وفِعْلُه ما يَستقذِرُهُ من غيرِهِ، كبصاقٍ ومُخاطٍ وغيرِهما، وأن يَنْفُضَ يَدَهُ
стр. 355
في القَصْعَةِ، وأن يُقَدَّمَ إليها رَأسَهُ عِنْدَ وضعِ اللُّقْمَةِ في فيه، وأن يَغْمِسَ اللقْمَةَ الدَّسِمَةَ في الخَل أَو الخَلَّ في الدَّسَمِ فقد يكرهُهُ غيره، ولا بَأْسَ بوضعِ الخَلِّ والبُقُولِ على المَائِدَةِ غَيْرَ الثومِ والبَصَلِ وما له رائِحَةٌ كريهة، ويَحْسُنُ وضعُ ماءٍ تُدْفَعُ به الغُصَّةُ.
وَيَنْبَغِي أن يُحَوِّلَ وجهَهُ عِنْدَ السُّعَالِ والعُطَاسِ عن الطعامِ، أو يُبْعِدَهُ عَنْهُ، أو يَجْعَلَ على فيه شيئًا؛ لئلا يَخْرُجَ منه بُصَاقٌ فيقَعَ في الطعَامِ.
وإن خَرَجَ من فيه شيءٌ ليرميَ به، صَرَفَ وجهَهُ عن الطَّعامِ، وأخذَهُ بيسارِهِ ورماهُ، ويُكْرَهُ رُدُّهُ إلى القصعةِ، وأن يغمِسَ بقيَّةَ اللُقْمَةِ التي أَكَلَ منها في المَرَقَةِ، وكذا هَنْدَسَةُ اللقْمَةِ؛ وهي أن يَقْضِمَ بأسنانِهِ بَعْضَ أطرافها، ثُمَّ يضعَهَا في الإِدامِ، وأن يتكلَّمَ بما يُسْتقذَرُ أو بما يُضْحِكُ أو يُحْزِنُ، وأن يأكُلَ مُتكئًا، أو مُضْطَجِعًا، أو مُنْبَطِحًا، أو على الطَّريقِ، وأن يعيبَ الطَّعامَ، بل إن اشتهَاهُ أَكَلَ مِنْهُ، وإلَّا تَرَكَهُ، ولا بأس بمدحِهِ، لا من صاحبِهِ فيكرَهُ منه ذَلِكَ لتقويمِهِ له.
وَيُسَنُّ أن يَجْلِسَ على رجْلِهِ اليُسرى، وَيَنْصِبَ اليُمْنى أو يَتَربَّعَ.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ولا يَشْرَبُ الماءَ في أثناءِ الطَّعامِ؛ فإنه أَجودُ في الطِّبِّ. ومَحَلُّهُ إن لم يكن عادةٌ، ولا يَعُبُّ الماءَ عبًّا، بل يأخُذُ إناءَ الماء بيمينِهِ، ويُسَمّي، وينظرُ فيه ثُمَّ يشربُ منه مَصًّا مقطعًا ثلاثًا، ويُكْرَهُ أن يَتنفّس في الإِناءِ، وأن يشربَ من فَمِ
стр. 356
السِّقاءِ وثُلمةِ الإِناءِ أو مُحاذيًا للعُروَةِ المُتَّصِلَةِ بَرَأْسِ الإِناءِ.
ولا يُكْرَهُ الأَكلُ والشُّرْبُ قائمًا والأَكملُ قَاعِدًا.
فَائِدَةٌ: وماءُ آبارِ ثَمُودَ لا يُباحُ شُرْبُهُ، ولا الطَّبْخُ به، ولا استعمالُهُ، فإن طَبَخَ منه، أو عَجَنَ أَكْفَأَ القِدْرَ، وعَلَفَ العجينَ النَّواضِحَ، ويُبَاحُ منها بِئْرُ النَّاقَةِ.
وديارُ قوم لوطٍ يُكْرَهُ شُرْبُ مائِهَا واستعمالُهُ، لأَنَّها مسخوطٌ عليها.
فَصْلٌ
وإذا شَرِبَ يُسْتَحَبُّ أن يُناولَهُ الأَيمنَ، وكذا غسلُ اليدين ورشُّ الماوَرْدِ ونحوِه، ويبدأُ في ذلك بأفضلهم ثُمَّ بمن على اليمين.
ويُسَنُّ أن يَغُضَّ طَرْفَهُ عن جليسِهِ، وأن يؤثر على نفسه المحتاجَ، وأن يُخَلِّلَ أسنانَهُ إن عَلِقَ بها شيءٌ لا في أثناءِ الطَّعامِ ولا بِعُودٍ يَضُرُّهُ، ويُكْرَهُ ابتلاعُ ما قلعَهُ بالخِلالِ لا ما قَلَعَهُ بلسانِهِ.
ولا يأكُلْ مِما شُرِبَ عليه الخَمْرُ ولا مُخْتَلِطًا بحرام إلَّا لضرورةٍ، ولا يُلَقِّمْ جليسَهُ ولا يَفْسَحْ لغيرِهِ، ولا يُطْعِمْ هرًّا ولا سائِلًا إلَّا بإذنِ رَبِّ الطَّعَامِ، وفي معنى ذلك تقديمُ الضَّيْفِ ما لديه إِلى غَيْرِهِ، ولا يَخْلِط طعامًا بطعامٍ، وقطعُ اللَّحْمِ بالسِّكينِ جَائِز.
فَائِدَةٌ: يُبَاحُ النّهْدُ، وهو أن يُخْرِجَ كُلُّ واحدٍ من رُفقةٍ شيئًا من
стр. 357
النَّفَقَةِ، ويدفعونَهُ إلى من يَنْفِقُ عليهم منه، ويأكلونَ جميعًا، فلو أَكَلَ بعضُهُمْ أَكْثَرَ أو تَصَدَّقَ منه فلا بَأْسَ.
والسُّنَّةُ أن يكونَ البَطْنُ أَثلاثًا:
ثُلثًا للطَّعامِ، وثُلثًا للشَّرابِ، وثُلثًا للنَّفَس.
ويَحْرمُ أكلُهُ كثيرًا بحيثُ يتأذَّى وَيَتَّخِمُ.
ويُكْرَهُ إدمانُ أَكْلِ اللَّحْمِ، وتقليلُ الطَّعام بحيثُ يَضُرُّهُ، ومِنَ السَّرفِ أن تَأْكُلَ كلما اشْتَهَيْتَ.
ويأكُلُ ويشرَبُ مع أبناء الدُّنيا بالأَدبِ والمُروءَةِ، ومع الفُقراءِ بالإِيثار، ومع الإِخوانِ بالانْبِساطِ، ومع العلماءِ بالتَّعَلُّم، ولا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلى المكانِ الذي يخرجُ منه الطَّعامُ.
وَيُسَنُّ الأَكْلُ مع الزَّوْجَةِ والولَدِ، ولو طِفْلًا، وأَن تكثُرَ ألأَيدي على الطَّعامِ، وأن يُجْلِسَ عبدَهُ على الطَّعامِ، فإن لم يُجْلِسْهُ أطْعَمَهُ منه.
وَيُسَنُّ لمن أَكَلَ مع جماعة ألَّا يَرْفَع يَدَهُ حَتَّى يكتَفُوا.
ويُسَنُّ أن يُباسِطَ الإِخْوانَ بالحديثِ الطَّيِّبِ والحكاياتِ التي تليقُ بالحالِ إذا كانوا مُنقبضينَ، ويُقدِّم ما حَضَرَ من الطَّعامِ من غير تَكَلُّفٍ، ولا يَحْتَقِرهُ فيمتنعَ من تقديمِهِ. قال الشَّاعِرُ:
نُقَدِّمُ للضَّيْفِ ما عِنْدَنا ... وإن لم يَكُنْ غَيْرَ خَلٍّ وَبَقْلْ
стр. 358
فَأَمَّا الكَرِيمُ فَيَرْضى بِهِ ... وَأَمَّا اللئيمُ فَمَنْ لَمْ نُبَلْ
وقلت:
إذا جاءك الزَّائرُ مُخْلِصًا ... فَأَحْسِنْ قِرَاهُ مِمَّا حَضَرْ
وبادِرْ أُخَيَّ بِلا كُلْفَةٍ ... لَهُ فالشَّرْعُ عَنْها زَجَرْ
فَأَمَّا الكَرِيمُ فَيَرْضَى بِمَا ... تَيَسَّرْ وذو اللؤمِ لا يُعْتبَرْ
وإذا كان الطَّعامُ قليلًا والضُّيوفُ كثيرةً فالأَولى تركُ الدَّعوةِ.
ويُسَنُّ أن يَخُصَّ بدعوتِهِ الأَتقياءَ والصَّالِحين، وإذا طَبَخَ مَرَقَةً أن يُكْثِرَ ماءها ويتعاهدَ مَعَهُ بعضَ جيرانِهِ.
تَنْبِيهٌ: وإقراءُ الضَّيْفِ مسنونٌ بِتَأَكُّدٍ، ولا خَيْرَ فيمن لا يُضَيِّفُ.
ومن آدابِ إحضار الطَّعامِ تعجيلُهُ وتقديمُ الفاكهةِ قَبْلَ غيرها؛ لأَنَّهُ أَصْلَحُ في بابِ الطِّبِّ، ولا يستأْذِنُهُم في التَّقْدِيم.
ومِنَ التكلُّفِ أنْ يُقَدِّمَ جميعَ ما عِنْدَهُ، ولا يجمعْ بين النَّوى والتَّمْرِ في طَبَقٍ، ولا يجمَعهُ في كفِّهِ، بل يَضَعُهُ من فيه على ظهرِ كَفِّهِ، وكذا كُلُّ ما فيه عَجَمٌ وثُفْلٌ (١).
ولا يَخْلِطْ قِشْرَ البطِّيخِ الذي أَكلَهُ بما لم يُؤْكَلْ، ولا يَرمِ به، بل
стр. 359
يَجْمَعُهُ مُنْفردًا عنده ثُمَّ يُلْقيه.
ولِرَبِّ الطَّعامِ أن يَخُصَّ بعض الضيفانِ بشيءٍ طَيِّبٍ إذا لم يَتَأَذَّ غيرُهُ.
ويُسَنُّ للضَّيْفِ أن يُفْضِلَ شيئًا لا سيَّما إن كانَ مِمَّنْ يُتبَرَّكُ بفضلتِهِ (١)، أو كانَ ثَمَّ حاجةٌ.
وفي "شرح مسلم" للنَّووي رحمه الله تعالى: يُسْتَحَبُ لصاحِبِ الطَّعامِ، وأهلِ الطَّعامِ الأَكلُ بعد فراغِ الضَّيفانِ (٢). والأَولى النَّظَرُ في قَرائِنِ الحَالِ.
ولا يُشْرَع تقبيلُ الخُبْزِ ولا شيء من الجماداتِ، إلَّا ما وردَ بِهِ الشَّرْعُ كالحجرِ الأَسود.
ويُكْرَهُ أن يَأْكُلَ ما انْتَفَخَ من الخُبْزِ ووجْهَهُ، ويَتْرُكَ الباقي. ولا يقتَرح الزَّائِرُ طعامًا بعينِهِ، وإن خُيِّرَ بين طعامَيْنِ، اختارَ الأَيْسَرَ، إلَّا أن يعلمَ أنَّ مُضَيِّفَهُ يُسَرُّ باقتراحِهِ ولا يقصِّرُ عن تحصيلِ ذلك.
وينبغي ألَّا يقصدَ بالإِجابةِ إلى الدَّعْوةِ نفسَ الأَكْلِ، بل يَنْوي بها الاقتداءَ بالسُّنَّةِ، وإكرامَ أخيه المُسْلم، وصيانَةَ نفسِهِ عن مُسِيءٍ به الظَّنَّ، بالتَّكبُّرِ.
стр. 360
وَيُسَنُّ أن يجْعَلَ ماءَ الأَيْدي في طَسْتٍ واحدٍ، ولا يَرْفَعْهُ حَتَّى يمتلئَ، ولا يَضَعَ الصَّابونَ في ماءِ الطسْتِ بَعْدَ غسل يَدِهِ.
ومن أَكَلَ طعامًا فليقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيه، وأَطْعِمْنا خَيْرًا منه.
وإذا شَرِبَ لبنًا قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيه، وزِدْنا منه" (١).
وإذا وَقَعَ الذُّبَابُ ونحوُهُ في طعامٍ أو شراب، سُن غَمْسُهُ كُلِّهِ فيه ثُمَّ ليَطْرَحْهُ. وَيَغْسِلُ يديْهِ وَفَمَهُ من ثُومٍ وَبَصَلٍ وزُهُومةٍ ورائحةٍ كريهةٍ، ويتأكَّدُ عند النَّوْمِ.
واعلم أن في الثَّريدِ فَضْلًا على غيره من الطَّعامِ، وهو أن يَثْرُدَ الخُبْزَ -أي يَفُتَّهُ- ثُمَّ يَبُلَّهُ بِمَرقِ لحمٍ أو غيره.
وإذا ثَرَدَ غَطَّاه شيئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرَهُ؛ فإنه أَعْظَمُ للبَرَكَةِ.
ويُكْرَهُ رَفْعُ يَدِهِ قبلَهُم بلا قرينةٍ، وأن يُقيمَ غيره عن الطَّعامِ قبل فراغِهِ؛ لما فيه من قطع لذَّته، ولا يقومُ عن الطَّعامِ حَتَّى يُرفَع إلَّا لحاجة.
وإن أَكَلَ تَمْرًا عتيقًا ونحوه فَتَّشَه، وأَخْرَجَ سُوسَهُ. وإطعامُ الخُبْزِ البَهِيمَةَ ترْكُهُ أَوْلى إلَّا أن يكونَ يسيرًا أو لحاجةٍ.
стр. 361
ومن السُّنَّةِ أن يَخْرُجَ مع ضَيْفِه إلى بابِ الدَّارِ، ويحسُنُ أن يَأْخُذَ بركابِهِ لقوله ﷺ : "مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لا يَرْجُوهُ ولا يَخَافُهُ غُفِرَ لَهُ" (١).
وينبغي للإنسان أن يتواضعَ في مجلسِهِ، وإذا حضرَ أن لا يَتَصَدَّرَ، وإن عَيَّنَ له صاحِبُ البيتِ مكانًا لا يَتَعَدَّاه.
والنِّثارُ في العُرْسِ وغيرِه مكروهٌ، وكذا التقاطُهُ، لأَنَّهُ شبيهٌ بالنِّهبةِ، والتقاطُهُ دناءَةٌ، وإسقاطُ مروءةٍ. ومن أخذَ منه شيئًا ملكَهُ، ومن حَصَلَ في حجره منه شيءٌ فهو لَهُ، كما لو وَثَبَتْ سمكةٌ من البحر فوقعَتْ في حِجْرِهِ. وأما قَسْمُ ذَلِكَ على الحاضرين فليس بمكروهٍ، وكذا إن وَضَعَهُ بين أيديهم، وأَذِنَ لهم في أخذه على وَجْهٍ لا يقَعُ فيه تناهُبٌ.
* * *
стр. 362
بَابُ الوَليمَةِ
وهي اسمٌ لِطَعَامِ العُرْسِ خاصَّةً، وهي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ولو بشيءٍ قليل كَمُدَّينِ من شعيرٍ.
ويُسَنُّ ألَّا تَنْقُصَ على شاةٍ، والأَوْلَى الزِّيادَةُ عليها. والإِجابَةُ إليها واجبةٌ، إذا عيَّنَهُ داعٍ مسلمٌ يحرمُ هَجْرهُ ومكسبه طيبٌ في اليوم الأَول.
فإن كان المدعو مريضًا، أو يُمَرِّضُ أحدًا، أو مشغولًا بحفظِ مالٍ، أو كان شِدَّة حَرٍّ، أو بَرْدٍ، أو مَطَرٍ يبُلُّ الثِّيابَ، أو وَحْل، أو كان أجيرًا ولم يأذن له المستأجِرُ لم تَجِبْ.
والعبد كالحُرِّ إن أَذِنَ له سَيِّدُه، والمكاتَبُ إن أَضَرَّ بكسبِهِ لم يلزَمْهُ الحضورُ ولا أن يأذنَ له سيّدُهُ.
وتكْرَهُ إجابةُ من في مالِهِ حرامٌ كالأَكلِ منه، ومُعاملَتُهُ وَقَبُولُ هديَّتِهِ وهبتِهِ، ونحوِهِ، وَتَقْوَى الكَراهةُ وتضْعُفُ بِحَسَبِ كثرةِ الحرامِ
стр. 363
وَقِلَّتِهِ، وقيل: يَحْرُمُ. قال الأَزجيُّ (١): وهو قَياسُ المَذْهَبِ.
وسُئِلَ الإِمام أحمد عن الذي يُعامِلُ بالرِّبا، أَيُؤْكَلُ عِنْدَه؟ قال: لا. وقال صَاحِبُ الرِّعاية (٢) فيها: لا يَأْكُلْ مُخْتَلِطًا بِحَرامٍ بلا ضرورةٍ، وإِن لم يَعْلَمْ أنّ في المالِ حرامًا، فالأَصلُ الإِبَاحَةُ ولا تحريمَ بالاحتمالِ، لكن التَّرْكَ حينئذٍ أولى؛ لأَنَّه لا يخفى على الورع.
قال أبو بكر الصِّدِّيق ﵁: كُنَّا نَدَعُ سبعينَ بابًا من الحَلالِ مخافةَ أن نَقَعَ في بابٍ من الحرامِ.
وينبغي صَرْفُ الشُّبهاتِ في الأَبعدِ عن المنفعةِ، فالأَقربُ ما يدخُلُ في الباطنِ من الطّعامِ والشّرابِ ونحوه، ثمَّ ما ولي الظاهرَ من اللِّباسِ، فإن دعاهُ الجَفَلَى، أو في اليوم الثَّالِثِ، أو ذِمِّيٌّ كُرِهَتْ الإِجابة، وتُسَنُّ في اليوم الثَّاني. وإن دَعَتْهُ امرأة فكرجُلٍ، إلَّا مع خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
والجَفَلَى هي أن يَعُمَّ الدَّاعي بدعوته كان يقول: أيُّها النَّاسُ هَلُمُّوا إلى الطَّعامِ، أو يقول الرَّسُولُ: قد أُذِنَ لي أن أدعُوَ من لقيتُ أو من شئتُ أن يَحضر.
стр. 364
فَائِدَ: وسَائِرُ الدَّعواتِ مباحة إلَّا العقيقةَ فَتُسَنُّ، والمأتَمَ ما يُعْمَلُ بعد الموت فتكره.
وَيُكْرَهُ لأَهْلِ الفَضْلِ والعِلْمِ الإِسراعُ إلى الإِجابَةِ والتَّسامُحُ فيه؛ لما فيه من البِذْلَةِ والدَّناءَةِ والشَرَهِ لا سِيَّما الحَاكِمِ، وقد قيل: ما وضعَ أحدٌ يدَهُ في قَصْعَةِ أَحَدٍ إلَّا ذَلَّ.
وإن حَضَرَ وهو صائم صَوْمًا واجبًا لم يُفْطِرْ، ودعا، وأخبَرَهم أَنَّه صائِمٌ ثُمَّ انْصَرَفَ، وإن كان مُفْطرًا اسْتُحِبَّ له الأَكْلُ، وإن كان صائمًا تَطَوُّعًا، وفي تركِهِ الأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعي، اسْتُحِبَّ له أن يُفْطِرَ، وإلَّا فإتمامُ الصَّوْم أَوْلَى.
ويَحْرُمُ شديدًا أخذُ شيءٍ من الطَّعامِ بغيرِ إِذن صاحبِهِ.
وإن دعاهُ اثنان أجابَ أسْبَقَهُما بالقولِ، فإن اسْتَوَيا، أجاب أدْيَنَهما، ثُمَّ أقْرَبَهما رَحِمًا، ثُمَّ جِوارًا، ثُمَّ يُقْرِعُ، فإن اتَّسَعَ الوقتُ لإِجابَتِهما وَجَبَ أن يُجيبَهُما.
تَنْبِيهٌ: وإن عَلِمَ أنَّ في الدَّعْوةِ مُنْكَرًا، كالزّمْرِ، والخَمْرِ، والعُودِ، والطَّبْلِ، ونحوه، أو آنيَةِ ذَهبٍ أو فِضةٍ أو فُرُشًا مُحَرَّمَةً، وأَمْكنه إزالتُهُ لَزِمَهُ الحُضُورُ والإِنكارُ، وإن لم يَقْدِرْ لم يَحْضُرْ.
فإن لم يَعْلَمْ حَتَّى حَضَر وشاهَدَهُ، أزالَه وَجَلَسَ، فإن لم يَقْدِرْ على الإِنكارِ انصرف.
стр. 365
وإن عَلِمَ به ولم يَرَه، ولم يَسْمَعْهُ، فله الجلُوسُ والأَكْلُ، وله الانصرافُ. وإن شاهَدَ سُتُورًا معَلَّقَة فيها صُوَرُ حيوانٍ، وأمكنَه حَطُّها، أو قَطْعُ رُؤوسِها، فَعَل وَجَلَس، وإن لم يُمْكِنْه ذلك، كُرِهَ الجلوسُ، إلا أن تُزالَ.
وإن عَلِمَ بها قبلَ الدُّخولِ كُرِهَ الدُّخولُ، وإن كانت مَبْسُوطَةً أو على وِسادة، فلا بأس بها.
وَيَحْرُمُ تَعْليقُ ما فيه صُورَةُ حيوانٍ، وسَتْرُ الجُدُرِ به، وتَصْويرُهُ، فإن قَطَعَ رأسَ الصُّورةِ أو ما لا تَبْقَى الحياةُ بعد ذهابِهِ؛ كَصَدْرِها وَبَطْنِها، أو صُوِّرَتْ بلا رَأْسٍ، أو بلا صَدْرٍ أو بلا بَطْنٍ، أو جَعَل رأسها مُنْفَصِلًا عن بَدَنِها، أو رأْسٌ بلا بَدَنٍ، فلا كَراهَةَ.
ويُكْرَهُ سَتْرُ حيطانٍ بسُتُورٍ لا صُوَرَ فيها، أو فيها صُوَرُ غيرِ حَيوانٍ. وَيَحْرُمُ بحريرٍ مُطْلقًا بلا ضرورةٍ فيهما، وحيثُ حَرُمَ الحريرُ حَرُمُ الجُلوسُ معه.
واعلم أنَّهُ يَحْرُمُ الأَكْلُ بغيرِ إذنٍ صَرِيحٍ أو قَرِينَةٍ، ولو من بَيْتِ قَرِيبِهِ أو صديقِهِ، وإن لم يكن مُحرزًا عنه كأخْذِ الدَّراهِمِ. والدُّعاءُ إلى الوَليمَةِ أُذِنَ فيه لتقديمِ الطعامِ إذا أُكمِلَ وَضْعُه، ولم يُلْحَظِ انتظارُ من يأتي، وليس ذَلِكَ إذنًا في الدُّخول إلَّا بقرينَةٍ، ولا يَمْلِكُ الطَّعامَ الذي قُدِّمَ إليه، بل يَهْلِكُ على مِلْكِ صاحبِهِ، فلا يَجُوزُ لِلضِّيفانِ قَسْمُهُ. ولو حَلَفَ ألَّا يَهَبُه، فأضافَهُ، لم يَحْنَثْ.
стр. 366
وَيُسَنُّ إعلانُ النكاح، والضرْبُ بدُفٍّ مُباحٍ، وهو الذي لَيْسَ فيه حِلَقٌ ولا صُنُوج، وَيُكْرَهُ للرِّجَال. ولا بَأْسَ بِهِ في الخِتَانِ، وقُدومِ الغائبِ ونحوِهما، ويَحْرُمُ في غَيْرِ ذلك.
وَتَحْرُمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ مُطْلقًا كَمِزْمَارٍ، وَطَبْلٍ، وطُنْبُورٍ، ورَبابٍ، وجَنْكٍ، ونايٍ، وَمَعْزَفَةٍ، وجُفانَةٍ، وعُودٍ، وزَمّارَةِ الرَّاعي ونَحْوِ ذَلِكَ، سواءٌ اسْتُعْمِلَتْ لحُزْنٍ أو سُرورٍ.
ويُكْرَهُ الغِنَاءُ واستماعُهُ بلا آلةِ لَهْوٍ، ويحرمان معها لقوله ﵇: "الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفاق في القَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الماءُ الزَّرْعَ" (١).
وسُئِلَ الشِّبْليُّ عن الغناءِ فقال: أحقٌّ هو؟ قيل: لا، فقال: فماذا بعد الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ.
ويُباحُ الغَزَلُ في العُرْسِ، وأما الشِّعْرُ فهو كالكلامِ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقبيحُهُ قَبِيحٌ؛ فَيَحْرُمُ منه ما كان هجوًا، أو فُحْشًا، أو تشبيبًا بامرأَةٍ بِعَيْنها محرمةٍ، أو بِأَمْرَدَ، أو خَمْرٍ ونحو ذَلِكَ، أو إطنابًا في مدح النّاسِ بما ليس فيهم، ويفسُقُ بِذَلِكَ.
стр. 367
ويُباحُ إن كان حِكَمًا وَأَدَبًا، أو مَواعِظَ وأَمْثالًا، أو لُغَةً يستشهَدُ بها على تأويل القرآنِ والحَدِيثِ، أو مديحًا للنبي ﵇ أو للنَّاسِ بما لا كذب فيه، أو هجوًا للمُشْرِكينَ ونحو ذلك.
فَصْلٌ في الكَسْبِ
هو سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ حَتَّى مع الكفاية، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
وقال ﵇: "لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُم حَبْلَهُ ثُمَّ يأتيَ الجَبَلَ فَيَأْتيَ بِحُزْمةِ من حَطَبٍ على ظَهْرِهِ فيبيعَها فَيَكفَّ اللَّهُ وجهَهُ، خَيْرٌ لَهُ من أن يَسْأَلَ النَّاسَ، أعطَوْهُ أم مَنَعُوهُ" (١).
وقال ﵇: "كانَ داودُ ﵇ لا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِيهِ" (٢).
وقال ﵇: "ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قط خَيْرًا من أن يَأْكُلَ من عَمَلِ يَدِهِ" (٣)، روى الجميعَ البخاريُّ رحمه الله تعالى.
وقال ﵇: "كان زَكَريا ﵇ نَجَّارًا"، رواه مسلم (٤). وقال ﵇: "مَنْ بَاتَ كَالًّا مِن طَلَب الحَلالِ باتَ
стр. 368
مَغْفُورًا له" (١)، رواه ابن عساكر.
وقال ﵇: "خَيْرُ الكَسْبِ كَسْبُ يَدِ العَامِلِ إذا نَصَحَ"، رواه أحمد (٢).
وقال ﵇: "أَفْضَلُ الأَعمال الكَسْبُ مِنَ الحَلالِ" (٣).
وقال ﵇: "لَعَثْرَةٌ في كَدٍّ حَلالٍ على عَيِّلٍ مَحْجُوبٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ من ضَرْبٍ بِسَيْفٍ حَوْلًا كامِلًا، لا يجف دَمًا مع إِمامٍ عادِلٍ" (٤)، رواه ابن عساكر.
والحاصِلُ أن الدَّلائِلَ الدَّالةَ على مشروعيَّةِ الكَسْبِ كثيراتٌ شَهيراتٌ، ولا يليقُ استقصاؤهُ في هذا المُخْتَصَرِ.
واعلم أَنَّه يُسَنُّ تَعَلُّمُ أحكامِ الكَسْبِ، وَيَجِبُ التكسُّبُ على من لا قُوتَ لَهُ أو لعيالِهِ فيكتَسِبُ لنفسِهِ، ولمن تلزمُهُ مؤنتُهُ، ولوفاءِ دينِهِ. ويقَدَّمُ الكَسْبُ لعيالِهِ ودَيْنهِ على كل نَفْلٌ.
стр. 369
قال سفيان الثَّوري: عَلَيْكَ بَعَمَلِ الأَبطالِ، الكَسْبُ مِنَ الحلالِ والإِنفاقُ على العَيالِ.
ويُكْرَهُ تركُهُ والاتِّكالُ على النَّاسِ.
قال الإِمام أحمد: لم أرَ مِثْلَ الغِنَى عن النَّاس، وقال في قوْم لا يَعْمَلُونَ ويَقُولونَ نَحْنُ مُتَوَكِّلونَ: هؤُلاء مُبْتَدِعَةٌ (١)
واعلم أن هذا في حَقِّ أمثالِنَا مِمَّن ضَعُفَ إيمانُهُ وَقَلَّ يقينُهُ ونقصَ توكُّلُهُ، وأمًاا لكامِلُونَ في اليقينِ والتمكينِ فلا يَصِحُّ قَوْلُ مثل ذَلِكَ في حقهم، فإنَّه رحمه الله تعالى قد أجازَ التَّوكُّلَ لمن اسْتُعْمِلَ فيه الصِّدْقُ، نقلَهُ عنه المَرُّوْذِي (٢). وقال: من لم يَطْمَعْ من آدميٍّ أن يجيبَهُ بشيءٍ رَزَقَهُ اللَّهُ إيَّاهُ كان متوكلًا. وقد قال في موضع آخرَ فيمن يَحجُّ على سبيل التَّوكُّلِ: هؤلاء يَحُجُّونَ متوكلينَ على أزوادِ النَّاسِ.
وقال: لا أُحِبُّ أن يدخُلَ الباديةَ بلا زاد، لأَنَّهُ يَتَوَكَّلُ على أزوادِ النَّاسِ (٣)، وهذا وأشباهُهُ يُحْمَلُ على من ذكرنا أولًا.
والحَاصِلُ أَن الكَسْبَ من المصالحِ العامَّه؛ فلا يُرَخَّصُ في تركِهِ ولا يُعابُ فاعِلُهُ.
стр. 370
قال الإِمام أحمد: استغنِ عن النَّاسِ ما استطعتَ فلم أرَ مثله، الغِنى من العافية (١).
وقد دعا لعلي بن جعفر وقال لأَبيه: أَلْزِمْه السُّوقَ وَجنِّبْهُ أقرانه (٢).
وقال له رجلٌ مرةً: يا أبا عبد الله ما ترى مكاسِبَ النَّاس؟ فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يريد أن يُفْسِدَ على النَّاسِ معايشهم (٣).
وقال رجل: إني في كفاية، قال له: الزَم السُّوق، واتَّجِرْ تَصِلُ بِه الرَّحِمَ، وتعودُ به على نَفْسِكَ وغيرك (٤).
وقال مرة: لا ينبغي أن يدعَ السَّبَبَ وينتظرَ ما بيدِ النَّاسِ. وقال عَمَّن يفعل هذا: هؤلاءِ مبتدعةٌ، إِنهم قومُ سوءٍ يريدونَ تعطيلَ الدُّنيا (٥).
وفي "الغنية" قد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ طَلَبَ الدُّنيا حلالًا؛ استعفافًا عن المَسْأَلةِ، وَسَعيًا على
стр. 371
أهلِهِ، وَتعَطُّفًا على جارِهِ، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القيامَةِ ووجهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنيا حَلالًا مُكَاثِرًا، مُفاخِرًا، مُرائيًا، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وهو عليه غَضْبَان" (١).
وعن ثابت البُنَانِيِّ أَنَّه قال: بَلَغَني أن العافيةَ في عَشْرَةِ أشياءٍ: تسعة منها في السُّكُوتِ، وواحد منها في الفرارِ من النَّاس. والعبادةُ عشرةُ أشياءٍ: تسعة منها في طلب المعيشة، وواحدٌ في العبادة.
وعن رسول الله ﷺ : "لا يَفْتَحُ الرَّجُلُ على نفسِهِ بابًا من المسأَلةِ إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عليه بابًا مِنَ الفَقْرِ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغن يغنِهِ اللَّهُ، لأَن يَأْخُذَ أَحَدُكُم حَبْلًا ثُمَّ يَعْمَدَ إلى هذا الوادي فيحتَطِبَ مِنْهُ، ثُمَّ يأتيَ سُوقَكُم فَيَبيعَهُ بِمُدِّ تَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أن يَسْأَلَ النَّاسَ أعطَوْهُ أو مَنَعُوهُ" (٢).
стр. 372
ورُوِيَ: "ما مِنْ رَجُلٍ يفتَحُ على نفسِهِ بابًا من المَسْأَلةِ إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عليه سبعينَ بابًا مِنَ الفَقْر" (١).
وروي عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُحْتَرِفٍ أبا العيال، ولا يحبُّ الفارِغَ الصَّحيحَ لا في عملِ الدُّنيا ولا في عَمَلِ الآخِرَةِ" (٢).
وروي أن خليفة الله تعالى ونبيه داود ﵇ سَأَلَ اللَّهَ تعالى أن يجعلَ كسبَهُ في يده، فألانَ لَهُ الحديدَ حَتَّى صارَ في يَدِهِ كالشَّمْعِ أو العجينِ، يتخِذُ منه الدُّروعَ فيبيعُهَا ويعيشُ هو وعياله بِثَمَنِها.
وقال ابنه سليمان ﵉: رب قد آتيتني مِنَ المُلْكِ ما لم تؤتِهِ أحدًا قبلي، وسألتُكَ ألَّا تُعْطِيَهُ أحدًا مِنْ بعدي فَأَعْطَيتَنيه، فإن قَصَّرْتُ في شُكْرِكَ فَدُلَّني على عَبْدٍ هو أَشْكَرُ لك مني، فأوحى الله إليه: أن يا سليمانُ، عَبْدٌ يَكْسِبُ بيدِهِ ليَسُدَّ جوعتَهُ ويستُرُ عورتَهُ، ويَعْبُدني، هو أشْكَرُ لي مِنْكَ، فقال: يا رَبِّ اجْعَلْ كسبي في يَدِي،
стр. 373
فأتاهُ جبريلُ ﵇ فعلَّمَهُ الخُوصَ يتخذُ منه القِفَافَ، فأول من عَمِلَ الخُوصَ هو ﵇.
وقال بَعْضُ الحُكماءِ: لا يقومُ الدِّينُ والدُّنيا إلَّا بأربعةٍ:
العلماءُ، والأمراءُ، والغُزاةُ، وَأَهْلُ الكَسْبِ.
فالأُمراءُ هم الرُّعاةُ يرعونَ الخَلْقَ، والعلماءُ هم ورثةُ الأَنبياءِ يَدُلّون الخَلْقَ على الآخِرَةِ، والنَّاسُ يقتدونَ بهم، والغُزاةُ هم جندُ اللَّهِ في الأَرض يقمع الكفار بهم، وأما أَهْلُ الكَسْبِ فهم أمناءُ الله تعالى بهم تَتِمُّ مصالحُ الخَلْقِ وعِمارةُ الأَرْضِ.
فالرُّعاةُ إذا صاروا ذِئابًا فَمَنْ يَحْفَظُ الغَنَمَ؟ والعلماءُ إذا تَركوا العِلْمَ واشتغلوا بالدُّنيا فَبِمَنْ يقتدي الخَلْقُ؟ والغُزاةُ إذا رَكِبُوا الفَخْرَ والخُيلاءُ، وخرجوا للطمع، فَمَتَى يظفرونَ بالعَدُوِّ؟ وأهلُ الكَسْبِ إذا خانوا النَّاسَ فكيف يأمنهُمُ النَّاسُ؟
وإذا لم يكن في التَّاجِرِ ثلاثُ خِلالٍ افتقرَ في الدُّنيا والآخرة:
أَوَّلُها: لِسانٌ يَتَّقِي ثلاثًا: الكَذِبَ، واللَّغْوَ، والحَلِفَ.
والثَّانيةُ: قَلْبٌ صافٍ مِنَ الغِشِّ والحَسَدِ لجارِهِ وقرينهِ.
والثَّالِثَةُ: نفسٌ مُحافِظَة لِثَلاثِ خِلالٍ: الجُمُعَةُ والجَمَاعَةُ، وَطَلَبُ العِلْمِ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وإيثارُ مرضاتِ اللَّهِ تعالى على غيرها.
стр. 374
وإيَّاكَ والكَسْبَ الحرامَ فَقَدْ قيل: إذا كَسَبَ العَبْدُ خبيثًا وأرادَ أن يَأْكُلَ مِنْهُ وقال: بِسْمِ اللَّهِ، قال الشَّيطانُ: كلا إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ حين كسبتَهُ فلا أُفارِقُكَ، إِنَّما أنا شَريكُكَ؛ فهو شريكُ كُلِّ كاسبِ حرامٍ.
قال الله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، فالأَموالُ هي الأَموالُ الحرامِ، والأَولاد هي أولادُ الرنا، كذا ذُكِرَ في التَّفسير.
وقد رُوِيَ عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لا يَكْسِبُ العَبْدُ مالًا مِنَ الحَرامِ، وَيَتَصَّدَّقُ بهِ فَيُؤْجَرَ عليه، ولا يُنْفِقُ منه فَيُبَارَكَ له فيه، ولا يَتْرُكُه خَلْفَ ظَهْرِهِ إلَّا كان زادَهُ إلى النَّارِ" (١).
في الجُمْلَةِ لا يمتنعُ مِنَ الحرامِ إلَّا من هو مُشْفِقٌ على لَحْمِهِ وَدَمِهِ، فدين المرءِ لحمُهُ وَدَمُهُ، فَلْيَجْتَنِب الحرامَ وأهلَهُ ولا يُجالِسْهُم، ولا يَأْكُلْ طعامَ من كسبُهُ حرامٌ، ولا يَذَر أحدًا على حرامٍ فيكونَ شريكَهُ، فالورعُ هو مِلاكُ الدَّينِ وقِوَامُ العِبَادَةِ واستكمالُ أمر الآخِرَةِ. انتهى كلامُ إِمامِ الأَئِمَّةِ، وسلطانِ الأَمَّةِ، شيخِ الإسلامِ وَرَحْمَةِ الأَنامِ، قُطْبِ العارفين، لِسَانِ المُوَحِّدِينَ، رُكنِ الشريعةِ، عَلَمِ الحقيقة (٢)،
стр. 375
عبد القادر الكيلاني في "الغنية" (١) ﵁.
إذا علمت هذا فاعلم أن الزِّراعة أفْضَلُ مُكْتَسَب، وقيل عَمَلُ اليَدِ، وقيل التِّجارة، لقوله ﵇: "أَفْضَلُ الكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرورٌ، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ" (٢).
وقوله ﵇: "تِسْعَةُ أَعْشارِ الرِّزْقِ في التِّجَارَةِ، والعُشْرُ في المواشي" (٣).
وقولُهُ ﵇: "إِنَّ أَطْيَبَ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الذينَ إذا حَدَّثُوا لم يَكْذِبُوا، وإذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وإِذا وَعَدُوا لم يخْلِفوا، وإِذا اشْتَرْوا لم يَذُمُّوا، وإِذا بَاعُوا لم يُطْرُوا، وإِذا كان عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وإذا كانَ لَهُمْ لَمْ يُعَسِّرُوا" (٤).
стр. 376
وأفضلُها في بزٍّ وَعِطْرٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ وماشيةٍ، وأبغضُها في رقيقٍ وَصَرْفٍ.
وأفضَلُ الصنائع خِياطَةٌ، وَكُلُّ ما نُصِحَ فيه فهو حَسَن، وَأدناها حِياكَةٌ وحِجَامَةٌ، وَأَشَدُّهَا كراهةً صبغٌ وصياغَة وحِدادةٌ ونحوها، ويُكْرَهُ كَسْبُهُم. وَكسبُ الجَرارِ أيضًا مكرُوهٌ؛ لأنَّهُ يُوجِبُ قساوةَ القَلْبِ، وكَذَلِكَ يُكْرَهُ كَسْبُ من يُباشِرُ النَّجاسَةَ، والفَاصِدِ والمُزيّنِ والجَرائحي والخَتَّانِ ونحوهِم مِمَّن صَنعتُهُ دنيئة، والمرادُ مع إمكانِ أصلحَ مِنْها.
وَيُسَنُّ الغَرسُ والحَرْثُ، واتِّخاذُ الغَنَمِ.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغي للتَّاجِرِ أن يَصْحَبَ الرِّفْقَ والسَّمَاحَةَ في أمورِهِ كُلِّها، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ في بيعِهِ وشرائِهِ وقضائِهِ واستقضَائِهِ لِتَشْمَلَهُ دعوتُهُ ﵇ بالرَّحمة لمن كان كذلك؛ قال ﵇: "رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إذا بَاعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرَى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقتضى". رواه البخاري وابن ماجه (١).
وينبغي لَهُ أيضًا أن يَتَجَاوَزَ عن المُعْسِرِ رجاءَ أن يتجاوزَ اللهُ عنه وهو أَحْوَجُ ما يكونُ إلى ذَلِكَ، قال ﵇: "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْر شيءٌ إِلَّا أنَّهُ كان رَجُلًا مُوسِرًا،
стр. 377
وكان يُخالِطُ النَّاسَ، وكان يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أن يَتَجَاوَزُوا عن المُعْسِرِ. فَقَالَ اللهُ لملائكَتِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ منه، تَجَاوَزوا عَنْهُ". رواه البُخاري والتِّرمذي والحاكم (١).
وقال ﵇: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أو وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ"، رواه أحمد ومسلم (٢).
وقال ﵇: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلّ يَوْمٍ مِثْلَهُ صَدَقَة قَبْلَ أن يَحِلَّ الدَّيْنُ، فإِذا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلاهُ صَدَقَةٌ"، رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم (٣).
تَتِمَّةٌ: أَفْضَلُ مَأْكُولٍ الصَّيدُ لكن يُكْرَهُ اتخاذهُ لهوًا، وإن كانَ فيه ظُلْمُ النَّاسِ بالعُدوانِ على زُرُوعِهِم وأموالِهِم فَحَرامٌ يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ، ولا يُصَادُ الحَمَامُ إلَّا أن يكونَ وحشيًا، وَيَحْرُمُ صَيْدُ سَمَكٍ وغيرِهِ بنجاسَةٍ كَعَذِرَةٍ وميتةٍ.
* * *
ومنها: الاقتداءُ بالأَنبياءِ والصَّالحين لقوله ﵇: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحَيَاءُ، والتَّعَطُّرُ، والنِّكاحُ، والسِّواكُ" (١).
ومنها: رجاءُ أن يرزقه اللَّهُ ولدًا تكثُرُ به الأُمَّةُ ويحصُلُ به نَفْعٌ عامٌ أو خاصٌّ به أو هما، وشاهِدُ العامِّ كثيرٌ، وكذلك شاهِدُ الخاصِّ، ومنه قوله ﵇: "إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا من ثَلاثٍ" وذكر منها: "ولدًا صالِحًا يَدْعُو لَهُ" (٢).
وقولُهُ ﵇: "إنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ درَجَتُهُ في الجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هذا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" (٣).
فَصْل
وَيَتَخَيَّرُ الحسيبَةَ الأَجنبيةَ البِكْرَ الجميلةَ، وأن تكون من نساءٍ يُعْرَفْنَ بالدِّين والقَنَاعَةِ، وكثرَةِ الولادةِ؛ لأَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 381
وَسَلَّمَ قال لجابر بن عبد الله لما أخبره أنَّه تَزَوَّج بالثيب: "أَفلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ" (١).
ولقوله ﵇: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ إِنَي مُكَاثِرٌ بِكُمْ" (٢).
وإِنَّما قُلْنا أجنبيةً لئلا تقَعَ بينَهُم مُنَافَرَةٌ وعداوةٌ؛ فيؤدي ذَلِكَ إلى قَطْعِ الرَّحِمِ المأمورِ بإيصالها، ولهذا منَعَ الشَّرْعُ من الجَمْعِ بين الأُخْتينِ، وبين المرأَةِ وعمتها أو خالَتِها ونحوِ ذلك في النِّكاحِ.
ولا ينبغي أن يتزوجَ سليطَةَ اللَّسانِ، ولا حمقاءَ، ولا لقيطةً، ولا بِنْتَ زنىً، ولا من لا يُعْرَفُ أَبوها، ولا مُختلفةً، والأَفضلُ ألَّا يزيد على واحدةٍ إن حَصَلَ بها إعفافُهُ.
فَصْلٌ
والنكاحُ سُنَّةٌ لمن له شهوةٌ ولا يخافُ الزِّنا بتركه ولو فقيرًا، واشتغالُهُ به حينئذٍ أَفْضَلُ من التَّخَلِي منه لنوافِلِ العِبادَةِ. وجزم صَاحِبُ "النَّظْم" (٣) بألَّا يَتَزَوَّجَ فقيرٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، وكذا قَيَّدَهُ ابن
стр. 382
رُزَيْنٍ (١) بالمُوسِرِ (٢).
والمَذْهَبُ الأَول لقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى: تقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ، ويُبَاحُ لمن لا شهوةَ له، والتفرُّغُ منه حينئذٍ لِنَفْلِ العبادةِ أَفْضَلُ.
وَيَجِبُ على من يخافُ الزِّنا بتركِهِ من رَجُلٍ وامرأَةٍ ولو ظنًّا، ويقَدَّمُ حينئذٍ على حَجٍّ واجبٍ.
ولا يَكْتَفِي في الوجوبِ بِمَرَّةٍ واحدةٍ، بل يكونُ في مجموع العمر، ويجب الاستمتاعُ، ويجزئُ التَّسري عنه.
ومن أَمَرَهُ به والِداهُ أو أحدُهما، قال الإِمام أحمد: أَمَرْتُهُ أن يَتَزَوَّجَ، وينبغي لهما أن لا يُلْزِماهُ بِنِكَاح من لا يُريدُ.
وَيَجوزُ لمن أرادَ خِطْبَةَ امرأةٍ وَغَلَبَ على ظَنِّه إجابَتُه النَّظَرُ إلى ما يَظْهَرُ منها غالِبًا، كَوَجْهٍ، وَرَقبَةٍ، وَيَدٍ وَقَدَمٍ، ويُكَرِّرُهُ وَيَتَأَمَّلُ المحاسِنَ بشرطِ ألَّا يَخلوَ بها وأن يأمنَ الشَّهْوَةَ.
وإِن لم يَتيَسَّرْ له النَّظَرُ إليها أو كرِهَهُ بَعَثَ إليها امرأةً يِثِقُ بها تتأَمَّلُها ثُمَّ تَصِفُها له.
стр. 383
وللمرأَةِ أن تَنْظُرَ إلى الرَّجُلِ إذا عَزَمَتْ على نِكاحِه، لأنه يُعْجِبُها منه ما يُعْجِبُه منها.
قال ابن الجوزي: وَيُسْتَحَبُ لمن أرادَ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ أن يَنْظُرَ لها شابًّا مُسْتَحْسَنَ الصُّورَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَيجِبُ على من اسْتُشِيرَ في خاطِبٍ أو مَخْطُوبَةٍ، أن يَذْكُرَ ما فيه مَن مساوِئَ وغيرها، ولا يكونُ غِيبةً مُحَرَّمةً إذا قصد به النَّصيحَةَ، وإن اسْتُشِيرَ في أمر نَفْسِهِ بيَّنَهُ، كقولهِ: عِنْدِي شُحٌّ، وخُلُقي شديدٌ ونحوُهُما.
ولا يَصْلُحُ مِنَ النِّساءِ من طالَ لُبْثُها مَعَ رَجُلٍ، ومِنَ التَّغَفُّلِ أن يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبيَّةً.
وينبغي أن يمنَعَ المرأةَ من مُخالَطِةِ النِّساء، فإنَّهُنَّ يُفْسِدْنَها عليه.
والأَوْلى ألَّا يَسْكُنَ بها عِنْدَ أَهْلِها، وألأَ يدْخلَ بَيْتَهُ مُراهِقٌ، وألَّا يَأْذَنَ لها في الخُروج.
وإذا تَزَوَّجَ امرأَةً فَلْيُحَسِّنْ خُلقَهُ معها، ولا يُؤْذِها، ولا يكرِهْها على مَهْرِهَا بلا سَبَبٍ لِتَخْتَلِعَ مِنْهُ، ولا يَشْتُمْ لها أَبًا ولا أُمًا ولا أَحدًا من أقاربها، فإن فَعَلَ شيئًا من ذلك كان الله ورسوله بَريئَينِ منه.
стр. 384
قال النبِيُّ ﷺ : "اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا فإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُم" (١)، يعني أسيراتٍ.
وفي "الصحيحين" عنه ﵇: "اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا، فإنَّ المَرْأة خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع، وإنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فإن ذَهَبْتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإن تَرَكَتْهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا" (٢).
وجاء في بَعْضِ الآثار: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصداقٍ، ويُريدُ ألَّا يُؤَدِّيَهُ إِليها جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ زانيًا" (٣)، لكن إن كانت تؤذيه بِلسَانِها، وفي ذَلِكَ إفسادُ دينِهِ فليُؤدِّها حقها ويُرِحْ نفسَهُ منها، أو يَلجأ إِلى الله ويبتهل إِليه بالدُّعاء ليُصلِحَهَا أويريحَهُ منها، فإِنَّهُ يكْفى شَرَّهَا.
وإن صَبَرَ على ذلك كان كالمجاهدِ في سبيل الله، وكذلك هي إِذا صبرت على خُلُقِ زَوْجِها فهي كالمجاهدةِ في سبيل الله.
وإن طابت نفسها له بشيء من مالها من غَيْرِ إكراهٍ فليأكُلْهُ هنيئًا
стр. 385
مريئًا كما قال الله (١).
ويُكْرَهُ أن يُطَلِّقها من غير حاجةٍ لقوله ﵇: "ما من مُبَاحٍ أَبْغَضَ إلى الله مِنَ الطَّلاقِ".
وقوله ﵇: "أَبْغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاق والشِّبَعُ" (٢).
ويُبَاحُ عند الحاجة إِليه لسوءِ خُلُقِ المرأَةِ وسوءِ عِشرَتِها، وكذا للتَّضرُّرِ بها من غير حُصُول الفَرْضِ بها، ومنه مُحَرَّمٌ كفي الحَيْضِ ونحوه. ومنه واجِبٌ كطلاقِ المُولي بَعْدَ التَّربُّصِ إذا لم يَفِ.
ويُسَنُّ لتفريطِهَا في حقوقِ اللهِ الواجبَةِ كالصَّلاةِ والزَّكَاةِ ونحوِهِمَا إذا لم يُمكنْهُ إجبارُها عليها. ويُسَنُّ أيضًا في الحالِ الذي تخرجُ به المرأَةُ إلى المُخالفَةِ من شقاقٍ وغيره ليُزيلَ الضَّرَرَ، ولكونِها غيرَ عفيفةٍ، ولتَضَرُّرِها بالنِّكاح.
стр. 386
ولا يَجِبُ إذا أَمَرَهُ به أَبوهُ، وإنْ أَمَرَتْهُ أمُّهُ.
قال الإمام أحمد: لا يُعْجِبُنِي طَلاقُهُ؛ وكذا لو أَمَرَتْهُ ببيعِ سُرِّيتِهِ، ويَحْرُمُ ذلك عليها لحظِّ نَفْسِها.
ويُسَنَّ عَقْدُ النِّكاحِ يوم الجُمُعَة مساء بعد خُطْبَةِ ابن مسعود يخطُبُها العاقِدُ أو غيرُه، قبلَ الإيجابِ والقَبُولِ. وكان الإمامُ أحمد إذا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ ولم يُخْطَبْ فيه بها، قامَ وَتَرَكَهُم.
ويُجْزئُ عنها أن يَتَشَهَدَ ويُصَلِّيَ على النَّبِيِّ ﷺ ، وهي:
إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالله من شُرُور أنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُه.
ويَقْرَأ ثَلاثَ آياتٍ وهُنَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] (١).
стр. 387
وَبَعْدُ، فإِنَّ اللهَ أَمَرَ بالنِّكَاح، وَنَهَى عَنِ السِّفَاحِ؛ فقال مُخْبِرًا وآمِرًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]، فإذا تَمَّ العَقْدُ سُنَّ أن يُقالُ للمُتَزَوِّجِ: "بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وعليكُما وَجَمَعَ بينكُما في خَيْرٍ وعافيةٍ" (١)، وأن يقول إذا زُفَّتْ إِليه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها، وَخَيْرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وَشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه" (٢).
آدابُ الجِمَاعُ
يُسَنُّ أن يقول عند الوطء: "بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا" (٣) وتقولُ هي أيضًا.
وَيُسَنُّ أن يلاعِبَها قبل الجِمَاع لِيُنْهِضَ شَهْوَتَهَا، وأن يُغطيَ رأسَهُ عنده، ولا يستقبلَ القِبْلَةَ.
وَيُسَنُّ لَهَا أن تتخذَ خِرْقَةً تُناوِلُهَا للرَّجُلِ بعد فراغه، وينبغي لها ألَّا تُظْهِرَها بين يدي امرأةٍ من أهلِ دارِهَا، وأن تكونَ غير التي تَمْسَحُ بِها فَرْجَها.
стр. 388
وتُكْرَهُ كثرةُ الكلامِ حالَ الوطء.
ويُسَنُّ ألَّا ينزع إذا فَرَغَ قبلها حَتَّى تَفْرُغَ، فلو خالفَ كُرِهَ.
وَيُكْرَهُ الجِماعُ وهما مُتَجردانِ وتَحَدُّثُهما به.
ويُكْرَهُ وطؤهُ بحيثُ يراهُ غيرُ طفلٍ لا يعقلُ أو يَسْمَعُ حِسَّهُمَا، وَيَحْرُمُ مع رؤيةِ العَوْرَةِ.
ويُكْرَهُ أن يُقَبِّلَها أو يباشِرَهَا عند الناس.
وله الجَمْعُ بين نسائِهِ وإمائِهِ بغُسْلٍ واحِدٍ.
وللزَّوْجِ الاستمتاعُ بزوجتِهِ كُلَّ وقتٍ على أي صفةٍ كانتْ إذا كان في القُبُلِ، ما لم يُشْغِلْها عن فَرْضٍ أو يَضُرَّ بها، ولو كانت على التَّنُورِ أو على ظَهْرِ قَتْبٍ.
ولا يُكْرَهُ الجِماعُ في ليلةٍ من اللَّيالي ولا يَوْمٍ من الأَيامِ إلَّا في صومِ فَرْضٍ وفي الحَيْضِ، ولا يَجُوزُ لها تطوعٌ بصلاةٍ ولا صَوْمٍ وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ، ولا أن تأذنَ في الدُّخولِ إلى بيتِهِ إلَّا بإذِنِهِ.
ويحرم وطؤها في الدُّبُرِ، فإن فعل عُزِّرَ وهو من أكْبَرِ الكبائر، بل سماه ﷺ "اللُّوطيَّةُ الصُّغْرى" (١)، وإن تطاوعا
стр. 389
عليه أو أَكْرَهَها ونُهِيَ فلم ينتَهِ فُسِخَ نِكَاحُهُمَا.
وليْسَ لها استدخالُ ذَكَرِهِ بلا إذْنِهِ وهو نائمٌ، ولها لَمْسُهُ وتقبيلُهُ بشهوةٍ.
وَيَحْرُمُ العَزْلُ عن الحُرَّةِ إلَّا بإِذنها، وعن الأَمَةِ إلَّا بإذنِ سَيِّدِهَا، وله العَزْلُ عن سُرِّيتِهِ بلا إذْنٍ.
ويَجِبُ العزلُ عن الكُلِّ بدارِ حَرْبٍ بلا إذْنٍ.
وله إجبارُها على غُسْلٍ حَيْضٍ ونِفاسٍ مُطلقًا، وإجبارُ المُسْلِمَةِ البَالِغَةِ على غسل الجنابةِ أيضًا.
وله إجبارُهَا على غسلِ نجاسةٍ، واجتنابِ مُحَرَّمٍ، وأخذِ شعرٍ وظُفْرٍ تعافُهُ النَّفْسُ، وإزالةِ وَسَخ، فإن احتاجَتْ إلى شِراء الماء فثَمَنُهُ عليه. وتُمنَعُ من أَكْلِ ما له رائحةٌ كريهةٌ كبصلٍ وثُومٍ وكُرَّاثٍ.
فَصْلٌ
وعليه أن يبيتَ في المَضْجَعِ ليلةً من كُلِّ أربعٍ عند الحُرَّةِ، ومن كُلِّ سبعٍ عند الأَمَةِ إن طلبتا ذلك، وله الانفرادُ في البقيةِ بنفسِهِ أو مع سُرِّيتِهِ. وعليه أن يطأَها كُلَّ أربعةِ أَشْهرٍ مَرَّةً، فإن أبى ذَلِكَ أو البيتوتَةَ في اليوم المُقَرَّرِ حَتَّى مَضَتْ أربعةُ أشهرٍ بلا عُذْرٍ لأَحَدهما وَطَلَبَت الفِرقةَ أُجيبتْ إليها.
стр. 390
وإن سافَرَ عنها لِعُذْرٍ أو حاجةٍ سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ والوطْءِ.
وإن طال سَفَرُهُ وإن لم يكن عُذْرٌ مانعٌ من الرُّجوع وغابَ أكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قدومَهُ لَزِمَهُ ذلك إن لم يكن في غَزْوٍ أوحَجٍّ واجبينِ أو طلبِ رِزْقٍ يحتاجُ إليه، فيكتُبُ إليه الحاكمُ، فإن أَبى أن يَقْدُمَ من غير عُذْرٍ بعد مراسلةِ الحاكم إِليه فُسِخَ نكاحهُ.
وإذا غابَ غَيْبَةً ظاهِرُها السَّلامَةُ، ولم يُعْلَمْ خبَرهُ، وتضررت زوجتُهُ بتركِ الوطء، لم يُفْسَخْ نكاحُهَا لِذَلِكَ ولو طالَتْ غيبته.
فَصْلٌ
ويلزَمُ غيرَ طِفْلٍ أن يساويَ بين زوجاتِهِ في القَسْمِ إذا كُنَّ حرائرَ كُلَّهُنَّ، أو إِماءً كُلَّهُنَّ، فيبيتَ عند كُلِّ واحدةٍ ليلةً، وإن رَضِينَ بغير ذلك كليْلَتَيْنِ ليلتَينِ أو أكثر جاز.
وعمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ ويخرجُ في النَّهارِ إلى معاشِهِ وقضاءِ حقوقِ النَّاسِ وما جَرَتِ العادةُ به، ولصلاةِ العِشاءِ والفجر ولو قبل طلُوعِهِ كصلاةِ النَّهارِ، فإن تعذَّرَ عليه المقامُ عِنْدَها ليلًا لِشُغْلٍ أو حَبْسٍ، أو تَرَكَهُ لغير عُذْرٍ قضاهُ لها، ويدخلُ النَّهارُ تبعًا لِلَّيلَةِ الماضية، وإن أحبَّ أن يجعلَ النَّهارُ مضافًا إِلى اللَّيْلِ يتعقبُهُ جازَ؛ لأَن ذلك لا يتفاوتُ.
ومن معيشتُهُ باللَّيْلِ كالحارسِ فإنَّه يقسمُ بالنَّهارِ، ويكونُ اللَّيلُ تَبعًا.