← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

يتوبوا فأقيم عليهم الحد (١) فقطعوا أو قتلوا ولهم أموال أخذت أموال الناس (٢) من أموالهم (٣). ابن يونس: يريد: ويسرهم متصل من يوم أخذوه، ثم قال في المدونة: وإن لم يكن لهم يومئذ مال لم يتبعوا بشيء مما أخذوه كالسرقة، وهو مقيد بما (٤) أخذ قبل التوبة. (٥). قوله (ودُفِعَ مَا بَأَيْدِيهِمْ لمَنْ طَلَبَهُ بَعْدَ الاسْتِينَاء والْيَمِينِ) ظاهره أن ذلك يدفع لمن طلبه بغير حميل وهو مذهب المدونة، قال فيها: إذا ادعى ما بأيديهم قوم ولا بينة لهم فليدفع إليهم بعد الاسْتِينَاءِ في استبراء ذلك من غير طول، فإن لم يأتِ من يدعيها دفعت (٦) إليهم بعد أيمانهم بغير حميل، ولكن يضمنهم الإمام إياها إذا جاء لذلك طالب (٧)، وقال سحنون: لا يدفع لهم إلا بحميل، وفي مختصر الوقار: إن كان من البلد فبحميل، وإن كان غيره بلا حميل (٨). أبو الحسن: لأن غير البلدي لا يجد حميلًا، فهو غاية المقدور، ولو عكس هذا القول لكان أولى (٩)، لأن البلدي معروف بخلاف غيره. بعض الأشياخ: ولا يعطى إلا لمن وصف كما توصف اللقطة. قوله: (أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ مِنَ الرُّفْقَةِ، لا لأَنْفسِهِما) قال في المدونة: وتجوز على

стр. 3082

المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولا، إذ لا سبيل إلى غير ذلك، ولا تجوز (١) شهادة أحدهم منهم (٢) لنفسه، ويقبل بعضهم لبعض (٣). وفي الجواهر: إذا شهدوا لأنفسهم (٤) مع الشهادة لغيرهم، كقولهم (٥) مال رفقائنا وما لنا ردت الشهادة (٦) إلا أن يكون مالهم يسيرًا فتجوز لهم ولغيرهم (٧)، وأما شهادة بعضهم لبعض فجائزة. قوله: (ولَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أنه المشْتَهِرُ بِهَا ثبتَتْ، ولو لَمْ يُعَايِنَاهَا) يريد أن المحارب إذا كان مشهورًا، وكان حاله في الحرابة مستفيضًا فشهد عليه رجلان يعرفانه بعينه وقال إن هذا هو فلان المشهور بالحرابة أو قام (٨) عليه الإمام الحد بهذه الشهادة وقتله وإن لم يشهدا عليه بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق، ونحوه في الجواهر (٩)، وحكى الباجي (١٠) واللخمي نحوه عن سحنون (١١). قوله: (وَسَقَطَ حَدُّهَا بِإِتْيَانِ الإِمَامِ طَائِعًا، أَوْ تَرْكِ مَا هُو عَلَيْهِ) يريد: أن حد الحرابة يسقط عن المحارب بأحد أمرين: إما بإتيانه إلى الإمام طائعًا أو بترك ما هو عليه من الحرابة، وإن لم يأت للإمام وهو قول ابن القاسم (١٢)، وقيل إنما تكون توبته بأن يترك ما هو عليه ويجلس في موضعه ويظهر لجيرانه ذلك، وأما إن ألقى سلاحه وأتى الإمام

стр. 3083

طائعا فإنه يقيم عليه الحد، إلا أن يكون ترك قبل أن يأتيه ما هو عليه وحبس (١) في موضعه حتى لو علم الإمام حاله لم يقم عليه حد الحرابة، قال في المقدمات: وهو قول ابن الماجشون (٢). وقيل: إنما تكون توبته بالمجيء إلى الإمام وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكم من الأحكام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام. ولم يعز ابن رشد هذا القول (٣).

стр. 3084

باب [في أحكام شرب الخمر] (المتن) بَابٌ بِشُربِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، وَظَنِّهِ غَيْرًا وَإنْ قَلَّ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، أَوِ الْحُرمَةِ لِقُربِ عَهْدٍ، وَلَوْ حَنَفِيا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصُحِّحَ نَفْيُهُ: ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ، وَتَشَطرَ بِالرِّقِّ، وَإِنْ قَلَّ، إِنْ أَقَرَّ، أَوْ شَهِدَا بِشُربٍ، أوْ شَمٍّ وَإنْ خُولِفَا، وَجَازَ لإكْرَاهٍ، وَإسَاغَةٍ، لَا دَوَاءٍ، وَلَوْ طِلَاءً. وَالْحُدُودُ بِسَوْطٍ وَضَربٍ مُعْتَدِلَيْنِ، قَاعِدًا، بِلَا رَبْطٍ، وَشَدِّ يَدٍ. بِظَهْرِه، وَكَتِفَيْهِ، وَجُرِّدَ الرَّجُلُ. وَالْمَرأَةُ مِمَّا يَقِي الضربَ، وَنُدِبَ جَعْلُهَا فِي قُفَّةٍ، وَعَزَّرَ الإمَامُ لِمَعْصِيَةِ اللهِ، أَوْ لِحَقِّ آدَمِي، حَبسًا، وَلَوْمًا، وَبِالإِقَامَةِ، وَنَزْعِ الْعِمَامَةِ، وَضَرب بِسَوْطٍ، أَوْ غَيْرِه، وَإنْ زَادَ علَى الْحَدِّ، أَوْ أَتَى عَلَى النفْسِ، (الشرح) قوله: (بِشُربِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، وَظَنِّهِ غَيْرًا وَإنْ قَلَّ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، والْحُرمَةِ لِقُربِ عَهْدٍ، وَلَوْ حَنَفِيا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصُحِّحَ نَفْيُهُ ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ) أي: يجب بشرب المسلم المكلف على الأوصاف المذكورة ثمانون جلدة، فاحترز بالمسلم من الكافر، وبالمكلف من الصبي والمجنون، فلا حد على واحد منهما، ولا فرق بين القليل والكثير، ولهذا قال: (وإنْ قَل) لأنه وإن لم يسكر فجنسه مما يسكر (١)، فلو أكره على شربها أو شربها لضرورة من إساغة غصة ونحوها أو شربها يظنها غيرها فلا شيء عليه. واعلم أن هذه الأمور الثلاثة وإن كانت تدخل تحت العذر إلا أنه إنما عدها تبعًا لبعض الأشياخ، ولا خلاف في وجوب الحد على من علم بالتحريم، وإن جهل وجوب الحد، واختلف إذا جهل الحرمة هل يعذر أم لا؟ والذي عليه مالك وأصحابه إلا ابن وهب؛ وجوب الحد، قال مالك: لما ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود، وإنما يجهل ذلك في الغالب من هو قريب العهد بالإسلام (٢)، وكذلك يجب

стр. 3085

الحد على من شرب النبيذ المسكر (١) ولو كان حنفيا، هكذا حكي عن مالك وأصحابه، قالوا: ولا تقبل شهادته (٢). الباجي: ولعله فيمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فأما من كان من أهل العلم والاجتهاد فالصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك (٣) سفيان الثوري وغيره ممن يرى شرب النبيذ مباحًا، فما أقام على أحد منهم حَدًّا ولا دعا إليه مع إقرارهم وتظاهرهم ومناظرتهم (٤) عليه (٥)، وقد صحح هذا القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إن قلنا أن كل مجتهد مصيب فواضح، وإن كان المصيب واحدًا فلا أقل من أن يكون هذا شبهة (٦)، وإلى هذا أشار بقوله: (وصُحِّحَ نَفْيُهُ) أي: نفي الحد، والمعروف من المذهب وهو قول ابن القاسم وغيره أنه لا يحد إلا بعد صحوة كما ذكر، وقال اللخمي وصاحب البيان: إن جلد في حال سكره وعنده ميز اعتد بذلك، وإن كان طافحا (٧) أعيد عليه الحد، وإن لم يحس بالألم في أوائل الحد وأحس به في أثنائه حسب من أول ما أحس به (٨). قوله: (وتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ) أي: في جلد العبد والأمة، يريد ومن فيه بقية رق أربعون. قوله: (إِنْ أَقرَّ أَوْ شهِدا بِشُرْبٍ، أَوْ شَمٍّ وإن خولفا) يعني: أنه يجب الحد بالإقرار أو بالشاهدين على الشرب أو على الشم (٩)، ولا خلاف في الأولين، فإن رجع إلى شبهة قبل (١٠) وإلى غيرها فكما في الزنى، وأما قبول (١١) الشهادة على الشم فهو قول مالك

стр. 3086

وجمهور أهل الحجاز خلافًا للشافعي وجمهور أهل العراق. بعض الأشياخ: ولابد أن يكون الشاهد على الشم ممن يعرف الخمر، يريد سواء تقدم شربه لها كالكافر والعاصي ثم يتوب، أم لا، وهو قول الباجي، وقال ابن القصار لا تقبل شهادة من هذه صفته لكونه كان كافرا أو عاصيا، وصحح ابن عبد السلام الأول (١) قال: إلا أن (٢) تخفى رائحتها كثيرًا عن الناس فيحمل (٣) الشاهد من ذلك ما تحمل. قوله: (وَجَازَ الإِكْرَاهُ) أي: لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فهو غير مؤاخذ به فيسقط عنه الحد، وظاهر كلام أصحابنا جواز ذلك مطلقًا مع الإكراه، وهو نص كلامه هنا، وعبارة غير واحد من الأشياخ غير معرجة (٤) على الجواز وعدمه، وإنما يعترض (٥) لسقوط الحد عنه فقط، وكلامه هنا أتم فائدة؛ لأن الجواز يستلزم سقوط الحد بخلاف العكس. قوله: (وإِسَاغَةٍ) إنما جازت الإساغة صونًا لإحياء النفوس، وهو الظاهر، ولا يبعد وجود (٦) ذلك، وذكر ابن شاس قولين في حِلِّيَّتها للغصة، ولا يجوز ذلك بجوع ولا عطش إذ لا يفيده ذلك بل ربما زادت العطش، وقال الشيخ أبو بكر: إن ردت الخمر عنه الجوع والعطش شربها، واختاره ابن العربي؛ لأنها تفيد تخفيف ذلك على الجملة ولو لحظة (٧). قوله: (لا دَوَاءٍ): أي لا يجوز التداوي بالخمر ونحوه على المشهور لقوله ﵊: "فمن تداوى بالخمر (٨) لا شفاه الله". قوله: (ولو طلاء) هذا هو المشهور، وأظن أن فيه قولا آخر بجواز ذلك، وقوله

стр. 3087

عليه الصلاة والسلام (فمن تداوى بالخمر فلا شفاه الله) عام سواء كان من داخل الجسد (١) أو من خارجه، ونحوه طلاء الجسد (٢) من خارجه (٣). قوله: (والحُدُودُ بِسَوْطٍ وضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ) أي: حد الزنى وشرب الخمر والقذف ونحوه، والمشهور تساويها في الصفة، وقال ابن حبيب: ضرب حد الخمر (٤) أشدها. وقوله: (مُعْتَدِلَيْنِ) صفة لسوط وضرب. ابن شاس: وكيفية الجلد ضرب بسوط معتدل بين سوطين. ابن القاسم: وضرب معتدل بين ضربين ليس بالخفيف ولا بالمبرح (٥). قوله: (قَاعِدًا، بِلا رَبْطٍ، ولا شَديَدٍ) أي: يضرب قاعدا، قال في المدونة: ولا يقام ولا يمد وتحل له يداه، وإذا اضطرب اضطرابا لا يصل الضرب معه إلى موضعه (٦) فإنه يربط. قال مالك في كتاب محمد: ويجلد على الظهر والكتفين دون ما عداهما، وإليه أشار بقوله: (بِظَهْرِهِ وكَتِفَيْهِ) وقال ابن شعبان: يعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج، واستحسن اللخمي الأول (٧). قوله: (وجُرِّدَ الرَّجُلُ والمرْأَةُ ممَّا يَقِي الضرب) قال في المدونة: ويجرد الرجل، وظاهره أنه لا يترك عليه شيء ألبتة، وظاهر كلامه هنا أنه يترك عليه ما لا يقيه الضرب، وأما المرأة فيترك عليها من الثياب ما يستر جسدها عن الأعين، ولا يقيها الضرب. قوله: (ونُدِبَ جَعْلُهَا في قُفَّةٍ) هذا كقول صاحب الجواهر واستحسن أن تجعل في قفة (٨). وقال غيره: بلغ مالكًا أن بعض الأمراء أقعد امرأة في قفة فأعجبه ذلك.

стр. 3088

اللخمي (١): ويجعل فيها ترابًا وماء (٢) للسترة (٣). قوله: (وَعَزَّرَ الإِمَامَ لمعْصِيَةِ اللهِ أَوْ لِحقِّ آدمِيٍّ) يريد: كالأكل في رمضان لغير ضرورة، وتعطيل شيء من الصلوات عن أوقاتها وكشتم الآدمي وضربه ونحوه، وهو أيضًا لا يخلو من حق الله تعالى لأن من حقه تعالى (٤) على كل مكلف كف (٥) أذاه عن غيره، فمَن وقع في ذلك عزره الإمام (٦) بحسب اجتهاده بالنظر إلى القائل والمقول له. قوله: (حَبْسًا، ولَوْمًا، وبِالإِقَامَةِ، ونَزْعِ الْعِمامَةِ، وضَرْبِ بِسَوْطٍ، أَوْ غَيره) الأولى أن يكون هذا منصوبًا على إسقاط الخافض، والتقدير: وعزر الإمام من عصا بالحبس واللوم ونحوه، ويدل عليه التصريح بالمحذوف في قوله: (وبِالإِقَامَةِ)، وقوله: (وضَرْبٍ) معطوف على الأولين (٧)، ومراده أن التعزير موكول إلى اجتهاد الإمام، وقد كان المتقدمون يقولون: الشخص على قدره، وقدر جنايته، فمنهم من يضرب ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفًا على قدميه في المحافل، ومنهم من تنزع عمامته، ومنهم من يحل إزاره. قوله: (وإِنْ زَادَ عَلَى الحدِّ أَوْ أَتَى عَلَى النفْسِ) هذا هو المشهور عن مالك وابن القاسم فقد روي عن مالك في العتبية أنه أمر بضرب شخص وجد مع (٨) صبي فوق ظهر مسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أربعمائة سوط فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك. وقال أشهب: لا يزاد في الأدب على عشرة أسوط؛ لقوله ﷺ : "لا يجلد (٩) أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى"، وروى القعنبي (١٠) عن مالك

стр. 3089

أنه لا يزاد على خمسة وسبعين سوطًا، وعن أصبغ أقصى ذلك مائتا سوط، وعن مالك ثلاثمائة. ابن الماجشون: له ذلك، وإن أتى على النفس، وقاله مطرف. (المتن) وَضَمِنَ مَا سَرَى، كَطَبيبٍ جَهِلَ، أَوْ قَصَّرَ، أَوْ بِلَا إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ، أوْ أذْنَ عَبْدٍ بِفَصْدٍ، أَوْ حِجَامَةٍ، أَوْ خِتَانٍ، وَكَتَأجِيجِ نَارٍ فِي يَوم عَاصِفٍ، وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ، وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ، وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ، أَوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ، أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كَوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ ففقأها وَإِلَّا فَلَا كَسُقُوطِ مِيزَابٍ أَوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ، كَحَرقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا، وَجَازَ دَفْعُ صَائِلٍ بَعْدَ الإنْذَارِ لِلْفَاهِم، وإِنْ عَنْ مَالٍ. وَقَصْدُ قَتْلِهِ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إِلا بِهِ، لَا جُرْحٌ، إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهُ بِلَا مَضَرَّةٍ، وَمَا أَتْلَفَتْ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبّهَا، وإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتِه عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، لَا نَهَارًا إِنْ لَمْ يَكنْ معَهَا رَاعٍ، وَسُرِّحَتْ بُعْدَ الْمَزَارعِ، وَإلَّا فَعَلَى الرَّاعِي. (الشرح) قوله: (وَضَمِنَ مَا سَرَى) أي: فإن سرى التعزير حتى أتى على النفس ضمن، وهذا كالمتناقض لما قدمه؛ لأنه أجازه التعزير، وإن أتى على النفس فلا يضمن إذا سرى وقد تقدمت الحكاية عن مالك ولم يرد فيها ضمان، فتضمين الإمام مع أمره بذلك من تكليف ما لا يطاق. قوله: (كَطَبيبٍ جَهِلَ، أَوْ قَصرَ، أَوْ بِلا إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ أوْ أذنَ عَبْدٍ بفَصْدٍ أَوْ حِجَامَةٍ، أَوْ خِتَانٍ) يريد: أن الطبيب أيضًا يضمن موجب فعله إذا كان جاهلا أو عالمًا إلا أنه أراد أن يقطع شيئًا فقطع غيره (١)، ومثله ما إذا أخذ ذلك من مأخوذه إلا أنه تجاوز الحد المعلوم في ذلك عند أربابه، وهذا وما قبله من التقصير، وكذلك إذا فعل بغير إذن أو بإذن غير معتبر كإذن العبد يريد أو الصبي ونحوهما، وفي المجموعة إن أذن العبد في الختان والحجامة والفصد غير معتبر وهو ظاهر بالنسبة إلى الختان دون الفصد والحجامة، فإن العرف جارٍ بعدم احتياج إذن السادات فيهما لاسيما عند مسيس الحاجة إليهما، وكلامه ظاهر في أن الطبيب يضمن ذلك من ماله، وهو ظاهر قول مالك في

стр. 3090

العتبية. ابن رشد: ويؤدب الجاهل بالضرب والسجن ولا يؤدب المخطئ. قوله: (وكَتَأجِيجِ نَارٍ في يَوْمٍ عَاصِفٍ) هذا أحد موجبات الضمان، وهو أن يؤجج نارًا في يوم شديد الريح فتعدو على شيء فتهلكه، وظاهره ولو مع الأمن، وليس كذلك، فقد قيد ذلك في المدونة بعدم الأمن (١)، فقال: ومن أرسل في أرضه ماء أو نارًا فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه (٢)، فإن كانت أرض جاره بعيدة فتحاملت بريح أو غيره فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن من وصول ذلك (٣) لقربها فهو ضامن، وكذلك الماء، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها وكذلك الماء (٤)، فانظر كيف قيد الضمان بعدم الأمن، ونفاه بالأمن (٥)، وهكذا قال سحنون، ورأى اللخمي الضمان ولو مع (٦) البعد إذا كانت الريح من تلك الجهة إلا أن تكون بعيدة جدًّا، ورأى عدم الضمان إن لم يكن ثَم ريح حين إرسالها إلا أنها حدثت بعد الإرسال وكانت إلى جهة غير المحترقة ثم تغيرت (٧) إليها (٨). قوله: (وكَسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ، وأنذر صَاحِبُهُ، وأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ) أي: وهكذا يضمن صاحب الجدار ما عطب بسبب سقوطه بشروط ثلاثة: الأول: أن يكون الجدار مائلًا قبل سقوطه، يريد: وقد كان بني على استقامة، فأما لو بني مائلًا من أول الأمر لضمن من غير تفصيل، قاله في الجواهر (٩)، ولهذا قال هنا: مال بصيغة الماضي لأنها تدل ظاهرًا على تغيير حاله الأصلي.

стр. 3091

الشرط الثاني: أن ينذر (١) صاحبه، يريد: أن يشهد عليه كما قال مالك في المدونة (٢)، معناه عند قاض أو من له النظر في ذلك، ولا ينفع الإشهاد إذا لم يكن كذلك إذا كان رب الحائط منكرًا لميله بحيث يخشى عليه السقوط، ولو كان مقرًا فإنه يكتفى بالإشهاد، وإن لم يكن عند حاكم، وقاله بعض القرويين. وقال أشهب وسحنون: إذا بلغ الحائط ما لا يجوز لصاحبه تركه لشدة ميله والتغرير (٣) به فهو متعد ضامن أشهد عليه أم لا (٤). وقال ابن الماجشون وابن وهب: لا يضمن إلا إذا قضى عليه السلطان بالهدم فلم يفعل (٥). الشرط الثالث: أن يكون الحائط لما يمكن صاحبه تداركه فيه إما بهدم أو تدعيم وتراخى، وأما إذا لم يمكنه فبادر إلى دفع الأذى فسقط الحائط فلا ضمان، ولو تقدم إليه ذلك وأنذر. قوله: (أوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ) أي: وكذلك يضمن دية أسنانه إذا عضه في يده فجذب يده فقلع أسنانه وهو المشهور، ونقل المازري عن بعض الأصحاب أنه لا شيء عليه (٦)، وهو الأظهر (٧) لكونه غير متعمد، والآخر متعديا (٨)، وفي الصحيح في الذي عض يد غيره فنزعها منه فوقعت ثناياه فتحاكما (٩) إلى النبي ﷺ فقال: "يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، فلا دية لك". قوله: (أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كَوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ ففقأها وإلا فَلا) انظر كيف عطف هذا هنا على ما يوجب الضمان، وإنما فيه القود، قال في الجواهر: ومن نظر إلى حرم إنسان من كوة أو

стр. 3092

من باب لم يجز أن يقصد عينه بمدر أو غيره (١)، وفيه القود إن فعل، ونقل المازري (٢) عن أكثر الأصحاب القود فيه (٣)، ونقل عن بعضهم نفيه، اللهم إلا أن يحمل الضمان في كلامه على ما هو أعم من الغرامة، فنعم. واختلف إذا لم يقصد من هو داخل الدار إلى فقء عين الناظر، وإنما قصد زجره ففقأ عينه، هل يضمن موجب فعله أم لا؟ وهذا الأخير هو الذي أشار إليه بقوله: (وَإِلا فَلا) أي: وإن لم يقصد عينه بل جسده فأصاب عينه (٤) فلا شيء عليه. ثم شرع في الأمور التي لا ضمان فيها، فقال (كَسُقُوطِ مِيزَابٍ) (٥)، هو معطوف على قوله: (وَإِلا فَلا) قال في الجواهر: ومن سقط ميزابه على رأَس إنسان فلا ضمان عليه، بل هو هدر (٦)، وكذلك الظلمة والعسكر (٧)، لأنه اتخذه حيث يجوز له اتخاذه. قوله: (أَوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ) (بَغْتِ) بالغين المعجمة، ومعناه: أن من أجج نارًا في حالة لا يظن بها الوصول إلى مال أحد، ولا إتلاف شيء لسكون الريح ونحوه، فعصفت الريح بغتة فنقلت النارَ إلى ذلك فإنه لا يضمن لأنه غير متعد بفعله. قوله: (كَحَرْقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا) يريد: أن النار إذا وصلت إلى زرع إنسان فخاف على زرعه (٨) فقام إليها ليطفئها فأحرقته فدمه (٩) هدر، وقاله أشهب (١٠). قوله: (وجَازَ دَفْعُ صَائِلٍ بَعْدَ الإِنْذَارِ لِلْفَاهِمِ، وإِنْ عَنْ مَالٍ) المراد بالجواز هنا أنه مشروع، وإلا فقد يكون دفعه واجبًا، وسواء كان الصائل مكلفًا أو غيره من صبي أو مجنون، أو بهيمة، صال على النفس أو الأهل أو لأخذ المال، ولا يجوز دفعه إلا بعد

стр. 3093

الإنذار كما قال، إلا أنه قيد ذلك بالفاهم احترازًا من الصبي والمجنون والبهيمة فإن إنذارهم غير ممكن وغير مفيد. قوله: (وَقَصْدُ قَتْلِهِ، إِنْ عَلِمَ أنّه لا يَنْدَفِعُ إِلا بِهِ) أي: فإن علم المصول عليه أن الصائل لا يندفع عنه إلا بالقتل فإنه يجوز له قصد قتله ابتداء، ومقتضى قوله لا يقدم على قتله ابتداء إذا ظن أنه يندفع بغير القتل، وهو كذلك، فقد قال ابن العربي: لا يقصد قتله وإنما يقصد الدفع، فإن أدى إلى القتل فذلك له (١) إلا أن يعلم أنه لا يندفع عنه إلا بالقتل، فجائز له أن يقصد القتل ابتداء (٢). قوله: (لا جُرْحٌ، إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، بِلا مَضَرَّةٍ) أي: فإن كان المصول عليه يقدر على الهروب بلا مضرة تحصل له لم يجز له جرح الصائل، وقد أشار الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى أن هذا من باب تغيير المنكر، ومن ارتكاب أخف المفسدتين، فإذا أمكن الهروب من غير مشقة ينجي من القتل والقاتل (٣) تعين. قوله: (وَمَا أَتْلَفَتْ الْبَهَائِمُ لَيْلًا، فَعَلى رَبِّها وإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتهِ عَلَى الرَّجَاءِ والْخَوْفِ) اختلف في ضمان ما أتلفته البهائم فمن العلماء من ذهب إلى نفي الضمان مطلقا لقوله ﷺ : "جرح (٤) العجمي جبار" ومنهم من ذهب إلى ثبوته مطلقًا وهو مروي عن مالك (٥) ويحيى بن يحيى (٦) والمذهب كما ذكر هنا التفصيل بين الليل والنهار وعنه ﷺ أنه قضى على أهل الحوائط بحفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فضمانه على أهلها، قال في الاستذكار: وهو من مراسيل الثقات، وتلقاه أهل الحجاز وطائفة من أهل العراق بالقبول (٧)، قال: وإنما سقط الضمان عن أرباب الماشية نهارا إذا

стр. 3094

أطلقت دون راع، وأما إن كان معها راع فلم يمنعها وهو قادر على دفعها، فهو المسلط عليها وهو حينئذ كالقائد والراكب والسائق (١)، وإلى هذا أشار بقوله: (لا نَهَارًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ) وقال الباجي: هذا الحكم يختص عندي (٢) بالموضع الذي يكون فيه الزرع والحوائط مع المسارح (٣) فأما لو كان الموضع مختصا بالمزارع دون المسارح لضمن ربها ما أتلفته نهارا أيضا (٤)، وقيل: إنما يسقط الضمان إذا أخرجها عن جملة مزارع القرية وتركها بالمسرح (٥)، وأما إن أطلقها للرعي قبل خروجها عن مزارع القرية، فهو ضامن، وإن كان معها راع فالضمان على الراعي إن فرط أو ضيع، قال: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث، وإليه أشار بقوله: (وسُرِّحَتْ بَعْدَ الْمَزَارعِ، وإِلا فَعَلَى الرَّاعِي) وروى مطرف عن مالك: أن كانت المزارع ممتدة كثيرة لا يقدر أربابها على حراستها لم يكن على أرباب المواشي شيء مطلقا (٦)، وقال بعضهم عكسه أولى لأنه إذا كان الأمر كذلك كان على أربابها ألا يخرجوها إلا براعٍ، وإذا قلنا بتضمين أرباب المواشي فإنهم يضمنون ما أتلفت، وإن زاد على قيمتها على المشهور، وقال يحيى بن يحيى: إنما عليهم الأقل من قيمتها أو قيمة ما أفسدت (٧). مطرف عن مالك (٨): وعليهم قيمة ذلك على الرجاء والخوف، على أن يتم أو لا يتم (٩).

стр. 3095

بابُ [في أحكام العتق] (المتن) بَابُ إِنَّمَا يَصِحُّ إِعْتَاقُ مُكَلَّفٍ، بِلَا حَجْرٍ، وَإِحَاطَةِ دَيْنٍ، وَلِغَرِيمِهِ رَدُّهُ أَوْ بَعْضِهِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَطُولَ، أَوْ يُفِيدَ مَالًا، وَلَوْ قَبْلَ نُفُوذِ الْبَيْعِ: رَقِيقًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ. بِهِ وَبفَك الرَّقَبَةِ، وَالتَّحْرِيرِ وَإِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ، بِلَا قَرِينَةِ مَدْحٍ، أَوْ خُلْفٍ، أَوْ دَفْعِ مَكْسٍ، وَبِلَا مِلْكَ أَوْ سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، إِلَّا لِجَوَابٍ، وَبكَوَهَبْتُ لَكَ نَفْسَكَ وَبكَاسْقِنِي أَوِ اذْهَبْ، أَوِ اعْزُبْ بِالنِّيَّةِ. وَعَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ إِنْ عَلَّقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَبالاشْتِرَاءِ الْفَاسِدِ فِي إِنِ اشْتَرَيْتُكَ، كَأَنِ اشْتَرَى نَفْسَهُ فَاسِدًا، وَالشِّقْصُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأمُّ الْوَلَدِ، وَوَلَدُ عَبْدِهِ مِنْ أَمَتِهِ، وإِنْ بَعْدَ يَمِيِنهِ، وَالإِمَاءُ فِيمَنْ يَمْلِكُهُ أَوْ لِي، أَوْ رَقِيقِي، أَوْ عَبِيدِي، أَوْ مَمَالِيكِي، لَا عَبِيدُ عَبِيدِهِ، كَأَمْلِكُهُ أَبَدًا، (الشرح) (إِنما يَصِحُّ إِعْتَاقُ مُكَلَّفٍ، بلا حَجْرٍ، وَإِحَاطَةِ دَيْنٍ) العتق من أفضل القربات، والآي (١) والأحاديث دالة على أَفضليته (٢)، و (الإعْتَاقُ) مصدر أضيف إلى الفاعل، والعتق أركانه ثلاثة: المعتِق بكسر التاء، والمعتَق بفتحها، والصيغة وكلامه الآن على المعتِق بالكسر، وهو كل مكلَّف لا حجر عليه ولم يُحِطِ الدين بماله كما قال، فاحترز بالمكلَّف من الصبي والمجنون، فإن عتقهما لا يصح، ويدخل في قوله (مُكَلَّفٍ) السكران، فإن عتقه يصح على المشهور بخلاف الهبة؛ لأن الشرع متشوف إلى الحرية (٣). قوله: (بِلا حَجْرٍ) لا يريد به نفي الحجر من كل وجه، وإلا يكون تكرارًا مع قوله: (وإِحَاطَةِ دَيْنٍ) حشوا معه (٤)، وإنما المراد من أعتق فيما حجر عليه، فإن عتقه لا يصح، والزوجة يصح عتقها في الثلث دون ما زاد عليه، وكذلك المريض، ولا تصح من السفيه مطلقًا، واختلف إذا أحدثه بعد (٥) خروجه من الولاية ولم يرد وليه عتقه، هل

стр. 3096

يلزمه (١) ذلك أم لا؟ قوله: (ولغَرِيمِهِ رَدُّهُ، أَوْ بَعْضِهِ) أي: ولغريم من أحاط الدين بماله رد عتقه جميعه (٢) إن استغرقه الدين، أو بعضه إن لم يستغرقه مثل أن يعتق (٣) عبدًا يساوي مائة والدين خمسون، وليس له غيره فيباع نصفه. قوله: (إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَطُولَ) أي: فإن علم الغريم بعتق المديان وسكت حتى طال الزمان ثم قام فليس له رده، واختلف في حد الطول، فقال مالك وفسره (٤) ابن القاسم: هو أن يشتهر بالحرية وتثبت له أحكامها بالموارثة، وقبول الشهادة، ولم يمنع ذلك الغريم، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال الغريم لم أعلم بإعتاقه فله ذلك في أربع سنين لا في (٥) أكثر، وقاله مالك أيضًا، وقال أصبغ: إنما ذلك في المتطاول الذي لعله أتت على السيد فيه أوقات أفاد فيها (٦) وفاء الدين وينزل أمر الغريم أنه علم بطول الزمان ولا يصدق (٧) في نفي العلم (٨)، قال: ولو تيقن (٩) بشهادة قاطعة أنه لم يزل عديمًا متصلَ العدم مع غيبة الغرماء وعدم علمهم لرد عتقه (١٠) (١١)، انظر الكبير. قوله: (أَوْ يُفِيدَ مَالًا، ولَوْ قَبْلَ نُفُوذِ الْبَيْعِ) قال مالك: وإن أفاد مالًا قبل البيع أو بعد بيع السلطان وقبل (١٢) إنفاذه كان المعتق حرًّا؛ لأن بيعه بالخيار ثلاثة أيام، وقال ابن

стр. 3097

نافع: لا يكون حرًّا؛ إذ رد السلطان إبطال (١). اللخمي عن الموازية: يعتد (٢) ولو بعد إنفاذ البيع إن قرب، وقيل: الذي في الموازية: يرد قبل قسم الثمن ويكون حرًّا لا بعده، اللخمي: وقول ابن نافع أحسن (٣). قوله: (رَقِيقًا لَمْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لازِمٌ) هذا هو الركن الثاني، وهو المعتَق بفتح التاء، وأشار إلى أن الرقيق الذي لم يتعلق به حق لازم (٤)، وأراد بالرقيق القِنَّ، ومن فيه شائبة حرية من مكاتَب ومدبَّر ومعتَق بعضه أو إلى أجل، وأم ولد. واحترز بقوله (٥): (بِهِ حَقٌّ لازِمٌ) من العبد الجاني والمرهون والمستأجَر، وعبد المديان وأحد المكاتبين، فإن عتقهم موقوف (٦) على إذن من له الحق، وبعضهم يلزم فيه العتق، إلا أنه لا تظهر (٧) فيه آثار الحرية إلا بعد سقوط الحق الذي لزم رقبته لغير السيد، وقوله: (به) أي: بعينه. قوله: (وَبِفَكِّ الرَّقَبةِ والتَّحْرِيرِ) هذا هو (٨) الركن الثالث، وهو الصيغة، وهي تنقسم قسمين كما أشار إليه صريح وكناية، وبدأ بالصريح وذكر فيه لفظين: فك الرقبة والتحرير، فإذا قال لعبده: فككت رقبتك من الرق والعبودية ونحو ذلك عتق عليه، وكذلك: أنت حر، أو إنما ذكر هذين اللفظين بصيغة المصدر إشارة إلى أن كل ما اشتق

стр. 3098

منهما فهو (١) بمنزلتهما في الدلالة على فكاك الرقبة وخلاصها من (٢) الرق، وقد نص عليه في المدونة، قال فيها: ومن قال لعبده لا ملك لي عليك أو لا سبيل لي (٣) عليك فهو (٤) عتق (٥). قوله: (وإِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ) ونحوه في المدونة، قال فيها: وإن قال له: أنت حر في هذا (٦) اليوم، عتق للأبد، وزاد فيها: وإن قال: أنت حر اليوم من هذا العمل، وقال: لم أرد العتق، صدق في ذلك (٧) مع يمينه ويلزمه ألا يستعمله في ذلك اليوم (٨). قوله: (بِلَا قَرِينَةِ مَدْحٍ أَوْ خُلْفٍ، أَوْ دَفْعِ مَكْسٍ) يريد أن العتق (٩) مقيد بما إذا لم تكن ثمة قرينة تصرف اللفظ (١٠) عن إرادة العتق، فإن كان هناك قرينة فلا يلزمه، وسواء كانت قرينة مدح أو خلف (١١) أو دفع مَكْس، قال في المدونة: ومن عجب من عمل عبده أو من شيء رآه منه فقال: ما أفت إلا حر فلا شيء عليه، في الفُتْيَا ولا في القضاء (١٢)، وفيها أيضًا: في عبد طبخ لسيده طبيخًا فأعجبه (١٣) فقال: أنت حر، فقامت عليه بينة بذلك أنه لا شيء عليه لأن مراده أنت حر الفعال (١٤)، ثم قال فيها أيضًا: ولو

стр. 3099

مر على عَشَّار (١) فقال له: هو حر، ولم يرد بذلك الحرية فلا عتق عليه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن قامت (٢) بينة لم يعتق (٣) أيضًا (٤) إذا علم (٥) أنه دفع بذلك عن نفسه ظلما. اللخمي (٦): ولو قال (٧) العشار (٨): لا أدعك إلا أن تقول إن كانت أمة فهي حرة، فإن قال (٩) ذلك بغير نية العتق (١٠) لم يلزمه شيء، وإن نوى العتق وهو ذاكر أن له ألا ينويه كانت حرة؛ لأنه لم يكره على النية (١١)، وهذا يمكن (١٢) أن يكون مثالًا لقرينة الخلف (١٣) وما قبله لقوله: (أو دفع مكس) (١٤)، وقد ذكرنا في هذا الموضع من الشرح الكبير سبعة (١٥) فروع فانظرها (١٦). قوله: (وَبِلَا مِلْكٍ، أَوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ إِلا لِجوَابٍ) هذا مثل ما تقدم عن المدونة،

стр. 3100

(بِلَا مِلْكٍ) معطوف على قوله: (وَبِفَكِّ الرَّقَبَةِ) ومراده: لا ملك لي عليك، ولا سبيل لي عليك، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. قوله: (وَبِكَوَهَبْتُ لَكَ نَفْسَكَ، وبِكَاسْقِنِي، أَوِ اذْهَبْ، أَوِ اعْزُبْ بِالنِّيَّةِ) هذه الألفاظ من كنايات (١) العتق، قال في المدونة: ومن قال لعبده قد وهبت لك نفسك أو عتقتك أو تصدقت عليك بعتقك فهو حر قَبِل ذلك العبد أو لم يَقْبَل، قال غيره: إذا وهبه فقد وجب العتق، ولا ينظر في هذا قبوله كالطلاق إذا وهبها إياه (٢)، وهو تفسير، فظاهره عدم الاحتياج إلى النية في قوله: وهبتك ونحوه، وهو مراد الشيخ هنا، ولهذا أعاد الحرف مع قوله: (وبِكَاسْقِنِي)، وعليه فقوله (بالنية) متعلق بـ (اسقني) وما بعده (٣). قوله: (وَعَتَقَ عَلَى الْبَائِع إِنْ عَلَّقَ هُو وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْبَيعْ وَالشِّرَاءِ) يريد: أن السيد إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، وقال لشخص آخر: إن اشتريته فهو حر، ثم (٤) باعه منه، فإنه يعتق على البائع دون المشتري (٥)، ويرد الثمن، ولا بد في كلامه من حذف وتقديره: وعتق العبد على البائع إن علق عتقه على البيع دون المشتري (٦) إن علق عتقه على الشراء مع ذلك، وهذا هو المشهور، وقاله في المدونة وقال فيها عن مالك: ومن قال لعبده إن بعتك فأنت حر، فباعه عتق على البائع ورد الثمن، ولو قال له رجل (٧) مع ذلك إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه، فعلى البائع يعتق؛ لأنه مرتهن بيمينه (٨) قبل ملك الثاني (٩). ابن عبد السلام: وفي بعض تآليف المتأخرين قول بلزوم العتق على المشتري دون

стр. 3101

البائع (١)، فإن لم يقع التعليق إلا من البائع فقط (٢) فالمشهور أنه يعتق عليه ويرد الثمن كما تقدم، وقيل: لا شيء عليه لأنه إنما يحنث بعد تمام البيع، وقاله عبد الملك (٣). قوله: (وبِالاشْتِرَاءِ الْفَاسِدِ فِي إِنِ اشْتَريتُكَ) دلَّ كلامه بطريق الأولوية على أنه يعتق عليه بالاشتراء الصحيح إذا علق عتقه على الشراء كقوله: إن اشتريتك فأنت حر، وهو مذهب المدونة، وفيها أيضًا (٤): فإن اشتراه شراء فاسدًا عتق عليه وتلزمه قيمته ويرد الثمن (٥)، وهو كقوله: (كَأَنِ اشْتَرَى نَفْسَهُ فَاسِدًا) أي: وهكذا يمضي عتق العبد إذا اشترى نفسه من سيده شراء فاسدًا ولا ينقض البيع الفاسد (٦) لتشوف الشرع للحرية (٧). قوله: (والشِّقْصُ، والْمُدَبَّرُ، وأُمُّ الْوَلَدِ ووَلَدُ عَبْدِه مِنْ أَمَتِهِ، وإِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ وَالإِمَاءُ (٨) فِيمَنْ يَمْلِكُهُ، أَوْ لِي أَوْ رَقِيقِي، أَوْ عَبِيدِي، أَوْ مَمَالِكِي) هذا معمول لفعل محذوف دل عليه قوله: (وَعَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ) إلى آخره، والمعنى: وكذلك يعتق على السيد الشقص والمدبَّر وما ذكر معهما إذا قال: كل مملوك أملكه حرًّا، وكل مملوك لِي حرًّا، ورقيقي أو عبيدي أو ممالكي أحرار (٩)، قال في المدونة: ومن قال: كل مملوك لي حر عتق عليه عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده، وكل شقص له في مملوك، ويقوم عليه بقيته إن كان مليًّا، ويعتق عليه أولاد عبيده من إمائه وُلِدَ بعد يمينه أو قبله؛ لأن الأولاد ليسوا ملكًا لآبائهم، وإنما هم ملك السيد (١٠)، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ)؛ أي: وإن ولدوا

стр. 3102

بعد ذلك. وقوله (فِيمَنْ يَمْلِكُهُ) أي: حين اليمين، فأطلق (من) (١) على الذكور والإناث، وهذا مذهب الأكثر (٢)، وأما ممالكي فمذهب المدونة (٣)، وقاله سحنون أنه يشمل الذكور والإناث (٤)، وحكى القاضي عياض الاتفاق على أن رقيقي يتناول الإناث، واختلف في عبيدي والمذهب أنه يختص بالذكور، وقال فضل: يشمل الإناث أيضًا (٥)، وصوبه اللخمي (٦). قوله: (لا عَبيدُ عَبِيدِهِ) أي: بخلاف عبيد عبيده فإنهم لا يعتقون عليه إذا قال: كل من أملكه حرٌّ، أَو غيره من الألفاظ السابقة، وسواء كان في يمين أو غيره لعدم تناول اللفظ لهم، قال في المدونة إثر كلامه السابق: وأما عبيد عبيده وأمهات أولادهم فلا يعتقون، ويكونون لهم تبعًا (٧). قوله: (كَأَمْلِكُهُ أبَدًا) أي: فكما أنه لا يعتق عليه عبيد عبيده في الألفاظ السابقة فكذلك لا يعتق عليه من في ملكه (٨) إذا قال: كل مملوك أملكه أبدًا حرٌّ؛ لأنه محمول على الاستقبال، لاقتران كلامه بلفظ أبدًا الدال على ذلك، وكذلك لا يعتق عليه من يملكه في المستقبل لتعميمه المؤدي إلى الحرج والمشقة كما في الطلاق، ولهذا لو قال: إلى عشرين سنة أو ثلاثين سنة (٩) لزمه. (المتن) وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ، وَلَمْ يُقْضَ إِلَّا بِبَتِّ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ وَمَنْع مِنْ وَطْءٍ، وَبَيْعٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وَعِتْقِ عُضْوٍ، وَتَمْلِيكِهِ للْعَبْدَ وَجَوَابِهِ: كَالطّلَاقِ،

стр. 3103

إِلَّا لِأَجَلٍ، وَإِحْدَاكُمَا، فَلَهُ الاخْتِيَارُ، وَإِنْ حَمَلَتِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، وَإِنْ فَوَّضَ عِتْقُهُ لاثْنَيْنِ لَمْ يَسْتَقِل أَحَدُهُمَا إِنْ لَمْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ، وَلو قَالَ: إِنْ دَخَلْتُمَا فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا، وَعَتَقَ -بِنَفْسِ الْمِلْكِ- الأَبَوَانِ وَإِنْ عَلَوَا، وَالْوَلَدُ إِنْ سَفُلَ كَبِنْتٍ، وَأَخٍ، وَأُخْتٍ مُطْلَقًا، وَإِنْ بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ إِنْ عَلِمَ الْمُعْطِي وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَلَا يُكَمَّلُ فِي جُزْءٍ لَمْ يَقْبَلْهُ كَبِيرٌ، أَوْ قَبِلَهُ وَليُّ صَغِيرٍ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ، لَا بِإِرْثٍ، أَوْ شِرَاءٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ. (الشرح) قوله: (وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ، ولَمْ يُقْضَ إِلا بِبَتٍّ مُعَين) ونحوه في المدونة، قال فيها: ومن بت عتق عبده أو حنث به (١) في يمينه عتق عليه بالقضاء، ولو نذر عتقه لم يقض عليه وأمر بعتقه؛ لأن هذه عدة جعلها الله تعالى من عمل البر (٢) فيؤمر بها، ولا يجبر عليها (٣)، وفاعل (وجب) في كلامه ضمير يعود على العتق المفهوم مما تقدم. ابن يونس بعد كلامه على ما (٤) في المدونة: وقال أشهب: إذا قال لله على عتق رقبة (٥)، فأمر بعتقهم، فقال: لا أفعل، قضي عليه بعتقهم، وإن قال: أنا أفعل تُرك، وكذلك إن مات لم يعتقوا من ثلث ولا غيره (٦). قوله: (وهُو فِي خُصُوصِهِ وعُمُومِهِ وَمَنْعٍ من وَطْءِ وبِيْعٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وعِتْقِ عُضْوٍ، وتَمْلِيكِهِ للْعَبْدِ وجَوَابِهِ كَالطَّلاقِ) يريد: أن العتق يستوي مع الطلاق في التخصيص والتعميم، فيلزم مع التخصيص ككل مملوك أملكه من الصقالبة (٧) والبربر ونحو ذلك، أو قال من مصر أو الشام أو بلد كذا، أو إلى عشرين سنة أو ثلاثين سنة ونحو ذلك، ولا يلزمه إن عمم ككل مملوك أملكه (٨) ونحوه للحرج والمشقة، ونحو

стр. 3104

ذلك (١) في المدونة (٢). وأما منع السيد من وطء الأمة المحلوف بعتقها في صيغة الحنث فنص عليه أيضًا في المدونة وغيرها، وفرق فيها بين البر والحنث، فجعله في الحنث ممنوعًا من الوطء والبيع (٣) دون البر، وسوى في ذلك بين الزوجة والأمة (٤). وإن أعتق عضوًا من أمته أو عبده عتق عليه الجميع، كما إذا طلق عضوًا من زوجته قال في المدونة: ومن قال لعبده يدك حرة أو رجلك (٥) عتق عليه جميعه (٦)، والمعروف أن عتق الباقي موقوف على الحكم. اللخمي: وهو مذهب المدونة في باب الجنايات. وروى القاضي عبد الوهاب أنه يسري ولا يتوقف على الحكم (٧)، وحكم تمليكه العبد وحكم جوابه حكم الطلاق، وقال في المدونة: ومن ملك عبد العتق وقال: أعتق نفسك في مجلسك هذا أو فوض إليه، فقال العبد: اخترت نفسي (٨)، وقال: نويت بذلك العتق صدق وعتق؛ لأن هذا من حروف العتق وإن لم يُرِد به العتق فلا عتق عليه (٩)، وقال غيره: إذا قال لعبده عتقك بيدك أو أمرك في يدك في العتق، فقال العبد: اخترت نفسي أنه حر، وإن زعم أنه لم يُرِد بذلك العتق كما يكون ذلك في المملكة طلاقًا، وإن لم تُرِده. ابن يونس: وحكي عن بعض أصحابنا (١٠) القرويين أن الفرق عند ابن القاسم بين قول العبد (١١): اخترت نفسي وبين قول المملكة اخترت نفسي أن الزوج إنما يملكها في

стр. 3105

أن تقيم أو تفارق، والفراق لا يكون إلا بطلاق، فإذا قالت: اخترت نفسي علمنا أنها (١) أرادت الطلاق، وأما العبد فيمكن (٢) أن يختار لنفسه غير العتق حتى يريد به العتق (٣)؛ لأنا قد وجدناه يفارق سيده ويخرج من (٤) يده بمعانٍ شتى من البيع والهبة والصدقة، فلا يكون قوله: اخترت نفسي عتقًا حتى يريده، وأما لزوجته فلا يخرجها من عصمته إلا الطلاق. قلت: فعلى هذا ففي تشبيه الشيخ الجواب هنا بجواب (٥) تمليك الزوجة نظر، ثم ذكر ابن يونس فرقين آخرين ذكرناهما في الكبير. قوله: (إِلَّا لِأَجَلٍ) أي: فلا يتساوى البابان في ذلك؛ لأن الطلاق إلى أجل يقع مُنَجَّزًا لكونه يؤدي إلى نكاح مؤقت وهو ممنوع شرعًا، والعتق يجوز لأجل، ولا يقع إلا بعد انقضائه، وله أن ينتفع به ما دام الأجل باقي، وقاله في المدونة (٦). قوله: (وَإِحْدَاكُما، فَلَهُ الاخْتِيَارُ) أي: وكذا يختلف حكم الطلاق والعتق في هذه المسألة، ولذلك (٧) إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق، من غير نية، أو نوى واحدة ونسيها فإنهما يطلقان معا (٨) عليه، بخلاف ما إذا قال لأمتيه: إحداكما حرة، من غير نية فإنه يختار عتق (٩) من شاء منهما، ولهذا ذكر ذلك متلُوًّا بفاء السبب؛ أي: فبسبب كون العتق مخالفًا للطلاق يثبت له (١٠) الاختيار في التعيين، وقد ذكر في المدونة المسألتين (١١) كما هو

стр. 3106

هنا (١)، ومذهب المصريين في مسألة الطلاق كما قال، وذهب المدنيُّون إلى أنه يختار في الطلاق واحدة كالعتق، وفرق بين العتق والطلاق على مذهب المصريين (٢) أن العتق يتبعض ويجمع فيه السهم بخلاف الطلاق، وقيل: إن الطلاق فرع النكاح، وهو لا يجوز فيه الخيار، فكذلك فرعه، والعتق فرع الملك، وهو يجوز فيه الخيار، فكذلك فرعه، أبو الحسن (٣): وصورة ذلك أنه يجوز أن يشتري أمة من جماعة إماء على أن يختارها، ولا يجوز أن يتزوج امرأة من جماعة (٤) نساء على أن يختار واحدة. قوله: (وَإِنْ حَمَلَتْ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) يريد: أن العتق أيضًا يخالف الطلاق في هذه المسألة، وهي ما إذا قال لأمته: إن حَمَلْتِ فأنتِ حرة، قال في المدونة: وله وطؤها في كل طهر مرة (٥)، كما قال هنا، وإذا قال لزوجته (٦): إن حملت فأنت طالق. قال في المدونة: تطلق عليه إذا وطئها مرة (٧)، وقال عبد الملك: هي كالأمة (٨). قوله: (وَإِنْ فَوَّضَ (٩) عِتْقَهُ لاثْنينِ لَمْ يَسْتَقِل أَحَدُهُمَا إِنْ لَمْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ) ونحوه في المدونة (١٠). قوله: (ولو (١١) قَالَ إِنْ دَخَلْتُمَا فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا) هكذا قال في المدونة، ونصه: وإن قال لأمتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان ولزوجتيه فأنتما طالقتان (١٢)، فدخلت واحدة منهما فلا شيء عليه حتى يدخلا جميعًا، هذا قول ابن

стр. 3107

القاسم، ثم قال: وقال أشهب: تعتق الداخلة فقط (١)، زاد ابن يونس عن أشهب: ولا قول لمن قال لا يعتقان إلا بدخولهما جميعًا وإلا (٢) لمن قال: يعتقان بدخول واحدة، يشير به إلى ما روي عن ابن القاسم أنه يحنث بدخول واحدة فقط. قوله: (وعَتَقَ بِنَفْسِ الملْكِ الأَبَوَانِ وإِنْ عَلَوَا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ كَبِنْتٍ وَأَخٍ، وأُخْتٍ مُطْلَقًا) يريد: أن الشخص يعتق عليه بنفس الملك (٣) أبواه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم، وهو مراده بقوله: (وَإِنْ عَلَوَا) وكذلك يعتق عليه الولد وإن سفل ذكورهم وإناثهم ولهذا قال: (كَبِنْتٍ) (٤)، وكذلك يعتق عليه الأخ والأخت مطلقًا؛ أي: شقيقًا كان أو من قبل الأب فقط أو الأم فقط، وقد حكى جميع (٥) ذلك ابن الجلاب (٦)، وزاد: ولا يعتق عليه الأعمام والعمات والأخوال والخالات ولا ولد الإخوة ولا ولد الأخوات (٧)، ولا أحد سوى ما ذكرنا من القرابة (٨)، وهذا هو المشهور، وروى ابن خويز منداد عن مالك أنه لا يعتق عليه سوى (٩) والده أو ولده فقط (١٠)، ابن شاس: وزاد (١١) ابن وهب: العم خاصة وروي أنه يلحق به (١٢) كل ذي رحم محرم بالنسب (١٣)، وهم كل من لو كان امرأة لم يجز له نكاحها (١٤). واختلف هل يتوقف عتق

стр. 3108

هؤلاء على حكم أم لا، والمشهور أن العتق يقع فيهم بنفس الملك كما قال هنا، وفرق اللخمي فقال في الآباء والأولاد (١) كالمشهور، وفي غيرهم كالشاذ (٢). قوله: (وَإِنْ بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، إِنْ عَلِمَ الْمُعْطِي) يريد: أنه ليس من شروط عتق (٣) القرابة أن يكون الملك قد حصل فيه عن (٤) معاوضة، بل لو حصل بمعاوضة أو بهبة أو صدقة (٥) أو وصية كان الحكم في ذلك سواء، ابن القاسم (٦): والولاء للموصى له قَبِلَه أو ردَّه وكان يقول له: إن لم يقبله فالولاء لسيده، ثم رجع فقال: للموصى له (٧)، وكذلك في الهبة والصدقة في الصحة به أو ببعضه، وقاله أصبغ في الوصية، وأما الصدقة فقال: لا يعتق إلا أن يقبله، كله أو بعضه (٨)، ثم اشترط في عتقه على الواهب ومن ذكر معه العلم بأنه ممن يعتق عليه. قوله: (ولَوْ لَمْ يَقْبَلْ) أي: أنه يعتق عليه، وإن لم يقبل الهبة و (٩) الصدقة والوصية وهو قول ابن القاسم الذي رجع إليه. قوله: (ووَلاؤُهُ لَهُ) قد تقدم من كلام ابن القاسم أيضًا. قوله: (ولا يُكَمِّلُ فِي جُزْءٍ لَم يَقْبَلْهُ كَبِيرٌ، أَوْ قَبِلَهُ وَلِيُّ صَغِيرٍ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ) يريد: أن من

стр. 3109

وهب له جزء ممن يعتق عليه أو تُصُدِّق به (١) عليه أو أُوصِيَ له به فلم يقبل ذلك، فإنه يعتق عليه ذلك الجزء ولا يقوم عليه الباقي وهو مراده بعدم التكميل (٢) وهذا إذا كان الموهوب له أو المتصدَّق عليه كبيرًا، فإن كان صغيرًا فلا يقوم عليه سواء قبله (٣) وليه أم لا، ولا يعتق عليه ذلك (٤) الجزء (٥)، أما لو قبله كبير فإنه (٦) يُكَمَّل عليه، وقال عبد الملك: لا يكمل (٧) عليه في الهبة والوصية وإن قبله؛ لأن ما وهب له منه أو أوصى له به يعتق على كل حال قبله أم لا (٨). قال في المدونة: فإن وهب لصغير (٩) أبوه أو من يعتق عليه أو ورثه فقبل ذلك أبوه أو وليه (١٠)، فإنما يعتق عليه الشقص فقط، ولا تقويم على الصبي ولا على أبيه أو وصيه (١١)، وإن لم يقبل ذلك الأب ولا الوصي فهو حر على الصبي (١٢). قوله: (لا بِإِرْثٍ، أَوْ شِرَاءٍ وعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ) يريد: أن ما تقدم من الشقص يعتق عليه (١٣) قريبه إذا ملكه مشروط بألا يكون عليه دين يغترق قيمته، فأما إذا ورثه أو اشتراه وعليه دين (١٤) فإنه لا يعتق عليه

стр. 3110

بسبب ذلك بل (١) يباع عليه (٢)، وقاله ابن القاسم، وقال أشهب: إذا ورثه عتق عليه (٣). (المتن) وَبِالْحُكْمِ إِنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ بِرَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ، أَوْ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ غَيْرُ سَفِيهٍ، وَعَبْدٍ، وَذِمِّيٍّ بِمِثْلِهِ، وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، وَمَدِينٍ كَقَطعِ ظُفْرٍ، أَوْ قَطْعِ بَعْضِ أُذُنٍ، أَوْ جَسَدٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ سَحْلِهَا، أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ، أَوْ عَبْدٍ تَاجِرٍ، أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ، لَا غَيرِهِ، وَفِي غَيرِهَا فِيهِ قَوْلَانِ. وَالْقَوْلُ لِلسَيِّدِ فِي نَفْيِ الْعَمْدِ، لَا فِي عِتْقٍ بِمَالٍ، وَبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ؛ إِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَالْبَاقِي لَهُ، كَأَنْ بَقِيَ لِغَيْرِهِ، إِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ، وَكَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوِ الْعَبْدُ. (الشرح) قوله: (وبِالْحُكْمِ إِنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ برَقِيقِهِ (٤)، أَوْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ أَو لوَلَدٍ صَغِيرٍ غيرِ سَفِيهٍ، وعَبْدٍ، وذِمِّيٍّ بِمُثْلَةٍ) المثلة بضم الميم وسكون الثاء المثلثة، وفتح الميم وضم الثاء، وبالضم فيهما وهي العقوبة، قاله عياض (٥). ومراده أن (٦) من مَثَّل برقيقه ونحوه مُثْلَةً تشينه متعمدًا لذلك فإنه يعتق عليه بالحكم عند ابن القاسم (٧) خلافًا لأشهب (٨)، وقال (٩) ابن عبد الحكم: يعتق عليه بالمثلة المشهورة بنفس المثلة، وبغيرها بالحكم، وقال

стр. 3111

اللخمي: يعتق في البينة (١) بالحكم وفي غيرها قولان (٢)، وما ذكر هنا من أنه لا يعتق عليه إلا أن يقصد شين عبده، نص عليه عيسى فقال: لا يكون مثلة بضربه واحدة (٣) أو رميه، وإن كان عامدًا لذلك إلا أن يكون عامدًا للمثلة يضجعه فيمثل به في مثل ما يقاد للابن من أبيه. ولا فرق في رقيقه بين أن يكون قنًّا أو فيه شائبة من شوائب الحرية (٤). قال في المدونة؛ وكذا رقيق رقيقه أو رقيق ولده الصغير ويقوم عليه رقيق ولده الصغير (٥) إن كان موسرًا وإلا لم يُقَوَّم (٦) عليه (٧)، اللخمي: وفهم من تقييده الولد بكونه صغيرًا أنه لو كان كبيرًا لكان الحكم غير ذلك، وهو صحيح، وقد نصوا على أن عبد ولده الكبير كعبد الأجنبي لا يعتق عليه إلا أن يبطل منافعه، وإذا مثل السفيه (٨) برقيقه فإنه لا يعتق عليه وهو مذهب ابن القاسم الذي رجع إليه في الموازية (٩)، وعنه أيضًا أنه يعتق عليه وهو مذهب ابن وهب وأشهب وأصبغ (١٠). واتفقوا على أن الصغير والمجنون لا يلزمهما عتق بالمثلة، وكذلك العبد إذا مثل برقيقه عند ابن القاسم، لأنه الإتلاف لمال سيده، وقال أشهب: يعتق عليه، وكذلك لا يلزم الذمي (١١) عتق عبده (١٢) إذا مثل به، واختاره أصبغ، وقال أشهب: يلزم الذمي عتق عبده (١٣) وهو اختيار ابن حبيب (١٤)، واللخمي، لأنه من رفع التظالم

стр. 3112

بينهم (١)، أما لو مثل به بعد إسلام العبد فإنه يعتق عليه. واحترز بالذمي من المعاهد فإنه لا يعتق عليه باتفاق (٢)، وقاله ابن القاسم وأشهب (٣). قوله: (وزَوْجَةٍ، ومَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، ومَدِينٍ (٤)) أي: وكذلك لا يعتق على المرأة والمريض إذا مَثَّلا برقيقهما في ما زاد على ثلثهما ويتوقف ذلك على رضا الزوج والورثة، وهو قول (٥) ابن القاسم وسحنون في المرأة (٦)، وقال أشهب: لا يتوقف على رضاه (٧)؛ بناء على أن العتق بالمثلة حد من الحدود يوجب ذلك مطلقًا أذن أم لا. أما لو مَثَّلا بعبده قيمته الثلث لعتق عليهما من غيره توقيف (٨) على رضا الزوج والورثة من غير خلاف، واختلف في المديان هل يعتق عليه بالمثلة وهو قول أشهب أولا، وهو قول ابن القاسم (٩). قوله: (كقَطعٍ ظُفْرٍ، أو قَطْعِ بَعْضِ أُذُنٍ، أَوْ جَسَدٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ سَحْلِهَا أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ، أَوْ عَبْدٍ تَاجِرٍ) هذه الأشياء (١٠) مثلة الشين الذي تحصل به المثلة الموجبة للعتق، فأما قطع الظفر (١١) فحكى القاضي عياض (١٢) الاتفاق عليه (١٣)؛

стр. 3113

أي (١): على العتق به، وأما قطع بعض الأذن أو بعض الجسد فقد نص عليه مالك في الموازية، وكذلك قال مالك (٢): إن خرم أنفه أو قطع أشراف أذنيه عتق عليه (٣). وأما قلع (٤) الأسنان وسحلها؛ أي: بردها بالمبرد فلا خلاف أنه موجب للعتق (٥) في السن الواحدة أو السنين، فعن مالك أنه يعتق بذلك خلافًا لأصبغ إلا في جل (٦) الأسنان (٧)، وإلى الأول أشار بقوله: (أَوْ سِنٍّ، أوْ سَحْلِهَا). وأما لو حلق شعر الأمة ولحية العبد فإن لم تكن الأمة (٨) رفيعة ولا (٩) العبد تاجرًا فلا خلاف أن ذلك غير موجب للعتق، واختلف في الرفيعة والتاجر، فعن مالك ومطرف أنهما لا يعتقان (١٠) لذلك (١١)، عياض: لأنه يعود سريعًا لهيئته ويستر الرأس بالوقاية والعمة (١٢) وفي الوجه بالتلثم إلَّا أن يعود (١٣)، وعن المدنيين (١٤) أنهما يعتقان وقاله (١٥) ابن الماجشون (١٦)، واختاره اللخمي إن كان لا يعود لهيأته، والأول إن كان يعود (١٧).

стр. 3114

قال أشهب وابن وهب وأصبغ: ومن أبق عبده فوسمه في جبهته (١) بأن كتب فيه آبق يعني: بالنار فإنه يعتق عليه؛ لأنه شين فاحش، قال أصبغ: وأما لو جعل (٢) ذلك في ذراعه أو باطن جسده لم يعتق عليه (٣)، وإليه أشار بقوله: (أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ، لا غَيْرِهِ)؛ أي: لا غير الوجه (٤). ابن شاس: ولو وسمه في وجهه بمداد أو بإبرة على ما يفعله الناس فقال أشهب (٥): لا يعتق عليه؛ لأن الناس قد تفعله على وجه الجمال مع أن ألمه قليل ولا شيء (٦) فيه، وقال ابن وهب: يعتق عليه، وروى ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ (٧): ومن وسم وجه عبده عتق عليه ولم يفرق بين النار ولا غيرها (٨). ولما لم يترجح عند الشيخ أحد القولين قال: (وفي غَيْرِهَا قَوْلانِ) أي: وفي غير النار في الوجه قولان (٩). قوله: (وَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ فِي نَفْيِ الْعَمْدِ) أي: إذا تنازعا في المثلة، فادعى السيد أنه فعلها خطأ، وقال العبد: عمدًا، فإن السيد مصدق وإليه رجع سحنون (١٠) وصححه ابن الحاجب (١١)، واستحسنه اللخمي: لأنه مأذون له في الأدب (١٢)، ولسحنون أيضًا أن

стр. 3115

العبد مصدق. قوله: (لا فِي عِتْقٍ بِمَالٍ) يشير به إلى ما قال في المدونة عن ابن القاسم: وإذا قال سيد العبد: أعتقته أمس (١) على مال، وقال العبد بل على غير مال فالقول قول العبد ويحلف، وقال أشهب: القول قول السيد ويحلف (٢). وقوله: (وبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ، إِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا والْبَاقِي لَهُ كَأَنْ بَقِيَ لِغَيْرِهِ) هذا معطوف على قوله: (وَبِالْحكْمِ إِنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ) وهما معطوفان على قوله: (وعَتَقَ بِنَفْسِ الملْكِ الأَبَوَانِ) ومراده أن السيد يعتق عليه بالحكم جميع الرقيق إن أعتق جزءًا منه، والباقي له كما إذا كان الجزء الرقيق لغيره إن دفع السيد قيمته يوم العتق وهذا هو المعروف. وحكى اللخمي وغيره فيما إذا كانت البقية له أو لغيره ثلاثة أقوال وجميعها لمالك، قال مرة: يوقف العتق على الحكم، وقال مرة: بنفس العتق، وقال مرة: إن كان الباقي له فبنفس العتق، وإن كان لغيره فحتى يحكم به (٣). وفيها قول رابع: إن عمم بالعتق (٤) نصيبه ونصيب غيره، فقال: نصيبي ونصيب فلان حر عتق بنفس ذلك (٥) وإلا فبالحكم (٦)، ومراده بالجزء النصف أو الثلث والربع أو ما أشبه ذلك، ويريد: وكذلك لو أعتق عضوًا منه وهو مشترك بينه وبين غيره (٧). قوله: (إِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ) أي: يوم الحكم (٨). ابن شاس: وهو أظهر (٩) الروايتين أن السريان لا يحصل إلا بالتقويم ودفع القيمة للشريك قال ويتفرع على الروايتين. مسائل إحداهما زمان اعتبار القيمة فعلى (١٠) أظهر الروايتين إذا (١١) قصر العتق

стр. 3116

على (١) نصيبه، وإن عمم في جملة العبد فيوم العتق، وقال مطرف وابن الماجشون: بل يوم الحكم كالمقتصر على نصيبه، وروي عن أشهب وأصبغ وابن عبد الحكم قال: وأما على الرواية الأخرها فيوم العتق على كل حال (٢). قوله: (وَكَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا) اعلم أن المعتِق وشريكه تارة يكونان مسلمين وتارة ذميين وتارة يكون المعتق مسلمًا دون شريكه أو (٣) بالعكس والعبد تارة مسلمًا وتارة كافرًا، وهي ثمانية أقسام (٤) فلا خلاف في وجوب التقويم على من أعتق منهما إذا كانا مسلمين سواء كان العبد مسلمًا أو كافرًا لقوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا (٥) لَهُ فِي عَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ (٦) ". وإن كانا ذميين والعبد مسلمًا ففي ذلك روايتان أصحهما وجوب التقويم (٧)، والأخرى عدم التقويم (٨)، وإن كان العبد كافرًا فلا تقويم؛ لأنا لا نعرض لهم، وإن كان المعتِق وحده مسلمًا وجب عليه التقويم أيضًا، وسواء كان العبد مسلمًا أو ذميًّا للحديث (٩). وإن كان المعتِق ذميًّا وشريكه مسلمًا فقال ابن القاسم في المدونة: إن كان العبد مسلمًا وجب التقويم، وإن كان ذميًّا لم يجب، وقال غيره (١٠): يقوم على الذمي مطلقًا (١١)، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأحد قولي ابن المواز (١٢)، ورواه

стр. 3117

أشهب (١)؛ لأنه حكم بين مسلم وكافر، ولمالك في المختصر: عدم التقويم (٢)، واستحسنه اللخمي، وبناه على عدم الخطاب (٣). ولبعض القرويين رابع بالفرق بين أن يبين النصراني العبد عن نفسه فيجب التقويم أم لا يبينه فلا يجب، وقد احتوى كلامه (٤) ﵀ على الأقسام الثمانية؛ لأن قوله: (وكَان الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا) يشمل ما إذا كان السيدان مسلمين والعبد مسلمًا أو كافرًا، أو المعتِق وحده مسلمًا والعبد مسلمًا أو كافرًا. قوله: (أَوِ الْعَبْدُ) أي: ويكون العبد مسلمًا وذلك يشمل ما إذا كان السيدان ذميين أو المعتِق وحده مع إسلام العبد، وفهم من تقييده المعتِق والعبد بالإسلام أنهما لو كانا كافرين فلا تقويم سواء كان الشريك مسلمًا أو ذميًّا وهو قول ابن القاسم كما تقدم، وهذان القسمان إنما يؤخذان من كلامه بالمفهوم. (المتن) فَإِنْ أَيْسَرَ بِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا فمُقَابِلُهَا، وَفَضَلَتْ عَنْ مَتْرُوكِ الْمُفَلَّسِ وَإِنْ حَصَلَ عِتْقُهُ بِاخْتِيَارِهِ لَا بِإِرْث، وَإِنِ ابْتَدَأَ الْمُعْتِقُ؛ لَا إِنْ كَانَ حُرَّ البَعْضِ، وَقُوِّمَ عَلَى الأَوَّلِ، وَإِلَّا فَعَلَى حِصَصِهِمَا إِنْ أَيْسَرَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوسِرِ، وَعُجِّلَ فِي ثُلُثِ مَرِيضٍ أُمِنَ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَى مَيِّتٍ لَمْ يُوصِ، وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكِهِ مِنَ الْعِتْقِ وَنُقِضَ لَهُ بَيعٌ مِنْهُ، وَتَأْجِيلُ الثَّانِي، وَتَدْبِيرُهُ. وَلَا يَنْتَقِلن بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَحَدَهُمَا، وَإِذَا حُكِمَ بِبَيْعِهِ لِعُسْرِهِ مَضَى، كَقَبْلَهُ ثُمَّ أَيْسَرَ؛ إِنْ كَانَ بَيِّنَ الْعُسرِ وَحَضَرَ الْعَبْدُ، وَأَحْكَامُهُ قَبْلَهُ كَالْقِنِّ، وَلَا يَلْزَمُ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ، وَلَا قَبُولُ مَالِ الْغَيْرِ، وَلَا تَخْلِيدُ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ بِرِضَا الشَّرِيكِ، وَمَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ لِأَجَلٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْتَقَ جَمِيعُهُ عِنْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَبُتَّ الثانِي فَنَصِيبُ الأَوَّلِ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ تَقَاوَياهُ لِيُرَقَّ كُلُّهُ أَوْ يُدَبَّرَ. (الشرح) قوله: (فإنْ (٥) أَيْسَرَ بِهَا، أو بِبَعْضِهَا فَمُقَابِلُهَا) يريد: أن المعتِق يجب عليه تقويم الجزء

стр. 3118

الباقي ويغرم لشريكه قيمته إن كان موسرًا أو أيسر بها، وإن أيسر ببعض القيمة عتق ما يقابلها من نصيب شريكه، قالوا: ويعلم عدم يسره بأن لا يكون له مال ظاهر ويسأل عنه جيرانه ومن يعرفه، فإن لم يعرف (١) له مال حلف ولم يسجن، وقاله ابن الماجشون، وسحنون: وقاله جميع أصحابنا، إلا اليمين فإنه لا يستحلف (٢). قوله: (وفَضَلَتْ عَنْ مَتْرُوكِ الْمُفْلِسِ) يريد: أن القيمة التي يكون الشريك موسرًا بها أو ببعضها هي ما يفضل عن مقدار ما يتركه الغرماء للمفلس إذا قاموا عليه، وقد تقدم أن الذي يترك له هو قوتُهُ الأيامَ هو وأهله وكسوة ظهره، قال في المدونة: ويباع عليه شوار بيته والكسوة ذات البال، ولا يترك له إلا كسوته التي لا بد له منها، وعيشة الأيام (٣)، انظر الكبير. قوله: (وَإِنْ حَصَلَ عِتْقُهُ بِاخْتِيَارِهِ، لا بِإِرْثٍ) من شروط وجوب التقويم على الشريك المعتِق أن يكون العتق (٤) صدر منه (٥) في نصيبه اختيارًا، فلو كان جبرًا لم يقوم عليه كما إذا ملك جزءًا ممن يعتق عليه بالقرابة فإنه (٦) يعتق عليه الجزء الذي ملكه فقط، ولا يقوم عليه الباقي، وإن كان مليًّا. قوله: (وَإِنِ ابْتَدَأَ الْمُعْتِقُ) هذا أيضًا من شروط (٧) التقويم وهو أن يكون (٨) المعتِق هو الذي ابتدأ العتق أو (٩) بعضه؛ لأنه هو الذي أفسد الرقبة بإظهار (١٠) العتق فيها.

стр. 3119

قوله: (لَا إِنْ كَانَ حُرَّ الْبَعْضِ) أي: فإن كان العبد بعضه حر كثلثه أو نصفه والباقي للمعتِق أو (١) لغيره فأعتق نصيبه فلا يقوم (٢) عليه؛ إذ لم يبتدئ تبعيض الرقبة. قوله: (وقُوِّمَ عَلَى الأَولِ، وَإِلا فَعَلَى حِصَصِهِمَا إِنْ أَيْسَرَ، وإِلا فَعَلَى الْمُوسِرِ) أي: فلو أعتق شخص حصته من عبد ثم أعتق شريكه نصيبه وبقيت منه بقية لثالث (٣)، فإن التقويم على الأول منهما؛ لأنه المبتدئ بتبعيض العتق فيقوم (٤) قيمة مناب الثالث، اللخمي (٥): إلا أن يرضى الثالث أن يقوم على الثاني، فإن رضي بذلك قوم عليه، ولا مقال للأول لأن الأول لا يستحق الاستكمال وإنما هو حق للعبد، فلو كان الأول معسرًا فلا يقوم على الثاني (٦) إن (٧) كان موسرًا (٨)، وقاله جميع الأصحاب إلا ابن نافع، فقال: يقوم على الثاني فإن لم يكن العتق وقع مرتبًا كما تقدم بل وقع منهما دفعةً واحدةً، فإن التقويم عليهما معًا إن كانا موسرين من غير خلاف، والمشهور ما ذكره من أن ذلك على قدر حصصهما فإذا كان العبد لثلاثة؛ لأحدهما السدس، وللآخر الثلث، وللآخر النصف، فأعتق من له السدس مع صاحب الثلث، فعلى صاحب الثلث ثلثا نصيب الثالث، وعلى صاحب السدس الثلث الباقي منه، وقال عبد الملك: على كل واحد منهما (٩) نصف نصيب الثالث (١٠)، فإن لم يكونا معًا موسرين بل كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا فكما قال إن التقويم على الموسر فقط، سحنون: وهو قول مالك وأكثر أصحابه، وقال عبد الملك: لا يقوم عليه (١١) إلا ما كان يلزمه في مِلاء الآخر، وهو

стр. 3120

مروي عن مالك، ونقله في الواضحة عن المصريين (١). قوله: (وعُجِّلَ فِي ثُلُثِ مَرِيضٍ أُمِنَ) نحوه في المدونة، قال فيها: وإذا أعتق المريضُ شقصًا له في رقبة (٢) أو نصف عبد يملك جميعه فإن كان ماله مأمونًا عتق عليه الآن جميعه وغرم قيمة نصيب شريكه، وإن كان غير مأمون لم يعتق نصيبه ولا نصيب شريكه إلا بعد موته فيعتق في ثلثه، وليغرم قيمة نصيب شريكه ثم قال: وإن لم يحمل الثلثُ ذلك عتق في الثلث مَبْلَغُهُ، ورَقَّ باقيه، وإن عاش لزمه عتق بقيته (٣)، قال: وليس المال المأمون عند مالك إلا في الدور والأرضين والنخل والعقار، ولمالك قول ثانٍ (٤) في المبتِّل في المرض: إن حكمه (٥) حكم العبد حتى يعتق بعد الموت في (٦) الثلث كان له مال مأمون أو غير مأمون، وقد رجع مالك إلى ما وصفنا (٧)، وفي كتاب محمد: أنه يقوم الآن ولا يقوم بعد الموت (٨)، وقيل: لا يقوم (٩) إلا بعد الموت (١٠). عياض: وفي المسألة قول رابع: أنه لا يقوم نصيب الشريك في مرضه، وإنما يعتق عليه في الثلث شقصه فقط إلا أن يصح فيقوم عليه إلا أن يكون له مال مأمون (١١) فيقوم عليه وهو قول عبد الملك وابن حبيب (١٢). وفيها قول خامس: أن الشريك يخير بين التقويم، وقبض (١٣) الثمن ويبقى كله
следующие страницы →