← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وولد البقرة. وقيل: اليعافير تيوس الظباء (١). والعيس: الإبل البيض يخالط بياضَها شيءٌ من الشقرة، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة والليل والحمد لله وحده

стр. 3817

إعراب سُورَة الضُّحى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾: قوله : ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ الجمهور على تشديد الدال، وهو من التوديع، وأصله عند الرحيل، والاسم: الوداع، أو ما ودعك توديع المسافر والمفارق، لأن مَنْ ودَّعكَ مفارقًا فقد بالغ في تركك، والتوديع للمبالغة. وقرئ: (ما ودَعك) بتخفيفها (١)، أي: ما تركك، وهو قليل في الاستعمال، وقد منع صاحب الكتاب ﵀ أن يقال: وَدَعَ، قال: استغنوا عنه بقولهم: تَرَكَ (٢). وذلك لثقل الواو في الكلمة، وقد جاء ذلك في الشعر، قال: ٦٣٠ - ليت شِعري عَنْ خَلِيلي ما الذي ... غَالَه في الحُبِّ حتى وَدَعَهْ (٣)

стр. 3818

أي: ترك الحب، وقَد استعملوا مضارعه فقالوا: يدع، لعدم الثقل. وقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما قلاك، استغني بتعدية الفعل الأول عن تعدية الثاني، وكذا ﴿فَآوَى﴾، ﴿فَهَدَى﴾، ﴿فَأَغْنَى﴾ (١)، أي: فآواك، فهداك، فأغناك. وألف ﴿قَلَى﴾ منقلبة عن ياء، بشهادة قولهم: قليته، وإضجاع القراءة إياها (٢). وقَلَى الشيءَ يقلاه، بفتح العين في الماضي والغابر، قِلًى وقَلاءً، إذا أبغضه، وهو أحد ما جاء من فَعَل يَفْعَل بالفتح فيهما، وليس فيه حرف من حروف الحلق، وهو لغة طيء (٣)، وغيرُها يقول: قلاه يقليه، بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر. وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ اللام في قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ لام الابتداء تفيد التأكيد، ويحسن حيث يكون الخبر كلمة التفضيل كما ها هنا وفي قولك: لزيد أفضل من عمرٍو. فازداد هنا حسنًا، لأن هذا الكلام عطف على جواب القسم، وهو ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وأما اللام في قوله جل ذكره: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو لام ابتداء، فلا يجوز أن تكون لام قسم؛ لأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، فإذا لم تكن لام القسم فبقي أن تكون لام الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر، فإذًا لا بد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك. والثاني: لام القسم، وإنما لم يقل جل ذكره: يعطينّك، لأن النون إذا

стр. 3819

دخلت فإنما تدخل إعلامًا بأن اللام لام الابتداء، وقد عُلم هنا أنها لام القسم دون الابتداء لدخولها على سوف، ولام الابتداء لا تدخل على (سوف) فاعرفه واختر ما شئت منهما. والمفعول الثاني لقوله: ﴿يُعْطِيكَ﴾ محذوف، كما تقول: أعطيت زيدًا، ولا تذكر العطية، وهذا مُطَّرِدٌ في كلام القوم، إذا كان المفعول الثاني غير الأول، ذلك الاقتصار على أحدهما، ويجوز حذفهما معًا، فمتى حذفتهما جميعًا فهو غاية في الإبهام، ومتى ذكرتهما جميعًا فهو غاية في البيان، ومتى اقتصرت على أحدهما، فهو توسط في البيان، نحو: أعطيت، وأعطيت زيدًا درهمًا، وأعطيت زيدًا، وأعطيت درهمًا. أي: ولسوف يعطيك ربك ما تبتغي. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾: قوله : ﴿يَتِيمًا﴾ مفعول ثان، وكذا ﴿ضَالًّا﴾ و ﴿عَائِلًا﴾، لأن قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ من الوجود الذي هو بمعنى العلم. و ﴿فَآوَى﴾ عطف عليه، لأنه في معنى المضي. والجمهور على مَدِّه، وهو من أوى فلان إلى منزله يَأْوِي أُوِيًّا وإوَاءً، وَآوَيْتُهُ أَنَا إيواءً، وأوَيْتُهُ أيضًا، إذا أنزلته بك. أفعلتُ وفعلتُ بمعنى، عن أبي زيد (١). فإذا فهم هذا فقد قرئ أيضًا: (فأَوِي) مقصورًا (٢)، وذلك يحتمل

стр. 3820

وجهين: أن يكون بمعنى الممدود، وأن يكون من أَوى له، إذا رق له ورحمه. وقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَر﴾ (اليتيم) منصوب بالفعل الواقع بعد الفاء، وحقه أن يكون بعد الفاء، والتقدير: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم. وكذلك: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، ولو كان مع الفعلين ضمير لكان الرفع أجود في الاسمين، ويجوز النصب أيضًا فيهما مع الضمير فيهما. والباء في ﴿بِنِعْمَةِ﴾ من صلة قوله: ﴿فَحَدِّثْ﴾ على تقدير الكلام في سورة البقرة عند قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بأشبع ما يكون، فأغناني عن الإعادة هنا (١). وفي حرف ابن مسعود ﵁: (فلا تَكْهَرْ) بالكاف مكان القاف (٢)، وهو بمعنى تقهر، كذا رُوي عن الكسائي ﵀، قال: كَهَرَهُ وَقَهَرَهُ بمعنى (٣)، يعضده قول الأعرابي الذي بال في المسجد: "فما كهرني رسول الله ﷺ " (٤)، أي: فما زبرني. يقال: نهره وانتهره، إذا زبره، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الضحى والحمد لله وحده

стр. 3821

إعراب سُورةِ الشَّرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ الجمهور على إسكان الحاء، وقرئ: (أَلَمْ نشرحَ) بفتحها (١)، وقد تؤول على تقدير النون الخفيفة ثم حذفت، وبقيت الفتحة تدل عليها، وأنشد: ٦٣١ - مِن أَيِّ يَوْمَيَّ مِنْ المَوْتِ أَفِرْ ... أَيَوْمَ لَمْ يُقْدَرَ أَمْ يَوْمَ قُدِرْ (٢) قالوا: أراد لم يقدرنْ بالنون الخفيفة وحذفها، ومثله: ٦٣٢ - اضرِبَ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ... ضَرْبَكَ بالسيفِ قَوْنَسَ الفرسِ (٣) قالوا: أراد اضربن. قال أبو الفتح: وهذا عندنا غير جائز، وذلك أن هذه النون للتوكيد، والتوكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب، لا الإيجاز

стр. 3822

والاختصار (١). أَطْنَبَ في الكلام، إذا بالغ فيه. وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا﴾ عطف على ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، لأنه في معنى المضي، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك. والاستفهام للتقرير، أي: أليس قد شرحنا؟ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾: قوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾: العسر واحد وإن كرر، لما فيه من حرف التعريف المفيد للتخصيص، وذلك يوجب تكرير الأول، وأيضًا فإنه لا يخلو من أن تجعل تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو أيضًا. وأما (يسرًا) الثاني فغير الأول، لأنه عارٍ عن حرف التعريف المفيد للتخصيص. والنكرة إذا أريد تكريرها وتعيينها جيء بضميرها، أو بحرف التعريف، نحو أن تقول: كسبت درهمًا، فيقول السامع: فأنفقه، أو فأنفق الدرهم. وكفاك دليلًا قوله : ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ فأتى بحرف التعريف بعد قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ (٢) ليعلم أنه الأول، وقوله ﵊: "لن يغلِب عسرٌ يسرين، فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا" (٣). وإلا فلا، فاعرفه (٤). ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾: قوله : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ الجمهور على فتح الراء، يقال: فرَغتُ

стр. 3823

من الشغل أفرُغ - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - فرُوغًا وفراغًا. وقرئ: (فرِغت) بكسرها (١)، وهي لغية، قال الزمخشري: وليست بفصيحة (٢). والنصَب: التعب، يقال: نَصبَ في الشيء يَنْصَبُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَصَبًا، إذا تعب. قيل: والمعنى إذا فرغتَ من عبادةٍ ذَنِّبْها بأخرى (٣). وعن ابن مسعود ﵁: فانصب في قيام الليل (٤). والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة ألم نشرح والحمد لله وحده

стр. 3824

إعراب سُورَةِ التِّينِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾: قوله : ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (سينين) جمع سِينِينَة، عن أبي الحسن (١)، ووزنه فِعْلِيل، واللام مكرر، وهو بمعنى (سيناء)، وبه قرأ بعض القراء (٢)، وقد مضى الكلام عليها في "المؤمنين" (٣). ولم ينصرف ﴿سِينِينَ﴾ للتعريف والتأنيث، لأنه اسم للبقعة. قال الزمخشري: ونحو سينون (يَبرُون) في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب، انتهى كلامه (٤). أعلم - وفقك الله - أن للقوم في نحو: يبرين، ونصيبين، وقنسرين

стр. 3825

مذهبين: منهم من يجريه مجرى الجمع نحو: ﴿مُّسْلِمُونَ﴾، فيقول: هذه نَصِيبونَ، ومررت بنصيبينَ، ورأيت نصيبينَ، ومنهم من يجريه مجرى المفرد ويلزمه الإعراب كما يلزم الاسم المفرد الذي لا ينصرف، ويجعل الإعراب في النون فيقول: هذه نَصيبينُ، ومررت بنصيبينَ ورأيت نصيبينَ. وذكرت هذا القدر، وإن لم يكن مقصودًا لتعرف به ما أشار إليه الزمخشري. وقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ في (الأمين) هنا أوجه: أن يكون بمعنى المأمون على ما أودعه الله تعالى من معالم دينه، فعيل بمعنى مفعول، وأن يكون بمعنى الآمن، كقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ (١)، فعيل بمعنى فاعل، وأن يكون بمعنى المؤمِن، أي: يُؤمِنُ مَن دَخَلَه، كقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢)، فَعِيل بمعنى مُفْعِل، كبديع وأليم بمعنى مبدع ومؤلم. قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا جواب القسم، و ﴿فِي أَحْسَنِ﴾ في موضع الحال من الإنسان، أي: معتدلًا مستقيمًا، أي: في حال اعتداله واستقامته، وهي حال مقدرة. وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (أسفل) يجوز أن يكون حالًا من الضمير المنصوب، وأن يكون ظرفًا، أي: إلى أسفل قوم سافلين، وأن يكون صفة لمكان محذوف. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الاستثناء متصل عند قوم، والمستثنى منه الضمير المنصوب في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾، لأنه في معنى الجمع. ومنقطع عند آخرين، والمراد بأسفل سافلين على الوجه الأول: النار، وعلى الثاني: الهرم (٣).

стр. 3826

﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾: قوله : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ (ما) استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُكَذِّبُكَ﴾، والخطاب عند قوم للإنسان على طريقة الالتفات، والاستفهام بمعنى الإنكار، والمعنى: أي شيء يحملك أن تكذب بالدين بعد هذا الدليل الواضح، والبرهان القاطع؟ وعند آخرين للنبي ﷺ ، والمعنى: فما يكذبك، أي: ينسبك إلى الكذب فيما أخبرت به من الجزاء بعد هذا البيان (١). وعن الفراء: (ما) هنا بمعنى (مَن) (٢). والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة والتين والحمد لله وحده

стр. 3827

إعراب سُورَةِ العَلَقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾: قوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الباء في (باسم) صلة عند قوم (١)، أي: اقرأ يا محمد اسم ربك. وعند آخرين: ليست بصلة، وإنما جيء بها لتفيد معنى الملازمة (٢)، وهي التي تسميها النحاة باء الإلصاق، نحو: كتبت بالقلم، أي: التصقت الكتابة بالقلم، وأخذتُ بزمام الناقة، أي: باشرتُه بكفي، كأنَّك ألصقت محل قدرتك به، ولو قلت: أخذت زمام الناقة بغير باء، احتمل أنك باشرته، وأنك حصلته عندك، فأعرف الفرق بينهما والمعنى على هذا: اقرأ اسم ربك ملازمًا إياه، والملازمة مستفادة من الباء. وقال غيرهما: إنما جيء بها لتُنَبِّهَ على البداية باسمه جل ذكره في كل شيء، وبه أقول (٣). فمحل ﴿بِاسْمِ﴾ على هذا النصب على الحال من المنوي في ﴿اقْرَأْ﴾ مفتتِحًا أو مبتدِئًا باسم ربك، أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ القرآن، وهذا حجة للإمام الشافعي ﵁ مع ما جاء من

стр. 3828

الأحاديث المروية (١). وعن أبي زيد، والكسائي: (اقْرَ باسم ربك)، على قلب الهمزة ألفًا قَبْلَ الأمرِ (٢)، كقوله: ٦٣٣ - سألت هذيل ..... ... ................. (٣) وقوله: ٦٣٤ - ................ ... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ (٤) وقول من زعم إنَّ الألف في قوله : ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ (٥) بدل من همزة، وهو من الدناءة (٦). أو بعده - وهو الوجه عندي - ثم حذفها للأمر، كقولك: اخش يا فلان، فاعرفه فإنه يحتاج إلى أدنى تفكر. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يجوز أن يكون موصولًا ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فيكون

стр. 3829

في موضع جر، وأن يكون مقطوعًا عنه فيكون إما في موضع نصب على إضمار أعني، أو رفع على: هو الذي، ومفعول ﴿خَلَقَ﴾ محذوف، أي: خلق المكنونات. وقيل: تقديره خلقك، ثم أبدل عنه فقال: خلق الإنسان، وهذا بدل الاشتمال، وأما على الوجه الأول فهو بدل البعض، لأن الإنسان بعض المكنونات. وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ كرر الأمر بالقراءة تأكيدًا. ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْأَكْرَمُ﴾: صفته، والخبر محذوف، أي: لا يخليك من الثواب على قراءتك (١). و ﴿الَّذِي﴾ صفة، أو بدل، أو خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون الخبر هو ﴿الَّذِي﴾، فلا حذف على هذا. وقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ أي: علم الكاتب الكتابة بالقلم، فحُذف للعلم به، تعضده قراءة من قرأ: (عَلَّمَ الخَطَّ بالقلم) وهو ابن الزبير ﵄ (٢). والقلم ما يكتب به، وسُمِّي قلمًا، لأنه يقلم، أي يقطع، ومنه: تقليم الأظفار. وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ بدل من قوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ لكونه بيانًا له. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾: قوله : ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (أن) مفعول له، والضمير المنصوب في ﴿رَآهُ﴾ هو المفعول الأول لرأى، و ﴿اسْتَغْنَى﴾ هو الثاني، والرؤية هنا من رؤية القلب، ولذلك قال: رآه، ولو كانت من رؤية العين، لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين: المستكن والبارز، ولكان: أن رأي نفسه، وهذا إنما يكون في أفعال القلوب خاصة، يقال فيها: رأيتُني محسنًا، وظننتُني عالمًا،

стр. 3830

ولا يقال: أعطيتُني درهمًا (١). وقرئ: (رَأهُ) بغير ألف بعد الهمزة بوزن (رعه) (٢)، ووجه ذلك أنَّ من العرب من يحذف اللام من الكلم، نحو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وأنشد رؤبة: ٦٣٥ - * وَصَّانِيَ العَجَّاجُ فيما وَصَّنِي (٤) * أراد: فيما وصاني. وعن بعض العرب: أصاب الناس جَهْدٌ ولو ترَ أهل مكَّة (٥). أراد: ولو ترى، فحذف الألف لدلالة الفتحة عليها، وقد مضى الكلام على هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع من هذا، فأغنى عن الإعادة هنا. وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا﴾ (الذي ينهى) مع الجملة الشرطية وهي: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ في موضع المفعولين لـ (رأيت)، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذِكره في جواب الشرط الثاني، وجاز أن يكون ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ جوابًا للشرط كما جاز في قولك: إن أكرمتك أتكرمني؟ وإن أَحْسَنَ إليك فلان هل تحسن إليه؟ و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية مكررة للتوكيد، فاعرفه فإنه كان كلام الزمخشري (٦). ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾:

стр. 3831

قوله : ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا﴾ (كلا) هنا يجوز أن يكون ردعًا وزجرًا، وأن يكون بمعنى (حقًّا). واللام في ﴿لَئِنْ﴾ لام توطئة القسم، والقسم بعده مضمر، أي: لئن لم ينته والله لنسفعن. والجمهور على تخفيف هذه النون، والوقف عليها بالألف، لانفتاح ما قبلها تشبيهًا بالمنون المنصوب، وكذلك كُتِبتْ في "الإمام" بالألف على حكم الوقف، وقرئ: (لنسفعنَّ) بالنون المشددة (١)، وهي أبلغ في التوكيد من المخففة، وعن ابن مسعود ﵁: (لأسْفَعَنْ) بالهمزة مكان النون (٢)، والوجه ما عليه الجمهور، لأجل "الإمام" مصحف عثمان ﵁. وقوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من (الناصية)، وجاز بدلها من المعرفة وهي نكرة، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة. ﴿كَاذِبَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فارتفع الضمير واستكن، ووكذا ﴿خَاطِئَةٍ﴾، أي: خاطئ صاحبها. والجمهور على جر ﴿نَاصِيَةٍ﴾ وقد ذكر وجهه، وقرئ: (ناصيةٌ) بالرفع (٣)، على: هي ناصية. و (ناصيةً) بالنصب (٤) على الشتم، وكذا القول في ﴿كَاذِبَةٍ﴾. وقوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي. أهل ناديه، فحذف المضاف، والنادي: المجلس.

стр. 3832

وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ حذف الواو من ﴿سَنَدْعُ﴾ في "الإمام" ذهابًا إلى اللفظ، لأنه يسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين. وقيل: بل حذف تشبيهًا للواو بالياء (١)، وقد حذفت الياء في نحو: ﴿الدَّاعِ﴾ (٢) ﴿الْوَادِ﴾ (٣) و ﴿التَّنَادِ﴾ (٤). وواحد الزبانيَّة: زِبْنيٌّ. وقيل؟ زَبَانيٌّ. وقيل: زابنٌ. وقيل: لا واحد لها من لفظها، وهي فعالية من الزَّبْن، وهو الدفع (٥). وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ المنوي في الفعلين لرسول الله ﷺ على معنى: دُمْ على سجودك في الصلاة، واقترب إلى الله بالسجود، فإن "أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا سجد" (٦)، وقيل: المستكن في "وَأقتَرِب" لأبي جهل على معنى: واقترب يا أبا جهل من النار لترى ما ترى (٧). والوجه هو الأول، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة العلق والحمد لله وحده

стр. 3833

إعراب سُورَةِ القَدْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾: قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير المنصوب في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ للقرآن وإن لم يجر له ذكر لحصول العلم به، وإن شئت قلت: للمُنْزَل، يدل عليه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ (١). وقيل: لجبريل ﵇ (٢). وقيل: لأول القرآن (٣). وقيل: للقضاء والقدر النازل إلى الأرض من السنة إلى السنة في هذه الليلة، والوجه هو الأول وعليه الأكثر. وأصل ﴿إِنَّا﴾: إننا، فحذفت إحدى النونات كراهة اجتماع الأمثال، والمحذوفة هي الوسطى، بشهادة قوله جل وعز: (وإنْ كُلًّا) على قراءة من خفف، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). وقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في الكلام حذف تقديره:

стр. 3834

قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر ليس فيه ليلة القدر. وقوله: ﴿تَنَزَّلُ﴾: أصله تتنزل، فحذفت إحدى التاءين كراهة اجتماعهما في صدر الكلمة. وقوله: ﴿وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ ابتداء وخبر، والضمير المجرور في ﴿فِيهَا﴾ للملائكة، ويجوز أن يكون (الروح) عطفًا على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، و (فيها) من صلة ﴿تَنَزَّلُ﴾ أو من صلة محذوف، فيكون حالًا من ﴿الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي: كائنين فيها، والضمير في ﴿فِيهَا﴾ على هذا المجرور لـ ﴿لَيْلَةُ﴾. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ من صلة ﴿تَنَزَّلُ﴾، أي: تنزل الملائكة بإذن الله لهم في النزول (١). و ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء، كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢)، أي: بأمر الله، على أحد التأويلين (٣). ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾: قوله : ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (إسلام) هنا يجوز أن يكون على بابه بمعنى التسليم، وأن يكون موضوعًا موضع اسم الفاعل الذي هو مُسَلِّمة، أو سالمة على ما يأتي بيانها إن شاء الله تعالى، أو المفعول الذي هو مُسَلَّمة. وفي ارتفاع ﴿هِيَ﴾ وجهان: إما على الابتداء وخبره ﴿سَلَامٌ﴾، أو على الفاعلية بـ ﴿سَلَامٌ﴾ لكونه مصدرًا، كما تقوله: ضرْبٌ زيدٌ، أو على رأي أبي الحسن إن جعلته بمعنى اسم الفاعل أو المفعول. فإذا فهم هذا فقوله عز وعلا: ﴿حَتَّى﴾، يجوز أن يكون متصلًا بقوله:

стр. 3835

﴿تَنَزَّلُ﴾، وأن يكون متصلًا بنفس ﴿سَلَامٌ﴾ وعينه، وأن يكون متصلًا بمحذوف إذا جعلته خبرًا لسلام، أعني: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾، على ما ستراهن موضحات بعون الله وتوفيقه. فعلى الوجه الأول: ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مقدم وهو على بابه بمعنى التسليم، يعضده قول ابن عباس ﵄: "هي ليلة سلام، كما لقيت الملائكة مؤمنًا أو مؤمنة في هذه الليلة سلموا عليه من ربه" (١). ولما كان السلام يكثر وقوعه في تلك الليلة سميت الليلة سلامًا، كما سُمِّي الرجل صَوْمًا وزَوْرًا إذا كان ذلك يكثر منه، ولك أن تقدر حذف مضاف، أي: ذات سلام هي، وكلاهما شائع مستعمل في كلام القوم، فـ ﴿حَتَّى﴾ على هذا من صلة ﴿تَنَزَّلُ﴾: أبو علي: فإن قلت: فإذا كان متصلًا بقوله: ﴿تَنَزَّلُ﴾ فكيف فصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ فإن ذلك لا يمتنع لأمرين، أحدهما: أن هذه الجملة ليست بأجنبية، ألا تراها متصلة بالكلام ومسددة. والآخر: أن تكون في موضع الحال من الضمير في قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ مسلمة، فهذا لا يكون فصلًا على هذا الوجه، انتهى كلامه. ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿سَلَامٌ﴾ لأجل الفصل بين الصلة والموصول بالمبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾، وذلك لا يجوز. وعلى الثاني: ﴿هِيَ﴾ ابتداء أيضًا، و ﴿سَلَامٌ﴾) خبره، و ﴿حَتَّى﴾ متصل بمضمر يدل عليه ﴿سَلَامٌ﴾ تقديره: تسلم حتى، ولا يكون من صلة ﴿سَلَامٌ﴾ لما ذكرت آنفًا، ولا من صلة ﴿هِيَ﴾، لأنه لا معنى فِعْلٍ فيه. وعلى الثالث: ﴿هِيَ﴾ مبتدأ أيضًا، وخبره ﴿سَلَامٌ﴾، و ﴿حَتَّى﴾ من صلة ﴿سَلَامٌ﴾، وسلام بمعنى سالمة، أي: هي ذات سلامة. أي: هذه

стр. 3836

الليلة سالمة من الشر والبلايا والآفات إلى مطلع الفجر، أو بمعنى مسلَّمة، سلمها الله تعالى من الآفات إلى طلوع الفجر، لا بد من هذا التقدير ليصح تعليق ﴿حَتَّى﴾ به. وعلى الرابع: ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، و ﴿هِيَ﴾ مرتفعة به على الفاعلية، وخبره ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، فـ ﴿حَتَّى﴾ على هذا من صلة محذوف لكونه خبرًا للمبتدأ الذي هو سلام، وهو ثابت أو مستقر، كما تقوله: ضربٌ زيدٌ إلى طلوع الشَّمس، فاعرفه فإنه موضع. وعن بعضهم (١): أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ثم ابتدأ فقيل: من كل أمر سلام، أي هي من كل أمر شيء، أي: من كل بلاء وآفة وكيد شيطان، ثم قال: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أي: ذلك إلى طلوع الفجر. وقرئ: (مِنْ كُلِّ امْرِيءٍ) بوصل الهمزة وبكسر الراء، وبهمزة مكسورة منونة بعدها (٢)، فالوقف على هذه القراءة عند الجمهور على قوله: ﴿سَلَامٌ﴾، على معنى: من كل امرئٍ من الملائكة سلام على المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، ثم تبتدئ: ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أي هي تمتد إلى طلوع الفجر. أبو الفتح: التقدير على هذه القراءة من كل امرئ سالمة هي أو مسلمة هي، أي: هي سالمة منه أو مسلمة منه، انتهى كلامه (٣).

стр. 3837

وقرئ: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ بفتح اللام (١)، وهو مصدر بمعنى الطلوع، وبكسرها (٢)، وهو مصدر أيضًا، كذا قال صاحب الكتاب ﵀، قال: وقد كسروا المصدر في هذا الباب، قالوا: أتيتك عند مطلع الشَّمس، أي: عند طلوعها، فهذه لغة بني تميم، قال: وأما أهل الحجاز فيفتحون (٣). أبو إسحاق: مَن فتح يعني الطلوع، ومن كسر فهو اسم لوقت الطلوع، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة القدر والحمد لله وحده

стр. 3838

إعراب سُورَة لَمْ يَكُنِ (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾: قوله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ الجمهور على جر (المشركين) وهو الوجه، لأجل المعنى والإمام - مصحف عثمان ﵁ عطفًا على ﴿أَهْلِ﴾، أي: لم يكن الكفار من اليهود والنصارى ومن المشركين، أي: الذين أشركوا بالله غيره في العبادة، وهم عبدة الأوثان على ما فسر (٢)، فهم غير الذين كفروا من أهل الكتاب. وقرئ: (والمشركون) بالرفع (٣) عطفًا على ﴿الَّذِينَ﴾، وهو سهو لأنه ينقلب المعنى ويصير المشركون من أهل الكتاب، وليسوا منهم، مع ما فيه من مخالفة خط المصحف.

стр. 3839

و ﴿مِنْ أَهْلِ﴾ في موضع نصب على الحال من الواو في ﴿كَفَرُوا﴾، أي: كائنين منهم، و ﴿مِنْ﴾ للتبيين، وقيل للتبعيض (١). و﴿مُنْفَكِّينَ﴾: خبر (كان)، من انفك الشيء من الشيء، إذا فارقه، والانفكاك انفراج الشيء عن الشيء وزواله عنه، ومنه فَكاك الرهن، وهو زواله عن الانغلاق وانفصاله عنه، هذا أصله في اللغة. واختلف أهل التأويل فيه، فقال قوم: لم يكونوا منتهين عما هم عليه حتى جاءهم الرسول. وقال بعضهم: تاركين. وقالَ آخرون: متفرقين. وقال غيرهم: مفارقين، ولا يحتاج ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ - على هذه التأويلات - إلى خبر (٢). وقوله: ﴿رَسُولٌ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾، وأن يكون على إضمار مبتدأ، أي: هي رسول، وقد جوز أن يكون مستأنفًا مبتدأ و ﴿يَتْلُو﴾ خبره، وما ذكرت أمتن. ويجوز في الكلام نصبه على الحال من البينة، وحكي أن في حرف عبد الله ﵁ كذلك (٣). و﴿مِنَ اللَّهِ﴾: يجوز أن يكون في موضع رفع على النعت لـ ﴿رَسُولٌ﴾، وأن يكون في موضع نصب على الحال، إما من صُحُف، أو من المنوي في ﴿مُطَهَّرَةً﴾، و ﴿يَتْلُو﴾ صفة أو حال إما من ﴿رَسُولٌ﴾ لكونه قد وصف، أو من المستكن في الصفة وهي ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ

стр. 3840

وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ قيل: اللام صلة، و (أن) الناصبة مضمرة بعدها، أي: وما أمروا إلا أن يعبدوا (١). وعن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ كذلك (٢). والمعنى: بأن يعبدوا. وقيل: ليست بصلة، وفي الكلام حذف تقديره: وما أمروا بما أمروا إلا ليعبدوا. و﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من الفاعل في ﴿لِيَعْبُدُوا﴾، وكذا ﴿حُنَفَاءَ﴾ حال أخرى على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المنوي في ﴿مُخْلِصِينَ﴾ على قول من لم يجوز ذلك. وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: دين الملة القيمة، فحذف المضاف إليه وأقيمت الصفة مقامه، كما فعل بصلاة الأولى، ومسجد الجامع، والتقدير: صلاة الساعة الأولى، ومسجد الوقت الجامع. و﴿خَالِدِينَ﴾: حال من المنوي في الظرف، والعامل الظرف نفسه، وذلك الظرف ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، و ﴿مِنْ أَهْلِ﴾: حال، وقد ذكر قبيل. و﴿الْبَرِيَّةِ﴾ قرئ: بالهمزة على الأصل، لأنه من برأ الله الخلق، وبتركه (٣) على التخفيف كالنبي، وهو مما استمر الاستعمال على تخفيفه عند جمهور العرب، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وهي صفة غالبة كالحَسَنِ والعباس لرفضهم الموصوف معها، وقيل: هي من البرا وهو التراب (٤)، لأنها خلقت

стр. 3841

منه، عن الفراء (١). وأنكر الشيخ أبو علي ذلك، وقال: وهمز من همز البريئة، يدل على فساد قول من قال: إنه من البرا الذي هو التراب، ألا ترى أنه لو كان كذلك لم يجز همز من همزه على حالٍ إلا على وجه الغلط، كما حكوا: استلأمت الحجر، ونحو ذلك من الغلط الذي لا وجه له في الهمز، انتهى كلامه (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾: قوله : ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قرئ: (هُمْ خِيَارُ البِرَيَّةِ) بكسر الخاء، وألف بعد الياء (٣). وقد جوز أن يكون جمع خَيِّر، كجياد وكياس في جمع جَيّد وكَيّس، وأن يكون جمع خائر كقيام في قائم، تقول: خِرْتُ فلانًا فهو مخير، وأنا خائر له، وأن يكون جمع خَيْر الذي هو ضد الشر، كقولك: هذا رجل مجبول من خير، وأن يكون جمع خير الذي هو بمعنى أخير، وقد جُمع أَفْعَلُ على فِعالٍ نحو: أَبْخَل وبِخال، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح (٤). وقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ (جزاؤهم) مبتدأ و ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ خبره، وفي الكلام حذف مضاف، أي: دخول جنات. و ﴿عِنْدَ﴾: ظرف للجزاء.

стр. 3842

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ انتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال، وذو الحال والعامل كلاهما مضمر يدل عليه ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ تقديره: يجزونها خالدين، ولا يجوز أن يكون ذو الحال (هم) المجرور في ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ كما زعم أبو محمد (١) محتجًا بأن المصدر هنا ليس في تقدير أن والفعل فتقع التفرقة بينه وبين ما يتعلق به (٢). وليس الأمر كما ذكر، لأن الأحداث مهما جُعلت عاملة فلابد لها من تقدير أن والفعل، وإذا كان كذلك فيقع الفصل بين المصدر الذي هو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ ومعموله الذي هو ﴿خَالِدِينَ﴾ بالخبر، الذي هو ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، وذلك لا يجوز عند جميع النحاة (٣). و﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان وهو تأكيد للخلود، أي: لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة البينة والحمد لله وحده

стр. 3843

إعراب سورة الزلزلة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾: قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ناصب (إذا) جوابها وهو. ﴿تُحَدِّثُ﴾ (٢)، أو ﴿يَصْدُرُ﴾ (٣)، أو ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ (٤)، أو مضمر يدل عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾، أي: إذا زلزلت أخذ كلٌ من الفريقين ما يستحقه. وقيل: اذكر، ولا يجوز أن يكون العامل فيها ﴿زُلْزِلَتِ﴾ كما زعم أبو محمد، والمهدوي (٥) وإن كان فيها معنى الشرط، إذ ليست بشرط محض كمن وما، فيعمل فيها ما بعدها كما يعمل فيهما نحو: من تضرب أضرب، وما تفعل أفعل، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٦) وسبب ذلك أن (إذا) مضاف إلى الفعل الذي بعده، والمضاف مع المضاف إليه كالشيء الواحد،

стр. 3844

فكما لا يجوز أن يعمل بعض الكلمة في بعض، فكذلك لا يجوز أن يعمل المضاف إليه في المضاف، وليس كذلك أداة الشرط مع الفعل، لأنها ليست بمضافة إلى الفعل، فاعرف الفرقان بينهما. والجمهور على كسر زاي ﴿زِلْزَالَهَا﴾، وهو مصدر زلزل، وقرئ: بفتحها (١)، وهو اسمٌ غير مصدر. وقيل: واحد، وهو مصدر وليست في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف، وزلزل عند البصريين من مضاعف الرباعي، وهو الوجه والقياس، وعند الكوفيين هو متعدي زَلَّ، وأصله: زَلّل، إلا أنهم قلبوا اللام الأولى إلى جنس فاء (٢) الفعل وهو الزاي، فبقي زلزل، وهو مصدر مؤكد لفعله. واختلف في سبب إضافته إلى الأرض، فقيل: إنما أضيف إليها لأن المعنى زلزلت زلزالًا يليق بها. وقيل: زلزالًا سبق الوعد به لها. وقيل: لتتفق رؤوس الآي (٣). ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾: قوله : ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (يومئذٍ) بدل من ﴿إِذَا﴾، وناصبها ﴿تُحَدِّثُ﴾ وقد ذكر. و ﴿أَخْبَارَهَا﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿تُحَدِّثُ﴾، والمفعُول الأول محذوف، أي: تحدث الناس أو الخلق أخبارها. و﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ الباء من صلة ﴿تُحَدِّثُ﴾ أي: تحدث الأرض أخبارها بسبب ما أوحي إليها، أي: بسبب إيحاء ربك لها وأمره إياها

стр. 3845

بالتحديث. وقيل: الباء صلة، و (أَنَّ) بدل من ﴿أَخْبَارَهَا﴾ (١)، كأنه قيل: تحدث أن ربك أوحى لها، أو تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها، لأنه يقال: حدثه كذا، وحدثه بكذا، فالباء على هذا ليست بصلة، و ﴿لَهَا﴾ من صلة ﴿أَوْحَى﴾، و ﴿لَهَا﴾ بمعنى: إليها، وكفاك دليلًا. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٢). و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثاني يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: يصدر، وأن يكون بدلًا من ﴿إِذَا﴾ كالأول. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾: قوله : ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ (أشتاتًا) حال من ﴿النَّاسُ﴾، أي: متفرقين. وهو جمع شَتٍّ أو شتيت. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿يَصْدُرُ﴾، وأن يكون من صلة ﴿أَوْحَى﴾. والجمهورِ على ضم الياء على البناء للمفعول، وقرئ: (لِيَروا) بفتحها على البناء للفاعل (٣)، وفي الكلام حذف مضاف، أي: لِيُروا جزاء أعمالهم، أو لِيَروا، على قدر القراءتين. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يَعْمَلْ﴾ أو الجواب وهو ﴿يَرَهُ﴾، أي: يَرَ جزاءه، فحذف المضاف. والجمهور على فتح الياء على البناء للفاعل، وقرئ: (يُرَهُ)

стр. 3846

بضمها على البناء للمفعول (١)، وهو منقول من رأيت زيدًا، بمعنى أبصرت، أي: يُريه ذلك غيره، فأقيم أحد المفعولين مقام الفاعل وبقي الثاني على حاله. و﴿خَيْرًا﴾: يجوز أن يكون تمييزًا وهو الجيد، وأن يكون بدلًا من ﴿مِثْقَالَ﴾. والكلام في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ كالكلام في المذكور آنفًا في جميع ما ذكرت فيه فاعرفه، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الزلزلة والحمد لله وحده

стр. 3847

إعراب سُورَة العَادِيَاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾: قوله : ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (العاديات) جر بواو القسم. و ﴿ضَبْحًا﴾: يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعلة، وفعله محذوف، أي: يضبحن ضبحًا، أو للعاديات حملًا على المعنى وميلًا إليه؛ لاقتران الضبح مع العَدْو، وكأنه قيل: والضابحات ضبحًا، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾، أي: ضابحة في العَدْو، على إرادة الجماعة، أو ضابحات على اللفظ والمعنى. والعاديات: الخيل عند الأكثر، والضبح صوت أجوافها إذا عَدَتْ، يقال: ضَبَحَتِ الخيلُ تَضْبَحُ ضَبْحًا. وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵄ وهذا في وقعه بدر - "لم يكن معنا فيها سوى فرسين: فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود"، [العاديات ضبحًا: الإبل] (١). وقيل: فإن صحت الرواية، فقد استعير الضبح للإبل كما استعير الحافر للإنسان (٢). وقوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ (قدحًا) يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله،

стр. 3848

أي: يَقْدَحْنَ قَدْحًا، أو للموريات لأنها بمعنى القادحات، وأن يكون في موضع الحال من المستكن في (الموريات)، أي: قادحات. وقيل: انتصابه على التمييز (١)، وهو من التعسف. والموريات: المظهرات بسنابكها النار، يقال: أوْرَى القادح يُوري إيراءً، إذا قَدَحَ قَدْحًا. والقَدْح: الصَّك. والإيراء: إخراج النار، يقال: قدح فأورى، وقدح فَأَصْلَد (٢). ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ انتصاب قوله: ﴿صُبْحًا﴾ على الظرف، وهو ظرف زمان، أي: تغير على العدو في وقت الصبح، والمراد أربابها، لأنهم هم المغيرون لا خيلهم. وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ هذا عطف على ما قبله من لفظ اسم الفاعل حملًا على معناه، لأن معناه: اللاتي عدون فأورين، فاغرن، فأثرن. وأصله: أَثْوَر، فنقلت حركة الواو إلى الثاء، وقلبت الواو ألفًا، فبقي أثار، فلما اتصل الفعل بالضمير اجتمع ساكنان: الألف والراء، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فبقي (أَثَرْنَ) كما ترى ووزنه (أَفَلْنَ) والعين محذوفه، وثار التراب، إذا هاج، وأثرته أنا، إذا هيجته. واختلف في الضمير في ﴿بِهِ﴾، فقيل: للوقت، يدل عليه قوله: ﴿صُبْحًا﴾، أي: فهيجن بذلك الوقت نقعًا، أي: غبارًا، والنقع: الغبار (٣). وقيل: للمكان وإن لم يجر له ذكر، لأن الإغارة لا تكون إلا في مكان (٤). وقيل: للوادي (٥). وقيل: للعَدْو، يدل عليه قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (٦).

стр. 3849

وقيل: نقعًا، أي: صوتًا، والنقع: الصوت، وهو مفعول به على كلا التأويلين. والجمهور على تخفيف ثاء (أثَرن) وهو من لفظ ث ور، وقد ذكر معناه، وقرئ: (فأثَّرن) بتشديدها (١)، بمعنى أبدين وأظهرن، لأن التأثير فيه معنى الإبداء والإظهار، كما يؤثر الإنسان النقش وغيره مما يظهره ويبديه، وقد جوز أن يكون أصله ثَوَّرْنَ، فقلب إلى وثرن، وقلب الواو همزة كما قلب في أَحَدٍ وَأَناةٍ (٢). فإن قلت: لِمَ شْدد الثاء على هذا؟ قلت: هو عوض من حذف إحدى الواوين، وهي الأولى الساكنة. وقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يكون للوقت، وأن يكون للمكان، وأن يكون للنقع، أي: ملتبسات به، وأن يكون للعَدْوِ. و ﴿جَمْعًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا به، أي: فتوسطن جَمْعَ العَدُوِّ للحرب (٣)، يقال: وَسَطْتُ القومَ، إذا توسطتهم، وَوَسَطَهُ بمعنى توسطه: وأن يكون حالًا بمعنى: مجتمعات، أو مجتمعين، إذ المراد أربابها، يعني اجتماع الحاج بمنىً على ما فسر (٤). وقيل: الباء صلة، أي وسطنه (٥). والجمهور على تخفيف السين، وقرئ: (فوسَّطن) بتشديدها (٦)، وهو بمعنى التخفيف غير أن التشديد فيه معنى التكثير والتكرير. وقيل: معنى

стр. 3850

التشديد: مَيَّزْنَ به جَمْعًا، أي: جعلنه شطرين، قسمين، شقين. ومعنى التخفيف: صرنَ في وسطه (١). ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا جواب القسم، و ﴿لِرَبِّهِ﴾ من صلة (كنود)، والكنود الجاحد لنعم الله تعالى، يقال: كَنَدَ النعمةَ، إذا جحدها. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن الله على كفرانه وعصيانه لشهيد، أي: لشاهد، عن ابن عباس ﵄ (٢). وقيل: إن الإنسان على ذلك، أي: على كنوده لشهيد، يشهد على نفسه أنه كنود، ومنه قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ... ﴾ الآية (٣). ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (لحب) من صلة (شديد)، أي: وإن الإنسان بخيل لأجل حب المال، فحذف المضاف. ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾: قوله : ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾ لا يخلو من أن يكون ﴿يَعْلَمُ﴾، أو ﴿بُعْثِرَ﴾، أو ﴿لَخَبِيرٌ﴾، أو مدلول

стр. 3851

قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ فلا يجوز أن يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ﴾ كما زعم قوم (١)، لأن الإنسان لا يراد منه العلم في ذلك الوقت، إنما يراد في الدنيا، على معنى: أفلا يعلم الإنسان الآن أن الله تعالى عالم به إذا بعثر فيجازيه، اللهم إلا على وجه التهديد والوعيد، فحينئذٍ يجوز أن يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ﴾. ولا ﴿بُعْثِرَ﴾ كما زعم آحْرون (٢)، لأنه أضيف إليه ﴿إِذَا﴾، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ولا (خبير)، لأن ما بعد ﴿إِنَّ﴾ لا يعمل فيما قبله. وإذا كان كذلك ثبت أن العامل فيه مدلول المذكور، أي: أفلا يعلم الإنسان في الدنيا أن الله تعالى مجازيه إذا بعثر، أو أفلا يعلم عِلْمَ الله به إذا بعثر؟ وأما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: فيجوز أن يكون معمول قوله: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وإن حال بينهما اللام، لأن حكم هذا اللام أن يكون أولًا، وإنما أخر لأجل في خول ﴿إِنَّ﴾ على الابتداء حتى لا يجتمع حرفا تأكيد، وجاز أن يكون ظرفًا لـ (خبير) وإن كان الله جل ذكره عالمًا بهم في جميع الأوقات والأزمان، لأن الجزاء يقع حينئذٍ، وقد جوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَحُصِّلَ﴾، أي: حصل ما في الصدور يومئذٍ، والوجه هو الأول، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة والعاديات والحمد لله وحده

стр. 3852

إعراب سُورَةِ القَارِعَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾: قوله : ﴿الْقَارِعَةُ﴾ ابتداء، و ﴿مَا﴾ ابتداء ثان، و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ خبره، والجملة خبر الابتداء الأول، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). وقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ (يومَ) يجوز أن يكون ظرفًا لمضمر تدل عليه ﴿الْقَارِعَةُ﴾، أي: هي واقعة يوم يكون، وأن يكون خبرًا لقوله: ﴿الْقَارِعَةُ﴾. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ اعتراض، كأنه قيل: القارعة العظيمة تقع، أو واقعة في ذلك اليوم، فاعرفه فإنه موضع، وقيل: هو منصوب بإضمار فعل، أي: اذكر، فيكون مفعولًا به. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا

стр. 3853

مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾: قوله : ﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي: ذاتُ رضًى. وقيل: تقديره: راضٍ صاحبها، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، واستكن الضمير في اسم الفاعل، وقد مضى الكلام على نحو هذا بأشبع من هذا فيما سلف من الكتاب (١). و (مَن) في قوله: ﴿مَنْ ثَقُلَتْ﴾ و ﴿مَنْ خَفَّتْ﴾ شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ﴾، والفاء جواب (أمَّا). والهاء في ﴿مَا هِيَهْ﴾ هاء السكت، فمن حذفها في الوصل (٢) فعلى القياس، لأنها لاحقة في الوقف دون الوصل كألف (أنا) ومَن أثبتها في الوصل فعلى إجراء الوصل مجرى الوقف، ولأنها ثابتة في الرسم. وقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نار حامية، يعني: أن الهاويه نار حامية، والحامية: المتناهية في الحرارة، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة القارعة والحمد لله وحده

стр. 3854

إعراب سُورَةِ التَكاثرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: قوله : ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ الجمهور على الخبر، وقرئ: (آلهاكم) بالاستفهام (١)، ومعناه: التقرير والتوبيخ. وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (كلا) ردع وزجر عن التكاثر الملهي عن الطاعة. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ كُرر تأكيدًا وتغليظًا للوعيد. وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ (كلا) يجوز أن يكون بمعنى الأول كُرر لتأكيد الردع، وأن يكون بمعنى حقًّا، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، و ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، والتقدير: لو تعلمون أنكم ترون الجحيم عِلْمَ الأمر اليقين، أو عِلْمَ الحق لتركتم التفاخر والتكاثر، ولكنكم لا تعلمون

стр. 3855

ذلك فغفلتم عن الطاعة جهلًا منكم، فحذف جواب (لو) لكونه أبلغ من الإتيان به، والموصوف - وهو الأمر أو الحق - وأقيمت الصفة مقامه. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾: قوله : ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ اللام جواب قسم محذوف، أي: والله لترون الجحيم. قيل: والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب، وكرره معطوفًا بثُمَّ تغليظًا في التهديد وزيادة في التهويل (١). والرؤية هنا من رؤية العين، ورأى إذا كان من رؤية العين تعدى إلى مفعول واحد، تقول: رأيت زيدًا. وقرئ: (لتَرون) بفتح التاء. و (لتُرون) بضمها (٢)، فمن فتح التاء بنى الفعل للفاعل، وهو ضمير الجمع، وعدّاه إلى مفعول واحد وهو الجحيم، ومن ضمها عداه بالهمزة إلى مفعولين، ثم بناه للمفعول وأقام الأول مقام الفاعل وهو الضمير، وبقي الثاني على حاله وهو ﴿الْجَحِيمَ﴾، تقول: أنت ترى الجحيم، وأنتما تريان الجحيم، وأنتم ترون الجحيم، وأصله: ترأيون، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وهذا النقل مطرد في كلام القوم إذا كان الفعل مستقبلًا، نحو: تَرى، وأصله: ترأى، ويرى وأصله: يرأى، فبقي بعد النقل ترءيون، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها [قلبت] ألفًا وحذفت الألف لسكونها وسكون واو الضمير بعدها، فإذا أتيت بالنون الشديدة للتأكيد، حذفت النون التي هي عَلَمُ الرفع للبناء، وحركت واو الضمير بالضم لسكونها وسكون النون الأولى، ولم تردّ لام الفعل لأن الواو في تقدير السكون، وعلى هذا قالوا: رمت المرأه، ولم يردوا لام
следующие страницы →