صورة آخر الجزء الرابع وهو آخر الكتاب من نسخة دار الكتب المصرية
стр. 43
صورة العنوان لنسخة مكتبة أحمد الثالث تركيا
стр. 44
صورة بداية الكتاب من نسخة مكتبة أحمد الثالث
стр. 45
صورة آخر الجزء الأول من نسخة مكتبة أحمد الثالث
стр. 46
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
رب يسر
الحمد لله الذي بنعمته حُمد، وبهدايته عُبد، وبخذلانه جُحد، وبتوفيقه سُعد، فلا حجةَ عليه لمن عصاه، وله المنةُ على مَن هداه، ولا إلهَ لنا سواه.
أحمده حمدَ معترفٍ بقصور حمده، عن مكافأة أياديه ونعمه، وأعوذ به من حلول سطواته ونقمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً يسعد قائلها ببلوغ أَرَبِه، ويبعد مَن أخلص بها عن دار غضبه.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه أجمعين، وبعد ..
فإن أفضل العلوم عِلْمُ كتابِ اللهِ الذي هو مَجمع العلوم الشريفة، ومَنبع الحِكَمِ اللطيفة، وهو حجة الله على عباده، والداعي إلى نهج رشاده، وهو القرآن المجيد، والكتاب العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وإني لما فرغت من كتابي الموسوم بـ (الدرة الفريدة في شرح
стр. 47
القصيدة) (١)، وقد رأيت الهمم إليه مصروفة، والقلوب به مشعوفة (٢)، أحببت أن أشفعه بكتابٍ آخر في إعراب القرآن، مقتضب من أقاويل المفسرين، ومن كتب القراء والنحويين، بعدما سمعت أكثرها من مشيختي، ورويتها عن أئمتي، مجتهدًا في جمع مفترقه، وتمييز صحيحه، وإيضاح مشكله، وحذف حشوه، واختصار ألفاظه، وتقريب معانيه، بديع في فَنه (٣)، رائق في حُسنه، لا بقصير مخل، ولا بطويل ممل، فبادرت إلى تأليفه وإتمامه خوف فُجاءَةِ الموت (٤)، وحدوث الفوت، وطمعًا أن ينتفع به طالبو هذا الفن، وأودعته ما يحتاجون إليه.
والذي حملني على تأليف هذا الكتاب - وإن سبقني إلى جمع مثله ذوو الألباب - تطويلُ قومٍ وتقصيرُ آخرين، مع إخلائهما من كثير ما يُحتاج إليه، وذكرهما ما لا يُحتاج إليه، فأردت أن يكون كتابي هذا مَجْمَعَ بينهما، ومَحْجَر عينهما، ولست بمنتسب إلى الكمال، ولا بِمُدَّعٍ العِصْمَةَ في المقال، ولكن أقول ما قال ابن العلاء (٥): "ما نحن فيمن مضى إلاَّ كبَقْلٍ بين أصول نَخْلٍ طوال" (٦). فما عسى أن نقول نحن، وأفضل منازلنا أن نفهم أقوالهم، وإن كانت أحوالنا لا تُشْبِه أحوالهم؟
стр. 48
وسميته بـ (الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد)، وما أذكره في كتابي هذا من سداد وصواب فبتوفيق الله وإرشاده، هان وقع فيه سهو أو تقصير مما لا يَعْرَى منه الحذاق المتقدمون، ولا يستنكفه العلماء المبرّزون.
وبالله أستعين على ذلك كله، وإليه أرغب في العصمة من الزلل في القول والعمل، وهو حسبي ونعم الوكيل. [ربّ يسّر] (١).
* * *
стр. 49
إعراب الاستعاذة (١)
أَصْلُ (استعاذةٍ): استعواذٌ، فَأُلْقِيَتْ حركةُ الواوِ على العين، وقُلبت الواو ألفًا، فاجتمعت ألفان، فحُذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، قيل: الأولى، وقيل: الثانية، والهاء عِوَضٌ من المحذوف.
والاستعاذة: استدعاءُ عِصْمَةِ الله سبحانه، واستجارةٌ به من هَمَزات الشياطين، بِدَلالة قوله: (وَقُل ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢).
وأصل (أَعُوذُ): أَعْوُذُ، على وزن (أَفْعُلُ)، كأَدْخُلُ، فنُقلت الحركة من العين إلى الفاء، فَسَكَنَتْ كما سَكَنَتْ في الماضي بأن صارت إلى الألف.
وليس قول من قال: استُثقلت الضمة في (٣) الواو فنُقلت إلى العين (٤)، وجَعَلَ الإعلالَ فيه أصلًا بنفسه، بمستقيم؛ لأجل أن حرف العلة قد سَكَنَ ما قبله فيه، والحركة في حرف اللين لا تُستثقل عند سكون ما قبله، وإنما هذا
стр. 50
الإعلال لأجل أن يشاكل المضارعُ الماضيَ، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا، فبقي (أَعُوذُ) كما ترى بمنزلة: أقول.
وألف (أَعُوذُ) ألف المخبِر عن نفسه (١)، وتُعْرَفُ بأن يَحْسُنَ معها أنا وغَدُ، وتفتح إذا كان ماضي فِعْلِها على ثلاثة أحرف أو أكثر من أربعة أحرف، وتُضَم إذا كان الماضي على أربعة أحرف، كقوله: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ (٢) و ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (٣)، وعلة ذلك أنها أخت الياء والتاء والنون اللاتي يدخلن في الفعل المضارع للدلالة على الحال أو الاستقبال، ولذلك لا تقع إلا أولًا كالمذكورات، فلما كان كذلك، وجب أن تكون حركتها كحركتهن، إن فُتِحنَ فتحتْ، وإن ضُمِمنَ ضمَّتْ، وهذه علة ألف المخبر عن نفسه وقياسها حيث وقعت (٤).
(مِنَ الشَّيْطَانِ): فُتِحَ النونُ لالتقاء الساكنين، والأشيع في النون في (مِنْ) إذا دخل على ما فيه لام التعريف نحو: مِنَ الرجل، ومِنَ القوم: الفتحُ، وقد يأتي الكسر، وهو قليل غير فصيح، فإن دخل على اسم في أوله همزة الوصل وليس بعده لام التعريف كُسِرَ، نحو: مِنِ ابنِكَ.
قال صاحب الكتاب ﵀: وقد فتحه قوم فصحاء (٥).
والذي أوجب الفتح مع اللام أن استعمال (مِن) مع ما فيه لام التعريف نحو: (مِنَ الرجلِ) كثير جدًّا، إذ ما يُعرَّفُ باللام ليس مما يحصى، فلما كان
стр. 51
كذلك اختاروا الفتح ليكون أخفَّ، إذ لو كسروا لاجتمعت كسرتان، كما قالوا: (كيفَ وأينَ)، ففتحوا كراهة اجتماع ياءٍ وكسرةٍ، وأما نحو: (مِنِ ابنك) فقليل جدًّا، إذِ الأسماء التي في أولها همزة الوصل إذا جاوزت نحو (الرجل) لا تكثر، والشيء إذا لم يكثر على ألسنتهم لم يطلبوا فيه الخفة طلبهم فيما يكثر.
وأما من فتح فقال: (مِنَ ابنِكَ) فَلِفَرْطِ حِرْصه على ما هو أَخَفُّ، فقد رجع القول إلى أن نحو: (مِن ابنك) جاز فيه الأَمران جوازًا حسنًا، ونحو: (مِنَ الرجل) التُزِمَ فيه الفتح، ولم يأت الكسر إلا مَرْذولًا، لأن هذا كثير.
وأما (عن) فيحرك بالكسر، فيقال: (عنِ الرجل)، إذ لم تكن العينُ مكسورةً، كما كانت الميم من (مِن) مكسورة، ولما كان كذلك ثبت على الكسر الذي هو الأصل (١).
وأما نون (الشَّيْطَانِ): فقد حُكي عن صاحب الكتاب ﵀ أنه جعلها في موضع من كتابه أصلية، وفي آخَرَ مزيدة (٢)، بدلالة قولهم: تَشَيْطَنَ الرجل، إذا صار شيطانًا، واشتقاقه من شَطَن، إذا بَعُد، ومنه بئر شَطون، أي: بعيدة القعر، ونوىً شَطون، أي: بعيدة، قال الشاعر:
١ - نأت بسعادَ عنكَ نَوىً شَطُونُ ... فبانتْ والفؤادُ بها رَهينُ (٣)
سُمِّي بذلك لبعده من الصلاح والخير. ومِن شاط يشيط، إذا هلك وبطل، ومنه قول الأعشى (٤):
стр. 52
٢ - ....................... ... وقد يَشِيطُ على أرماحِنا البَطَلُ (١)
سمي بذلك لهلاكه بالمعصية، ومن أسمائه الباطل.
فالنون على هذا مزيدة، ووزنه على الأول: (فيعال)، وعلى الثاني: (فَعْلان)، فإن جعلته فيعالًا صرفته، وإن جعلته فَعْلان لم تصرفه للتعريف والألف والنون الزائدتين، كسعدانَ حال التسمية.
وكل عاتٍ متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، قال جرير (٢):
٣ - أيامَ يدعُونَني الشيطانَ من غَزَلٍ ... وهُنَّ يَهْوَيْنَنِي إذْ كنتُ شَيطانا (٣)
و(الرَّجِيمِ): فعيل بمعنى مفعول (٤)، أي مرجوم، وُصِف بذلك لأنه يُرْجَم بالنجوم عند استراقه السمع بدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (٥) يعني الكواكب، يقال: رَجَمْتُهُ أرجمه رَجْمًا، فهو رجيم ومرجوم.
وقيل: وُصف بذلك لأنه رُجم باللعنة والمقت وعدم الرحمة (٦)، والأول أمتن؛ لأن هذا مجاز.
وقيل: هو (فعيل) بمعنى فاعل، أي: يَرْجُمُ غيرَهُ بالإغواء (٧).
стр. 53
القول في التسمية والبسملة
أما التسمية: فهو مصدر قولك: سميته زيدًا، أي جعلته يُدعَى زيدًا.
وأما البسملة: فهو مصدر قولك: بسمل الرجل، إذا قال: بسم الله (١).
عن ابن السكيت (٢): يقال: قد أكثرتَ من البسملة، أي من قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ (٣).
وهي مشتقة من اسمين: من بسم، ومن الجلالة، ونظيرها: حولق (٤) الرجل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهلل (٥)، إذا قال: لا إله إلا الله، أُخِذتا من حروف هذه الكلمات (٦)، وقالوا أيضًا: عبشمي، في عبد
إعراب البسملة
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾.
بنيت الباء من ﴿بِسْمِ﴾ على الكسر؛ لكونها لازمة للحرفية والجر، أو لأجل أن المقصود هو التحريك؛ لئلا يلزم الابتداء بالساكن، فلا حَدَّ في ذلك ولا حَظْرَ (١).
فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف، وفيه تقديران:
أحدهما: ابتدائي بسم الله، والتقدير: ابتدائي ثابت أو مستقر بسم الله، فيكون موضعه رفعًا (٢).
والآخرُ: بدأت أو أبدأ، فيكون موضعه نصبًا (٣).
стр. 56
وقيل: هو أمر، أي: ابدؤوا باسم الله (١).
وإنما قُدِّر معنى الابتداء؛ لأن الحال تدل عليه، وقد أظهره الشاعر في قوله:
٥ - باسم الإلهِ وبه بَدِينا ... ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِينا (٢)
وقيل: المضمر (أستعين) والاسم صلة (٣)، والتقدير: أستعين بالله، وفائدة الصلة: الفُرقانُ بين اليمين والتيمّن، فاعرفه، فإنّ فيه أدنَى غموض (٤). وإنما حذف ما تعلقت به الباء لكثرة الاستعمال، ومِن دَأْبِ القوم أن يخففوا ما كَثُر استعماله، ألا ترى أنهم قالوا: لم أُبَلْ، فحذفوا منه، ولَم يحذفوا من نحو: أُرامِ؛ لأن الحذف والتخفيف يليق بالذي يدوم دورانه، ويكثر استعماله، والحذف والإضمار في كلامهم لِما ذكرتُ، ولعلم المخاطب كثير (٥).
وزعم صاحب الكتاب ﵀: أن معنى الباء الإلصاق، تقول:
стр. 57
كتبت بالقلم، أي: ألصقت الكتابةَ به، فالكتابة مُلْصقَةٌ بالقلم (١).
والاسم أحد الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن، إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن.
وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز كَيَدٍ (٢)، ودَمٍ، ووزنه (اِفْعٌ)، والذاهب منه اللام، وهي الواو عند الحذاق، بدليل: سَمَوتُ كعَلَوت، ثم حُذف لامُه وَسُكِّن فاؤه اعتلالًا على غير قياس (٣).
والهمزة في (اسم) عوض من العجز المحذوف، وأصله سِمْوٌ كعِذْقٍ، أو سُمْوٌ كقُفلٍ بدليل تصريفه: كأسماءٍ، وسُمَيٍّ، وسَمَّيْتُ، بمنزلة: دِماء، ودُمَيّ، وَدَمَّيْتُ.
والدليل على أن الهمزة عوض من المحذوف: أنهم لا يَجمعون بينهما حال الإضافة (٤)، فلا يقولون: إِسْمَوِيّ، كما لم يقولوا: ابْنَوِيّ، وإنما يقولون: اسْمِيّ، أو سِمَوِيٌّ. كما يقولون: ابْنيٌّ، أو بَنَوِيٌّ، ولا يلحقونها في نحو: رجل وفرس، وغيرهما من الأسماء التي لم يلحقها تغيير، فاختصاص الهمزة باسْمٍ ونحوه صار عوضًا من الحذف الذي لحقه.
واشتقاقه من السمو، وهو الارتفاع والعلو، لأن التسمية تنويهٌ بالمسمَّى وإشادة بذكره (٥). وقيل: من السِّمَة، وهي العلامة، تقول: وَسَمْتُ فلانًا وسمًا وَسِيةً، إذا أَثَّرْتَ فيه بِسِمَةٍ وكَيٍّ، ثم أُعِلَّ بحذف الفاء على غير قياسٍ
стр. 58
أيضًا، ووزنه (اعْلٌ)، والأول أمتنُ [أي أقوى]، وعليه العمل، بدلالة ما ذكرت من تصريفه، إلا إذا ادَّعَى صاحبُ هذا المذهب القَلْبَ فيه وقال: إنه مقلوب من (وَسْمٍ) إلى (سِمْوٍ)، فجُعلت فاؤه مكان اللام، ثم حذف وجمع وصغّر على ذلكَ، فلا دليل في تصريفه (١).
وفيه أربع لغات: (سِمٌ) بكسر السين، و (سُمٌ) بضمها، قال:
٦ - * باسمِ الذي في كُلِّ سورَةٍ سِمُهْ (٢) *
ويروى سُمُهْ.
و(اِسم) بكسر الهمزة، و (اُسم) بضمها، وهذا في الابتداء، أعني كسر الهمزة وضمها، وكأن الكسر من لغة من يقول: (سِموٌ)، والضم من لغة من يقول: (سُموٌ).
وحَكى أبو علي (٣) عن أحمد بن يحيى (٤) عن ابن الأعرابي (٥) أنه يقال:
стр. 59
سُمًى، بوزن هُدًى (١)، وعليه أتى قول الشاعر:
٧ - والله أسماك سُمًى مباركًا ... آثرك اللهُ به إِيثاركا (٢)
كما ترى، فإن قلت: فَلِمَ حُذفتِ الألف من اللفظ وفي الخط؟ قلت: أما من اللفظ فلقيام الباء مقامها، وأما في الخط فلكثرة الاستعمال، ولهذا أُثبتت في قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣) وفي قولك: ليس اسمٌ كاسم الله (٤).
واختُلف في الاسم والمسمى على وجهين:
أحدهما: أن الاسم غير المسمى، وإنما هو يدل على المسمى.
والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٥) فأخبر أن اسمه يحيى، ثم نادى الاسم وخاطبه فقال: ﴿يَايَحْيَى﴾ (٦) ويحيى هو الاسم، والاسم هو يحيى. وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٧)، ولا مقال إن المسميات هي المعبودة، وفيه كلام يطول، ولا يليق ذكره هنا (٨).
стр. 60
والأصل في اسم الله سبحانه (إلاه) (١)، بدليل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٢). وهو (فِعال) بمعنى مفعول؛ لأنه مألوهٌ، أي: معبود يعبده الخلق، يقال: أَلَه بالفتح إلاهةً، أي: عَبَدَ عبادةً.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: (وَيَذَرَكَ وإِلاهَتَكَ)، أي: عبادتك (٣).
ونظيره: إِمامٌ، فِعالٌ بمعنى مفعول؛ لأنه مُؤْتَمٌّ به. ثم دخلت عليه الألف واللام للتفخيم والتعظيم، فقيل: الإله، قال:
٨ - مَعَاذَ الإلَهِ أن تكونَ كَظَبْيَةٍ ... ................................ (٤)
ونظيره: الناس، أصله الأناس، قال:
٩ - إن المنايا يطلِعْـ ... ـنَ على الأُناس الآمنينا (٥)
стр. 61
ثم خففت الهمزة إما بالنقل، وإما بالحذف، فاجتمعت لامان، فأُدغمت الأولى في الثانية كراهة اجتماع المثلين، وصارت الألف واللام فيه كأنهما عوض من الهمزة المحذوفة التي هي فاء الكلمة، بدلالة أنه لا يجمع بين الألف واللام والهمزة في حال السعة والاختيار، فلزمتا ولم تفارقا الاسم كأنهما بعض حروفه، فلذلك دخل عليه حرف النداء فقيل: يا أَلله اغفر لي، مع القطع، كما يقال: يا إِله، [حتى لم يُقَلْ: يا اللهُ في الأعرف] (١).
وحرف النداء لا يدخل على ما فيه الألف واللام، لا يقال: يا الرجل، ولا يا الغلام، لأن النداء يُعَرِّفُ الاسم بالإشارة والخطاب، والألف واللام يعرفانه، فلا يجتمع على اسمٍ تعريفان مختلفان.
وقيل: أصله (لاهٌ) (٢)، على (فَعْلٍ)، ويدل على صحة هذا الوجه قول بعض العرب: لَهْيَ أبوك، يريد: لاهِ أبوك، على معنى: لله أبوك، فأخروا العين في موضع اللام تصرفًا في كلامهم، وتلعبًا بألفاظهم، والألف فيه منقلبة عن الياء، بدلالة ظهورها في قولهم: لَهْيَ أبوكَ (٣). والأصل (لَيَهٌ)، فقلبت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، فبقي (لاه) فأدخلت الألف واللام عليه للتعظيم، فبقي (الله) كما ترى.
والكلمة من معنى الاحتجاب، يقال: لاهَ يَلِيهُ لَيْهًا، إذا تستر واحتجب، ولاهت العروس، إذا احتجبت، قال الشاعر:
стр. 62
١٠ - لاهت فما عُرفتْ يومًا بخارجةٍ ... يا ليتها خرجتْ حتى رأيناها (١)
فجرى بعد إدخال الألف واللام مجرى الاسم العَلَم، كالعباس والحسن، فالله هو المحتجب من جهة الكيفية عن الأوهام، وهو الظاهر بالربوبية بالدلائل الواضحة، والبراهين القاطعة، فاعرفه.
وقيل: أصله (وِلاوهٌ) (٢)، من الوَلَهِ وهو التحير، يقال: ولِه فلانٌ يَوْلَهُ وَلَهًا وَوَلَهانًا، فكأن المعنى على هذا المذهب أن يكون الولَه من العباد إليه، كما كان في المذهب الأول مألوهًا، ثم أبدلت من الواو همزة، كما أبدلت في إعاء ووِعاء، وإكاء ووِكاء، ثم فُعل فيه ما ذكرتُ في الوجه الأول.
وقيل: هو اسمٌ عَلَمٌ موضوعٌ هكذا لله ، وليس أصله (إلاهٌ)، ولا (لاهٌ)، ولا (وِلاهٌ)، عن المازني (٣)، وليس بالمتين، لأنه عَلَمٌ، وكل اسم عَلَم لا بد أن يكون له أصل نقل منه، أو غُيّر عنه في الأمر العام (٤).
قال أهل المعاني: والإِله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غُلِّبَ على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكبٍ، ثم غُلّب على الثريّا، وكذلك السّنَة على عام
стр. 63
القحط، والبيت على الكعبة، والكتابُ على كتاب سيبويه (١).
وأما ﴿اللَّهِ﴾ بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يُطلق على غيره، وهو اسم غير صفة، لأنك تصفه ولا تصف به، لا تقول: شيءٌ إلهٌ، كما لا تقول: شيء رجل، وتقول: إلهٌ واحدٌ صَمَدٌ، كما تقول: رجل كريم حُرٌّ (٢). وأيضًا فإن صفاتِه تعالى لا بد لها من موصوف تجري عليه، فلو جعلتها كلها صفات، بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال (٣).
ولامُه مفخمةٌ إذا كان قبلها فتحةٌ أو ضمةٌ، مرققةٌ إذا كان قبلها كسرة، وعلى ذلك العربُ كلهم (٤).
ورُوي عن الزجاج (٥) أنه قال: تفخيمها سُنَّة، يعني على الشرط المذكور (٦).
وخُصَّ هذا الاسم: بالتفخيم، كما خصَّ بالتاء في القسم، نحو: تالله، وبالنداء، نحو: يا ألله مع القطع، وبالعوض فيه، نحو: اللهم، وما ذاك إلا لتفخيمه وتعظيمه، واختصاصه، إذ لم يُطْلَقْ على غيره سبحانه (٧).
فإن قلتَ: فلم حُذفت الألفُ في الخط من اسم الله ؟ قلت:
стр. 64
ليفرق بينه وبين اللات، لأن من العرب من يقف عليها بالهاء فيقول: (اللاه)، قياسًا على نظائرها، لأنها تاء التأنيث (١). وقيل: لكثرة الاستعمال (٢). وقيل: لأنه كتب على لغة من يقول: اللَّهْ بإسكان الهاء مع القصر (٣)، وأنشد قُطْربٌ (٤) وغيره:
١١ - أقبل سَيْلٌ جاء من أَمْرِ اللَّهْ ... يَحْردُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ (٥)
﴿الرَّحْمَنِ﴾ جَرُّ؛ لأنه نعت لله سبحانه، والنعت يجري في كلامهم على ضربين: مدحٍ وتحليةٍ، فما كان لله تعالى فهو مدح.
ولا يثنى الرحمن ولا يجمع؛ لاختصاصه بالله سبحانه (٦)، قيل: وأما قول بني حنيفة في مسيلمة الكذاب: رحمن اليمامة، وقول شاعرهم فيه:
стр. 65
١٢ - ....................... ... وأنتَ غَيْثُ الورى لا زلتَ رحمانا (١)
فباب من تعنتهم في كفرهم.
فالرحمن خاص اللفظ من "حيثُ إنه لا يُسَمَّى به غيره (٢)، عام المعنى من حيث إنه يشمل إنعامُه وإحسانُه جميعَ المخلوقات. وعكسه (الرحيم)؛ لأنه عام اللفظ من حيثُ اشتراك المخلوقين في التسمِّي به خاص من طريق المعنى، وهذا معنى بعض قول أهل التأويل: الرحمن: اسم خاص لصفة عامة، والرحيم: اسم عام لصفة خاصة، فاعرفه (٣).
﴿الرَّحِيمِ﴾ نَعْتٌ بعد نَعْتٍ.
ويجوز النصب في الرحمن الرحيم على المدح بمعنى أعني، والرفع على إضمار مبتدأ، ويجوز جر الأول ورفع الثاني، ورفع أحدهما ونصب الآخر، لا أعرف خلافًا بين النحويين في جواز ما ذكرت (٤).
стр. 66
وأهل الحجاز وبنو أسد يقولون: رَحيمٌ، ورَغيفٌ، وبَعِيرٌ بفتح أوائلهن، وقيسٌ وربيعةُ وتميمٌ يقولون: رِحيم، ورِغيف، وبِعير، بكسر أوائلهن (١).
ولام التعريف تُدْغَمُ في ثلاثةَ عشرَ حرفًا لا يجوز فيها معهن إلا الإدغام (٢)، منها التسعة تسمى المثلثات الثلاث، لأن كل ثلاثة منهن أخوات في المخرج، فالمثلثة الأولى: الطاء، والدال، والتاء. والثانية: الظاء، والذال، والثاء. والثالثة: الصاد والسين والزاي، وما بقي: النون والراء والضاد والشين، فهذه الثلاثةَ عشرَ يلزمها الإدغام مع لام التعريف لأمرين:
أحدهما: أن هذه الحروف مقاربة لها، فالأحدَ عشرَ مشاركةٌ في طرف اللسان وإن كان بعضها في ذلك أقلَّ حظًّا من بعض. والضاد والشين وإن لم يكونا من طرف اللسان، فإنهما باستطالتهما قد دنتا من المثلثات، ولذلك أدغم الطاء وأختاها، والظاء وأختاها فيهما.
والثاني: أن لام التعريف كثر في الكلام ودام دورانُه على الألسنة، لدخوله على الأسماء كلها ما عدا الأعلام، نحو: زيد وعمرو، والأسماء غير المتمكنة، وذلك قليل محصور، فلما اجتمع فيه الأمران: المقارَبةُ لهذه الحروف والكثرة ألزم الإدغامَ. هذا قول سيبويه (٣)، وأيد ذلك أن اللام مبنية على السكون، فهي إذًا متهيئة للإدغام، ثم إن القصد في وضعها على السكون أن يشتد اتصالها بالاسم، ويكون امتزاجها على حسب امتزاج معناها بمعنى الاسم، ولكونها جُزْءًا من الاسم تَخَطّاها العامل، نحو: بالرجُل، فلم يُعَدّ اللامُ فصلًا بين الجارِ والمجرور، لأن منزلتها منه كمنزلة الراء حيث قلتَ: برجلٍ، وإذا كان هذا حالَها كان الإدغام خليقًا بأن يلزمها، ليتمكن دخولُها
стр. 67
في الاسم واتحادُها به، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا.
وهما صفتان مشتقتان من الرحمة، فالرحمن (فَعْلانُ) من رحم، كغضبانَ وسكرانَ من غضب وسكر، وكذلك الرحيم (فعيلٌ) منه، كمريض وسقيم، من مرض وسَقِم، وهما بمعنًى، كما أن ندمانًا ونديمًا كذلك.
قال أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المثنى (١): قد يبنون الكلمتين من أصل واحد لمعنىً واحدٍ للمبالغة، وهما بمنزلة نديم وندمان، يذهب إلى أنّ معناهما واحدٌ، كما أن معنى النديم والندمان عنده واحد (٢).
وقال غيره: في ﴿الرَّحْمَنِ﴾ من المبالغة ما ليس في ﴿الرَّحِيمِ﴾ (٣).
ورُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم، ولذلك قالوا: رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة (٤).
ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادةِ المعنى (٥).
وعن الزجاج في الغضبان والعطشان: هما الممتلئان غضبًا وعطشًا، وكذلك الرحمن ذو النهاية في الرحمة التي وسعت كل شيء (٦). وقد مضى
стр. 68
الكلام عليهما قُبيل بأشبع من هذا.
قيل: وأصل الرحمة: النعمة، من قوله تعالى: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (١) أي نعمة، ولا يجوز أن يكون أصلها الرقة، بدلالة قولهم: رَحِمَهُ الطبيب، أي: استقصى علاجه، أي: أحسن إليه بذلك وأنعم عليه، وإن كان قد آلمه بالبَطِّ وما جرى مجراه من الجبر وغيره، ولو رَقَّ له لم يعالجه (٢).
стр. 69
إعراب [سُورَةُ الْحَمْدُ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾:
قوله : ﴿الْحَمْدُ﴾: رَفْعٌ - بالابتداء، وخبره الظرف (١) الذي هو ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بمحذوف، أي: الحمد ثابت أو مستقر لله، وكذلك كل ما وقع من حروف الجر خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، نحو: هذا رجل من قريش. أو صِلةً لموصول، نحو: هذا الذي من قريش. أو حالًا لذي حال، نحو: هذا زيد من قريش، فإنه يتعلق بمحذوف، وما عدا هذه الأربعةَ، فإنه يتعلق بموجود، نحو: مررت بزيدٍ، أو ما هو في حكم الموجود مثل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ على مذهب من يقدّر: بدأتُ، أو أبدأُ، وأما من يقدر: ابتدائي، فمن القِسْمِ الأول الذي عامِلُهُ محذوفٌ، لأنّ ابتدائِيَ المقدرَ مبتدأٌ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ خبره.
والابتداء عامل معنوي، والعوامل على ضربين: عامل لفظي، وعامل معنوي لا حَظَّ للسان فيه، [وإنما يعبر عنه] (٢)، فاللفظي: فعل وحرف، والمعنوي ضربان:
أحدهما: عامل الرفع في الاسم المبتدأ وهو تَعَرِّيه من العوامل
стр. 70
الظاهرة، وما يجري مجراها، نحو: إنْ زيدٌ قام.
والآخرُ: عامل الرفع في الفعل المضارع، وهو وقوعه موقع الاسم، وسيبويه ﵀ لا يثبت من العامل المعنوي إلا هذين، والعامل في الصفة عنده هو العامل في الموصوف، نحو: مررت بزيدٍ الظريف، فَجَرُّ الظريف عنده بالباء (١).
وقد أَثبت أبو الحسن (٢) عاملًا ثالثًا معنويًّا، وهو أن يَجُرَّ الظريفَ في قولك: مررتُ بزيدٍ الظريفِ وما أشبه هذا بكونِهِ صفةً لمجرورٍ، وكونه صفة لمجرور معنىً يعرف بالقلب، فاعرفه.
وقُرئ: (الحمدَ لله) بالنصب (٣)، على إضمار فعله، أي: نحمدُ اللهَ الحمدَ، والرفع أجود، وهو اختيار صاحب الكتاب ﵀ (٤) لما فيه من التعميم والدلالة على ثبات المعنى واستقراره، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (٥)، رُفع (سلام) الثاني للدلالة على أن إبراهيم ﵇ حَيَّاهم بتحيةٍ أحسنَ من تحيتهم، لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه (٦).
وقرئ: (الحمدِ لِلَّه) بكسر الدال على إتْباعِ الأولِ الثاني. و (الحمدُ لُلَّه)
стр. 71
بضم اللام على إتباع الثاني الأول (١)، وهو أحسنُ وأقوى، لأن حُرْمَةَ الإعراب أقوى من حرمة البناء (٢)، والذي جَسَّرَ القارئَ على ذلك - والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة، كقولهم: مُنْحَدُرٌ ومِغِيرَةٌ - شِدَّةُ حاجةِ المبتدأ إلى الخبر، فلما كان كذلك أَجْرَى ما هو من كلمتين مجرى ما هو من كلمة واحدة (٣).
والتعريف فيه تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحدٍ من أن الحمد ما هو (٤)، كما أن نحو تعريف الدرهم والدينار إذا قلت: كثر الدرهم والدينار كذلك.
قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: قولوا الحمد لله، أي: الحمد كله لله لا لغيره، وإضمار القول في القرآن وفي كلام القوم كثير (٥).
وقيل: الحمد المعهود لله، وهو الحمد الذي حمد به نفسه، فاللفظ على هذا على الخبر والمعنى على الأمر. ويجوز أن يكون إخبارًا أخبر الله جل ذكره به، فلا حذف على هذا.
واللام في قوله: (لله)، أصله الفتح (٦)، بدليل أنهم فتحوه مع المضمر في قولهم: الحمد لَه، والمال لَك، لأن المضمر يُرَدُّ فيه الشيء إلى أصله، فإن قلتَ: إذا كان الأمر على ما زعمتَ، فلمَ كُسِرَ مع الظاهر؟ قلت: للفصل بينه وبين لام الابتداء إذ كان يلتبس في مواضع كثيرة، ألا ترى أنك لو
стр. 72
قلتَ: إن هذا لِعيسى، وإنْ هذا لَعيسى، تريد بأحدهما أن تقول: إن هذا ملْك له، وبالآخر إن هذا لهو، كقولك: إن هذا لَزيدٌ. لم يُفْصَلْ بين الحالتين ولالْتبس لام الابتداء بلام الملك، إذ ليس يظهر الإعراب في آخره، فيفصل بين الحالين بالرفع والجر (١). وزعم ابن كيسان (٢) أن الأصل فيه الكسر، لأنه جارٌّ، فالأَولى أن تكون حركته من جنس ما يحدثه، وإنما فتح مع المضمر كراهة الضم بعد الكسر إذا قلتَ: لِهُو، إذ ليس في الكلام (فِعُلٌ)، والأول أمتن وعليه المحققون (٣).
والحمد والمدح أَخَوان (٤)، وهو الثناء على الرجل بما فيه من شجاعة أو كرم، أو جميل أَوْلاكَهُ، تقول: حَمِدْتُ الرجلَ على شجاعته، وحمدتُه على كرمه ويعمه، أَحْمَدُه حَمْدًا ومَحْمَدَةً، فهو حَمِيد، ومحمود.
والحمد أعم من الشكر (٥)، لأن الشكر هو الثناء على الرجل بمعروف أولاكه، ولذلك يقول أهل اللغة: قد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمِدت الرجل على معروفه وإحسانه، ولا يوضع الشكر موضع الحمد فيقال: شكرت الرجل على شجاعته، ويدل على صحة ذلك قوله ﵊: "الحمد رأس الشكر، ما شَكَر اللهَ عبدٌ لم يحمدْهُ" (٦).
стр. 73
والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفرانُ، والحمد، والشكر، والمدح، والثناء، نظائرُ في اللغة.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (رَبِّ) جَرٌّ على النعت لله سبحانه، أو على البدل (١).
وقرى": (ربَّ العالمين) (٢) بالنصب على المدح. وقيل: بما دل عليه الحمد لله، كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين. وقيل: على النداء (٣).
ويجوز رفعه على: هو رب.
والرب: المالك، يقال: هذا رب الدار، أي مالكها، ومنه قول بعض الفصحاء: لأَن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أَحَبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني رجلٌ من هوازن (٤). أي: لَأَنْ يَملكني.
والرب أيضًا المصلح للشيء، يقال: رَبَبْتُ الشيءَ أَرُبُّه ربًّا، إذا أصلحتَه وقمتَ عليه، فالله سبحانه مالك العباد ومصلحُهم، ومصلح شُؤونهم. ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة، كما وصف بالعدل والصوم وغيرهما من المصادر التي يوسف بها للمبالغة. ولم يطلقوا الرب إلا
стр. 74
في الله وحده (١)، وهو في غيره على التقييد، كقولهم: ربُّ الدار، ورب الضيعة ونحوهما، وأما قولهم في الجاهلية للملِك: الرب، قال:
١٣ - وهو الربُّ والشهيدُ على يو ... مِ الحُوارين والبَلاءُ بَلاءُ (٢)
فلا اعتداد به لشذوذه (٣).
﴿الْعَالَمِينَ﴾: خفض بالإضافة، وعلامة الخفض الياء، وهي حرف الإعراب عارٍ من الحركة بمنزلة الياء في البيع، والنون عوض من الحركة، وله حالتان: يكون في إحداهما عوضًا من الحركة إذا عَرِيَ الواحد من التنوين؛ وفي الثانية عِوَضًا من الحركة والتنوين إذا كانا في الواحد (٤).
وأما (هذان)، فالنون فيه ليس بمنزلة النون في رجلان، وإنما هو صيغة مرتجلة للتثنية، ولو كان مثنًى لوجب أن يدخله الألف واللام، كما يدخل في سائر الأسماء المعارف في حال التثنية، نحو: زيد والزيدان، وحُرك النون لالتقاء الساكنين: الياء والنون (٥)، وفتح للفرق والتعديل (٦).
стр. 75
وهو جَمْعُ سلامةٍ، واحده عالَم، والعالَم: اسم موضوع للجمع، ولا واحد له من لفظه، كالأنام، والقوم، واشتقاقه من العِلم عند من جعله لذوي العلم، ومن العَلَم والعلامة عند من جعله لجميع المخلوقات لظهورهم، وظهور أثر الصنعة فيهم، ولمعنى الوصفية المشار إليها فيه جُمِعَ جَمْعَ التصحيح (١).
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾:
قوله : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ نعت بعد نعت، ويجوز نصبهما على المدح، ورفعهما على إضمار (هو)، ورفع أحدهما ونصب الآخر، وجرّ الأول ونصب الثاني ورفعه (٢).
فإن قلت: فلم أُعيد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مع اعتقادك أن البسملة من الفاتحة؟ قلتُ: أعيد ذلك للمبالغة والتأكيد، كما قال:
١٤ - هَلَّا سألتَ جموعَ كِنْـ ... ـدَةَ يومَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنَا (٣)
وكما قال الآخرُ:
١٥ - كَمْ نِعْمَةٍ كانتْ لَكُمْ كمْ كمْ وَكَمْ (٤)