← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ فلا يجوز أن يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ﴾ كما زعم قوم (١)، لأن الإنسان لا يراد منه العلم في ذلك الوقت، إنما يراد في الدنيا، على معنى: أفلا يعلم الإنسان الآن أن الله تعالى عالم به إذا بعثر فيجازيه، اللهم إلا على وجه التهديد والوعيد، فحينئذٍ يجوز أن يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ﴾. ولا ﴿بُعْثِرَ﴾ كما زعم آحْرون (٢)، لأنه أضيف إليه ﴿إِذَا﴾، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ولا (خبير)، لأن ما بعد ﴿إِنَّ﴾ لا يعمل فيما قبله. وإذا كان كذلك ثبت أن العامل فيه مدلول المذكور، أي: أفلا يعلم الإنسان في الدنيا أن الله تعالى مجازيه إذا بعثر، أو أفلا يعلم عِلْمَ الله به إذا بعثر؟ وأما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: فيجوز أن يكون معمول قوله: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وإن حال بينهما اللام، لأن حكم هذا اللام أن يكون أولًا، وإنما أخر لأجل في خول ﴿إِنَّ﴾ على الابتداء حتى لا يجتمع حرفا تأكيد، وجاز أن يكون ظرفًا لـ (خبير) وإن كان الله جل ذكره عالمًا بهم في جميع الأوقات والأزمان، لأن الجزاء يقع حينئذٍ، وقد جوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَحُصِّلَ﴾، أي: حصل ما في الصدور يومئذٍ، والوجه هو الأول، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة والعاديات والحمد لله وحده

стр. 3852

إعراب سُورَةِ القَارِعَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾: قوله : ﴿الْقَارِعَةُ﴾ ابتداء، و ﴿مَا﴾ ابتداء ثان، و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ خبره، والجملة خبر الابتداء الأول، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). وقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ (يومَ) يجوز أن يكون ظرفًا لمضمر تدل عليه ﴿الْقَارِعَةُ﴾، أي: هي واقعة يوم يكون، وأن يكون خبرًا لقوله: ﴿الْقَارِعَةُ﴾. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ اعتراض، كأنه قيل: القارعة العظيمة تقع، أو واقعة في ذلك اليوم، فاعرفه فإنه موضع، وقيل: هو منصوب بإضمار فعل، أي: اذكر، فيكون مفعولًا به. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا

стр. 3853

مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾: قوله : ﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي: ذاتُ رضًى. وقيل: تقديره: راضٍ صاحبها، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، واستكن الضمير في اسم الفاعل، وقد مضى الكلام على نحو هذا بأشبع من هذا فيما سلف من الكتاب (١). و (مَن) في قوله: ﴿مَنْ ثَقُلَتْ﴾ و ﴿مَنْ خَفَّتْ﴾ شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ﴾، والفاء جواب (أمَّا). والهاء في ﴿مَا هِيَهْ﴾ هاء السكت، فمن حذفها في الوصل (٢) فعلى القياس، لأنها لاحقة في الوقف دون الوصل كألف (أنا) ومَن أثبتها في الوصل فعلى إجراء الوصل مجرى الوقف، ولأنها ثابتة في الرسم. وقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نار حامية، يعني: أن الهاويه نار حامية، والحامية: المتناهية في الحرارة، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة القارعة والحمد لله وحده

стр. 3854

إعراب سُورَةِ التَكاثرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: قوله : ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ الجمهور على الخبر، وقرئ: (آلهاكم) بالاستفهام (١)، ومعناه: التقرير والتوبيخ. وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (كلا) ردع وزجر عن التكاثر الملهي عن الطاعة. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ كُرر تأكيدًا وتغليظًا للوعيد. وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ (كلا) يجوز أن يكون بمعنى الأول كُرر لتأكيد الردع، وأن يكون بمعنى حقًّا، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، و ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، والتقدير: لو تعلمون أنكم ترون الجحيم عِلْمَ الأمر اليقين، أو عِلْمَ الحق لتركتم التفاخر والتكاثر، ولكنكم لا تعلمون

стр. 3855

ذلك فغفلتم عن الطاعة جهلًا منكم، فحذف جواب (لو) لكونه أبلغ من الإتيان به، والموصوف - وهو الأمر أو الحق - وأقيمت الصفة مقامه. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾: قوله : ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ اللام جواب قسم محذوف، أي: والله لترون الجحيم. قيل: والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب، وكرره معطوفًا بثُمَّ تغليظًا في التهديد وزيادة في التهويل (١). والرؤية هنا من رؤية العين، ورأى إذا كان من رؤية العين تعدى إلى مفعول واحد، تقول: رأيت زيدًا. وقرئ: (لتَرون) بفتح التاء. و (لتُرون) بضمها (٢)، فمن فتح التاء بنى الفعل للفاعل، وهو ضمير الجمع، وعدّاه إلى مفعول واحد وهو الجحيم، ومن ضمها عداه بالهمزة إلى مفعولين، ثم بناه للمفعول وأقام الأول مقام الفاعل وهو الضمير، وبقي الثاني على حاله وهو ﴿الْجَحِيمَ﴾، تقول: أنت ترى الجحيم، وأنتما تريان الجحيم، وأنتم ترون الجحيم، وأصله: ترأيون، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وهذا النقل مطرد في كلام القوم إذا كان الفعل مستقبلًا، نحو: تَرى، وأصله: ترأى، ويرى وأصله: يرأى، فبقي بعد النقل ترءيون، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها [قلبت] ألفًا وحذفت الألف لسكونها وسكون واو الضمير بعدها، فإذا أتيت بالنون الشديدة للتأكيد، حذفت النون التي هي عَلَمُ الرفع للبناء، وحركت واو الضمير بالضم لسكونها وسكون النون الأولى، ولم تردّ لام الفعل لأن الواو في تقدير السكون، وعلى هذا قالوا: رمت المرأه، ولم يردوا لام

стр. 3856

الكلمة؛ لأن التاء في نية السكون، ولذلك أجمع الجمهور على ترك همزها؛ لأن حركتها عارضة لالتقاء الساكنين. وعن بعض القراء: همزها (١)، على إجراء غير اللازم مجرى اللازم. وبعد فقد ورد في التفسير أن هذه الرؤية قبل أن يدخلوها، وهي لهم كقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ (٢)، فيرونها في الموقف، ثم يرونها إذا دخلوها فشاهدوا فيها ما هُيِّئ لهم من أنواع العذاب، وذلك قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (٣). وانتصاب ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ على المصدر من غير لفظ الفعل حملًا على المعنى، لأن رأى وعاين بمعنًى. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة التكاثر والحمد لله وحده

стр. 3857

إعراب سُورَةِ العَصْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾: قوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ الجمهور على إسكان الصاد، وقرئ: (والعصِر) بكسرها (١)، كسرت لأجل كسرة الراء، وهذا من باب إتباع الأول الثاني، مع أن الصاد تكسر في الوقف في لغة من ينقل الحركة إذا كانت كسرة أو ضمة إلى الساكن قبلها حرصًا على بيان الإعراب، فقوي الكسر فيها لذلك. وقيل: إن الكسر فيها لغية. وفيه لغتان أخريان: عُصْرٌ وعُصُرٌ، كعُسْرٍ وعُسُرٍ (٢). والعَصْرُ: الدَّهْرُ، أقسم به سبحانه لما فيه من أنواع العجائب، من جهة مرور الليل والنهار وتعاقب الأدوار وغير ذلك. وقيل: بل أقسم بصلاة العصر لفضلها، والمراد بالعصر آخر النهار. وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ قيل: الإنسان هنا عام، والمراد به

стр. 3858

جميع الناس، والاستثناء على هذا متصل، وقيل: المراد به الكافر، فالاستثناء على هذا منقطع (١). وقوله: ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فحذف الموصوف، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة العصر والحمد لله وحده

стр. 3859

إعراب سُورَة الهُمَزَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾: قوله : ﴿لُمَزَةٍ﴾ بدل من ﴿هُمَزَةٍ﴾، والتاء فيهما للمبالغة في الوصف كالتي في علَّامة وراوية (١)، ولذلك يقال: رجل هُمَزَةٌ، وامرأة هُمَزَةٌ. قيل: وهو الكثير الطعن علي غيره، العائب على ما ليس فيه عيب، يقال: هَمَزَ يَهْمِزُ هَمْزًا، فهو هَامِزٌ وهَمَّاز وَهُمَزَةٌ، ونحوه: ضُحَكَةٌ، وهو كثير الضحك، وعُيَبَةٌ، أي: كثير العيب. وكذلك لُعَنَةٌ، إذا كان يلعن الناس، ورجلٌ لُعْنَةٌ وهُزْءَةٌ، إذا كان يلعنه الناس ويهزؤون به (٢). والجمهور على فتح [ميم] (همَزة) و (لمَزة)، وقرئ: بإسكانهما فيهما (٣)، وهو المَسْخَرَةُ الذي يأتي بالأضاحيك، فيضحك منه ويشتم، وهذا مطّرد في كلام القوم إذا جاءت كلمة على فُعَلَة بتحريك العين وهي الوصف، فهي للفاعل، وإذا جاءت فُعْلَة بسكون العين، فهي للمفعول على ما شرح آنفًا. وقوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ﴾ يجوز أن يكون في موضع جر على البدل من

стр. 3860

(كل)، كأنه قيل: ويل للذي جَمَعَ، وأن يكون في موضع نصب على إضمار فعل، وأن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. وقرئ: (جَمَّعَ) بالتشديد للتكثير، أي: جمع شيئًا بعد شيء، وهو مُشَاكِلٌ لقوله ﴿وَعَدَّدَهُ﴾. و (جَمَعَ) بالتخفيف (١)، وهو يصلح للقليل والكثير. والجمهور على تشديد قوله: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ عطفًا على ﴿جَمَعَ﴾، أي: جمع مالًا وأحصاه مرة بعد مرةٍ أخرى وحقظ عدده، يقال: عدَّد الشيء، إذا عدّه مرارًا كثيرة، وأعدّه، إذا جعله عدةً، والعُدَّةُ: ما أُعِدَّ لحوادث الدهر من المال والسلاح، يقال: أخذ للأمر عُدّته وعَتاده، بمعنًى. وقرئ: (وَعَدَدَهُ) بالتخفيف (٢) عطفًا على المال، على معنى: جمع المال وضبط عدده وأحصاه، وهذا إبانةٌ عن كثرة المال. وقيل: جمع ماله وقَوْمَهُ الذي ينصرونه، من قولك: فلان ذو عَدَدٍ وعُدَدٍ، إذا كان له عدد وافر من الأنصار. فإن قلتَ: هل يجوز أن يكون (وعدَده) على قراءة من خفف فعلًا عطفًا على ﴿جَمَعَ﴾ على إظهار التضعيف، كضنِنُوا في قول قعنب بن أم صاحب (٣): ٦٣٦ - مَهْلًا أَعاذِلَ قَلْ جَرَّبْتِ مِنْ خُلُقِي ... أَني أَجُودُ لأقْوَامٍ وَإِنْ ضَنِنُوا (٤) قلتُ: لا، لأن ذلك لا يستعمل في حال السعة والاختيار، يقال:

стр. 3861

ضنِنت بالشيء أضن به بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ضنًا وضنانة، إذا بخلتَ به. وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ محل (يحسب) النصب على الحال من المنوي في ﴿جَمَعَ﴾. وأخلد: قد جوز أن يكون على بابه على معنى: طَوَّل المالُ أمله ومنَّاه الأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يخال أن المال تركه خالدًا في الدنيا لا يموت. وأن يكون بمعنى يخلده، كما يقال: دخل فلان النار، إذا أتى معصية، والمعنى: سيدخلها. وهلك فلان، إذا حدث به سبب الهلاك من غير أن يقع هلاكه. ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾: قوله : ﴿كَلَّا﴾ يجوز أن يكون بمعنى الردع والزجر، وأن يكون بمعنى (حقًّا)، فيكون متصلًا بما بعده. وقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ اللام جواب قسم محذوف، ودخول النون لذلك، والتقدير: والله لَيُنْبَذَنَّ، والنَّبْذُ: الطرح والإلقاء. والجمهور على فتح الذال والنون، على أن المنبوذ واحد وهو جامع المال، وقرئ: (لَيُنْبَذَانِّ) على التثنية وتشديد النون أيضًا (١)، والمراد جامع المال وماله. و (لَيَنْبُذُنَّ) بضم الذال والباء مضمومة (٢)، والمراد هو وماله وأنصاره، لأن قارئة يقرأ: (وَعَدَدَهُ) بالتخفيف.

стр. 3862

وقرئ أيضًا: (لَيَنبذَنَّه) بفتح الياء على البناء للفاعل (١) وهو المال، أي: ليطرحنه مالُه في الحطمه. وقرئ كذلك إلا أنه بالنون مكان الياء (٢)، على إخبار الله عن نفسه، أنه يَنْبُذُ جامعَ المال فيها. والحُطَمَةُ: النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يُلقى فيها، أي تكسر وتأتي عليه. ويقال للرجل الأكول: إنه لحطمة. والحَطْمَةُ: السنه الشديدة، هكذا أخبرني شيخنا أبو اليمن الكندي ﵀ بفتح الحاء وإسكان الطاء (٣). [بقراءتي عليه في داره في بعض شهور سنة اثنتين وستمائة]. ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾: قوله : . ﴿نَارُ اللَّهِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نار الله. وقوله: ﴿الَّتِي﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على أنها نعت بعد نعت لـ ﴿نَارُ اللَّهِ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي، وأن يكون في موضع نصب بإضمار فعل. و﴿الْأَفْئِدَةِ﴾ جمع الفؤاد وهو القلب، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أنها جمع قلة استعمل في موضع الكثرة. وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: إن الحطمة مؤصدة، أي: مطبقة، وقد مضى الكلام عليها في "البلد" (٤).

стр. 3863

وقوله: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم في عمد، وأن يكون في موضع نصب على الحال من الضمير المجرور بعلى، أي: مؤصدة عليهم موثقين في عمد، ويجوز أن يكون من صلة ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ وتكون ﴿فِي﴾ لا بمعنى الباء، أي: مؤصدة عليهم بعمد (١). وقرئ: (في عمد) بفتحتين وضمتين (٢). قيل: وكلاهما جمع عمُودٍ أو عِمَادٍ، كزَبُورٍ وزُبُر، وكِتَابِ وكُتُب، وإِهَابٍ وَأَهَبٍ. وقيل: عَمَد اسم للجمع، كأديم وأَدَمَ (٣). وقرئ: (في عُمْدٍ) بضم العين وإسكان الميم (٤)، وهو تخفيف عُمُدٍ بضمتين، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الهمزة والحمد لله وحده

стр. 3864

إعراب سُورَةِ الفِيلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ الرؤية هنا من رؤية القلب، والاستفهام بمعنى التقرير، والمعنى: علمتَ آثار فعل الله بالحبشة، وحُذِفَتْ اللام للجزم. والجمهور على فتح الراء وهو الوجه، وقرئ: (ألم ترْ) بسكونها (١) جدًّا في إظهار أثر الجازم. أبو الفتح: هذا السكون إنما بابه الشعر لا القرآن، لما فيه من استهلاك الحرف والحركة قبله، أعني الألف والفتحة من ترى، انتهى كلامه (٢). و﴿كَيْفَ﴾ معمول قوله: ﴿فَعَلَ﴾ دون ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ لأن ﴿كَيْفَ﴾ فيه معنى الاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: في ذهاب وإبطال، يقال: ضل اللبن في الماء، إذا ذهب. وضلل كيده، إذا جعله ضالًا ضائعًا.

стр. 3865

﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾: قوله ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾: عطف على قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ﴾ لأنه ماضٍ في المعنى، و ﴿أَبَابِيلَ﴾ صفة لطير، وهي جماعات في تفرقة، ولا واحد لها في قول أبي عبيدة (١)، والفراء (٢)، والأخفش، قال الأخفش: يقال: جاءت إبلك أبابيل، أي: فِرَقًا، وطير أبابيل، قال: وهذا يجيء في معنى التكثير، وهو من الجمع الذي لا واحد له (٣). وقيل: واحدها إبَّالَة. وقيل: إِبِّيل. وقيل: إِبَّوْل (٤). وعن الفراء أيضًا: الواحد إِبَالَة بتخفيف الباء (٥). وقوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ في موضع نصب على النعت (لطير)، أو على الحال منها، لأنها قد خصصت بالصفة. والجمهور على التاء في ترميهم النقط من فوقه، والمنوي فيه للطير، وقرئ: (يرميهم) بالياء (٦)، والمستكن فيه إما لله جل ذكره وإما للطير، لأنه اسم جمع والجمع مذكر، وإنما يؤنث على المعنى. وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ محل الكاف النصب على أنه مفعول ثان لقوله: ﴿جْعَلْ﴾ لأنه بمعنى صير، والمنوي فيه لله تعالى، على

стр. 3866

معنى: فصيرهم الله جل ذكره هلكى، والتقدير: كعصف مأكولٍ حَبُّهُ، فبقيت الأطراف التي هي كالتبن. وعن الحسن: جعلهم كالتبن الذي يأكله الدواب (١). وقوله: ﴿مَأْكُولٍ﴾ أي: من شأنه أن يؤكل، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الفيل والحمد لله وحده

стр. 3867

إعراب سُورَة قُريشٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾: قوله : ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ هذه اللام عند قوم (١) متصلة بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ وإن كان من سورة أخرى (٢)، لأن القرآن كله كشيء واحد، ويعضده مصحف أُبي ﵁ لأنهما فيه سورة واحدة بلا فصل، وفِعلُ مَنْ قرأهما في الثانية من صلاة المغرب وفي الأولى "والتين" وهو عمر ﵁ (٣). أي: أهلك الله أصحاب الفيل لتألف قريش رحلتيها، واللام على هذا لام الصيرورة والعاقبة، وليست بلام العلة، لأن القوم إنما أُهلكوا بسبب كفرهم وقصدهم هدم الكعبة، لا لتألف قريش، ولكن لما صار إهلاكهم صلاحًا لقريش، جاز أن يجعل علة الإهلاك في تمكنهم من الرحلة وضربهم في البلاد للتجارات وطلب المعاش.

стр. 3868

والأصل ما ذكر، ونظيره قوله : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١) وهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن لما كان مآل الأمر إليه جاز أن يسمى علة، فاعرفه وآنسني به. وعند آخرين متصلة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ (٢)، والفاء صلة كالتي في قولك: زيدًا فاضرب. أمرهم جل ذكره أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين، أي: ليعبدوه لهذه النعمة التي أنعم بها عليهم. وعند غيرهما متصلة بمضمر، والتقدير: أَعجبوا لإيلافهم الرحلتين وتركهم عبادة رب هذا البيت (٣)؟ والإيلاف مصدر آلف يؤلف إيلافًا، واختلف فيه: فقال قوم: آلفت الشيء أولفه إيلافًا بمعنى ألفته، فأنا مؤلف، قال: ٦٣٧ - .... المُؤْلِفَاتِ الرَّمْلِ ... ................. (٤) فإذا فهم هذا، فقوله : ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ المصدر على الوجه الأول مضاف إلى الفاعل، والمعنى: لتألف قريش رحلتيها، فاعرفه فإنه موضع، وما أظنك تجده في كتاب (٥).

стр. 3869

والإيلاف والإيناس بمعنى، وضدهما الإيحاش. وقريش: هم بنو النضر بن كنانة، واختلف في تسميتهم قريشًا، فقيل: سموا قريشًا، لأنهم كانوا كَسَّابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد، ولم يكونوا أهل زرع ولا ضرع، والقَرْشُ الكسب، وفلان يَقْرِشُ لعياله، أي: يكسب، فهو قارش، فقُريش تصغير قارش، والقياس قويرش، غير أنه رُخِّمَ وصُغِّر كقولهم: حُريث في حارثٍ (١). وقيل: سموا بتصغير القِرش، وهو دابة عظيمة في البحر، وروي أن معاوية سأل ابن عباس ﵃ لم سميت قريش قريشًا؟ فقال: باسم دابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتَعلو ولا تُعلى (٢)، وأنشد: ٦٣٨ - وَقُرَيْشٌ هي التي تسكن البحر ... بها سُمّيَتْ قُرَيْشٌ قُريْشا (٣) والتصغير للتعظيم. وقيل: سموا قريشًا لِتَقَرُّشِهِمُ، أي: لتجمعهم وائتلافهم، يقال: قرشتُ الشيءَ، أي: جمعته، وتقرشوا، أي: تجمعوا (٤). وقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (إيلافهم) بدل من الأول، قيل: أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا بعظم النعمة فيه، كما تقول: عجبت من إحسانك إحسانك إلى زيد (٥).

стр. 3870

و ﴿رِحْلَةَ﴾: نصب بأنه مفعول به لـ ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ الثاني على ما ذكر قبيل من القولين في الإيلاف، وأراد رحلتي الشتاء والصيف، فأفرد لأمن الإلباس. والرِّحلة بالكسر: الارتحال، يقال: دنت رِحلتنا. وبالضمِ: الجهة التي يرحل إليها، وبالضم قرأ بعض القرآء (رُحلة الشتاء) (١)، والجمهور على الكسر. ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾: قوله : ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ اختلف في ﴿مِنْ﴾ هنا، فقيل: هو على بابه، والمعنى: أطعمهم من أجل جوعهم (٢). وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى: بَعْدَ، أي: أطعمهم بعد الجوع الذي أصابهم في سِني القحط حتى أكلوا العِلْهِز والجيف (٣). وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى (عن) (٤)، وقال صاحب الكتاب ﵀: الفرق بين عن ومن أن (عن) تقتضي حصول جوع وقد زال بالإطعام، و (من) تقتضي المنع من لحاق الجوع. والمعنى على هذا: أطعمهم فلم يلحقهم جوع، وآمنهم فلم يلحقهم خوف، و ﴿مِنْ﴾ على قوله لابتداء الغاية، والمعنى: أطعمهم في بدء جوعهم قبل لحاقه إياهم، وآمنهم في بدء خوفهم قبل اللحاق، فاعرفه فإنه موضع. وبعد: فقد قرئ: (لإيلاف قريش إيلافهم) بإثبات ياء بعد الهمزة فيهما بوزن (عيلاف) وكلاهما مصدر آلف وقد ذكر، وقرئ: (لإلاف قريش) بغير

стр. 3871

ياء بعد الهمزة، وهو مصدر أَلِفَ يَأْلَفُ إِلافًا، كلقي يلقى لقاءً، بمعنى آلف على أحد القولين، (إيلافهم) بياء بعد الهمزة، وعلى هاتين القراءتين الجمهور (١). وقرئ أيضًا: (لإلافِ قريش إلافهم) بحذف الياء فيهما (٢)، بوزن كتاب وهو مصدر ألف. وقرئ أيضًا: (لإيلاف قريش إلْفِهم) بكسر الهمزة وإسكان اللام (٣)، وهو مصدر قولك: ألفته إلْفًا وإلافًا، بمعنىً، وقد جمعهما في قوله: ٦٣٩ - زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكُم قُرَيْشٌ .... لهم إلْفٌ وليسَ لكم إِلَاف (٤) وقرئ أيضًا: (ليألَف قُريش) بفتح اللام وكسرها وإسكان الفاء، وهي لام الأمر، وأصلها الكسر وفتحها لغية، عن ابن مجاهد وغيره (٥)، (إِلْفَهم) بكسر الهمزة وإسكان اللام وفتح الفاء (٦)، أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت.

стр. 3872

وقرئ أيضًا: (لإِئْلاف قريشٍ إئْلافهم) بهمزتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة (١) على الأصل المرفوض. وقرئ أيضًا: (لإإِلافَ قريش إِإلافهم) بهمزتين محققتين فيهما، الأولى همزة الإفعال المزيدة، والثانية فاء الفعل من ألف، أُخرج - أعني هذا المصدر - على الأصل، وهو شاذ في الاستعمال والقياس، أبو علي: ليس لتحقيق الهمزتين هنا وجه، لأنا لم نعلم أحدًا حقق الهمزتين في نحو هذا (٢). وقرئ أيضًا: (إِيْئِلافهم) بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها همزة مكسورة (٣)، وأُنكرت هذه القراءة وخُطِّئ ناقلها، لأن نحو هذا لا يستعمل في حال السعة والاختيار، وذلك أنه أَشبع الكسرة فنشأت منها الياء كما تنشأ الألف من الفتحة والواو من الضمة، والمراد من الإشباع هنا والنشء: الفصل بين الهمزتين، فهذه ثماني قراءات، فاعرفهن وخذ منها ما صفا ودع ما كدر، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة قريش والحمد لله وحده

стр. 3873

إعراب سُورَةِ المَاعُونِ (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾: قوله : ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يجوز أن تكون الرؤية هنا بمعنى العرفان فيتعدى إلى مفعول واحد، أي: أعرفت الذي يكذب بالجزاء؟ وأن تكون بمعنى العلم فيتعدى إلى مفعولين، الثاني محذوف، والتقدير: أرأيت الذي يكذب بالدين أمصيب هو أم مخطئ؟ أو: أليس مستحقًا عذاب الله؟ وقوله: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ إتيان الفاء هنا يدل على أن الدَّعَّ سببه التكذيب، أي: لتكذيبه بالدين يدفع المسكين عن حقه، يقال: دَعَّهُ يَدُعُّهُ دَعًّا، إذا دفعه دفعًا عنيفًا، قاله الزمخشري (٢): والمعنى: الذي يكذب بالجزاء من هو؟ إنْ لم تعرفه فذلك الذي يكذب بالجزاء هو الذي يدع اليتيم. والجمهور على ضم الدال وتشديد العين، وقرئ: (يَدَعُ) بفتح الدال

стр. 3874

وتخفيف العين (١)، على معنى: يتركه فلا يراعيه اطَّراحًا له، وقد أُمِيتَ ماضيه في حال السعة والاختيار، فلا يقال: ودعه، وإنما يقال: تركه، ولا وادع، ولكن تارك، وقد جاء في الشعر ودعه، قال: ٦٤٠ - لَيت شعْري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحُبِّ حتى وَدَعَه (٢) وقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ في الكلام حذف مفعول وحذف مضاف، والتقدير: ولا يحث غيره على إطعام طعام المسكين من أجل بخله به، ويجوز أن يكون قد وضع الطعام موضع الإطعام، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب فاعرفه (٣). ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾: قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ نهاية صلة الموصول ﴿سَاهُونَ﴾، و ﴿عَنْ﴾: من صلته، والفائدة منوطة به وعليه الاعتماد، أعني: على ﴿سَاهُونَ﴾، قيل: ودخول الفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ يدل على أنهم هم المذكورون فيما قبل، وأقيم المظهر مقام المضمر، والتقدير: فويل له أو لهم، لأن قوله: ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ وإن كان لفظه على الوحدة، فإن معناه الجمع، إذِ المراد به الجنس. قيل: وإنما عدل عن ضميرهم إلى المظهر، لأنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة، مرائين غير مُزَكِّين أموالهم. قيل: فإن قيل: ما الفرق بين ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ وبين (في صلاتهم)؟

стр. 3875

فالجواب: أن معنى ﴿عَنْ﴾ أنهم ساهون عنها لقلة التفاتهم إليها، وذلك فعل المنافقين أو الفسقة المسلمين. ومعنى (في) أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة الشيطان، أو حديث النفس، وذلك لا يكاد يخلو أحد منه (١). وقوله: ﴿يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ المراءاة مفاعلة من الرياء، وقد مضى الكلام عليها فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون (٢). والماعون: ما يتداوله الناس من نحو: الفأس، والقدر، والدلو، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣). وقيل: الماعون في الجاهلية: كل منفعة وعطية، قال الأعشى: ٦٤١ - بأَجْوَدَ منه بِمَاعُونِه ... إذا ما سماؤُهُمُ لم تغِمْ (٤) وفي الإسلام: الطاعة والزكاة، وأنشد: ٦٤٢ - قَومٌ على الإسلامِ لَمَّا يمنعوا ... ما عُونهم ويضيعوا التهليلا (٥) وعن ابن عيسى: الماعون: الشيء القليل القيمة (٦). ويسمى الماءُ أيضًا ماعونًا، وينشد: ٦٤٣ - يَمُجُّ صَبِير الماعُونَ صَبًّا ... ................... (٧)

стр. 3876

وأصله من المَعْن، وهو الشيء اليسير الهين، قال النمر بن تولب (١): ٦٤٤ - ................ ... فإنَّ هَلاكَ مالِكَ غيرُ مَعْنِ (٢) فالزكاة قليل من كثير، وكذلك الذي يتداوله الناس بينهم قليل القيمة. وذهب بعضهم: إلى أن أصله معونة، والألف عوض من الهاء (٣)، تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الماعون والحمد لله وحده

стр. 3877

إعراب سُورَةِ الكوْثَرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾: قوله : ﴿إِنَّا﴾ قد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن أصل (إنا): (إنَّنَا)، فحذفت إحدى النونات كراهة اجتماع الأمثال وهي الوسطى. وقوله: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ الجمهور على العين، وقرئ على ما فسر: (أنطينا) بالنون مكان العين (١)، والإنطاء: الإعطاء بلغة أهل اليمن (٢)، والاختيار ما عليه الجمهور وإن كان كلاهما بمعنًى، لأجل الإمام مصحف عثمان ﵁. والكوثر فوعل من الكثرة. وقوله: ﴿فَصَلِّ﴾ الفاء للتعقيب، أي: عَقِّبْ ما أنعم به عليك بالصلاة. ﴿وَانْحَرْ﴾، أي: وانحر أضحيتك.

стр. 3878

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الشانئ: المبغض، يقال: شَنَأه يَشْنَؤُهُ شَنْئًا، وشَنَآنًا، وشَنْآنًا، إذا أبغضه. و﴿هُوَ﴾ يجوز أن يكون فصلًا وأن يكون توكيدًا للمنوي في ﴿شَانِئَكَ﴾، وأن يكون مبتدأ و ﴿الْأَبْتَرُ﴾ خبره، وكلاهما خبر ﴿إِنَّ﴾، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الكوثر والحمد لله وحده

стр. 3879

إعراب سُورَةِ الكَافِرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾: قولهَ : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ الألف واللام وإن كانت في اللفظ للجنس من حيث كانت صفة لأيّ، فإنها ترجع إلى معنى المعهود، لأن المخاطبين كفرة مخصوصون على ما فسر (١)، كما تقول: يا أيها الرجال ادخلوا الدار، فلم تأمر جميع الرجال، ولكن أمرت الذين أشرت إليهم بإقبالك عليهم. وقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (ما) يجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف، أي: لا أعبد الذي تعبدونه، وأن تكون مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، أي: مثل عبادتكم، لا بد من هذا التقدير لأن الشخص لا يفعل فعل غيره، ولكن يفعل مثل فعله. وكذلك القول في أخواتها، ومحلها النصب بالفعل الواقع قبلها، أو اسم الفاعل، والله تعالى أعلم بكتابه. هدا آخر إعراب سورة الكافرون والحمد لله وحده

стр. 3880

إعراب سُورَةِ النَّصرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾: قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: جاءك، فحذف المفعول للعلم به. واختلف في جواب ﴿إِذَا﴾، فقيل: محذوف تقديره: إذا جاءت هذه الأشياء تبينتْ لك نِعَمُ الله عليك. وقيل: حَضَرَ أَجَلُكَ. وقيل: فسبح (١). وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب في غير موضع، أن الجواب هو العامل فيه (٢). وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ في موضع نصب إما على الحال من ﴿النَّاسَ﴾ إن جَعلتَ الرؤية بمعنى الإبصار أو العرفان، وإن جعلتها بمعنى العلم كان مفعولًا به ثانيًا. و﴿أَفْوَاجًا﴾: حال من الضمير في ﴿يَدْخُلُونَ﴾. و﴿بِحَمْدِ﴾: في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿فَسَبِّحْ﴾، أي: سبحه حامدًا له. ﴿تَوَّابًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة النصر والحمد لله وحده

стр. 3881

إعراب سُورَةِ تَبَّت (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾: قوله : ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ الجمهور على الياء في ﴿أَبِي﴾ وهو الوجه لكونه مضافًا إليه، وقرئ: (أبو لهب) بالواو (٢)، لكونه كان مشهورًا بالكنية دون الاسم، فلما كان كذلك ترك على حاله ولم يغير مخافة اللبس على السامع، كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان ﵃ لذلك (٣). وقرئ: (لَهَبِ) و (لَهْبِ) بفتح الهاء وإسكانها (٤)، وهما لغتان كالنَّهَرِ والنَّهْرِ والشَّعَرِ والشَّعرِ.

стр. 3882

وقوله: (تَبَّ) خبر محض بمعنى: وقد تب، وقد قرئ به (١). وأما الأول فهو دعاء. وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ يجوز أن تكون (ما) استفهامية فتكون في موضع نصب، أعني: أيُّ شيءٍ أغنى عنه مالُه؟ وأن تكون نافية فتكون عارية عن المحل، ويكون مفعول قوله: ﴿أَغْنَى﴾ محذوفًا، أي: لم يغن عنه ماله شيئًا. وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يجوز أن تكون [ما] موصولة، وأن تكون موصوفة، وأن تكون مصدرية فتكون في موضع رفع عطفًا على ﴿مَالُهُ﴾، أي: ما أغنى عنه ماله والذي كسبه، أو وشيء كسبه، أو ومكسوبه، وإن شئت: وكَسْبُهُ. وأن تكون استفهامية فتكون في موضع نصب، أي: أيّ شيء كسب؟ وأن تكون نافية فتكون خالية عن المحل، والمعنى: لم يكسب خيرًا، فاعرفه فإنه موضع. وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ يجوز أن ترفع على الفاعلية عطفًا على المنوي في ﴿سَيَصْلَى﴾، أي: سيصلى هو وامرأته، وحسن العطف على المضمر المرفوع المتصل من غير تأكيد لطول الكلام. و (حَمَّالَةُ الحَطَبِ): نعتها (٢)، والإضافة على هذا محضة، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي حمالة الحطب. وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: في موضع الحال من المستكن في (حَمَّالَةُ الحَطَبِ). وأن ترتفع على الابتداء والخبر (حَمَّالَةُ الحَطَبِ) وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ إما خبر بعد خبر، أو حال، ويجوز

стр. 3883

أن يكون (حَمَّالَةُ الحَطَبِ) نعتًا لها، والخبر ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾، ويجوز أن يرتفع ﴿حَبْلٌ﴾ بالظرف على المذهبين لجريه حالًا على صاحبها، وهو (امرأتُهُ) على قول من رفعه بالعطف، أو المنوي في (حمالة) في من رفعه بالابتداء. وقرئ: (حمالةَ الحطبِ) بالنصب (١) ونصبها على الذم، أي: أذم حمالة الحطب، أبو علي: كأنها اشتهرت بذلك فجرت الصفة للذم لا للتخصيص، يعني: على قراءة من نصب (٢). وقد أجاز النحاس (٣) وغيرُهُ نصب (حمالة) على الحال من (امرأتُهُ) فيمن رفعها بالعطف، أي: تصلى النار مقولًا لها ذلك. و﴿مِنْ مَسَدٍ﴾: في موضع النعت لـ ﴿حَبْلٌ﴾. وَجَمْعُ جِيد: أجياد، وجمع مسد: أمساد. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة تبت والحمد لله وحده

стр. 3884

إعراب سُورَةِ الإخلَاصِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾: قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (هو) فيه وجهان: أحدهما: ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن والأمر، وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، وكلاهما خبر ﴿هُوَ﴾؛ كما تقول: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن أو الأمر هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له. والثاني: ﴿هُوَ﴾ كناية عن الله جل ذكره، لما رُوي أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : صف لنا ربك الذي تدعونا إليه وانسبه لنا. فنزلت (١)، أي: المسؤول عنه هو الله أحد، فـ ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ خبره، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من قوله: ﴿اللَّهُ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أحد، و ﴿اللَّهُ﴾ بدل من ﴿هُوَ﴾، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبر ﴿هُوَ﴾. و﴿أَحَدٌ﴾: بمعنى واحد، وأصله: وَحَدٌ، قلبت الواو همزة كما قلبت في أَنَاة، وأصلها: وَنَاةٌ، من وَنَى يني وَنْيًا ووَناءً، إذا فتر، وهذا مسموع في أحرف قليلة وليس بمطرد كالمضمومة والمكسورة. وقيل: الهمزة

стр. 3885

أصل كالهمزة في (أحدٌ) المستعمل للعموم، ومعنى أحد: أول (١). وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون ﴿الصَّمَدُ﴾ نعتًا لاسم الله جل ذكره وما بعده الخبر. والجمهور على تنوين قوله: ﴿أَحَدٌ﴾ في الوصل وكسره لالتقاء الساكنين، وقرئ: (أحدُ اللَّهُ) بضم الدال من غير تنوين (٢) لملاقاته حرف التعريف. وقرئ أيضًا: (أَحَدْ ألله) بإسكان الدال وقطع همزة الوصل من غير سكت بينهما (٣)، على إجراء الوصل مجرى الوقف فرارًا من ثقل الحركة والتنوين. والصمَدُ: الذي يُقْصَدُ إليه في الحوائج، يقال: صمَدَ إليه يَصْمُدُ صمْدًا، إذا قصده، فهو صامدٌ وذاك مصمود، فَعَلَ بمعنى مفعول، كَنَفَضٍ وقَبَضٍ، بمعنى منفوض ومقبوض. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أي: لم يلد أحدًا. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ نفي الوالدين، وأصل ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: لم يولِدْ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ولم تحذف من قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ كُفُؤًا ﴿أَحَدٌ﴾ (٤) (أحدٌ) اسم ﴿يَكُنْ﴾،

стр. 3886

و (كُفُؤًا) خبره. و ﴿لَهُ﴾ ملغى غير مستقر، وهو إما من صلة (كُفُؤًا) لما فيه من معنى الفعل، والظرف تكفيه رائحة الفعل، أي: لم يكن أحد شبيهًا له. وإما من صلة ﴿يَكُنْ﴾ لأنه فِعل. ويجوز أن يكون حالًا على أن يكون صفة إما لأحد أو لكفؤ. فلما تقدم عليه انتصب على الحال، وفيه ضمير يعود إلى ذي الحال، والعامل فيه إذا قدرته حالًا ﴿يَكُنْ﴾، أو (كُفُؤًا) لما فيه من معنى الفعل. أبو علي: فإن قلت: إن العامل في الحال إذا كان معنًى لم يتقدم الحال عليه، فإن ﴿لَهُ﴾ لما كان على لفظ الظرف، والظرف يعمل فيه المعنى وإن تقدم عليه، كقولك: كل يوم لك ثوب (١)، كذلك يجوز في هذا الظرف ذلك من حيث كان ظرفًا، انتهى كلامه (٢). الزمخشري: فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدمًا في أفصح كلام وأعربه؟ قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه، انتهى كلامه (٣). قلت: قال سيبويه ﵀ بعد أن ذكر الظرف الملغى والمستقر: والتقديم ها هنا والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ كُفُؤًا ﴿أَحَدٌ﴾ وأهل الجفاء يقولون: (ولم يكن كفؤًا له أحد) كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقرة، وأنشد: ٦٤٥ - لَتَقْرُبِنَّ قَرَبًا جُلْذِيّا ... مَا دَامَ فيهنَّ فَصيلٌ حَيّا (٤)

стр. 3887

انتهى كلامه (١). فصيل: اسم ما دام، وحيا: خبره، و (فيهن) ملغى غير مستقر. وقيل: ﴿لَهُ﴾ مستقر، و (كُفُؤًا) حال إما من ﴿أَحَدٌ﴾ أو من المستكن في ﴿لَهُ﴾. المازني: هذا يؤدي إلى الكفر، كأنه والله أعلم ينظر إلى أصل الحال، وأصلها أن يكون منتقلًا، وذلك مستحيل هنا. وعن بعض البغداديين: في ﴿يَكُنْ﴾ ضمير مجهول، و ﴿أَحَدٌ﴾ مرتفع بالظرف، و (كُفُؤًا) حال من ﴿أَحَدٌ﴾، والعامل فيها ﴿لَهُ﴾. والوجه ما ذكرت أولًا، و ﴿أَحَدٌ﴾ هذا هنا كالذي في قولك: ما في الدار أحد، وليس بمعنى الواحد، ولا أصله وحد بل للعموم فاعرفه، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الإخلاص والحمد لله وحده

стр. 3888

إعراب سُورَةِ الفَلَقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾: قوله : ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ الجمهور على ترك التنوين من ﴿شَرِّ﴾ مضافًا إلى ﴿مَا﴾، و ﴿مَا﴾ يجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف، والمعنى: أستجيرُ برب الفلق من شر كل ما خلقه مما يكون له ضرر. وأن تكون مصدرية، أي: من شر خَلْقِه، أي: مخلوقه، تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وصيد الصائد. وقرئ: (مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ) بالتنوين (١)، و ﴿مَا﴾ على هذه لا تخلو من أن تكون نافية أو مصدرية أو صلة، فلا يجوز أن تكون نافية على معنى: ما خلق من شر، لأمرين: أحدهما: أن الله تعالى خالق كل شيء خيرًا كان أو شرًّا، وعليه الجمهور من العلماء وذلك حجة.

стр. 3889

والثاني: أن ما كان في صلة النفي لا يتقدم عليه عند جميع النحاة. وإذا كان كذلك ثبت أنها مصدرية في موضع جر بدل من (شرٍّ) والتقدير: من شَرٍّ مِن خَلْقِه، أو صلة و ﴿خَلَقَ﴾ في موضع جر على أنه صفة (شرٍّ)، أي: من شرٍ خَلَقَهُ. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغُسوق: الإظلام، يقال: غَسَقَ الليْلُ يَغْسِقُ غسُوقًا، إذا أقبل ظلامه، وكل شيء اسْوَدَّ فقد غسق. والوُقُوب: الدخول، يقال: وَقَبَ يَقِب وُقُوبًا وَوَقْبًا أيضًا، إذا دخل. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (النفاثات) النساء السواحر اللاتي يَعْقِدْنَ في خيوطٍ وينفثن عليها. والنفث: النفخ بلا ريق بخلاف التفل، وقيل: مع ريق. والعُقَدُ: جمع عُقْدة، وهي التي يعقدها السواحر على الخيط أو الشَّعَر إذا سحرن. رُوي أنهن نساء سحرن النبي ﷺ في إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى المعوذتين إحدى عشرة آية (١). وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حَسَدَ يَحْسُدُ حَسَدًا وحُسُودًا وحَسَادَةً، إذا تمنى زوال النعمة عن صاحبها. الزمخشري: فإن قلت ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذه بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم. فإن قلت: فلم عرّف بعض المستعاذ منه ونكّر بعضه؟ قلت: عُرِّفَتِ النفاثات لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، ورُبَّ حَسَدٍ محمودٍ، وهو الحسد في الخيرات. انتهى كلامه (٢).

стр. 3890

وقوله: ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ الجمهور على الألف بعد الفاء مشددًا، وهو جمع نفاثة. وقرئ: (النافثَاتِ) بألف قبل الفاء (١)، وهو جمع نافثة وهما بمعنى، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الفلق والحمد لله وحده
следующие страницы →