صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٢) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 37
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٢) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 38
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٣) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 39
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٣) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 40
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٤) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 41
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٤) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 42
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٥) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 43
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن ٥) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
стр. 44
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز ١) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٣٠٨٧٠٨ في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
стр. 45
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز ١) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٣٠٨٧٠٨ في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
стр. 46
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز ٢) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٣٠٨٧٠٦ في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
стр. 47
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز ٢) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٣٠٨٧٠٦ في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
стр. 48
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز ٣) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٣٠٨٧٠١ في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
стр. 49
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز ٣) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٣٠٨٧٠١ في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
стр. 50
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ح ١) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٩٠٩٨ في الخزانة الحسنية بالرباط
стр. 51
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المرموز لها بالرمز (ح ١) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٩٠٩٨ في الخزانة الحسنية بالرباط
стр. 52
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ح ٢) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٩٤١٤ في الخزانة الحسنية بالرباط
стр. 53
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المرموز لها بالرمز (ح ٢) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٩٤١٤ في الخزانة الحسنية بالرباط
стр. 54
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ت) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٨٣٧٠١ HK في المكتبة المليّة (العامة) بأنقرة
стр. 55
صورة الصفحة الختم من النسخة المرموز لها بالرمز (ت) والتي يحفظ أصلها تحت رقم ٨٣٧٠١ HK في المكتبة المليّة (العامة) بأنقرة
стр. 56
تحبير المختصر
وهو الشرح الوسَط على مختصر خَليل في الفقه المالكي
تأليف
تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز الدميري
المتوفى سنة ٨٠٣ هـ
تحقيق
د. أحمد بن عبد الكريم نجيب
د. حافظ بن عبد الرحمن خير
стр. 57
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على نبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
الحمد لله الذي جعل حمده نعمةً من نعمه، وشرح الصدور له، وله الشكر ليزيد من فضله وكرمه، وصلى الله على أشرف الخلق، سيدنا محمد النبي الأمي الذي الكلم الطيب من جوامع كلمه، وعلى آله وأصحابه وسلم صلاة وتسليمًا دائمين نفوز بهما في عليين مع الآمنين من عذابه ونقمه.
أمَّا بعد:
فإنَّ سيدنا شيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة رحلة الطالبين صدر المدرسين، مفتي المسلمين غرس الدين خليلًا ابن الشيخ الصالح المرحوم نجم الدين إسحاق المالكيَّ (١) تغمده الله برحمته، وأسكنه أعلى جنته كان في العلم إمامًا تَعَبَّد به فما بدَّلَه جهلًا ولا حَرَّفَه، وحُكِّمَ قلم فتياه في الدم، والفَرْج، والمالِ وصَرْفهِ، وصوّغ ذكره الزكي؛ فعلى الحالين عرّفه، فرفع الله تعالى ذِكْره وأعلى قدره بملازمة الاشتغال، والانشغال، والمداومة على طريق شيخه سيدنا الشيخ الإمام العلامة العالم المحقق الأوحد الكامل أبي محمد عبد الله المنوفي (٢) رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته وعلومه فلم يزل كذلك إلى أن رفعه الله تعالى على أهل عصره في استحضار فقه مذهب الإمام الأعظم إمام دار الهجرة النبوية وسلَّم له (٣) في ذلك أهل دهره وسأله جماعة أن يصنف مختصرًا في الفقه مقتصرًا فيه على بيان ما يُفتَى به على مذهب الإمام المذكور ﵁ وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه وضاعف لنا وله الأجور إنه هو العزيز الغفور؛
стр. 58
فوضع كتابًا فيه إجابةٌ لهم في مطلوبهم ورغبة في تحصيل مرغوبهم، فلما كثر اختلاف الأشياخ في كثيرٍ من المسائل في التشهير والترجيح فيها وفي ما به يفتى، سلك طريقًا واصطلاحًا لا عوج فيه ولا أمتًا، ونبَّه في خطبته على ما سلكه والتزمه واعتبره في هذا المختصر، وفيه ما أفهمه، فلما كمل على حسن إحكام، وفيَّ بذلك ورتب الأحكام، اخترمته المنية قبل تبييض بقيته، وشرح قصده وطريقته، وتبيين مقفله وحل مشكله. فسألني بعض الطلبة أن أضع عليه ما يشرح مقاصِدَهُ ويحل مشكله، ويبين مقفله ومجمله، مع ذكر الخلاف وطرق الأشياخ، فكتبت عليه بعد الاستخارة ما يبين إن شاء الله تعالى معانيه، ويوضح مقاصده ومبانيه، مع ذكر طرق الأشياخ، واختلاف الروايات، وإعزاء النقل الغريب إلن قائله، كما هو في المبسوطات، وذِكْرِ ما أهمله في توضيحه على ابن الحاجب (١) وهنا، وإيضاح ما استطعته إيضاحًا بَيِّنًا (٢).
واللهَ تعالى أسألُ أن يعين على إتمامه وإكماله، وأن ينفع به من كتبه ونظر فيه، أو شيئًا منه، فإن ذلك من إنعامه وإفضاله، وسميته: "تحبير المختصر"، مع اعترافي بالعجز والتقصير، وإنما الموفق هو الله تعالى نعم المولى ونعم النصير.
стр. 59
(المتن)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَقُولُ الفَقِيرُ المُضْطَرُّ لِرَحْمَةِ رَبِهِ، الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى، خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيُّ:
(الشرح)
ذكر الشيخ: بعد أن بدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وبعد أن صلى على النبي محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه، اتباعًا لصاحب الشاطبية رحمه الله تعالى ونفعنا به، واقتداءً بقوله ﷺ : "كلُّ أمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْتَدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ" (١)، ثم ثَلَّثَ بحمد الله قاصدًا الأخذَ بالأحاديث المروية في البداية بالشيء، فبدأ بذلك قبل ذكر قصده في هذه الخطبة؛ ليكون ذلك والله تعالى أعلم أنجح له في مطلوبه، فقال بعد البسملة والصلاة على النبي ﷺ : فيقول معترفًا ليغفر الله تعالى له ما قد سلف ولقد أخبرني بعض الطلبة أنه رئي في النوم بعد وفاته، وأخبر الرائي له أنه غفر الله تعالى له ولمن صلى عليه، وحَسُنَ استفتاحِهِ بالخُضُوع والاضطرار إذ ذلك حقيق بتحصيل قصده، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، فسأل الله تعالى الرحمة إذ كلنا مضطرون.
(المتن)
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي مَا تَزَايَدَ مِنَ النِّعَمِ، وَالشُكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلانَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَّ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَنَسْالُهُ اللُّطْفَ وَالإعَانَةَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَحَالِ حُلُولِ الإِنْسَانِ فِي رَمْسِهِ.
(الشرح)
الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، والمختارُ من الأقوال: أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعًا لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، وقوله ﷺ : لما قام حتى تفطرتْ قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" (٢).
стр. 60
والحمد يختص بالقول؛ فإن نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصة كان الحمد أخص من الشكر، وإن نظرنا إليهما بالنسبة إلى الإحسان الصادر من المحمود كان الحمد أعم من الشكر (١)؛ فلهذا جمع المصنف ﵀ بينهما إشعارًا بأن الحمد والشكر له واجبان مترادفان في حقِّ الله تعالى، ودلَّ على ذلك بقوله أولًا: (حمدًا يوافي ما تزايد من النعم) لأنه سبحانه ابتدأ بالنعم، إذ أَوْجَدَنا بعد العَدَم، ومَنَّ علينا بالإسلام والإيمان في سالف القِدَم، ثم أَهَلنا ووفقنا لسلوك سُنن العلماء المقتدين بسيد العرب والعجم، سيدنا محمد النبي الأمي ﷺ وشرَّفَ وكرَّمَ.
والحمد والشكر عند ثعلب مترادفان؛ وهو موافق لظاهر قول سيبويه.
قال أبو الحسن بن أبي الربيع ﵀: "وأكثر اللغويين فرقوا بينهما" وأشار إلى ما قدمناه، ثم قال: "ولعل التفرقة إنما جاءت بعُرْفِ الاستعمال؛ وفي أصل اللغة هما بمعنى واحد وهما مَصْدَرَان، والأصل في المصدر ألا يُجْمَع".
وحكى ابن الأعرابي جمع الحمد على أَحْمُد فقال:
وأملح (٢) محمود الثناء خصصته ... بأفضل أقوالي وأفضل أَحْمُدي
والظاهر أن قوله: (حمدًا) معمول بفعل (٣) مقدر مدلول عليه بما تقدم فهو مَصْدَرٌ؛ أي: أحمده حمدًا، ويحتمل أن يكون معمولًا للمقدر الذي تعلق به الجار والمجرور، أي: الحمد ثابت لله حالة الحمد الموافي المتزايد من النعم.
ويكون قوله: (ما تزايد من النعم) مشيرًا به إلى ثبوت الحمد لله تعالى واستمراره له في سائر الأحوال.
ومعنى يوافي: يلاقي؛ ما تزايد من النعم أي: فتحصل معها، وقد سلك في هذا ما قاله المتأخرون من أصحاب الشافعي الخراسانيين رضي الله تعالى عنهم وعن العلماء أجمعين: لو حلف إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد - ومنهم من قال بأجل التحاميد - فطريقه في بر يمينه أن يقول: الحمدُ لله حمدًا يوافي نِعَمَهُ ويكافئ مزيده (٤).
стр. 61
فاختصر المصنف ﵀ ذلك وأتى بمعناه فأحسن؛ إذ معناه: يلاقي نعمه فيحصل معها، ومعنى يكافئ بهمزة في آخره أي: يساوي مزيد نعمه؛ ومعناه ليقوم بشكر ما زاده من النعم والإحسان، ولما قالوا: لو حلف ليثنين على الله تعالى أحسن الثناء فطريق البر أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك أنت كا أثنيتَ على نفسك.
قال الشيخ محيي الدين النواوي (١) رحمه الله تعالى ونفعنا به: وزاد بعضهم في آخره: فلك الحمد حتى ترضى، وصوَّر أبو سعيد المتولي المسألة فيمن حلف ليُثْنِيَنَ على الله بأجمل (٢) الثناء وأعظمه (٣)، وزاد في أول الذكر: سبحانك. وعن أبي نصر التمار عن محمد بن النضر: قال: "قال آدم ﷺ : شَغَلْتَني بِكَسْبِ يَدَي فَعَلِّمْنِي شَيْئًا فِيهِ مَجَامِعُ الحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ، فَأَوحَى اللهُ ﵎ إِليهِ: يَا آدَمُ، إِذَا أَصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلاثًا لَماِذَا أَمْسَيتَ فَقُل ثَلاثًا الحمْدُ للهِ رَبَّ العَالمينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ؛ فَذَلِكَ مَجَامِعُ الحمْدِ وَالتسْبِيحِ" والله تعالى أعلم وبه التوفيق (٤).
ولا خلاف (٥) أنَّ العلماءَ رضي الله تعالى عنهم استحبوا البداءة في كل مصنَّف وبين يدي الأمور المهمة بالحمد لله تعالى لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
стр. 62
اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النمل: ٩٣]، ولما في سنن أبي داود - وابن ماجه (١) ومسند أبي عوانة الإسفراييني المخرج عن صحيح مسلم ﵏، عن أبي هريرة ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للهِ أَقْطَعُ". وفي رواية: "بِحَمْدِ اللهِ"، وفي رواية: "بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَعُ"، وفي رواية: "كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ بِهِ بحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ". وفي رواية: "كُلّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْطَعُ" (٢). هذه الألفاظ مووية في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي. قال الشيخ محيي الدين: وهو حديث حسن (٣).
وحسن من المصنف: هذا الابتداء إذ فيه الجمع بين التسمية، والثناء، والصلاة على النبي ﷺ ، ولفظ (الحمد) أولى من لفظ (حمد) و (أحمد)؛ لأن (أل) في (الحمد) لتعريف الجِنْس وكذلك في الشكر؛ فدل بالمطابقة على استغراق حمد كل حامد وشكر كل شاكر، وفيه إشعار باستغنائه عن حمد عبيده.
وعن تقدير (حمدت) أو (أحمد) قبل قوله: (حمدًا) لكون المصنف ﵀ قصد الجمع في لفظه بين (الحمد) و (حمده) و (أحمد).
وقوله: (يوافي ما تزايد من النعم وعلى ما أولانا) فيه مناسبة لما يقصده من تصنيف
стр. 63
هذا المختصر؛ إذ هو من تزايد النعم لله تعالى عليه وإيلائه الفضل والكرم.
وحسن أيضًا قوله: (لا أحصي ثناء عليه) إلى آخره. للاقتداء بسيدنا رسول الله ﷺ . ولئلا يتوهم متوهم من مساواة الحمد لما تزايد من النعم عدم الاعتراف بالعجز عن الشكر، فصرح بالاعتراف بالعجز عن (١) شكر الله تعالى، وعجز الإنسان عن شكر الله تعالى ثابت لا شك فيه؛ إذ الحمد له سبحانه هو بتوفيقه، وتوفيقه نعمة متجددة وهو بتوفيقه كما أن السابقة بتوفيقه، وتوفيقه للشكر أيضًا نعمة يستوجب بها الشكر، وكذلك الشكر نعمة؛ لأنَّه بتوفيقه.
وقد دخل بعضهم الجنة بقوله: الذي حمده نعمة من نِعَمِهِ يستوجب عليها شكرًا.
وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ولما كان هذا الأمر الذي قصده المصنف ﵀ من أجلّ الأمور التي لها بال سأل الله تعالى اللطف به، والإعانة في جميع الأحوال؛ التي من جملتها الحالة التي يختصر فيها المسائل الفقهية على مذهب الإمام مالك ﵁ وعن سائر العلماء؛ وصرح بقوله: (وحال حلول الإنسان في رَمْسِه)، أي؛ في قبره، وإن كانت هذه الحالة داخلة في قوله: (جميع الأحوال) إلا أن ذلك أحسن؛ إذ هو كمالٌ في الخضوع والتذلل والخشوع؛ إذ هذه الحالة أول أحوال الآخرة، فإذا حصل للإنسان اللطف فيها، والإعانة سهل عليه ما عداها، وحصل له كل خير، وأَمِنَ من كل ضُرٍّ، جعلنا الله تعالى ممن لطف به وأعانَهُ في ذلك، وفيما قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
(المتن)
وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلىَ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَم، الْمَبعُوثِ لِسَائِرِ الأُمَمِ. صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى الِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأُمَّتِهِ أَفْضَلِ الأُمَمِ.
(الشرح)
فيه مسائل:
الأولى: أتى المصنف بهذه الصيغة التي هي خبر عطفًا على الحمد والشكر، وقصد بها تقديمَها على دعائه باللطف والإعانة؛ إذ (الواو) لا تقتضي ترتيبًا على القول المصيب - خلافًا لبعض الكوفيين - وقصد خَتْمَ دعائه بالصلاة على النبي ﷺ .
الثانية: قصد المصنف أيضًا بهذه الصيغة -والله أعلم- الطلب ليكون امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وعلى حمل الصيغة
стр. 64
على الإخبار قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧].
قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: وهل يحتاج في امتثال الأمر إلى إنشاء قصد، واستحضار النية لطلب، وإخراج الكلام عن حقيقته من الخبر؛ وأجاب بأنه: إن كان اللفظ المستعمل قد كثر حتى صار كالمنقول في عرف الاستعمال لم يُحْتَجْ إليه؛ لأنَّ الغالب عرف الاستعمال على الحقيقة اللغوية، وإن استُعْمِل لفظٌ لم يَنْتَهِ العُرْفُ إلى ذلك؛ فالأقرب الحاجة إليه.
الثالثة: معنى قوله: (والصلاة والسلام) أي: والصلاة والسلام من الله تعالى على محمدٍ.
الرابعة: الصلاة من الله تعالى مفسرة بالرحمة، ويقتضي هذا أن يقال: اللَّهم ارحم محمدًا؛ لأن المترادفين إذا استويا في الدلالة قام كل واحد منهما مقام الآخر. قال بعض العلماء: ويشهد لهذا تقريرُهُ ﷺ الأعرابيَّ على قوله: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمدًا" (١). وأَبَى ذلك بعض العلماء لدِلالة لفظ الصلاة على معنى من التعظيم لا يُشْعِرُ به لفظ الرحمة، ولهذا قال بعض الفقهاء: لا يصك على غير الأنبياء إلا تَبَعًا - أو من قاله منهم -.
ولفظ الرحمة إشعاره ناقص عن مدلول اللفظ الأول، ولا خلاف في إطلاقه على غير الأنبياء، وهذا مما يخدش في الترادف، ويُمْكِنُ أن يقال: إن تفسير الصلاة بالرحمة بيّن أن معنى أصل موضوع الكلمة غير مأخوذ فيه ما اختصت به إحداهما، ولا يطلق عليهما ترادف حقيقي بهذا الاعتبار، إن كان ما اختصت به إحداهما داخلًا تحت مدلول اللفظ وضعًا.
الخامسة: اختلف في معنى (السلام)؛ فقيل: التعوذ باسم الله تعالى كما تقول: الله مع محمد ﷺ ؛ أي متوليه وكافيه، وقيل: معناه السلامة والنجاة، كما في ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وستأتي زيادة على ذلك في كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
стр. 65
السادسة: استعمل المصنف ﵀ قوله: (لسائر)، وقصد به لجميع الأمم؛ أي من زمان بعثته - وعمرُهُ ﷺ أربعون سنة على المختار من الأقوال - إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال في "بُعِثْتُ لِلأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ" (١)، ويحتمل أن يريد: لبقية الأمم؛ لأنَّ هؤلاء بالنسبة إلى من مضى من الأمم قبلنا بقية، وقد روى العمري بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: "قَامَ فِينَا رَسُول اللهِ ﷺ يَومًا بَعْدَ العَصْرِ، فَما ترَكَ شَيْئًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ - ثم قال في آخره - وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةِ تُوَفِّي سَبْعِينَ أُمَّةِ هِي آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ " (٢). وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد.
قوله: (صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأمته أفضل الأمم) اختلف الناسُ في الذين يدخلون في الصلاةِ، والمرادُ بالآل: أهله الأدْنَوْن، ولهذا قال: (وأصحابه) ﷺ ، والأصل في (آل): الأهل، فأُبدِلَتِ الهاء همزة، ثم أُبدلت الهمزة ألفًا، ثم خصصه أكثر العرب (٣) بالإضافة (٤) إلى ما هو (٥) معظم، كما قال مولانا ﷺ : (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" (٦) وقد عُرِفَ أن
стр. 66
الصحيح (١) أنَّ الصحابي مَن رأى النبيَّ ﷺ ، وإن لم يروِ عنه، ولم تَطُلْ مدة حياته.
وأمَّا عَطْفُهُ الأزواج عليه فمن باب عطف الخاص على (٢) العام.
وأُمَّةُ النبيِّ ﷺ أتباعُهُ على دينه، والأُمَّةُ: القَرْن ولها معانٍ كثيرة قاله في المشارق (٣).
والدليلُ على أنَّ أمته ﷺ أفضل الأمم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي: أنتم.
وقد جمع المصنف ﵀ بين الصلاة والسلام عليه وفاقًا من قال من العلماء (٤) رضي الله تعالى عنهم، لا يقتَصِر على أحدهما.
وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد (٥) الله تعالى، ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "عَجِلَ هَذَا" ثم دعاه، فقال له - أو لغيره -: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم فَليَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبهِ سُبْحَانَه وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُم يُصَلِّي عَلَى النَّبِي ﷺ ، ثُم يَدْعُو بَعْدُ بِما شَاءَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٦).
(المتن)
وَبَعْدُ: فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللهُ لِي وَلَهُم مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ، وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ، مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أنَّسٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى،
(الشرح)
أي: أمَّا بعد التسمية والحمد والشكر والصلاة والسلام (٧) وسؤال اللطف
стр. 67
والإعانة، (فقد سألني) فأتى بكلمة فصل الخطاب التي تفصل ما بعد الكلام عما قبله، داعيًا له وللسائلين بقوله: (أبان الله لي ولهم) أي: أظهر الله تعالى لي ولهم آثار (١) التحقيق، فنتبعه. الجوهري: المعالم جمع معلم، وهو الأثر يستدل به على الطريق (٢).
قوله: (وسلك بنا وبهم أنفع طريق).
شمل الدعاءُ السائلَ والمسئولَ، بإظهار معالم التحقيق والهداية إلى أنفع طريق لسلوكها والعمل بها، وقد يكون قصد شمول (٣) جميع أمة محمد ﷺ تسليمًا المعاصرين له.
قوله: (مختصرًا على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀).
أي: أصنف مختصرًا في الفقه ليسهل حفظه على المشتغلين، ويفتح أذهان الطالبين، وكما أنَّ التطويل الذي لا يُمِلُّ (٤) من البلاغة، فالاختصار الذي لا يُخِلُّ من البلاغة أيضًا، وقد أُعطي النبي ﷺ جوامع الكلم (٥)، واختُصر له الأمر اختصارًا، فتارة أطال ﷺ قصدًا للبيان، ومرة اختصر ﷺ قصدًا للتسهيل على الحفظ.
قوله: (مبينًا لما به الفتوى).
(مبينًا) اسم فاعل حال من الفاعل المعنوي المستتر في (أُصَنِّفُ) المقدر أي: حالة كوني مبينًا، أو من مفعول (سألني)، ويجوز أن يكون اسم مفعول صفة لقوله: (مختصرًا) مبينًا للقول الذي استقرت به الفتوى (٦) ليسهل العمل به (٧)، ويقرب تناوله على طالبه
стр. 68
ويعول عليه.
(المتن)
فَأَجَبْتُ سُؤَالَهُم بَعْدَ الاِسْتِخَارَةِ، مُشِيرًا بِـ "فِيهَا" لِلْمُدَوَّنَةِ، وَبِـ "أُوِّلَ" إِلَى اخْتِلافِ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا، وَبِـ "الاِخْتِيَارِ" لِلَّخْمِي لَكِنْ إِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لاِخْتِيَارِهِ هُو فِي نَفْسِهِ، وَبِالاِسْمِ فَذَلِكَ لاِخِتِيَارِهِ مِنَ الْخِلافِ، وَبِـ "التَّرجِيحِ" لاِبْنِ يُونَسَ كَذَلِكَ، وَبِـ "الظَّهُورِ" لاِبْنِ رُشْدٍ كَذَلِكَ، وَبِـ "الْقَوْلِ" لِلْمَازِرِيِّ كَذَلِكَ، وَحَيْثُ قُلْتُ "خِلافٌ" فَذَلِكَ لِلاِخْتِلافِ في التَّشْهِيرِ، وَحَيْثُ ذَكَرْتُ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلاعِي فِي الْفَزعِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ، وَأَعْتَبِرُ مِنَ الْمَفَاهِيمِ مَفْهُومَ الشَّرْطِ فَقَطْ،
(الشرح)
قوله: (فأجبتُ سؤالهم بعد الاستخارة، مشيرًا بـ "فيها" للمدونة).
لا شك أن الخيرة له في ذلك؛ إذ ذلك نفعٌ متعمَّد مقصودٌ به وجهُ الله تعالى، فجزاه الله تعالى خيرًا. وأشار (بفيها) لأنها تغني عن غيرها، ولا يغني غيرُها عنها عند أهل المذهب، فهي مستحضرة ذهنًا. ولما التزم وضع هذا على القول المفتى به، وحصل الخلاف في تأويلها تارة، وتارة حصل الخلاف في التشهير، والترجيح انتخَبَ اصطلاحًا معينًا له على الاختصار؛ فقال بعد ذلك: (وبـ "أُوِّلَ" إلى اختلاف شارحيها في فهمها).
أي ومشيرًا (بأُوِّلَ) إذ التأويل لا يتبادر إلى ذهن (١) المالكي إلا إلى تأويلها؛ لا سيما وقد حصل التنبيه على ذلك.
ثم قال: (وبـ "الاختيار" للخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره مِنَ الخلافِ).
أي: ومشيرًا باللفظ المؤدي إلى معنى الاختيار للشيخ أبي الحسن اللخمي (٢)، فلهذا
стр. 69
قال: (لكن) إلى آخره. والصيغة هي الفعل الماضي واسم المفعول.
ثم قال: (وبـ "الترجيح" لابن يونس كذلك).
أي: ومشيرًا باللفظ المؤدي إلى معنى (١) الترجيح لابن يونس (٢)، لكن إن كان بصيغة الفعل فلاختياره في نفسه، أو بالاسم فلاختياره من الخلاف.
وقوله: (وبـ "الظهور" لابن رشد (٣)، كذلك، وبـ "القول" للمازري (٤)، كذلك) وصيغة الفعل في الترجيح (رَجح)، وصيغة الاسم (الأرجح)،
стр. 70
وصيغة الاسم في الظهور (الأظهر)، وفي القول (المقول)، ولما قرر هذا وبقيت مسائل اختلف الشيوخ في التشهير فيها، وبعضها لم يطلع فيه على أرجحية منصوصة.
قال: (وحيث قلت: "خلافٌ"، فذلك للاختلاف في التشهير، وحيث ذكرت "قولين" أو "أقوالًا"، فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحيةٍ منصوصةٍ).
لأنَّ الشيوخ إن اتفقوا على تشهير شيء (١) أو اختلفوا، وكان المشهِّر (٢) الواحد أعلم وأكثر تحقيقًا من الآخر اقتصر عليه ليعتمد عليه المفتي؛ لكن يشير إلى الخلاف بالمبالغة، وإن تساوى المشهِّران (٣) في الرتبة ذكر الخلاف.
فابن رشد تشهيرُه مقدم على تشهير ابن بزيزة (٤)، وأمَّا ابن رشد والمازري وعبد الوهاب (٥) فمتساوون (٦) في الرتبة - رحمهم الله تعالى أجمعين ونفعنا بهم بفضله المزيد - وقس على ذلك.
وإن لم يُشَهّر شيء، ولم يُرَجّح، ولم يستحسن، ولم يصوّب، وحصل التساوي ذكر قولين أو أقوالًا على حسب المسائل الواقعة في هذا الكتاب، ويصير للمفتي - إن شاء
стр. 71
الله - ذكر ما شاء منها، أو ذكر القولين، أو أقوالًا للمستفتي ليختار أيَّها أحبَّ على ما نبه عليه اللخمي في القصرِ في الصلاة من التبصرة، وسيأتي نصُّه إن شاء الله تعالى؛ لكن جرى عمل الشيوخ على أن المفتي يحكي القولين أو الأقوال عند المالكية، فلذلك اقتصر المصنف عليه. تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه.
قوله: (وأعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط فقط).
أي يعتبر في هذا المختصر من مفاهيم المخالفة (١) مفهوم الشرط فقط غالبًا (٢)، فيستغنى بمفهوم الشرط عن (٣) التصريح بذلك المفهوم نحو قوله: (وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردُّدٌ): أي على سلب طهورية الماء المتغير بالملح إن صُنِعَ تَردُّدٌ؛ مفهومه أن غير المصنوع لا يتفق على (٤) سلب طهوريته، ومثل قوله: (وما لا يتوقى نجسًا من ماء، لا إن عسر الاحتراز منه) أي: ومن المكروه سؤر الذي لا يتوقى نجسًا من الذي استعمل الطعام والشراب من الدواب التي لا يُرى على أفواهها وقت استعمالها نجاسةٌ، ولا إشكال أن الدواب منها ما يعسر الاحتراز منها، ومنها ما لا يعسر الاحتراز منها (٥)، فقال: (لا إن عسر الاحتراز منه فيُغْتَفَر للمشقة) لأنَّ مفهومه أن الذي لا يعسر الاحتراز منه بقية مَائِهِ الذي يشرب منه مكروه، ومفهوم الشرط الواقع بعد لا النافية يقتضي نفي الكراهة، فاستغنى بهذا المفهوم عن النطق به إرادةً للاختصار.
стр. 72
وسيأتي لهذا مزيد بيان في موضعه إنْ شاء الله تعالى. ومثال الذي يعسر الاحتراز منه: الهر، والفأرة، ونحوهما. وما لا يعسر نحو: البغال والحمير.
بخلاف غيره من المفاهيم فلا يُعْتَبَر بل يصرِّح بذكره دون [غيره] (١) من مفاهيم المخالفة؛ لأنَّ مفهوم (٢) الموافقة (٣): كون المسكوت عنه موافقًا في الحكم، ويسمى لحن الخطاب (٤) كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكالجزاء بما فوق المثقال من: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وهو تنبيه بالأدنى، فلا يحسن تقديم مفهوم الشرط عليه؛ لأنَّ من نفى القياس قال به، وهو قطعيٌّ كالمثالين، وظنيٌّ كقول الشافعي ﵁ في كفارة العمد واليمين الغموس.
أمَّا تقديم مفهوم الشرط على مفاهيم المخالفة، وهو كون المسكوت عنه مخالفًا في الحكم، ويسمى دليل الخطاب؛ فلأنه أقوا ها ولا يسمي (٥) مفهوم اللقب الذي هو أضعفها، ولم يقل به إلا طائفة منهم الدقاق وبعض الحنابلة.
وقد عُلم أنّ المفهوم ما دلَّت (٦) عليه في محل النطق دلالة المنطوق، وهو: صريح، وهو: ما وضع اللفظ له، وغير صريح ما يلزم عنها (٧) اللفظ؛ فإن قصدوا توقفَ
стр. 73
الصدقِ عليه، والصحة العقلية أو الشرعية عليه، فدِلالةُ اقتضاءِ مثل قوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانُ" (١)، وإن لم يتوقف، واقترن بحكم أو (٢) لم يكن لتعليله كان بعيدًا، فتنبيهٌ وإيماء. وإن لم يقصد فدِلالة إشارة مثل: "النسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ" (٣) قيل: يا رسول الله، وما نقصان دينهنَّ؟ فقال ﷺ : "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي" (٤)، فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ولكن لزم من أن (٥) المبالغة تقتضي (٦) ذلك. وقد ذكر ابن الحاجب ذلك وغيره في موضعه من أصول الفقه مبيَّنًا.
وقلت: غالبًا؛ لأنَّ المصنف تارة يعتبر مفهوم الشرط، وتارة لا يعتبر مفهوم الشرط، وصرح به في اللفظ لفائدةٍ اقتضت ذلك؛ إمَّا لأنَّ القيودَ التي يذكرها يرتب عليها
стр. 74
فروعًا فيصرح بمفهوم الشرط مثلًا ليذكر ذلك الفرع المرتب عليه أو لغير ذلك كما سيأتي، أو (١) ليعطف على هذا اللفظ المذكور (٢) ما سواه في الحكم قصدًا للتسهيل والاختصار، ولغير ذلك من المقاصد الجميلة المعينة على فهمه وسرعة حفظه، وإن لم يحمل على ذلك حصل التكرار في بعض المسائل والإخلال في بعضها، وسيتبين لك هذا (٣) إن شاء الله عند شرح لفظه في موضعه، وذكرت ذلك هنا لأستغني به عن ذكره في كل مسألة يحصل فيها ذلك؛ إذ ذلك لا يخفى عن الأيقاظ لا سيما المشتغلين الحفاظ.
(المتن)
وَأُشِيرُ بِـ "صُحِّحَ" أَوِ "اسْتُحْسِنَ" إِلى أَن شَيْخًا غَيرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ صَحَّحَ هَذَا أَوِ اسْتَظْهَرَهُ، وَبِـ "التَّرَدُّدِ" لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ، أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِـ "لَوْ" إِلَى خِلافٍ مَذْهَبِي.
(الشرح)
قوله: (وأشيرُ بـ "صُحِّح لا أو "استُحسن" إلى أنَّ شيخًا غير الذين قدَّمتهم صَحَّحَ هذا أو استظهره).
أي؛ أفعلُ ذلك ليحصل العلم بقائل الاختيار والترجيح.
قوله: (وبـ "التردد" لتردد المتأخرين في النقل، أو لعدم نص المتقدمين).
أي وأشير بالتردد إلى تردد المتأخرين إما في النقل أو حصل ترددهم أو (٤) الواحد منهم رضي الله جمنهم أجمعين، لكن اصطلح الأصحاب على تسمية التردد الأول بالطرق، فيرى بعضهم مثلًا أن المذهب على قول واحد، ويرى غيره أن المذهب (٥) على قولين، ويرى غيره أن المذهب على ثلاثة أقوال، أو أربعة، أو غير ذلك.
ولا يتعرض (٦) أحد من الأصحاب إلى تشهير، أو تصحيح، أو تصويب، أو ترجيح، فيصار إليه إلا أن يعارضه شيخ آخر مثلُه على ما سيتبين إن شاء الله تعالى؛ فأمَّا التردد الثاني فواضح.
стр. 75
قوله: (وبـ "لو" إلى خلاف مذهبي) (١)، وفي بعض النسخ: (ولو إلى خلاف مذهبي) يحتمل أن يكون مضافًا إلى ياء المتكلم.
أي: وأشير بـ (لو) إلى خلاف مذهب مالك، ويحتمل ضبط آخر المجرور بالتشديد أي: خلافٍ مذهبيٍّ، أي سواء وقع الخلاف في المذهب أو في غيره على حسب ما يرد عليها، فعلى الاحتمال الثاني يكون "خلافًا" (٢) منونًا؛ لكن لم أر هذه النسخة بخطِّ المؤلف.
واعلم أن مالكًا ﵁ مذهبه مبني على ستة عشر: نص القرآن، وظاهره وهو العموم، ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهومه وهو باب آخر، أو تنبيهه وهو التنبيه على العلة كقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ومثل هذه الأدلة من السُّنة فهذه عشر، والإجماع، والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي، والحكم بالذراع، واختلف في [السادس] عشر؛ وهو: مراعاة الخلاف فمرة يراعيه، ومرة لا. حكى ذلك أبو الحسن الصُّغَيَّر (٣)، عن أبي الفضل راشد، عن شيخه أبي محمد صالح رحمهم الله تعالى.
(المتن)
وَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ، أَوْ قَرَأَهُ، أَوْ حَصَّلَهُ، أَوْ سَعَى فِي شَيءٍ مِنْهُ. وَاللهُ يَعْصِمُنَا مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقُنَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الأَلْبَابِ مِنَ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ أَنْ يُنْظَرَ بِعَينِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ، فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنَ الْهَفَوَاتِ، أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنَ الْعَثَرَاتِ.
(الشرح)