← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بضم اللام على إتباع الثاني الأول (١)، وهو أحسنُ وأقوى، لأن حُرْمَةَ الإعراب أقوى من حرمة البناء (٢)، والذي جَسَّرَ القارئَ على ذلك - والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة، كقولهم: مُنْحَدُرٌ ومِغِيرَةٌ - شِدَّةُ حاجةِ المبتدأ إلى الخبر، فلما كان كذلك أَجْرَى ما هو من كلمتين مجرى ما هو من كلمة واحدة (٣). والتعريف فيه تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحدٍ من أن الحمد ما هو (٤)، كما أن نحو تعريف الدرهم والدينار إذا قلت: كثر الدرهم والدينار كذلك. قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: قولوا الحمد لله، أي: الحمد كله لله لا لغيره، وإضمار القول في القرآن وفي كلام القوم كثير (٥). وقيل: الحمد المعهود لله، وهو الحمد الذي حمد به نفسه، فاللفظ على هذا على الخبر والمعنى على الأمر. ويجوز أن يكون إخبارًا أخبر الله جل ذكره به، فلا حذف على هذا. واللام في قوله: (لله)، أصله الفتح (٦)، بدليل أنهم فتحوه مع المضمر في قولهم: الحمد لَه، والمال لَك، لأن المضمر يُرَدُّ فيه الشيء إلى أصله، فإن قلتَ: إذا كان الأمر على ما زعمتَ، فلمَ كُسِرَ مع الظاهر؟ قلت: للفصل بينه وبين لام الابتداء إذ كان يلتبس في مواضع كثيرة، ألا ترى أنك لو

стр. 72

قلتَ: إن هذا لِعيسى، وإنْ هذا لَعيسى، تريد بأحدهما أن تقول: إن هذا ملْك له، وبالآخر إن هذا لهو، كقولك: إن هذا لَزيدٌ. لم يُفْصَلْ بين الحالتين ولالْتبس لام الابتداء بلام الملك، إذ ليس يظهر الإعراب في آخره، فيفصل بين الحالين بالرفع والجر (١). وزعم ابن كيسان (٢) أن الأصل فيه الكسر، لأنه جارٌّ، فالأَولى أن تكون حركته من جنس ما يحدثه، وإنما فتح مع المضمر كراهة الضم بعد الكسر إذا قلتَ: لِهُو، إذ ليس في الكلام (فِعُلٌ)، والأول أمتن وعليه المحققون (٣). والحمد والمدح أَخَوان (٤)، وهو الثناء على الرجل بما فيه من شجاعة أو كرم، أو جميل أَوْلاكَهُ، تقول: حَمِدْتُ الرجلَ على شجاعته، وحمدتُه على كرمه ويعمه، أَحْمَدُه حَمْدًا ومَحْمَدَةً، فهو حَمِيد، ومحمود. والحمد أعم من الشكر (٥)، لأن الشكر هو الثناء على الرجل بمعروف أولاكه، ولذلك يقول أهل اللغة: قد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمِدت الرجل على معروفه وإحسانه، ولا يوضع الشكر موضع الحمد فيقال: شكرت الرجل على شجاعته، ويدل على صحة ذلك قوله ﵊: "الحمد رأس الشكر، ما شَكَر اللهَ عبدٌ لم يحمدْهُ" (٦).

стр. 73

والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفرانُ، والحمد، والشكر، والمدح، والثناء، نظائرُ في اللغة. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (رَبِّ) جَرٌّ على النعت لله سبحانه، أو على البدل (١). وقرى": (ربَّ العالمين) (٢) بالنصب على المدح. وقيل: بما دل عليه الحمد لله، كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين. وقيل: على النداء (٣). ويجوز رفعه على: هو رب. والرب: المالك، يقال: هذا رب الدار، أي مالكها، ومنه قول بعض الفصحاء: لأَن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أَحَبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني رجلٌ من هوازن (٤). أي: لَأَنْ يَملكني. والرب أيضًا المصلح للشيء، يقال: رَبَبْتُ الشيءَ أَرُبُّه ربًّا، إذا أصلحتَه وقمتَ عليه، فالله سبحانه مالك العباد ومصلحُهم، ومصلح شُؤونهم. ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة، كما وصف بالعدل والصوم وغيرهما من المصادر التي يوسف بها للمبالغة. ولم يطلقوا الرب إلا

стр. 74

في الله وحده (١)، وهو في غيره على التقييد، كقولهم: ربُّ الدار، ورب الضيعة ونحوهما، وأما قولهم في الجاهلية للملِك: الرب، قال: ١٣ - وهو الربُّ والشهيدُ على يو ... مِ الحُوارين والبَلاءُ بَلاءُ (٢) فلا اعتداد به لشذوذه (٣). ﴿الْعَالَمِينَ﴾: خفض بالإضافة، وعلامة الخفض الياء، وهي حرف الإعراب عارٍ من الحركة بمنزلة الياء في البيع، والنون عوض من الحركة، وله حالتان: يكون في إحداهما عوضًا من الحركة إذا عَرِيَ الواحد من التنوين؛ وفي الثانية عِوَضًا من الحركة والتنوين إذا كانا في الواحد (٤). وأما (هذان)، فالنون فيه ليس بمنزلة النون في رجلان، وإنما هو صيغة مرتجلة للتثنية، ولو كان مثنًى لوجب أن يدخله الألف واللام، كما يدخل في سائر الأسماء المعارف في حال التثنية، نحو: زيد والزيدان، وحُرك النون لالتقاء الساكنين: الياء والنون (٥)، وفتح للفرق والتعديل (٦).

стр. 75

وهو جَمْعُ سلامةٍ، واحده عالَم، والعالَم: اسم موضوع للجمع، ولا واحد له من لفظه، كالأنام، والقوم، واشتقاقه من العِلم عند من جعله لذوي العلم، ومن العَلَم والعلامة عند من جعله لجميع المخلوقات لظهورهم، وظهور أثر الصنعة فيهم، ولمعنى الوصفية المشار إليها فيه جُمِعَ جَمْعَ التصحيح (١). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾: قوله : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ نعت بعد نعت، ويجوز نصبهما على المدح، ورفعهما على إضمار (هو)، ورفع أحدهما ونصب الآخر، وجرّ الأول ونصب الثاني ورفعه (٢). فإن قلت: فلم أُعيد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مع اعتقادك أن البسملة من الفاتحة؟ قلتُ: أعيد ذلك للمبالغة والتأكيد، كما قال: ١٤ - هَلَّا سألتَ جموعَ كِنْـ ... ـدَةَ يومَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنَا (٣) وكما قال الآخرُ: ١٥ - كَمْ نِعْمَةٍ كانتْ لَكُمْ كمْ كمْ وَكَمْ (٤)

стр. 76

وإعادة اللفظ بالكلام نحو: اضْرِب اضرب، واذهب اذهب، للتأكيد والحث على ذلك شائع في كلام القوم. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾: قوله : ﴿مَالِكِ﴾ جر على النعت ﴿لِلَّهِ﴾ ، والصفة تجري على موصوفها إذا لم تُقطع عنه لمدح أو ذم. . . هذا إذا أردت باسم الفاعل معنى الماضي، كقولك: هو مالك العبيد والدراهم والدنانير، تعني الزمان المستمر، وإن أردت به الحال أو الاستقبال كان جره على البدل ليس إلا؛ لأن الإضافة إذا كافت في معنى الانفصال لا تكون مُعْطِيَةً معنى التعريف، نحو: هذا رجل ضاربُ زيدٍ الساعةَ أو غدًا، وإذا كان كذلك لم يجز جَرُّهُ على الوَصْفِتة، لأن المعرفة لا توصف بالنكرة (١). وهو جار على الفعل، تقول: مَلَكَ يملِكُ مِلْكًا، فهو مالِكٌ. وأما من قرأ: (مَلِكِ) بغير ألف (٢) فهو غيرُ جارٍ على الفعل، وإضافته حقيقية، يقال: مَلِكٌ بيِّنُ المُلك بالضم، ومالكٌ بَيِّنُ المِلك بالكسر. وفيه أربع لغات: مَلِكٌ، ومالكٌ، ومَلْكٌ بتخفيف اللام، ومليكٌ بوزن رحيم. فَجَمْعُ مَلِكٍ: أملاك وملوك، وجمع مالك: مُلَّاكٌ ومُلَّكٌ، وجمع مَلْكٍ: أملُكٌ وملوكٌ، وجمع مَلِيك: مُلَكاء. ويجوز في مالك: النصب على المدح، وعلى النداء، وعلى الحال، وعلى الوصف، على قول من نصب (ربَّ العالمين). والرفع على إضمار

стр. 77

مبتدأ، والجر على النعت، أو على البدل على ما ذكرت، فهذه ستة أوجه في (مالك)، وكذلك القول في (مَلِك)، و (مَلْكٍ)، و (مَلِيكٍ) (١)، والعامل في الحال فِعْلٌ دل عليه الحمد. وقرئ أيضًا: (مَلَكَ يومَ الدين) بلفظ الفعل، ونصب اليوم (٢). وإنما ذكرتُ هذه الأوجهَ، لتعرفَ الإعرابَ، وما يجوز في العربية، لا أن تقرأ بهن؛ لأن القراءة سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لا يجوز لأحدٍ أن يقرأ إلّا بما قُرئ به وصحَّ عن السلف الصالح (٣). ﴿يَوْمِ﴾ جر بإضافة ﴿مَالِكِ﴾ إليه، والإضافة على طريق الاتساع مُجْرًى مجرَى المفعول به، كقولهم: ١٦ - * - يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارِ (٤) * والمعنى على الظرفية، والتقدير: مالك الأمر كلِّه في يوم الدين، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٥)، وإنما حُذف المفعولُ لدلالة الحال عليه.

стр. 78

وجَمْعُ يومٍ: أيامٌ، وأصلُه: أَيْوامٌ، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء؛ لأن الياء إذا كانت ساكنة وبعدها واو قلبت ياء وأدغمت فيها الياء (١). و﴿الدِّينِ﴾، الجزاء، وهو مصدر دانه دَينًا، أي جازاه، يقال: "كما تدين تُدان" (٢)، أي: كما تجازي تجازَى، وله معان أُخَرُ، ولكن ذكرت منها ما يليق هنا، يعضده: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ (٣) و ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ (٤). أي "يوم يدين الله الخلق بأعمالهم". عن قتادة (٥) وغيره ﵃ (٦). ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾: قوله : ﴿إِيَّاكَ﴾ (إِيَّا) وحده اسمٌ ضميرٌ منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك وإياه، وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، كما لا محل للكاف في (ذلك) و (أَرَأَيْتَكَ) (٧)، وليست بأسماء مضمرة، فامتناع الرفع:

стр. 79

لأنها ليست من ضمائر المرفوع، وامتناع النصب: لأنه ليس لها ناصب، وامتناع الجر: لأن المضمرات لا تضاف، لأنها معارفُ ولا يفارقها تعريفها، فلا تجوز إضافتها إلى غيرها، وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀، وعليه المحققون من أهل هذه الصناعة (١). وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإيّاه وإيّا الشَّوابِّ (٢)، فليس سبيلُ مثلِه أن يَعترض على السماع والقياس جميعًا، ألا ترى أنه لم يُسمع منهم: إياك وإيا الباطل، ولا حُكي عنهم تأكيد اللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء، فَتَرْكُهُمْ ما ذكرتُ دل على شذوذ هذه الحكاية (٣)، وأن (إيًا) وحده اسم، وما بعده حرف يفيد الخطاب تارة، والغيبةَ أُخرَى، والتكلمَ ثالثةً. وقال الكوفيون: إن الكاف اسم مضمر، و (إيّا) دِعامةٌ للكاف ووصلة إليها، ولم يبينوا هذه الدعامة ما هي: أمضمرة هي أم مظهرة؟ ودِعامةُ الشيءِ عمادُه، وقد رُدَّ هذا القول بأن قيل: إن أكثر الشيء لا يكون دعامةً لأقله، لأن أَقل ما في هذه الكلمة الكاف على قولهم، وقد دُعِمَتْ بأربعة أحرف. وعنهم أيضًا: أنَّ ﴿إِيَّاكَ﴾ بكماله اسم مضمر. وفيه أقوال أُخَرُ أَضربتُ عنها خوف الملل (٤).

стр. 80

[أنواع الضمير] والضمير على ثلاثة أضرب: ضربٌ منفصل: وهو ما ذكرت آنفًا، نحو: إياك وإياه، سمي بذلك لانفصاله عن الفعل. وضربٌ متصل: كالكاف، والهاء، والياء في نحو: ضَرَبَكَ، وضربَهُ، وضربَني، سمي بذلك؛ لاتصاله بالفعل. وضربٌ مستكن: ويقال له أيضًا: مستتر، كالمنوي في نحو قولك: زيد ضَرَبَ، وعَمرو أَكَلَ، وبِشْر جَلَسَ، سمي بذلك؛ لاستكنانه واستتاره في الفعل، ولم يستبن في اللفظ، فعلم يقينًا أن فيهن ضميرًا؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل، إما ظاهر، وإما مضمر، فاعرفه. وهو (١) منصوب بوقوع الفعل عليه، وهو ﴿نَعْبُدُ﴾، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص والاهتمام به، كقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (٢)، ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (٣). قال صاحب الكتاب ﵀: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أَعْنَى، وإنْ كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم (٤). والمعنى: نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة. وقرئ: (أَيَّاك) بفتح الهمزة، وهو لغة مسموعة (٥). وقرئ أيضًا: (إِيَاك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء (٦)، ووجهه: كراهة

стр. 81

التضعيف مع ثقل الياءين والهمزة مع كسرها (١). وقد جاء تخفيف (إِنَّ) و (رُبَّ) و (أيّ)، وإذا جاز التخفيف في نحو هذا، فتخفيف (إياك) أحرى وأولى، لما ذكرت. وقرئ: (هِيَّاكَ) بقلب الهمزة هاء (٢)، وهو شائع في كلامهم، كقولهم في أَرَقْتُ: هَرَقْتُ، وفي أردت: هردت. قال طفيلٌ الغَنَويُّ (٣). ١٧ - فَهِيّاكَ والأمرَ الذي إن تَراحَبَتْ ... مواردُهُ ضاقت عليكَ مصادِرُه (٤) وعن بعضهم: أصله ياءان، الأولى للتنبيه، والثانية للنداء، أي، يا، فأُدغمت وكُسرت الهمزة لسكون الياء. وقيل: أصله: (إوْيا)، فقُلبتْ وأُدغمتْ، وأصلُها من (أوي)، وكلاهما تعسف. ﴿نَعْبُدُ﴾: فعل مضارع مرفوع، رُفع لوقوعه موقع الاسم، وأعرب لمضارعته الاسم، والمُضارَعَة مشتقة من الضرعين، كأن المعنى: أن الشيئين إذا تشابها فكأنهما قد رضعا من ضَرْعٍ واحد. وقيل: إن ذلك لما بين الضرعين من المشابهة.

стр. 82

﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: عَطْفُ جملةٍ على جملة. و﴿نَسْتَعِينُ﴾ أصله نَسْتَعْوِنُ، لأنه من العون، أي نطلب المعونة على عبادتك، وعلى الأمور كلها، يقال: استعنت فلانًا، واستعنت به، بمعنىً، فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى العين، وقلبت الواو ياء، لسكونها وانكسار ما قبلها. ومصدره: استعانة، وأصله: استعوان، والكلام فيه كالكلام في الاستعاذة (١). والجمهور على فتح النون، وقرئ: بكسرها (٢) تنبيهًا على أن عين فعلِه الماضي قبل الزيادة مكسورة. والفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم، وأسد، وقيس، وربيعة (٣)، وكذلك يفعلون في التاء والهمزة، ولا يفعلون في الياء؛ لأن الكسرة تستثقل فيها: والعبادة أصلها الخضوع والتذلل، من قولهم: طريقٌ مُعَبَّدٌ، أي مذلَّل، ومنه: ثوبٌ ذو عَبَدَةٍ، إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج (٤). والعبادة، والخضوع، والاستكانة، والتذلل، والانقياد، نظائرُ في اللغة. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ خروج من الغيبة إلى الخطاب، وعكسه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٥) وهو شائع في كلام القوم نثرهم ونظمِهم. قيل: وسبب ذلك أن الكلام إذا نقل من

стр. 83

أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسنَ، تطريةً لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد (١). ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: قوله : ﴿اهْدِنَا﴾ دعاء وطلب، وصيغة الدعاء والأمر واحدة، لأن كل واحدٍ منهما طلبٌ، وإنما يتفاوتان في الرتبة، فالدعاء لمن فوقك، والأمر لمن ونك. وهو مبني عند أهل البصرة، وحذف الياء منه علامة السكون الذي هو عَلَمٌ للبناء، ومعرب عند أهل الكوفة، وحذف الياء منه علامة الجزم الذي هو عَلَمٌ للإعراب (٢). وألفه ألف وصل كسرت لالتقاء الساكنين، هي والحرف الساكن بعدها، لأنها إنما جيء بها توصلًا إلى النطق بالساكن بعدها، لمَّا لم يمكن الابتداء به، وكان حقها أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنىً، ولا حَظَّ للحروف في الإعراب، وإنما حركت هي دون ما بعدها من قِبَلِ أنكَ لو فعلتَ ذلك لبقيتْ هي أيضًا في أول الكلمة ساكنة، فكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها مُحَرَّكٍ يقع الابتداء به، فلذلك حركت هي دون ما بعدها. وقيل: بل كسرت لثالث الفعل، ولم تُضَم لثقل الخروج من ضم إلى كسر، ولم تفتح لئلا تلتبس بألف المخبِر عن نفسه، وهذه علة ألف الوصل حيث وقعت في الأفعال، فإن كان ثالث الفعل مضمومًا ضممتها، نحو: اُدُخُلْ، لأنه مِن دَخَلَ يَدْخُلُ، وإن كان مكسورًا أو مفتوحًا كسرتها، نحو: اضرِبْ، إِذهَبْ، لأنك تقول: يَضْرِبُ ويَذْهَب (٣).

стр. 84

فإن قلتَ: لم سُميتْ أَلِفَ الوصل؟ قلتُ: اختلف النحويون في ذلك، فقال أهل البصرة: سميت ألفَ الوصل؛ لأنها يُتوصَّلُ بها إلى النطق بالساكن. وقال أهل الكوفة: سميت ألف الوصل؛ لسقوطها في الوصل، كما يُسَمَّى اللديغ سليمًا (١). وهَدَى فعل يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر، وإلى الثاني به كقوله: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ﴾ (٢). ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٣) ثم عومل معاملة ﴿وَاخْتَارَ﴾، و (أمرتك) في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (٤)، وقوله: ١٨ - أمرتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به ... ........................ (٥) فـ (نا): مفعول أول، و ﴿الصِّرَاطَ﴾: ثان. ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: نعت للصراط، وأصله: مُسْتَقْوِمٌ، فَفُعِل به ما فُعل بـ ﴿نَسْتَعِينُ﴾ (٦). و﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي لا عوج فيه ولا انحراف. ومعنى طَلَبِ الهدايةِ وهم مهتدون: طَلَبُ زيادة الهدى بلطفه وكرمه (٧)،

стр. 85

كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (١)، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢). وقيل: ﴿اهْدِنَا﴾ ثبتنا على الهدى، كقولك للآكل: كل، وللقائم: قم، وللضارب: اضرب. أي: دوموا على ما أنتم عليه، فاعرفه (٣). والهداية، والدلالة، والإبانة، نظائر في اللغة. والسراط جمعه في القليل أَسْرِطَةٌ، وفي الكثير سُرُطٌ، وأبنية الجمع القليل: (أفعُلُ) و (أفعالٌ) و (أفعِلةٌ) و (فِعْلَةٌ)، كأعبُدٍ، وأثواب، وأَحْمِرَة، وغِلْمة، وما عداهن فهو للكترة، وقد يقتصرون في بعض الأمثلة على مثال القلة، فلا يجاوزونه، كالأرجل والأكفّ، وفي بعضه على مثال الكثرة، كالسباع وَالشسوع (٤)، وذلك مسموع. وجمع القليل أوله ثلاثة، ونهايته عشرة. وجمع الكثير أوله أَحَدَ عَشَرَ، وليس له نهاية يوقف عندها. والسراط: الجادة (٥)، من سَرِطَ الشيءَ، إذا ابتلعه، وسميت الجادة سراطًا، لجريان الخلق فيه، كجريان لقمة المبتلع في حلقومه (٦). والصراط من قلب السين صادًا لأجل الطاء، كقولك: مصيطر في مسيطر، وقد تُشَمُّ الصاد صوت الزاي، ويجوز قلبها زايًا خالصة، وقد قرئ

стр. 86

بهن جُمَعَ (١). وقد ذكرت علل القراءات ووجوهها في الكتاب الموسوم بـ (الدرة الفريدة في شرح القصيدة) بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. و﴿الصِّرَاطَ﴾ يذكر ويؤنث، كالطريق والسبيل (٢)، والمراد به طريق الحق، وهو ملة الإسلام. والسراط، والطريق، والسبيل، نظائر في اللغة. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾: قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو، وكلاهما معرفة، وهو في حكم تكرير العامل، كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، كما قال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٣). وفائدة البدل: التوكيد، لما فيه من البيان والإيضاح. و﴿الَّذِينَ﴾: اسم مبهم مبني ناقص يحتاج إلى صلة وعائد، وصلته ﴿أَنْعَمْتَ﴾ وعائده الهاء والميم، ويوصل بأربعة أشياء: بالفعل والفاعل، وبالمبتدأ والخبر، وبالشرط والجزاء، وبالظرف. ويأتي الكلام على الصلة والموصول عند قوله : ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ بأشبع من هذا إن شاء الله (٤) وعلة بنائه أنه لم يستقل بنفسه، واحتاج

стр. 87

إلى ما يَنْضَمُّ إليه من الصلة، إذ لو قلت: جاءني الذي، لم يكن كلامًا، كما أنك لو قلت: دفعت إلى، وسكتَّ، لم يتضح المقصودُ حتى تأتي باسم تضمُّه إليه. والألف واللام فيه زائدتان.، وتعريفه بالصلة، يدل على ذلك أنك تجد أسماء موصولة مثله مُعَرَّاة من الألف واللام، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: مَنْ، وما، وأي نحو: ضربتُ مَن عندك، وأكلتُ ما رزقني الله، ولأضرِبَنَّ أَيُّهم يجلس، فَتَجِدُهُنَّ معارفَ بما تبِعَهُنَّ من صِلاتِهنَّ دون اللام، غير أن اللام وإن كانت زائدة فهي لا تفارقه. فإن قيل: فما كانت الحاجة إلى زيادة اللام في (الذي) ونحوه، حتى إنها لما زيدت لزمتْ ولم تفارقه؟ قيل: إن (الذي) إنما وقع في الكلام توصلًا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكراتٌ، ألا تراها تجري أوصافًا على النكرات في نحو قولك: مررت برجُلٍ أبوهُ منطلقٌ، ونظرت إلى رجُل قام أبوه، فلما أريد مثل هذا في المعرفة، لم يمكن أن تقول: مررت بزيد أبوه كريمٌ، على أن تكون الجملة وصفًا لزيد، لأنه قد ثبت أن الجملة نكرةٌ، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة، فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: مررت بزيد كريم، على الوصف، فلما كان كذلك، أتوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة للذي، فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، وألزموه الحرف الذي وضع للتعريف - وهو اللام - تحسينًا للفظ، ولئلا يحصل التنافر إذا قالوا: جاءني زيد لذٍ أخوه منطلق. وواحد ﴿الَّذِينَ﴾: لَذٍ، كعَمٍ، فلما دخلته الألف واللام ولزمتا عادت الياء كما تعود في قاضٍ ونحوه، فقيل: (الَّذي). وأصله أن يكتب بلامين، إلا أنهم حذفوا إحداهما لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وجرى الجمع على الواحد، إذ هو مبني مثله، وكُتب المثنى بلامين على الأصل.

стр. 88

وإنما أعربت التثنية؛ لصحة التثنية، إذ لا تختلف، ولا يتأتى في جميع الأسماء إلا على مثالٍ واحدٍ، وليس كذلك الجمع، ألا ترى أن إعرابه كإعراب الواحد إذا كان جمع تكسير. وفيه أربع لغات: (الذيْ) بياء ساكنة، و (الذيُّ) بياء مشددة، و (الَّذِ) بكسر الذال من غير ياء، و (الَّذْ) بسكون الذال. وفي تثنيته ثلاث لغات: (اللذان)، و (اللذا) بحذف النون قال: ١٩ - أَبِنِي كُلَيْبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللذَا ... قَتَلا الملوكَ وَفكَّكَا الأَغْلالا (١) و(اللذان) بتشديد النون، وفي النصب والجر (الّلذَينِ)، ولك تخفيفُ النون أيضًا وتشديدها، وأُسقطت الياء لسكونها، وسكون عَلَمِ التثنية. وفي جمعه لغتان: (الذينَ) في الرفع والنصب والجر، و (الذي) بحذف النون. قال: ٢٠ - إنَّ الذي حانتْ بِفَلْجٍ دماؤُهمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالِدِ (٢)

стр. 89

ومن العرب من يجعله في الرفع بالواو، وفي الجر والنصب بالياء، كما جعلوا تثنيته بالألف في الرفع، وبالياء في الجر والنصب، وهذا الجمع على هذه اللغة مُعْرَبٌ. واختلف في المنعَم عليهم: فقيل: هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام، لأن مَن أنعم الله عليه بنعمة الإسلام، لم تبق نعمةٌ إلا أصابته، واشتملت عليه (١). وقيل: هم أصحاب موسى وعيسى ﵇، قبل أن يُغَيِّروا (٢). وقيل: هم الأنبياء (٣). والإنعام، والإحسان، والإفضال نظائر في اللغة. وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ جَرُّ ﴿غَيْرِ﴾ على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ أو من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، على معنى: أن المنعَمَ علِيهم هم الذين سَلِمُوا من غضب الله والضلال، ولك أن تجعله صفة لـ ﴿الَّذِينَ﴾، على معنى: أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة - وهي نعمة الإيمان - وبين السلامة من غضب الله والضلال (٤).

стр. 90

وجاز أن يقع (غير) صفة للمعرفة، وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف، لأن (الذين) لا توقيت فيه، إذ لم يُقْصَد به قصد قوم بأعيانهم (١)، ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المُنْعَمِ عليهم، فليس في (غير) إذًا الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرف، فكل واحد منهما فيه إبهام من وجهٍ، واختصاصٌ من وجهٍ، فاعرفه. وقرئ: (غيرَ) بالنصب (٢)، ونصبه على ثلاثة أوجه: أحدها: على الحال إما من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، والعامل ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو من ﴿الَّذِينَ﴾ والعامل معنى الإضافة. أبو علي: التقدير: اهدنا صراط هؤلاء الذين نالتهم النعمة مخالفين للمغضوب عليهم والضالين (٣). والثاني: على الاستثناء، أَجازه الزجاج، والأخفشُ وغيرهما، ومنعه الفراء (٤) وثعلب، لأجل (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأجيب: عنه بأن (لا) قد تكون صلة، فلا يمتنع النصب على الاستثناء، كما في قوله

стр. 91

تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (١)، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، أو تُحمل على المعنى، لأنك إذا قلت: رأيت القوم إلا زيدًا ولا عمرًا، كان المعنى: رأيت القوم لا زيدًا ولا عمرًا (٣). والثالث: على إضمار (أعني) (٤): و(غير) كلمة يوصف بها ويستثنى، فإن وصفتَ بها أتبعتها إعراب ما قبلها، وإن استثنيت بها أعربتها بالإعراب الذي يجب للاسم الواقع بعد إلّا، وأصلها أن تكون صفةً، والاستثناء عارض فيها، وعكسها (إلا). ثم ينبغي أن تعلم أنك إذا قلت: مررتُ برجل غيرك، كان على معان: أحدها: أن تريد الإخبار بأنَّ مرورك وقع على المخاطب ورجلٍ آخر. والثاني: أن تريد أنك لم تمرُرْ بالمخاطب، وإنما مررتَ بغيره. والثالث: أن تريد مررت برجلٍ يخالفك في المذهب والطريقة، فاعرفه، فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فيها عشرة أوجه، وقد قرئ بهن، خمسة مع ضم الهاء، وخمسة مع كسرها. فالتي مع الضم: إسكان الميم، وضمُّها من غير صلة بواو، وضمها مع بلوغ واو، وكسرُ الميم من غير ياءٍ، وكسرها مع الياء.

стр. 92

وأما التي مع كسر الهاء: فإسكان الميم، وكسرها من غير ياء، وكسرها مع الياء، وضمها من غير واوٍ، وضمها مع الواو (١). وبعدُ. . . فإن ميم الجمع أصلها أن تكون بعدها واو، لتكون للمذكر علامتان وهما الميم والواو، كما كان للمؤنث كذلك، وهما النونان في (عليهنّ)، فالنون الأولى بإزاء الميم، والثانية بإزاء الواو، فالميمُ لمجاوزة الواحد من غير اختصاص بالجمع، ألا ترى أنها موجودة في التثنية، نحو: عليهما، والألف دليل التثنية. والواو للجمع، غير أنهم حذفوها تخفيفًا مع عدم اللبس، إذ الواحد خالٍ من الميم، والتثنية بعد ميمها ألف، ولم يحذفوا الألف من التثنية، كما حذفوا الواو من الجمع، لأنه يؤدي إلى اللبس، إذ لو قالوا: عليهم، لم يُعلم أجمعًا يريدون أم تثنية؟ فلما حذفوا الواو أسكنوا الميم كراهة اجتماع خمسة أحرف متحركة في أكثر المواضع، نحو: ضربهم، ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٢) وذلك مرفوض في كلامهم. وقد ذكرت في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة: أن الهاء في نحو: به، وعليه، هي الاسم، وما بعدها مما وُصِلَتْ به من واوٍ أو ياءٍ مزيد، وأن أصلها الضم، لأنها حرف خَفِيٌّ ضعيفٌ، فلما كان كذلك، قَوَّوْهُ بأقوى الحركات، وهي الضم، ثم زيد في تقويتها بإضافة حرف من جنس تلك الحركة إليها وهو الواو، فقالوا: بِهُو داءٌ، وعليهُو مالٌ. وقد قرئت: (فَخَسَفْنَا بِهُو وَبِدَارِهُو الْأَرْضَ) (٣) على الأصل، إلا أن الهاء لما

стр. 93

كانت خفيّة ووقعت قبلها كسرة أو ياء، جَذبتِ الهاءَ إلى الكسرة، وحين انكسرت صارت الواو إلى الياء، لأنه لا تثبت واو ساكنة وقبلها كسرة أو ياء. فإذا فهم هذا، فوجه من ضم الهاء من ﴿عَلَيْهِمْ﴾: أنه أتى بها على الأصل. ووجه من حذف الواو وأسكن الميم: أنه فعل ذلك استخفافًا. ووجه من ضمها: أنه حذف الواو تخفيفًا، وأبقى الضمة قبلها دليلًا عليها. ووجه من أثبت الواو: أنه أتى بها على الأصل. ووجه من كسر الميم من غير ياء: أنه كره أربع ضمات: ضمة الهاء، وضمة الميم، والواو بعدها بضمتين، فأبدل من ضمة الميم كسرة لتنقلب الواو ياء، ثم حذف الياء استخفافًا وأبقى الكسرة دليلًا عليها. ووجه من كسرها مع الياء: ما ذكرت آنفًا، غير أنه بَقَّى الياء تنبيهًا على الأصل، هذا وجهُ الخمسةِ مع ضم الهاء. ووجه من كسر الهاء: أنه فعل ذلك لمجاورتها الياء، ومن حذف الواو وسَكَّنَ الميم، فَلِمَا ذكرت قبيل. ووجه من كسر الميم وحذف الياء: أنه اجتزأ بالكسرة عنها. أووجه من كسرها وأتبعها ياء: أنه أتى بها على الأصل] (١). ووجه من ضمها من غير واو: أنه اكتفَى بالضمة عنها. ومن ضمها مع الواو: فإنه أتى بالكلمة على أصلها، فاعرفه، فإن فيه أدنَى غموض. و﴿عَلَيْهِمْ﴾ الأولى: في محل النصب على المفعولية، والثانية: في محل الرفع على الفاعلية، على معنى: الذين غُضِبَ عليهم (٢)، ولا ضمير فيه، إذ لا يتعدى إلا بحرف جرٍ، كالمنظور إليهم، والمرغوب فيهم، ولذلك لم يُجمع، لأن اسم الفاعل والمفعول إذا عمل فيما بعده، لم يُجمع

стр. 94

جمع السلامة، لقيامهما مقام الفعل. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: عطف على ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ودخلت (لا) في ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لما في ﴿غَيْرِ﴾ من معنى النفي، كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين. ولذلك أجاز النحويون: أنا زيدًا غيرُ ضاربٍ، لأنه بمنزلة قولك: أنا زيدًا لا ضاربٌ، ولم يجيزوا أنا زيدًا مثل ضارب، لأن زيدًا من صلة ضارب، فلا يتقدم عليه (١). وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود، والضالون: هم النصارى، وقيل: هو في كل من ضل عن طريق الحق واستحق الغضب (٢). والغَضَبُ، والسُّخْطُ بمعنىً. والضلال، والهلاك، والضياع نظائر في اللغة، يقال: ضلَّ الماء في اللبن، إذا ضاع فيه وهلك (٣). والجمهور على ترك الهمز في ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقرئ: (ولا الضأَلِّين) بهمزة مفتوحة (٤)، وهي لغة من جَدَّ في الهرب من التقاء الساكنين (٥).

стр. 95

وحَكَى أبو العباس (١) عن أبي عثمان (٢) عن أبي زيد (٣) قال: سمعت عمرو بن عبيد (٤) يقرأ: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَن ذَنْبهِ إِنْسٌ وَلَا جَأَنٌّ) (٥)، فظننته قد لحن، حتى سمعت العرب تقول: شأَبَّة ودأَبَّةٌ (٦). فصل (٧) وأما (آمين): فصوتٌ سُمِّيَ به الفعلُ الذي هو اسْتَجِبْ، كما أن رُوَيدَ، وحيَّهَل، وهَلُمَّ، أصواتٌ سميت بها الأفعال التي هي: أمهلْ، وأسرعْ، وأقبلْ؛ وفيه لغتان: مدُّ ألفه وقصرُها، قال الشاعر في الممدود: ٢١ - يا رَبِّ لا تسْلُبَنِّي حُبَّها أبدًا ... ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قال آمينا (٨)

стр. 96

وقال أيضًا: ٢٢ - آمينَ آمينَ لا أَرْضَى بِواحدةٍ ... حتى أبلِّغَهَا ألفينِ آمِينَا (١) وقال آخر في المقصور: ٢٣ - تَباعَدَ منِّي فَطْحَلٌ إذْ رأيتُهُ ... أَمِينَ فزادَ الله ما بينَنَا بُعْدَا (٢) وتشديد الميم فيه خطأ (٣)، وهو مبني على الفتح، كأين وكيف. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الحمد والحمد لله وحده

стр. 97

إعراب سُورَةُ البَقَرَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ قوله تعالى: ﴿الم﴾، موضع ﴿الم﴾ يَحتمِل أن يكون رفعًا بإضمار مبتدأ (١)، أو نصبًا بإضمار فِعلٍ (٢)، أو على تقدير القسم به وإيصال الفعل إليه بعد إسقاط الجار، بدلالة قول ابن عباس ﵄: أقسم الله سبحانه بهذه الحروف (٣). وعلى ذلك بيت الكتاب: ٢٤ - أَلا رُبَّ مَنْ قَلْبي له اللهَ ناصِحُ ... .......................... (٤) أي: ألا رُبَّ مَنْ قلبي له ناصحٌ بالله، فحذف الجار وأوصل الناصب إلى الاسم فنصبه به. أو جرًّا بإضمار الباء القَسَمِيَّةِ لا بحذفها، كما أضمروا (رُبَّ) بعد الواو في قولهم:

стр. 98

٢٥ - * وقاتمِ الأعماقِ ................. (١) * والأشيع النصب في باب القسم، لأن الجار لا يضمر إلا قليلًا. [الكلام على الحروف] وحروف التهجي مَحْكِيَّةٌ غيرُ مُعْرَبَةٍ، لأنها أسماء ما يلفظ به، فهي كالأصوات، وكل حرف منها بعض اسم، ولا يستحق الاسمُ الإعرابَ إلا بعد كماله، وحكمها ما لم تُخْبِرْ عنها، ولم تَعْطِفْ بعضَها على بعض أن تكون ساكنةَ الأعجاز، موقوفةً كأسماء الأجمداد، فتقول: ألفْ، لامْ، ميمْ، كما تقول: واحدْ، اثنانْ، ثلاثةْ، فإن أخبرتَ عنها، أو عطفت بعضها على بعض أعربْتها، فقلت: هذه ألفٌ حسنةٌ، وكتبتُ ألفًا، وهذه ألفٌ وياءٌ وتاءٌ، وإنما أدركها الإعرابُ، لأنك أخرجتها من باب الحكاية. وكل واحد منها اسم، فألفٌ: اسم يعبّرُ به عن الحرف الأوسط الذي في (قال) و (قام). ولام، وميم يعبر بهما عن الحرفين الأخيرين منهما، وكذلك سائر الحروف. والدليل على أنها أسماءٌ: تصرفهم فيها بالإمالة والتفخيم، والتعريف والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف والإسناد، والإضافة ونحوها مما للأسماء المتصرفة. وأيضًا فإن الحرف ما دل على معنىً في غيره، وهذه الحروف تدل على معنىً في نفسها.

стр. 99

ويعضدُه أيضًا ما روي عن الخليل ﵀ أنه سأل أصحابه يومًا وقال: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في (لك)، والباء التي في (ضرب)؟ فقالوا: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كَهْ، بَهْ (١). وما روي عن أبي علي في إمالة (يا) من (ياسين) أنهم قالوا: يا زيدُ في النداء. فأمالوا وإن كان حرفًا. قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمالُ من الحروف من أجل الياء، فَلَئِن يُميلوا الاسم الذي هو (ياسين) أجدر، فقد أثبتا أنها أسماء، كما ترى، وهما هما (٢)؛ وأجود ما قيل في هذه الحروف: أن كل حرف منها دال على اسم أُخذ منه، وحذفت بقيتُهُ، كقول ابن عباس ﵄ وغيره: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد ﷺ (٣)، وأن معنى ﴿كهيعص﴾: كبيرٌ، هادٍ، عزيز، صادق (٤). وهو مستعمل في كلام القوم، قال الشاعر: ٢٦ - نَادَوْهُمُ أَلَا الْجِمُوا أَلَاتَا ... قالوا جميعًا كلُّهم أَلَافَا (٥)

стр. 100

أي: ألا تركبون، فاركبوا، وغير هذا من الأبيات مما يَطولُ الكتابُ بذكره (١). وقيل: هي أسماء السور (٢). قيل: فإن قيل: فهلَّا جاءت على وتيرة واحدةٍ، ولِمَ اختلَفت أعداد حروفها، فوردت ﴿ص﴾، و ﴿ق﴾، و ﴿ن﴾ على حرف. و ﴿طه﴾، و ﴿طس﴾ و ﴿يس﴾، و ﴿حم﴾ على حرفين، و ﴿الم﴾، و ﴿الر﴾، و ﴿طسم﴾ على ثلاثة أحرف. و ﴿المص﴾، و ﴿المر﴾ على أربعة أحرف. و ﴿كهيعص﴾، و ﴿حم (١) عسق﴾ على خمسة أحرف؟ قيل: هذا على عادة افتنانهم في أساليب الكلام، وتصرفهم فيه على طرق شتَّى ومذاهبَ، وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سُلِك بهذه الفواتح ذلك المسلك (٣). ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ ذا: اسم إشارة مبهم مبني، وسبب البناء فيه وفي نظائره: أنه لا يلزم المسمَّى، والأسماءُ أصلها أن تلزم المسميات، ألا ترى أن الرجل، والفرس لازمان لما وضعا عليه في أول الأحوال، وكذا نحو: زيد، وعمرو، وكذلك المضمرات بنيت لهذا السبب. والاسم من ﴿ذَلِكَ﴾ عند أهل البصرة: (ذا)، وعند أهل الكوفة:

стр. 101

(الذال) وحدها (١)، وزيدت الألف لتكثير الكلمة، وأما اللام فجيء بها لتدل على بُعْد المشار إليه، وقيل: هي بدل من حرف التنبيه، ولذلك لا يحسن هاذلك، كما يحسن هاذاك، وقيل: جيء بها لتدل على أن (ذا) ليس بمضاف إلى الكاف. وكسرت فصلًا بينها وبين لام الجر في ذا لَكَ، أي: تَملِكُهُ، وقيل: كسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. والكاف للخطاب لا موضع لها من الإعراب (٢). وذلك، وذاك، وهذا، نظائر في اللغة، إلا أن (هذا) لما قرب، و (ذاك) و (ذلك) لما بعد. وقيل: (هذا) لما حضر، و (ذاك) لما غاب. وقيل: (هذا) لما هو كائن، و (ذاك) لما تَقَضَّى. قيل: فإن قيل: لِمَ صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ قيل: وقعت الإشارة إلى ﴿الم﴾ بعد ما سبق التكلم به وتقضَّى، والمتقضِّي في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام يحدِّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه، ولأنه لمّا وصل من المُرسِل إلى المُرسَل وقع في حدِّ البعد (٣). وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وُعِدوا به على لسان موسى وعيسى ﵇ (٤). وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى هذا (٥).

стр. 102

و ﴿ذَلِكَ﴾: في موضع رفع بالابتداء، و ﴿الْكِتَابُ﴾: وصْفُه (١)، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: الخبر، كأنه قيل: ذلك الكتاب حقٌّ. أو مبتدأ و ﴿الْكِتَابُ﴾ خبره، أي: ذلك الكتاب المُنْزَل هو الكتاب الكامل. أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو، يعني المؤلَّف من هذه الحروف ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، و ﴿لَا رَيْبَ﴾ على هذا في موضع نصب على الحال من (ذا) أو من ﴿الْكِتَابُ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، أي ذلك الكتابُ حقًّا، أو غير ذي شك. ولك أن تجعل ﴿الم﴾ مبتدأ، و ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ثانيًا، و ﴿الْكِتَابُ﴾ خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، هذا إذا جعلت ﴿الم﴾ اسمًا للسورة، والمعنى: أن ذلك هو الكتاب الكامل، كأنّ ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستحق أن يُسمَّى كتابًا، كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال مِن مرضيات الخصال. أو مبتدأ، و ﴿ذَلِكَ﴾ خبره، و ﴿الْكِتَابُ﴾ صفة ﴿ذَلِكَ﴾. والمعنى: هو ذلك الكتاب الموعود به. أو تجعل ﴿الم﴾ خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذه ﴿الم﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ خبرًا ثانيًا، أو بدلًا على أن الكتاب صفة. والكتاب، والقرآن، والفرقان، نظائر في أنها أسماء لكتاب الله . والكتاب في الأصل مصدر، تقول: كتب كتابًا، ويسمى المكتوب فيه كتابًا أيضًا. وأصل الكتاب: الجمع، ومنه الكتيبة؛ لاجتماع أهلها وانضمام بعضهم إلى بعض، وسمي الكتاب: لانضمام بعض حروفه إلى بعض في الخط.

стр. 103

وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الجمهور على فتح باء ﴿لَا رَيْبَ﴾ من غير تنوين، وهو مبني مع ﴿لَا﴾ على الفتح، كبناء خمسةَ عشرَ، وهي إذا دخلت على النكرة استغرقت الجنس، فإذا قلتَ: لا رجل في الدار، فقد اشتمل النفي على كل رجل، ولهذا لا يجوز أن تقول: لا رجل في الدار بل رجلان. وإنما بُنِيَتْ مع ما بعدها: لتضمنها معنى (مِن). وقرئ: (لا ريب) بالرفع والتنوين (١)، والفرق بينها وبين قراءة الجمهور، أن قراءة الجمهور تنفي الواحد وما زاد عليه، لأنها توجب الاستغراق، [وهذه تنفي الواحد، ولم تنف ما زاد عليه، لأنها لم توجب الاستغراق] (٢). وقوِله: ﴿فِيهِ﴾ يحتمل وجهين أن يكون خبر ﴿لَا رَيْبَ﴾ وأن يكون خبر ﴿هُدًى﴾، وحذف خبر ﴿لَا رَيْبَ﴾ كما حذف خبر ﴿لَا ضَيْرَ﴾ في قوله : ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ (٣)، ومنه قول العرب: لا بأس، وحَذْفُ الخبر من هذا النحو كثير في لغة أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه فيه هدًى، ثم حُذِفَ للعلمِ به. و﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: لا ريب كائن فيه، أو يكون فيه، وأما من نَوَّنَ، فإنه متعلق بنفس الريب، والخبر محذوف. ولك أن تجعل ﴿فِيهِ﴾ صفة ﴿لَا رَيْبَ﴾ وتُضمر الخبر، فإن جعلته صفةً كان موضعه نصبًا في قول من وصف على اللفظ، أو رفعًا في قول من وصف على الموضع. ويجوز في ﴿فِيهِ﴾ ونظائره أربعةُ أوجهٍ: كسرُ الهاء من غير إشباع،

стр. 104

وكسرها مع الإشباع، وضمها من غير إشباع، وضمها مع الإشباع (١). والريب مصدر رابني فلان، إذا رأيتَ منه الريبة، والاسم: الرِّيبة بالكسر. والرَّيْبُ، واللَّبْسُ، والشَّكُّ، نظائرُ في اللغة. و﴿لَا رَيْبَ﴾ نفي عام وفيه للخصوص معنًى. والمعنى: لا ريب فيه عند من وفقه الله (٢). وقيل: لا سبب ريبٍ فيه من تناقضٍ أو غيره، فحُذف المضاف (٣). وقيل: لفظه نفي ومعناه نهي، أي: لا ترتابوا فيه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٤). أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا (٥). وقوله: ﴿فِيهِ هُدًى﴾ ترفع ﴿هُدًى﴾ بالابتداء، والخبر ﴿فِيهِ﴾، أو بفيه على رأي أبي الحسن (٦)، فيكِون الظرف على هذا خاليًا من الضمير. ويوقف في كلا الوجهين على ﴿لَا رَيْبَ﴾: أو بأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو هدى، فيوقف على ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أو خبر مع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لـ ﴿ذَلِكَ﴾، كما تقول: هذا حلو حامض. أي قد جمع الطعمين قال: ٢٧ - مَنْ يَكُ ذا بَتٍّ فهذا بَتّي ... مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي (٧)

стр. 105

أي قد جمع هذه الأشياء. فهذه أربعةُ أوجه في الرفع، ويجوز أن يُنصب على الحال من ﴿الْكِتَابُ﴾، والعامل فيه معنى الإشارة الحاصل من ﴿ذَلِكَ﴾، أو من الضمير الذي في الظرف، والعامل فيه معنى الاستقرار الحاصل من الظرف، أو الظرف نفسه، والهدى: مصدر على (فُعَلٍ) كالتُّقَى، والسُّرَى، وألفه منقلبة عن ياء بدلالة قولهم: هُدَيان، وَهَدَبْتُ. ويكون في الأحوال الثلاث على حالٍ واحدةٍ، لأنه مقصور، والمقصور لا يدخله شيء من إعراب، فإن قلت: ما معنى المقصور؟ قلت: قيل: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون من قَصْر الصلاة، لأجل أنه ناقص عن الممدود، كما أن صلاة السفر ناقصة عن الحد المعروف. والثاني: أن يكون من قَصَرْتُ، أي: حبست، فكأنه مُنع أن يبلغ زِنَةَ الممدود، والوجهان متقاربان، لأن قصر الصلاة: هو منعها عن أن تبلغ الكمال فعلًا، وإن كانت كاملة من جهة الجواز. والهُدى: الدلالة الموصلة إلى البغية، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته، قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (١). وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ اللام متعلقة بمحذوف، أي هُدًى ثابتٌ أو ثابتًا على وجهي الرفع والنصب المذكورين فيه، أو بِهدًى لكونه مصدرًا، والمصدر يعمل عمل الفعل. وواحد المتقين: المتقي، وهو اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى، فاللفظ مأخوذ من وقى، وفعله اتقى، ففاءُ الفعل واو، ولامه ياء، والأصل: الموتقي، فقلبت الواو تاء وذلك لأمرين: أحدهما: أن الواو كان يدركه قلب في قولهم: ايتقي، ويا تقي، فلما

стр. 106

كان كذلك أتوا بحرفٍ جَلْدٍ لا يتغير وهو التاء، فأبدلوا منه وأدغموا في تاء الافتعال. والثاني: أن الواو تقلب تاءً لغير سبب، نحو: تُراث، وتُجاه، وتَيْقورٍ (١) ونحوهن، فلما كان كذلك صار بمنزلة اجتماع متقاربين، يقلب أحدهما إلى صاحبه ليقع الإدغام، كسيّد وميّت، فمتّقي واتَّقى مُفْتَعِلٌ وافْتَعَل في التقدير، وإن مَثَّلْتَ على اللفظ قلتَ: مُتَّعِلٌ أو اتَّعَلٌ، ولام الكلمة من الجمع محذوفة بعد إزالة حركتها، لسكونها وسكون حرف الجمع بعدها، وإنما حذفت دون حرف الجمع، لأن حرف الجمع يدل على الإعراب والجمع، فبقي لذلك. وأصل الاتقاء الحَجْزُ بين الشيئين، يقال: اتقاه بالتُرْس، أي جعله حاجزًا بينه وبينه، ومنه الوقاية، والعبد إذا اتقى الله بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك حاجزًا بينه وبين عذاب الله، [اللهم اجعلنا من المتقين] (٢). وإنما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمتقون مهتدون، لأنهم هم الذين انتفعوا به، فصار لذلك كأنه لهم دون غيرهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (٣)، وإن كان ﵊ منذرًا للجميع. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ يصلح أن يكون جرًا بأنه صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو بدلٌ منهم. أو نصبًا بإضمار فعلٍ، ولك أن تحمله على موضع ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. أو رفعًا بإضمار مبتدأ، أي: هم الذين، أو بالابتداء، والخبر ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾، وعلى هذا جميع ما في القرآن من ﴿الَّذِينَ﴾

стр. 107

و ﴿الَّذِي﴾ يجوز أن تجعله موصولًا بما قبله على أحد الوجهين المذكورين، وأن تقطعه على أحد الأوجه المذكورة ما عدا سبعةَ مواضع، فإن الابتداء بهن واجب ليس إلا: الأول: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (١). والثاني والثالث: قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ في البقرة والأنعام جميعًا (٢). والرابع: قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ في البقرة أيضًا (٣). والخامس: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ في التوبة (٤). السادس: قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ في الفرقان (٥). والسابع: قوله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ في "حم" المؤمن (٦). وأصل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يُؤَأْمنون بهمزتين، والماضي منه آمن، وأصله أَأْمن، ووزنه أَفْعَلَ، فالأولى مزيدة، والثانية أصلية، لأنه من الأمن، ثم قلبت الأصلية ألفًا، وإنما انقلبت ألفًا لوقوعها ساكنة بعد حرف مفتوح، فكما أنها إذا خففت في رأس وكأس ونحوهما انقلبت ألفًا، لسكونها وانفتاح ما قبلها، كذلك قلبت في آمن وآتى ونظائرهما من الأفعال، وفي آدم وآخر وشبههما من الأسماء، غير أن الانقلاب ها هنا لزمها كراهية اجتماع

стр. 108

همزتين، والهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لزم الثانية منهما القلب بحسب الحركة التي قبلها إذا كانت ساكنة، نحو أَاْمن وأوْتمن، وإِيْذن لي. فأما المستقبل فتحذف منه المزيدة، لأن اجتماعهما على الشرط المذكور مرفوض عند القوم، وأيضًا فإن إبقاءها يؤدي إلى اجتماع ثلاث همزات في قولك: أنا أُأَأْمِنُ، فالأولى همزة المتكلم، والثانية همزة أَفعل، والثالثة فاء الفعل، فحذفوا الوسطى كراهية اجتماع الأمثال، وأبدلوا الثالثة واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، ثم أُجري الباب على سَنَنٍ واحد في الحذف، وإن كان لا تجتمع ثلاث همزات، لئلا يختلف الباب، فحروف المضارعة أخوات، إذا وجب الحكم في واحدة أُجري الجميع على ذلك، ألا ترى أنهم حذفوا الواو من (يعِد) لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم أَتبعوا الباب ذلك، وإن لم يكن فيه ياء لما ذكرت آنفًا، فإذا قلتَ: يؤمن، وتؤمن، ونؤمن، جاز لك فيه وجهان: الهمز والتسهيل: وجه من همز: أن يقول: إن هذه الهمزة إنما قلبت في أَأْمَنَ، وأُوْمِنُ كراهية اجتماعهما، وقد زال ذلك في هذه الأمثلة بالخذف، فأردّ الكلمة إلى أصلها وهو الهمز. ووجه من لم يهمز: أن يقول: إن هذه الهمزة قد لزمها البدل في المثالين: الماضي والمضارع، وهذا القلب الذي لزمها في المثالين إعلالٌ لها، والإعلال إذا لزم مثالًا أُتْبعَ سائر الأمثلة العارية من الاعتلال، كإعلالهم يقوم لقام، وإعلالهم يُكْرِمُ من أجل أُكْرِمُ، وأَعِدُ ليَعِدُ. فأما أُومِنُ فليس فيها إلا قلب الثانية واوًا، لاجتماعهما، فاعرفه. و﴿بِالْغَيْبِ﴾: صلة للإيمان، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٢)، وقد يتعدى باللام، كقوله

стр. 109

جل ذكره: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ (١)، قيل: وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تَعَدٍّ بالباء يُفهم من المعنى. وهو مصدر بمعنى الغائب، أي: يؤمنون بالغائب عنهم مما أخبرهم به رسول الله ﷺ من أمر البعث والنشور والحساب، والوعد والوعيد وغير ذلك، وكل ما غاب عنهم مما أنبأهم به فهو غَيْبٌ، وسمي الغائب بالغيب، كما سمي الشاهد بالشهادة، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٢) والصائم بالصوم، والزائر بالزور. والغيبُ هنا ما كان غائبًا عن العيون، حاصلًا في القلوب عند من وفقه الله تعالى. وقيل: يجوز أن يكون بمعنى المفعول، كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (٣)، أي: مخلوقه، وهذا درهمٌ ضَرْبُ الأمير، أي: مَضرُوبُه وهو سَهْوٌ، لأن فعله لازم عارٍ من أسباب التعدي، ولو ضَعَّفَ العين لخالف اللفظَ واحتاج إلى النقل فيه أو فيما يضاهيه، إذ الإقدام على مثله لا يكون إلا بما ذكرتُ. ويجوز ألا يكونَ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ صلةً للإيمان، وأن يكون في موضع الحال، أي: يؤمنون غائبين عن المؤمن به، وحقيقتُه: ملتبسين بالغيب، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (٤)، أي: يخشون ربهم غائبين عن أعين الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعًا لأحدٍ، ولا تقربًا إليه، ولكن يخلصون إيمانهم لله، وقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٦) أي: ملتبسًا به. قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أصل يقيمون: (يُؤَقْوِمُون)، لأن ماضيه

стр. 110

أقام، وهو فرع في الإعلال على (فَعَل) فلما أُعِلّ العين في قام، أعل أيضًا بعد دخول الهمزة عليه، وإنما كان فرعًا عليه، لأجل أن حرف العلة يَسْكُنُ ما قبله فيه، إذ الأصل: أَقْوَمَ بوزن أَكْرَمَ، والحركةُ في حرف اللين لا تُستثقَل عند سكون ما قبله، ثم نقلت الحركة من الواو إلى القاف، فصار أَقَوْمَ، ثم قلبت الواو ألفًا، فبقي أقام كما ترى، وحذفت الهمزة من المستقبل حملًا على أُقِيمُ أنا، والأصل: (أُأَقْيِمُ) فحذفت الثانية لما ذكرتُ قبيل من أن اجتماعهما مرفوض عندهم، ثم حُمِل عليه الباب، وإن كان لا تجتمع همزتان، لئلا يختلفَ البابُ، وقد ذُكِرَ. وأما الواو فَعُمِلَ فيها ما عُمِل في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقد ذكر. ووزنه: يُفْعِلُون كيؤمنون. وقيل: في معنى إقامة الصلاة وجهان: أحدهما: تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، مِنْ أقام العُودَ، إذا قوَّمه (٢). والثاني: الدوام عليها، والمحافظة عليها (٣)، كما قال عز وعلا: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٤). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٥)، من قامت السوق، إذا نفقت، وأقامها القوم، إذا استعملوها ولم يُعطِّلوها، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، ويتنافس
следующие страницы →