← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147311

مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات

ابن بلبان الحنبلي

Полный текст (520 стр.). Показаны 491–520 · переход к 496.

стр. 491

وله تعالى إيلامُ الخَلْقِ وتعذيبهم من غير جُرْمٍ سابقٍ أو ثواب لاحقٍ أو اعتبار لائق، فله أن يفعل بخلقه ما يشاء ويحكم فيهم بما يريد (١)، وكل ذلك منه حسن لأَنهم ملكُهُ وهومالكهم فلا يُسئل عما يفعل وهم يسألون. وله تعجيل الثَّواب والعقاب وتأخيرهما والعفو عن المسلم المذنب وإن لم يتب وعن الكافر إذا أسلم، والمعدوم مخاطب إذا وُجِدَ. ولا يجب عليه سبحانه لخلقه شيء ولا فعل الأَصلح والأَنفع لهم (٢)، ولا يَصِحُّ أن يقال إنما خَلَقَ الخَلْقَ لينفعهم فإن خلق أهل النَّار وتخليدهم وتسليط إبليسَ وجندِهِ عليهم بالضّلال وغيره ليس

стр. 492

لنفعهم، ويَصِحُّ خلق المؤمن لينفعه (١). وهو سبحانه الحاكم بكل حكم، والعقلُ المرعي تَبَعٌ وموافقٌ للنَّقْلِ الشَّرعي، فلا حُسْنَ ولا قُبْحَ ولا شُكْرَ ولا كُفْرَ ولا مَدْحَ ولا ذَمَّ ولا أَمْرَ ولا نَهْيَ إلَّا من الشَّرْع (٢)، فلا تُخْتبَرُ إباحةٌ ولا غيرها إلَّا به فلا حُكْمَ للعَقْلِ في عين ولا غيرها قبل ورود الشَّرعِ. فَصْلٌ والله هو الرَّزَّاقُ من حَلالٍ وحرام، والرِّزْقُ ما يتغذَّى به الحي وينتفعُ به من الأمور المالية. وهو سبحانه أَضَلَّ من شاءَ وهدى من أراد، ولو شاءَ الله لجمعهم على الهدى، ومن يضلل الله فما له من هاد. والإضلال: خَلْقُ الكُفْرِ والضَّلالِ في القلبِ، وخلقُ المحبة لذلك والقدرة عليه، والهِدايةُ كَتْبُ الإيمانِ فيه وتحبيبُهُ والقُدْرَةُ عليه. فهو سبحانه الخالقُ لِكُلِّ مخلوقٍ، والرَّازِقُ كُلَّ مرزوقٍ، والمُحيي كُلَّ حَيٍّ، والمميتُ كُلَّ مَيِّتٍ، والمبقي كُلِّ باقٍ، والمفني

стр. 493

كُلِّ فانٍ، لا رادَّ لحكمِهِ ولا صادَّ عن حتمِهِ، ولا ناقِضَ لما أَبْرَمَ، ولا مُغيّرَ لما أحكم، ولا مُبَدّلَ لما عَلِمَ وَلا مُزيلَ لِمَا قَسَمَ. فَصْلٌ ويستحيلُ من الله تعالى كُلُّ ما هو مستحيلٌ حقيقةً في العَقْلِ مِمَّا لِلْعَقْلِ مَدْخَلٌ في علمِهِ ومجالٌ، فلا يوصفُ سبحانه بالقُدْرة على المُحالِ في حَقِّهِ كالكذبِ والظُّلْمِ ونحوهما، فلا يستحيلُ منه ما هو مستحيلٌ في العَقْلِ، وليس للعَقْلِ مدخلٌ في علمه، كإيجادِ الأَشياء من العَدَم، وعذابِ القَبْرِ ونعيمِهِ. البَابُ الثَّالِثُ: في الأَحكام فيَجِبُ امتثالُ أَمْرِهِ سُبْحانَهُ، واجتنابُ نهيه الجازمين، ويُسَنُّ في غيرهما، ويلزمُ به الطَّاعةُ والخُضوعُ والإخلاصُ في الكُلِّ، ولا يستحقُّ المُطِيعُ على الله ثوابًا، ولا العاصي عِقَابًا بل يثيبُ الطائِعَ بفضلِهِ، ويُعَذِّبُ العاصي بعدله، وإذا عفا فبكرمِهِ وحلمِهِ، فلا نَقْطَعُ لطائعٍ بجنةٍ ولا لعاصٍ بنارٍ، لكن نرجو رحمة الله للطائِعِ، ونخافُ عذابه على العاصي، ونرجو له رحمتَهُ أيضًا. وثوابُ المؤمنِ وعِقَابُ الكافِرِ دائمان شَرْعًا، ومَنْ عَمِلَ حَسَنَةً وسيِّئةً فله سبحانه أن يُثِيبَهُ على حسنتِهِ ويُعاقِبَهُ على سيئتِهِ، ولا يَجِبُ ذلك ففي الشَّخْصِ الواحدِ ثوابٌ وعقابٌ فالثَّوابِ في مقابل طاعته، والعقاب في مقابل معصيتهِ.

стр. 494

فَائِدَةٌ: الأَمْرُ والنَّهي المطلقانِ للفَوْرِ والتِّكرارِ المُمْكِنِ شَرْعًا. فَصْلٌ في الإسلامِ والإيمانِ فالإسلامُ هو الإتيان بالشَّهَادتين مع اعتقادِهِما والتزامُ الأَركانِ الخَمْسَةِ إذا تَعَيَّنت، وتصديقُ الرسول ﵇ فيما جاء به. والكفر جَحْدُ ما لا يتم الإسلام بدونه. ومن فَعَلَ كبيرةً أو داومَ على صغيرةٍ فَسَقَ، فإن استحَلَّ ما ثَبَتَ جَزْمًا أو أُجْمِعَ على تحريمِهِ وهو ظاهِرٌ كَفَرَ. والكبيرةُ ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، والصغيرةُ ما عدا ذلك. ومن كَفَرَ يُسْتَتَابُ ثلاثة أيامٍ فإن لم يتب قُتِلَ. فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ تَبَعًا لأَبويه أو لسابيه أو للدَّار، يلزمه الإتيان بالشَّهادتين إذا بَلَغَ إن لم يكن نَطَقَ بهما قبله. تَنْبِيهٌ: الفِسْقُ لا يُزيلُ الإيمان، لكن لا يقال للفاسق ديِّن ومُتَّقٍ وموفَّقٌ ومُخْلِصٌ ووليُّ الله. والإيمان عقدٌ بالجَنانِ، وقَوْلٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالأَركان، وترك العصيان، يزيد هو وثوابُهُ بالطَّاعَةِ وينقُصُ هو وثوابه بالمعصيةِ، ويَقْوَى بالعلم ويَضْعُفُ بالجَهْلِ والغفلة والنِّسيان.

стр. 495

وقول إن شاء الله فيه سُنَّةٌ لا على الشَّكِّ في الحالِ بل في المآل، أو في قبول بعض الأَعمال أو لخوف التقصير أو كَراهَةٍ لتزكية النَّفْسِ. فَصْلٌ والله مُقَدِّرُ الخَيْر والشَّرِّ والنَّفْعِ والضر، فلا يخرج شيءٌ عن تقديره ولا يصدرُ إلَّا بتدبيرِهِ، وكُلُّ ما علمه أو قضَاهُ أو حَكَمَ به أو أخبر به لا يَتصوَّرُ تغييرُهُ ولا مخالفَتُهُ، ولا يمكن الخُلْفُ فيه بل يستحيلُ، فلا يَتَعَدَّى شيءٌ أَجَلَهُ ولا يتقدمهُ ولا يتغيَّرُ ما خلقَ الله. والمخنُوقُ، والمقتولُ، والغريقُ، والمحروقُ، وأكيلُ الوحش والمَصْلُوبُ والميتُ بِهَدمٍ أو تَردٍّ وشِبْهُها كمن يموت بأجله على حالته، فلا يقطعُ شيءٌ أجل أحدٍ. ويجبُ بوعيدٍ تخليدُ الكافِرِ في النّارِ وبوعدِهِ إخراجُ غيره منها بشفاعة النبي ﷺ أو غيره أو بكرمه سبحانه قبل الاقتصاص وبعده وقبل كماله. فَائِدَةٌ: وتحبطُ المعاصي بالتَّوبة، والكُفْرُ بالإسلامِ، والطَّاعةُ بالرِّدّةِ المتصلة بالموتِ، ولا تحبطُ بغيرها. فَصْلٌ وَتَجِبُ التَّوبَةُ من كُلِّ ذَنْبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ على المُكَلَّفِ فورًا، وتُقْبَلُ فيما عدا الشِّرْكِ، ولا تُقْبَلُ ظاهرًا من مُبْتَدِعٍ داعيةٍ إلى بدعتِهِ

стр. 496

المُضلَّةِ، ولا من ساحِرٍ وزنديقٍ وهو المنافق، ومثله من أظهَرَ الخَيْرَ وأبطنَ الفِسْقَ، فلا تُقْبَلُ منه ظاهِرًا، ولا مِمَّنْ تكررت ردتُهُ أو سَبَّ اللهَ أو رسوله. وهي النَّدَمُ على الذَّنْبِ لأَجل الله لا لأَجل نفع الدنيا أو خوفِ أذى الناس أو خوف سُقوطِهِ مِنْ أعينهم. وشرطها: العَزْمُ أن لا يعود لمعصيةٍ يمكنهُ فِعْلُها، وأن يَرُدَّ المظْلَمَةَ التي تابَ منها وَبَدَّلَها إلى مستحقِّها، أو يعزمَ على ذلك عند العُذْرِ، وأن تكون عن اختيار لا أن يستحِلَّ من غيبة ونحوها مطلقًا، وتَصِحُّ من بعض الذنوب دون بعضٍ. وَمَنْ جَهِلَ ذنبَهُ تابَ مُجْملًا من كل ذنب وخطيئةٍ وما علمه عيَّنَهُ، وقبولُهَا فضلٌ مِنَ اللهِ. ولا يقال لتائب: ظَالِمٌ أو مُسْرِفٌ ونحوُهما. وصفتها: إِني تائِبٌ إلى اللهِ من كذا، أو أسْتَغْفِرُ اللهَ منه، فَيَجِبُ الإتيانُ بإحدى العبارتينِ أو نحوهما. فَائِدَةٌ: ومن لم يَنْدم على ما حُدَّ بِهِ لم يكن حَدُّهُ بِمُجَرَّدِهِ توبةً. فَصْلٌ وتوبةُ المُرْتَدِّ وكُلِّ كافِرٍ إتيانُهُ بالشَّهادتين مع إقرارِ جاحدٍ لِفَرْضٍ أو تحليلٍ أو تحريمٍ أو كتاب أو ملَكٍ أو رسولٍ أو رسالة محمد ﷺ إلى غير العَرَبِ بما جَحَدَهُ، أو قوله: أنا بريء

стр. 497

من كُلِّ دينٍ يُخالِفُ الإسلام أو نحوه، ولا يُغْني قوله: "مُحَمَّدٌ رسول الله" عن كلمة التَّوحيدِ ولو مُقِرًّا به. تَنْبِيهٌ: لو كان في يدِهِ أو ذمته غصوبٌ لا يَعْرِفُ أربابها فَسَلَّمَها إلى الحاكِمِ -ويلزَمُهُ قبولُها- برئَ من عُهْدَتِها، وله الصَّدَقَةُ بها عنهم بشرط ضمانها لصاحبها إن وُجِدَ ويسقطُ عنه إِثْمُ الغَصْبِ، وكذا رهونٌ وودائعُ، وسائرُ الأَماناتِ والأَموال المُحَرَّمَةِ. وليس لمن هي عندَهُ أخذُ شيء منها ولو فقيرًا، ولذا لو تَصَدَّقَ بالمال المذكور ثُمَّ حَضَرَ المالك خُيِّر بين الأَجر وبين أخذه من المتصدِّقِ، فإن اختارَ الأَخذَ فله ذلك والأَجر للمُتَصَدِّقِ، ولو نوى جحد ما بيدِهِ من ذلك أو نوى جَحْدَ حَقٍّ عليه في حياة ربه فثوابُهُ له وإلَّا فلورثته، ولو نَدِمَ وردَّ ما غصبَهُ ونحوه على الورثة بَرِئَ من إثْمِهِ لا من إِثْمِ الغَصْبِ، ولو رده وارثُ الغَاصِبِ فللمغصُوبِ منه مطالبتُهُ في الآخرَةِ نصًّا عن الإمام أحمد. تَتِمَّةٌ: وتَصِحُّ تَوْبَةُ الأَقْطَعِ عن السَّرِقَةِ، والمجبوبِ عن الزِّنا، والمقطوع اللِّسان عن القَذْفِ ونحوهم. وتقبَلُ التَّوبةُ ما لم يعاين التائب مَلَكَ الموت، وتَصِحُّ مِمَّن نَقَضَ توبَتَهُ ما لم يَعْزِمْ على مثل ما تَابَ منه. ومن ترَكَ التَّوبة الواجبة مع القُدْرَةِ عليها والعلم بوجُوبِها لزمتْهُ التَّوبة من تركِ التَّوبة.

стр. 498

خاتِمَةٌ: لا يَكْفُرُ أَحَدٌ من أهلِ القِبْلَةِ بذنبٍ ولو عَمِلَ الكبائر ما لم يَسْتَحِلَّ مُجْمَعًا عليه ظاهرًا. فَصْلٌ ويَجِبُ الإيمانُ بالقضاءِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ ومُرِّهِ، وبأَنَّ ما أصاب العَبْدَ لم يكن لِيُخْطِئَهُ وما أخطأَهُ لم يكن ليصيبَهُ، وبأن الله تعالى قَضَى المَعَاصي والمكروهَ وَقَدَّرَ ذَلِكَ وكتبَهُ على خلقه ولم يأمُرْهم به ولا ألزمهم إيّاهُ، بل نهاهم عنه وعن الرِّضى به، وبِكُلِّ مُحَرَّمٍ ومكروهٍ لأَنَّهُ لا يرضى لعباده الكفر، وَينْهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وَكَرَّهَ إلى عبادِهِ المؤمنين الكُفْرَ والفُسُوق والعصيان فضلًا من الله ونعمة (١). البَابُ الرَّابعِ: في بَقِيَّةِ السَّمْعياتِ فَيَجِبُ الإيمان جَزْمًا بالرَّقيب والعتيد، وهما ملكان مُوكَّلان بالعبْدِ يكتبانِ أفعالَهُ ولا يفارقانِهِ بحالٍ، وقيل: بلى عند الخلاءِ، وبالسَّاعَةِ وأشراطها من الدَّجال ويأجوجَ ومأجوجَ، ونزولِ عيسى، وخروجِ النَّارِ، والدَّابةِ، وبالصَّعْقَةِ، والحَشْرِ والنَّشْرِ لِكُلِّ ذي روحٍ، وبإحياءِ المَيْتِ في قَبْرِهِ وضغطته فيه وَرَدِّ روحه إلى جَسَدِهِ بعينه قبل فنائه وبعده، وبكلامِهِ فيه لِمُنكرٍ ونكيرٍ وسُؤالهما له، وهما ملكانِ

стр. 499

يَلِجانِ على المَيِّتِ يبشرانِهِ أو يُحَذِّرانِهِ، وثوابِ الميت وعقابِهِ وهما للرُّوح والجَسَدِ. ونُؤْمِنُ بأن الميت يعلمُ بزائره، ويتأكد ذَلِكَ يَوْم الجُمُعة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشَّمْسِ، وبأن أرواح المسلمين في حواصل طيرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ في الجَنَّة، وأرواحُ الكُفَّارِ في حواصِلِ طير سودٍ تَعْلُقُ في النَّارِ. فَائِدَةٌ: الأَرواحُ مخلوقَةٌ للهِ والقولُ بِقِدَمِها كُفْرٌ. ونؤمنُ بأن كُلَّ أَحَدٍ يعلمُ مَصيرَهُ قبل موتِهِ، وبأن المَيِّتَ يُعْرَضُ عليه مقعده بالغداةِ والعَشِيِّ في الجنّةِ إن كان من أهلها وفي النار إن كان من أهلها، ويقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله إلى يوم القيامة، ونُؤْمِنُ بأن الميزان الذي تُوزَنُ بِهِ الحسناتُ والسَّيئاتُ حَقٌّ، وله لسانٌ وكفّان توزنُ بهما صحائِفُ الأَعمال. قال ابن عباس: توزنُ الحسنات في أحسنِ صُورَةٍ والسيئاتُ في أَقْبَحِ صورةٍ. وبأن المعاد الجسماني وهو إعادة الأَجسام بعد إعدامها حَقٌّ. فَصْلٌ ويُحاسَبُ المسلمونَ المُكَلَّفونَ إلَّا من شاءَ اللهُ أن يدخِلَهُ الجَنَّةَ بغيرِ حساب. وكُلُّ مُكَلَّفٍ مسؤولٌ، ويَسْأَلُ من شاءَ من الرُّسُلِ عن تبليغِ الرِّسالَةِ ومن شاء مِنَ الكُفَّارِ عن تكذيب الرُّسُلِ. فالكفارُ لا يُحاسبونَ

стр. 500

فلا تُوزَنُ صحائِفُهُم، وإن فَعَلَ كافِرٌ قُرْبَةً من نحوِ عتقٍ أو صدقةٍ أو ظلَمَهُ مُسْلِمٌ رجونا له أن يُخَفَّفَ عنه العذاب. ونُؤْمِنُ بأن الصِّراطَ حَقٌّ وهو جِسْرٌ ممدودٌ على جَهَنَّمَ دَحِضٌ مَزَلَّةٌ، أَحَدُّ مِنَ السّيفِ وأدَقُّ من الشَّعْرِ وأَحَرُّ من الجَمْرِ، عليه خَطَاطِيفُ تأخُذُ الأَقدامَ، وعبورُهُ بِحَسَبِ الأَعمال، فَمُشَاةً ورُكْبانًا وزحافًا، يَمُرُّ عليه المُسْلِمُ والكافِرُ فيجوزُهُ المُسْلِمُ كالبَرْقِ والرِّيحِ وأجاودِ الخَيْلِ والرُّكْبانِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ ومخدوشٌ، وغيرُ ناجٍ مكدوسٌ في النَّارِ. ونُؤْمِنُ ونُصَدِّقُ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارِ حَقٌّ وهُما وما فيهما مخلوقتان الآن، خُلقتا لِلبَقَاءِ، وأهلُ الجَنَّةِ لا يَبُولونَ ولا يَتَغوطونَ ولا يَتْفُلُونَ ولا يتمخطونَ، بل يَرْشَحونَ رَشْحًا كريح المِسْكِ، وبأنَّ المقامَ المَحْمودَ لنبينا ﷺ حَقٌّ وصِدْقٌ وهو: أن اللهَ يُقْعِدُهُ على العَرْشِ (١) رَفْعًا لمقامه ﷺ وتمييزًا له على سائِرِ الخَلْقِ، أو الشَّفَاعَةُ العُظْمى. وبأنَّ الحَوْضَ حَقٌّ، وهو نَهْرٌ ماؤهُ أَحْلَى من العَسَلِ وَأَشَدُّ بياضًا من اللَّبَنِ، آنيتُهُ عَدَدُ نجوم السَّماءِ يَشْرَبُ منه المؤمنون قبل دخول

стр. 501

الجَنَّةِ وبعد جوازِ الصِّراطِ، عَرْضُهُ مسيرةُ شَهْرٍ، من شَرِبَ منه شربةً لا يَظْمَأُ بعدَهَا أبدًا، فيه ميزابانِ يَصُبَّانِ من الكَوْثَرِ. وبأن الصُّحُفَ، والشفاعةَ من الأَنبياء والعلماء والشُّهداء وبقية المؤمنينَ، والعَرْضَ والمساءلةَ والحِساب، وقراءةَ الكُتُبِ، وشهادَةَ الأَعضاءِ والجلود، والجزاءَ والعَفْوَ حَقٌّ وصِدْقٌ لا شُبْهَةَ لأَحَدٍ في شيءٍ من ذلك، وإعادةُ المجانين والبهائِم وَحَشْرُها جائزٌ، والقِصاصُ بين بني آدم وسائر الحيوانات حَتَّى لِلذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ حَقٌّ وصِدْقٌ. فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ المُحاسَبُ يُعْطى كتابُهُ بيمينِهِ، والفَاسِقُ بشمالِهِ من أمامِهِ، والكافِرُ من وراءِ ظَهْرِهِ بشمالِهِ. فَصْلٌ ونُؤْمِنُ بأنَّه لا عَدْوى ولا طيرةَ ولا هَامَةَ ولا نَوْءَ ولا صَفَرَ، وبأنَّ الملائِكَةَ والكُتُبَ المنزلة والأَنبياء والرُّسُلَ حَقٌّ، وبأنَّ إبليسَ ووسواسَهُ بالكفْرِ والمعصيةِ والقُبْحِ حَقٌّ، وبأنَّ الشياطينَ والغُولَ حَقٌّ، وتجوزُ رؤيتهُم، والغيلانُ: شَجَرةُ الجِنِّ، قال سيدنا عمر بن الخطاب: "إذا رأيتُمُ الغيلانَ فاهتُفُوا بالأَذانِ" (١) يريدُ رؤية أشخَاصِهِم أو سَمَاع حِسِّهِم أو ما يخرج مِنْهُم من النَّارِ.

стр. 502

فَائِدَةٌ: والجنُّ مُكَلَّفُونَ يَدْخُلُ مؤمِنُهم الجَنَّةَ وكافرُهُم النَّار، ويأكُلُونَ وَيَشْرَبونَ ويَتَناكحونَ، وهم أجسامٌ مُؤَلَّفَةٌ وأشخاصٌ مُمَثَّلَةٌ. ونُؤْمِنُ بأن العَيْنَ حَقٌّ، وبأنّ السِّحْرَ ثابتٌ موجودٌ له حقيقةٌ يَكْفُرُ مُعَلِّمَهُ ومُتَعَلِّمهُ، ويكفُرُ أيضًا المُنَجِّمُ وَمَنْ صَدَّقَهُ أو اعتقد تأثيرَ النُّجومِ أو تأثيرَ شيءٍ غَيْرِ اللهِ أو اعتقد عِلْمَ الغَيْبِ. البَابُ الخَامِسُ: في النُّبُوّةِ والإمَامَةِ فَصْلٌ في النُّبُوّةِ ويجوزُ أن يَتَفَضَّلَ اللهُ بإرسالِ الرُّسُلِ إلى العباد لتكونَ وسائطَ بَيْنَهُم وبين رَبِّهِم المَلِكِ الجَوادِ، فإرسالهم رحمةٌ عامَّةٌ ونِعْمَةٌ من اللهِ دائمةٌ؛ إِذْ بهم تحصلُ الهداية وترتفِعُ الغَواية، ومنهم يستمدُّ الخَلْقُ وبِهِمْ يُعْرَفُ الملكُ الحَقُّ، ولا شَكَّ أن بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ من بَعْضٍ. ونَجْزِمُ بأنَّ نبينا محمد ﷺ بن عبد الله رسول الله حقًّا إلى الجنِّ والإنْسِ كافةً، وأنَّه خاتَمُ الأَنبياء والمرسلين وأفضلهُمْ أجمعين، وأعلمُهُم وأكرمهم وأشْجَعُهُم وأرقَى من جميعهم في كُلِّ كمالٍ عن يقين، فعليه وعليهم أزكى صلاةٍ وأَنْماها كُلَّ وقت إلى يوم الدِّين. وأنَّه مَخصوصٌ بالمقام المحمود، وأنَّه لم يكن قبل البعثة على دين قومه بل ولد ﷺ مُسْلِمًا مؤمنًا، وأن المُعجِزَةَ

стр. 503

القَاطِعَة المُعْتَبرةَ لصدقِهِ وُجِدتَ دالَّةً على نُبوَّتِهِ مقترنةً بدعوتِهِ، وهي ما خرَقَ العادَة من قَوْلٍ أو فعل إذا وافق دعوى الرِّسالة وقارنها وطابقها على جهة التَّحدي ابتداءً، لا يقدر أَحَدٌ عليها ولا على مثلها ولا ما يقاربها، ولا يجوزُ ظُهورُها على يَدِ كاذبٍ بدعوى النُّبوةِ. فَائِدَةٌ: ونَعْلَمُ أنَّه ﷺ كان يخافُ عِقابَ اللهِ قبل أن يُؤمِنَهُ مِنْهُ، ويخافُ لَوْمَهُ وعِتَابَه بعدَ ذلك، وأن أُصولَ شرعِهِ وما لابدَّ منهُ فيه منقولٌ إلينا من جهته قَطْعًا، وأنه ﷺ معصومٌ فيما يُؤَدِّي عن الله سبحانه، وكذا من كُلِّ ذَنْبٍ، وكذا سائر الأَنبياء، ولا تَجِبُ العِصْمَةُ لغيرهم، ولا تمتنع بل تجوز (١). تَنْبِيهٌ: ولا يجوز التَّناقُضُ من الأَنبياءِ في صفاتِ الله سبحانه ووحدانيته ونحو ذلك، ومن شَهِدَ لَهُ رسولُ الله ﷺ بِجنّةٍ أو نارٍ فهو كما قال قطعًا، ولا نَقْطَعُ لِغَيْرِهِمْ بشيءٍ من ذلك لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء ونرجو لَهُ ونَكِلُ أَمْرَهُما إِلى الله سبحانه. فَصْلٌ وكراماتُ الأَولياءِ حَقٌّ وهي خرقُ العادَةِ لا على وجه الاستدعاءِ لها والتَّحدي بها والدعاء إليه، ولا عِنْدَ استدعائها منه عن نفسِهِ أو عن

стр. 504

اللهِ، ولا تَدُلُّ على صِدْقٍ من ظَهَرتْ على يديه، ولا على ولايتِهِ لجوازِ سَلْبِها، وأن تكونَ استدراجًا ومكرًا به، وتعم الرِّجال والنِّساء، والأولى أن يكتُمَها ويستُرَها غالبًا، ويُسِرَّها ولا يُساكنها، ولا يقطعُ هو بكرامتِهِ بها ولا يدعيها، وتظهَرُ بلا طلبه تشريفًا له ظاهرًا، ولا نَعلم من ظهَرَتْ له ولا غيرَهُ أنَّهُ ولي الله غالبًا بذلك. ولا يلزَمُ من صحةِ الكرامةِ صِدْقُ من يَدَّعيها بدون بينةٍ أو قرائنَ جَليَّةٍ تفيدُ الجَزْمَ بذلك، وإن مَشَى على الماءِ أو طارَ في الهواءِ أو سُخِّرت له الجنُ والسِّبَاعُ حَتَّى تُنْظَرَ خاتمتُهُ وموافقته للشَّرْعِ في الأَمر والنَّهي، فإن ظَهَرتْ لجاهِل أو فاسِقٍ فهي مكرٌ وإغواءٌ من إبليسَ وإضلالٌ وإزلالٌ، ولا شيءَ على من ظَنَّ الخَيْرَ بمن ظهَرتْ له وهو كذلك، وأما حُسْنُ الظنِّ بأهل الدِّين فهو حسنٌ ممدوحٌ دنيا وأُخرى. فَائِدَةٌ: الأَنبياءُ أَفْضَلُ من الأَولياءِ، وهُما أَفْضَلُ من الملائِكَةِ. فَصْلٌ والرؤيا منها الصَّالحةُ وهي جُزءٌ من أجزاء النُّبُوةِ وهي المبشرات يَرَاهَا المؤمنُ وتُرى له، وهي كلامٌ يكلِّمُهُ اللهُ للمؤمِنِ، ومنها أضغاثُ أحلام، وثَمَرَةُ أخلاط وما يكون من الشيطانِ وسوسةً وَتَحْزينًا، ومنها ما يكون من حديث النَّفْسِ وإلهامها وتوهُّمِها.

стр. 505

فَصْلٌ في الإِمَامِةِ فَيَجِبُ إِقامَةُ الإمامِ شَرْعًا، وهي مرتبةٌ دينية عامَّةٌ، وهي فَرْضُ كفايَةٍ، وتتعيَّنُ على من هو أهْلُها وليس غيرُهُ، وَيقْرَعُ مع التَّساوي، وإن صار الفاضِلُ بعد الولاية مَفْضُولًا لم يضرَّ مطلقًا. والإمامُ من قامَ مقامَ النَّبِيِّ ﷺ من قُريشٍ في إقامَتِهِ قانونَ الشَّرْعِ من إقامَةِ الحَقِّ، ودحضِ الباطِلِ، وإقامَةِ الحَجِّ والغَزْو وسائرِ العباداتِ، وإقامَةِ الحُدودِ، وإنصافِ المظلوم، والأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وحراسة الأُمَةِ، وحمايَةِ الشَّريعَةِ، وجمعِ الكَلِمَةِ، ومعرفَةِ الأَحكامِ، وصحَّةِ التنفيذِ والتَّدبير، وإيثار الطَّاعَةِ، وأخذ الخَرَاجِ والفيءِ والزَّكاةِ ونحوها، وصرفِ المالِ في جهاتِهِ، وغير ذلك من الأُمور المُتَعَلِّقَةِ به. وَتَجِبُ طاعتُهُ في الطَّاعَةِ وتَحْرُمُ في المَعْصيةِ، وتُسَنُّ في المسنونِ، وتكْرَهُ في المكروهِ. فَصْلٌ وَتَثْبتُ الإمامة بالنَّصِّ والاجتهادِ والاختيار، وبالغلَبةِ تارةً ممن يَصْلحُ لها، وتنعقِدُ باتفاقِ أهل الحلِّ والعَقْدِ عليه بشرط كونهم عُدولًا يعرفون من يَصلُحُ لها وَيَسْتَحِقُّهَا وأولى بها وأصلح للنَّاسِ والدِّين من غيره، وأهل بلدِهِ كغيرِهِم، ولا تَنْعَقِدُ لأَكثرَ من واحدٍ، وشُرِط أن

стр. 506

يكونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا، عَدْلًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، عالمًا بأحكامِ الشَّرْعِ، خَبيرًا بتدبير الأُمور، قادِرًا على إيصالِ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّهِ وعلى سائِرِ ما يتعلقُ به، ذَكَرًا شُجاعًا مطاعَ الأَمر، نافِذَ الحُكْمِ قُرَشيًا، فإن طَرَأَ له عجز عما لا بدَّ له منه وَجَبَ عليه عَزْلُ نفسِهِ، فإن أبى لَزِمَ النَّاسَ عَزْلُهُ. ولا يجوزُ الخروج عليه وإن كان فاسقًا؛ لما في ذلك من المفسدة العظيمة على الخَلْقِ، بل نصلي خلفَهُ ونَحُجُّ مَعه ونُعطيه الزَّكاة والخراجَ والعُشْرَ ونحو ذلك وندعوا له بالصَّلاح. وإذا صحَّت البيعةُ فليس لأَحَدٍ فَسْخُها. فَصْلٌ وَخَيْرُ النَّاس بعد رسول الله صَلَّى اللةُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفضلهم أبو بكر الصدِّيقُ، وهو ﵁ أَوَّلُ من وليَ الخِلافَة بالاستحقاقِ، وأَوَّلُ الأَئمة على الإطلاق، والأَحقُّ بها من جميع الخَلْقِ بالاتفاق، ثُمَّ عمر بن الخطاب فهو ثاني الخلفاء والأَئمة بلا شك ولا ارتياب، ثُمَّ عثْمان بن عفان فهو ثالث الخلفاء والأَئمة عند العلماء الأَعيان، ثُمَّ عليُّ بن أبي طالب فهو رابعُهُم في الخلافَةِ والإمامَةِ والتَفْضيلِ، وقد تَشَرَّفَتْ الخلافَةُ ببعضِ ما فيه من العلم والزُّهْدِ والوَرَعِ والعَدْلِ والتّكميل. ثُمَّ بقيةُ العَشَرَةِ وهم: طلحةُ، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص،

стр. 507

وعبدُ الرحمن بن عوفٍ، وسعيدُ بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح، ثُمَّ بَعْدُهم في الفَضْلِ أَهْلُ بَدْرِ من المهاجرين ثُمَّ الأَنصار على قدر الهجرةِ أوّلًا فأوَّلًا، ثُمَّ سائر أصحاب رسول الله ﷺ ولهم رُتبٌ، ومعاوية ﵁ من أجلّهم وأفضلهم وهو الإمام بعد سيدنا عليّ وابنه الحسن ﵃ أجمعين، ثمَّ التابعون ثُمَّ تابعوهم بإحسانِ، ثُمَّ اللهُ أعلم بمن هو خير. وعائشة ﵂ أَفْضَلُ النساء ثُمَّ خديجةُ ثُمَّ فاطمةُ. تَنْبِيهٌ: ويَجِبُ حُبُّ كُلِّ الصَّحابِةِ والكفُّ عما وقع بينهم كتابةً وقِراءةً وَسَماعًا وتسميعًا. ويجبُ ذِكْرُ محاسِنِهِم والإمساكُ عن مساوئِهم، ويَحْرُمُ التَّحامُلُ عليهم. ويَجِبُ التَّرَضي عنهم واعتقادُ العُذْرِ لهم لأَنهم ما فعلوا شيئًا إلَّا باجتهادِ سائغٍ يثابون عليه، مُصيبُهم بأجرين ومُخطئهُم بأجرٍ، فمن سَبَّ أحدًا منهم مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وإن لم يستحلَّ فَسَقَ، وعنه: يَكْفُرُ مطلقًا، وإن فَسَّقَهُمْ أو طَعَنَ في دينهم كَفَرَ. ومن فَضَّلَ سيدنا عليًّا على أبي بكر أو عمر أو قَدَّمَهُ على واحدٍ منهما في الفضيلة والإمامة دون النَّسَبِ فهو رافضيٌّ مُبْتَدع فَاسِقٌ غَيْرُ كافرٍ، ومن أنكر صُحْبَة أبي بكر أو قَذَف عائشة أو غيرها من أزواجه ﵇ أو اعتقد أن جبريل غَلِطَ في الوحي كَفَرَ.

стр. 508

فَصْلٌ في المُرْتَدِ وهو من كَفَرَ ولو مُميزًا طَوْعًا ولو هَازِلًا بعد إسلامه. فمن ادَّعى النُّبُوة أو أشركَ باللهِ تعالى أو سبَّهُ، أو سَبَّ رسولًا أو ملَكًا أو جَحَدَ ربوبيته أو وحدانيته أو صفةً له، أو كتابًا أو رسولًا أو ملكًا له، أو وجوبَ عبادةٍ من الخَمْس والطَّهَارَةِ، أو حُكْمًا ظاهرًا مُجْمَعًا عليه إجماعًا قطعيًا كتحريم الزِّنا أو لَحْمِ الخنزير، أو جَحَدَ حِلَّ الخُبْزِ ونحوه كاللَّحْمِ والسَّمْنِ وغير ذلك، أو شَكَّ فيه ومثله لا يجهلُهُ أو يجهلُهُ وعُرِّفَ فَأَصَرَّ، أو سَجَدَ لكَوْكَبٍ أو صَنَمٍ أو غيرهما، أو أَتَى بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين، أو امتهنَ القرآنَ، أو ادّعى اختلاقَهُ أو القدْرَة على مِثْلِهِ، أو أَسْقَطَ حرمتَهُ كَفَرَ. ولا يكفُرُ من حَكَى كُفْرًا سمِعَهُ ولم يَعْتَقِدْهُ. فمن ارتدَّ وهو مُكَلَّفٌ مُخْتارٌ ولو أنثى دُعِيَ إلى الإسلام واستُتيبَ ثلاثة أيامٍ وجُوبًا، وينبغي أن يضيَّقَ ويُحبَسَ، فإن لم يتُبْ قُتِلَ بالسَّيْفِ، ولا يقتلُهُ إلَّا الإمامُ أو نائبُهُ، فإن قَتَلَهُ غيرُهُما بلا إذنِ واحدٍ منهما أساء وعُزِّر ولا ضمان. وَأَشَدُّ الذُّنوبِ الكُفْرُ ثُمَّ القَتْلُ بِغَيْرِ حقٍّ ثُمَّ الزِّنا واللواطُ ثُمَّ بقيةُ

стр. 509

الكبائر كالسِّحْرِ والرِّبا، وعقوقِ الوالدين، والقذف، وشُرْبِ الخَمْرِ، والفرارِ يوم الزَّحْفِ، والغيبَةِ والنَّميمَةِ وما أشبه ذلك، ولا شَكَّ أن بَعْضَ الكبائر أَعْظَمُ من بَعْضٍ، وأن الصغائِرَ دونَ الكبائر ما لم تتكرر وإثْمُها متفاوت أيضًا، والله أعلم. وصيَّة نافعة إن شاء الله تعالى حيثُ عَلِمْتَ يا أخي أن الاشتغالَ بالعِلْمِ من أفضلِ الطَّاعاتِ، وأَعْظَمِ القرُباتِ، وأنْفَعِ العباداتِ بل ينبغي أن يكون أفضلها على الإطلاق لتوقف معرفتها وصحتِها عليه بالاتفاق، فاعلم وفقني الله وإيَّاك أنَّه ليس المراد بالعِلْمِ مجردَ الاشتغال به، والإقبال عليه من القراءة والإقراءِ والكِتَابةِ والتَّأْليف وغير ذلك بلا عَمَلٍ يقودُ إِليه، وإنَّما المقصودُ الأَعظمُ منه الحِرْصُ على إحْكامِ العَمَلِ مع تطهير النُّفُّوسِ من المعاصي والزَّللِ، وتنزيهِهَا عن القبابح والرَّذائِلِ، وتبعيدِها عن القَواطعِ عن الله والشَّواغِلِ، وتصفيتِها من المعائب بالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ والإخلاص، والسَّعي التَّامِّ على ما فيه في الدَّارين النِّجاةُ والخلاصُ. فَفَرْضٌ على كُلِّ عاقِلٍ أن يكونَ مُهْتَمًا غايةَ الاهتمامِ بتحصيلِ ما فيه صلاحُ نَفْسِهِ ومُوجِبُ عدالتها عند الله وبين الأَنام، وأن يكون ساعيًا بجدٍّ واجتهاد في تفريغ قَلْبِهِ من قاذوراتِ الكِبْرِ والبُغْضِ والحَسَدِ والعناد، وأن يكون مُقْبِلًا على مولاهُ في سائِر الأَطوارِ مُعْرِضًا عن جمِيع الأَضدادِ والأَغيار، فإن كان كذلك فَهُوَ في الدُّنيا والأُخرى

стр. 510

حَميدٌ وسَعيدٌ، وكيفَمَا تَوَجّهَ رشيدٌ وسديدٌ، وإلَّا فهو شَقيٌّ وطريدٌ، وعن كُلِّ خَيْر قصيٌّ وبعيدٌ، وإن كان مُكِبًّا على العِلْمِ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهَارِ معتنيًا بتحصيله غاية الاعتناء في السِّرِّ والجهار، إذ اشتغالُهُ به الأَوقاتِ ما أفادَهُ إلَّا مزيدَ غَضَبِ رَبِّ الأَرْضِ والسَّمَواتِ. وحيثُ عَلِمتَ هذا فاعلم أنَّ مِنَ الفَرَائِضِ المُحَتِّمَةِ والواجبات المؤكَّدَةِ صَوْنَ اللِّسانِ عن الكَذِبِ والزُّورِ والفحشاءِ والغِيبَةِ والنَمِيمَةِ والباطِلِ، ومن المحرمات دماءُ المسلمين وأموالُهُم وأعراضُهُم إلَّا بحقِّهَا، فلا يَحِلُّ دَمُ المُسْلِمِ إلَّا أن يكفرَ بعد إيمانِهِ، أو يَزْنيَ بعد إحصانِهِ، أو يقتُلَ نَفْسًا بغير نَفْسٍ، وفرضٌ على كُلِّ أَحدٍ كَفُّ يَدِهِ عمَّا لا يَحِلُّ من مالٍ أو جَسَدٍ أو دمٍ. ويحرُمُ على كُلِّ أَحَدٍ أن يسعى بقدمِهِ إلى ما لا يَحِلُّ له، وأن يُباشِرَ بِجَسَدِهِ أو فَرْجِهِ ما لا يَحِلُّ له، وأن يَسْمَعَ ما لا يَحِلُّ له سماعُهُ من غيبَةٍ ونميمَةٍ وكَذِبَةٍ وغير ذلك، وأن يُبْصِرَ بعينِهِ ما لا يَحِلُّ له كالنَّظَرَ إلى الأَمردِ بِشَهْوَةٍ عند الأَكثر ومطلقًا عند كثيرين أو إِلى الأَجنَبية مُطْلقًا؛ لأَن الله تعالى حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ. وَفَرْضٌ على كُلِّ أَحَدٍ أن يَكُفّ جميعَ شَرِّهِ عن جميع خَلْقِ الله، فلا يُؤْذِيَ أَحَدًا بيدٍ، ولا رِجْلٍ، ولا لِسَانٍ، ولا عَيْنٍ، ولا سَمْعِ، ولا اعتِقادٍ، ولا في مالٍ وإن قَلَّ كَخَرْدَلَةٍ، ولا عِرْضٍ وإن سَهُلَ، ولا في شيءٍ من الأَشياءِ مطلقًا.

стр. 511

وليُحْسِن إلى جميع خلقِ اللهِ ما استطاعَ إن الله يُحِبُّ المحسنين. وعَلَيْكَ بِأَكْلِ الطَّيِّبِ وهو الحلال لأَن ذلك أساسُ العِباداتِ كُلِّها، وعمادُ الخَيْراتِ بِأَسْرِها، فليهتَمَّ بذلك العاقِلُ أَعْظَمَ الاهتمام إن رامَ سلامةَ دينِهِ على الدَّوامِ، وإن فَرَّطَ في ذلك وتساهَلَ ولم يُبَالِ من أين يتناوله فقد تَعِسَ وخابَ وخَسِرَ واجترم، وسينْدَمُ حين لا ينفعُهُ النَّدَمُ. واجْتَهِدْ رَحِمَكَ الله غايَة الاجتهادِ أن يكون ذلك من كَسْبِكَ المُبَاحِ لأَن أفضل ما أَكَلَ المرءُ من كَسْبِهِ باتفاقِ علماءِ الإسلام كما أرشدَ إلى ذلك النبي ﵊، وهكذا ما تلبسُهُ وتنامُ عليه، وكُلُّ ما تنفِقُهُ فرضٌ عَلَيْكَ أن يكون كُلُّ ذلك من الحلال. فلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يَأْكُلَ إلَّا حلالًا، ولا يَشْرَبَ إلَّا حلالًا، ولا يسكُنَ ولا يركب إلَّا حلالًا، ولا يَسْتَعْمِلَ شيئًا مِمَّا يُنْتَفعُ به إلًا حلالًا. واعلم أن وراء الحَلالِ أمورًا مشتبهاتٍ من تركَهَا سَلِمَ ومَنْ أخذ بشيءٍ منها كان كالرَّاعي حَولَ الحِمى يُوشِكُ أن يَقَعَ فيه. وحَرَّمَ الله أَكْلَ المالِ بالباطِل، ومِنَ الباطل الغَصْبُ والتَّعدي والخيانَةُ والرِّبا والقِمارُ والغَررُ والنَّجْشُ والخديعة. وحَرَّمَ سبحانه أكل الميتةِ والدَّمِ وَلَحْمِ الخِنْزيرِ وما أهلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ وما ذُبِحَ على النُّصُبِ.

стр. 512

والخَمْرُ نَجِسَةُ العَيْن قَد حَرَّمَ الله قليلها وكثيرَها كيف ما كان على أيِّ وجهٍ كان، وبيَّنَ رسول الله ﷺ أنَّ الخمر أمُّ الفواحِشِ وأكْبَرُ الكبائر (١) وأن من شربها لم تُقبل صلاته أربعين يومًا (٢)، وبيَّن ﵇ أن ما أسكَرَ كثيرهُ من الأَشْرِبَةِ فقليلُهُ حرامٌ (٣) وكُلُّ ما خامَرَ العَقْل وأسْكَرَ من كُلِّ شرابٍ فهو خمر. وما حَرُمَ حَرُمَ بَيْعُهُ وأَكْلُ ثَمَنِهِ والانتفاعُ بهِ. والحشيشَةُ نَجِسَة يَحْرُمُ قليلُهَا وكثيرُها وهي عِنْدَ شيخِ الإسلامِ ابن تَيميَةِ كالخَمْرِ حَتَّى في وجوب الحَدِّ (٤). ومن أَعْظَمِ الواجباتِ بِرُّ الوالدين وإن كانا فاسقين، وطاعتُهُما في غَيْرِ معصيةِ الله تعالى وإن كانا عاصيين، فإن كانا كافرين فليصاحِبْهُما في الدُّنيا معروفًا، ولا يطعهما في معصية الله تعالى، إذْ لا طاعَةَ لمخلوقٍ في معصية الخَالِقِ.

стр. 513

وعلى الوالدينِ أن يُعَلِّمَا ولدَهُما القراءَةَ والكِتَابَةَ، وما ينتفعُ به في دينِهِ من الفَرائِضِ والسُّنَنِ، وإن وَرَّثَاهُ أن يُوَرِّثَاهُ حَلالًا وإلَّا فرزقُهُ على اللهِ خالِقِهِ ورازقِهِ لا عليهما فيكِلانِ أَمْرَهُ في رزقِهِ وغيره إلى اللهِ سبحانه إِذْ ما من دابةٍ في الأَرض إلَّا على الله رزقها ويعلم مُسْتَقرَّهَا ومُسْتَوْدَعَها. وعلى المؤمن أن يستغفرَ الله سبحانِهِ لأَبويه المؤمنين، ويَحْرُمُ استغفارُهُ للكافر منهما، وعليه أن يَصِلَ رَحِمَهُ، وَتَتَأَكَّدُ صِلَةُ الرَّحِمِ الكاشِحِ أي المُبْغِضِ، وعليه موالاةُ المؤمنينَ والنَّصيحةُ لهم، وعليه أيضًا النَّصيحَةُ لإمامِهِ وطاعتُهُ في غَيْرِ معصية الله تعالى، والذَّبُّ عنه، والجهادُ بين يديه إذا كان قادرًا، وعليه اعتقادُ إِمامَتِهِ فإن من فارقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ من عُنُقِهِ، وإن باتَ ليلةً لا يعتقدُ فيها إمامته فمات على ذَلِكَ كانت ميتتهُ على ذلك ميتةً جاهليةً. ولا يبلُغُ أَحَدٌ حقيقةَ الإيمانِ حَتَّى يُحِبَّ لأَخيه المؤمن ما يحب لنفسه من الخَيْرِ، ولا حقيقةَ الوَرَع حَتَّى يَدَع ما لا بَأْسَ به خَوْفًا من أن يَجُرَّهُ إلى ما به بأْسٌ. ومِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يعنيه. ومن حَقِّ المؤمنِ على المؤمن أن يُسَلِّمَ عليه إذا لَقِيَهُ، ويعُودَهُ إذا مَرِضَ، ويُشَمتَهُ إذا عَطَسَ فَحَمِدَ الله تعالى، وأن يَشْهَدَ جنازتَهُ إذا

стр. 514

مات، ويحفظَهُ إذا غابَ في السِّرِ والعلانية، ولا يهجرُ أخاه فَوْقَ ثلاثِ ليالٍ، والسَّلامُ عليه يخرجُهُ من ذَلِكَ، لكن يتأكَّد في حَقِّهِ أن يُكَلِّمَهُ بعد ذَلِكَ. والهجرانُ المأذونُ فيه هَجْرُ ذوي البِدَعِ، والمُجاهرينَ بالمعاصي ولا يَقْدِرُ على موعِظَتِهم أو لا يقبلونها مِنْهُ، ولا غيبةَ لهؤلاءِ في ذِكْرِ حالهم على وَجْهِ النَصيحَةِ كَذِكْرِ حالِ المُشَاورِ فيه لأَجْلِ نِكَاحٍ أو شَرِكَةٍ أو مُعَامَلَةٍ أو غير ذلك، وبيان ذلك فرضٌ لوجوبِ النَّصيحَةِ. ومن مكارِمِ الأَخلاقِ أن تعفو عن من ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ من حَرَمَكَ، وتَصِلَ من قَطَعَكَ. وَعَلَيْكَ بالصَّدَقَةِ، وأَفْضَلُ الصَّدَقة على ذي الرَّحِمِ الكاشِح أي المُعادي المُباغِض، وحسنُ الجوار مأمورٌ به مُرَغَّبٌ فيه فإن للجارِ حقًّا وحُرْمَةً، وليس حُسْنُ الجوار كَفَّ الأَذى عن الجار، لأَن كَفّ الأَذى عن الجار وغيره فَرْضٌ مُتَأكِّد على كُلّ أَحَدٍ، ولكنه تَحَمَّلُ الأَذَى من الجارِ ما لم يكن معصيَةً. ولا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يتعمدَ سَمَاعَ شيءٍ من الباطل، ولا أن يَتَلَذَّذَ بسماعٍ صَوْتِ امرأَةٍ أجنبية، ولا أن يَسْمَعَ شيئًا من الملاهي والغِنَاءِ، ولا قراءَةُ القُرآنِ باللُّحونِ المُرجّعَةِ كترجيعِ الغِنَاء.

стр. 515

فَليُجِلَّ كِتَابِ الله أن يتلُوَهُ إلَّا بسكينةٍ ووقارٍ، وترتيلٍ في الجَهْرِ والإسْرارِ، مع حضورِ قَلْبٍ وخشوعٍ وَتَذَلُلٍ وخضوعٍ، وهِمَّةٍ قويَّةٍ ونِيَّةٍ سَوِيَّةٍ، وطويَّةٍ صحيحةٍ، وعزيمَةٍ ربيحَةٍ، مع حُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ وَفَهْمٍ وَتَفَكُّرٍ، وبما يوقِنُ التّالي أن الله يرضى به ويثيب عليه وْيُقَرِّبُ مِنْهُ ويُزلفُ لديه، ويلطفُ به ويرحمُهُ بين يديه. واعلم أن من الفرائِضِ المُؤَكَّدَةِ والواجبات المحتَّمةِ الأَمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر على كل من بُسطت يده في الأَرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك، فمن عجز بِيَدِهِ فبلسانِهِ وَقَلْبِهِ، فإن لم يقدر بِلسَانِهِ فبقلبِهِ وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ. وَفَرْضٌ على كُلِّ مُؤمِنٍ أن يريد بِكُلِّ قَوْلٍ وعَمَلٍ وَنِيَّهٍ وجهَ الله ، ومن أراد بشيء غير وجه الله لم يقبل منه؛ لأَنَّه رياء وتعالى الله أن يقبل عملًا أُشرِك به غيرُه؛ إذ الرياء هو الشِّرْكُ الأَصغر. واعلم أن التَّوْبة فريضة من كُل ذَنْبٍ على الفَوْرِ من غَيْرِ إصرارٍ. والإصرار: المَقَامُ على الذَّنْبِ واعتقادِ العَوْدِ إليه أو إِلى مثله. ولا صَغيرةَ مع الإصرارِ ولا كبيرة مع الاستغفارِ. وَفَرْضٌ على كُلِّ إنسانٍ أن يجتهدَ غايَةَ الاجتهادِ في رَدِّ المظالِم إلى أهلها قَلّت أو جَلَّت، فإن توبتَهُ منها لا تَصِحُّ إلَّا بِرَدِّها ولو كانت مثقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ، فإن الله القادِرُ على كل شيءٍ يأتي بها، فَلْيَسْعَ العاقِلُ في خلاصِ نَفْسِهِ من حقوقِ العِباد وتفريغِهَا قبل أن لا يقدر

стр. 516

على ذلك، فإن أهمَّ الأَعمالِ وآكدها وأعظَمها نفعًا له وصلاحًا لدينه في الدُّنيا والأُخرة سعيُهُ في تفريغ ذِمَّتِهِ وتخليصِهَا إن كان ناصحًا لنفسه راحمًا لها، فإنَّه ما لَقِيَ العَبْدُ رَبَّهُ بِذَنْبٍ أَعْظَمُ من أن يلقاه بشيءٍ من حُقُوقِ العباد، وليس ثَمَّ دِرْهَم ولا دينارٌ يوفي منه. وليس صاحِبُ الحَقِّ في ذلك الوقت أَهْلًا لأَن يَسْمَح أو يَعْفو لأَن كل أحد حينئذٍ لا يهمُّه إلَّا نفسُهُ، ولا يخطُرُ ببالِهِ إلَّا طَلَبُ نجاة نفسِهِ، فَيَودُّ أن يكون له حَقّ على أبيه وأخيهِ وصديقِهِ وغيرهم حَتَّى يتمسَّكَ به، ويُطالبَ ويشُحَّ به على من هو عنده بحيث لايسمحُ عن مقدارِ خردلةٍ منه، لأَن المرء حينئذ يفرُّ ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] الآيات، فيؤخَذُ حينئذٍ من حسنات من عليه الحَقُّ إن كان له حسناتٌ ويوفى منها حُقُوقُ العِبَاد، فإن لم تُوفِّ أُخِذَ من سيئاتِ أصْحَابِ الحقوق وطُرِحَتْ على سيئاتِهِ فَتعظُم سيئاتُهُ وليسَ عِندَهُ شيءٌ من الحَسَناتِ، فهنالكَ تتضاعف الحسرات، وتَتَساكبُ العبرات ويندَمُ حين لا ينفع النَّدم، وتَزِلُّ به والعياذ بالله القَدَم، وَيَظْهَرُ لَهُ الحَقُّ اليقين، ولا يفيده حينئذٍ توبة ولا يَصِحُّ منه عَمَلٌ، أَلا ذَلِكَ هو الخُسرانُ المبين، فيكون ممن ضل سعيُهُ في الحياة الدُّنيا وهم يحسبون أنهم يُحْسنون صُنْعًا. وَلْيَلْجإِ العبدُ إِلى الله جلَّ اسمُهُ فيما عَسُرَ عليه من انقياد نفسِهِ

стр. 517

لأَمْرِ اللهِ ومخالفتها نهيه، مُوقِنًا أنّهُ القَادِرُ الصَّالِحُ شأنَهُ والمالِكُ توفيقَهُ وتسديدَهُ، ولا يفارِقُ ذَلِكَ على ما فيه من حَسَنٍ أو قبيحٍ، ولا ييأسُ من رحمةِ الله تعالى بل يرجو رحمتَهُ ويخافُ عذابَهُ ويتذكَّرُ نعمتَهُ ويشكُرُ فَضْلَهُ عليه بتوفيقه للأعمال بفرائضِهِ وَتَرْكِ ما يَكرَهُ فعله، وَيَتَقَرَّبُ إِليه بما يَسّرَهُ له من نوافلِ الخَيْرِ، ويعلمُ أنَّه ضعيفٌ عاجز لا يقدِرُ على شيءٍ إلَّا ما قدرَهُ اللةُ ويسَّرَهُ عليه. وليستعن بِذِكْرِ المَوْتِ وما بعده على تَرْكِ المعاصِي والزَّلاتِ، وعلى المُلازَمَةِ على فِعْلِ الخَيْراتِ والمُسَارَعَةِ إلى الطَاعاتِ، وليعرف قَدْر نِعْمَةِ اللهِ بإمهالِهِ إيَّاهُ مع مبارزتِهِ له بالمعاصي، وكم أَخَذَ غيرَهُ بذنبِهِ عاجِلًا قبل أن يُؤْخَذَ بالنَّواصِي. وليُفكِّر العاقِلُ في سالِفِ ذنبه وعاقبةِ أَمْرِهِ، ولعله لم يبق شيءٌ من أجله، فيتداركَ أمرَهُ بالتَّوبة النَّصُوحِ، ويُخَلِّصُ ذمتَهُ الخلاصَ التَّامِّ من حُقُوقِ الله سبحانه وحُقُوق العِباد، فيقضِي ما تركَهُ من العبادات من صلاةٍ وزكاةٍ ونَذْرٍ وغير ذلك من حقوق اللهِ الواجبة، ويُوفي ما عليه من الدُّيون والغُصوب والسَّرِقَةِ والأَمانات وغير ذلك من حقوقِ الآدميِّ المبينةِ على المشاحَّةِ، وينتظر الموت بصدقٍ ويقينٍ، ولا يتَهاون في الوصية كُلَّ ليلةٍ إن كان من الموقنين، فيكونَ في الدُّنيا إن كان عاملًا كَيِّسًا كأنَّهُ غريبٌ أو عابِرُ سبيل، وليعُدَّ نفسه من أهْلِ القُبورِ.

стр. 518

وإذا أَمْسَى فلا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بالصَّبَاحِ، وإذا أصْبَحَ فلا يُحَدِّثُ نفسهُ بالمساءِ، وليغتنم حياتَهُ قبل موته، وصحته قبل سُقْمِهِ، وفراغَهُ قبل شُغْلِهِ، وشبابَه قبل هرمِهِ، وغناهُ قبل فَقْرِهِ. واعلم أن معنى اغتنام ذلك الاجتهادُ فيه بصالِح العَمَلِ لا تضييعُهُ في اللَّهو والكَسَل، وعلى هذا كان السَّلَفُ الصَّالحُ، ففازوا بالمَتْجَرِ الرَّابِح والمآل النَّاجح فليقتد بهم ولْيَحْذُ حذوهم نفعنا الله ببركاتهِمِ وأعاد علينا وعلى جميع المسلمين من صالح دعواتهم، ووفقنا لاتباعهم والاقتداء بهم. تَتِمَّةٌ: أولى القُلُوبِ وأفضَلُهَا وأقربُها إلى خالِقها ورازقِهَا قَلْبٌ وعى علم دين الله سبحانه وشرائِعِهِ مِمَّا أَمَرَ به ونهى عنه، ومِمَّا دعا إليه وَخَصَّ في كتابه وعلى لسان رسوله ﵇، والفقهُ في ذلك والفهمُ فيه والتَّفهُّم والتَّفهيمُ أولى ما يشتَغِلُ به العاقل. والعلمُ مع العمَلِ به أفضلُ الأَعمال وأنفسُ ما تُصرَفُ إليه الهِمَمُ في الحال والمآل، وأقرب العلماء إلى الله وأولاهُم به أكثرهم له خشيَةً وفيما عِنْدَه رغبة، وأدومُهم له مراقَبَةً. والعلم دليلُ على الخيرات وقائدٌ إليها، والعِصْمَةُ بكتاب الله وسنة نبيه هي المعولُ في كُل الأُمور عليها، وفي اتباع سَبيلِ المؤمنين والسَّلَفِ الصَّالح النَّجاة والرَّشاد، وفي الرُّجوعِ إلى ما قالوهُ وتأولوهُ واستنبطوهُ غايةُ الصَّلاحِ والفلاحِ والسَّدادِ.

стр. 519

فَنَسْأَلُ الله بمنِّهِ وكرمِهِ أن يوفقنا لذلك، وأن يُجيرَنَا من العصبيةِ المُوقِعَةِ في المهالكِ، وأن يُلْحِقَنا بصالحِ الأمَّةِ، وأن يرزقنا بركة الأَئمة (١) وأن ينفعني والمسلمين بهذا الكتاب، وأن يجعلة خالصًا لوجه إنه الكريم الوهاب، وأن يغفر لي ما جنيتُهُ في هذا التَّأْليفِ، إِذْ ما عُصِمَ إلَّا مَلَكٌ أو رسولٌ أو نبيٌّ شريفٌ. وَأَسْأَلُهُ سبحانه أن يُوفقني وكُلُّ واقفٍ عليه للعمل به بما فيه من الوظائف، وأن يَحْشُرنا بكرمِهِ تحت لواء أهل العِلْمِ والاستقامَةِ والمعارف، مشمولين بشفاعَةِ النَّبِيِّ الكريم، مغمورينَ بِرَحْمَةِ الرَّبِّ الحليمِ الرَّحيمِ، وليكن هذا آخر ما أردت نقلُهُ في هذه المسودة، واللهُ المسؤولُ أن يُفَرِّجَ عن المسلمين كُلَّ هَمٍّ وغَمٍّ وشِدَّةٍ. لكن العَبْدُ الفَقِيرُ المُعْتَرِفُ بعظيم الذنْبِ وَمزيدِ التَّقْصيرِ، الرَّاجي عَفو ربه القدير يرجوا من كُلّ واقفٍ عليها أو على ما نُقِلَ منها أن يدعو لي بِحُسْنِ الخِتامِ، وأن لا يؤاخذني بما زَلَّ بِهِ القَلَمُ وَجَنَتْ يدهُ من سوءِ الإلمام، وأن يَعْتَقِدَ لي العُذْرَ إذ هو شأنُ الكرام؛ فإن بضاعتي من العِلْمِ أندَرُ البضائِع، وصناعتي من الفَضْلِ أَقلُّ الصنائِع، إلَّا أَنه ألجأني إلى ذلك رغبتي في دعوة عَبْدٍ صالحٍ، ورجائي أن ينتفع به سالكٌ فالِحٌ، بإعانَةِ الله وتوفيقه إنَّه الكريمُ المانِحُ.

стр. 520

وصلى الله على سَيِّدنا مُحَمَّدِ الخاتمِ الفاتِحِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الذين كُلٌّ منهم رابِحٌ وناجِحٌ، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدِّين مُتكَرِّرَيْن في كُل وقْتٍ وحين، آمين آمين آمين، والحمد للَّهِ رب العالمين. ووافق الفراغُ من تبييضها نهار الأربعاء بعد العصر تاسع عشر المحرم الحرام سنة سِت وخمسين وألف بمعونةِ الله تعالى وتوفيقه وإسعافه لمؤلفها محمد بن بدر الدِّين بن عبد القادر البَلْبَاني الخَزْرَجي عفا الله عنهم وعن جميع المسلمين ووفقه وكل واقف عليها للعمل بما فيها إنَّهُ أرحم الرَّاحمين. قلت: وفرغت مِن تأليفها نهار الجُمُعَةِ بعد عصرها وهو الثامن من شهر رمضان المُعظَّم قدرهُ سنة خمسين وألف، وهذه النسخة ثاني نسخةٍ نقلتُهَا من المسودةِ المذكورة، والله أعلم، تمت وبالخير عمت بعون الله وحُسْنِ توفيقه (١).