← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147311

مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات

ابن بلبان الحنبلي

Полный текст (520 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلى رسول الله ﷺ وَذَهَبَ واحِدٌ فَوَقَفا على رسول الله ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبا، فَلمَّا فَرَغَ رسول الله ﷺ قال: أَلا أُخْبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى الله فآواهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ"، متفق عليه (١). وعن أبي سعيد الخُدْرِي ﵁ قال: خَرَجَ معاويةُ ﵁ على حَلْقَةٍ فِي المَسْجِدِ فقال: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قال: اللهِ ما أَجْلَسَكُم إلَّا ذاك؟ قالوا: ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذاك، قال: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كان أَحَدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أَقل عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، إِنَّ رسول الله ﷺ خَرَجَ على حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فقال: "ما أَجْلَسَكُم؟ " قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرَ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى ما هَدَانَا للإِسْلامِ، ومَنَ بِهِ عَلَيْنَا، قال: "آللهِ ما أَجْلَسَكُمِ إلَّا ذاكَ؟ " أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لَكُم، وَلَكِنَهُ أَتانِي جبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَني أَنَّ اللهَ يُباهِي بِكُمُ الملائِكَةَ"، رواه مسلمَ (٢). واعلم أن الذِّكْرَ على ضَرْبين: ذِكْرُ اللِّسانِ، وذِكْرُ القَلْبِ،

стр. 457

والتَّأثير لِذِكْر القَلْب؛ فإذا كان العبدُ ذاكِرًا بلسانِهِ وَقَلبِهِ فهو الكامِلُ في وصفه في حال سلوكه، قاله القشيري في "رسالته" (١). وقال فيها: وقيل ذكر الله بالقلب سيف المُريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تَقْصِدهُم، وإن البلاء إذا أظلَّ العبْدَ ففزع بقلبه إلى الله يحيدُ عنه في الحال كلَّ ما يكرهه. وذكر فيها: أن ذا النون المصري قال: من ذكر الله ذكرًا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيءٍ، وحفظه الله من كل شيءٍ، وكان له عوضًا عن كل شيءٍ. قال فيها: ومن خصائص الذكر أنه غير مُؤَقَّتٍ بل ما من وقت من الأَوقات إلَّا والعبد مأمور بذكر الله إمَّا فرضًا وإمَّا ندبًا. والصلاةُ وإن كانتْ أشرفَ العبادات فقد لا تجوز في بعض الأَوقات، والذكرُ بالقلب مستدامٌ في عموم الحالات. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].

стр. 458

وقال: ومن خصائص الذِّكر أنَّهُ جُعِلَ في مُقَابَلَتِهِ الذِّكْرُ، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وفي خَبَرٍ أن جبرِيلَ ﵇ قال لرسول الله ﷺ : إن الله تعالى يقول: أعطيتُ أُمَّتَكَ ما لم تُعْطَهُ أُمَّةٌ من الأمم، فقال: وما ذاك يا جبريل؟ قال: قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، لم يقل هذا لأَحدٍ غيرِ هذه الأُمّة. وقيل: إن المَلَكَ يستأمِرُ الذاكرَ في قَبْضِ روحه. وفي بعض الكتب أن موسى ﵇ قال: يا ربِّ أين تسكُنُ؟ فأوحى الله إليه: في قلب عبدي المؤمن، ومعناه سكون الذكر في القلب، فالحق منزه على كل سُكُونٍ وحلولٍ، وإنما هو إثبات ذكر وتحصيل. وقال: قال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلَّا والجليل سبحانه ينادي: عبدي ما أنصفتَني؛ أذكرُك وتنساني، وأدعوك إليَّ وتذهبُ إلى غيري، وأُذْهِبُ عنك البلايا وأنت معتكفٌ على الخطايا. يا ابن آدم ما تقول غدًا إذا جئتَني؟ (١)

стр. 459

وقال أبو سليمان الداراني: إن في الجَنَّة قيعانًا، فإذا أخذ الذّاكِرُ في الذِّكرِ أخذتِ الملائكةُ في غَرْسِ الأَشجار، فربما يقف بعضُ الملائكة فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: فَتَرَ صاحبي. وقال الحسن: تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وقراءةِ القرآن، فإن وجدتموها وإلَّا فاعلموا أن الباب مُغْلَقٌ. وقال حامد الأَسود: كنت مع إبراهيم الخواص في سفر فجئنا إلى موضعٍ فيه حياتٌ كثيرةٌ، فوضع ركوته وجلس وجلست، فلما كان بَرْدُ الليل، وَبَرْدُ الهواء خرجت الحيات، فصحت بالشيخ فقال: اذكروا الله، فذكرت، ورجعت ثُمَّ عُدتُ فَصحْتُ به فقال مثل ذلك، فلم أزل إلى الصَّباحِ في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه، فسقط من وطائه حية عظيمة قد تطوقت فيه، فقلت: ما أحسست؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت أطيب من البارحة (١). وقال سَرِيُّ السّقَطي ﵁: مكتوب في بعض الكتب التي أنزل الله تعالى: إذا كان الغالب عَلى عَبْدِي ذكري عَشِقَني وعَشِقْتُهُ، وقال: أوحى الله إلى داود ﵇: بي فافرحوا وبذكري فتنعّموا.

стр. 460

وقال النُّورِيُّ: لكل شيء عقوبةٌ، وعقوبةٌ العارف انقطاعه عن الذكر. وفي الإِنجيل: اذكرْني حين تَغْضَبُ أَذْكُرْكَ حين أغضب، وارض بنظرتي لك، فإن نظرتي لك خير من نظرتِك لنَفْسِكَ. وقيل لراهب: أنت صائم؟ فقال: صائم بذكره، فإذا ذكرت غيره أفطرت. وقيل: إذا تمكن الذِّكْرُ من القلب، فإن دنا منه الشيطان صُرعَ كما يُصْرَعُ الإِنسانُ إذا دنا منه الشيطان، فتجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإِنس. وقال سهل: ما أعرف معصيةً أقبحَ من نسيان هذا الرب. وقال بعضهم: وُصِفَ لي ذاكر في أجمة فأتيته فبينا هو جالس إذا سبع عظيم ضَرَبَهُ ضَرْبَة واستلبَ منه قطعةً فغشي عليه وعليّ، فلما أفقت قلت: ما هذا؟ فقال: قيض الله هذا السبع على، فكلما داخلتني فترة عضني كما رأيت. وقال الجَريري: كان بين أصحابنا رَجُل يكثر أن يقول: الله الله فوقع يومًا على رأسه جِذْعٌ فشجّ رأسَه وسقط الدمُ فانكتب على الأَرض: الله الله. انتهى كلامه في الرسالة، وتركت الأَسانيد رعاية للاختصار (١).

стр. 461

فإذا كان هذا حالُ الذِّكْرِ مع الذَّاكر، فالواجبُ على العاقلِ النَّاصِح لنفسِهِ ألَّا يَغْفُلَ عنه طرفةَ عينٍ إن كان مراده طريق الله ﵎، وأن يندرج في سلك السَّادة الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، المحبين له في السِّر والعلانيات. قال ﵇: "عَلامَة حُبِّ اللهِ حُبُّ ذِكْرِ اللهِ، وَعَلامَةُ بُغْضِ اللهِ بُغْضُ ذِكْرِ اللهِ"، رواه البيهقي (١). وقال ﵇: "أَفْضَلُ العِبَادِ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الذاكِرُونَ اللهَ كثيرًا"، رواه أحمد والترمذي (٢). واعلم أن الذِّكْر يتأكَّدُ في الزَّمانِ الفاضِلِ كرمضانَ، وَعَشْر ذي الحجَّةِ، وفي المكان الفاضلِ كالحرمينِ والأَقصى، فينبغي الإِكثارُ منه فيها لزيادةِ تضعيفِ الأَجْرِ فيها، وهذا شيءٌ بلا أشهرٌ من أن يشهر، وأظهرُ من أن يُذْكر. وكذلك يتأكد الذِّكْرُ في أوقات الغَفْلَةِ وبين الغافلين؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَقَمَ: "ذاكِرُ الله في الغافلينَ بِمَنْزِلَة الصَّابِرِ في الفارين"، رواه الطبراني (٣).

стр. 462

وقال ﷺ : "ذاكِرُ الله في الغافِلينَ مِثْلُ الذي يُقاتِلُ عن الفَارِّين، وذاكِرُ الله في الغافِلينَ كالمِصْبَاحِ في البَيْتِ المُظْلِمِ، وذاكِرُ الله في الغافلين كمثَلِ الشَّجَرَةِ الخَضْراء في وَسَطِ الشَّجَرِ الذي قد تحاتَّ من الضَّريب، وذاكِرُ اللهَ في الغافلين يُعَرِّفَهُ الله مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وذاكِرُ الله في الغافلين يَغْفِرُ اللهُ له بِعَدَدِ كُلِّ فصيحٍ وأَعْجَمِيٍّ"، أخرجَهُ أبو نعيم في "الحلية" (١). تَنْبِيهٌ: المرادُ بالذِّكْرِ الشَّرعي كلُّ قول يدل على توحيد الله وإفرادِهِ، وتنزيهِهِ وتقديسه، وعلى كبريائِهِ وعظمتِهِ، وبيانِ كمال عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، ووجوبِ بقائِهِ وقدرته إلى غير ذلك من الأَسماء والصفات الثابتة للهِ تعالى المُقَرَرَّةِ في علم التوحيد، وأجلُّ الذِّكْرِ وأنفعُهُ ما أرشد إِليه النَّبِيُّ ﷺ ، وأجله ما ذكرناه في الأَحاديث السالفةِ. أَوَّلُ الفَضْلِ وأَفْضَلُهُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، لقوله ﵇: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ للهِ"، رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (٢).

стр. 463

وقوله ﵇: "مَا قَالَ عَبْدٌ: لا إلهَ إلَّا الله قَطُّ مُخْلِصًا إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبوابُ السَّماءِ حَتَّى تُفْضِيَ إلى العَرْشِ ما اجْتُنِبَتْ الكبائِرُ"، رواه الترمذي (١). وقال ﵇: "ما مِنْ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ لا إله إلَّا اللهُ، ولا من الدُّعاءِ أَفْضَلُ مِنَ الاستغفارِ"، رواه الطبراني (٢). وليس شيءٌ من الذكر أفضلَ من ذلك إلَّا تلاوةَ القرآن لقوله ﷺ : "أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمتي تِلاوةُ القرآنِ"، رواه البيهقيُّ (٣). وقال ﵇ في أثناء حديث: "وما تقرَّبَ عَبْدٌ إلى الله بِأَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ منه"، رواه أحمد والترمذي (٤). وقال ﵇: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فله بِهِ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، لا أَقُولُ ألم حَرْفٌ، ولكن أَلفٌ حَرْفٌ، ولامٌ

стр. 464

حَرْفٌ، وميم حرفٌ"، رواه الترمذي (١). وقال ﵇: "مَنْ قَرَأَ بِمائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَه قُنُوتُ لَيْلَةٍ"، رواه أحمد، والنسائيُّ (٢). وقال ﵇: "مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يكْتَب مِنَ الغَافِلِينَ". رواه الحاكم (٣). وقال ﵇: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ"، رواه النسائيُّ، وابن حِبان (٤).

стр. 465

وقال ﵇: "مَنْ قَرَأَ الآيتينِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كفتاهُ"، متفق عليه (١). وقال ﵇: "مَنْ قَرَأَ قُل هو اللهُ أحد، فَكَأَنّما قَرَأَ ثُلُث القرآنِ"، رواه أحمدُ، والنسائي (٢). والحاصِلُ أن فضائلَ القرآن لا تعدُّ ولا تحصى، وقد أُفْرِدت بالتَّصانيف الكثيرةِ، وليس هذا محلَّ استقصائِها؛ وإنما المرادُ هنا التَّنبيهُ على وجهِ الاختصارِ على ما يَذْكُرُ العَبْدُ به ربَّه وما هو الأَفضلُ، ولا شُبْهَةَ عند أحدٍ أن القرآن أفضلُ الذِّكرِ على الإِطلاق؛ إلَّا أنَّه إذا عَيَّنَ الشارع لعبادةٍ أو وقتٍ غيرَ القرآن تَعَيَّنَ اتِّباعُهُ، وهذا لا ينافي أفضليةَ القرآن عليه لعروضِهِ والله أعلم. والأَكملُ في حقِّ الذَّاكِرِ أن يكون على طهارةٍ كاملةٍ، وأن يذكرَ بسكينةٍ وَوَقَارٍ، وَخَوْفٍ وتَضَرُّعٍ وخُشُوع، وإخلاصٍ ولُطفٍ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بصوتٍ مُتَوسِّطٍ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ

стр. 466

عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٥، ٢٥٦]، لكن لا يَقْطَعكَ عن الذِّكر عدمُ اتصافِكَ بهذه الصِّفات. فعليك بذكر اللهِ، وإن لم تكن مُتَّصِفًا بها فعسى أن يكون الذِّكْر على وجهٍ غيرِ أكملَ سَبَبًا للذِّكرِ على الوجه الأَكملِ. واعلم أنَّه قد تقدمت آدابٌ كثيرةٌ، وأذكارٌ في الكتاب مع العبادات في مواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ يقف عليها من طلبها، فتبقى المحافظةُ على جميع ما ذكرنا وعلى ما ورد في الصَّباحِ والمساءِ، وأحسن ما جُمعَ في ذلك وِرْدُ الشيخ عبد الرحمن بن داود (١)، فينبغي للسَّالِكِ في طريق اللهِ حفظُهُ، والمداومةُ عليه بكرةً وعشيًّا فإنه مستَنبطٌ من السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، فلا ينبغي لراغبٍ في ذكرِ الله أن يتركه بُكرةً واحدةً ولا عشيَّةً واحدة إن رام اتباعَ السُّنَّة في الأَذكار، لأَن ذلك من أجلِّ ما رغب فيه أهل النُّهى والأَبصار.

стр. 467

فَصْلٌ فِي الأَمْرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عَنِ المُنْكرِ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣]. وقال تعالى حكايةً عن سيدنا لقمان: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. والآيات في الباب كثيرة، وكذلك الأَحاديث، منها قوله ﵇: "لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْروفِ وَلتنْهَوُنَّ عن المُنكرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عليكُم شِرارَكُم؛ فَيَدعوا خِيارُكُم فلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، رواه البزار والطبراني (١).

стр. 468

وقال ﵇: "مَنْ رَأَى مِنكم مُنكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بيدِهِ، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتَطعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ"، رواه أحمدُ ومسلمٌ وغيرهما (١). وقال ﵇: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ويُوقِّرْ كبيرَنا، وَيَأْمُرْ بالمعروفِ وَينْهى عن المُنكرِ"، رواه أحمد، والترمذي (٢)، والأَحاديثُ في الباب كثيرةٌ شهيرةٌ. إذا عَلِمتَ ذلك فالأَمر بالمعروف والنَّهيُ عن المُنكرِ فَرْضُ كفايةٍ على الجماعة، وَفَرضُ عَيْنٍ على الواحد، فإذا تركه الجماعة أثِمُوا كُلُّهُم، وإن تَرَكَهُ المتعينُ عليه أَثِمَ وحدَهُ، فيجب على من عَلِمَهُ وتحقَّقَهُ وشاهَدهُ، وهو عارِفٌ بما يُنْكِرُهُ، ولم يَخَفْ سَوْطًا ولا عَصًا، ولا أَذىً في نفسِهِ أو مالِهِ أو أهلِهِ؛ ولا فتنةَ تزيدُ على المنكَرِ إذا علم حصولَ المقصودِ به، ولم يقم به غيرهُ، وسواء في ذَلِكَ الإِمام والحاكم والعالِمُ والجاهِلُ، والعدلُ، والفاسِقُ وأعلاهُ باليدِ ثُمَّ باللِّسانِ وأضعفَهُ بالقَلْبِ.

стр. 469

وعلى النَّاسِ إِعانَةُ المُنْكِرِ وَنَصْرُهُ مع القُدرةِ، ولا ينكِرُ بسيفٍ أَو عصًا إلَّا مع سلطانٍ، ومن التزم مَذْهبًا أنكر عليه مخالفَته بلا دليلٍ صالحٍ أو تقليدٍ سائغٍ أو عذر ظاهرٍ. واعلم أن الأَمرَ بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَرِ أعظمُ أصول الدِّينِ، لأَن حصوله موقوفٌ عليهما عن يقين، فَهُمَا أجَلُّ ما يعتني به أهلُ الجِدِّ والتمكين؛ فلولاهما لدامَ الفسادُ، ولتَمَادَى أَهْلُ الضَّلالِ والعِنَادِ، ولم يكن هدىً ولا رشاد، ولتمكنَتْ أهلُ الغِوايَةِ وظهرت، وقَويت على أهل الصَّلاح والهدايَةِ، ولتعطلت الأَحكامُ، وخفيت الشَّريعة على جميع الأَنامِ، فلا يسقطانِ بحالِ مع الإِمكانِ؛ بل يَجِبُ القيام بهما كُلَّ وقتٍ على مدى الأَزمان، فيتعينُ الاعتناء بِهِمَا حَتَّى تقوم السَّاعة باتفاق العلماءِ وأهلِ العرفان، وبالله المستعان. ثُمَّ المعروف: كُلُّ فِعْلٍ وقَوْلٍ وَقَصْدٍ حَسُنَ شرعًا، والمنكرُ: كُلُّ قَوْلٍ وفِعْلٍ وَقَصْدٍ قَبُحَ شرعًا، والإِنكار في تركِ الواجبِ وفِعْلِ الحرامِ فَرْضٌ، وفي تركِ المندوبِ، وعَدَمِ تَعَلُّمِهِ وتعليمه، وفي فعل المكروهِ، وتَعَلُّمِهِ وتعليمه، سُنَّةٌ. فَائِدَةٌ: وكُلُّ ما يُؤْمَرُ فيه ويُنْهى فحقُّ الله تعالى أو حَقُّ الآدَميِّ أو حقُّهما، فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ فكصلاةٍ وصوْمٍ، وكالحثِّ على فِعْلِ الطَّاعَةِ وتركِ المعصية، وأمَّا حَقُّ الآدميّ فكالمطلِ بالمالِ والحَيْفِ والظُّلْمِ

стр. 470

ونحو ذلك، وأما حَقُّهما فكزكاةٍ وحَجٍّ، وكفارَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ ونحو ذلك، والأَبُ وغيره في الإِنكارِ عليه سواء. تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي أن يَكونَ الآمِرُ بالمعروفِ، والنَّاهي عن المُنكَرِ؛ مُتواضِعًا، رقيقًا فيما يدعو إِليه، شَفيقًا رحيمًا غَيْرَ فظٍّ، ولا غليظِ القَلْبِ ولا مُتَعَنِّتٍ، حُرًّا، عَدْلًا، فقيهًا عالمًا بالمأْموراتِ والمنَّهياتِ شرعًا، دِيِّنًا نَزِهًا، عفيفًا ذا رَأْي ومُراقَبةٍ وشِدَّة في الدَّينِ، قاصدًا بِذَلِكَ وَجْهَ الله تعالى، وإقامَةَ دينِهِ، ونُصْرَةَ شرعِهِ، وامتثالَ أمرِهِ، وإحياءِ سُنَّةِ نَبيِّهِ بلا رياءٍ ولا مُنافَقَةٍ، ولا مُداهَنَةٍ، غير مُنافِسٍ ولا مُفاخِرٍ، ولا مِمَّنْ يُخالِفُ قَوْلُهُ فِعْلُهُ؛ لكن يَجِبُ عليه الإِنكار وإن كان شريكًا في المعصيَةِ، لئلا يجمع بين معصيتَينِ فِعْلُهُ للمعصية، وتَرْكُهُ للإِنْكارِ على فاعلها، فَمَا ذُكِرَ للأَكْمَلِ. ويُسَنُّ العَمَلُ بالنَّوافِلِ، والرِّفْق، وطلاقَة الوجْهِ، وحُسْن الخُلُقِ عِنْدَ إنكارِهِ، والتَّثَبُّت والمُسامَحَة بالهفْوَةِ مَرَّةً ومرتينِ، وَيَبْدَأُ في إنكارِهِ بالأَسْهلِ فالأَسهل؛ فإن زال وإلَّا زادَ، فإن لم يَزِلْ رَفَعَهُ إِلى سلطانٍ عادِلٍ لا يأْخُذ مالًا ولا يفعَلُ غير ما يَجِبُ. ويُنْكِرُ على السُّلْطانِ بالوعْظِ والتَّخويفِ. فَائِدَةٌ: وَيُسَنُّ هُجْرانُ العُصَاةِ المُتَجاهِرينَ بالمَعْصيةِ، ويَجِبُ الإِغضاءُ عن المُتَستِّرِينَ الكاتمينَ لها، لكن يَنْبَغي نُصْحُهُمْ سِرًّا مع علمِهَا.

стр. 471

وَيَحْرُمُ التَّعَرُّض لِمُنكرٍ فُعِلَ قديمًا، وَكشْفُ مَسْتورٍ، وإشاعَتُهُ، وتَتَبُّعُهُ سِيَّما بالبيِّنَةِ. وَيَجِبُ هُجْرانُ المبتدعينَ الدَّاعينَ إِلى الضَّلالَةِ مع العَجْزِ عن إِصْلاحِهِمْ، والإِنكارِ عليهم أو لم يَأْمَنِ الاغترار. فَائِدَةٌ: يَجِبُ على القادِرِ الدَّفعُ عَنْ نَفْسِهِ وحرمتِهِ، وَيَجوزُ عن مالِهِ، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عن أخيه المُسْلِمِ؛ وكذا عن مالِهِ وحرمتِهِ إن أمكنَهُ، ويَسْقُطُ إن عَلِمَ أَنَّهُ لا يُفِيدُ. وعليه إنجاؤهُ من غَرَقٍ وَحَرْقٍ ونحوهما كالمجاعَةِ مع القُدْرَةِ. واعلم أَنّهُ لا يُعْتَدُّ بِشَيءٍ مِنَ العِبادات ولا يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ ذَرَّةً إلَّا مع النِّيَّةِ الصَّحيحَةِ الشَّرْعيةِ والإِخلاص، فَلأَجْلِ هذا خَتَمْتُ كِتاب الآدابِ بِنُبْذةٍ يَسيرةٍ منه ليتنبَّه عليه. فَصْلٌ في الإِخلاص قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]. وقال ﵇: "قَالَ اللهُ تَعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فيه غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ"، رواه مسلم (١).

стр. 472

وقال ﵇: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ"، رواه البخاري، ومسلم (١). وَمَعنَى "سَمَّع" - بتشديد الميم - أَظْهَرَ عملَهُ للنَّاسِ رياءً، وَسَمَّعَ اللهُ به أي فَضَحَهُ يَوْمَ القِيامَةِ. ومعنى: "رَاءَى" أَظْهَرَ للنَّاسِ العمل الصَّالح لِيعْظُمَ عِنْدَهُم، وليس هو كذلك! و"رَاءَى اللهُ بِهِ" أي أَظْهَر سَرِيرَتَهُ على رؤوسِ الخلائِقِ. وقال ﵇: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسَامِكُم ولا إِلى صُوَرِكُمْ، ولكن يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُم"، رواه مسلم (٢). وقال ﵇: "إِنَّما الأَعْمالُ بالنِّياتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرئ؛ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ ورسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ ورسولهِ، ومَنْ كانتِ هِجْرَتُهُ لدُنيا يُصيبُها أَوْ امرأَة يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِليه"، رواه البخاري ومسلم (٣). وقال ﵇: "أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَليلُ مِنَ العَمَلِ"، رواه الحاكم (٤).

стр. 473

وقال ﵇: "أَخْلِصوا أَعْمالكم؛ فإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ إلَّا ما خلُصَ لَهُ"، رواه الدارقطني (١). والحاصِلُ أن الدَّلائل من الكتابِ والسُّنَّةِ على وجُوب الإِخلاصِ في كُلِّ عبادةٍ أكثر من أن تُحْصَرَ وأَشْهَرُ من أن تُشْهَرَ، واستِقْصاءُ ذَلِكَ لا يليق بهذا المختصر، فالواجِبُ على العاقِلِ ألَّا يُشْرِكَ بعبادَةِ رَبِّهِ أحدًا حَتَى يكونَ عملُهُ عبادةً؛ وإلَّا فمتى لاحظَ في عَمَلِهِ أحدًا من الخلق فليسَ بعامِلٍ لله وإنما هو مُراءٍ، والرِّياءُ ليس بعبادةٍ بل هو مَعْصيةٌ من أكبرِ المعاصي، يُحْبطُ العِبادَةَ ويُصَيّرُ المُتَعَبِّدَ آثِمًا، وكيف لا وقد سماه ﷺ الشِّرْكَ الخفيَّ. قال ﵇: "الشِّرْكُ الخَفي أن يَعْمَلَ الرَّجُلُ لِمكانِ الرَّجُلِ"، رواه الحاكم (٢). فالإِخلاصُ هو ألَّا يُريدَ العَبْدُ بعبادتِهِ إلَّا التَّقرُّبَ إِلى الله سبحانه، قال الأُستاذ القُشيريُّ ﵀ في "رسالته": الإِخلاصُ إفراد الحَق في الطَّاعةِ بالقَصْدِ، وهو أن يريد بطاعتِهِ

стр. 474

التَّقرُّبَ إلى الله دون شيءٍ آخر من تَصَنُّعٍ لِمَخْلوقٍ أو اكتسابِ مَحْمَدةٍ عِنْد النَّاسِ أو صِحَّةِ مَدْحٍ من المَخْلوقِ، أو معنىً من المعاني سوى التَّقرب إِلى الله. ويَصِحُّ أن يقال: الإِخلاصُ تصفيةُ الفِعْلِ عن ملاحظَةِ المَخلوقين، ويَصِحُّ أن يقال: الإِخلاص التَّوقي عن ملاحظة الأَشخاص. وَقَدْ ورَدَ خَبَرٌ مُسْنَد أن النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عن جبريل عن الله سبحانه تعالى أنه قال: "الإِخْلاصُ سِرٌّ مِنْ سِرّي استودعتُهُ قلب من أحببتُ من عبادي" (١). ونقل فيها عن الأُستاذ أبي على الدَّقاق رحمه الله تعالى، قال: الإِخلاصُ التَّوقي عن ملاحظة الخَلْقِ، والصِّدق التَّنقي عن مطالعةِ النَّفْسِ، فالمخلصُ لا رياءَ لهُ، والصَّادِقُ لا إعجاب لَهُ. وعن ذي النُّون المصري أنّه قال: الإِخلاصُ لا يتمُّ إلَّا بالصِّدْقِ، والصبر عليه، والصِّدْقُ لا يتمُّ إلَّا بالإِخلاص فيه والمداومة عليه. وقال أيضًا: ثلاثٌ من عَلامَاتِ الإِخلاص: استواءُ المَدْحِ والذَّمِّ من العَامَّةِ، ونسيان رُؤيةِ الأَعمالِ في الأَعمال، واقتضاءُ ثوابِ العَمَلِ في الآخِرَةِ.

стр. 475

وقال أبو يعقوب السُّوسي: متى شَهدوا في إخلاصِهِم الإخلاص؛ احتاجَ إخلاصُهم إلى إخلاصٍ. وقال أبو عثْمان المغربيّ: الإخلاصُ ما لا يكون للنَّفْسِ فيه حَظٌّ بحالٍ، وهذا إِخلاصُ العَوَّامِ، وإخلاصُ الخَواصِّ ما يَجْرِي عليهم لا بِهِمْ؛ فتبدو منهم الطَّاعاتُ وهم عنها بمعزلٍ، ولا يَقَعُ لهم عليها رؤيةٌ ولا بها اعتداد، فَذَلِكَ إخلاص الخواصِّ. وقال أبو بكر الدَّقاق: نقصانُ كُلِّ مُخْلِصٍ في إخلاصِه رؤيةُ إخلاصِهِ، فإذا أرادَ الله أن يُخلِّص إخْلاصَهُ أَسْقَطَ عن إخلاصِهِ رؤيةَ إخْلاصِهِ فيكون مُخْلِصًا لا مخلصًا. وقال سَهْلٌ: لا يَعْرِفُ الرِّياء إلَّا مُخْلِصٌ. وقال حذيفةُ المُرْعشيُّ: الإخلاصُ أن تستويَ أفعالُ العَبْدِ في الظَّاهِرِ والباطِنِ. وقال السريُّ: من تَزَيَّنَ للنَّاسِ بما ليس فيه سَقَطَ من عَيْنِ اللهِ. وقال الفُضَيلُ: تَرْكُ العَمَلِ من أجلِ النَّاس رياءٌ، والعملُ لأَجل النَّاس شِرْكٌ، والإخلاص أن يعافيكَ اللهُ منهما. وقال الجُنَيد: الإخلاصُ سِرٌّ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ العَبْدِ لا يعلمُهُ مَلَكٌ فيكتُبَهُ، ولا شيطانٌ فَيُفْسِدَهُ، ولا هوًى فَيُميلَهُ. وقيل لسهل بن عبد الله: أيُّ شيءٍ أَشَدُّ على النَّفْسِ؟ فقال: الإخلاصُ، لأَنَّه لَيْسَ لها فيه نصيبٌ.

стр. 476

وسُئِلَ بعضهم عن الإخلاص فقال: ألَّا تشهدَ على علمك غير الله. وقال بعضهم دخلت على سهل بن عبد الله يوم جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلاةِ فرأيتُ في البَيْتِ حَيَّةً؛ فجعلتُ أُقَدِّمُ رَجْلًا وأُؤخِّرُ رجلًا أخرى، فقال: ادخُلْ لا يبلغ أحدٌ حقيقةَ الإيمان وعلى وجه الأَرض شيء يخافُهُ، ثُمَّ قال: هل لك في صلاةِ الجُمُعَةِ؟ فقلتُ: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة، فَأخَذَ بيَدي فما كان إلَّا قليل حَتَّى رأيتُ المَسْجِدَ فدخلنا وصلينا الجُمُعَة ثُمَّ خَرَجنا، فَوَقَفَ ينظُرُ إلى النَّاسِ وهم يَخرجُونَ فقال: أهل لا إله إلَّا الله كثيرٌ والمُخْلِصون منهم قليلٌ (١). وقال مكحولٌ: ما أخلصَ عَبْدٌ أَرْبَعِينَ يومًا إلَّا ظهرت ينابيعُ الحكمة من قَلْبِهِ على لسانِهِ. انتهى كلام القُشيري مُلْخصًا بلا أسانيد رَوْمًا للاختصار (٢). واعلم أنَّه يَجِبُ على كُلِّ متعبدٍ أن يُخلص عمله وعبادتَهُ من كُلِّ شائِبَةٍ رياءٍ حَتَّى تنفَعَهُ عند رَبِّهِ؛ لأَنَّها متى خالطها شائِبَةُ رياءٍ وإن قَلَّ

стр. 477

أبطلَهَا وصارت وبالًا على صاحِبها، بل انقلبت معصيةً من أكبَر المعاصي؛ لأَن الرِّياء من الكبائرِ العِظَامِ، وهو ملاحظةُ شيءٍ من الخَلْقِ في الأَعمالِ. قال أبو سليمان الدَّاراني: إذا أَخْلَصَ العَبْدُ انقطع عنه الرِّياء وَكَثْرَةُ الوسواس. وفي الجُمْلَة والتَّفْصيلِ: الإخلاصُ أَعزُّ شيءٍ في الدُّنيا، وأنفعُ شيءٍ في الآخرة؛ لأَنَّه أصعبُ شيءٍ على النَّفْسِ فلا يقدِرُ العبدُ عليه إلَّا بمجاهدةٍ لها شديدةٍ، ومُخالَفَةٍ لها أكيدةِ، فإذا وُفِّقَ لِذَلِكَ فإنَّهُ أَجَلُّ نعمةٍ عظيمَةٍ، فالواجِبُ عليه حينئذ أن يَعْرِفَ قَدْرَها، ويشكُرَ مولاهُ الذي وفَّقَهُ لها، ومع هذا يَتَّهِمُ نفسَهُ غايةَ الاتهامِ، ولا يَقْطَعُ لها بالإخلاصِ إن كان من أهل العزائم والإخلاص والإنصاف؛ لأَن هذا المقام مقامُ الأَفرادِ من النِّساءِ والرِّجالِ، وصِفَةُ الأَخيارِ من ذوي الجِدِّ والاجتهادِ، وحالُ الأَبطالِ المُخالفين النَّفْسَ والشَّيطانَ والهوى في كُلِّ حال، ولا يقدِرُ على ذَلِكَ إلَّا من اعتنى به مولاهُ وَوَفَّقَهُ بفضلِهِ وهداهُ، وأزاحَ عنه شَرَّ نَفْسِهِ وشيطانِهِ وهواهُ. فنسأَلُ الله بمنِّهِ وَكَرَمِهِ وفضلِهِ، وإحْسَانِهِ العميم أن يَهْدِيَنا ويُرْشِدَنا إلى الصِّراط المُستقيم، وأن يُوفِّقَنا للإخلاصِ في كُلِّ عملٍ لِيَصِحَّ ويستقيم، وأن يُلحِقَنا بعبادِهِ المُخْلصينَ وَحِزْبِهِ المُفْلحينَ، إنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ، وَأَكْرَمُ الأَكرمين.

стр. 478

واعلم أنَّه قَد تَقَدَّم جُمْلَة من الإخلاصِ في الصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ فلتُعاود، وليكن هذا آخر ما أردناه من الآداب والله الموفق للعمل بها، إنَّهُ الكريمُ الوَهاب. وهذا أوانُ الشُّروعِ في خاتِمَةِ الكِتَابِ المشتملةِ على بيانِ العَقِيدَةِ السُّنيَّة، واللهُ المسؤولُ أن يُوفِقنا لِحُسْنِ النِّيَّةِ، وأن يَعْصِمَنَا من كُلِّ عقيدةٍ بِدْعِيّةٍ، وأن يحفظَنَا من كُلِّ سيرةٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ. * * *

стр. 479

خَاتِمَةٌ: في مَعْرِفَة الله تعالى وما يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ مِنَ الاعْتِقادِ وتشتملُ على خَمْسَةِ أبوابٍ: الأَول: في مَعْرِفَةِ الله تعالى وما يَتَعَلَّقُ بها. الثَّاني: في الأَفْعالِ. الثَّالِثُ: في الأَحْكام. الرَّابعُ: في بقيَّةِ السَّمْعياتِ وأحوالِ القِيامَةِ وغير ذلك. الخامس: في النبوة والإمامة. البَابُ الأَوّل: في مَعْرِفَةِ اللهِ تعالى (١) فَتَجِبُ معرفتُهُ شَرْعًا على كُلِّ مُكَلَّفٍ قادرٍ، وهي

стр. 480

أول واجِبٍ له تعالى؛ فالكافر إن ماتَ قبل أن تَبْلُغَهُ الدَّعوةُ لا يُعاقَبُ، والمراد بمعرفتِهِ -جَلَّ وَعلا وَتَقَدَّسَ- معرفة وجوبِ وجود ذاتِهِ بصفاتِ الكَمالِ فيما لم يزل ولا يزال، لا معرفة حقيقة ذاتِهِ لاستحالَةِ ذَلِكَ؛ لأَنها مخالفةٌ لسائر الحقائِقِ فلا يمكن معرِفتُها. وتحصلُ المَعْرِفَةُ بالله تعالى وصِفاتِهِ شَرْعًا، والعَقلُ آلَةُ الإدراك فبه يَحْصُلُ التَّمييز بين المعلومات؛ فإذا نَظرَ المُكَلَّفُ في الوجودِ والموجودِ (١) نَظَرًا تامًّا عَلِمَ جَزْمًا أن مُوجِدَ ذَلِكَ وصانعَهُ واحدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وإن تَرَكَ النَّظَرَ وَقَلَّدَ في مَعْرِفَةِ الله تعالى حَرُمَ عليه ذلك (٢)، ثُمَّ إن كان اعتقادُهُ جازمًا لا يزولُ بتشكيكِ المُشَكِّكِ فهو

стр. 481

مؤمنٌ وإلَّا فكافِرٌ. وأولُ نِعَمِ الله تعالى الدِّينيةِ على المؤمن وأعظمُها وأنفعُهَا أن أقدرَهُ على معرفتِهِ، وأول نِعَمِهِ الدنيوية عليه الحياةُ العَرِيَّةُ عن الضَّرَرِ. وشُكْرُ المُنْعِمِ واجبٌ شرعًا أيضًا؛ وهو اعترافُهُ بنعمتِهِ على جهةِ الخُضُوع والإذعانِ، وصرفُهُ نِعَمَهُ كلها في طاعتِهِ سبحانه. فَصْلٌ يَجِبُ الجَزْمُ بأنَّهُ واحدٌ لا يَتَجَزَّأُ ولا يَنْقَسِمُ، أَحَدٌ لا مِنْ عَدَدٍ (١)، فَرْدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ، ولَمْ يُولَد، ولم يَكُن لَه كُفُوًا أحد، لا شَرِيك له في مُلْكِهِ، ولا ظهيرَ له في صُنْعِهِ، ولا مُعِينٌ لَهُ في خلقِهِ، ولا مِثْلَ لَه في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعالِهِ. حَيٌّ موجودٌ قديمٌ أَزَليٌّ، لا أول له ولا بدايَة، ولا آخِرَ لَهُ ولا نهاية، لم يزل ولا يزال مُتّصفًا بِصِفاتِهِ العُليا، وأَسْمائِهِ الحُسْنَى. وَبِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَالِمٌ بِعِلْمٍ واحِدٍ قَدِيمٍ باقٍ ذاتيٍّ، مُحيطٍ بِكُلِّ

стр. 482

معلومٍ كُليٍّ أو جُزْئيٍّ على ما هو عليه، (فلا يَتَعدَّدُ علمهُ بتعدُّد المعلومات، ولا يَتَحدّدُ بِتَحدُّدِها، ولا يتجددُ بتجدُّدِها، ليس عِلْمُهُ جَلَّ وعلا ضروريًا ولا نظريًا، ولا كَسْبيًّا ولا استدلاليًّا) (١)؛ لأَن هذه صفاتٌ لِعِلْمِ المخلوق وهو جَلَّ وعلا مُنَزَّهٌ عن مشابهتِهِ مطلقًا. وبأنَّهُ سبحانه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ بِقُدْرَةٍ واحدَةٍ، وجوديَّةٍ قديمَةٍ، باقيَةٍ ذاتيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِكُلِّ مُمكِنٍ، فلم يوجد شيءٌ ولا يوجدُ إلَّا بها، وبأنَّه تعالى مريدٌ بإِرادةٍ واحدةٍ قديمةٍ ذاتيةٍ باقيةٍ مُتَعلقةٍ بِكُلِّ مُمكِنٍ، وَبأنَّهُ تعالى حَيٌّ بحياةٍ واحدةٍ وجُودِيَّةٍ قديمَةٍ ذاتيّةٍ، وبأنَّه تعالى سَمِيعٌ بصيرٌ بِسَمْعٍ وبَصَرٍ قديمينِ ذاتيينِ وجوديينِ مُتَعَلِّقينِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ وَمُبْصِرٍ، وبأنَّه تعالى قائلٌ وَمُتكَلِّمٌ بكلام قديمٍ ذاتيٍّ وجُوديٍّ غير مخلوقٍ (ولا مَحْدَثٍ ولا حادِثٍ) (٢) بلا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ. فالقرآنُ كلام الله ووحيهُ وتنزيلُهُ، مُعْجِزٌ بنفسه لجميع الخلق، غيرُ مخلوق ولا حالٌّ في شيءٍ ولا مقدور على بعض آية منه.

стр. 483

فصْلٌ ويَجبُ الجَزْمُ بأنه ليس بجوهر ولا جِسْمٍ ولا عرَض (١)، (لا تحُلُّه الحوادثُ ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه) (٢)، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر (٣). (فَيَجِبُ الجَزْمُ بأنه سبحانه بائن من خلقه، فالله تعالى كان ولا مكان ثُمَّ خَلَقَ المكان وهو كما كان قبل خلق المكان) (٤)، ولا يعرفُ بالحَوّاسِ، ولا يقاسُ بالنَّاس، ولا مدخل في ذاته وصفاته للقياس، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا فهو الغني عن كُلِّ شيء، ولا يستغني عنه

стр. 484

شيء، ولا يشبهُ شيئًا ولا يشبهه شيء، فمن شبَّههُ بشيء من خلقه فقد كفر (كمن اعتقده جسمًا أو قال إنه جسم لا كالأَجسام) (١)، فلا تبلغه سبحانه الأَوهام، ولا تدركهُ الأَفهام، ولا تضرب له الأَمثال، (ولا يعرف بالقيل والقال) (٢)، وبكُلِّ حال مهما خطر بالبال وتوهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال (٣). فَصْلٌ في أسماءِ الله تعالى وصفاته وهي قديمة توقيفيةٌ، فلا يجوز أن نسميَه ولا نصفَه إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة أو عن جميع علماء الأُمة، فَنكُفُّ عما كَفُّوا عنه ونَقِفُ حيث وقفوا، ولا نتعدى الكتاب والسُّنة وإجماع سلف الأُمة في ذلك. فَكُلُّ ما صح نقله عن الله تعالى أو رسوله ﷺ أو جميع أمته في أسماء الله وصفاته يجب قبوله والأَخذ به وإمراره كما

стр. 485

جاء وإن لم يعقل معناه (١)، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره (٢) كآية الاستواء وحديث النزول وغير ذلك إلَّا بصادر عن النبي ﷺ أو بعض الصحابة، وهذا مَذْهَبُ السَّلَفِ قاطبةً وهو أسلم المذهبين وأولاهما. وأقول وبالله التوفيق وعليه التُّكلان: هذا اعتقادي في السِّرِّ والإعلان، ولا يسعني خِلَافُهُ إلى أن ألقى الملك الديان، المنزه عن مشابهة شيء من الأَكوان، فالذي أدين الله به وأرجو أن ألقاه عليه الوقوف عن تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها وما شابَهَهَا إلَّا أن يكون واردًا في الكتاب أو السنة أو تجتمع عليه علماء الأمة اتباعًا لإجماع السَّلفِ الصالح، واقتداءً بهم.

стр. 486

وإني ولله الحمد من حين نَشَأْتُ على هذا الاعتقاد وقد زادني محبة وتمسكًا به وأكدَهُ عندي أني رأيت في المنام إِمامنا الإمام أحمد ﵁ فأخبرتُهُ باعتقادي فأقرني عليه وشافهني بأن التأويل بغير ورود أو إجماع غير جائز، بل أفهمني أن ما نقله عنه أصحابه من امتناع التأويل هو مذهبه لا غيره، حَتَّى إِني سألته عن الاستدلال بكلام الأَخطل وغيره مما استدل به أهل التأويل فغضب من ذلك غضبًا بليغًا وأَعْرَضَ عني وتغير لونه ثُمَّ قَال: لا يجوز ذلك ولا يصح، وأشار إليَّ بالإعراض عن جميع ذلك، وأفهمني أنَّه لا يجوز قياس كلام الله تعالى وصفاته ولا تخريجها على شيء من ذلك أصلًا مع أني كَرَّرْتُ عليه ذلك مرارًا وهو لا يجاوبني إلَّا بمثل ذلك (١)، وهذا وشبهه هو الذي كان عليه في حياته كما نقله عنه أصحابه وغيرهم. وكانت هذه الرؤيا في أواخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وألف وهي رؤيا حق إن شاء الله تعالى؛ لأَني كنت في مَرَضٍ شديدٍ مؤلم جدًّا وهو ريح مع بلغم بكتفي الأَيسر قد منعني النَّوم والأَكل والشُّرْبَ والمطالعَةَ والكتابةَ وغيرهُنَّ مُدَّةً، حَتى كدت أيأس من زواله، لأَني بالغت في التَّداوي له مبالغة زائِدَةً على العادة بحيث إني ما تركت دواءً وصفه لي مسلم أو ذميٌّ لشدةِ الوجع وفراغ الصبر، ولم يحصل

стр. 487

شيء من ذلك إلَّا زيادة في الألم، فزال ببركة رؤياه (١) ﵁ وأرضاه، وشكر له ثباته وصبره على السُّنَّةِ ومسعاه، وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركاته وبركة ما أنعم به عليه ومنحه وأعطاه، حَتَّى نلقاه على خير طويَّةِ وأحسن نية، ونسأله أن يثبتنا على العقيدة السنية ببركة نبينا سيد البرية (٢). والحاصِلُ أن الصَّحابة والتابعين وتابعيهم اكتفَوْا بالإيمان بجميع ما ورد في الكتاب والسُّنَّةِ من أسماء الله سبحانه وصفاته مع إمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تعرُّضٍ لتفسيره أو تأويله (٣) بلا ورودٍ، ولو كان تفسيره ذلك أو تأويله واجبًا لبينه ﷺ ولما تركه الصحابة؛ إذ لم ينقل عنهم ما يدل على ذلك مع أنهم أعلم الأمة وأعرفُها بذلك وغيره بالإجماع، وسكتوا عنه مع أنهم هداةُ الدِّين والأُمة وأئمتهما، فلو كان تمام إيمانها وإرشادها موقوفًا على شيء من ذلك لبيّنوهُ ولم يسعْهم كتمُهُ، وإذا كان كذلك فليَسَعْنا ما وسِعَهُم، ولنسكت عما سكتوا، ولنكفَّ عما كفوا عنه؛ لأَنه أهون وأسلم وأصون وألزم، والله أدرى وأعلم وأعز وأكرم.

стр. 488

إذا علمت هذا فاعلم أن الكلام في الصِّفات فرع على الكلام في الذَّات، فكما أنه سبحانه لا شبيه له في ذاته لا شبيه له في صفاته، فصفاتُهُ معلوم وجودها ولا يعلم حقائقها إلَّا هو وتَقَدَّسَ عن كل ما يخطر في قلوب العقلاء في ذاته وصفاته، فلنضرب عن الكيفية قطعًا، ولنمسك عن المثلية جزمًا، ولنحِد عن التعطيل حتمًا، فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة، ولا نميل في الإثبات إلى إلحاد الممثلة، بل نُثبتُ ولا نحرف، ونصفُ ولا نكَيف، فالإيمان بذلك واجب من غير رَدٍّ ولا تعطيلٍ ولا تشبيه ولا تجسيم. فمذهبُ أهل السُّنَّة حَقٌّ بين باطلين، وهُدى بين ضلالتين، وهو إثباتُ الأَسماءِ والصِّفات مع نفي التشبيه والأَدوات (١). فَصْلٌ ويحرُمُ أن يُسَمَّى الله ويوصف بنحو فاضلٍ وعاقل وعارفٍ وعفيفٍ وفقيه، وإن كان معناه صحيحًا ثابتًا له تعالى؛ لعدم وروده، وأن يطلق عليه سبحانه ما يوهم أدنى نقص من اسم أو صفة وإن كان واردًا، كماهدٍ وزارعٍ وفالق ونحوِهَا، وأن يُسمَّى غيره بأسمائه المختصة به وهي الله والرحمن والغفار والملك والصّمَدُ

стр. 489

والمتعالي (١) والسُبُّوح والقدوس والإله والمعبود، وأن يُدعى بغير أسمائه الحسنى. فَصْلٌ في الرؤية ونجزم بأن المؤمنين يرون ربهم تعالى يوم القيامة بالأَبصار ويكلمهم على ما يليق به فيهما بلا تكييف ولا تشبيه، ولا تراه الكفار، ولا تجوز رؤيته في الدنيا شرعًا يقظة، وتجوز منامًا. ونجزم بأن نبينا محمدًا ﷺ رأى ربَّهُ ليلة الإسراء عيانًا يقظة، وكلَّمه كفاحًا بلا تكييف ولا تشبيه (٢)، والله أعلم.

стр. 490

الباب الثاني: في الأَفعال اعلم أن كل شيء سوى الله وصفاته حادث، وهو سبحانه خلقَهُ وأوجدَهُ وابتدأه من العَدَمِ لا لعِلَّةٍ ولا لغرضٍ (١) ولا لداعٍ ولا لحاجةٍ ولا لموجب، ولا تَجِبُ رعايةُ ذلك في شيء من أفعاله سبحانهُ ولا يفعَلُ عبثًا، فلا خالق لِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ ولا شيء إلَّا هو سبحانه، وجميع أفعال العباد كَسْبٌ لهم وهي مخلوقة الله خيرُها وشرها حَسَنُها وقبيحها، وفعل العبد مختار ومُيسَّرٌ في كسب الطَّاعَةِ واكتساب المعصيَةِ غيرُ مُكْرهٍ ولا مُجْبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، والله سبحانه الخالق ما كَسَبَهُ العبدُ واكتسَبُه وفعلَهُ، والقدرة والمقدور والاختيار والمختار والكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه. والقدرة هي التَّمكن من التَّصرف (٢). وكُلُّ موجودٍ من أفعال العباد وغيرهم، فالله أراد وجوده وإن كان معصيةً ومضرة.

стр. 491

وله تعالى إيلامُ الخَلْقِ وتعذيبهم من غير جُرْمٍ سابقٍ أو ثواب لاحقٍ أو اعتبار لائق، فله أن يفعل بخلقه ما يشاء ويحكم فيهم بما يريد (١)، وكل ذلك منه حسن لأَنهم ملكُهُ وهومالكهم فلا يُسئل عما يفعل وهم يسألون. وله تعجيل الثَّواب والعقاب وتأخيرهما والعفو عن المسلم المذنب وإن لم يتب وعن الكافر إذا أسلم، والمعدوم مخاطب إذا وُجِدَ. ولا يجب عليه سبحانه لخلقه شيء ولا فعل الأَصلح والأَنفع لهم (٢)، ولا يَصِحُّ أن يقال إنما خَلَقَ الخَلْقَ لينفعهم فإن خلق أهل النَّار وتخليدهم وتسليط إبليسَ وجندِهِ عليهم بالضّلال وغيره ليس

стр. 492

لنفعهم، ويَصِحُّ خلق المؤمن لينفعه (١). وهو سبحانه الحاكم بكل حكم، والعقلُ المرعي تَبَعٌ وموافقٌ للنَّقْلِ الشَّرعي، فلا حُسْنَ ولا قُبْحَ ولا شُكْرَ ولا كُفْرَ ولا مَدْحَ ولا ذَمَّ ولا أَمْرَ ولا نَهْيَ إلَّا من الشَّرْع (٢)، فلا تُخْتبَرُ إباحةٌ ولا غيرها إلَّا به فلا حُكْمَ للعَقْلِ في عين ولا غيرها قبل ورود الشَّرعِ. فَصْلٌ والله هو الرَّزَّاقُ من حَلالٍ وحرام، والرِّزْقُ ما يتغذَّى به الحي وينتفعُ به من الأمور المالية. وهو سبحانه أَضَلَّ من شاءَ وهدى من أراد، ولو شاءَ الله لجمعهم على الهدى، ومن يضلل الله فما له من هاد. والإضلال: خَلْقُ الكُفْرِ والضَّلالِ في القلبِ، وخلقُ المحبة لذلك والقدرة عليه، والهِدايةُ كَتْبُ الإيمانِ فيه وتحبيبُهُ والقُدْرَةُ عليه. فهو سبحانه الخالقُ لِكُلِّ مخلوقٍ، والرَّازِقُ كُلَّ مرزوقٍ، والمُحيي كُلَّ حَيٍّ، والمميتُ كُلَّ مَيِّتٍ، والمبقي كُلِّ باقٍ، والمفني

стр. 493

كُلِّ فانٍ، لا رادَّ لحكمِهِ ولا صادَّ عن حتمِهِ، ولا ناقِضَ لما أَبْرَمَ، ولا مُغيّرَ لما أحكم، ولا مُبَدّلَ لما عَلِمَ وَلا مُزيلَ لِمَا قَسَمَ. فَصْلٌ ويستحيلُ من الله تعالى كُلُّ ما هو مستحيلٌ حقيقةً في العَقْلِ مِمَّا لِلْعَقْلِ مَدْخَلٌ في علمِهِ ومجالٌ، فلا يوصفُ سبحانه بالقُدْرة على المُحالِ في حَقِّهِ كالكذبِ والظُّلْمِ ونحوهما، فلا يستحيلُ منه ما هو مستحيلٌ في العَقْلِ، وليس للعَقْلِ مدخلٌ في علمه، كإيجادِ الأَشياء من العَدَم، وعذابِ القَبْرِ ونعيمِهِ. البَابُ الثَّالِثُ: في الأَحكام فيَجِبُ امتثالُ أَمْرِهِ سُبْحانَهُ، واجتنابُ نهيه الجازمين، ويُسَنُّ في غيرهما، ويلزمُ به الطَّاعةُ والخُضوعُ والإخلاصُ في الكُلِّ، ولا يستحقُّ المُطِيعُ على الله ثوابًا، ولا العاصي عِقَابًا بل يثيبُ الطائِعَ بفضلِهِ، ويُعَذِّبُ العاصي بعدله، وإذا عفا فبكرمِهِ وحلمِهِ، فلا نَقْطَعُ لطائعٍ بجنةٍ ولا لعاصٍ بنارٍ، لكن نرجو رحمة الله للطائِعِ، ونخافُ عذابه على العاصي، ونرجو له رحمتَهُ أيضًا. وثوابُ المؤمنِ وعِقَابُ الكافِرِ دائمان شَرْعًا، ومَنْ عَمِلَ حَسَنَةً وسيِّئةً فله سبحانه أن يُثِيبَهُ على حسنتِهِ ويُعاقِبَهُ على سيئتِهِ، ولا يَجِبُ ذلك ففي الشَّخْصِ الواحدِ ثوابٌ وعقابٌ فالثَّوابِ في مقابل طاعته، والعقاب في مقابل معصيتهِ.

стр. 494

فَائِدَةٌ: الأَمْرُ والنَّهي المطلقانِ للفَوْرِ والتِّكرارِ المُمْكِنِ شَرْعًا. فَصْلٌ في الإسلامِ والإيمانِ فالإسلامُ هو الإتيان بالشَّهَادتين مع اعتقادِهِما والتزامُ الأَركانِ الخَمْسَةِ إذا تَعَيَّنت، وتصديقُ الرسول ﵇ فيما جاء به. والكفر جَحْدُ ما لا يتم الإسلام بدونه. ومن فَعَلَ كبيرةً أو داومَ على صغيرةٍ فَسَقَ، فإن استحَلَّ ما ثَبَتَ جَزْمًا أو أُجْمِعَ على تحريمِهِ وهو ظاهِرٌ كَفَرَ. والكبيرةُ ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، والصغيرةُ ما عدا ذلك. ومن كَفَرَ يُسْتَتَابُ ثلاثة أيامٍ فإن لم يتب قُتِلَ. فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ تَبَعًا لأَبويه أو لسابيه أو للدَّار، يلزمه الإتيان بالشَّهادتين إذا بَلَغَ إن لم يكن نَطَقَ بهما قبله. تَنْبِيهٌ: الفِسْقُ لا يُزيلُ الإيمان، لكن لا يقال للفاسق ديِّن ومُتَّقٍ وموفَّقٌ ومُخْلِصٌ ووليُّ الله. والإيمان عقدٌ بالجَنانِ، وقَوْلٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالأَركان، وترك العصيان، يزيد هو وثوابُهُ بالطَّاعَةِ وينقُصُ هو وثوابه بالمعصيةِ، ويَقْوَى بالعلم ويَضْعُفُ بالجَهْلِ والغفلة والنِّسيان.

стр. 495

وقول إن شاء الله فيه سُنَّةٌ لا على الشَّكِّ في الحالِ بل في المآل، أو في قبول بعض الأَعمال أو لخوف التقصير أو كَراهَةٍ لتزكية النَّفْسِ. فَصْلٌ والله مُقَدِّرُ الخَيْر والشَّرِّ والنَّفْعِ والضر، فلا يخرج شيءٌ عن تقديره ولا يصدرُ إلَّا بتدبيرِهِ، وكُلُّ ما علمه أو قضَاهُ أو حَكَمَ به أو أخبر به لا يَتصوَّرُ تغييرُهُ ولا مخالفَتُهُ، ولا يمكن الخُلْفُ فيه بل يستحيلُ، فلا يَتَعَدَّى شيءٌ أَجَلَهُ ولا يتقدمهُ ولا يتغيَّرُ ما خلقَ الله. والمخنُوقُ، والمقتولُ، والغريقُ، والمحروقُ، وأكيلُ الوحش والمَصْلُوبُ والميتُ بِهَدمٍ أو تَردٍّ وشِبْهُها كمن يموت بأجله على حالته، فلا يقطعُ شيءٌ أجل أحدٍ. ويجبُ بوعيدٍ تخليدُ الكافِرِ في النّارِ وبوعدِهِ إخراجُ غيره منها بشفاعة النبي ﷺ أو غيره أو بكرمه سبحانه قبل الاقتصاص وبعده وقبل كماله. فَائِدَةٌ: وتحبطُ المعاصي بالتَّوبة، والكُفْرُ بالإسلامِ، والطَّاعةُ بالرِّدّةِ المتصلة بالموتِ، ولا تحبطُ بغيرها. فَصْلٌ وَتَجِبُ التَّوبَةُ من كُلِّ ذَنْبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ على المُكَلَّفِ فورًا، وتُقْبَلُ فيما عدا الشِّرْكِ، ولا تُقْبَلُ ظاهرًا من مُبْتَدِعٍ داعيةٍ إلى بدعتِهِ
следующие страницы →