ولا يَجِبُ إذا أَمَرَهُ به أَبوهُ، وإنْ أَمَرَتْهُ أمُّهُ.
قال الإمام أحمد: لا يُعْجِبُنِي طَلاقُهُ؛ وكذا لو أَمَرَتْهُ ببيعِ سُرِّيتِهِ، ويَحْرُمُ ذلك عليها لحظِّ نَفْسِها.
ويُسَنَّ عَقْدُ النِّكاحِ يوم الجُمُعَة مساء بعد خُطْبَةِ ابن مسعود يخطُبُها العاقِدُ أو غيرُه، قبلَ الإيجابِ والقَبُولِ. وكان الإمامُ أحمد إذا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ ولم يُخْطَبْ فيه بها، قامَ وَتَرَكَهُم.
ويُجْزئُ عنها أن يَتَشَهَدَ ويُصَلِّيَ على النَّبِيِّ ﷺ ، وهي:
إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالله من شُرُور أنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُه.
ويَقْرَأ ثَلاثَ آياتٍ وهُنَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] (١).
стр. 387
وَبَعْدُ، فإِنَّ اللهَ أَمَرَ بالنِّكَاح، وَنَهَى عَنِ السِّفَاحِ؛ فقال مُخْبِرًا وآمِرًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]، فإذا تَمَّ العَقْدُ سُنَّ أن يُقالُ للمُتَزَوِّجِ: "بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وعليكُما وَجَمَعَ بينكُما في خَيْرٍ وعافيةٍ" (١)، وأن يقول إذا زُفَّتْ إِليه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها، وَخَيْرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وَشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه" (٢).
آدابُ الجِمَاعُ
يُسَنُّ أن يقول عند الوطء: "بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا" (٣) وتقولُ هي أيضًا.
وَيُسَنُّ أن يلاعِبَها قبل الجِمَاع لِيُنْهِضَ شَهْوَتَهَا، وأن يُغطيَ رأسَهُ عنده، ولا يستقبلَ القِبْلَةَ.
وَيُسَنُّ لَهَا أن تتخذَ خِرْقَةً تُناوِلُهَا للرَّجُلِ بعد فراغه، وينبغي لها ألَّا تُظْهِرَها بين يدي امرأةٍ من أهلِ دارِهَا، وأن تكونَ غير التي تَمْسَحُ بِها فَرْجَها.
стр. 388
وتُكْرَهُ كثرةُ الكلامِ حالَ الوطء.
ويُسَنُّ ألَّا ينزع إذا فَرَغَ قبلها حَتَّى تَفْرُغَ، فلو خالفَ كُرِهَ.
وَيُكْرَهُ الجِماعُ وهما مُتَجردانِ وتَحَدُّثُهما به.
ويُكْرَهُ وطؤهُ بحيثُ يراهُ غيرُ طفلٍ لا يعقلُ أو يَسْمَعُ حِسَّهُمَا، وَيَحْرُمُ مع رؤيةِ العَوْرَةِ.
ويُكْرَهُ أن يُقَبِّلَها أو يباشِرَهَا عند الناس.
وله الجَمْعُ بين نسائِهِ وإمائِهِ بغُسْلٍ واحِدٍ.
وللزَّوْجِ الاستمتاعُ بزوجتِهِ كُلَّ وقتٍ على أي صفةٍ كانتْ إذا كان في القُبُلِ، ما لم يُشْغِلْها عن فَرْضٍ أو يَضُرَّ بها، ولو كانت على التَّنُورِ أو على ظَهْرِ قَتْبٍ.
ولا يُكْرَهُ الجِماعُ في ليلةٍ من اللَّيالي ولا يَوْمٍ من الأَيامِ إلَّا في صومِ فَرْضٍ وفي الحَيْضِ، ولا يَجُوزُ لها تطوعٌ بصلاةٍ ولا صَوْمٍ وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ، ولا أن تأذنَ في الدُّخولِ إلى بيتِهِ إلَّا بإذِنِهِ.
ويحرم وطؤها في الدُّبُرِ، فإن فعل عُزِّرَ وهو من أكْبَرِ الكبائر، بل سماه ﷺ "اللُّوطيَّةُ الصُّغْرى" (١)، وإن تطاوعا
стр. 389
عليه أو أَكْرَهَها ونُهِيَ فلم ينتَهِ فُسِخَ نِكَاحُهُمَا.
وليْسَ لها استدخالُ ذَكَرِهِ بلا إذْنِهِ وهو نائمٌ، ولها لَمْسُهُ وتقبيلُهُ بشهوةٍ.
وَيَحْرُمُ العَزْلُ عن الحُرَّةِ إلَّا بإِذنها، وعن الأَمَةِ إلَّا بإذنِ سَيِّدِهَا، وله العَزْلُ عن سُرِّيتِهِ بلا إذْنٍ.
ويَجِبُ العزلُ عن الكُلِّ بدارِ حَرْبٍ بلا إذْنٍ.
وله إجبارُها على غُسْلٍ حَيْضٍ ونِفاسٍ مُطلقًا، وإجبارُ المُسْلِمَةِ البَالِغَةِ على غسل الجنابةِ أيضًا.
وله إجبارُهَا على غسلِ نجاسةٍ، واجتنابِ مُحَرَّمٍ، وأخذِ شعرٍ وظُفْرٍ تعافُهُ النَّفْسُ، وإزالةِ وَسَخ، فإن احتاجَتْ إلى شِراء الماء فثَمَنُهُ عليه. وتُمنَعُ من أَكْلِ ما له رائحةٌ كريهةٌ كبصلٍ وثُومٍ وكُرَّاثٍ.
فَصْلٌ
وعليه أن يبيتَ في المَضْجَعِ ليلةً من كُلِّ أربعٍ عند الحُرَّةِ، ومن كُلِّ سبعٍ عند الأَمَةِ إن طلبتا ذلك، وله الانفرادُ في البقيةِ بنفسِهِ أو مع سُرِّيتِهِ. وعليه أن يطأَها كُلَّ أربعةِ أَشْهرٍ مَرَّةً، فإن أبى ذَلِكَ أو البيتوتَةَ في اليوم المُقَرَّرِ حَتَّى مَضَتْ أربعةُ أشهرٍ بلا عُذْرٍ لأَحَدهما وَطَلَبَت الفِرقةَ أُجيبتْ إليها.
стр. 390
وإن سافَرَ عنها لِعُذْرٍ أو حاجةٍ سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ والوطْءِ.
وإن طال سَفَرُهُ وإن لم يكن عُذْرٌ مانعٌ من الرُّجوع وغابَ أكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قدومَهُ لَزِمَهُ ذلك إن لم يكن في غَزْوٍ أوحَجٍّ واجبينِ أو طلبِ رِزْقٍ يحتاجُ إليه، فيكتُبُ إليه الحاكمُ، فإن أَبى أن يَقْدُمَ من غير عُذْرٍ بعد مراسلةِ الحاكم إِليه فُسِخَ نكاحهُ.
وإذا غابَ غَيْبَةً ظاهِرُها السَّلامَةُ، ولم يُعْلَمْ خبَرهُ، وتضررت زوجتُهُ بتركِ الوطء، لم يُفْسَخْ نكاحُهَا لِذَلِكَ ولو طالَتْ غيبته.
فَصْلٌ
ويلزَمُ غيرَ طِفْلٍ أن يساويَ بين زوجاتِهِ في القَسْمِ إذا كُنَّ حرائرَ كُلَّهُنَّ، أو إِماءً كُلَّهُنَّ، فيبيتَ عند كُلِّ واحدةٍ ليلةً، وإن رَضِينَ بغير ذلك كليْلَتَيْنِ ليلتَينِ أو أكثر جاز.
وعمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ ويخرجُ في النَّهارِ إلى معاشِهِ وقضاءِ حقوقِ النَّاسِ وما جَرَتِ العادةُ به، ولصلاةِ العِشاءِ والفجر ولو قبل طلُوعِهِ كصلاةِ النَّهارِ، فإن تعذَّرَ عليه المقامُ عِنْدَها ليلًا لِشُغْلٍ أو حَبْسٍ، أو تَرَكَهُ لغير عُذْرٍ قضاهُ لها، ويدخلُ النَّهارُ تبعًا لِلَّيلَةِ الماضية، وإن أحبَّ أن يجعلَ النَّهارُ مضافًا إِلى اللَّيْلِ يتعقبُهُ جازَ؛ لأَن ذلك لا يتفاوتُ.
ومن معيشتُهُ باللَّيْلِ كالحارسِ فإنَّه يقسمُ بالنَّهارِ، ويكونُ اللَّيلُ تَبعًا.
стр. 391
وَيَقْسِمُ المريضُ والمجبوبُ ونحوه كالصَّحيح، فإن شَقَّ على المريض أستأذن أزواجَهُ أن يكونَ عند إحداهنَّ، فإن لم يأذَنَّ له أقامَ عند إحداهُنَّ بِقُرْعَةٍ أو اعتَزَلَهُنَّ جميعًا إن أحبَّ.
ولا تَجِبُ التَّسويةُ بَيْنَهُنَّ في وطءٍ ودواعيهِ، ولا في نفقةٍ وكسوةٍ وشهواتٍ إذا قامَ بالواجبِ، وإن أمكنَهُ ذلك كان أحسنَ وَأَوْلَى وأبعدَ عن الشَّرِّ.
وَيَقْسِمُ لزوجتِهِ الأَمَةِ على النِّصْفِ من الحُرَّةِ وللمُبَعَّضَة بالحسابِ. وَيَقْسِمُ لحائِضٍ، وَنُفَسَاءَ، ومريضةٍ، ومعيبَةٍ، ورتْقاءَ، وصغيرةٍ يُمْكِنُ وطؤها، ولمن آلى أو ظاهَرَ منها، ولِمُحْرِمَةٍ وَزَمِنةٍ، ومجنونَةٍ مَأْمُونَةٍ، لا لرَجْعِيَّة.
ويَحْرُمُ دخوله في ليلة المَرْأَةِ إلى غيرها إلَّا لضرورةٍ مثل أن تكون مَنْزُولًا بها، أو لتُوصِيَ إليه، أولما لا بُدَّ منه، فإذا دَخَلَ بِلا ضَرُورةٍ ولم يَلْبَثْ عِنْدَها لم يَقْضِ، وإن لَبِث أو جامَعَ، لَزِمَهُ أن يَقْضِيَ لها مثلَ ذلك من حَقِّ الأُخرى، وإن قَبّلَ وَنحوه لم يلزمْهُ القضاءَ، والعدلُ أن يَقْضِيَ.
وكذا يحرُمُ دخوله نهارًا إلَّا لحاجةٍ، ويجوزُ أن يَقْضِيَ ليلةَ صَيْفٍ عن ليلةِ شِتاءٍ، وأوَّلَ اللَّيْل عن آخرِه، وعكسُهُ.
والأَوْلى أن يكون لِكُلِّ واحدةٍ من نِسَائِهِ مَسْكَنٌ يَأْتِيها فيه، فإن اتَّخَذَ لنفسِهِ مَسْكنًا يَدْعو إليه كلَّ واحِدةٍ مِنْهُنَّ وحدَها في ليلتِها ويَوْمِها
стр. 392
جازَ، وله دعاءُ البَعْضِ إلى مسكنِهِ وَيَأْتي البعض. وإن امْتَنعتْ من دَعاها عن إجابتِهِ سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ.
فإن كان له امرأتانِ في بلدينِ، فعليه العَدْلُ بينَهما، بأن يَمْضِيَ إلى الغائبة في أيَّامِها، أو يُقْدِمَها إليه، فإن امْتَنَعَتْ من القُدومِ مع الإمكان، سَقَطَ حَقُّها لنُشُوزها، وإن قَسَم في بَلَدَيْهما، جَعَلَ المُدَّةَ بحَسَب ما يُمْكِنُ، كشهرٍ وشهرٍ، أو أكثرَ أو أقَلَّ، على حَسَبِ تقارُبِ البَلدَيْنِ.
وإن قَسَمَ، ثُمَّ جاءَ ليَقْسِمَ للثَّانِيَة فأغْلَقَت البابَ دونَه، أو منعَتْهُ من الاستمتاعِ بها، أو قالت: لا تَدْخُلْ عليَّ أو لا تَبِتْ عندِي. أو ادَّعَت الطَّلاقَ، سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ والنَّفَقَةِ، فإن عادت إلى المُطاوعَةِ استَأْنَفَ القَسْمَ بينهما، ولم يَقْضِ لناشِزٍ.
ولا يَجُوزُ الجَمْعُ بين زوجتَيه في مَسْكَنٍ واحدٍ، أيْ بَيْتٍ واحدٍ إلَّا برضاهُما؛ لأَن كُلَّ واحدةٍ منهما تَسْمَعُ حِسَّهُ إذا أتى الأُخْرَى، فإن رضيتا ذلك أو بنومه بينهمَا في لِحَافٍ واحدٍ جاز.
وَيَجُوزُ أن يسكنَهُما في دارٍ واحدة، كل واحدةٍ منهما في بيتٍ منها إذا كان مَسكنَ مِثْلِها.
وكذلك لا يَجْمَعُ بين الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ إلَّا برضى الزَّوْجَةِ.
وله منعُ زوجتِهِ من الخروج من منزله إلى ما لها منه بُدٌّ سواءٌ أرادت زيارةَ والديْها أو عيادتَهُما أو حضورَ جنازَةِ أحَدهما أو غيرَ ذلك.
стр. 393
وَيَحْرُمُ عليها الخروجُ بلا إذْنِهِ، فإن فعلَتْ فلا نفقَةَ لها إذن، هذا إذا قام بحوائجها، وإلَّا فلا بُدَّ لها منه.
فإن مَرِضَ بَعْض محارِمِها أو مات لا غيرُهُ من أَقارِبها اسْتُحِبَّ له أن يأْذن لها في الخروج إليه، لا لزيارةِ أبويْها، ولا يَمْلِكُ منعها من كلامِهِمَا، ولا مَنْعَهما من زيارتِها إلَّا من ظَنَّ حصولَ ضَرَرٍ، ويُعْرَفُ بقرائنِ الحَال، ولا يلزمُهَا طاعةُ أبويْها في فراقِهِ، ولا في زيارةٍ ونحوها، بل عليها طاعةُ زَوْجِها فهي أحَقُّ من طاعتهِما.
وإذا أرادَ النقلةَ من بلدٍ بِنِسَائِه وأمكنَهُ اسْتِصْحابُ الكُلِّ في سفرِهِ فَعَلَ، ولا يجوزُ إفرادُ إحداهُنَّ إلَّا بقرعَةِ، فإن فعل قَضَى للباقياتِ.
فَائِدَةٌ: وللمرأةِ أن تَهَبَ حَقَّها من القَسْمِ في جميع الزَّمان، وفي بعضِهِ لبعضِ ضَرائِرها بإذْنِهِ، أو لهُنَّ كُلِّهِنَّ، أو له، فَيَجْعَلَه لمن شاء منهُنَّ، ولو أبَتِ الموهوبُ لها، ولا يجوزُ هِبَةُ ذلك بمالِ، فإن أَخَذَتْ وَجَبَ رَدُّهُ، وعليه أن يَقْضِيَ لها؛ لأَنَّها تركتْه بشرْطِ العِوَضِ ولم يُسَلَّمْ لها، فإن كان عِوَضُها غيرَ المالِ؛ كإرضاءِ زَوْجِها عنها أو غيره جاز.
ثُمَّ إن كانت تلك الليلةُ المَوْهُوبَةُ تَلِي ليلةَ المَوْهُوبِ لها، وَالَى بينهما، وإلَّا لم يَجُزْ إلَّا برضا الباقيات، ومتى رَجَعَتْ في الهِبَةِ، عادَ حَقُّها في المُسْتَقْبَلِ فقط ولو في بعض اللَّيْلِ؛ ولا يَقْضِيه إن لم يَعْلَمْ
стр. 394
إلَّا بعد فراغِ اللَّيْلَةِ، ولها هِبَةُ ذَلِكَ وَنَفَقَتُها وغيرُهما لِزَوْجِها ليُمْسِكَها، ولها الرُّجوعُ في المُسْتَقْبَل.
تَنْبِيهٌ: ولا قَسْمَ عليه في مِلْكِ اليمينِ، وله الاسْتِمتَاعُ بِهنَّ، وإن نَقَصَ زَمَنُ زَوْجاتِهِ، لكن يُساوِي بين زوجاتِهِ حينئِذٍ في حِرْمانِهنَّ.
وتُسَنُّ التَّسويَةُ بين إمائِهِ ولا يَعْضُلهُنَّ عِنْدَ عدم الاستمتاعِ. وإذا احتاجَتِ الأَمَةُ إلى النِّكاحِ وَجَبَ عليه إعْفَافُها؛ إمَّا بوَطْئِها، أو تَزْويجِها، أو بَيْعِها.
ويَجِبُ عليه الرِّفْقُ بمملوكِهِ ذَكَرًا كان أو أُنثى، وألَّا يُكَلِّفَهُ من العمل ما لا يطيقُ، وأن يكسوَهُ ويُطْعِمَهُ بالمعروف، وأن يُزَوِّجَهُ إن احتاجَ. ولا يُكْرِهَ الذَّكَرَ على ذلك، فإن قَصَّرَ بشيءٍ من ذلك عَصَى اللهَ تعالى ورسولَه وأُمِرِ بِبَيْعِهِ أو عِتْقِهِ أو كتابتهِ إن طلبها العَبْدُ.
فَصْلٌ
وإذا تَزَوَّجَ بِكْرًا ولو أَمَةً أقامَ عِنْدها سبعًا، وثَيِّبًا ثلاثًا، ولا يُحْتَسَبُ عليهما بِما أقاما عندهما، فإذا انتَهَتْ مُدَّةُ إقامتِهِ عند الجَديدةِ عادَ إلى القَسْمِ بين زوجاتِهِ كما كان، وَدَخَلَتْ بينهُنَّ، فصارَتْ آخِرَهُنَّ نَوْبَةً.
وإذا طَلَّقَ إحدى نسائِهِ في ليلتِها أَثِمَ، فإن تَزَوَّجَها بَعْد، قَضَى لها ليلتَها.
стр. 395
والنُّشُوزُ حرام بل هو من أَكبَرِ الكَبائِرِ، وهو مَعْصِيَتُها إيَّاهُ فيما يَجِبُ عليها. وإذا ظَهَرَ منها أماراتُهُ؛ بأن تَتَثَاقَلَ وتَتَدافعَ إذا دعاها إلى الاسْتِمْتَاعِ، أو تُجِيبَه مُتَبَرِّمَةً مُتكَرِّهَةً، أو يَخْتَلَّ أَدَبُها في حَقِّهِ، وَعَظَها، فإن رَجَعَتْ إلى الطَّاعَةِ والأدَبِ، حَرُمَ الهَجْرُ والضَّرْبُ. وإن أصَرَّتْ وَأَظْهَرَت النُّشُوزَ، بأن عَصَتْهُ، وامْتَنَعَتْ من إجابَتِهِ إلى الفِراشِ، أو خَرَجَتْ من بَيْتِهِ بغيرِ إذْنِهِ، ونحو ذلك، هَجَرَها في المَضْجَعِ ما شاءَ، وفي الكلامِ ثلاثَةَ أيَّامٍ فقط، فإن لم تَرْتَدِعْ، فله أن يَضْرِبَها ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ، يُفَرِّقُهُ على بَدَنِها، وَيَجْتَنِبُ الوَجْهُ، والبَطْنَ، والمَواضِعَ المخُوفَة، ولا يزيدُ على عَشْرَةِ أسواطٍ، فإن تَلِفَتْ من ذلك، فلا ضَمَانَ عليه.
وَيَجُوزُ مَنْعُ الرَّجُلِ من زوجتِهِ إذا عُلِمَ أنَّه يمنعُهَا حقَّهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ويُحْسِنَ عِشْرَتَهَا.
ولا يسْأَلُهُ أَحَدٌ لِمَ ضَرَبَها؟ ولا أَبُوها؛ لأَن فيه إبْقَاءً للمودَّةِ. وله تأديبُها كذلك على تَرْكِ فرائضِ الله تعالى.
فإن ادَّعى كُلٌّ منهما ظُلْمَ صاحبِهِ، أسْكَنَهما الحاكِمُ إلى جانِبِ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عليهما، ويَكْشِفُ حالَهما، ويُلْزِمُهُما الإنْصافَ، ويكونُ الإسكانُ المذكورُ قَبْلَ بَعْثِ الحَكَمَيْنِ، فإن خَرَجَا إلى الشِّقاقِ والعَداوَةِ، وبَلَغا إلى المُشَاتَمَةِ، بَعَثَ الحاكِمُ حَكَمين، حُرَّيْن، مُسْلِمَيْن، ذَكَرَيْنِ، عَدْلَيْنِ، مُكَلَّفَيْنِ، فَقِيهَيْنِ، عَالِمَيْنِ بالجَمْعِ
стр. 396
والتَّفْرِيقِ، فيفعلانِ ما يَرَيانِهِ من جَمْعٍ بينَهما، أو تَفْرِيقٍ بطلاقٍ أو خُلْعٍ.
والأَولى أن يكونَ الحَكمانِ من أَهْل الزَّوْجَيْن، وينبغي لهما أن ينويَا الإصلاح لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، وأن يُلَطِّفا ويُنْصِفا، وأن يُرَغِّبا ويُخَوِّفا، وألَّا يَخُصَّا أحدَهما دونَ الآخَرِ. وهُما وكيلانِ عن الزَّوْجَينِ في ذلك، لا يُرْسِلانِ إلَّا برضاهُما وتوكيلِهما، فلا يملكانِ تَفْريقًا إلَّا بإِذْنِهما، فَيأْذَنُ الرجلُ لوكيلِهِ فيما يَراه من طلاقٍ أو إصلاحٍ، وتأذَنُ المرأَةُ لوكيلِها في الخُلْعِ، أو الصُّلْحِ على ما يراه.
ولا يَنْقَطعُ نَظَرُهما بغيْبَةِ الزَّوْجين أو أَحَدِهما ويَنْقَطعُ بجُنُونِهما أو أَحَدِهما ونحوِه مِمَّا يُبْطِلُ الوكالة.
وإن امْتَنَعا من التَّوْكيلِ لم يُجْبَرا عليه، لكن لا يزالُ الحاكِمُ يَبْحَثُ ويُرْسِلُ وَيَسْتَفْهِمُ عنهما حَتَّى يَظْهَرَ مَن الظالمُ؟ فَيَرْدَعَه، وَيَسْتَوفي منه الحَقَّ.
ولا يَصِحُّ الإبراءُ من الحكمين إلَّا في الخُلْعِ، خاصَّةً وكيلَ المرأة فقط.
وإن خافَتِ امرأةٌ نُشُوزَ زَوْجِها، وإعراضَه عنها، لِكبَرٍ أو غيره، فَوضَعَتْ عنه بعضَ حُقوقِها، أو كلَّها، تَسْتَرْضِيه بذلك جاز، ولها الرُّجوع بذلك في المستقبلِ.
стр. 397
فَصْلٌ
وَيَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ منهُما معاشرَةُ الآخَرِ بالمعروف من الصُّحْبَةِ الجميلَةِ، وكفِّ الأَذى، ولا يمطُله بحقِهِ مع قدرتِهِ، ولا يُظْهِرُ الكراهَة لِبَذْلِهِ، بل يَبْذُلُهُ ببشْر وطلاقةِ وجهٍ، ولا يُتبِعُهُ أذَىً ولا مِنّةً، وحقُّهُ عليها أعظمُ من حَقِّها عليه.
ويُسَنُّ لِكُلٍّ منهما تحسينُ خُلُقِهِ لصاحبِهِ والرِّفْقُ به واحتمالُ أذَاهُ، ولا ينبغي أن يعلمها قَدْرَ ماله، ولا يُفْشِي إليها سِرًّا يخافُ إذاعتَهُ، وليكن غيورًا من غَيْرِ إفراطٍ لئلا تُرمَى بالشَّرِّ من أجلِهِ.
وإذا تَمَّ العَقْدُ وَجَبَ تسليمُ المَرْأَةِ في بيت الزَّوْجِ إذا طَلَبَها، وكانت حُرَّةً يمكِنُ الاستمتاعُ بها ما لم تشتَرِطْ بيتَها (١).
* * *
стр. 398
بَابُ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلى النِّساءِ
يُبَاحُ للرَّجل إذا أراد خِطْبَةَ امرأَةٍ أن يَنْظُرَ منها الوجْهَ والرَّقَبَةَ واليَدَ والقَدَمَ وَتَقَدَّم بشروطِه.
وإذا أرادَ شِراءَ أَمَةٍ فَلَهُ أن ينظُرَ إِلى ذلك، وإلى ساقٍ ورأْس، وله نظرُ ذلِكَ من ذواتِ محارمِهِ، وَهُنَّ من تحرُمُ عليه على التّأْبيدِ بِنَسبٍ أو سَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا إلَّا نسَاءَ النبي ﷺ فلا يحلُّ النَّظَرُ إليهنَّ.
وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلى أُمِّ المَزْنِيّ بها، وابنتِها؛ لأَن تَحريمَهمَا بِسبَبٍ محَرَّمٍ، وكذا المُحَرَّمَةُ باللِّعَانِ، وبنتُ المَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَأُمُّها.
ولِعَبْدٍ غيرِ مُبَعَّضٍ ومُشْتَرَكٍ نَظَرُ ذَلِكَ من مولاتِهِ، غيرَ أُولِي الإرْبَةِ؛ وهو مَن لا شَهْوَةَ له، كعِنِّينٍ، ومن ذَهَبَتْ شهْوَتُه لِمَرَضٍ لا يُرْجى بُرْؤُهُ لا يَحْرُمُ عليه النَّظَرُ إلى الأَجنبيَّة. ويجوزُ مُطلقًا إلى من لا تُشْتَهَى كعجوزٍ، وَبَرْزَةٍ، وقبيحَةٍ إلى غير عورتها في الصَّلاةِ، وَيَحْرُمُ نَظَرُ خَصِيٍّ، وَمَجْبُوبٍ كَفَحْلٍ.
стр. 399
وَلِشاهِدٍ نَظَرُ مَشْهُودٍ عليها، تَحَمُّلًا وأداءً عند المُطالبَةِ إن لم يَتَيَقَّنْهَا بِسَمَاعِ صوتهَا، وكذا من يعاملها في بيعٍ وإِجارَةٍ ونحو ذلك، ولطبيبٍ مَنْ يَلي خِدْمَةَ مريضٍ ولو أُنثى في وضوءٍ واسْتِنْجَاءٍ نَظَرُ ولَمْسُ ما تدعو الحاجَةُ إلى نظرِهِ وَلَمْسِهِ حَتَّى فرجِهَا وباطنِهِ، مع حُضُورِ مَحْرَمٍ أو زوجٍ، وكذا له حلقُ عانةِ من لا يُحْسِنُ حَلْقَ عانتِهِ.
ولِصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ غَيْرِ ذي الشِّهْوَةِ نَظَرُ ما فَوْقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ، وذُو الشَّهْوَةِ كمحرم، وبِنْتِ تِسْعٍ مع رَجُلٍ كمحرم، ولتخليصِ المرأةِ من غَرَقٍ وَحَرَقٍ ونحوهما.
ولا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلى عَوْرَةِ طفلٍ وطفلةٍ قبلَ السَّبْعِ ولا لَمْسُها، ولا يَجِبُ سَتْرُها مع أَمْنِ الشَّهْوةِ، ولا الاسْتِتارُ منه في شيءٍ.
وللمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ، ومع المرأَةِ ولو كافِرَةً، وللرَّجُلِ مع الرَّجُلِ نَظَرُ ما فوق السُّرَّةِ، وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ.
وأما الخُنْثَى المُشْكِلُ فهو مع الرَّجُل كامرأةٍ، ومع المَرْأَةِ كَرَجُلٍ.
وَيَجوزُ النَّظَرُ إلى الأَمْرَدِ بلا شهوةٍ، وإن خافَ ثَوَرانَهَا حَرُمَ. وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إليه أو إِلى أحدٍ مِمَّن ذُكِرَ بشهوةٍ أو خوفِهَا، واللّمْسُ أَشَدُّ من النَّظَرِ في التَّحْريمِ، وَمَعنى الشِّهْوةِ التَّلَذُّذُ بالنَّظَرِ.
وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلى الحُرَّةِ الأَجْنَبِيَّةِ قَصْدًا مطلقًا حَتَّى شَعْرِهَا المُتَّصِلِ. وَصَوْتُها ليس بعَوْرَةٍ، لكن يَحْرُمُ التَّلذُّذُ بسماعِهِ ولو بقراءَةٍ.
стр. 400
وَيَحْرم النَّظَرُ مع شَهْوَةِ تخْنيثٍ وسِحاقٍ، وإلى دابَّةٍ يَشْتَهيها ولا يَعِفُّ عنها، وكذا الخَلْوَةُ بها.
وَتَحرُمُ الخَلْوَةُ بغير مَحْرَم على الكُلِّ مطلقًا، كخَلْوَتِهِ مع أجنبيةٍ ولو رَتْقاءَ أو أجنبياتٍ. وَخَلْوَةُ أجانِبَ بها، وَتَحْرُمُ الخلوةُ بحيوانٍ يَشْتَهِي المرأَةَ أو تَشْتَهِيه، كالقِرْدِ، والخَلْوَةُ بأَمْرَدَ ومُضاجعتُهُ كامرأَةٍ ولو لمصلحةِ تعليمٍ وتأديبٍ، والمُقِرُّ مَوْلاهُ عِنْدَ من يعاشِرُهُ كذلك، ملعونٌ ديّوثٌ.
ومن عُرِفَ بمَحَبَّتِهم والمعاشرَةِ بينَهمْ، مُنعَ من تعليمِهم.
وقال الإمامُ أحمد لِرَجُلٍ معه غُلامٌ جميلٌ، هو ابن أخته: الذي أَرَى لَكَ أن لا يَمْشِيَ معك في طريق.
وكَرِهَ أيضًا ﵁ مُصَافَحَةَ النِّساءِ، وَشَدَّدَ فيه حَتَّى لِمَحْرَمٍ، وَجَوَّزَه لوالِدٍ، وَجَوَّزَ أَخْذَ يَدِ عَجُوزٍ وشوهاء.
وَلا بَأْسَ للقادِمِ من سَفَرٍ بِتَقْبيلِ ذَواتِ المَحَارِمِ إذا لم يَخَفْ على نَفْسِهِ، لكنْ لا يَفْعَلُه على الفَمِ أبَدًا، بل على الجَبْهَةِ والرَّأْسِ. وَلِكُلِّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ نَظَرُ جميعِ بَدَنِ الآخَرِ وَلَمْسُهُ بلا كراهَةٍ حَتَّى الفَرْجِ، وكذا السَّيدُ مع أمَّتِهِ المُبَاحَةِ له، وينْظرُ من مُزوجةٍ، ومُسْلِمٌ من أمَتِهِ الوَثَنيَّةِ والمَجُوسيَّةِ إلى غير العَورَةِ، ومن لا يملكُ إلَّا بعضًا فكمن لا حَقَّ لَهُ.
стр. 401
وَحَرُمَ على المرأَةِ التَّزيُّنُ لِغَيْرِ زوجها وسيدها، ويُكْرَهُ نومُ رَجُلينِ، أو امرأتَينِ، أو مراهقين مُتَجردينِ تحت ثَوْبٍ واحدٍ أو لِحاف واحدٍ، وإن كان أحدهما ذَكَرًا غير زَوْجٍ وَسَيّدٍ، ومع أمردَ حَرُمَ شديدًا.
وإذا بَلَغَ الإخوةُ عشرَ سنين ذكورًا كانوا أَو إِناثًا أو ذكورًا وإناثًا فرَّق وليُّهم بينهم في المضَاجِعِ، فيجعلُ لِكُلِّ واحدٍ منهم فِراشًا وحده.
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ التَّصريحُ -وهو ما لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكاح- بِخِطْبَة مُعْتَدةٍ بائنٍ، على غير زَوْجٍ تحلُّ له.
وَيَحْرُمُ التَّعريضُ -وهو ما يُفْهَمُ منه النِّكاحُ مع احْتِمال غيره- بخِطْبَةٍ رَجْعِيَّةٍ، ويجوزُ التَّعريضُ في عِدَّةِ الوفاةِ، وفي عِدَّةِ البائِنِ مطلقًا، وهي في الجوابِ مثله فيما يَحِلُّ وَيَحْرُمُ.
وَصِفَةُ التَّعريضِ نحو أن يقول: إِنِّي في مِثْلِكِ لراغِبٌ. ولا تَفوِّتِينِي نفسَكِ، وإذا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَأَعْلِمِيني. وما أشبه ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّها على رغبَتِهِ فيها.
وَصِفَةُ جَوابها نحو أن تَقول له: ما يُرْغَبُ عنك، وإذا قُضِيَ شيءٌ كان، ونحو ذلك. فإن صَرَّحَ بالخِطْبَةِ أو عَرَّضَ في موضعٍ يَحْرُمانِ فيه، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ حِلِّها، صَحَّ نِكاحُهُ.
стр. 402
ولا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ مُسْلِمٍ إن أُجيبَ تصريحًا أو تَعْريضًا، فإن فَعَلَ صَحَّ العَقْدُ.
ويُكْرَهُ للمرأَةِ والوليِّ الرُّجوعُ عن الإجابة بلا غَرضٍ، وأعظمُ منه تحريمًا من فَرَضَ له وليُّ الأَمرِ على الصَّدقات أو غيرها ما يستحقُّهُ، فيجيء من يُزاحِمُه أو يَنْزِعُه منه، والتَّعْويلُ في الرَّدِّ والإجابة عليها، إن لم تَكُنْ مُجْبَرَةً وإلَّا فعلى الوَليّ، لكن لو كَرِهَت المُجابَ، واختارت غيرَهُ وَعَيَّنَتْه، سَقَطَ حُكْمُ إجابَةِ وليِّها؛ لأَن اختيارَها مُقَدَّمٌ على اختياره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولو خَطَبَت المرأَةُ أو وَليُّها الرَّجُلَ ابتداءً، فأجابَها، فَيَنْبغي أن لا يَحِلَّ لرَجُلٍ آخرَ خِطبَتُها، إلَّا أنه أضعفُ من أن يكون هو الخاطِبُ، ونظيرُ الأُولى أن تخطُبَه امرأةٌ أو وَليُّها بعد أن خَطَب هو امرأَةً، فإن هذا إيذاءٌ للمخطُوبِ في المَوْضعَيْنِ، كما أنَّ ذلك إيذاءٌ للخاطِبِ. وهذا بِمَنْزِلَةِ البَيْعِ على بَيْعِ أخيه قبل انْعِقادِ العَقْدِ، وذلك كلُّه يَنْبَغي أن يكون حرامًا. انتهى كلامُهُ ﵁، وهو من أوضَحِ القياس.
واعلم أن السَّعي من الأَب لابنته في التَّزويج، واختيارِ الأَكْفاء لها غير مكروه لفعل عمر ﵁ (١).
* * *
стр. 403
بَابُ آدابِ النَّوْمِ والاستيقاظِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
يُسَنُّ لمن أرادَ أن ينامَ أن يُوكِئَ سِقاءهُ، ويُطفِئَ سِراجَهُ، وَيَغْلِقَ بابَهُ، وَيَغْسِلَ فمَهُ إن كان أكل ما لهُ رائِحَةٌ لئلا يقصدهُ الدَّبِيبُ، وينفُضَ فراشَهُ، ويُسَمِّيَ الله ، ثُمَّ يقولَ ما وَرَدَ، ومنه: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِليْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِيَ إِلَيْكَ، وَأَلجأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجَى مِنْكَ إلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بكتابِكَ الذي أَنْزَلْتَ، وَنَبيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ" (١)، يجعلُهُ آخِرَ ما يقولُ من قراءَةٍ وغيرها.
وَيُسَنَّ نَوْمُهُ على جَنْبِهِ الأَيمنِ على طَهَارَةٍ مستقبِلَ القِبْلَةِ كما يكونُ في اللَّحْدِ، ويجعلُ يَدَهُ اليُمْنى تحت خَدِّهِ الأَيمَنِ.
ويُكْرَهُ النَّوْمُ على سَطحٍ ليس عليه تحجيرٌ، ونومُه بَعْدَ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقبل العشاءِ، وتحتَ السَّمَاءِ مُتَجرِّدًا، أو بين قوم مُسْتَيْقِظِينَ، ونومُهُ وحدَهُ، وَسَفَرُهُ وَحْدَهُ، ونومُهُ وجلُوسُهُ بَيْنَ الشَّمْسِ والظِّلِّ، وركوبُ البَحْرِ عند هَيَجانِهِ.
стр. 404
قال ابن الجوزي في "طِبِّه": "النَّوْمُ في الشَّمْسِ في الصَّيْفِ يُحَرِّك الدّاءَ الدَّفِينَ، والنَّوْمُ في القَمَرِ يُحِيلُ الأَلوانَ إلى الصُّفْرَةِ ويُثْقِلُ الرَّأْسَ" انتهى كلامه.
وَتُسَنُّ القَائِلَةُ نِصْفَ النَّهارِ، وحقيقتُها قَبْلَ الزَّوالِ، فإذا استيقظ من النَّوْمِ، ذَكَر الله تعالى، وقال ما ورد، ومنه: "لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، الحَمْدُ للهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، ولا إِلهَ إلَّا الله، واللهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله". ثُمَّ إن قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي. أو دعا، اسْتُجيبَ له، فإن تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبلَت صلاتُه (١)، ثُمَّ يقولُ: "الحمدُ للهِ الذي أَحْياني بعدما أَماتَني وإليه النُّشُور" (٢)، "لا إِلهَ إلَّا أنْتَ لا شَرِيكَ لَكَ سُبْحانَكَ، أَسْتَغْفِرُ لِذَنْبي وَأَسْأَلُك رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْني عِلْمًا، ولا تُزِغْ قَلْبي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَني، وَهَبْ لِيَ من لُدُنْكَ رَحْمَةً إنَّك أنت الوَهّاب" (٣). "الحَمْدُ للهِ الذي رَدَّ عَليَّ رُوحي، وعافانِي في جَسَدِي، وأَذِنَ لي بِذِكْرِهِ" (٤).
стр. 405
فَائِدَةٌ: وإذا رأى الرؤيا يكرهها فإنها من الشيطان، فلْيَبْصُقْ عن يساره ثلاثًا وليستعذ من الشيطان ثلاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الذي كان عليه وليقُلْ: اللَّهُمَّ ارْزُقني خَيْرَ رؤياي واكفني شَرَّها، وإن رأى رؤيا يحبُّها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها ولا يُحَدِّثْ بها إلَّا من يحبُّ (١) إن كان عارفًا بتعبير الرُّؤيا.
فَائِدَةٌ: وَيُكْرَهُ القَزَعُ -وهو حَلْقُ بعْضِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ بعضه- وَحَلْقُ القَفَا مُنْفردًا عن الرَّأْسِ وهو مُؤَخَّرُ العُنُقِ وتَقَدَّمَ، والتَّحْذِيفُ لِرَجُلٍ وهو إرسالُ الشَّعْرِ الذي بين العِذَارِ والنَّزعَةِ وَحَفُّهُ وجهَهُ، ولا يكرهانِ لامرأَةٍ كتحمير وجهِها وتحسينِهِ.
ويُكْرَهُ النَّقْشُ والتَّكْتيبُ والتَّطْرِيفُ -وهو الذي يكونُ في رؤوسِ الأَصَابِعِ، وهو القموع- فلا تَفْعَلُ شيئًا من ذَلِكَ بل تَغْمِسُ يدَها في الخِضابِ غَمْسًا.
وَيُكْرَهُ كَسْبُ الماشِطَةِ ونحوِها.
وَيُسَنُّ الامتشاطُ، واتِّخاذُ الشَّعْرِ، وأن يغسلَهُ ويُسرِّحَهُ ميامِنًا ويفرِّقَهُ، فيكونَ للرَّجُلِ إِلى أُذنيهِ وينتهي إلى منكبيه، ولا بأس بالزِّيادَةِ على ذلك، ولا يجعلُهُ ذؤابة.
стр. 406
وَيُسَنُّ إعفاءُ اللِّحيَةِ، وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا، ولا يُكْرَهُ أَخْذُ ما زادَ على القَبْضَةِ منها، ولا أخذُ ما تحت حَلْقِهِ، وقد أخذ إمامُنا أحمدُ ﵀ من حاجِبَيْهِ وعارِضَيْه.
ويسن قَصُّ طَرَفِ الشَّارِبِ، وحَفُّه أفضلُ، وتقليمُ الأَظفارِ مُخَالِفًا، فَيَبْدَأ بِخِنْصِرِ اليُمْنَى، ثُمَّ الوُسْطى، ثُمَّ الإبْهام، ثُمَّ البِنْصَرِ، ثُمَّ السَّبَابَةِ، ثُمَّ ينتقل إلى إِبهام اليُسْرَى، ثُمَّ إلى الوُسْطى، ثُمَّ الخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبّابَةِ، ثُمَّ البِنْصَرِ، ويُسَنُّ غَسْلُها بعد قصِّها تكميلًا للنَّظَافَةِ. ويكونُ ذَلِكَ قبل الصَّلاةِ يوم الجُمُعَةِ.
وَيُسَنُّ ألا يَحيفَ عليها في الغَزْو ونحوه؛ لأَنه قد يحتاجُ إلى حَلِّ شيءٍ.
ويُسَنُّ نَتْفُ الإبِط، وَحَلْقُ العانَةِ، وله قَصُّهُ وإزالتُهُ بما شَاءَ، وَفَعَلَ الإمام أحمد التَّنوير في العانة وغيرها، وتُكْرَهُ كثرتُهُ، وَتَرْكُهُ فوقَ أربعينَ يومًا، ويفعلُهُ كُلَّ أسبوع، ويُدْفَنُ الدَّمُ والشَّعْرُ والظُّفُرُ.
وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ، ويُسَنُّ خِضَابُهُ بحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ، ولا بأس بِوَرْسٍ وزعفرانٍ، ويُكْرَهُ بسوادٍ، وإن حصل به تدليسٌ حَرُمَ.
ويُسَنُّ النَّظَرُ في المرآة وأن يقول إذا نَظَرَ فيها: "اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي حَسِّن خُلُقي، وَحَرِّم وَجْهِي على النَّار" (١)، والتَّطيُّبُ
стр. 407
بما ظَهَرَ ريحُه وخَفِيَ لَوْنُهُ، وللمرأَةِ في غَيْرِ بَيْتِها عَكْسُهُ؛ لأنَّها ممنوعةٌ في غير بَيْتها مما يَنِمُّ عليها كضربها برجلها لِيُعْلَمَ ما تخفي من زينتها ومن نعل صرارة وغير ذلك، وفي بيتهَا تَطيَّبُ بما شاءت، ويُكْرَهُ حَلْقُ رَأْسِها وقصُّهُ بلا عُذْرٍ، ويَحْرُمُ لمصيبَةٍ.
* * *
стр. 408
بابٌ في اللَّعِبِ المُبَاحِ
تَجُوزُ المُسَابَقَةُ بلا عِوَضٍ على الأَقدام وبين سائر الحيوانات من إبلٍ وخيلٍ وبغالٍ وحُمُرٍ وفِيَلَةٍ وطيورٍ كحمامٍ، وَبَيْنَ سُفُنٍ ومزاريقَ ونحوها، وَمَناجِيقَ وَمَقالِيعَ، ورميُ أحجارٍ بيَدٍ.
ويُكْرَهُ الرَّقْصُ، ومجالِسُ الشِّعْرِ وكُلُّ ما يُسمى لَعِبًا إلَّا ما كان مُعينًا على قتالِ العدوِّ، فَيُكْرَهُ لعبه بأرجوحَةٍ، وكذا مراماةُ الأَحجارِ ونحوِها، وهي أن يَرْمِيَ كُلٌّ إلى صاحبه الحَجَر.
ولا يجوزُ اللَّعِبُ المعروفُ بالطَّابِ والنَّقيلَةِ، ويُسَنُّ اللَّعبُ بآلة الحَرْبِ. قال جماعة: والثقافُ، وَيَتَعَلَّمُ بسيفِ خَشَبٍ لا حديدٍ.
وليسَ مِنَ اللَّعِبَ المُحَرَّم ولا المكرُوهِ تَأْديبُ فرسِهِ، وملاعبَةُ أهله، ورميُهُ عن قوسِهِ.
ويُكْرَهُ لمن عَلِمَ الرمي أن يَتْرُكَهُ كراهيةً شديدةً.
وتجوزُ المُصارعةُ، ورفعُ الأَحجارِ لِمَعْرِفَةِ الأَشدِّ.
стр. 409
وأما اللَّعِبُ بالنَّرْدِ والشَّطَرنْج، ونطاحِ الكِبَاشِ، ونقارِ الدُّيوكِ فلا يباحُ بِحَالٍ.
ولا تجوزُ المُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ إلَّا في الخيلِ والإبلِ والسِّهامِ للرِّجالِ بشروطها المقررة في المُطوَّلاتِ.
فَصْلٌ
والتَّعَالُجُ في الأَمراضِ جائِزٌ بالحِجَامَةِ والفَصْدِ، والكَيِّ وشُرْبِ الأَدويَةِ، والأَشْرِبَةِ، وقطعِ العُروقِ، والبَطِّ، وقطعِ العُضو عند وقوع الأَكَلَةِ فيه إذا خِيفَ التَّعَدِّي إلى بقيةِ البَدَنِ، ويجوزُ التَّداوي بِكُلِّ ما فيه صلاحٌ للبَدنِ إذا كان مُباحًا طَاهِرًا، وَتَقَدَّمَ بعضُ ذَلِكَ في الجَنَائِزِ، ويُكْرَهُ الكَيُّ بلا حاجَةٍ.
وَيَحْرُمُ حَرْقُ كُلِّ ذي رُوحٍ بالنَّارِ من قَملٍ وبراغيثَ وَنَمْلٍ، وغيرِ ذَلِكَ، لكن يُباحُ تدخينُ الزَّنابير، فإن لم يندفِعْ ضَرَرُها إلَّا بإحراقها جاز.
فَصْلٌ في حُكْمِ الكَلْبِ
يَحْرُمُ اقتناؤُهُ ولو لِحِفْظِ البيوتِ ونحوِها، إلَّا كلْبَ ماشيةٍ، وَصَيْدٍ وَحَرْثٍ إن لم يكن أسودَ بهيمًا أو عقورًا.
стр. 410
ويجوزُ تربيةُ الجِروِ، والصَّغيرِ؛ لأَجل الثَّلاثَةِ، ومن اقتناهُ لغيرها نَقَصَ من أجْرِه كُلُّ يَوْمٍ قيراطانٍ، ومن اقتنى كَلْبَ صَيْدٍ ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً وهو يريدُ العَوْدَ إليه لم يحرُمْ اقتناؤُهُ مُدَّة تركه، وكذا لو حَصَدَ الزَّرْعَ أُبِيحَ اقتناؤُهُ حَتَّى يزرعَ زَرْعًا آخَرَ، ومثلُهُ لو هلكت ماشيتُهُ أو باعَهَا وهو يرجو شراءَ غيرها.
ولا يَصِحُّ بيعَهُ ولو كان مُعَلَّمًا، لكن من مات وفي يده كلبٌ فورثته أَحَقُّ بِهِ.
وَيَجِبُ قَتْلُ العَقُورِ، ولو كان مُعَلَّمًا، ويَحْرُمُ اقتناؤهُ، واقتناءُ الأَسودِ البَهيمِ وهو ما لا بياضَ فيه أو بين عينيه نكتتانِ، وَيَحْرُمُ الصَّيْدُ به مطلقًا، ويُسَنُّ قَتْلُهُ مُطْلَقًا، ولا تُقْتَلُ كلبَةٌ عَقَرَتْ مَن قُرُبَ من ولدِهَا أو خَرَقَتْ ثَوْبَهُ بل تُنْقَلُ، ولا يُباحُ قَتْلُ الكلب غيرَ ما تقدَّمَ.
وأَمَّا الخنزيرُ فَيَحْرَمُ اقتناؤهُ والانتفاعُ به مطلقًا، ويُسَنُّ قَتْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ.
ومن اقتنى كَلْبًا لِغَيْرِ شيءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ أو عقورًا أو أسودَ بهيمًا أو كَبْشًا مُعلَّمًا لِلنِّطَاحِ أو أَسَدًا أَو نِمْرًا أو نحوهما من السِّباع المُتَوحِّشَةِ فَعَقَرَتْ أو خَرَقَتْ ثوبًا ضَمِنَ إن كان له عادةٌ بذلك، ومثلُهُ هِرٌّ تَأْكلُ الطيور، وَتُقَلِّبُ القدورَ في العادةِ مع علْمِهِ بأن تَقَدَّمَ لها عادةٌ بذلك، لكن من دخل بيتَهُ بلا إذْنِهِ أو بإذْنِهِ وَنبَّهَهُ أن الكلب عقورٌ
стр. 411
أو غيرُ موثوقٍ لم يَضمَنْهُ، ولا يضمنُ ما أفْسَدَتْ ببولٍ أو ولُوغٍ، وله قتلُ هِرٍّ بأكلِ لَحْمٍ ونحوه كالفواسِقِ.
وإن اقتَنَى طَيْرًا من حَمَامٍ أو غيره فَأَرسلَهُ نهارًا فَلَقَطَ حبًا ضَمِنَ، ولا يجوزُ اقتناءُ الحمامِ الطيّارةِ ليلعبَ بها أو ليسترعيَهَا مِنَ المزارِعِ أو ليَصِيدَ بها حمامَ غَيْرِهِ أو يُراهِنَ بها.
ويجوزُ للأُنس بصَوْتِها ولاستفراخِهَا، وَحَمْلِ الكُتُبِ من غير أذى يتعدَّى إلى النَّاسِ، وإجارتُها لِحَمْلِ الكُتُبِ فاسدَةٌ.
وإذا عُرِفَتِ البهيمةُ بالصَّوْلِ وَجَبَ على كُلِّ أحد إتلافُها إذا صالَتْ ولا ضمانَ فيها، وَتَقَدَّم في محظوراتِ الإحرامِ أنَّه يُسَنُّ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ كالحيةِ لكن ينبغي لمن رأى الحَيَّةَ في منزلِهِ أن يُؤْذِنَها ثلاثًا قبل قتلها، فيقول: امض بسلام لا تُؤْذِنَا، فإن بدا لَهُ بعد ذَلِكَ فليقتُلْهُ، ويَقْتُلُ ما في الصَّحارى، وذُو الطُّفْيتَينِ وهو الذي في ظهرِهِ خَطٌ أسودُ أو بين عينيه شعرتانِ سَوْداوانِ بلا إِذْنِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الحَيوانِ
تَجِبُ معاشرتُهُ بالمعروفِ، وَيَحْرُمُ تكليفُهُ فَوْقَ طاقتِهِ في الحَمْلِ والحَرْثِ والسَّيْرِ، ومنحُهُ ما يكفيه من العَلَفِ والماءِ، ولو عَطِبَ فإن فعل أُجْبِرَ على بيعه ونحوه أو ذبحِهِ إن كان مأكولًا فلا يُعَذِّبْ خَلْقَ الله.
стр. 412
وَيَحْرُمُ أن يَحْلِبَ من لبنِهِ ما يضُرُّ بولدِهِ، ويُسَنُّ للحالِبِ أن يَقُصَّ أظفارَهُ لئلا يَجْرَحَ الضَّرْعَ. وجيفته له، ونقلها عليه، فيلزمه أن ينقلها إلى مكانٍ يدفعُ فيه ضَرَرَها عن النَّاسِ.
وَيَحْرُمُ ضَرْبٌ وَوَسْمٌ فِي الوجْهِ إلَّا لمداواة، وفي الآدميِّ أَشدُّ، ويُكْرَهُ خَصْيُ غير غَنَمٍ، وديوكٍ، ويحرمُ في الآدميِّ لِغَيْرِ قِصاصٍ.
وَيُكْرَهُ تعليقُ جَرَسٍ وَوَتْرٍ، وَجَزُّ معرفةٍ وناصيةٍ وَذَنَبٍ.
وَيَحْرُمُ لَعْنُ الدَّابة، قال الإمام أحمد: قال الصَّالِحُونَ: لا تُقْبَلُ شهادتُه، وإن امتنَعَ من الإنفاق على دابَّتِهِ أجْبِرَ على ذَلِكَ، فإن أبى أو عَجَزَ أجْبِرَ على بَيعٍ أو إجارةٍ أو ذبحِ مَأْكُولٍ، فإن أبى فعلى الحاكم الأَصلحُ أو اقتَرضَ عليه.
ويجوزُ الانتفاعُ بها في غير ما خُلِقَت له كَبَقَرٍ للحملِ أو الرَّكوبِ، وإبلِ، وحُمْرٍ للحرثِ ونحوه، ولا يجوزُ قَتْلُهَا ولا ذَبْحُها للإِراحَةِ، كما لا يجوزُ قَتْلُ الآدميِّ المُتَأَلِّمِ بالأَمراضِ الصَّعْبَةِ.
فَصْلٌ في بِرِّ الوَالدينِ وصِلَة الرَّحِمِ
هو فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ وَلَدٍ له أبوانِ أو واحدٌ، وعُقُوقُهما من أكبر الكبائر. قال الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) ... ﴾ [الإسراء: ٢٣]، الآية.
стр. 413
وقال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤].
وروى ابن عباس عن النِّبِيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ أَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوالِدَيْهِ، أَصْبَحَ وَلَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ النَّارِ، ومن أَمسى مُسْخِطًا لوالِديهِ أَمْسَى وله بابانِ مَفْتوحانِ من النَّارِ، وإن كان واحدٌ فواحدٌ، وإِنْ ظَلَمَاهُ، وإِنْ ظَلَمَاهُ، وإِن ظَلَمَاهُ" (١).
وعن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله ﷺ : "رِضى الرَّبِّ في رضى الوالدينِ، وَسَخَطُهُ في سَخَطِهما" (٢).
وقال ﵇: "لا يُجْزِي وَلَدٌ والدًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" (٣).
وقال ﵇: "بابانِ مُعَجلَةٌ عُقُوبَتُهُمَا في الدُّنيا: البَغْيُ والعُقُوقُ" (٤).
стр. 414
وعن عبد الله بن عمرو قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إِنِّي أُرِيدُ الجِهَادَ فقال: "أَلَكَ أَبَوانِ؟ "، قال: نعم، قال: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" (١).
وقال ﵇: "ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلونَ الجَنَّةَ أبدًا: العَاقُّ لِوالديهِ، والدَّيُّوثُ، وَرَجلَةُ النِّسَاءِ" (٢).
وقال ﵇: "ثَلاثَةٌ لا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ: الشِّرْكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، والفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ" (٣).
وقال ﵇: "ثَلاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرَ، والعَاقُّ لوالِديهِ، والدَّيُّوثُ الذي يُقِرُّ في أَهْلِهِ الخَبَثَ" (٤).
وَصِفَةُ البِّرِّ أن تكفيَهُما ما يحتاجانِ إِليه، وَتُكَفَّ عَنْهُما الأَذى، وتُدارِيَهُمَا مُداراةَ الطَّفْلِ الصَّغيرِ، وألَّا تَضجَرَ من حاجَتِهِما، وأن تُقَدِّمَ خدمَتهُما على كثيرٍ من نوافِلِكَ من صَلاةٍ وصيامٍ وغيرهما، وتَسْتَغْفِرَ لَهُما، ويتأكدُ عَقِبَ صَلاتِكَ، ولا تُحْوِجهُما إلى التَّعَبِ،
стр. 415
وتَتَحَمَّلَ أَذاهُما، ولا تُعْلِي صَوْتَكَ على صَوْتِهِمَا، ولا تُخَالفهُما فيما لا يكونُ فيه تَرْكُ شيءٍ من فَرائِضِ الله كَحَجَّةِ الإسلامِ، والصَّلواتِ الخَمْسِ، والزَّكَاةِ، والكَفَّارَةِ، والنَّذْرِ، وَطَلَبِ العِلْمِ المَفْرُوضِ وغير ذلك، ولا تُطِعهُما في ارتكابِ مُحَرَّمٍ من مَحارِمِ الله تعالى كالزِّنا، وَشُرْبِ الخَمْرِ، والقَتْلِ، والقَذْفِ، والغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، وغيرِ ذلك من المناهي لقول النَّبِيِّ ﷺ : "لا طَاعَةَ لأَحَدٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ تعالى" (١).
ولقوله ﵇: "لا طَاعَة لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ" (٢).
ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، فهذا الحديثُ وهذه الآيةُ عامَّانِ في وجُوبِ مُخالَفَةِ كُلِّ من يَأْمُرُ بمعصيةِ الله تعالى أو تَرْكِ طاعتِهِ.
وسُئِلَ الإمامُ أحمد عن الرَّجُلِ ينهاهُ أَبُوهُ عن الصَّلاةِ في الجَمَاعَةِ فقال: لَيْسَ لَهُمَا طاعةٌ في الفَرْضِ، وأمَّا النَّوافلُ فيجوزُ تَرْكُها لطاعتِهِمَا؛ بل الأَفضلُ طاعَتُهُمَا فيها.
стр. 416
ومن البِرِّ لهما أن تَصِلَ من وَصَلَهُمَا، وَتَهْجُرَ من هَجَرَهُمَا، وتَغْضَبَ لَهُما كما تَغْضَبُ لِنَفْسِكَ في الموتِ والحياةِ، وإذا ثارَ طبعُكَ في الغَضَبِ عليهما فاذكر تَرْبيتَهُمَا وَسَهَرَهُمَا وتَعَبَهُما وإشفاقَهُما، واذكر قول الله سبحانه لك: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإن لم يَرْدَعَك ذَلِكَ عن غَيْظِكَ عليهما، ولم تَرْحَمْهُما بعد ذلك لا لله ولا لَهُما فاعلم أنَّك مَحْرومٌ مَسْخُوطٌ عليك، مطرودٌ عن رحمة الله تعالى إن لم تَتَدَارَكْ زَلَّتَكَ بالتَّوَّبةِ النَّصُوح، وباسترضائِهِمَا والتَّذَلُلِ لَهُما، والتَّواضُعِ غايةَ ما يُمكِنُكَ مع مُخالَفَةِ نَفْسِكَ بما تَأْمُرَكَ به في حَقِّهِما؛ لأَنَّها لا تَأْمُرُ إلَّا بالسُّوء؛ فَعَساهُما أن يَرْحَماكَ ويَرْضيا عَلَيْكَ؛ وإلَّا فيَا خَسَارَتَكَ دُنيا وأُخرى بِغَضَبِهِمَا عَلَيْكَ، وسخَطِهِمَا مِنْكَ بِسَبَبِ عُقوقك لَهُما.
إذا علمتَ هذا فلا تسافِرْ سَفَرًا لَيْسَ بواجِبٍ عَلَيْكَ إلَّا بإِذْنِهِما، ولا تغزُ غَزْوًا غَيْرَ مُتعَيِّنٍ عَلَيْكَ إلَّا بإِذْنهما، فلا تَفْجَعْهُمَا بِنَفْسِكَ، فَقَدْ نُهِىَ غَيْرُكَ أن يَفْجَعَهُمَا بِكَ، قالَ ﷺ : "لَعَنَ الله مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الوالدينِ وَوَلدِهِما، وَبَيْنَ الأَخِ وَأَخيهِ" (١).
وقال ﵇: "مَنْ فَرَّقَ بين والِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ الله بَيْنَهُ
стр. 417
وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ" (١).
ثُمَّ إن ظفِرتَ بطعامٍ أو شرابٍ من الحلالِ فَعَلَيْكَ بإيثارِهِما بأطيبِهِ فطالما آثَراكَ وجاعا وأَشْبَعَاكَ وَسَهِرا وَنَوَّمَاكَ، فاجتهد رَحِمَكَ الله على بِرِّهِما غايةَ الاجتهادِ، واعمل بِمَا ذَكَرْتُ لَكَ من النَّصِيحَةِ والإرشادِ، ولا تتبع سَبيلَ العاقِّ لوالديهِ من أهلِ الغِوايَةِ والعِنَادِ، فإنْ فَعَلْتَ تَكُنْ من المبعُودينَ والمطرودينَ من رحمةِ المَلِكِ الجوَاد، نَسْأَلُ اللهَ العافيةَ من ذَلِكَ، والنَّجَاةَ من كُلِّ أمرٍ مُوقعٍ في المهالكِ.
إذا علمتَ هذا فاعلم أيضًا أنه يجِبُ عليك أن تَصِلَ بَقِيَّةَ رَحِمِكَ، وهم كُلُّ قرابَةٍ لَكَ مِنَ النَّسَبِ، فَصِلَتُهُم فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْكَ، وقطيعتُهُمْ مُحَرَّمَةٌ عليك تحريمًا مُؤَكَّدًا، فهي من أكْبَرِ الكبائِرِ عِنْد الله تعالى، وقد قرنَ الله سبحانه الأَرحامَ باسمِهِ الكريم في قوله: جلَّ من قائِلٍ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]؛ وذلك تنبيهٌ على أن صِلَتَها بمكانٍ منه سبحانه ومُقَرِّبٌ إليه، وقطعَهَا خَطَرٌ عظيمٌ عِنْدَهُ وَمبعدٌ عنه ﵎.
قال ﷺ : "الرَّحِم شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمن، قال الله تعالى: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ" (٢)، وقال عليه
стр. 418
السَّلامُ: "الرَّحِمُ مُتَعَلِّقَةٌ بالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ الله" (١).
وقال ﵇: "للرَّحِمِ لِسانٌ عِنْدَ الميزانِ، تَقُول: يا رَبِّ مَنْ قَطَعَنِي فاقْطَعْهُ، وَمَنْ وَصَلَنِي فَصِلْهُ" (٢).
وقال ﵇: "مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: مَنْ سَرَّهُ أن تَطُولَ حَياتُهُ، وَيُزادَ في رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٣).
وقال ﵇: "مِنْ أَشراطِ السَّاعَةِ الفَحْشُ والتَّفَحُّش، وقطيعَةُ الرَّحِم، وتَخْوِينُ الأَمينِ، وائتمانُ الخَائِن" (٤).
стр. 419
وقال ﵇: "إنِّي لم أُبْعَث بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ" (١).
وقال ﵇: "لَيْسَ شيءٌ أُطِيعَ الله فيه أعجلَ ثَوابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمَ، وَلَيْسَ شيءٌ أَعْجَلَ عِقابًا مِنَ البَغْيِ وقطيعَةِ الرَّحِمَ، واليَمِينُ الفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ" (٢).
وقال ﵇: "إنَّ الرَّحْمَةَ لا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِع" (٣).
وقال ﵇: "إنَّ أَعْمَالَ بَني آدَمَ تُعْرَضُ على اللهِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَلا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِع رَحِمٍ" (٤).
وقال ﵇: "لَيْسَ الواصِلُ بالمُكافِئ؛ لَكِنَّ الواصِلَ الذي إِذا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها" (٥).
стр. 420
وقال ﵇: "الصَّدَقَةُ على وَجْهِهَا، واصْطِنَاعُ المَعْرُوفِ، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الرَّحِمَ، تُحَوِّلُ الشَّقَاءَ سَعَادَةً، وتَزِيدُ في العُمُرِ وَتَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ" (١).
واعلم أَن المُرادَ بِصِلَةِ الرَّحم موالاتُهُم ومَحَبَّتُهُم أكثرَ من غيرهم لأَجل قرابتهم، وتأكيدُ المبادرةِ إلى صلحهم عِنْدَ عداوتِهِم، والاجتهادُ في إيصالهم كفايتَهُم بطيبِ نَفسٍ عِنْدَ فَقْرِهِم، والإسراعُ إلى مُساعدتِهم ومعاونَتِهِم عند حاجتِهِم، ومُراعاةُ جَبْرِ خاطِرِهم مع التَّعَطُّفِ والتَّلطُّفِ بهم، وتقديمُهُم في إِجابةِ دعوتِهِم، والتَّواضُعِ معهم من غير ترافع مع غنَاهُ وفقرِهِم وقوتِهِ وَضَعْفِهِم، ومداومةُ مودَّتِهِم وَنُصْحِهِم في كُلِّ شؤونِهِم، والبُداءَةُ بهم في الدَّعوةِ والضِّيافَةِ قبل غيرِهِم، وإيثارُهُم في الإحسانِ والصَّدَقَةِ والهديَّةِ على من سِوَاهُم؛ فإن الصَّدَقَةَ عليهم صدقةٌ وصِلَةٌ، وفي معناها الهديةُ وغيرها.
وَيَتأَكَّدُ فِعْلُ ذلك مع الرَّحِمِ الكاشِحِ أي المُبغِضِ، عَسَاهُ يرجعُ عن بُغْضِهِ إلى مودَّةِ قريبه ومحبتِهِ.
قال ﷺ : "الصَّدَقَةُ على المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعلى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ" (٢).
стр. 421
وقال ﵇: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ؛ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ" (١)
واعلم أن هذا كُلَّه مع الرَّحِمِ الموافِق في الدِّين، أما إذا كان الشَّخْصُ مُسْلِمًا وهم كفار فلا يُوالهم ولا يُوادُّهُم لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... ﴾ [المجادلة: ٢٢]، الآية.
فَصِلْ رَحِمَكَ رَحِمَكَ مَوْلاكَ، وخالف بِذَلِكَ نَفْسَكَ وهواكَ، واصبِرْ على أذاهُم إذ نَبِيُّكَ بِذَلِكَ أوصاكَ، وَأَحْسِنْ إلى من أساءَ إِلَيْكَ منهم تُحْمَدْ بِذَلِكَ عُقْبَاكَ، وَحسِّنْ خُلقَكَ معهم تَنَلْ بِذَلِكَ راحتَكَ ورضاكَ، وتظفرْ بخيْري دُنياكَ وأُخْراكَ، واللهُ المسؤولُ بفضْلِهِ أن
стр. 422
يوفقني لِذَلِكَ وإيَّاكَ (١).
فَصْلٌ في الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال ﷺ : "مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بِهَا عَشْرًا" (٢). وقال ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يُصلِّي عَلَيَّ إلَّا صَلَّتْ عليهِ المَلائِكَةُ ما دامَ يُصَلِّي عَليَّ، فَلْيُقِلَّ العَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ" (٣).
وقال ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ واحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَواتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عشرَ خَطِيئاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ
стр. 423
دَرَجاتٍ" (١).
وقال ﷺ : "مَنْ صَلَّى عليَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢).
وقال ﷺ : "من صلَّى عَليَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَليَّ نائيًا أُبْلِغْتُهُ" (٣).
وقال ﷺ : "مَنْ صلَّى عليَّ صَلاةً كَتَبَ الله له قِيراطًا؛ والقيراطُ مِثْلُ أُحُدٍ" (٤)، وقال ﷺ :
стр. 424
"أَوْلَى النَّاسِ بي يَوْمَ القِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ عليَّ صَلاةً" (١).
وقال ﷺ : "إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه الصَّعْقَةُ، فأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فيه، فإنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فقالوا: يا رسولَ الله وكيف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وقد أَرَمْتَ أي بَليتَ؟ قال: "إنَّ الله حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أن تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء" (٢).
وقال ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليَّ" (٣)، وقال ﷺ : "لا تَجْعَلوا قَبْرِي عيدًا، وَصَلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتَكُمْ تَبْلُغني حيثُ كُنْتُم" (٤).
стр. 425
وقال ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عليَّ إِلَّا رَدَّ الله عليَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇" (١).
وقال ﷺ : "البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصلِّ عليَّ" (٢).
وقال ﷺ : "إنَّ أَبْخَلَ النَّاسِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ" (٣).
وعن فَضالَةَ بنِ عبيدٍ ﵁ قال: سَمِعَ رسول الله ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صَلاتِهِ لَمْ يَحْمَدِ الله تعالى،