← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الوديعة: لا تكون عند (١) أحدهما ولا تنزع منهما بخلاف الوصيين (٢). قلت: وهو الظاهر، لأن رب الوديعة لم يرض بأمانة أحدهما منفردا، ولو أراد ذلك لم يظهر الآخر على الوديعة. * * *

стр. 2382

باب [في العارية] (المتن) بَابٌ صَحَّ وَنُدِبَ إِعَارَةُ مَالِكِ مَنْفَعَةٍ بِلَا حَجْرٍ، وَإِنْ مُسْتَعِيرًا؛ لَا مَالِكِ انْتِفَاع مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ عَيْنًا لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ، لَا كَذِمِّيٍّ مُسْلِمًا، وَجَارِيَةٍ لِوَطْءٍ، أَوْ خِدْمَةٍ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ، أَوْ لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَهِيَ لَهَا. وَالأَطْعِمَةُ وَالنُقُودُ قَرْضٌ بِمَا يَدُلُّ. وَجَازَ أَعِنِّي بِغُلَامِكَ لأُعِينَكَ إِجَارَةً، وَضَمِنَ الْمَغِيبَ عَلَيْهِ، إِلَّا لِبَيِّنَةٍ المغيب. وَهَلْ، وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ؟ تَرَدُّدٌ. لَا غَيْرُهُ، وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَحَلَفَ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ بِلَا سَبَبِهِ، كَسُوسٍ، أَنَّهُ مَا فَرَّطَ. (الشرح) (صح (١) وَنُدِبَ إِعَارَةُ مَالِكِ (٢) مَنْفَعَةٍ بِلا حَجْرٍ وإن مستعيرا (٣)) يريد: أن العارية تصح من كل مالك لا حجر عليه، وهي مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله ﷺ : "كل معروف صدقة"، وقد استعار ﵊ هو والصحابة وأعاروا، ونبه بقوله: (مَالِكِ مَنْفَعَةٍ) على أن المعير ليس من شرطه أن يكون مالكا للرقبة، بل يكفي في ذلك ملك المنفعة بإجارة أو عارية من غيره، ولا إشكال في إعارة المستأجر الرقبة التي استأجرها، وأما إعارة المستعير فالصحيح الجواز (٤) أيضا، وعن ابن شعبان ما ظاهره منع ذلك، وأشار إلى أن المعير يشترط فيه شرطان: أحدهما ما تقدم والآخر ألا يكون عليه حجر؛ لأن العارية من باب المعروف، والمحجور عليه ليس من أهل التبرع. قوله: (لا مَالِكِ (٥) انْتِفَاعٍ) أي: فلا يصح منه إعارة ذلك، والمراد بتمليك الانتفاع كسكنى المدارس والزوايا والربط والجلوس في المسجد والأسواق، فليس لمن ملك (٦)

стр. 2383

ذلك سوى الانتفاع بنفسه، وليس له المعاوضة به والنكاح من هذا، لكن يستثنى (١) من ذلك ما جرت العادة به كإنزال الضيف لأهل المدارس والربط المدة اليسيرة، ولا يجوز إسكانه بيت المدرسة دائما، ولا إيجاره (٢) ولا الخزن فيه، وكذا لا يجوز (٣) بيع ماء الصهاريج ولا هبته ولا استعماله فيما لم تجرِ به العادة إلا الشيء اليسير. قوله: (مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ) يريد: أنه يشترط في المستعير أن يكون أهلا للتبرع عليه أي فلا تصح إعارة المسلم لذمي كما سيأتي بعد هذا. قوله: (عَيْنًا لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ) يريد: أنه يشترط في الشيء المستعار أن يكون عينا (٤) ليستوفي منها المستعير المنفعة التي تبرع المعير بها عليه، ولا بد من كون المنفعة مباحة فلا تعار الأمة للاستمتاع ونحوه. واللام في قوله: (لمنفعة) للتعليل، و (عينا) معمول (٥) لما قبله، والمعنى: وصح إعارة مالك (٦) منفعة عينا لأخذ منفعة تلك العين. قوله: (لا كَذِمِّيٍّ مُسْلِمًا) هو مخرج من قوله: (مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ) أي: فلذلك لا يعار المسلم للذمي لما في ذلك من إذلال المسلم، وهو ممنوع، ومثله إعارة المصحف له (٧) ونحوه (٨). قوله: (وَجَارِيةٍ لِوَطْئٍ) لما ذكر أن المنفعة يشترط فيها أن تكون مباحة أخرج منه هذا، أي: ولأجل ذلك لا تعار الجواري للوطء، يريد: والاستمتاع (٩) لما فيه من إعارة الفروج وهي ممنوعة.

стр. 2384

قوله: (أَوْ خدْمَةٍ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ) يريد: أن إعارتها لغير محرم يؤدي إلى الوقوع في الاستمتاع بها غالبا، وقد نصَّ اللخمي في باب الإجارة على أن إعارة (١) المرأة للرجل الأعزب لا تجوز كان مأمونا أم لا وإن كان له أهل وهو مأمون جاز وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن يكون شيخا فانيا أو هي (٢) متجالّة (٣)، ونص أيضا في باب العارية على صحة هبة خدمة الجارية لغير المحرم إذا كان مأمونا وله أهل، فإن كان غير مأمون أو مأمونا وليس له أهل لم يجز (٤)، واحترز بقوله: (لغير المحرم) من إعارتها للمحرم، فإنه يجوز، وكذلك الصبي والمرأة ومن لا يحل له الاستمتاع منها من أقاربه (٥) كالأمة يطؤها ثم يعيرها لولده أو ولد ولده (٦) أو أبيه أو جده للأمن من الاستمتاع (٧)؛ لأنها تصير من ذوات المحارم، ونحوه للخمي (٨). قوله: (أو لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) أي: وهكذا لا يجوز إعارة خدمة الجارية لمن تعتق عليه كالأب يعار لولده أو العكس؛ لأن (٩) الاستخدام من توا بع الملك، فمن لا يجوز له الملك لا يجوز له الاستخدام، وليس هذا خاصّا بالأمة بل العبد كذلك. قوله: (وَهِيَ لهَا) أي: وتكون تلك المنفعة المعارة للأمة دون المعار (١٠). قوله: (وَالأَطْعِمَةُ وَالنُّقُودُ قَرْضٌ) أي لما كان المقصود من العارية الانتفاع بالمعار مع رد عينه لربه (١١)، نبه على أن الانتفاع متى استلزم ذهاب (١٢) العين كما في الأطعمة

стр. 2385

والنقود لم يكن ذلك عارية بل قرضا. قوله: (بِما يَدُلُّ) يريد: أن العارية تصح بكل لفظ أو فعل يدل عليها، وهو واضح (١). قوله: (وَجَازَ أَعِنِّي بِغُلامِكَ لأُعِينَكَ بغلامي (٢) إِجَارَةً) يصح أن يكون (إجارة) خبر كان المحذوفة؛ أي: وجاز قول الرجل للآخر: أعني بغلامك اليوم لأعينك بغلامي (٣) غدا (٤)، وتكون تلك إجارة، ويصح أن تكون حالا، والأول أظهر، وقاله في الجواهر، وأجاز هذا ابن القاسم، ورآه (٥) من الرفق (٦)، ولا بد أن يكون ما يقع به التعاون معلوما من خياطة أو بناء أو حراثة أو دراس ونحوه، وأن يقرب العقد من زمن العمل، فلا يجوز: أعني بغلامك اليوم على أن أعينك بغلامي بعد شهر؛ لأنه نقد في منافع (٧) يتأخر قبضها. قوله: (وَضَمِنَ المَغِيبَ عَلَيْهِ، إِلا لِبَيِّنَةٍ المغيب (٨)) أي: الشيء الذي يغاب عليه كالثياب والعروض ونحوها، وقد أشار بهذا الكلام والذي بعده إلى ما ذكره أهل المذهب من التفرقة بين ما يغاب عليه وغيره، وأنه يضمن ما يغاب عليه إلا أن تقوم له بينة بأنه تلف من غير سببه، وقال أشهب: هو ضامن ولو قامت له بينة (٩)، قال في المقدمات: وحكى ابن شعبان قولا بنفي الضمان، وعابه (١٠) إلا أن يشترط عليه الضمان، وظاهره كان مما يغاب عليه أم (١١)، وحكى اللخمي عن ابن شعبان عن مالك

стр. 2386

عدم تصديقه في ذهاب الحيوان والعبيد والداوب، اللخمي: وقيل: لا (١) يصدق فيما صغر؛ لأنه لا (٢) يخفى إذا غاب (٣) عليه (٤). قوله: (وَهَل وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ؟ تَرَدُّدٌ) أي: وهل يضمن ما يغاب عليه وإن شرط نفي ضمانه فيه (٥)، تردد، فحكى اللخمي والمازري في شرح التلقين وغيرهما (٦) أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على إعمال الشرط؛ لأن العارية باب معروف، وإسقاط الضمان من المعروف بخلاف الرهن (٧)، وفي المقدمات: أن الشرط باطل، وعليه الضمان، قال: (٨) وقاله ابن القاسم في بعض روايات (٩) المدونة، وهو أيضا لأشهب وابن القاسم من رواية أصبغ عنهما في بعض الروايات من كتاب العارية (١٠)، وحكى المازري في كلامه على المدونة في ذلك قولين. قوله: (لا غَيْرُهُ) أي: لا غير المغيب عليه، فإنه لا يضمنه كالدور والأرضين ونحوها (١١) إلا أن يظهر كذب المستعير كما سيذكره. قوله: (وَلَوْ بِشَرْطٍ) أي: لا ضمان على المستعير في غير المغيب عليه، ولو بشرط، أي: ولو شرط عليه ضمانه، وهو قول مالك وجميع أصحابه إلا مطرف، فإنه قال: إن شرط ذلك لأمر خافه من طريق أو نهر أو لصوص وشبه ذلك، فالشرط لازم إن عطب في الأمر الذي خافه وإلا لم يضمن (١٢).

стр. 2387

قوله: (وَحَلَفَ فِيما عُلِمَ أنّه بلا سَبَبِهِ (١)، كَسُوسٍ أنّه مَا فَرَّطَ) ابن شاس: ولا ضمان عليه فيما علم أنه من غير سببه كالسوس في الثوب، وصدقه في كتاب محمد مع يمينه أنه ما أضاعه، ولا أراد فسادا (٢)، التونسي: وكذلك الفأر على هذا يقرض الثوب (٣)، وسوى اللخمي بين الفأر والسوس والحرق بالنار في الضمان؛ لأن الغالب أن النار لا تبلغه (٤) إلا بفعله، إلا أن يعلم أنه من غير فعله، والسوس إنما يحدث من ترك لبسه (٥)، ولو لبسه لم يسوس وقرض الفأر إنما يحدث لأمر كان من اللباس من رائحة طعام ونحوه (٦). (المتن) وَبَرِئَ فِي كَسْرِ كَسَيْفٍ، إِنْ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ، أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَ مِثْلِهِ، وَفَعَلَ الْمَأْذُونَ، وَمِثْلَهُ وَدُونَهُ، لَا أَضَرَّ. وَإِنْ زَادَ مَا تَعْطِبَ بِهِ مثلها، فَلَهُ قِيمَتُهَا، أَوْ كِرَاؤهُ، كَرَدِيفٍ، وَاتُّبِعَ إِنْ أَعْدَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالإِعَارَةِ، وَإِلَّا فَكِرَاؤُهُ، وَلَزِمَتِ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لانْقَضَائِهِ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ. وَلَهُ الإِخْرَاجُ فِي كَبِنَاءٍ، إِنْ دَفَعِ مَا أَنْفَقَ، وَفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ، وَهَلْ خِلَافٌ؟ أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ؟ أَوْ إِنْ طَالَ؟ أوْ إِنِ اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ. (الشرح) قوله: (وَبَرئَ في كَسْرِ كسَيْفٍ، إِنْ شُهِدَ له أنّه مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ، أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَ مِثْلِهِ) قال في الجواهر: ولو أتى بالسيف مكسورا وذكر أنه انكسر في (٧) الضرب به أو الفأس، يقول إنه انكسر في استعماله فيما أذن له في استعماله (٨) في العارية، فقال ابن القاسم: لا يقبل إلا أن تقوم له بيّنة في اللقاء بالسيف، فيصدق، وقال سحنون: لا يصدق حتى

стр. 2388

تقوم (١) البينة أنه ضرب به ضربا يجوز له وقال عيسى (٢): يصدق إذا جاء به مكسورا، وقد أذن له في العمل به ما يمكن إذا عمل به أن ينكسر (٣)، وحكى في البيان في ذلك أربعة أقوال، مذهب ابن القاسم في العتبية وابن وهب: لا يصدق إلا ببينة، وقال عيسى: يصدق إذا أتى بما يشبه ونحوه عن مطرف وعبد الملك، واختاره ابن حبيب، وقال في المدونة: إن كانت له بينة أنه كان معه في اللقاء صدق، وإلا فلا، وقال سحنون: إلا أن تكون له بينة أنه ضرب به باللقاء ضربا يجوز له (٤)، وظاهر كلامه هنا أن القول الذي حكاه خارج عن هذه الأقوال؛ لأنه شرط في نفي الضمان أحد أمرين: إما كونه كان معه في اللقاء أو يكون قد ضرب به ضرب مثله، وعلى هذا يكون قولا خامسا، ويحتمل أن يكون كلامه شمل شيئين أحدهما بطريق التنصيص وهو السيف، والثاني بطريق التضمين كالفأس ونحوها، وهو الذي اقتضاه (٥) كاف التشبيه، وعليه يكون قوله (أَنَّه مَعَهُ فِي الَّلقَاء) عائد على السيف ونحوه (٦)، وقوله: (أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَ مِثْلِهِ) عائد على الفأس ونحوها، ويصير موافقا لما في المدونة. قوله: (وَفَعَلَ المَأْذُونَ، وَمِثْلَهُ وَدُونَهُ) أما فعل المأذون (٧) فيه فلا إشكال فيه، وكذلك ما هو مماثل له (٨)، كما إذا أعاره الدابة يحمل عليها حنطة، فحمل عليها عدسا ونحوه مما هو مساو، وقال في المدونة: أو كتانا أو قطنا في مكان بز، ومثل ذلك أيضا ما إذا حمل عليه (٩) دون ما استعارها له، فإن استعارها لحمل حنطة فحمل عليها حجارة فهو ضامن (١٠)؛ إذ لا يجوز له ذلك، وإليه أشار بقوله:

стр. 2389

(لا أَضَرَّ) (١) قال في المدونة: وكل ما حمل مما هو أضر مما استعارها له فعطبت فهو ضامن (٢). قوله: (وَإِنْ زَادَ مَا تعطِبَ بِهِ مثلها (٣) فَلَهُ قِيمَتُهَا، أَوْ كِرَاؤُهُ (٤)) أي: فإن استعارها لحمل شيء فزاد عليها زيادة تعطب بمثلها خير المعير إذا عطبت بين أخذ قيمة الدابة يوم التعدي، ولا شيء له غير ذلك، أو (٥) يأخذ كراء فضل الضرر ولا شيء له غيره ابن يونس: ومعرفة ذلك (٦) يقال كم يساوي (٧) كراءها فيما استعارها له، فإن قيل: عشرة، قيل: وكم يساوي كراءها فيما حمل عليها، فإن قيل: خمسة عشر دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعارها له، قال: وإن. زاد ما لا تعطب بمثله فليس له إلا كراء الزيادة (٨). قوله: (كَرَدِيفٍ) يريد: أن حكم الرديف حكم الزيادة، فإذا عطبت به خير المعير (٩) كما تقدم، وقاله (١٠) في المدونة (١١). قوله: (وَأُتْبعَ إِنْ أَعْدَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالإِعَارَةِ) أي: واتبع الرديف إن لم يعلم بالإعارة في عدم المستعير، فإن علم الرديف بذلك فهو أيضا متعدٍّ، ولرب الدابة أن يغرم من شاء منهما. قوله: (وَإِلا فَكِرَاؤُهُ) أي: وإن لم يكن الزائد (١٢) مما تعطب بمثله الدابة (١٣)، فليس

стр. 2390

لرب الدابة إلا كراء الزائد، وقد تقدم. قوله: (وَلَزِمَتِ المقيدة بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لانْقِضَائِهِ) يريد: أن العارية إذا كانت مقيدة بعمل كزراعة بكذا (١) أو ركوب لمكان ونحوه أو بأجل معلوم فهي لازمة إلى انقضاء ذلك. قوله: (وَإِلا فَالمُعْتَادُ (٢)) أي: وإن لم تكن مقيدة بشيء مما تقدم فإنها تلزم إلى مدة ينتفع بها فيها الانتفاع المعتاد بمثلها عند استعارتها، ورواه الدمياطي عن ابن القاسم (٣). ابن يونس: وهو الصواب؛ لأن العرف كالشرط (٤). ابن شاس: وقال أشهب: العير (٥) بالخيار في تسليم ذلك أو إمساكه ثم إن أسلمه كان له أن يسترده، وإن قرب. وقال أبو الفرج: أرى ما روي من وجوب العارية بالقول دون القبض إنما هو فيما عدا الأرضين (٦)، وروى الدمياطي عن أشهب أن للمعير ذلك إن عرضت له حاجة إلى بيع ذلك و (٧) الانتفاع به، وأما إن كان لشر (٨) حدث بينهما فلا. قوله: (وَلَهُ الإِخْرَاجُ في كَبِنَاءٍ، إِنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، وَفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ، وَهَل خِلافٌ، أَوْ قِيمَتُهُ إِن لَمْ يَشْتَرِه (٩)، أَوْ إِنْ طَالَ أَوِ إن (١٠) اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ (١١) كَثِيرٍ؟ تأويلات (١٢)) أي: وللمعير إخراج المستعير في البناء ونحوه، وهو الغرس إن دفع له ما أنفق على ذلك،

стр. 2391

وقاله في المدونة، في باب (١) العارية، وفيها (٢) في باب آخر بعده قيمة ما أنفق، واختلف الأشياخ هل هو اختلاف من القول أو ليس بخلاف، واختلف القائلون بهذا فمنهم من قال: قيمة ما أنفق إذا أخرج من عنده شيئا من آجر وجير ونحوه ولم يشتره (٣)، وما أنفق إن دفع من عنده ثمنا فاشترى به هذه الأشياء، ومنهم من قال: قيمة ما أنفق (٤) إذا طال الأمد (٥)؛ لأنه (٦) يتغير بانتفاعه، وما أنفق إذا كان بالقرب جدا كاليوم واليومين (٧)، ومنهم من قال: قيمة ما أنفق إذا اشترى ذلك بتغابن، وما أنفق إذا لم يشترِ ذلك (٨) بتغابن، انظر الكبير (٩). (المتن) وَإِنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ أو الْغَرْسِ فَكَالْغَصْبِ، وَإِنِ ادَّعَاهَا الآخِذُ وَالْمَالِكُ: الْكِرَاءَ: فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ، إِلَّا أَنْ يَأْنَفَ مِثْلُهُ كَزَائِدِ الْمَسَافَةِ إِنْ لَمْ يَزِدْ، وَإِلَّا فَلِلْمُسْتَعِيرِ فِي نَفْي الضَّمَانِ وَالْكِرَاءِ، وَإنْ بِرَسُولٍ مُخَالِفٍ كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لاسْتِعَارَةِ حُلِيٍّ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ؛ إِنْ صَدَّقَهُ، وَإِلَّا حَلَفَ وَبَرِئَ، ثُمَّ حَلَفَ الرَّسُولُ وَبَرِئَ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْعَدَاءِ ضَمِنَ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ فِي ذِمَّتِهِ إِنْ عَتَقَ. وَإِنْ قَالَ أَوْصَلْتُهُ لَهُمْ فَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الْيَمِينُ. وَمُؤْنَةُ أَخْذِهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، كَرَدِّهَا عَلَى الأَظْهَرِ، وَفِي عَلَفِ الدَّابَّةِ قَوْلَانِ. (الشرح) قوله: (وَإِنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ البِنَاءِ أو الغَرْسِ فَكَالغَصْبِ (١٠)) أي: فإن أعاره الأرض مدة معلومة لبناء أو غرس ففعل ثم انقضت تلك المدة، فإن الحكم فيها حينئذ يصير

стр. 2392

كحكم من غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس فيها أشجارًا، فللمعير أن يدفع له قيمة البناء أو الغرس مقلوعًا بعد أن يحاسبه بأجرة القلع وتسوية الأرض أو يأمره بقلعه، فإن لم تكن له قيمة أخذه بغير ثمن. قوله: (وَإِنِ ادَّعَاهَا الآخِذُ وَالمَالِكُ الكِرَاءَ فَالقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ) أي: وإن ادَّعى الآخذ الشيء بالعارية (١) وادعى المالك الكراء أي: أنه أكراه له فإن القول قول المالك مع يمينه، ابن يونس: لأنه ادعى عليه معروفًا، وهذا ما لم يكذبه (٢) العرف بأن يكون شرف المالك يأبى الكراء من غيره، ويأنف من مثل هذا (٣)، وهو معنى قول ابن القاسم وأشهب في المدونة في كتاب العارية، وإليه أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَأْنَفَ مِثْلُهُ عنه) أي: عن كراء دابته، وعن أشهب أيضا أن القول قول المالك، إلا أن يكون عظيم القدر شريفا يأنف مثله بكراء دابتة، فيصدق الراكب مع يمينه، فإن نكل حلف المالك وأخذ الكراء الذي زعم أنه أكراها به، فإن نكل أخذ كراء مثلها (٤)، ولابن كنانة: إن كان المالك معروفا بكراء الدواب حلف وأخذ الكراء (٥) إن ادّعى ما يشبه، وإن لم يعرف ذلك حلف الآخذ (٦) أنها عارية، ولا شيء عليه (٧). قوله: (كَزَائِدِ المَسَافَةِ إِنْ لَمْ يَزِدْ) يعني: وكذلك يكون القول قول المالك إن ادعى أن المستعير زاد على المسافة المشترطة، وقال المستعير: لم أزد على ذلك شيئا. قوله: (إِنْ لَمْ يَزِدْ) أي: إن لم يركب الأبعد، ومثاله أن يقول المالك: أعرتها لك (٨) من مصر إلى العقبة، ويقول الآخذ (٩): بل إلى الينبوع (١٠)، فإن وقع تنازعهما بالعقبة صدق

стр. 2393

المالك مع يمينه؛ لأن المستعير لم يزد، أي: لم يركب النهاية (١)، فهو مدع على المالك زيادة والأصل عدمها، وإن وقع تنازعهما قبل الركوب فكذلك، إلا أن المالك إذا حلف خير المستعير بين أن يركب إلى الموضع الذي حلف عليه المالك أو يترك وينزل (٢). قوله: (وَإِلا فَلِلمُسْتَعِيرِ في نَفْيِ الضَّمانِ وَالكِرَاءِ) أي: فإن ركب المستعير الزائد (٣)، كان القول قوله في نفي الضمان إذا عطبت الدابة فيه، وفي نفي الكراء إذا رجعت سالمة وهو قول ابن القاسم (٤)، وقال أشهب (٥): القول قول المستعير في نفي الضمان وقول المعير في الكراء (٦)، وبه قال سحنون (٧)، وعن ابن القاسم أن القول قول المعير إن اختلفا بعد الرجوع بخلاف ما إذا كان معه في سفره، فاختلفا بعد الرجوع (٨). قوله: (وَإِنْ بِرَسُولٍ مُخَالِفٍ) يريد: أنه لا فرق في حكم المسألة بين أن يكون المعار (٩) قبضه رسول المستعير أو قبضه المستعير بنفسه، ولا فرق بين أن يكون الرسول مصدقا للمستعير أو المعير أو مكذبا لهما؛ لأنه إنما شهد على فعل نفسه. قوله: (كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ) أي: وكذا يكون القول قول المستعير مع يمينه إذا ادعى أنه رد ما لا يغاب عليه، وقد نصّ ابن المواز على ذلك، فقال: كل من يقبل قوله في التلف يقبل قوله في الرد؛ لأنه لو كان كاذبا في الرد لأمكنه أن يكذب في الضياع، أما إذا ادّعي الرد فيما يغاب عليه لم يصدق. قوله: (وَإِنْ زَعَمَ أنّه مُرْسَلٌ لاسْتِعَارَةِ حُلِيٍّ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ، إِنْ صَدَّقَهُ، وَإِلا حَلَفَ وَبَرِئَ ثم حلف الرسول وبرئ، وإن اعترف بالعداء ضمن الحر

стр. 2394

والعبد في ذمته إن عتق، وإن قال: أوصلته لهم فعليه وعليهم اليمين)، هذا كقوله في العتبية عن ابن القاسم في الأمة أو الحرة تأتي قوما تستعير منهم حليا لأهلها، وتقول لهم (١): بعثوني فتلف (٢) فإن صدقها أهلها فهم ضامنون، ويبرأ الرسول، وإن جحدوا حلفوا وبرئوا وحلف (٣) الرسول لقد بعثوه (٤) وبرئ، وإن أقر الرسول أنه تعدى وهو حر ضمن، وإن كان عبدًا كان في ذمته إن عتق يومًا ما، ولا تلزم رقبته بإقراره، وإن (٥) قال الرسول: أوصلت ذلك إلى من بعثني لم يكن عليه، وعليهم إلا اليمين، ثم حكى (٦) عن أشهب من رواية سحنون (٧): أن العبد إذا قال: أرسلني سيدي وأوصلت العارية إليه أو تلفت (٨) والسيد منكر فذلك في رقبته كالجناية ولو كان حرًّا كان في ذمته، قال (٩): وسألت عنها ابن القاسم فقال: إن أقر السيد غرم، وإن أنكر كان (١٠) ذلك (١١) في رقبة العبد؛ لأنه خدع القوم (١٢)، أبو محمد: أراه (١٣) إذا ثبت أخذه له أي: ببينة. قوله: (وَمُؤْنَةُ أَخْذِهَا عَلَى المُسْتَعِيرِ كَرَدِّهَا عَلَى الأَظْهَرِ) يريد: أن أجر (١٤) حمل العارية على المستعير، وقاله في المقدمات (١٥)، ثم قال: واختلف في أجرة ردها، فقيل: على

стр. 2395

المستعير وهو الأظهر، وقيل: على المعير وهو شاذ (١)؛ لأن العارية معروف فلا يكلف أجرةً بعد معروف صنعه (٢). قوله: (وَفي عَلَفِ الدَّابَّةِ قَوْلانِ) أبو الحسن الصغير، قيل: هو على المعير، وقيل: على المستعير (٣). * * *

стр. 2396

باب [في الغصب] (المتن) بَابٌ الْغَصْبُ: أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا، بِلا حِرَابَةٍ، وَأُدِّبَ ممَيّزٌ، كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ، وَفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلانِ، وَضَمِنَ بِالاِسْتِيلاءِ، وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ. كَأَنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا، أَوْ رَكِبَ، أَوْ ذَبَحَ، أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً، أَوْ أكلَ بِلا عِلْمٍ، أَوْ أَكرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا. وَقدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي، إِلَّا لِمُعَيَّنٍ فَسِيَّانِ، (الشرح) (الْغَصْبُ: أَخْذُ مَالٍ، قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلا حِرَابَةٍ (١)) قوله: (أخذ مال) كالجنس، (وقهرًا (٢)) فصل (٣) يخرج به ما لا (٤) يؤخذ لا على سبيل (٥) القهر كأخذ الشخص متاعه من مودع أو غيره، وأخذ المشتري المبيع من بائعه، وأخذ البائع الثمن منه، وأخذه ماله من وكيله ونحو ذلك، واحترز بقوله: (تَعَدِّيًا) مما يستخلصه الشخص من ماله الذي في يد الغاصب أو متعدو (٦) ما يأخذه الإمام من الزكاة من الممتنع من إخراجها، ولما كانت هذه القيود كلها تشمل (٧) الحرابة وتنطبق (٨) عليها، قال (بِلا حِرَابَةِ) ليخرجها. قوله: (وَأُدِّبَ مُمَيِّزٌ) يريد: بعد أخذ ما غصبه إن كان باقيًا بيده قال في المقدمات: وإن كان الغاصب صغيرًا لم يبلغ الحلم سقط عنه الأدب الواجب لحق الله تعالى، وقيل: إن الإمام يؤدبه كما يؤدب الصغير في المكتب (٩). ولم يحك في البالغ خلافًا أن الإمام يؤدبه ويسجنه بحسب اجتهاده. قوله: (كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ) أي: كمدعي الغصب على رجل صالح، فإنه يؤدب،

стр. 2397

ومراده بالصالح الذي لا يتهم، وهكذا نص عليه ابن القاسم في المدونة (١). قوله: (وَفي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلانِ) أي: فإن كان المدعي عليه الغصب مجهول الحال فاختلف هل يلزم باليمين أنه ما غصبه أم لا، وهو الظاهر، وقاله أشهب (٢). قوله: (وَضَمِنَ بِالاسْتِيلاءِ) أي: وضمن الغاصب المميز (٣) أي: إما (٤) بالمباشرة كالقتل والأكل والإحراق ونحو ذلك، أو بإثبات اليد العادية كالنقل (٥) في الحيوان والعروض ووضع اليد على الدور والأرضين، ولا خلاف في ذلك عندنا. قوله: (وَإِلا فتَرَدُّدٌ) أي: وإن لم يحصل شيء من ذلك فتردد الأشياخ في الضمان هل يجب أم لا (٦)؟ قوله: (كَأنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا) قال في النوادر عن مالك فيمن غصب عبدًا فمات من ساعته بغير تباعد فهو ضامن له حين أخذه بغير حق تعديًا، ومثله الدابة والدار تنهدم قبل سكناها من ساعة الغصب (٧)، ومثل هذا ما إذا قتل العبد شخصًا فاقتص له منه وهو معنى قوله: (أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا). قوله: (أَوْ رَكِبَ) أي: ركب الدابة بعد أن غصبها فعطبت فإنه يضمنها ولو بأمر من الله تعالى. قوله: (أَوْ ذَبَحَ) أي: غصب شاة أو بعيرًا أو نحو ذلك فذبحه ولا إشكال في تضمينه. قوله: (أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً) وإنما ضمنه هنا لأنه حالة الجحود متعدٍّ، وقد تقدم ذلك في باب الوديعة. قوله: (أَوْ أَكَلَ بِلا عِلْمٍ) كما إذا غصب إنسان طعامًا ثم أضاف شخصًا فقدم له

стр. 2398

ذلك الطعام فأكله عند الغاصب فإن الآكل يضمنه. قوله: (أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ) أي: وهكذا يضمن من أكره غيره على إتلاف مال غيره، وقال سحنون: إن شاء أخذ به الآمر أو المأمور (١)، ونحوه لابن دينار. قوله: (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا) أي: وكذلك يضمن من حفر بئرًا تعديًا (٢) إما في ملك غيره أو في طريق المسلمين أو قصد الإهلاك لشخص، ونبه بالتعدي على أنه لو حفرها في ملكه لمصلحة (٣) أنه لا شيء عليه فيما تلف فيها. قوله: (وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي) يريد: أن المردي وهو الذي يدفع من وقف على حافة البئر فيها يقدم على الحافر لأن المباشر عندنا يقدم على المتسبب وليس المسبب (٤) هنا قويًّا حتى يضمنا معًا (٥) كالإكراه، ولهذا إذا قوي السبب تعادلا وتساويا في الضمان، كما إذا حفرها لشخص معين فوقف له (٦) على شفيرها فرداه آخر، وإليه أشار بقوله: (إِلا لمُعَيَّن (٧) فَسِيَّانِ) أي: في الضمان. (المتن) أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ ليلا فَأَبَقَ أَوْ عَلَى غَيرِ عَاقِلٍ، إِلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبّهِ، أَوْ حِرزًا الْمِثْلِيٍّ، وَلَوْ بِغَلاءٍ بِمِثْلِهِ وَصَبَرَ لِوُجُودِهِ، وَلِبَلَدِهِ وَلَوْ صَاحَبَهُ، وَمُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ وَلا رَدَّ لَهُ، كَإجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ، وَقَالَ: أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ، كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ، وَطِينٍ لُبِنَ، وَقَمْحٍ طُحِنَ، وَبَذْرٍ زُرعَ، وَبَيْضٍ أُفْرِخَ، لا مَا بَاضَ إِنْ حَضَنَ، وَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، وَإِنْ تَخَلَّلَ خُيّرَ، كَتَخَلُّلِهَا لِذِمّيٍّ، وَتَعَيَّنَ لِغَيرِهِ، وَإِنْ غصب، كَغَزْلٍ وَحَلْيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، (الشرح) قوله: (أَوْ فتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ ليلا فَأَبَقَ) هكذا في الجواهر عن (٨) ابن القاسم قال ولو فتح

стр. 2399

قفصا لغيره بغير إذنه فطار حتى لم يقدر أو حل دابة من ربطها فهربت أو عبدا مقيدا خوف الهروب فهرب ضمن في جميع ذلك لأنه فعل سببا للإتلاف وقوله لئلا يأبق أي قيد خوف الإباق فلو قيد لا لذلك فهرب لم يضمن (١) إلا أنه لم يقيده بالليل (٢) ولا غيره، قال (٣): وسواء كان الهروب عقب (٤) الفتح أو بعد مهلة (٥). قوله: (أَوْ عَلَى غيرِ عَاقِلٍ، إِلا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ (٦)، أَوْ حِرْزًا) أي: أو فتح بابًا على غير عاقل من بهيمة (٧) أو غيرها (٨)، ابن شاس: وأما من فتح باب دار فيها دواب (٩) فذهبت فإن لم يكن فيها أربابها ضمن، أو كانوا فيها لم يضمن، وقال أشهب: إن كانت الدواب التي فيها مسرحة (١٠) ضمن وإن كان رب الدار فيها (١١) واختاره جماعة، والأول مذهب ابن القاسم في المدونة، وشبهه بالسارق يدع الباب مفتوحا وأهل الدار فيها نيام أو غير نيام (١٢)، فإنه لا ضمان فيها على السارق فيما ذهب منها، وأما إن لم يكونوا فيها فإنه يضمن (١٣)، وإليه أشار بقوله: (أَوْ حِرْزًا) أي: وكذا يضمن إن فتح حرزًا فذهب منه شيءٌ مما فيه. قوله: (المِثْلِيّ (١٤) وَلَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ) هذا (١٥) معمول لقوله: (وضمن)

стр. 2400

أي: وضمن المثلي بمثله، والمعني أن المثلي وهو (١) المكيل والموزون والمعدود إذا غصبه فتعيب عنده أو تلف فإنه يضمن مثله (٢) لربه، ولو أتلفه في زمان الغلاء ثم حكم عليه في زمان الرخاء، وهو المشهور، وقيل: يضمن قيمته يوم الغلاء، قيل: وهو مخرج على أن الغاصب يضمن أعلى القيم. قوله (وَصَبَرَ لِوُجُودِهِ) أي: وحيث حُكم عليه بالمثل فإن وجده فلا كلام، وإلا صبر حتى يوجد وقاله ابن القاسم. اللخمي (٣)، وقال أشهب: ربه بالخيار بين أن يصبر حتى يوجد المثلي أو يأخذه بالقيمة (٤) الآن (٥). قوله: (وَلِبَلَدِهِ) هو معطوف على قوله: (وَصَبَرَ (٦) لِوُجُودِهِ) أي: وكذا يصبر لبلده، ومراده أن الغاصب إذا وجد المغصوب منه في غير (٧) بلد (٨) الغصب (٩) فإنه يصبر حتى يرجع إلى بلده فيأخذ منه ذلك، وكذلك لو وجد معه ذلك المثلي بعينه ببلد آخر لم يكن له إلا المثل في بلد الغصب وليس له أخذه وهو قول ابن القاسم في المدونة (١٠)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ صَاحَبَهُ) أي: ولو كان المثلي بصحبة (١١) الغاصب في غير البلد، وروى محمد وأصبغ عن أشهب أن ربه مخير بين أخذه أو أخذ الغاصب به في مكان الغصب (١٢)، وقال أصبغ: إن كان البلد (١٣) بعيدًا فكما قال ابن القاسم: وإن كان قريبًا

стр. 2401

أخذه ويحمل على الظالم بعض الحمل (١) وهو استحسان. قوله: (وَمُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ) أي: ومنع الغاصب من المثلىِ حتى يتوثق رب الحق منه، إما برهن أو حميل، ولا خلاف فيه. قوله: (وَلا رَدَّ لَهُ) يحتمل أن يريد أن المغصوب منه (٢) إذا حكم له (٣) بالقيمة لعدم المثل (٤) على القول بذلك، ثم وجد المثل (٥) أنه لا يرد (٦) له لأنه حكم مضى، ويحتمل أن يريد أنه ليس له أن يلزم الغاصب أن يرد المثل إلى بلد الغصب إذا وجد معه في غيره، وإنما يلزمه مثله في بلد الغصب كما تقدم، ويحتمل غير ذلك. قوله: (كَإِجَازَتهِ (٧) بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ، وَقَالَ أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ) أي: وكذلك ليس له الرد فيما أجازه مما باعه الغاصب معيبًا ثم زال (٨) عيبه عند المبتاع، ولا حجة له إن قال: إنما أجزت ظنًا مني أن ذلك العيب لا يزول وهو كقوله في المدونة: ومن غصب أمة في عينها بياض فباعها ثم ذهب البياض عند المبتاع فأجاز ربها البيع ثم علم بذهاب البياض فقال: إنما أجزت البيع ظنا أن ذلك العيب لا يزول (٩)، ولا أعلم بذهاب البياض، وأما الآن فلا أجيز البيع (١٠)، لم يلتفت إلى قوله ولزمه البيع (١١). قوله: (كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ) يريد: أن الغاصب إذا صاغ الفضة التي غصبها حليا أو ضربها دراهم أو نحو ذلك فليس لربها أخذ ذلك مصوغا وإنما له مثله وزنًا وصفة،

стр. 2402

وإليه ذهب ابن القاسم (١) وأشهب (٢)، وحكي ابن حبيب: عن ابن الماجشون أن ربها مخير إن شاء أخذ ذلك، أو ضمنه القيمة، ولا حجة له بالصنعة (٣) لقوله ﵇: "ليس لعرق ظالم حق" (٤). قوله: (وَطِينٍ لُبِنَ) هو معطوف على قوله: (كَنُقْرَةٍ) وقوله: (لُبِنَ) أي: ضرب لبنا، ومراده أن من غصب طينا فضربه لبنا فليس عليه إلا مثله، يعني: إن كان معلوم القدر وإلا فقيمته، ولا يبعد على قول ابن الماجشون أن يأخذ اللبن إن شاء قياسًا على النقرة إذا صاغها. قوله: (وَقَمْحٍ طُحِنَ) أي: وكذلك إذا طحن الغاصب القمح فليس لربه إلا أخذ مثله، وقاله ابن القاسم في المدونة (٥)، وقال أشهب: فربه مخير إن شاء أخذ المثلي أو أخذه مطحونا بلا غرامة (٦)، واختاره جماعة، والقولان لمالك (٧). قوله: (وبَذْرٍ زُرعَ) لا خلاف أن الغاصب إذا غصب البذر فزرعه أن عليه مثله من سائر الحبوب والمزروعات. قوله: (وَبَيْضٍ أُفْرِخَ) هذا كقول أشهب: ومن غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة فخرج منها فرخ فعليه بيضة مثلها، والفرخ للغاصب، وقال سحنون: والفرخ لرب البيضة، وعليه قدر كراء ما حضنته دجاجته (٨). قوله: (لا (٩) مَا بَاضَ، إِنْ حَضَنَ) أي: فإن الفراخ تكون (١٠) لربه لا للغاصب، وهو

стр. 2403

كقول أشهب في المجموعة والموازية (١): ولو غصب دجاجة فباضت عنده وحضنت بيضها فما خرج (٢) من الفراخ فلربها أخذه كالولادة (٣)، وفهم من قوله: (إِنْ حَضَنَ) أنه لو حضن بيضها تحت غيرها فلا تكون الفراخ للمغصوب منه، وهو كذلك، وقاله في النوادر وغيرها عن المجموعة والموازية (٤)، انظر الكبير. قوله: (وَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ) أي: فإن غصب عصيرًا فصار عنده خمرًا لزمه مثل العصير، لأنه انقلب إلى ما لا يجوز تملكه، وهذا إذا كان العصير (٥) معلوم القدر، وإلا فعليه قيمته. قوله: (وَإِنْ تخلَّلَ خُيِّرَ) أي: وإن صار العصير خلًّا عند الغاصب فإن ربه مخير، إن شاء أخذ مثله وإن شاء أخذه بعينه لأنه لم يتغير في ذاته، وإنما انتقل من صفة إلى صفة. قوله: (كَتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ) أي: كتخلل الخمر المغصوبة من الذمي، فإن الذمي يخير في أخذ (٦) الخل وتركه (٧)، وظاهره أنه يخير في أخذ المثل (٨) وليس كذلك، وإنما يخير في أخذ الخل أو قيمة الخمر وهو الأشهر، وبه قال أشهب (٩)، وقال عبد الملك: يتعين الخل كما لو كانت لمسلم، وإذا قلنا بالقيمة، فقال ابن القاسم: يقومها من يعرف القيمة من المسلمين (١٠)، وبه أخذ سحنون، وعن ابن القاسم أيضًا: يقومها (١١) أهل دينه (١٢)، ولا خلاف أن الخمر لو كانت لمسلم فغصبت فتخللت أن الخل يتعين، وإليه أشار بقوله:

стр. 2404

(وَتَعَيَّنَ لِغَيْرِهِ) أي: تعين الخل (١) لغير الذمي إلا أنه يتناول الحربي والمعاهد ونحوهما ممن ليس من أهل الذمة وليس كذلك (٢) بل (٣) حكمهما في ذلك حكم الذمي، ولهذا لو قال: كتخللها لكافر وتعين لغيره لكان أحسن. قوله: (وَإِنْ غصب (٤) كَغَزْلٍ وَحَلْيٍ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) لما فرغ من الكلام على المثلي شرع في الكلام على المقوم، وذكر أن الواجب فيه القيمة، وهو المعروف من المذهب، وفي المنتقى رواية عن مالك أنه يضمن فيه (٥) المثل كالمثلي (٦)، المازري (٧): وهو وهم منه أو من الرواة الذين ذكروا ذلك عنه (٨)، والمشهور أن القيمة يوم الغصب كما قال، ولأشهب وعبد الملك وابن وهب فيما حكاه عنهم غير واحد أنه يضمن أعلى القيم لأنه في كل وقت غاصب فلرب المغصوب أن يدفع عنه حكم العداء (٩) في زمن ويأخذه به في زمن آخر، وما ذكره من أن الحلي يضمن قيمته، هو قول ابن القاسم كما قال في الغزل، وقال أشهب: لا يضمن فيهما إلا المثل، ولما كان حكم هاتين المسألتين حكم ذوات القيم أضافهما (١٠) إلى ذلك ومثلهما أيضا، المثلي (١١) الجزاف إذا تلف (١٢) فإنه يقضى فيه بالقيمة (١٣).

стр. 2405

(المتن) وَإِنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ، أَوْ كَلْبًا وَلَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا، وَخُيِّرَ فِي الأَجْنَبِيّ فَإِنْ تَبِعَة تَبِعَ هوَ الْجَانِي، فَإِنْ أخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزَّائِدُ مِنَ الْغَاصِبِ فَقَطْ، وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ، وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ، وَصَيْدُ عَبْدٍ، وَجَارِحٍ، وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ، كَمَرْكَب نخِرٍ، وَأَخَذَ مَا لا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ، وله صَيْدَ شَبَكَةٍ، وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ، وَهَل إِنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فَبِهِ؟ أَوْ بِالأكثَرِ مِنْهُ وَمِنَ الْقِيمَةِ؟ تَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (وإنْ جِلْدَ مَيْتَةِ لَمْ يُدْبَغْ أَوْ كَلْبًا وَلَوْ قتَلَهُ تَعَدِّيًا) يشير إلى قوله في المدونة عن ابن القاسم: ومن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فعليه إن أتلفه قيمته ما بلغت كما لا يباع (١) كلب ماشية أو زرع أو ضرع وعلي قاتله قيمته ما بلغت أي ولو قتله تعديا (٢)، وروى أبو (٣) الفرج البغدادي عن مالك أنه لا شيء (٤) في جلد الميتة، وقال إسماعيل إلا أن يكون لمجوسي (٥). قوله: (وَخيِّرَ فِي الأَجْنَبِيِّ) يريد: أن الأجنبي إذا أتلف المغصوب فإن ربه يخير بين أن يأخذ القيمة من الجاني يوم (٦) الجناية وبين أخذ الغاصب بذلك يوم الغصب بخلاف ما إذا كان الجاني هو الغاصب نفسه فإن المغصوب منه ليس له إلا قيمته يوم الغصب (٧) وهو قول ابن القاسم وأشهب (٨)، وعن ابن القاسم أيضًا أن (٩) له أخذه بالقيمة يوم القتل (١٠) كالأجنبي. قوله: (فَإنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الجْانِيَ) أي: فإن اختار المغصوب منه اتباع الغاصب

стр. 2406

وتبعه (١) وأخذ منه القيمة فإنه له حينئذ أن يتبع الجاني بقيمة المغصوب يوم الجناية إذا تساوت القيمتان، فإن اختلفتا فما أشار إليه بقوله: (فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزائِدُ مِنَ الْغَاصِبِ فَقَطْ) هذا كقول غير واحد من الأشياخ أن المغصوب منه إذا أخذ من الجاني القيمة يوم الجناية وكانت أقل من القيمة يوم الغصب فإنه يرجع على الغاصب بذلك الزائد، وإن أخذ القيمة أولًا من الغاصب فليس له رجوع على الجاني، يريد: ولا على (٢) الغاصب وهو المشهور، وهو قول ابن المواز (٣) وتأوله بعضهم على قول ابن القاسم في المدونة (٤)، وظاهر ما حكاه محمد عن أشهب أنه يرجع بالزائد على الغاصب إن كان قد أخذ القيمة أولًا من الجاني وعلي الجاني (٥) إن كان قد أخذها أولًا من الغاصب، وظاهر كلام سحنون أنه (٦) لا يرجع مطلقًا (٧). قوله: (وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ) قال ابن القاسم في المدونة: ومن غصب خشبة أو حجرًا فبنى عليها (٨) فلربها (٩) أخذها وهدم البناء (١٠). أبو محمد: والهدم على الغاصب، قيل: وليس للمغصوب منه أخذها إذا كان في ذلك خراب بنيان الغاصب، لأن الذي يدخل عليه في خراب بنيانه أعظم مما يدخل عليه فيها إذا عملها تابوتا، فإذا كان لا يأخذها بذلك فأحرى ألا يأخذها بهذا، وحكي (١١) هذا القول (١٢) ابن حارث عن أشهب.

стр. 2407

قوله: (وَغَلَّةُ مستعمل) أي: وله (١) غلة ما استعمل (٢)، واحترز به (٣) مما إذا عطل (٤) ولم يستعمل ولا استغل (٥) كالدار يغلقها والدابة يحبسها والأرض يبورها فإنه لا شيء عليه عند ابن القاسم (٦)، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم (٧) وأصبغ وابن حبيب: يضمن (٨)، وصوبه بعض (٩) الأشياخ أن عليه غلة المستعمل والمعطل (١٠)، وما ذكره من أن المستغل والمستعمل (١١) يضمن دون ما عطل (١٢) هو المشهور، وقيل: يضمن غلة الرباع والغنم والبقر والإبل دون العبيد والدواب، وهو مذهب المدونة في باب الغصب، وعن مالك عدم الضمان مطلقًا، وعنه أيضًا من رواية أبي الفرج: إن تولى استخدام الرقيق واستعمال الدواب بنفسه لم يضمن بخلاف ما أكراه من غيره، وللأشياخ في تحصيل المذهب في هذه المسألة طرق انظرها في الكبير. قوله: (وَصَيْدُ عَبْدٍ، وَجَارحٍ) يريد: أن من غصب عبدًا أو جارحًا فاصطاد (١٣) به صيدًا فإنه يكون لرب العبد أو الجارح ولا خلاف في ذلك فيما صاده العبد، واختلف في الجوارح كالبازي والكلب على قولين: الأول: أنه كالعبد والثاني: أنه للغاصب إلحاقًا للجوارح بآلات الصيد التي لا تصرف لها كالشباك والسيوف والحبال (١٤) والرماح،

стр. 2408

ويكون على الغاصب فيها أجرة (١) المثل فيما انتفع به، ولا خلاف أن ما صاده بآلة كالشبكة، وما ذكر بعدها يكون له، وعليه الأجرة، وألحقوا بذلك الفرس إذا غصبه واصطاد عليه. قوله: (وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ) يريد أن من غصب أرضًا فبناها دارًا أو نحوها ثم استغلها أو سكنها (٢) فإن لربها أن يأخذ منه كراءها (٣) قوله: (كَمَرْكَبٍ نخر) اختلف إذا غصب مركبًا نخرا (٤) فأصلحه واغتله فقال أشهب وأصبغ: يكون للمالك كراء ذلك الأصل، وما زاد فللغاصب. اللخمي: وهو أبين (٥)، وقال محمد: جميع الغلة للمغصوب منه، وله أخذ ذلك مصلحًا (٦) ولا شيء عليه إلا قيمة ما لو نزعه كانت (٧) له قيمة، ورأى (٨) أن ما أخرجه من قَلْفَطَةٍ (٩) أو زِفْتٍ أن (١٠) لربها أخذه، وإليه أشار بقوله: (وَأَخَذَ مَا لا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ) واحترز بذلك من (١١) مثل الصواري والقلوع والحبال ونحوها، فإن الغاصب يأخذها، فإن كان ذلك بموضع لا غناء له عنه، إذ لا يجد صاريًا ولا حبالًا إلا بهذا (١٢)، أو يجد ذلك (١٣) بموضع لا ينال حمله إليه إلا بمشقة ومؤنة عظيمة، وهو مما لا بد منه مما يجري به (١٤) المركب حتى يرده إلى موضعه (١٥)، فربه مخير

стр. 2409

بين أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيف كان أو يسلمه إليه. قوله: (وله (١) صيد شبكة) أي للغاصب (٢) وعليه لربها أجرة ما انتفع به وهو مما لا خلاف فيه كالسيف والرمح والحبل ونحوه (٣) قوله: (وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ) يريد: أن الغاصب إذا حُكم عليه بالغلة كان له أن يطلب بما أنفق على المغصوب كمؤنة العبد وكسوته وعلف الدابة وسقي الأرض وعلاجها (٤) ونحوه مما لا بد للمغصوب منه فيحاسب المالك بذلك ويسقطه (٥) من الغلة، فإن زادت النفقة لى الغلة لم يرجع على المالك بشيء، ولهذا قال في الغلة أي (٦): إنما تكون النفقة في الغلة لا في غيرها، وقاله في المدونة، وقاله ابن القاسم في كتاب محمد، ثم رجع عنه، وقال: لا شيء للغاصب، واختاره محمد (٧)، والأول أظهر. قوله: (وَهَلْ إِنْ أَعْطَاهُ (٨) فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءَ فَبِهِ (٩)؟ أَوْ بِالأَكثَرِ مِنْهُ وَمِنَ الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف فيمن أتلف لرجل سلعة وقفت على ثمن دفعه فيها غير واحد، هل يلزمه ذلك الثمن أو القيمة، أو الأكثر من الثمن والقيمة (١٠) تردد في ذلك الأشياخ، ففي العتبية عن مالك من رواية ابن القاسم أنه يضمن الثمن ولا ينظر إلى القيمة، وقال سحنون: يضمن القيمة، وقال عيسى: يضمن الأكثر من الثمن (١١) أو القيمة (١٢)،

стр. 2410

وجعله في البيان تفسيرًا لقول مالك، قال: وهو كذا (١) منصوص لمالك، وليس فيه عنده إلا قولان (٢)، وهي عند غيره ثلاثة أقوال على ظاهرها. (المتن) فَإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ، وَمَعَهُ أَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ، لا إِنْ هَزِلَتْ جَارِيةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ، أَوْ دَلَّ لِصًّا، أَوْ أعَادَ مَصُوغًا عَلَى حَالِهِ، وَعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ، كَكَسْرِهِ، أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتِ الذَّاتُ أَوْ أكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً، أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ، أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ، (الشرح) قوله: (فإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيرهِ وَغَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ) يريد: أن المغصوب منه إذا وجد غاصب المقوم في غير محل الغصب وليس معه ذلك المقوم فإن له تضمينه قيمته وهذا مما لا خلاف فيه وله أن يصبر حتى يأخذه في محل الغصب (٣) كالمثلي ويطلب حينئذ الغاصب إلى (٤) الخروج معه أو مع وكيله ليقبض منه ذلك. (٥) قوله: (وَمَعَهُ أَخْذَهُ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ) أي: فإن وجد الغاصب في غير محل الغصب لكن وجد معه ذلك المغصوب المقوم فإنه يأخذه بالشرط المذكور، وحكي في هذه المسألة في المقدمات ثلاثة أقوال: أحدها: أن النقل (٦) فوت فيخير المالك بين أخذ متاعه أو يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب (٧) وهو قول أصبغ (٨)، وحكاه ابن يونس

стр. 2411

والباجي عن أشهب (١)، وهو اختيار محمد، إلا أنه قيده بما بَعُد عن محل الغصب، ابن رشد (٢): والقول الثاني: أن ذلك ليس بفوت فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ متاعه وهو قول سحنون (٣)، والثالث: الفرق بين الحيوان والعروض، فتفوت العروض (٤) فيكون المغصوب منه بالخيار بين الأخذ أو تضمين القيمة يوم الغصب في البلد الذي غصبها فيه، ولا يفوت الحيوان فيأخذه حيث وجده (٥)، وليس له أن يضمن الغاصب قيمته (٦)، قال: وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى كراء عليه (٧)، كالدواب (٨) والوحش من الرقيق، وأما الرقيق (٩) الذي يحتاج إلى كراء عليه (١٠) من بلد إلى بلد فحكمه حكم العروض (١١)، وإلى هذا التقييد أشار بقوله هنا بما ذكر، وحكي ابن الحاجب عن ابن القاسم أنه في الحيوان يلزمه أخذه، وفي غيره يخير بين أخذه وبين قيمته في موضعه (١٢)، وهكذا هو في ابن يونس (١٣)، وقال ابن عبد السلام: إنما هو رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك في المجموعة (١٤)، وظاهره أنه قول رابع، وحكى ابن زرقون عن ابن القاسم أن نقل الحيوان والعروض فوت يوجب له قيمة ذلك حيث وجده (١٥).

стр. 2412

قوله: (لا إِنْ هَزِلَتْ جَارَيةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْد صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ) أي: فليس للمالك غير ذلك. قوله: (ثُمَّ عَادَ) قيد في المسألتين، أي (١): غصب الجارية فهزلت عنده، ثم عادت لهيئتها والعبد نسي الصنعة ثم عاد إليها، ونبه بهذا على أنه لا فرق بين التغير الحسي والمعنوي. قوله: (أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ) أي: فلا يكون لمالكه غيره، وأحرى إذا زادت قيمته بذلك، وقاله في الجواهر، قال: وإن خصاه فنقص ضمن النقص (٢). قوله: (أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ) يريد: أن من جلس على ثوب غيره في الصلاة فقام صاحب الثوب؛ فانقطع الثوب فإن الجالس لا شيء عليه، ولا بد للناس من هذا في مصلاهم ومجالسهم، وقاله عبد الملك وأصبغ. قوله: (أَوْ دَلَّ لِصًّا) أي: دله على مال غيره فأخذه فإن الدال لا شيء عليه، ونقله أبو محمد عن بعضهم، قال: وقال بعض متأخري أصحابنا يضمن (٣). قوله: (أَوْ أَعَادَ مَصُوغًا عَلَى حَالِهِ) يريد: أن من غصب حليًا فكسره، ثم رده على حاله الأول فإنه لا ضمان عليه، وقاله ابن القاسم وأشهب، وقال محمد: يضمن القيمة لأنه بمجرد كسره ضمنه، وهو الظاهر (٤). قوله: (وَعَلى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ) أي: وإن أعاده على غير حالته الأولى فعليه قيمته. قوله: (كَكَسْرِهِ) ظاهره أن الغاصب يأخذ ذلك الحلي الذي كسره ويغرم قيمته لربه وهو الذي رجع إليه في الخلخالين إذا كسرهما وكان أولًا يقول: إنما عليه ما نقصت الصياغة (٥)، وقال في باب الغصب والرهن: عليه (٦) قيمة الصياغة (٧)، يريد: لأن (٨)

стр. 2413

الصياغة (١) كسلعة (٢) مضافة إلى عين (٣) الذهب والفضة، وجعل أبو عمران قيمة الصياغة وما نقصته الصياغة سواء، وإنما يعني بذلك ما بين قيمتهما صحيحين. ابن عبد السلام (٤): ويحتمل أن يكون المراد بما نقصه، ما نقصه (٥) فساد الصياغة من قيمة الجميع مصوغًا، وهو ظاهر كلامه، فيكون في المسألة ثلاثة أقوال (٦). قوله: (أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فتَلِفَتِ الذات (٧)) (معطوف على قوله: "لا إن هزلت" أي فإنه) (٨) أي فلا شيء عليه في تلك الذات، وإنما يضمن المنفعة التي استولى عليها (٩) كما إذا (١٠) غصب منفعة دار أو حانوت فسكنه ثم انهدم فإنما عليه كراؤه، لأنه الذي تعدى عليه. قوله: (أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً) أي: فإن الغاصب لا شيء عليه لأنه متسبب وربه (١١) مباشر، والمباشر مقدم. وقوله: (ضِيَافَةً) أي: أن الغاصب قدم الطعام المغصوب لربه فأكله عنده على سبيل الضيافة، يريد: وسواء علم مالكه أنه طعام أم لا. قوله: (أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ) أي: فإن غصب سلعة (١٢) فنقص سوقها عنده لم يضمن لربها شيئًا ويأخذ سلعته فقط، وهذا هو المشهور، وروى أنه كنقص الدار (١٣) يخير ربها

стр. 2414

بين أخذها أو أخذ قيمتها، ورجحه ابن يونس وغيره. قوله: (أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ) أي: وكذا (١) لا ضمان على من غصب دابته فسافر عليها ثم رجع بها من سفره على حالها لم تتغير، وسواء كان السفر قريبًا أو بعيدًا وهو المشهور، وقيل: يخير ربها بين أخذها أو (٢) أخذ قيمتها، وكذلك حكم السارق. (المتن) وَلَهُ فِي تَعَدِّي كَمُسْتَأْجِرٍ، كِرَاءُ الزَّائِدِ إِنْ سَلِمَتْ، وَإلَّا خُيِّرَ فِيهِ وَفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ وَإِنْ تَعَيَّبَ، وَإِنْ قَلَّ كَكَسْرِ نَهْدَيْهَا أَوْ جَنَى هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ فِيهِ، كَصَبْغِهِ فِي قِيمَتِهِ وَأَخْذِ ثَوْبِهِ، وَدَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ، أَوْ فِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ، وَدَفْعِ قِيمَةِ نُقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يتَوَلَّهَا. وَمَنْفَعَةَ الْبُضْعِ وَالْحُرِّ بِالتَّفْوِيتِ، كَحُرٍّ بَاعَهُ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ، وَغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ. (الشرح) قوله: (وَلَهُ فِي تَعَدِّي (٣) كَمُسْتَأْجِرٍ كِرَاءُ الزَّائِدِ، إِنْ سَلِمَتْ) يريد: أن المستأجر والمستعير ونحوهما إذا تعديا على الدابة بزيادة في المسافة أو قدر في (٤) المحمول، فإنهما يغرمان كراء الزائد إن رجعت الدابة سالمة وهو المشهور، وقيل (٥): ليس له (٦) إلا أخذها فقط، ولا ضمان عليي المتعدي فيها من قيمة أو غيرها، والفرق على المشهور بين هذه ومسألة الغاصب أن المستأجر والمستعير إنما تعديا على المنفعة فيلزمهما ما تعديا عليه، والغاصب إنما تعدى على الذات، وقد رجعت بحالها فلا شيء عليه غيرها (٧). قوله: (وَإِلا خُيِّرَ فِيهِ، وَفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ) أي: فإن لم ترجع سالمة بل حصل فيها عيب ينقصها فإن ربها مخير بين أخذ الكراء مع الدابة أو أخذ قيمتها وقت التعدي.

стр. 2415

قوله: (وَإِنْ تَعَيَّبَ، وَإِنْ قَلَّ ككَسْرِ نَهْدَيْهَا، أَوْ جَنَى هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ (١) فِيهِ) أي: المعيب فإذا تعيب المغصوب (٢) بأمر سماوي فالمغصوب منه مخير في أخذه بغير شيء أو تضمينه القيمة يوم الغصب، فإن تعيب بجناية الغاصب فيخير أيضًا في أخذ قيمته يوم الغصب بحكم الغصب أو أخذ المعيب مع ما نقصه بحكم التعدي، وإن كان بجناية الأجنبي فيخير أيضا في أخذه مع ما نقصه العيب من الجاني أو يأخذ قيمة المغصوب من غاصبه ثم يتبع الغاصب الجاني فيه (٣) أي: وإن تعيب المغصوب بأمر سماوي أو بجناية الغاصب أو أجنبي (٤) فإن ربه يخير فيه كما إذا غصب أمة قائمة النهدين فانكسرا عنده، والمشهور أن العيب (٥) القليل كالكثير، وهو مذهب المدونة، وقيل: لا يضمن ذلك في العيب القليل، نقله ابن (٦) الجلاب (٧)، وهو (٨) مذهب أشهب أن انكسار النهدين يوجب الضمان كما ذكر هنا (٩)، ومذهب المدونة أنه لا فرق بين جناية الغاصب والأجنبي (١٠)، وقال أشهب: ليس لربها إذا جني عليها الغاصب إلا أخذها على حالها بغير أرش جناية أو أخذ قيمتها يوم الغصب (١١)، واختاره محمد وسحنون. قوله: (كَصِبْغِهِ في قِيمَتِهِ وَأَخْذِ ثَوْبِهِ، وَدَفْعِ قِيمَةِ الصَّبغ) أي (في قِيمَتِهِ) متعلق بـ (خُيِّرَ) ومراده أن من تعدى على ثوب غيره فصبغه فإن ربه مخير بين أخذ قيمة ثوبه (١٢) أو أخذه

стр. 2416

ودفع قيمة الصبغ (١) للمتعدي، يريد: إن لم يكن الصبغ قد نقصه وما ذكره هو مذهب المدونة (٢)، وقال أشهب: يخير ربه بين أخذ قيمة الثوب أو أخذه بلا غرم ونحوه لعبد الملك (٣)، وعنه أيضا التفرقة، فإن صبغه صبغًا (٤) يسيرًا فكذلك، وإلا فلا يأخذه ربه إلا بعد دفع قيمة الصبغ أو يضمن الغاصب ما نقصه (٥) أو يكونان شريكين، ونص ابن القاسم على نفي الشركة (٦)، أما لو نقص الثوب بالصبغ فلا شيء عليه إن أخذه، ولا شيء له على الغاصب. قوله: (أو (٧) في بِنَائِهِ في أَخْذِهِ، وَدَفْعِ قِيمَةِ نقْصِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا) أي: وفي بناء الغاصب يخير رب المغصوب في أخذه، ودفع قيمة نقصه (٨) بعد أن يسقط من ذلك كلفة من يتولى فعله إن لم يكن هو (٩) يتولى ذلك بنفسه أو بعبده. قوله (وَمَنْفَعَةَ الْبُضْعِ والحر بِالتَّفْوِيتِ) أي: وضمن الغاصب منفعة البضع ومنفعة الحر بالتفويت، وهكذا قال ابن شاس (١٠) وغيره. قوله: (كَحُرٍّ بَاعَهُ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ) قال مالك في الواضحة فيمن غصب حرًّا فباعه إنه يكلف طلبه، فإن أيس (١١) منه ودّى ديته إلى أهله. قوله: (وَغيرِهِمَا بِالْفَوَاتِ) أي: وأما غير البضع والحر فيضمنه بالفوات، وفيه إشعار باختيار قول غير ابن القاسم، وأنه يضمن بمجرد فوات المنافع، وإن لم يستغل ولا

стр. 2417

استعمل، وهو قول مطرف وعبد الملك وابن عبد الحكم (١) وأصبغ وابن حبيب وصوبه بعض الأشياخ، لكن المشهور أنه لا ضمان عليه. (المتن) وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ؟ أَوِ الْجَمِيعَ؟ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ. وَمَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، وَلَوْ غَابَ أَوْ غَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يُمَوِّهْ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا، وَالْقَوْلُ لَهُ فِي تَلَفِهِ وَنَعْتِهِ وَقَدْرِهِ وَحَلَفَ. كَمُشْتَرٍ مِنْهُ، ثُمَّ غَرِمَ لآخِرِ رُؤْيَةٍ. وَلِرَبِّهِ إِمْضَاءُ بَيْعِهِ، وَنَقْضُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي، وَإِجَازَتُهُ. وَضَمِنَ مُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ فِي عَمْدٍ، لا سَمَاوِيٍّ، وَغَلَّةٍ، وَهَلِ الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ؟ تَأْوِيلانِ. وَوَارِثُهُ، وَمَوْهُوبُهُ إِنْ عَلِمَا كَهُوَ، وَإِلَّا بُدِئَ بِالْغَاصِبِ. (الشرح) قوله: (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ أَوِ الجمِيعَ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ) ابن يونس فيمن تعدى على رجل وقدمه للسلطان، وهو يعلم أنه إذا قدمه إليه (٢) تجاوز في ظلمه فأغرمه ما لا يجب عليه، اختلف في تضمينه، فقال كثير منهم: عليه الأدب، وقد أثم ولا غرم عليه (٣)، وكان (٤) بعض شيوخنا: يفتي أنه (٥) إن كان الشاكي ظالمًا في شكواه يضمن ما أغرمه بغير حق، وإن كان مظلومًا ولم يقدر أن ينتصف ممن ظلمه إلا بالسلطان فلا شيء على الشاكي، لأن الناس يلجؤون من المظلمة (٦) إلى السلطان (٧) وكذلك ما أغرمه الرسول (٨) للمشكو، وهو مثل ما أغرمه السلطان يفرق فيه بين ظلم الشاكي وعدم ظلمه، كان بعض أصحابنا يفتي بأن ينظر القدر الذي لو استأجر الشاكي رجلًا إلى المسير في إحضار المشكو به فذلك على

стр. 2418

الشاكي على كل حال، وما زاد على ذلك مما أغرمه الرسول (١) فيفرق فيه بين الظالم والمظلوم حسبما تقدم. قوله: (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ (٢) ... إلي آخره (٣)، إشارة إلى ما أفتى به بعض (٤) الأصحاب (٥). قوله: (أَوِ الجمِيعَ) إشارة إلى ما كان يفتي به بعض الشيوخ أنه يضمن له جميع ما أغرمه له بغير حق. قوله: (أَوْ لا) أي: أو لا ضمان عليه وهو إشارة إلي قول من قال بالأدب فقط. قوله: (وَمَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، وَلَوْ غَابَ) يريد: أن من غصب شيئًا ثم اشتراه من ربه فإنه يملكه بذلك، وسواء كان ذلك الشيء حاضرًا أو ادعي الغاصب غيبته، وكذلك إذا حكم على الغاصب بغرم القيمة لعدم وجود المغصوب كالعبد يدعي أنه أبق أو ضلت الدابة أو شبه ذلك فإنه أيضا يملكه إن (٦) لم يتبين كذبه بأن يكون أظهر خلاف ما في نفس الأمر، وإلى هذا أشار بقوله: (أَو (٧) غَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يُمَوِّهْ) أي: فإن موه فإن لربه الرجوع، وله أن يبقي على أخذ القيمة، وقيل: له الرجوع، وإن لم يموه، والمشهور لا رجوع له مع عدم التمويه، قال في المدونة: إلا أن يظهر أفضل من تلك الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها (٨)، وقاله أشهب (٩)، وإليه أشار بقوله: (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةِ أَخْفَاهَا) أشهب (١٠): ومن قال: إن

стр. 2419

أخذ السلعة فقد أخطأ (١). وحكى اللخمي عن ابن القاسم أن للمغصوب منه ردّ (٢) القيمة وأخذ السلعة إذا ظهر أن صفتها على خلاف ما حلف (٣) عليه (٤)، وفي ابن يونس عن بعضهم ينبغي إذا أقر الغاصب بغير ما غصب كقوله: "غصبت عبدًا" فيقول (٥) المغصوب منه بل جارية، ثم تبين أنه جارية أن يرجع فيها كمن أخفي ذلك إذا لم يغرم من قيمة الصفة شيئًا بخلاف ما إذا اتفقا على العبد واختلفا في صفته. قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ في تَلَفِهِ وَنَعْتِهِ وَقَدْرِهِ) يريد: أن الغاصب إذا ادعي تلف المغصوب وأنكر ذلك ربه فإن الغاصب يصدق، وكذلك إذا اختلفا في قدره أو نعته، أي: في صفته فإنه يصدق لأنه غارم، يريد: مع يمينه وهو مقيد بما إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه، قاله في المدونة (٦) والعتبية، وقال أشهب: القول قول الغاصب مع يمينه وإن أتى بما لا يشبه مثل أن يقول: هي بكماء صماء (٧). قوله: (وَحَلَفَ) أي: الغاصب في دعوى التلف والقدر والصفة، وقاله في المدونة (٨)، وقد تقدم (٩). قوله (١٠): (كَمُشْتَرٍ مِنْهُ) أي: كما يحلف من اشترى المتاع المغصوب من الغاصب إذا قام عليه ربه فادعى (١١) أنه تلف أو نحو ذلك وقاله في العتبية.

стр. 2420

قوله: (ثُم غَرِمَ لآخِرِ رُؤْيَةٍ (١)) هكذا حكي ابن يونس عن غيره، فقال: الأشبه إذا رؤي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشترائه (٢) وادعى ضياعه أنه إنما يضمن قيمته يوم رؤي. قوله: (وَلرَبِّهِ إمْضَاءُ بَيْعِهِ) يريد: أن لرب المغصوب إمضاء بيع غاصبه لأن حاصله أنه بيع فضولي، وقد نص على جواز إمضاء بيعه في المدونة (٣). قوله: (وَنَقْضُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي وَإِجَازَتُهُ) أي: ولرب الجارية أو العبد نقض عتق المشتري وإجازته (٤)، قال في المدونة: ومن غصب أمة فباعها ثم علم (٥) ربها، وقد أعتقها المبتاع فلربها أخذها ونقض عتق المشتري وله أن يجيز البيع، ويتم العتق بالعقد الأول (٦). قوله (٧) (وَضَمِنَ مُشْتَرٍ لَم يَعْلَمْ فِي عَمْدٍ) يريد: أن المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالغصب يضمن المغصوب إذا تعمد تلفه كالطعام يأكله والثوب يلبسه والدار يهدمها ونحو ذلك فيغرم قيمة المقوم، ومثل المثلي يوم وضع يده عبي ذلك، لأنه لا علم عنده بالغصب أما لو علم، فإن حكمه في ذلك حكم الغاصب. قوله: (لا سَمَاوِيٍّ (٨)) أي: فإن هلك المغصوب بأمر من الله تعالى وهو المراد بالسماوي فلا ضمان على المشتري فيه، قال في البيان باتفاق. قوله: (وَغَلَّةٍ) أي: وكذلك لا شيء على المشتري غير العالم بالغصب في شيء من الغلة. قوله: (وَهَلِ الخطَأُ كَالْعَمْدِ؟ تَأْوِيلانِ) يريد: أنه اختلف فيما إذا جنى المشتري
следующие страницы →