← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وطء أم لا؟ (١) قوله: (كَمُحَلِّلٍ وَإِنْ مَعَ نِيَّةِ إِمْسَاكِهَا مَعَ الإِعْجَابِ (٢)) أي: وكذلك لا يحل المبتوتة (٣) نكاح المحلل لفساده. ابن حبيب: وإن تزوجها، فإن أعجبته أمسكها وإلا كان (٤) احتسب تحليلها للأول، لم يجز، ولا تحل للأول لما خالط نكاحه من نية التحليل (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِنْ مَعَ نِيَّةِ إِمْسَاكِهَا مَعَ الإِعْجَابِ). قوله: (وَنِيَّةُ الْمُطَلِّقِ وَنِيَّتُهَا لَغْوٌ) يريد أن المعتبر في ذلك نية المحلل فقط دون نية المطلق والمرأة، ولهذا جعل نيتهما لغوًا، وإنما اعتبرت نية الحلل؛ لأن الطلاق بيده وهو المعروف، وقيل: يحلها (٦) ذلك. قوله: (وَقُبِلَ دَعْوَى طَارِئَةٍ التَّزْوِيجَ، كَحَاضِرَةٍ أُمِنَتْ، اِنْ بَعُدَ، وَفِي غَيْرِهَا قَوْلانِ) يريد أن المرأة إذا ادعت النكاح ولا بينة لها، فتارة تكون طارئة؛ أي: من غير أهل البلد، وتارة تكون بلدية، وهي تارة تكون مأمونة، وتارة (٧) غير مأمونة، فالطارئة يقبل دعواها في ذلك؛ إذ يشق عليها الإثبات إلا أن تكون بلدها (٨) قريبة، وأما البلدية أو المقيمة بالبلد، فإن كانت مأمونة فكذلك بشرط أن يكون النكاح بعيدًا، فإن قرب لم تصدق، وإن كانت غير مأمونة فقال ابن عبد الحكم: يقبل قولها، وقال محمد: لا يقبل (٩). (المتن) وَمِلْكُهُ أَوْ لِوَلَدِهِ، وَفُسِخَ، وَإِنْ طَرَأَ بِلا طَلاقٍ كَمَرْأَةٍ فِي زَوْجِهَا وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ لِيُعْتَقَ عَنْهَا، لا إِنْ رَدَّ سَيِّدٌ شِرَاءَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا أَوْ قَصَدَا بِالْبَيعِ الْفَسْخَ، كَهِبَتِهَا لِلْعَبْدِ

стр. 1297

لِيَنْتَزِعَهَا، فَأُخِذَ جَبْرُ الْعَبْدِ عَلَى الْهِبَةِ. وَمَلَكَ أَبٌ جَارِيَّةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ بِالْقِيمَةِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِمَا؛ إِنْ وَطِئَاهَا وَعَتَقَتْ عَلَى مُوَلِدِهَا وَلِعَبْدٍ تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيِّدِه بِثِقَلٍ، وَمِلْكِ غَيْرِه كَحُرٍّ لا يُولَدُ لَهُ، وَكَأَمَةِ الْجَدّ، وَإِلَّا فَإِنْ خَافَ زِنًى وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً غَيْرَ مُغَالِيَةٍ وَلَوْ كِتَابِيَّةً، أَوْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَلِعَبْدٍ بِلا شِرْكٍ وَمُكَاتَب وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعَرِ السَّيّدَةِ كَخَصِيٍّ وَغْدٍ لِزَوْجٍ، وَرُوِيَ جَوَازُهُ وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا. (الشرح) قوله: (وَمِلْكُهُ أَوْ لِوَلَدِهِ (١)) هذا أيضًا من موانع النكاح، وهو أن تكون المرأة ملكًا له (٢) فلا يجوز له أن يعقد نكاحه عليها بإجماع؛ لتنافي (٣) حقوقهما وتضادهما (٤)؛ إذ أحدهما يطلب الآخر فالزوج يطلبها (٥) بحق الرق، ومنه النفقة عليه ويطلبه الآخر (٦) بحق الزوجية، ومنه أيضًا النفقة (٧)، وينبغي أن يكون مراده بالملك ما هو أعم من الكامل (٨) أو من (٩) المبعض أو من فيه عقد حرية؛ ليشمل المدبرة والمكاتبة (١٠) وأم الولد والمعتقة لأجل، والمعتق بعضها (١١) وإنما نزلت أمة ابنه منزلة أمته؛ لقوة الشبهة التي للأب في مال الابن، ولذلك لا يحد إن وطئها (١٢) ولا يقطع إن سرق من مال ولده إلى غير ذلك. قوله: (وَفُسِخَ، وَإِنْ طَرَأَ بِلا طَلاقٍ) أي: فإن وقع ما ذكر أنه ممتنع، بأن تزوج أمته أو أمة ولده فإن نكاحه يفسخ، وإن طرأ الملك (١٣) بعد التزويج كما إذا اشترى زوجته أو

стр. 1298

بعضها أو ملكها بميراث أو هبة ونحو ذلك. قوله: (بِلا طَلاقٍ) هو مذهب الموطأ (١) خلافًا لسحنون، وعن ابن عبد الحكم (٢): يكره له أن يتزوج أمة ولده ولا يفسخ نكاحه (٣). المتيطي: وخالفه جميع أصحابه. قوله: (كَمَرْأَةٍ في زَوْجِهَا) أي: فإن نكاحها يفسخ إذا ملكت زوجها بوجه من الوجوه المذكورة، وأشار بقوله (٤): (وَلَوْ بِدَفْعٍ مَالٍ لِيَعْتِقَ عَنْهَا) (٥) إلى أنها إذا دفعت لسيد زوجها مالًا ليعتقه عنها ففعل (٦) فإن نكاحها أيضًا يفسخ بمنزلة ما إذا اشترته؛ لأنه لم يعتق إلا بعد دخوله في ملكها فبمجرد ملكها له يفسخ النكاح، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يفسخ (٧)؛ لأنه لم يستقر في ملكها وليس لها (٨) فيه إلا الولاء. قوله: (لا إِنْ رَدَّ سَيِّدٌ شِرَاءَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا) يريد أن الأمة المتزوجة من عبد (٩) إذا اشترت زوجها ولم يكن سيدها قد أذن لها في التجارة ولا في الشراء المذكور، ورد سيدها ذلك، لم يفسخ نكاحها؛ لأن فعلها لا رد صار عدمًا، وظاهر كلامه أن السيد لو أذن لها في ذلك أن النكاح يفسخ، وهو واضح. قوله: (أَوْ قَصَدَا بِالْبَيْعِ الْفَسْخَ) أي: وكذلك لا ينفسخ (١٠) إذا قصدت هي وسيدها بالبيع انفساخ (١١) النكاح، وهو قول سحنون وعلله (١٢) بأن الطلاق بيد العبد فلا تخرج من عصمته بالضرر (١٣)، وقوله تفسير للمدونة (١٤).

стр. 1299

قوله: (كَهِبَتِهَا لِعَبْدٍ ليَنْتَزِعَهَا) أي: وكذلك لا يفسخ النكاح (١) إذا وهب السيد الأمة لعبده لينتزعها السيد قاصدًا بذلك أن يحلها (٢) لنفسه أو لغيره أو ليحرمها على الزوج، وقاله ابن نافع في المدونة وزاد: ولا يجوز ذلك له (٣)؛ يريد: لأنه قصد بذلك إضرار الزوج بإخراج زوجته عنه، وقال أصبغ: يكره فإن فعل ذلك (٤) جاز، وقال عبد الملك: إن كان مثله يملك مثلها فذلك له وينفسخ النكاح، وقال ابن عبد الحكم (٥): إن قصد الفرقة (٦) بذلك (٧) لم ينفسخ (٨). ابن شاس عن ابن محرز: وهذه المسألة تدل على أن للسيد أن يُكره عبده على قبول الهبة، ولولا ذلك لم يكن لهبة السيد تأثير ولا (٩) كان يعتبر (١٠) قصده فيها (١١)، ولكن لما كان له جبره اعتبر في الكتاب (١٢) قصده وحمل الأمر على إرادته، فإن صحت إرادته صحت هبته وفسخ (١٣) النكاح، وإن لم تسلم (١٤) إرادته بطلت هبته وثبت النكاح، وإلى هذا أشار بقوله: (فَأُخِذَ منه جَبْرُ الْعَبْدِ عَلَى الْهِبَةِ) أي: فأخذ من هذه المسألة أن للسيد أن يجبر عبده على قبول ما وهب له. قوله: (وَمَلَكَ أَبٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ) أي: بوطء أو غيره، وسواء كان ذلك بنكاح أو غيره؛ لأن له التصرف وشبهة الملك في مال ولده.

стр. 1300

قوله: (بِالْقِيمَةِ) أي: فلا يملكها (١) مجانًا، قال في المدونة: وتُقَوَّم عليه يوم الوطء حملت أم لا، مليًّا كان (٢) أم لا (٣)، يريد (٤) فإذا أغرم (٥) قيمتها فقد (٦) تم ملكه لها (٧) وحل له وطؤها بعد استبرائها من الماء الفاسد، وله بيعها إن لم تحمل، وللابن أخذها من الأب المعدم من القيمة، ورأى (٨) ابن عبد الحكم أن له التمسك بها في عسر (٩) الأب ويسره (١٠). قوله: (وَحَرُمَتْ عَلَيُهِمَا إِنْ وَطِئَاهَا) أي: فإن وطئها الابن أيضًا حرمت عليهما معًا، وهو ظاهر مما تقدم. قوله: (وَعَتَقَت عَلَى مُولِدِهَا) أي: (١١) ناجزًا؛ لأن كل أم ولد يحرم على مولدها وطؤها تنجز عتقها، إذ ليس له (١٢) فيها غير الاستمتاع والخدمة اليسيرة؛ ولهذا إذا استولد محرمًا غير عالم، ثم تبين له ذلك تنجز عتقها، واعلم أن الأب إذا وطئها بعد أن أولدها ابنه غرم له قيمتها أم ولد، لأنه أتلفها عليه، وإن كان الولد وطئها أولًا، ثم أولدها الأب غرم له قيمتها أمة (١٣) وعتقت ناجزًا، كما تقدم. قوله: (وَلِعَبْدٍ تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيَّدِهِ بِثِقَلٍ) يريد: أنه يجوز للعبد التزويج بابنة سيده، وقاله في المدونة وزاد فيها: برضا مولاه (١٤) ورضاها به، وأشار بقوله: (بثقل) إلى قوله في

стр. 1301

المدونة: واستثقله مالك، وحمله الأشياخ على الكراهة. ابن محرز: لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وعلله ابن يونس باحتمال أن يموت أبوها فترث زوجها أو بعضه فيؤول ذلك إلى فسخ النكاح (١). قوله: (وَمِلْكِ غيره) هو معطوف على قوله: (وَلِعَبْدٍ (٢) تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيِّدِهِ) أي: وكذلك يجوز للعبد أن يتزوج ملك غيره (٣). اللخمي: وهو جائز وإن لم يخش العنت (٤). قوله: (كَحُر لا يُولَدُ لَهُ) يريد: كالحصور والخصي والمجبوب والشيخ الفاني، فيجوز لهؤلاء نكاح الأمة للأمن من استرقاق الولد. قوله: (وَكَأَمَةِ الَجْدِّ) يريد: أو كل أمة يكون ولدها من ذلك النكاح حرًّا كنكاح أمة الأب أو الأم أو الجد أو الجدات من الأب أو الأم (٥). اللخمي (٦): وأجاز ابن عبد الحكم أن يتزوج الأب أمة الابن، فعلى هذا يجوز نكاحها من غير شرط؛ لأن الولد يعتق على أخيه، ويجوز نكاح الجد (٧) أمة ابن (٨) الابن من غير شرط، قال: وكل هذا (٩) إذا كان المالك لها حرًّا، فإن كان (١٠) أحد ممن ذكر عبدًا والمتزوج حرًّا لم يجز؛ لأن الولد يكون عبدًا للسيد الأعلى (١١). قلت: وكان ينبغي هنا أن يقيد كلامه بمثل هذا؛ لئلا يوهم جوازه مطلقًا.

стр. 1302

قوله: (وَإِلا فَإِنْ خَافَ زِنًى وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً) أي (١): فإن لم يكن الزوج (٢) متصفًا بأحد الأوصاف السابقة، بل كان حرًّا يتوقع منه الحمل والنكاح لا يقتضي تحرير الولد لم يجز له (٣) أن ينكح الأمة إلا بشروط: الأول: أن يخاف على نفسه الزنى لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، الثاني: ألا يجد ما يتزوج به حرة وهذا الشرط هو (٤) الذي يعبر عنه بعدم الطول؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥]، ومذهب المدونة أن الطول هو المال الذي يتزوج به الحرة (٥)، وروى محمد عن مالك: هو وجود الحرة تحته، وقال أشهب: هو ما يتوصل به إلى دفع العنت (٦). قوله: (غَيْرَ مُغَالِيَةٍ) أي: فإن كان معه قدر ما يتزوج به حرة أو أكثر إلا أنه لم يجد من الحرائر إلا من تطلب منه مالًا كثيرًا يخرج عن العادة؛ فإن له تزويج الأمة؛ لأن ذلك عذر وهو الأصح (٧)، وقيل: ليس له ذلك. قوله: (وَلَوْ كِتَابِيَّةً) يريد أن قدرته على مهر الكتابية تكون طولًا فليس له تزويج الأمة حينئذٍ، واستقرأه عياض وغيره من المدونة (٨)، وجعلوا الكتابية في ذلك مساوية للمسلمة. ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم (٩)، بل نص (١٠) بعضهم على أن الإسلام متفق على عدم اشتراطه. وقال ابن العربي: قدرته على مهر الكتابية الحرة (١١) لا تكون طولًا بل يجوز

стр. 1303

له (١) نكاح الأمة (٢)، وفيه إشارة إلى اشتراط الإسلام. قوله: (أَوْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ) هو معطوف على قوله: (وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً) والمعنى أن وجود الحرة تحته لا يكون طولًا، وهو مذهب المدونة (٣) كما سبق. قوله: (وَلِعَبْدٍ بِلا شِرْكٍ وَمُكَاتَبٍ وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعْرِ السَّيَّدَةِ) يريد: أن العبد والمكاتب يجوز لكل منهما أن يرى شعر سيدته بشرط أن يكونا كاملين لها وأن يكونا وغدين؛ أي: لا منظر (٤) لهما، وقاله في المدونة، قال فيها: وإن كان لها فيه شرك فلا يرى شعرها وإن كان وغدًا (٥)، ومنع ذلك ابن عبد الحكم ولو كانا كاملين (٦). قوله: (كَخَصِيٍّ وَغْدٍ لِزَوْجٍ) أي: فإنه يجوز له أن ينظر شعرها إن كان وغدًا (٧)، وهو قول مالك (٨) قال: وإن كان له منظر فلا أحبه، قال في العتبية: وأرجو أن يكون خصي زوجها خفيفًا وأكره خصيان غيره، وله أيضًا لا بأس له (٩) أن يدخل على النساء ويرى شعورهن إن لم يكن له منظر (١٠). اللخمي: فأجازه (١١) وإن كان لأجنبي (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وَرُوِيَ جَوَازُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا) أي: سواء كان لزوجها أو لأجنبي، وأما الحر الخصي فليس له أن ينظر إلى المرأة. اللخمي: وأجاز مالك دخوله عليها (١٣).

стр. 1304

(المتن) وَخُيِّرَتِ الْحُرَّةُ مَعَ الْحُرِّ فِي نَفْسِهَا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، كَتَزْوِيجِ أَمَةٍ عَلَيْهَا أَوْ ثَانِيَةٍ أَوْ عِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَأَلْفَتْ أَكْثَرَ، وَلا تُبَوَّأُ أَمَةٌ بِلا شَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ. وَلِلسَّيِدِ السَّفَرُ بِمَنْ لَمْ تُبَوَّأْ، وَأَنْ يَضَعَ مِنْ صَدَاقِهَا، إِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ دَيْنُهَا، إِلَّا رُبُعَ دِينَارٍ، وَمَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَأَخْذُهُ وَإِنْ قَتَلَهَا أَوْ بَاعَهَا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ لا لِظَالِمٍ. وَفِيهَا يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ، وَهَلْ هو خِلافٌ؟ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، أَوِ الأَوَّلُ لَمْ تُبَوَّأْ مَعه؟ أوْ جَهَزَهَا مِنْ عِنْدِهِ؟ تَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (وَخُيَّرَتِ الْحُرَّةُ مَعَ الْحُرَّ فِي نَفْسِهَا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ) يريد أن الحر إذا تزوج أمة حيث يجوز له تزويجها ثم تزوج (١) عليها حرة، فإن الحرة تخير (٢) في نفسها فإن شاءت أقامت معها وإن شاءت طلقت نفسها طلقة (٣) بائنة، وعن مالك (٤): أنها لا تخير بحال، وقال ابن الماجشون تخير في نكاح الأمة لا في نفسها (٥)، والأول هو المشهور وهو مذهب المدونة (٦)، وزاد فيها قيدًا لا بد من مراعاته، وهو أن (٧) ذلك مشروط (٨) بعدم علمها بالأمة، وأما إذا علمت بها ودخلت على ذلك فلا خيار لها، واحترز بالحرة من الأمة فإنها لا خيار لها وهو ظاهر، وبالحر من العبد، فإن الحرة تحته لا خيار لها إذا تزوج عليها أمة؛ لأنها من نسائه، بخلاف الحر فإن الأمة ليست من نسائه (٩)، وهذا كله مبني على أن نكاح الأمة لا ينفسخ (١٠)، وهذا هو المشهور، وعن ابن حبيب: أنه ينفسخ. قوله: (كَتَزْوِيجِ أمَةٍ عَلَيْهَا) يريد أنه لا فرق في الحكم بين أن يتقدم نكاح الأمة على الحرة أو يتأخر عنه، وهو مذهب المدونة (١١)، وقيل: إن كانت الحرة هي السابقة خيرت

стр. 1305

في نكاح الأمة وإلا خيرت في نفسها، وقيل: إن كانت هي السابقة خيرت في نفسها وإلا فلا خيار لها، وقيل: إن كانت هي السابقة انفسخ نكاح الأمة وإلا خيرت. قوله: (أَوْ ثَانِيَةٍ أَوْ عِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَأَلْفَتْ أَكْثَرَ) أي: وكذلك تخير الحرة إذا رضيت بأمة ثم تزوج عليها أخرى، أو علمت أنه متزوج أمة فوجدت معه أكثر؛ لأنها تقول لم أرضَ إلا بواحدة، وكذلك تقول: لم أعلم بأكثر من واحدة، والمسألتان في المدونة (١) على ما ذكر. قوله: (وَلا تُبَوَّأُ أَمَةٌ بِلا شَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ) تبوأ (٢)؛ أي: (٣) تنفرد معه في بيت، أي: فلا تنفرد الزوجة القِن مع زوجها إلا بشرط أو عرف، لأن ذلك يبطل حق سيدها (٤) في (٥) الاستخدام جميعه أو أكثره (٦) لاشتغالها بالزوج، لكن (٧) على الزوج (٨) أن يأتيها في بيت سيدها (٩)، وقال ابن الماجشون: ترسل إليه (١٠) ليلة بعد ثلاث لتكون عنده تلك الليلة، ويأتيها (١١) عند أهلها فيما بين ذلك (١٢). قوله: (وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِمَنْ لَمْ تُبَوَّأْ) أي: وله بيعها ممن يسافر بها لكن لا يمنع الزوج من صحبتها، فلو بوئت مع الزوج بشرط أو عرف؛ فليس لسيدها أن يسافر بها ولا أن يبيعها ممن يسافر بها (١٣)، وقاله غير واحد مع الاشتراط.

стр. 1306

قوله: (وَأَنْ يَضَعَ مِنْ صَدَاقِهَا، إِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ دَيْنُهَا، إِلا رُبْعَ دِينَارٍ) أي: وهكذا يجوز للسيد أن يضع من صداق أمته بغير إذنها، لكن يشترط (١) ألا يكون عليها دين يستغرق جميع (٢) مالها، وألا ينقص الصداق بسبب الوضيعة عن ربع دينار لحق الله تعالى. قوله: (وَمَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ) أي: وله منع الأمة من الدخول على زوجها حتى يقبض (٣) صداقها، وقاله في المدونة (٤). قوله: (وَأَخْذُهُ وإِنْ قَتَلَهَا) أي: وله أخذ صداقها وإن قتلها؛ إذ لا يتهم (٥) في قتلها لأخذ صداقها، وقاله في الموازية (٦). قوله: (أَوْ بَاعَهَا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ) أي: وكذا (٧) له أخذه وإن باعها بمكان لا يصل إليها الزوج فيه، وقاله في المدونة وزاد فيها (٨): ويقال للزوج إن منعوك منها (٩) فخاصم (١٠). عياض: ومعنى ما في المدونة أن مشتريها سافر بها إلى موضع يشق على الزوج إتيانه لضعفه، قال: ولو كان لا يصل إليها لظلم مشتريها، أو لكونه لا ينتصف منه لم يكن على الزوج صداق (١١)، وإلى هذا أشار بقوله: (لا (١٢) لِظَالِمٍ). قوله: (وَفِيهَا يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ) قد علمت أنه يجوز له أخذ صداق أمته من زوجها ويمنعها منه حتى يقبضه ويسقط منه ما شاء بغير إذنها إلا ربع دينار، ونحوه في كتاب النكاح من المدونة (١٣)، وهو يدل على أن للسيد أخذ صداقها وتركها بلا جهاز، ووقع

стр. 1307

فيها أيضًا في كتاب الرهن (١) ما ذكره هنا، وهو أن السيد يلزمه تجهيز الأمة (٢) بصداقها، واختلف هل هو اختلاف قول (٣)، وعليه الأكثر. ابن عبد السلام: ومنهم من جمع بينهما (٤)، واختلف هؤلاء عى طريقين: إحداهما أن معنى ما في النكاح أنها لم تبوأ معه بيتًا، وما في الرهون أنها تبوأت معه (٥)، الثانية: أن معنى ما في النكاح أنه جهزها من ماله فساغ له أخذ صداقها، ومعنى ما في الرهون: أنه لم يجهزها به فلزمه أن (٦) يجهزها بصداقها، وهذا معنى قوله: (وهل هو (٧) خلاف؟ وعليه أكثر، أو الأول (٨) لم تبوأ معه (٩)، أو جهزها من عنده؟ تأويلان)، والمراد بالأول: ما قدمه من جواز أخذه للصداق وحذف الثاني، وهو ما في كتاب الرهون، وكأنه قال: والأول: محمول على أنها لم تبوأ، والثاني: على أنها بوئت (١٠)، أو (١١) الأول محمول على أنه جهزها من عنده، والثاني على أنه (١٢) لم يجهزها منه، وهو ظاهر. (المتن) وَسَقَطَ بِبَيْعِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ مَنْعُ تَسْلِيمِهَا لِسُقُوطِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ، وَالْوَفَاءُ بِالتَّزْوِيجٍ إِذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِ وَصَدَاقُهَا إن بيعت لزوج وَهَلْ وَلَوْ بِبَيْعِ السُلْطَانِ لِفَلَسٍ أوْ لا؟ تَأْوِيلانِ. وَبَعْدَهُ كَمَالِهَا. وَبَطَلَ فِي الأَمَةِ إِنْ جَمَعَهَا مَعَ حُرَّةٍ فَقَطْ بخِلافِ الْخَمْسِ وَالْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا. (الشرح)

стр. 1308

قوله: (وسَقَطَ بِبَيْعِهَا (١) قَبْلَ الْبِنَاءِ مَنْعُ تَسْلِيمِهَا لِسُقُوطِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ) يريد: أن السيد إذا باع الأمة قبل أن يبني بها زوجها؛ فإن حقه يسقط من منع تسليمها للزوج حتى يقبض صداقها؛ لأنه بالبيع (٢) قد أبطل تصرفه بخروجها عن ملكه، يريد: ويسقط أيضًا حق المشتري من ذلك إذ ليس له مهرها؛ لأنه كمالها، ومالها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وعلى هذا فله المنع إذا اشترطه حتى يقبض ما كان للبائع قبضه. قوله: (والْوَفَاءُ بِالتَّزْوِيجِ إِذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِ) (٣) معطوف على فاعل قوله (٤) (سقط)، والمعنى أن السيد إذا أعتق الأمة على أن تتزوجه (٥) لم يلزمها ذلك، بل يسقط عنها الوفاء بالتزويج؛ لأنها بمجرد العتق ملكت نفسها، والوعد لا يقضى به، وهذا هو المشهور، وحكي عن ابن القاسم أنه يزوجها من نفسه بغير رضاها (٦). المتيطي: والعمل على الأول (٧). قوله: (وصَدَاقُهَا إن بيعت لزوج) أي: وهكذا يسقط صداق الأمة عن زوجها، يريد إذا باعها له السيد قبل البناء يدل عليه ما بعده. قال في المدونة: وإن اشتراها قبل البناء وكان السيد قد قبض الصداق رده (٨)؛ لأن الفسخ من قبله، وفي العتبية لابن القاسم أن سيدها إذا أفلس (٩) فباعها عليه السلطان فاشتراها الزوج فإن صداقها يكون للبائع (١٠). ابن يونس: (١١) ولا يرجع به الزوج واختلف هل ذلك خلاف (١٢) لما في

стр. 1309

المدونة، وإليه نحى أبو عمران (١)، وإليه أشار بقوله: (وهَلْ ولَوْ بِبَيْعِ سُلْطَانٍ لِفَلَسٍ)، فيكون مذهب المدونة عنده أن صداقها يسقط ولو باعها عليه السلطان، وقيل ليس بخلاف، وإليه (٢) أشار بقوله: (أولًا؟ ) أي: ويكون على هذا معنى قول ابن القاسم: لا يرجع به الزوج (٣)، أي: لا يرجع به من الثمن؛ لا أنه لا يرجع به مطلقًا إذ لا ينفسخ (٤) النكاح إلا بعد تقدير (٥) البيع، والبيع موجب لدفع الثمن بكماله، وأخذ الصداق إنما طرأ بعد فسخ النكاح المتأخر عن البيع، وإلى هذا أشار بقوله: ولكن لا يرجع به من الثمن. قوله: (تَأْوِيلانِ) خبر عن قوله: (وَهَلْ وَلَوْ بِبَيْعِ السُّلْطَانِ (٦) ... إِلَى آخِرِهِ). قوله: (وبَعْدَهُ كَمَالِها) أي: فإن كان السيد إنما باعها لزوجها بعد أن بنى بها فحكم صداقها حكم مالها، فينتزعه إن شاء إلا أن يشترطه الزوج. قوله: (وبَطَلَ فِي الأَمَةِ إِنْ جَمَعَهَا مَعَ حُرَّةٍ) أي: وبطل عقد الأمة إذا جمعها مع حرة في عقدة (٧) واحدة، يريد: حيث لا يجوز له تزويج الأمة لعدم الشرط (٨)، وأشار بقوله: (فَقَطْ) إلى أن نكاح الحرة لا يبطل، وهو مذهب ابن القاسم، وقال سحنون: يبطل أيضًا، وهو الظاهر، لأن الصفقة (٩) جمعت حلالًا وحرامًا وبهذا احتج سحنون، وحمل بعض الشيوخ (١٠) الأول على أنه سمى لكل واحدة صداقًا، وقول (١١) سحنون على عدم التسمية لكل واحدة، ولو سمى لصح عنده نكاح الحرة، وقال بعضهم: بل قول

стр. 1310

سحنون عام، سواء (١) سمى أو لم يسمي (٢). قوله: (بِخِلافِ الْخَمْسِ) أي فإنه إذا جمعهن في عقدة واحدة فإن نكاحه يبطل في الجميع ويفسخ ولو ولدن (٣) الأولاد، وكذلك لو عقد على أم وابنتها في عقدة واحدة (٤)، أو جمع بين (٥) الأختين كذلك، أو المرأة وعمتها أو خالتها، وإليه أشار بقوله: (والَمْرْأَةِ ومَحْرَمِهَا) ويفسخ النكاح أبدًا (٦) ولو ولدن (٧) الأولاد ولا خلاف فيه. (المتن) وَلِزَوْجِهَا الْعَزْلُ إِذَا أَذِنَتْ وَسَيِّدَهَا، كَالْحُرَّةِ إن أَذِنَتْ، وَالْكَافِرَةُ؛ إِلاَّالْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ بِكُرْهٍ وَتَأَكَّدَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ يَهُودِيَّةً تَنَصَّرَتْ، وَبِالْعَكْسِ، وَأَمَتَهُمْ بِالْمِلْكِ، وَقُرِّرَ عَلَيْهَا إِنْ أَسْلَمَ وَأَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَعَلَى الأَمَةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إِنْ عَتَقَتْ وَأَسْلَمَتْ وَلَمْ يَبْعُدْ كَالشَّهْرِ، وَهَلْ إِنْ غُفِلَ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (ولِزَوْجِهَا الْعَزْلُ إِنْ أَذِنَتْ، وسَيِّدُهَا كَالْحُرَّةِ إِنْ أَذِنَتْ) المشهور من مذهبنا جواز العزل على الصفة التي ذكرها، وهي أن يكون ذلك بإذن الزوجة الحرة، وإذن الزوجة الأمة مع إذن سيدها، وروي عن مالك كراهته (٨)، وظاهر كلام غير واحد من الأشياخ أن إذن سيد الأمة المتزوجة كاف، وإن لم تأذن الأمة، ورأى الباجي أنه لا يعزل عنها إلا بإذنها، وإذن مواليها، ولا يكتفى بإذن سيدها؛ لأن لها حقًّا في الوطء (٩)، وحكى الشيخ أنه تقييد، واستظهره، ولهذا قال: إن أذنت وسيدها، وكان الأولى أن يأتي بفاصل بعد الضمير المرفوع؛ لأن العطف عليه من غير فاصل ضعيف

стр. 1311

كما علمت، فكان حقه أن (١) يقول: إذا أذنت هي وسيدها. قوله: (والْكَافِرَةُ هو معطوف على قوله: (حَرُمَ أُصُولُهُ) (٢) أي (٣): من موانع النكاح الكفر من غير أهل الكتاب، فلا يجوز للمسلم (٤) أن يتزوج كافرة من غيرهم، والمعروف أنه لا ينكح المجوسية، وحكى ابن القصار وغيره قولًا بالجواز؛ بناء على أن لهم كتابًا، وفقد اللخمي، واختلف (٥) في الصابئة والسامرية، فقيل: الصابئون صنف من النصارى، والسامرية صنف من اليهود (٦). وقيل: ليسوا منهم، فعلى الأول تجوز مناكحتهم لا على الثاني (٧). قوله: (إِلا الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ بِكُره) إنما أخرج هذا من حكم ما تقدم؛ خشية توهم مانعية الكفر على الإطلاق، وظَاهر كلام ابن القاسم، وغيره أن نكاح الكتابية الحرة لا كراهة (٨) فيه (٩) خلافًا لمالك، واختلف في علة الكراهة (١٠) ففي المدونة: لما تتغذى به من خمر وخنزير، وتغذي به الولد، وهو يُقبل ويضاجع (١١)، وقيل: لأنها قد تموت وهي حامل من المسلم فتدفن في مقابر الكفار وهي حفرة من حفر النار، وقال عبد الحميد: لأنه سكون ومودة لها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الروم: ٢٢] الآية (١٢). واحترز بالحرة من الأمة الكتابية فإنه (١٣) لا يجوز للمسلم

стр. 1312

نكاحها. قوله: (وتَأَكَّدَ بِدَارِ الَحْرْبِ) أي: وتأكد الكراهة (١) في تزويج الحربية (٢) بدار الحرب، قال في المدونة: لتركه ولده بدار الحرب (٣)، عياض: والكراهة عند مالك هنا أشد منها عنده ببلد (٤) الإسلام (٥). قوله: (ولَوْ يَهُودِيَّةَ تَنَصَّرَتْ وبِالْعَكْسِ) يريد: أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون النصرانية باقية على دينها أواليهودية باقية على دينها (٦)، أو انتقلت من اليهودية إلى النصرانية أو من النصرانية إلى اليهودية؛ بناء على أن الكفر ملة واحدة. قوله: (وأمَتَهُمْ بِالْمِلْكِ) الأحسن أن يكون معطوفًا على المنصوب في (٧) قوله: (إِلا الَحْرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ) والمعنى: ولا يجوز وطء الكافرة إلا الحرة الكتابية بالنكاح، والأمة الكتابية بالملك، ويجوز أن يُقرأ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، أي: وأمتهم كذلك. قوله: (وقُرِّرَ عَلَيْهَا إِنْ أَسْلَمَ) يشير إلى أن الكافر إذا نكح كتابية ثم أسلم فإنه يقر على نكاحها، ولا يفسخ؛ لأن أنكحتهم وإن كانت فاسدة فالإسلام يصححها، يريد: ما لم تكن من ذوات محارمه، ولما كان كلامه يوهم أن أنكحتهم صحيحة؛ إذ لا يقر على فاسد (٨)، دفع (٩) ذلك بقوله: (وأَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ) يريد: لأن صحة العقد مفتقرة إلى شروط هي (١٠) معدومة في أنكحتهم: كالولي (١١)، ورضى (١٢) الزوجة، وأن لا تكون في

стр. 1313

عدة، وبصداق، وحكى صاحب الاستلحاق (١) عن بعض مذاكريه: أن أنكحتهم غير فاسدة، وحكي ابن عبد السلام الخلاف مع الشروط ولابن رشد (٢)، واختاره القرافي إن حصلت الشروط فهي صحيحة، وإلا فلا (٣). قوله: (وعَلَى الأَمَةِ، والَمْجُوسِيَّةِ إِنْ عَتَقَتْ، وأَسْلَمَتْ) أي: وكذلك يقر من أسلم على نكاح الأمة الكتابية، والمجوسية إذا عتقت الأمة وأسلمت المجوسية. قوله: (ولَمْ يَبْعُدْ) أي: إسلامها من إسلام الزوج، وقاله في المدونة، قال: وإن أسلمت بقيت زوجة ما لم يبعد ما بين إسلاميهما (٤)، ولم (٥) يحد (٦) مالك البعد، وأرى الشهر، وأكثر من ذلك قليلًا ليس بكثير (٧)، وفي بعض روايات التهذيب: وأرى (٨) الشهرين (٩)، وإلى الأول أشار بقوله: (كَالشَّهْرِ) وتأول ابن لبابة وغيره من القروين المدونة: على أنها لا توقف هذه المدة (١٠)، وأن معناها غفل عن إيقافها، وجعلوا قول ابن القاسم موافقًا لقول مالك أنه إن عرض عليها الإسلام فلم تسلم فرق بينهما، ولم توقف، وقال ابن أبي زمنين: المعروف اأنها إذا وقفت إلى شهر وبعده فأسلمت أنها امرأته، عياض: وظاهر كلامه أنه (١١) خلاف ما تأول (١٢) القرويون (١٣)، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وهَلْ إِنْ غُفِلَ أو مُطْلَفًا؟ تأويلان)، وعن أشهب: أنه لا يفرق

стр. 1314

بينهما إن دخل بها حتى تخرج من العدة، وعنه: أنه يعرض عليها الإسلام بعد البناء اليومين والثلاثة، فإن أبت استبرئت بحيضة (١)، وعن ابن القاسم: بثلاث حيض (٢). (المتن) وَلا نَفَقَةَ أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا وَلَوْ طَلَّقَهَا، وَلا نَفَقَةَ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالأَحْسَنِ، وَقَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا أَوْ أَسْلَمَا، إِلَّا الْمَحْرَمَ، وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالأَجَلِ وَتَمَادَيَا لَهُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا، وَعَقَدَ إِنْ أَبَانَهَا بِلا مُحَلِّل، وَفُسِخَ لإِسْلامِ أَحَدِهِمَا بِلا طَلاقٍ، لا رِدَّتِهِ فَبَائِنَةٌ وَلَوْ لِدِينِ زَوْجَتِهِ. وَفِي لُزُومِ الثَّلاثِ لِذِمِّيٍّ طَلَّقَهَا وَتَرَافَعَا إِلَيْنَا، أَوْ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الإِسْلامِ، أَوْ بِالْفِرَاقِ مُجْمَلًا، أَوْ لا؟ تَأْوِيلاتٌ. (الشرح) قوله: (ولا نَفَقَةَ) أي: عَلَى الزَّوْجِ فيما بين إسلامهما، لأن الامتناع من جهتها، وهو تأخير (٣) إسلامها. قوله: (أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا) أي: وكذلك الحكم إذا تقدم إسلام المرأة على إسلام زوجها، ولم تخرج من عدتها حتى أسلم، فإنهما يقران على نكاحهما. قوله: (ولَوْ طَلَّقَهَا) يريد: أنه يقر على نكاحها، ولو طلقها في عدتها؛ إذ لا عبرة بطلاق الكافر، واختلف هل لها نفقة فيما بين الإسلامين أم لا؟ فعن (٤) ابن القاسم: أن لها ذلك وأخذ به أصبغ (٥)، وعن ابن القاسم أيضًا: لا نفقة لها (٦)؛ لأنها منعت (٧) نفسها بإسلامها، اللخمي: وهو الأحسن (٨)، وإليه أشار بقوله: (وَلا نَفَقَةَ عَلَى الَمْخْتَارِ)، وأشار بقوله: (وَالأَحْسَنِ (٩) إلى قول ابن أبي زمنين أنه هو (١٠) الصحيح، وقال ابن

стр. 1315

رشد (١): هو الأقيس، والخلاف مقيد بما إذا لم تكن حاملًا، وإلا فلها نفقة الحمل والسكنى. ابن عبد السلام: بلا خلاف (٢). قوله: (وقَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا) نبه بهذا على أن الحكم السابق في المدخول بها، وأما غير المدخول بها إذا أسلمت قبل زوجها فإنها تبين مكانها قولًا واحدًا، حكاه ابن يونس وغيره، وحكى اللخمي قولًا (٣) عن العتبية: إنه إذا أسلم عقيب إسلامها نسقًا يكون أحق بها (٤). قوله: (أَوْ أَسْلَمَا) هو أيضًا من الوجوه التي يقر معها الكافر على نكاحه، وهو ما إذا أسلم هو وزوجته معًا، ومثله ما إذا جاءا إلينا مسلمين. قوله: (إِلا الْمَحْرَمَ) أي: فإنه لا يقر على النكاح، والمراد بذلك: أن الزوجة إذا كانت من محارم الزوج التي لا يحل له أن يبتدئ نكاحها في الإسلام، فإنهما لا يقران على النكاح إن أسلما بل يفرق بينهما. قوله: (وقَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ والأَجَلِ) يريد: أن الكافر إذا تزوج الكافرة في العدة، أو تزوجها إلى أجل ثم أسلم وحده، أو أسلمت معه قبل انقضاء العدة والأجل؛ فإنهما لا يقران على نكاحهما ذلك، نص على الأولى (٥) ابن القاسم وأشهب في الموازية، وهي ظاهرة؛ لأن التمادي على النكاح هتك حرمة (٦) العدة (٧)، وفيه سقي ماءه زرع غيره على تقدير الحمل، ونص على الثانية (٨) أشهب في الموازية أيضًا؛ لأن التمادي على ذلك من مقتضيات (٩) العقد الفاسد، وفيه إمضاء لنكاح (١٠) المتعة (١١).

стр. 1316

قوله: (وتَمَادَيَا لَهُ) أي: أن الفاسد (١) في الصورة الأخيرة مقيد بما إذا قالا: نحن نتمادى إلى الأجل فقط، وأما إذا قالا نتمادى مطلقًا فإن النكاح يصح ويقران عليه، وهو ظاهر كلام اللخمي (٢). قوله: (ولَوْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا) هو راجع إلى قوله: (وإن (٣) أَسْلَمَا) والمعنى: أن الكافر إذا طلق الكافرة ثم أسلما بإثر الطلاق، فإنهما يقران على ذلك النكاح، ولا يؤثر فيه الطلاق قبل الإسلام، وقال المغيرة: هو طلاق معتبر، ولا تحل له إلا بعد زوج (٤). قوله: (وعَقَدَ إِنْ أَبَانَهَا بِلا مُحَلِّلٍ) أي: فإن كان الكافر لما طلقها ثلاثًا بانت منه بنفسها، وخرجت عن حوزه (٥) ثم أسلما، فأراد أن يردها إلى عصمته (٦)، فليس له ذلك إلا بعقد جديد، ولا يحتاج إلى محلل. وعلى مذهب المغيرة لا بد من محلل. قوله: (وفُسِخَ لإِسْلامِ أَحَدِهِمَا بِلا طَلاقٍ) يريد: أن النكاح إذا فسخ لإسلام أحد الزوجين، أي (٧): في الأماكن التي لا يقران فيها على الزوجية؛ فإن الفسخ يكون بغير طلاق، وهذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة (٨) والرسالة (٩)، وغيرهما، وفي سماع عيسى: أنه يفسخ بطلاق (١٠). قوله: (لا ردَّتِهِ) أي: لا ردة أحدهما، فإن الفسخ معها بطلاق، وهو المشهور، وقال ابن أبي أويس وابن الماجشون: هو فسخ بغير طلاق (١١).

стр. 1317

قوله: (فبَائِنَةٍ) أي: فطلقة بائنة، وهو مذهب المدونة (١)، وقال المخزومي: رجعية إن تاب في العدة (٢). قوله: (وَلَوْ لِدِينِ زَوْجَتِهِ) أي: ولا فرق في الحكم المتقدم بين أن يرتد إلى دين زوجته، أو إلى غيره، وهو قول ابن القاسم، وصرح في التنبيهات بمشهوريته، وقال أصبغ: لا يحال بينه وبين زوجته (٣)؛ نظرًا إلى أن سبب الحيلولة بين المسلمة وبين المرتد؛ استيلاء الكافر على المسلمة، وليس كذلك هنا، كما إذا كانت زوجته نصرانية، أو يهودية فارتدا إلى دينها؛ وعلى هذا فلا تحرم عليه إذا عاود الإسلام (٤). قوله: (وفِي لُزُومٍ الثَّلاثِ لِذِمَّيٍّ طَلَّقَهَا، وتَرَافَعَا إِلَيْنَا، أَوْ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الإِسْلامِ، أَوْ بِالْفِرَاقِ مُجْمَلًا، أَوْ لا؟ تَأْوِيلاتٌ) يريد: أنه اختلف في الذمي إذا طلق زوجته ثلاثًا وترافعا إلينا هل يلزمه ذلك أو لا يلزمه؟ أو يفرق بين الصحيح في الإسلام وغيره؟ أو يفرق بينهما مجملًا؟ على أقوال أربعة، وكلها تأويلات للأشياخ على المدونة، قال فيها: وإذا طلق الذمي امرأته ثلاثًا فرفعت أمرها للحاكم فلا يحكم بينهم إلا أن يرضيا بحكم الإسلام، فهو مخير إن شاء حكم أو (٥) ترك، فإن حكم حكم (٦) بينهم بحكم الإسلام، قال: وأحب إليَّ أن لا يحكم بينهم (٧)، وطلاق المشرك (٨) ليس بطلاق، وذهب ابن شبلون إلى أنه يحكم بينهم (٩) بالثلاث كما يحكم بين المسلمين، وقال أبو محمد: إن كان العقد صحيحًا لزمه الطلاق، وإلا فلا (١٠)، وحملها ابن القابسي على أنه يحكم به مجملًا من غير زيادة ثلاث، وتأولها ابن أخي هشام وابن الكاتب وغيرهما، على أنه إذا حكم

стр. 1318

بينهم أن يتركهم، ولا يفرق بينهم؛ إذ هو حكم الإسلام في طلاق أهل الكفر، وهو الظاهر عند عياض (١). (المتن) وَمَضَى صَدَاقُهُمُ الْفَاسِدُ أَوِ الإِسْقَاطُ إِنْ قُبِضَ وَدَخَلَ، وَإِلَّا فَكَالتَّفوِيضِ، وَهَلْ إِنِ اسْتَحَلُّوهُ؟ تَأْوِيلانِ. وَاخْتَارَ الْمُسْلِمُ أَرْبَعًا وَإِنْ أَوَاخِرَ، وَإِحْدَى أْخُتَيْنِ مُطلَقًا، وَأُمًّا وَابْنَتَهَا لَمْ يَمَسَّهُمَا؛ وَإنْ مَسَّهُمَا حَرُمَتَا، وَإِحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ. وَلا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ أَوْ أَبُوهُ مَنْ فَارَقَهَا، وَاخْتَارَ بِطَلاقٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إِيلاءٍ أَوْ وَطْءٍ، وَالْغَيْرَ إِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا، أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ، وَلا شَيْءَ لِغَيْرِهِنَّ إنْ لَمْ يَدْخْلْ بِهِ، كَاخْتِيَارِهِ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعِ رَضِيعَاتٍ تَزَوَّجَهُنَّ وَأَرْضَعَتْهنَّ امْرَأَةٌ، (الشرح) قوله: (ومَضَى صَدَاقُهُمُ الْفَاسِدُ، أَوِ الإِسْقَاطُ إِنْ قُبِضَ، ودَخَلَ) نبه -رحمة الله- على أن الكافرين تارة يدخلان على صداق فاسد كالخمر والخنزير ونحوهما، وتارة على إسقاط الصداق، فأما إذا دخلا على الإسقاط فإن النكاح يمضي إذا دخل بها قبل الإسلام، ولها صداق المثل، وهو قول ابن القاسم، واختاره ابن أبي زيد (٢)، واللخمي (٣)، وقال ابن المواز: لا شيء لها (٤)، عياض: وهو الصحيح، وقال ابن يونس: هو ظاهر المدونة (٥)، وكلام الشيخ محتمل لهما، وإن أسلما قبل الدخول، فلا يدخل بها حتى تقبض مهر مثلها، ولا يجبر عليه الزوج، وبه صرح اللخمي (٦)، وهو مستفاد من قوله هنا: (وَإِلا فَكَالتَّفْوِيضِ)، وأما إذا دخلا على الصداق الفاسد فإن قبضت المرأة الصداق، ودخل بها الزوج قبل الإسلام مضى النكاح، لأنها مكنت (٧) من نفسها، وقبضت العوض في وقت يسوغ لها أخذه، وإن لم تقبض ولم يدخل، فمذهب المدونة: إن شاء دفع صداق

стр. 1319

المثل، أو فارق، وتكون مطلقته (١)، ويصير كنكاح التفويض، وإن قبضته ولم يدخل، فالمشهور وهو مذهب المدونة: أنه مخير كالذي (٢) قبله (٣)، ولابن القاسم وابن الماجشون: لا شيء لها، وقاله الغير (٤) في المدونة، وقال أشهب: يجب لها ربع دينار، فإن لم يعطها ذلك فسخ، وقال ابن عبد الحكم: القياس أن يكون لها ثمن الخمر والخنزير (٥)، كمن (٦) تزوج بثمرة لم يبد صلاحها، وإن دخل بها ولم تقبضه (٧)، ففي المدونة لها صداق المثل (٨)، وإلى الأوجه الثلاثة، والوجه الذي قدمناه آنفًا (٩) في مسألة الإسقاط أشار بقوله: (وإِلا فَكَالتَّفْوِيضِ) وقد مر بيانه. قوله: (وهَلْ إِنِ اسْتَحَلُّوهُ تَأْوِيلانِ) يشير إلى أنه اختلف في قوله في المدونة: وهم يستحلونه (١٠) في دينهم (١١)، هل هو (١٢) وصف طردي لم يذكره على سبيل الشرط؛ لأنه لا يوجد كافر إلا وهو مستحل لذلك، وهو رأي بعضهم، ورأى (١٣) غيره أنه (١٤) شرط مقصود من ابن القاسم، فقال (١٥): يريد أنهم لو دخلوا عليه وهم لا يستحلونه فلم يدخلوا على النكاح، وإنما دخلوا على الزنا، فلا يثبت ذلك العقد بعد الإسلام إلا أن

стр. 1320

يكونوا قد تمادوا عليه بعد الإسلام على وجه النكاح، وقيل: إنما ذكره ابن القاسم تنبيهًا بالأخف على الأشد؛ لئلا يتوهم الصحة إذا كانوا يستحلونه فبين أنه لا فرق. قوله: (واخْتَارَ الَمُسْلِمُ أَرْبَعًا وإِنْ أَوَاخِرَ) يريد: أن المجوسي إذا أسلم، وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه، أو كن كتابيات فإنه يختار منهن أربعًا، وإن كن أواخر، وخرج بعضهم لأشهب مثل قول أبي حنيفة: أن الأوائل تتعين، وليس له أن يختار غيرهن (١). قوله: (وَإحْدَى (٢) أُخْتَيْنِ) أي: فإن أسلم على أختين فإنه يختار منهما واحدة، ويفارق الأخرى، وسواء دخل بهما، أو بإحداهما، أو لم يدخل، وسواء أيضًا جمعهما في عقد، أو في عقدين، وإلى هذا أشار بقوله: (مُطْلَقًا)، وحكي عن (٣) ابن الماجشون: أنه إذا أسلم على أختين ينفسخ نكاحهما جميعًا (٤)، وهو ضعيف؛ لما خرج الترمذي: أن فيروز الديلمي أسلم على أختين، فأمره ﵇ أن يختار واحدة (٥)، وحكم المرأة وعمتها وخالتها (٦) ونحوهما على المشهور حكم الأختين، فإذا أسلم عليهما اختار منهما واحدة. قوله: (وَأُمًّا، وابْنَتَهَا لَمْ يَمَسَّهُما) أي: فإن أسلم على أم، وابنتها ولم يمسهما، فإنه يختار منهما (٧) واحدة سواء جمعهما في عقدين، أو عقد (٨)، ولهذا جعل شرط (٩) الاختيار عدم المسيس لا غير، وقال أشهب: تتعين البنت (١٠).

стр. 1321

قوله: (وَإِنْ مَسَّهُمَا حَرُمَتَا) أي: فإن دخل بهما معًا حرمتا عليه، وهو ظاهر إن كانتا (١) في عقدين، وقلنا بصحة أنكحتهم، كما لو وقع ذلك من مسلم، وإن لم نقل بصحتهما (٢) فهو وطء بشبهة، وقد علمت أنه ينشر الحرمة. قوله: (وَإِحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ) أي: فإن دخل بإحداهما تعينت، وهو ظاهر، لكن إن دخل بالبنت تعينت بلا خلاف أعلمه منصوصًا في المذهب، وإن دخل بالأم تعينت على مذهب المدونة (٣)، ولمالك وأشهب: أنهما يندفعان (٤)، بمعنى: أن كل واحدة تحرم الأخرى، فبالعقد على البنت تحرم الأم، وبوطء الأم تحرم البنت. قوله: (ولا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ، أَوْ أَبُوهُ مَنْ فَارَقَهَا) يريد: أنه إذا فارق البنت، أو الأم؛ لاختيار الأخرى، أو لتعيين الأخرى (٥)، أو فارقهما معًا حيث لا يجوز له اختيار واحدة (٦)؛ فإن حرمة المصاهرة تنشر بين ابنه وأبيه، وبين من فارقها، فلا يتزوج واحدة منهما، بل تحرم عليه، وهو مذهب المدونة عند ابن يونس (٧)، وعياض. وحملها غيرهما على الكراهة؛ لقوله: لا يعجبني (٨)، وفي كتاب محمد: أنها لا تحرم عليه بعقد الشرك (٩). قوله: (واخْتَارَ بِطَلاقٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ إِيلاءِ، أَوْ وَطْءٍ) يريد: أن المعتبر في خيار (١٠) من يختارها لا يشترط فيه أن يقول: اخترت فلانة، أو فارقتها بل يكفي في ذلك مطلق الدلالة، ولا شك أن الطلاق، والظهار، والإيلاء من الدلائل القولية، والوطء من الدلائل الفعلية، فإذا طلق واحدة فقد اختارها؛ لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة،

стр. 1322

فاختياره للطلاق اختيار للازمه (١)، وقريب منه إذا ظاهر منها؛ لأن الظهار تشبيه من يجوز وطؤها بمن تحرم (٢)، ولا يكون (٣) حلالًا بعد إسلامه إلا باختياره (٤)، وأما الإيلاء فهو وإن كان يصح في الأجنبية، فالعرف أنه لا يكون إلا في زوجة (٥)، والمعتبر في الدلائل العرف، وأما الوطء فلا شك في دلالته على اختيار الموطوءة. قوله: (والْغَيْرَ إِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا) أي: واختيار غير من فسخ نكاحها، ومراده: أنه إذا قال: فسخت نكاح فلانة، فليس له اختيارها بعد، وإنما هو مخير فيمن عداها (٦). قوله: (أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ) أي: وكذلك له أن يختار من البواقي إذا طهر أن الأربع اللاتي اختارهن أخوات بشرط عدم تزويج غيرهن (٧)، فإن تزوجن فات اختياره وهو قول ابن القاسم، وقال ابن عبد الحكم: لا يفوت اختياره (٨) بتزويجهن (٩). قوله: (ولا شَيْءَ لِغَيْرِهِنَّ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ) الضمير في (غيرهن) عائد على من اختارهن، وفي (به) عائد على الغير، والمعنَى: ولا صداق لغير من اختار إن لم يكن دخل بذلك الغير؛ لأنه مغلوب على الفسخ قبل البناء، وهو ظاهر المدونة. وقال محمد: يكون لكل واحدةٍ من المتروكات (١٠) خمس صداقها إذا كن (١١) الجميع عشرًا، وقال ابن حبيب: لكل واحدة نصف صداقها (١٢). قوله: (كَاخْتِيَارِهِ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَع رَضِيعَاتٍ تَزَوَّجَهُنَّ (١٣)، وأَرْضَعَتْهُنَّ امْرَأَةٌ) يريد:

стр. 1323

أن حكم من تزوج أربع رضيعات أرضعتهن امرأة، ثم أسلم حكم من تزوج عشر نسوة، ثم أسلم عليهن، والمشهور: أنه يختار واحدة، ويترك الثلاث البواقي. وقال ابن الكاتب، وابن بكير: إن أرضعت المرأة واحدة بعد واحدة فليس له أن يختار واحدة (١)، وهو بمنزلة الأختين يتزوجهما في عقد واحد، وإذا فسخ ذلك مع ترتب الرضاع فمن باب الأولى إذا أرضعتهن مجتمعات (٢). (المتن) وَعَلَيْهِ أَرْبَعُ صَدَقَاتٍ إِنْ مَاتَ وَلَمْ يَخْتَرْ، وَلا إِرْثَ إِنْ تَخَلَّفَ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ عَنِ الإسْلامِ أوِ الْتَبَسَتِ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ مُسْلِمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ، لا إِنْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيهِ وَجُهِلَتْ، وَدَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا الصَّدَاقُ؛ وَثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ، وَلِغَيْرِهَا رُبُعُهُ وَثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ. (الشرح) قوله: (وعَلَيْهِ أَرْبَعُ صَدقَاتٍ إِنْ مَاتَ ولَمْ يَخْتَرْ) أي: فإن مات عن عشر ولم يختر منهن واحدة، ولا أكثر (٣)، فالواجب (٤) عليه أربع صداقات (٥)؛ إذ ليس في عصمته شرعًا إلا أربع زوجات، فلهذا لزمه أربعة أصدقة لأربع غير معينات، فتقسم على العشر فيكون لكل منهن خمسا صداقها، وهو الجاري على المشهور، وعلى قول ابن حبيب تلزمه سبعة أصدقة؛ لأن عليه أربع صدقات لأربع، وثلاث للست (٦) البواقي يقتسمن (٧) الجميع على ذلك، فيحصل لكل واحدة (٨) منهن سبعة أعشار صداقها، وعلى مذهب محمد فقيل: يلزمه أربع كالمشهور، وضعف (٩)؛ لأن الموت مكمل لجميع الصداق، وهو لو بنى بأربع منهن، وجهلت أعيانهن لكان لمجموع العشر عنده خمسة أصدقة، وخمس

стр. 1324

صداق؛ لأن للمدخول بهن أربعة، ولغيرهن من الست لكل واحدة خمس صداق فيقتسمن (١) ذلك (٢)، فيكون لكل واحدة خمسان، ونصف خمس، وعشر خمس. قوله: (ولا إِرْثَ إِنْ تَخَلَّفَ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ عَنِ الإِسْلامِ) أي: فإن أسلم على عشر كتابيات، ثم أسلم منهن ست، وتخلف أربع عن الإسلام ثم مات قبل أن يختار فلا إرث لجميعهن، أما الكتابيات فظاهر، وأما المسلمات فللشك (٣) في سببه، وهو الزوجية؛ وإنما منع ذلك (٤) لاحتمال أن لا يختار المسلمات، أو يختار من جميعهن واحدة، واحترز بقوله: (إِنْ تَخَلَّفَ أَرْبَعٌ مِمَّا إِذَا تَخَلَّفَ ثَلاثٌ، أَوْ أَقَلُّ) فإن الإرث ثابت، ووجهه ظاهر. قوله: (أَوِ الْتَبَسَتِ الْمُطَلَّقَةُ مَنْ مُسْلِمَةٍ، أَوْ كِتَابِيَّةٍ) أي: وهكذا لا إرث (٥) إذا قال لزوجتيه المسلمة، والكتابية إحداكما طالق، ومات، ولم يعين المطلقة منهما؛ للشك في ذلك. قوله: (لا إِنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وجُهِلَتْ، ودَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا، ولَمْ تَنْقَضِ (٦) الْعِدَّةُ فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا الصَّدَاقُ، وثَلاثَةُ أَرْبَاعِ المْيِرَاثِ، ولِغَيْرِهَا رُبْعُهُ، وثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ) أي: لا إن طلق إحدى زوجتيه فإن الميراث حاصل على كل حال؛ لأن سبب الميراث لا شك فيه، وإنما الشك في تعيين مستحقه، ومعنى كلامه أن من تزوج امرأتين فبنى بواحدة لا غير، وطلق إحداهما ثم مات، ولم تنقض العدة، وجُهلت المطلقة فإن للمدخول بها الصداق كله (٧)، وثلاثة أرباع الميراث وللتي لم يبن بها ثلاثة أرباع

стр. 1325

الصداق، وربع الميراث، وهكذا وقع هذا اللفظ لابن القاسم في آخر كتاب الطلاق من المدونة (١)، وإنما كان للمدخول بها ثلاثة أرباع الميراث، لأنها إن كانت هي المطلقة فالعدة لم تنقض فلها نصفه وللأخرى النصف الباقي، وإن كانت (٢) المطلقة هي غير المدخول بها فجميع الميراث للمدخول بها، فلها النصف على كل حال، ويقع النزاع بينها وبين غير المدخول بها (٣) في النصف الباقي (٤)، فيقسم بينهما نصفين، فتأخذ نصفه وهو ربع مضاف إلى النصف الذي بيدها، وذلك ثلاثة أرباع والربع الآخر للأخرى كما علمت، ولا إشكال في استحقاقها للصداق كله، وأما وجه أخذ الأخرى ثلاثة أرباع الصداق؛ فلأنها إن كانت هي المطلقة فليس لها إلا نصفه، وإن كانت هي غير المطلقة فلها الصداق كاملًا فيقع النزاع بينها وبين الورثة في النصف الثاني (٥) فيقسم بينهما نصفين فتأخذ نصفه، وهو ربع مع (٦) ما بيدها من النصف (٧)، وذلك ثلاثة أرباع. (المتن) وَهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أَحَدِهِمَا الْمَخُوفُ، وَإِنْ أَذِنَ الْوَارِثُ أَوْ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ، خِلافٌ، وَلِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى، وَعَلَى الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ الأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَعُجِّلَ بِالْفَسْخِ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا، وَمُنِعَ نِكَاحُهُ النَّصْرَانِيَّةَ وَالأَمَةَ عَلَى الأَصَحِّ، وَالْمُخْتَارُ خِلافُهُ. (الشرح) قوله: (وهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أَحَدِهِمَا المَخُوفُ، وإِنْ أَذِنَ الْوَارِثُ، أَوْ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ (٨)؟ خِلافٌ) يريد: أنه اختلف هل المرض المخوف من موانع النكاح، وإن احتاج إليه، أو ذلك مقيد بعدم الحاجة فأما مع الحاجة له (٩) فلا، في ذلك خلاف، والذي في الجواهر:

стр. 1326

أن المرض المخوف لا يجوز معه النكاح إذا كان المريض غير محتاج إلى الاستمتاع، وقد انتهى إلى حالة يحجر عليه في ماله، ويفسخ (١) على المشهور، وعن مالك: إجازته من غير تفصيل (٢)، وفي التبصرة: نكاح المريض جائز، وممنوع، ومختلف فيه، والمرض (٣) أربعة: غير مخوف (٤)، أو مخوف متطاول كالسل والجذام، وتزوج في أوله فيجوز معه النكاح، ومخوف أشرف معه على الموت فلا يجوز، ومخوف غير متطاول ولم يشرف معه على الموت، فقيل: يفسد (٥) النكاح، ولا ميراث فيه، وهو المشهور، وقيل: يجوز إن لم يكن مضارًّا، وقيل: يجوز جملة من غير تفصيل (٦). ونحوه في المتيطية، وزاد: وعلى المشهور العمل، وبه (٧) الحكم، فانظر ما شهراه تجده في بعض صوره مخالفًا لما شهره ابن شاس (٨)؛ ولهذا ذكر هنا الخلاف على جاري عادته، ولم يجزم (٩) بأحد التشهيرين، ونبه بقوله: (وإِنْ أَذِنَ الْوَارِثُ) على أن (١٠) ما قاله محمد: أن الورثة الرشداء إذا أذنوا للمريض أن يتزوج حرة مسلمة لا يجوز (١١)؛ لاحتمال موت الآذن، ويصير الميراث لغيره. قوله: (ولِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى) هكذا روي عن مالك (١٢)، وبه قال (١٣) عبد الملك، وابن نافع، وأشهب، وأصبغ. وقيل: لها صداق المثل، وتأول أبو عمران المدونة

стр. 1327

على أن لها الأقل من المسمى، وصداق المثل (١). قوله: (وعَلَى الَمْرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ الأَقَل مِنْهُ، ومِنَ صَدَاقِ الَمْثْلِ) الأكثر على أن صداقه من الثلث، وعن المغيرة أنه من رأس المال (٢)، وعلى الأول: يلزم المريض من ثلثه الأقل منه، ومن صداق المثل، فإذا كان ثلثه (٣) عشرين دينارًا، وصداق مثلها ثلاثين دينارًا، أو بالعكس؛ فليس لها في الصورتين إلا الأقل، وهو العشرون (٤). قوله: (وعُجِّلَ بِالْفَسْخِ) أي: يفسخ نكاح المريض إذا عثر عليه، وسواء دخل بها أم لا، إلا أنه إن فسخ قبل الدخول لا شيء فيه، وإلا فعلى ما تقدم، وهذا واضح على القول بفساده، وأما على القول بالصحة، فهل يعجل بالفسخ قبل صحة المريض، قاله

стр. 1328

في الموازية (١)، أو يفسخ قبل الدخول لا بعده، قاله ابن كنانة، وقال ابن القصار: الفسخ استحسان (٢). قوله: (إِلا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا) أي: فيمضي النكاح، ولا يفسخ، وهي رواية ابن القاسم عن مالك التي رجع إليها، وبها قال عبد الملك، وكان مالك يقول: إنه يفسخ، ولو صح، ثم رجع إلى الأول، وقال: امح الفسخ (٣)، وهذه إحدى الممحوات الأربع. قوله: (ومُنِعَ نِكَاحهُ النَّصْرَانِيَّةَ، والأَمَةَ عَلَى الأَصَحِّ والمختار خلافه) مذهب الأكثرين أن نكاح المريض يمنع في النصرانية، والأمة (٤)؛ لجواز الإسلام والعتق، فيصيران من أهل الميراث. بعض البغداديين: وهذا القول أصح، وقال أبو مصعب: يصح، وهو مبني على أن الفساد لحق الورثة (٥). اللخمي وغيره من القرويين: وهو أحسن (٦)؛ لأن النكاح وقع في حال لا (٧) ضرر فيه على الورثة (٨)، وإلى هذا أشار بقوله: (والمختار خلافه)؛ أي: خلاف الأصح. فصل [في خيار أحد الزوجين] (المتن) فَصْلٌ الْخِيَارُ إِنْ لَمْ يَسْبِقِ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ: بِبَرَصٍ، وَعِذْيَطَةٍ وَجُذَامٍ، لا جُذَامٌ الْأَبٍ، وَبِخِصَائِهِ، وَجَبّهِ، وَعُنَّتِهِ، وَاعْتِرَاضِهِ. وَبِقَرَنِهَا، وَرَتَقِهَا، وَبَخَرِهَا، وَعَفَلِهَا، وَإِفْضَائِهَا (الشرح) (الْخِيَارُ إِنْ لَم يَسْبِقِ الْعِلْمُ، أَوْ لَمْ يَرْضَ، أَوْ يَتَلَذَّذْ، وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ بِبَرَصٍ، وعذيطة، وَجُذَامٍ)، يحتمل كون الخيار مبتدأ حذف خبره؛ أي: والخيار ثابت لأحد الزوجين، أو

стр. 1329

فاعلًا بفعل مقدر؛ أي: يثبت الخيار لأحد الزوجين ببرص الآخر، أو عذيطته، أو جذامه، أو أحد الأمور الآتية من كلامه لكن بشرط: أن يكون العيب موجودًا حين العقد لا طارئًا بعده، ولا يكون السليم قد علم به قبل العقد، أو علم بعد العقد ورضي به، أو تلذذ من صاحبه بعد علمه (١)، فإن ادعى ذو العيب على السليم أنه كان عالمًا بالعيب قبل العقد، أو أنه رضي به (٢) بقول أو تلذذ ولا بينة للمعيب (٣)، فإنه يحلف على نفي دعوى صاحبه، واختلف في العذيوطة (٤) هل بالباء الموحدة من أسفل، أو باثنتين من أسفل، وهو بكسر العين، وفتح الياء، وسكون الذال والواو، الجوهري: ويقال للمرأة عذيوطة (٥)، اللخمي: ولأحد الزوجين أن يرد الآخر إذا وجد به ذلك (٦)، وهو الذي يحدث عند الجماع (٧)، وظاهر كلام الشيخ: أن البرص والجذام موجبان للخيار مطلقًا، وقد نص اللخمي (٨) والمتيطي على: أن المرأة ترد من قليل الجذام (٩)، ابن وهب: وذلك إذا كان محققًا، وإن لم يكن فاخشًا ولا مؤذيًا؛ إذ لا تؤمن زيادته (١٠)، وعن أشهب: أن البرص في الرجل خفيف، وإن غرها، فظاهره الإطلاق (١١)، وفي البيان: إن كان شديدًا فلها الرد باتفاق، وكذا إن كان يسيرًا، وإن أمنت (١٢) زيادته (١٣)، ولابن القاسم: لا يرد به إلا أن لا تؤمن زيادته (١٤).

стр. 1330

قوله: (لا جُذَامِ الأَبِ) يريد: أن جذام الأب لا يوجب الخيار لأحد الزوجين، وأخذ اللخمي من قول مالك: أن سلامة الولد منه والنسل قليل، أن جذام أحد (١) الأبوين عيب (٢). قوله: (وَبِخِصَائِهِ وَجَبِّهِ وعُنَّتِهِ واعْتِرَاضِهِ) الضمائر الأربعة عائدة على الزوج، والمعنى: أن الخيار يثبت للزوجة إذا وجدت الزوج بأحد هذه العيوب، والخصي هو: المقطوع الذكر فقط، أو الأنثيين فقط، وقيل: هو المقطوع الأنثيين خاصة، والمعروف في المذهب الأول، والمجبوب: المقطوع ذكره، وأنثياه. والعنين: ذو ذكر لا يتأتَّى به الجماع؛ لصغره. والمعترض: من لا يقدر على الجماع؛ لعدم انتشاره، ونحوه، وربما كان بعد وطء، وفي امرأة دون أخرى، ويقال له: المربوط، وربما فسر العنين بالمعترض. قوله: (وبِقَرَنِهَا ورَتْقِهَا وبَخَرِهَا وعَفَلِهَا وإِفْضَائِهَا) أي: وهكذا يثبت الخيار للرجل إذا وجد (٣) في المرأة أحد هذه العيوب الخمسة، والرتق عبارة عن استداد المحل (٤) حتى لا يستطاع معه الجماع إلا أنه إن استدَّ بعظم فلا يمكن معالجته، وإن استدَّ بلحم فيمكن معالجته، والقرن عبارة عن: ظهور عظم في المحل يشبه قرن الشاة، وهو بفتح القاف وسكون الراء، وقيل: بفتحها أيضًا، وقد يكون عظمًا، وقد يكون لحمًا، والبخر هو: نتن الفرج، والعفل بالعين المهملة وفتح الفاء هو: بروز لحم في قبل المرأة شبيه بالأُدرة التي بالرجل، والإفضاء عبارة عن: اختلاط مسلكي الذكر والبول. (المتن) قَبْلَ الْعَقْدِ. وَلَهَا فَقَطْ الرَّدُّ بِالْجُذَامِ الْبَيِّنِ، وَالْبَرَصِ المُضِرِّ، الْحَادِثَيْنِ بَعْدَهُ، لا بِكَاعْتِرَاضٍ، وَبِجُنُونِهِمَا وَإنْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ أُجِّلا فِيهِ وفِي بَرَصٍ وَجُذَامٍ رُجِيَ بُرْؤُهُمَا سَنَةً، وَبِغَيْرِهَا إِنْ شَرَطَ السَّلامَةَ، وَلَوْ بِوَصْفِ الْوَلِيَّ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَفِي الرَّدِّ إِنْ شَرَطَ الصِّحَةَ تَرَدُّدٌ، لا بِخُلْفِ الظَّنِّ، كَالْقَرَعِ وَالسَّوَادِ مِنْ بِيضٍ، وَنَتْنِ الْفَمِ، وَالثُّيُوبَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ عَذْرَاءُ. وَفِي بِكْرٍ تَرَدُّدٌ. (الشرح)

стр. 1331

قوله: (قَبْلَ الْعَقْدِ) أي: يثبت الخيار بالعيوب المذكورة إذا كانت موجودة قبل العقد، فأما إن حدثت بعده فلا خيار للرجل؛ لأنها مصيبة نزلت به، وفي ثبوته للمرأة خلاف، ففي البيان لها الرد بالجذام البين، وقال أشهب: لا ترد به إلا إذا تفاحش (١)، ولا يمكن النظر إليه، والبرص المضر موجب لخيارها، وإليه، وإلى ما في البيان أشار بقوله: (ولَهَا فَقَطْ الرَّدُّ بِالْجُذَامِ الْبَيِّنِ، والْبَرَصِ الْمُضِرِّ الَحْادِثَيْنِ بَعْدَهُ) وحصل ابن شاس في ثبوت خيارها في العيوب الأربعة إذا حدثت بعد (٢) العقد أربعة أقوال (٣). قوله: (لا بِكَاعْتِرَاضٍ) أي: فإنه إذا حدث لا يكون موجبًا لخيار المرأة، وكذلك الجب، والخصاء (٤)، ولهذا أتى بكاف التشبيه. قوله: (وبِجُنُونِهِمَا) معطوف على قوله: (بِبَرَصٍ) والمعنى: أن الخيار يثبت لكل من الزوجين بجنون الآخر كما يثبت بالبرص، وسواء كان الجنون بصرع، أو وسواس، وبذلك فسره الباجي (٥)، ولا يشترط استغراقه بجميع الأوقات بل يكفي بعضها، اللخمي (٦): ولو كان يحصل رأس كل شهر، ويسلم فيما بين ذلك (٧)، وهو مراده بقوله: (وإِنْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ)؛ لأن النفوس تنفر من المصروع، وتخافه. اللخمي: وكذلك إذا حدث بعد العقد، وقبل الدخول (٨)، وإليه أشار بقوله: (قَبْلَ الدُّخُولِ) لكن كلام اللخمي إنما هو في جنون الرجل، وظاهر كلامه هنا: الإطلاق (٩). قوله: (وبَعْدَهُ أُجِّلَا فِيهِ) أي: وإن حدث الجنون بعد الدخول أجل من به ذلك سنة،

стр. 1332

وقاله في المدونة؛ أي: ليعالج فيها (١)، فإن صح وإلا فرق بينهما إن شاء الآخر. قوله: (وفِي بَرَصٍ وجُذَامٍ رُجِيَ بُرْؤُهُمَا) هكذا قال ابن القاسم في الأجذم: أنه يؤجل سنة إذا رجي برؤه، وهي رواية عن مالك، فإن حصل له (٢) برؤه، وإلا فرق بينهما (٣)، ولم ير أشهب لها خيارًا (٤)، وإن كان المجنون لا يفيق من جنونه أصلًا، وقال في الأجذم: لا رد لها به وإن تفاحش، وغضت الأبصار دونه، وانظر (٥) هل يقاس التأجيل في البرص على التأجيل في الجذام، أم لا (٦)؟ فإني لم أر ذلك منصوصًا في البرص. قوله: (سَنَةً) هو راجع إلى المسائل الثلاث. قوله: (وبِغَيْرِهَا إِنْ شَرَطَ السَّلامَةَ) أي: وكذلك يثبت الخيار لأحد الزوجين بغير هذه العيوب السابقة إذا شرط السلامة منه، فلو تبين أن المرأة ابنة زنا، أو قد أزيلت بكارتها بزنا، فلا خيار للزوج إلا أن يشرط السلامة من ذلك، فله الخيار. اللخمي: قولًا واحدًا (٧). قوله: (ولَوْ بِوَصْفِ الْوَلِيِّ عِنْدَ الْخِطْبْةِ) يشير بذلك إلى ما قال في البيان: لا اختلاف أعلمه فيما إذا قال الخاطب للولي: قد قيل: إن وليتك سوداء، أو عوراء، فقال: كذب من قال (٨)، بل هي بيضاء، إن ذلك شرط، ويردها بذلك. قال: وإنما اختلف إذا وصفها عند الخطبة بلا سبب فقيل: ذلك لازم للزوج، ولا كلام له، وهو قول أصبغ (٩)، واختاره محمد، وهو مذهب ابن القاسم في (١٠) رواية يحيى عنه، وقيل: إن شاء فارق، ولا شيء عليه إن لم يدخل، وإن شاء تقدم، وعليه الصداق (١١).

стр. 1333

قوله: (وفي الرَّدِّ إِنْ شَرَطَ الصِّحَّةَ تَرَدُّدٌ) يريد: أن المتأخرين ترددوا فيما (١) إذا اشترطت السلامة، أو الصحة، ثم وجدت المرأة على خلاف ذلك هل ترد أم لا؟ فقال ابن أبي زيد: إذا كتب في العقد صحيحة العقل والبدن لم (٢) يكن ذلك شرطًا (٣). وقال الباجي في وثائقه: هو شرط. أبو محمد: ولو كتب في العقد: سليمة البدن كان شرطًا فترد بالعماء (٤)، والسواد، والشلل، ونحوها. قال: (٥) وبهذا كان يفتي علماؤنا ونفتي (٦) نحن. قال بعضهم: إنما فرق بينهما؛ لأن الأولى عادة جارية من تلفيق الموثقين ولم تجر العادة بالثاني، وذكر أبو عمران من رواية الدمياطي عن ابن القاسم: لا رد له في شيء من العيوب كلها إلا العيوب الأربعة، وإن اشترطت السلامة (٧). قوله: (لا بخُلْفِ الظَّنِّ كَالْقَرَعِ والسَّوَادِ مِنْ بِيضٍ) أي: فإن خلف (٨) الظن لا أثر له في ثبوت الخيار؛ فلهذا لو كان يظن أن المرأة بيضاء؛ لكونها من أهل (٩) بيت لا سواد فيهم، أو يظن أنها سليمة الرأس ثم وجدها سوداء، أو قرعاء، فإنه لا رد له لعدم اشتراطه. ابن بشير: وهو المشهور، وقال اللخمي: (١٠) هو الظاهر من قول مالك (١١)، وقال ابن حبيب: له الرد (١٢).

стр. 1334

قوله: (ونَتْنِ الْفَمِ) هذا هو الظاهر من قول مالك (١)، وخرج اللخمي على القول (٢) في نتن الفرج: أن ترد إذا كانت خشماء (٣)، أو بفمها نتن (٤) قال: لأن (٥) نتن الأعلى أولى بالرد؛ لمضرته، وقربه، وبعد مضرة الآخر (٦). قوله: (والثُّيُوبَةِ إِلا أَنْ يَقُولَ عَذْرَاءُ) أي: وهكذا لا تكون الثيوبة موجبة للخيار (٧) إذا تزوجها على أنها عذراء؛ إلا أن يشترط الزوج ذلك فيكودن له الرد، وقاله أصبغ، وغيره (٨). قوله: (وفي بِكْرٍ تَرَدُّدٌ) أي: فإن شرط أنها بكر، ثم وجدها على خلاف ذلك ففي ذلك (٩) تردد، والذي رواه ابن حبيب عن مالك: لا رد له به، وقاله أشهب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وهو أصوب (١٠)؛ لأن اسم البكارة واقع عليها، وإن زنت إلا أن يشترط أنها عذراء، بعض الموثقين: ولأدن البكارة قد تزول به ثبة (١١)، أو حيضة، وقال ابن القصار (١٢): له ردها بذلك. (المتن) وإلَّا تَزْوِيجَ الْحُرِّ الأَمَةَ، وَالْحُرَّةِ الْعَبْدَ. بِخِلافِ الْعَبْدِ مَعَ الأَمَةِ، وَالْمُسْلِمِ مَعَ النَّصْرَانِيَّةِ، إِلَّا أَنْ يَغُرَّا. وَأُجّلَ الْمُعْتَرضُ سَنَةً بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ، وِإنْ مَرِضَ، وَالْعَبْدُ نِصْفَهَا، وَالظَّاهِرُ لا نَفَقَةَ لَهَا فِيهَا. وَصُدِّقَ إِنِ ادَّعَى فِيهَا الْوَطْءَ بيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَت، وَإِلَّا بُقِّيَتْ، وإن لَمْ يَدَّعِهِ طَلَّقَهَا، وإِلَّا فَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُها بِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِهِ؟ قَوْلانِ. (الشرح)

стр. 1335

قوله: (وإِلا تَزْوِيجَ الْحُرِّ الأَمَةَ والحُرَّةِ الْعَبْدَ) يريد: لأن العرف جرى أن الغالب على (١) الحر لا يتزوج إلا حرة (٢)، وكذلك الحرة لا تتزوج في الغالب إلا حرًّا (٣)، وكان ذلك كالشرط، فلهذا إذا لم يبين (٤) ذلك حالة العقد أو قبله كان غرورًا (٥) ممن هو به، ولذلك عطف هذا (٦) على قوله (٧): (إِلا أَنْ يَقُولَ عَذْرَاءُ) أي: لكن إن قال عذراء فله الرد، وكذلك إذا تزوج الحر الأمة، والعبد الحرة، ووقع (٨) العقد عاريًا عن البيان فإن للحر منهما الرد. قوله: (بِخِلافِ الْعَبْدِ مَعَ الأَمَةِ، والْمُسْلِمِ مَعَ النَّصْرَانِيَّةِ) أي: فإن العقد إذا وقع هنا من غير تبيين فليس بغرور، ولا رد مع ذلك لحصول المساواة في تزويج العبد الأمة، وحصول الأحسن للنصرانية إذا تزوجها المسلم، ولا خلاف في ذلك. قوله: (إِلا أَنْ يَغُرَّا) أي: بأن يقول المسلم للنصرانية أنه على دينها، ويقول العبد أنه حر فللمغرور حينئذٍ (٩) الرد؛ لأنه شرط دخلا عليه، وقيل: لا خيار للنصرانية؛ لأن الإسلام ليس بعيب. اللخمي وابن رشد: والأول أظهر، لأجل الشرط (١٠). قوله: (وأُجِّلَ الْمُعْتَرضُ سَنَةً (١١) يريد: أن المعترض إذا كان حرًّا فإنه يؤجل سنة إذا لم يسبق منه وطء لها، وقيل: ولو وطئ الأول (١٢) هو الظاهر، وإنما أجل سنة، لتمر عليه الفصول الأربعة؛ لأن الدواء ربما أثر في بعض الأبدان في فصل دون فصل، وإذا مرت
следующие страницы →