← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله - ذكر ما شاء منها، أو ذكر القولين، أو أقوالًا للمستفتي ليختار أيَّها أحبَّ على ما نبه عليه اللخمي في القصرِ في الصلاة من التبصرة، وسيأتي نصُّه إن شاء الله تعالى؛ لكن جرى عمل الشيوخ على أن المفتي يحكي القولين أو الأقوال عند المالكية، فلذلك اقتصر المصنف عليه. تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه. قوله: (وأعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط فقط). أي يعتبر في هذا المختصر من مفاهيم المخالفة (١) مفهوم الشرط فقط غالبًا (٢)، فيستغنى بمفهوم الشرط عن (٣) التصريح بذلك المفهوم نحو قوله: (وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردُّدٌ): أي على سلب طهورية الماء المتغير بالملح إن صُنِعَ تَردُّدٌ؛ مفهومه أن غير المصنوع لا يتفق على (٤) سلب طهوريته، ومثل قوله: (وما لا يتوقى نجسًا من ماء، لا إن عسر الاحتراز منه) أي: ومن المكروه سؤر الذي لا يتوقى نجسًا من الذي استعمل الطعام والشراب من الدواب التي لا يُرى على أفواهها وقت استعمالها نجاسةٌ، ولا إشكال أن الدواب منها ما يعسر الاحتراز منها، ومنها ما لا يعسر الاحتراز منها (٥)، فقال: (لا إن عسر الاحتراز منه فيُغْتَفَر للمشقة) لأنَّ مفهومه أن الذي لا يعسر الاحتراز منه بقية مَائِهِ الذي يشرب منه مكروه، ومفهوم الشرط الواقع بعد لا النافية يقتضي نفي الكراهة، فاستغنى بهذا المفهوم عن النطق به إرادةً للاختصار.

стр. 72

وسيأتي لهذا مزيد بيان في موضعه إنْ شاء الله تعالى. ومثال الذي يعسر الاحتراز منه: الهر، والفأرة، ونحوهما. وما لا يعسر نحو: البغال والحمير. بخلاف غيره من المفاهيم فلا يُعْتَبَر بل يصرِّح بذكره دون [غيره] (١) من مفاهيم المخالفة؛ لأنَّ مفهوم (٢) الموافقة (٣): كون المسكوت عنه موافقًا في الحكم، ويسمى لحن الخطاب (٤) كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكالجزاء بما فوق المثقال من: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وهو تنبيه بالأدنى، فلا يحسن تقديم مفهوم الشرط عليه؛ لأنَّ من نفى القياس قال به، وهو قطعيٌّ كالمثالين، وظنيٌّ كقول الشافعي ﵁ في كفارة العمد واليمين الغموس. أمَّا تقديم مفهوم الشرط على مفاهيم المخالفة، وهو كون المسكوت عنه مخالفًا في الحكم، ويسمى دليل الخطاب؛ فلأنه أقوا ها ولا يسمي (٥) مفهوم اللقب الذي هو أضعفها، ولم يقل به إلا طائفة منهم الدقاق وبعض الحنابلة. وقد عُلم أنّ المفهوم ما دلَّت (٦) عليه في محل النطق دلالة المنطوق، وهو: صريح، وهو: ما وضع اللفظ له، وغير صريح ما يلزم عنها (٧) اللفظ؛ فإن قصدوا توقفَ

стр. 73

الصدقِ عليه، والصحة العقلية أو الشرعية عليه، فدِلالةُ اقتضاءِ مثل قوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانُ" (١)، وإن لم يتوقف، واقترن بحكم أو (٢) لم يكن لتعليله كان بعيدًا، فتنبيهٌ وإيماء. وإن لم يقصد فدِلالة إشارة مثل: "النسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ" (٣) قيل: يا رسول الله، وما نقصان دينهنَّ؟ فقال ﷺ : "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي" (٤)، فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ولكن لزم من أن (٥) المبالغة تقتضي (٦) ذلك. وقد ذكر ابن الحاجب ذلك وغيره في موضعه من أصول الفقه مبيَّنًا. وقلت: غالبًا؛ لأنَّ المصنف تارة يعتبر مفهوم الشرط، وتارة لا يعتبر مفهوم الشرط، وصرح به في اللفظ لفائدةٍ اقتضت ذلك؛ إمَّا لأنَّ القيودَ التي يذكرها يرتب عليها

стр. 74

فروعًا فيصرح بمفهوم الشرط مثلًا ليذكر ذلك الفرع المرتب عليه أو لغير ذلك كما سيأتي، أو (١) ليعطف على هذا اللفظ المذكور (٢) ما سواه في الحكم قصدًا للتسهيل والاختصار، ولغير ذلك من المقاصد الجميلة المعينة على فهمه وسرعة حفظه، وإن لم يحمل على ذلك حصل التكرار في بعض المسائل والإخلال في بعضها، وسيتبين لك هذا (٣) إن شاء الله عند شرح لفظه في موضعه، وذكرت ذلك هنا لأستغني به عن ذكره في كل مسألة يحصل فيها ذلك؛ إذ ذلك لا يخفى عن الأيقاظ لا سيما المشتغلين الحفاظ. (المتن) وَأُشِيرُ بِـ "صُحِّحَ" أَوِ "اسْتُحْسِنَ" إِلى أَن شَيْخًا غَيرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ صَحَّحَ هَذَا أَوِ اسْتَظْهَرَهُ، وَبِـ "التَّرَدُّدِ" لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ، أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِـ "لَوْ" إِلَى خِلافٍ مَذْهَبِي. (الشرح) قوله: (وأشيرُ بـ "صُحِّح لا أو "استُحسن" إلى أنَّ شيخًا غير الذين قدَّمتهم صَحَّحَ هذا أو استظهره). أي؛ أفعلُ ذلك ليحصل العلم بقائل الاختيار والترجيح. قوله: (وبـ "التردد" لتردد المتأخرين في النقل، أو لعدم نص المتقدمين). أي وأشير بالتردد إلى تردد المتأخرين إما في النقل أو حصل ترددهم أو (٤) الواحد منهم رضي الله جمنهم أجمعين، لكن اصطلح الأصحاب على تسمية التردد الأول بالطرق، فيرى بعضهم مثلًا أن المذهب على قول واحد، ويرى غيره أن المذهب (٥) على قولين، ويرى غيره أن المذهب على ثلاثة أقوال، أو أربعة، أو غير ذلك. ولا يتعرض (٦) أحد من الأصحاب إلى تشهير، أو تصحيح، أو تصويب، أو ترجيح، فيصار إليه إلا أن يعارضه شيخ آخر مثلُه على ما سيتبين إن شاء الله تعالى؛ فأمَّا التردد الثاني فواضح.

стр. 75

قوله: (وبـ "لو" إلى خلاف مذهبي) (١)، وفي بعض النسخ: (ولو إلى خلاف مذهبي) يحتمل أن يكون مضافًا إلى ياء المتكلم. أي: وأشير بـ (لو) إلى خلاف مذهب مالك، ويحتمل ضبط آخر المجرور بالتشديد أي: خلافٍ مذهبيٍّ، أي سواء وقع الخلاف في المذهب أو في غيره على حسب ما يرد عليها، فعلى الاحتمال الثاني يكون "خلافًا" (٢) منونًا؛ لكن لم أر هذه النسخة بخطِّ المؤلف. واعلم أن مالكًا ﵁ مذهبه مبني على ستة عشر: نص القرآن، وظاهره وهو العموم، ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهومه وهو باب آخر، أو تنبيهه وهو التنبيه على العلة كقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ومثل هذه الأدلة من السُّنة فهذه عشر، والإجماع، والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي، والحكم بالذراع، واختلف في [السادس] عشر؛ وهو: مراعاة الخلاف فمرة يراعيه، ومرة لا. حكى ذلك أبو الحسن الصُّغَيَّر (٣)، عن أبي الفضل راشد، عن شيخه أبي محمد صالح رحمهم الله تعالى. (المتن) وَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ، أَوْ قَرَأَهُ، أَوْ حَصَّلَهُ، أَوْ سَعَى فِي شَيءٍ مِنْهُ. وَاللهُ يَعْصِمُنَا مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقُنَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الأَلْبَابِ مِنَ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ أَنْ يُنْظَرَ بِعَينِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ، فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنَ الْهَفَوَاتِ، أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنَ الْعَثَرَاتِ. (الشرح)

стр. 76

ثم دعا بعد ذلك بالنفع بهذا المختصر، وأن يعصمه الله تعالى، أي: يمنعه من الزلل وأن يوفقه، فقال: (واللهَ أسألُ أن ينفع به من كتبه أو حَصَّلَه أو سعى في شيء منه، والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا في القول والعمل). فقدم اسم الله الكريم المنصوب بـ (أسألُ)، ليقتضي الاختصاص؛ أي: لا أسألُ إلا الله تعالى، وكرَّرَهُ ثانيًا تلذُّذًا (١) بذِكْرِه ورغبة (٢) في إجابة دعائه؛ لأنه تعرض (٣) لأمرٍ عظيمٍ ومُهِمٍّ (٤) جسيم، لا يقدر على مثله إلا من أحاط بمذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عِلمًا وخِبرةً، وبكثرة اختلاف أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وبعلومٍ غير ذلك. والمصنف ﵀ حقيق بذلك، لكن لما كان الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، والإنسان محل النسيان، دعا ثم أخذ - رحمه الله تعالى ونفعنا به - يعتذر ليُسَهِّلَ الله تعالى عليه ما طَلَبَه وقَصَدَه. فقال متواضعًا: (ثم أعتذرُ لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب، وأسأل بلسان التضرع والخشوع وخطاب التذلل والخضوع، أن يُنْظَرَ بعين الرضا والصواب) أي: لا بعين الغضب والخطأ، فإنه ﵀ ما قصد بهذا المختصر إلا الخيرَ وجمعَ القول المفتى به في أمهات المذهب في مختصرٍ صغيرٍ حجمُه، كثيرٍ عِلمُه، سهلٍ حفظُه، سريعٍ إن شاء الله تعالى تناولُهُ وفهمُهُ، وإذا كان كذلك فيغتفر ما لعلَّه يَجِدُه فيه من المؤاخذة؛ لأن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، على أنَّ هذه المؤاخذة ليس المؤاخذ بها كذلك (٥) بسببه. ثم أذن من تَحَقَّقَ من متأمليه - إذا كان ذا علم، ودين، وعقل صحيح ذكيٍّ سليمٍ من الغرض - سهوًا، أو نقصًا أن يُكَمِّلَ، أو يصحِّح، فقال غير مصرِّحٍ بما قلناه تأدبًا، وتواضعًا: (فما كان من نقصٍ كمَّلوه، وما كان من خطأ أصلحوه، فقلَّما يَخْلُص مصنفٌ من الهفوات، أو ينجو مؤلفٌ من العثرات).

стр. 77

يحتمل أن يقرأ: أكمَلُوه، وأصلَحُوه بفتح اللام صفتان لما قبلهما، ويكون على هذا تبعًا لابن غالب إذ قال في آخر رجزه: ثم إني (١) أعتذرُ لذوي الألباب ... من التقصير الواقع في هذا الكتاب وأقولُ ما قالَهُ بعض (٢) العلماء، وأنشده بعض الحكماء (٣): فعفوًا جميلًا عن خطأي فإنني (٤) ... أقولُ كا قد قالَ من كان (٥) شاكيا فعينُ الرضى عَنْ كُلِّ عيبِ كليلة ... ولكنّ عينَ السخطِ تُبْدِي المساويا ونحن (٦) نسأل الله تعالى بلسان التضرع والخضوع، وخطاب الاعتراف والخشوع للمتصفحين هذا الكتاب أن ينظروه بعين الرضا والصواب، فما كان من نقصٍ كمَّلُوه وجوَّدُوه، وما كان من خطأ أحكَمُوهُ وصوَّبُوهُ؛ لأنه قلَّ ما يتخلص مصنف من الهفوات، وينجو ناظم أو مؤلف من العثرات؛ خصوصًا مع الباحثين عن العورات. قال ﷺ : "مَنْ طَلَبَ عَثْرَةَ أَخِيهِ [ليَهْتِكَ سِتْرَهُ] (٧)؛ طَلَبَ اللهُ عَثْرَتَهُ ليَهْتِكَهُ" (٨) وأنشد:

стр. 78

لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك (١) اللهُ سترًا عن مساويكا واذكرْ محاسن ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تغتبنْ (٢) أحدًا منهم (٣) بما فيكا واختصر المؤلف رحمة الله تعالى عليه وتصرَّفَ في هذه العبارة، فاقتصر على ما ذَكَرَه؛ فيَحْتَمِلُ الإكمالَ والإصلاحَ الآذنَ لناظِرِه إذا تحقَّقَ كما قدَّمنا وإرشادَ الناظم إلى زيادةِ التأملِ والنظرِ والحفظِ والكشفِ عن معاني كلامهِ وكلامِهِم، والفكر فيما يكون مقتضيًا لتصويبِ كلامهِ إن أمكن بعد مطالعة ما يحتاج إليه من كتب النحويين والمعربين وغيرهم، فإن المصنف كثير الاستعمال لذلك، وقد يُحْوِجُهُ الاختصار إلى استعمال ما يجوز للشاعر أن يقوله اضطرارًا، فرحمه الله تعالى ورضي عنه. ولنذكر قبل الشرح مقدمةً مُعِيْنَةً إن شاء الله تعالى على فهمه: والإشارة بـ (العين) للشيخ ابن عبد السلام (٤) شارح ابن الحاجب. و(الخاء) للمؤلف رحمة الله عليه. واعلمْ أن الطريقة عبارة عن اختلاف الشيوخ في كيفية نقل المذهب في حكم قد تقدَّم أنَّ المصنف إذا استوى ناقلو الطرق عنده ذكر التردد. واعلم أن الأولى الجمع بين الطرق (٥) ما أمكن، فإن حصلت زيادة في طريقة رجحت على غيرها؛ لأنَّ الجميع ثقاتها (٦). والمثبَتُ مقدَّمٌ على المنفي. وأن (الأشهر) مقابِلُهُ قولٌ دونه في التشهير.

стр. 79

و (المشهور) مقابِلُهُ شاذٌ. وكذا (الأصح) و (الصحيح) مقابلهُ ضعيفٌ. و(الأظهر) و (الأرجح) مِثْلُ (الأصَح) في غير قاعدة المصنف. وأشار علماؤنا ﵃ بـ (فيها) للمدونة؛ لأنَّ كل من اشتغل بالمذهب يستحضرها في ذهنه، ونسبتُهَا للمَذْهَب كنِسبَةِ أمِّ القرآن للصلاة يُسْتغنى بها عن غيرها، ولا يستغنى عنها. وإذا قيل: (الاتفاق)، فالمراد: اتفاق أهل المذهب. وإذا قيل: (الإجماع)، فالمراد: إجماع العلماء رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ومعرفة ما ذُكِرَ من المهمات (١) وأَعْظَمِ الفَوَائِدِ. قال الشيخ ابن عبد السلام ﵁، ونفعنا به ما معناه: إنما يفتي أهل زماننا على المشهور. وقد قال الإمام المازري رحمه الله تعالى ونفعنا به: "ما أفتيتُ قطُّ بغير المشهور، ولا أفتي به" هذا وقد شهد له بعض أهل زمانه بالاجتهاد، وأهل قرطبة أشد (٢) في هذا، وربما جاوزوا الحد فيه. انتهى. والمراد بـ (المشهور) ما صرح الأئمة المتقدمون بمشهوريته، أو كان قولَ ابنِ القاسم (٣) في المدونة،

стр. 80

أو اتفق قولُه مع سحنون (١) في غيرها. قال في البيان: قال ابن سحنون (٢): لا يُعْدَلُ عنهُما إذا اجتمعا (٣)، وكذا يُنْزَلُ (٤) منزلَتَهُ عند عدم معارض ما رجَّحَهُ أحدٌ من المتقدمين أو صوَّبَه، أو استظْهَرَهُ أو اختارَهُ. واعلمْ أنَّ (الصواب) يقابلُهُ خطأٌ غيرُ صوابٍ، فلهذا قُدّم على الأصوبِ، والرجحان والظهور والاختيار، هذا إن تساوى القائلان في الرتبة أو تقاربا. ابن بشير (٥): الأصول التي انفرد بها المالكية بكلها أو بجلها خمسة:

стр. 81

القضاء بالعوائد، والقول بالمصالح المرسلة، والحكم بين حكمين، وحماية الذرائع، ومراعاة الخلاف. - فالأول: اتَّفَقَ المالكية عليه إن ظهر ظهورًا كليًا، كالقضاء بمتاع البيت من شهدت له العادة من الزوجين، بل قويت عند بعضهم بدفع بلا يمين، وإن ترددت العادة حصل الخلاف، وليس خلاف (١) في (٢) فقه، بل في شهادة بعادة، كالتطهير بالماء المجعول في الفم، هل يسوغ لأنَّ العادة عدم تغيُّرِه بذلك أم لا؟ وكمشترط الخيار يسوم أو يعلم (٣) صناعة أو يزوج العبد أو نحو ذلك؛ فإن (٤) فعل ذلك قُطِعَ (٥) بخياره عند ابن القاسم، وخالفه أشهب (٦).

стр. 82

- والمصالح المرسلة هي: التي لا ترجع (١) إلى أصل معين كما ألحقوا في المشهور فوائد الماشية بالنصاب المتقدمة، إمَّا لأنها عدل بين أرباب الأموال ومستحقي الزكاة وإما لضرورة السعاة على ما يأتي. - والحكم بين حكمين هو: الفَرْعُ يتجاذُبه أصلان ولا ترجيح فيعطى حكمًا من كل واحد منهما كشبه العمد على أحد الطريقين. - والرابع: حماية الذرائع؛ ويسمى عند بعضهم سد الذرائع وعند آخرين حماية الحماية. فمتى قويت التهمة عندنا اطَّرَدَ الحُكْمُ بها، وإن ضَعُفَتْ فطريقان، كبائع السلعة إلى أجل بدينار مثلًا يشتري ما باعه بألف درهم نقدًا، فلا يخفى في نحو ذلك، بخلاف غيرها من الصور التي نذكرها إن شاء الله تعالى. - والخامس: مرا عاة الخلاف اختلف فيه مالك وأصحابه. ابن بشير: وبعض أشياخي نفى الخلاف عندنا في مراعاته إن كان الخلاف مشهورًا قَوِيَّ الأمارة، فإن شذ ففي مراعاته خلاف، وهل يراعى الشذوذ في القول أو في الدليل انتهى (٢)، والظاهر أنه لا يراعى الشاذ مطلقًا. قال الشيخ شهاب الدين القرافي (٣) ﵀: "ينقل أنَّ من خواص مذهبنا اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة، وسد الذريعة، وليس كذلك.

стр. 83

أما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها. وأما المصلحة المرسلة (١) فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع يعللون بمطلق المصلحة، ولا يطالِبُون أنفسهم عند الفروق والجامع تأيد الشاهد لها (٢) بالاعتبار، بل يعتمد على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة. وأمَّا الذراع فثلاثة أقسام: - ما تعتبر إجماعًا؛ كحفر آبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ. وثانيها: ملغى إجماعًا، كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، وسكنى الدور خشية الزنا. وثالثها: يختلف فيه، كبيوع الآجال. ثم قال: الذريعة كما يجب سدها (٣) يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح" (٤). وإذا أردتَ ذلك فانظر التنقيح، والله تعالى أعلم وبه التوفيق والسلوك - إن شاء الله تعالى - إلى جميل الطريق بمنه وكرمه، وصلى الله على محمدٍ وآله وسلم تسليمًا. انتهى. * * *

стр. 84

[باب الطهارة] [أحكام المياه] (المتن) بَابٌ: يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلا قَيْدٍ، وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى، أوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ، أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ، أَوْ فَضْلَةَ طُهَارَتِهِمَا، (الشرح) قوله: (بَابٌ: يُرْفَعُ الحدَثُ) أي: المنع المترتب (١) على أعضاء الوضوء. قوله: (وَحُكْمُ الخَبَثِ) أي: النجاسة العينية، وإنما قال: وحكم الخبث؛ لأن الرافع للحكم رافع لما يترتب عليه الحكم، ألا ترى أن الحكم مترتب (٢) على حصول النجاسة ولا يرفع (٣) مع بقائها في المحل، وقد تزول عينها وهو باقي، كما لو أزيلت بالمائعات والماء المضاف، فلو لم يذكر الحكم لورد عليه النقض؛ لأن رفع (٤) الأخص لا يستلزم رفع (٥) الأعم، بخلاف العكس. قوله: (بِالمُطْلَقِ) أي: بالماء المطلق، وهو الذي إذا أطلق مجرد الاسم عليه كان كافيًا في الإخبار عنه على ما هو عليه، ولهذا قال: (وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلا قَيْدٍ) واحترز بذلك من الماء المخالط بشيء، فإنه لا يصح إطلاق اسم الماء عليه إلا مع إضافته لمخالط (٦)، كماء الورد، وماء (٧) الريحان، ونحوهما (٨). قوله: (وَإِنْ جُمعَ مِنْ نَدًى) يريد لصدق اسم الماء عليه، لا يقال: لا يصدق ذلك (٩)

стр. 85

عليه إلا مع ذكر كونه من ندى، فعلى هذا فقولنا: ماء (١) ندى كقولنا (٢): ماء (٣) ريحان وشبهه، فلم يصدق عليه اسم الماء بلا قيد، لأنا (٤) نقول: الندى (٥) ليس هو شيئًا (٦) يضاف إلى (٧) الماء بل صفة له، كما يقال ماء المطر؛ أي: ماء مطر (٨) ونحو ذلك. قوله: (أَوْ ذَابَ بَعْد جُمُوده) يعني أن كون الماء جامدًا ثم ذاب فإنه (٩) لا يضر في استعماله في العبادات، وقد حكى في المقدمات ثلاثة أقوال للمتأخرين في الملح إذا ذاب في غير موضعه، ثالثها: إن كان جموده بصنعة أثر وإلا فلا (١٠). قوله: (أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ) هكذا قال في المدونة (١١)، وهو بضم السين وسكون الهمزة، فضلة شربها (١٢). قوله: (أَوْ حَائِضٍ أوْ جُنُبٍ) لا إشكال أن سؤرهما إذا كانا مسلمين غير شاربي خمر ونحوه طاهر. قوله: (أَوْ فَضْلَةَ طَهَارَتِهِما) أي: فضلة (١٣) طهارة الحائض والجنب، وهذا هو المشهور، وقيل: لا يتطهر بفضلة الحائض، ولا يبعد جريانه (١٤) في فضلة طهارة الجنب.

стр. 86

(المتن) أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بنَجَسٍ لَمْ يُغَيّر أَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ؟ أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِةٍ وَإِنْ بِدُهْنٍ لاصَقَ، أوْ بِرَائِحَةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ، أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ، أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ؛ أَوْ بِمَطْرُوحٍ وَلَوْ قَصْدًا مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ، وَالأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ، (الشرح) قوله: (أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيِّرْ (١)) هذا (٢) هو المشهور، وروي عن مالك أنه غير طهور، ولعله لا يرى ذلك كثيرًا (٣). قوله: (أَوْ شُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ) يريد أن الماء إذا شك فيما حصل فيه هل يفسد (٤) أم (٥) لا، فإنه لا يزول بذلك عن كونه مطلقًا. المازري: ولا ينتقل الماء عن أصله حتى يتحقق ما يؤثر فيه (٦). قوله: (أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوَرِةٍ وَإِنْ بِدُهْنٍ لاصَقَ) لا خلاف أن التغير (٧) بالمجاور غير الملاصق (٨) لا يسلب الطهورية، كالجيفة تكون بإزاء ماء فيتغير الماء برائحتها، فإن لاصق كالدهن الجامد يكون على سطح الماء ولا يمازجه فهذا أيضًا كذلك، على ظاهر ما هنا وهو صحيح. قوله: (أَوْ بِرَائِحِةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ) يريد: لمشقة الاحتراز من ذلك (٩) في السفر، وقاله بعض المتأخرين، سند (١٠): ولا يستغنى عنه عند العرب

стр. 87

وأهل البوادي (١). قوله: (أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنهُ) يريد: كالطحلب وما يعلو على الماء لطول مكثه مما يشبه الدهن، وحكى سند في المتغير بالطحلب مع وجود غيره الكراهة (٢). قوله: (أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ) أي: مما لا ينفك عنه غالبًا كالكبريت والملح والزرنيخ ونحوها (٣) إذا جرى الماء عليهم، واحترز بالغالب من مثل حبل السانية كما سيأتي. قوله: (أَوْ بِمَطْرُوحٍ وَلَوْ قَصْدًا مِنْ تُرَابٍ) يريد أن الماء لا يضره ما طرح فيه من تراب وإن قصدًا، وهو المشهور، وقيل: يضر. قوله: (أَوْ مِلْحٍ) هو قول ابن أبي زيد (٤)، وابن القصار (٥)؛ لأنه من جنس الأرض

стр. 88

كالتراب، خلافًا لابن يونس، فإنه قال: الصواب في الملح المطروح أنه يسلب الطهورية (١)، وإليه أشار بقوله: (وَالأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالمِلحِ) (٢) وحكى سند عن الباجي (٣) أن المعدني لا يضر بخلاف المصنوع (٤)، سند: والأولى عكسه، ولم يجزم الباجي بما حكاه سند (٥) عنه، وإنما ذكره على سبيل الاحتمال، نعم لا يبعد أن يكون لغير الباجي. (المتن) وَفِي الاِتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إِنْ صُنِعَ تَرَدُّدٌ. لا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا، أَوْ طَعْمًا، أَوْ رِيحًا، بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ، كَدُهْنٍ خَالَطَ أَوْ بُخَارِ مُصْطَكَى، وَحُكْمُهُ

стр. 89

كَمُغَيِّرِهِ، وَيَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ، كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ، (الشرح) قوله: (وَفِي الاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إِن صُنِعَ تَرَدُّدٌ" يعني أن (١) الأشياخ ترددوا في الملح المطروح قصدًا إذا كان مصنوعًا: هل يتفق على أنه يسلب طهورية الماء الذي طرح فيه أو يجري الخلاف فيه كغيره؛ وهذا التردد للمتأخرين (٢). قوله: (لا بمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا، أَوْ طَعْمًا، أَوْ رِيحًا) أي: فإنه يضر ويسلبه الطهورية، ولما كان الحكم في هذا لَا يؤخذ (٣) على الإطلاق، وأنه لا بد من تقييد كلامه، فقال: (بِما يُفَاِرقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ) يريد: وليس من قراره، واحترز بقوله: (غالبًا) مما لا ينفك عنه ألبتة، فإنه لا يضر. قوله: (كدُهْنٍ خَالَطَ) أي: مازج الماء، وهذا هو المعروف، ذكره ابن بشير وغيره (٤). قوله: (أَوْ (٥) بُخَارِ مُصْطَكَى) يريد: أن بخار المُصْطَكَى (٦) يسلب طهورية الماء، وهو الظاهر عند المازري (٧)، ولم يحكِ (٨) اللخمي خلافه، وحكي قول بعدم السلب (٩). قوله: (وَحُكْمُهُ كمُغَيِّرِهِ) أي: فإن كان المغير نجسًا كان حكم الماء النجاسة، وإن كان طاهرًا كان حكم الماء كذلك، لكن يسلب عنه وصف الطهورية فيستعمل في العادات دون العبادات. قوله: (ويضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ) احترز بذكر البيِّن من التغير الذي لا يظهر، فإنه لا يضر كما سبق، وإنما ضر التغير بحبل السانية؛ لأنه مما ينفك عنه غالبًا،

стр. 90

وشهره اللخمي. قوله: (كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ) قال اللخمي (١): المعروف من المذهب أنه غير مطهر (٢). وفي المجموعة: في الغدير تبول فيه الماشية وتروث حتى تغير لونه أو طعمه، قال مرة: لا يعجبني أن يتوضأ به (٣) ولا أحرمه (٤). بعض الشيوخ: إنما تردد هالك فيه لأنه رآه غالبًا. (المتن) أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ، وَالأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَازُ، وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ، وَفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ. وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وَفِي غَيرِهِ تَرَدُّدٌ، وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ بِنَجَسٍ لَمْ يُغَيِّرْ، (الشرح) قوله: (أَوْ بِئْرٍ بوَرَقِ شَجَرٍ، أَوْ تِبْنٍ) هكذا وقع في السليمانية، زاد: ولا يتغير لونه إلا وطعمه قد تغير، أرَى أنه لا يتوضأ به، ومن توضأ به وصلى أعاد في الوقت. قوله: (وَالأَظْهَرُ فِي بئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الجوَازُ) يشير إلى أنَّ ابن رشد اختار في بئر البادية إذا تغيرت بورق الشَجر أو التبن الجواز دون الحاضرة؛ للمشقة في الأولى دون الثانية (٥). قوله: (وَفي جَعْلِ المُخَالِطِ المُوَافِقِ كَالمُخَالِفِ نَظَرٌ) المراد بالجعل هنا التقدير، أي: أن الماء إذا خالطه أجنبي موافق له في طعمه ولونه وريحه ولم يتغير لأجل الموافقة المذكورة، ولو قُدِّر مخالفًا في أوصافه أو بعضها لغيره، فهل يقدر كالمخالف ويحكم بعدم طهورية الماء أو لا؛ فيه نظر؛ أي في وجوب (٦) التقدير وعدمه. قوله (٧): (وَفي التطهير بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ) أحدهما مروي عن ابن القاسم:

стр. 91

أنه (١) لا (٢) يسلبه الطهوربة، والآخر رواه أشهب في العتبية أنه (٣) يسلبه الطهورية (٤)، ولا خلاف في التأثير عند تحقق التغير (٥)، وعلى هذا فهو خلاف في حال. قوله: (وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ) هذا هو المشهور، وقيل: غير طهور، (٦) وقيل: مشكوك فيه (٧). قوله: (وَفي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ) يعني: وفي غير مستعمل في (٨) الحدث تردد للأشياخ (٩)، فمنهم من فرق بينه وبين الأول ولم يدخل فيه كراهة كابن شاس (١٠) وغيره، ومنهم من لم يفرق بينهما كالقاضي عياض (١١)، وهو ظاهر المدونة.

стр. 92

قوله: (ويسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ، وَغُسْلٍ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيَّر) هو معطوف على قوله: (وكره ماء مستعمل) أي: (١) ويسير وقعت فيه نجاسة ولم (٢) تغيره، وهذا هو المشهور، وقيل: هو نجس، وقيل: مشكوك فيه، وقيل: طهور بلا كراهة، وحجة الأول قوله ﵇: (خَلَقَ اللهُ (٣) المَاءَ طَهُورًا لَا يُنَحسُهُ شَيءٌ" (٤)، وما ذكره من أن (٥) اليسير قدر آنية الوضوء والغسل هو مروي عن مالك، وقيل: ليس له حد بمقدار بل بالعادة، وقيل: قدر الجُبِّ والجرة، وقيل: قدر قلتين. (المتن) أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، وَرَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ، وَسُؤْرُ شَارِبِ خَمْرٍ، وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَمَا لا يتَوَقَّى نَجِسًا مِنْ مَاءٍ، لا إِنْ عَسُرَ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ، أَوْ كَانَ طَعَامًا كَمُشَمَّسٍ. (الشرح) قوله: (أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ) أي: وكذلك يكره اليسير إذا ولغ فيه كلب، فلا إعادة على من توضأ به وصلى على المشهور، وهو ظاهر المدونة، ولابن وهب (٦): يعيد في الوقت،

стр. 93

وعن ابن القاسم: يطرحه (١) ويتيمم (٢). قوله: (وَرَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ) أي: وكذلك يكره الماء الراكد يغتسل فيه، لقوله ﷺ : "لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" (٣). ابن القاسم: ولا أرى به (٤) بأسًا إن غسل عنه الأذى قبل دخوله فيه (٥)، وكان الماء كثيرًا (٦)، فرد الحديث إلى ما ورد عنه ﵇: "لا يَبُولَنَّ أحَدُكُم فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُم يَغْتَسِلُ فِيهِ" (٧)، ورأى أن النهي لأجل تنجس الماء، فالنهي عنده للتحريم (٨). قوله: (وَسُؤْرُ شَارِبِ خَمْرٍ، وَمَا أدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ) يعني: وكذلك يكره سؤر شارب خمر وما أدخل يده فيه. يريد: إذا لم يتغير؛ لأن حاصله أنه ماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره، بل النجاسة فيه غير محققة، وقيل؛ هو نجس، وقيل: هو طهور بلا كراهة، وقيل: سؤره محمول على الطهارة؛ لا ما أدخل يده فيه.

стр. 94

قوله: (وَمَا لا يَتَوَقَّى نَجِسًا مِنْ مَاءٍ) يعني: وكذلك يكره سؤر ما لا يتوقى أكل النجس من الحيوانات، إن لم يعسر الاحتراز منه. قوله: (مِنْ مَاءٍ) احترز به (١) من الطعام، فإن سؤره منه لا يكره، وكذلك إن عسر الاحتراز منه كالهرة والفأرة؛ ولهذا قال: (لا إِنْ عَسُرَ الاحْتِرَازُ مِنْهُ أَوْ كَانَ طَعَامًا). قوله: (كَمُشَمَّسٍ) هو راجع إلى قوله: (لا إِنْ عَسُرَ الاحْتِرَازُ مِنْهُ) أي: فإنه لا يكره استعمال الماء المشمس، وحكى سند كراهته (٢)، واقتصر عليه القاضي عياض في بعض كتبه (٣). (المتن) وَإِنْ رِيئَتْ عَلَى فِيهِ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ عُمِلَ عَلَيهَا، وَإِذَا مَاتَ بَرِّيٌّ ذو نَفْسٍ سَائِلَةٍ بِرَاكِدٍ وَلَمْ يتَغَيَّرْ نُدِبَ نَزْحٌ بِقَدْرِهِمَا، لا إِنْ وَقَعَ مَيِّتًا، وَإِنْ زَالَ تَغَيرُ النَّجِسِ لا بِكَثْرَةِ مُطْلَقٍ فَاسْتُحْسِنَ الطَّهُورِيَّةُ، وَعَدَمُهَا أَرْجَحُ. (الشرح) قوله: (وَإِنْ رُئِيَتْ عَلَى فِيهِ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ عُمِلَ عَلَيْهَا) أي: وإن رئيت النجاسة على فيه وقت استعماله عمل على مقتضاها، فإن غيرت الماء ضرت بالاتفاق، وإن لم تغير فعلى ما سبق في أول الكتاب، وكذلك في الطعام (٤). قوله: (وَإِذَا مَاتَ بَرِّيٌّ ذُو (٥) نَفْسٍ سَائِلَةٍ بِرَاكِدٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ نُدِبَ نَزْحٌ بِقَدْرِهِمَا) إنها قال: إذا مات؛ لأنه إذا (٦) وقع ميتًا فإن حكمه غير هذا كما سيذكره (٧) واحترز بقوله: (برِّي) من البحري، فإن الماء معه إذا لم يتغير لا يستحب نزحه، وبقوله: (ذو نفس سائلة) (٨)

стр. 95

من نحو الزنبور، والعقرب، والخنفساء ونحوهم (١) مما ليس له نفس سائلة، فإنه أيضًا لا يستحب نزحه إذا لم يتغير الماء، وبقوله: (براكد) من الجاري فإنه لا يضر، وبقوله: (ولم يتغير) مما إذا تغير فإنه يجب نزح جميعه حتى يزول التغير (٢). قوله: (بِقَدْرِهِمَا) أي: بقدر الماء والميتة، لأنهما (٣) تارة تصغر الدابة ويكثر الماء، وتارة بالعكس، وتارة يقلَّان، وتارة يكثران فيقل النزح في الأول، ويكثر في الثاني، ويتوسط من (٤) الوجهين الآخرين، واعلم أنه كلما قال في هذا المختصر: (ندب) فإنما مراده الاستحباب. قوله: (لا إِنْ وَقَعَ (٥) مَيِّتًا) أي: فإن وقع ميتًا فينظر فيه، فإن تغير الماء به وجب نزحه، وإن لم يتغير لم يجب ولم يستحب. قوله: (وَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجسِ لا بِكَثْرَةِ مُطْلَقِ فَاسْتُحْسِنَ الطهُورِيَّةُ، وَعَدَمُهَا أَرْجَحُ) يعني: إذا تغير الماء بنجس ثم زال ذلك التغير بنفسه (٦) فإن الماء يرجع إلى طهوريته على القول المستحسن (٧)، لأن الحكم بالنجاسة منوط بتغير الماء وقد زال، لأن الحكم يدور مع علته (٨) وجودًا وعدمًا، وصوب ابن يونس وغيره عدم الطهورية، لأن النجاسة لا تزول إلا بالماء، وليس حاصلًا هنا. أما لو زال تغير الماء بكثرة المطلق فلا خلاف أنه يعود إلى طهوريته. (المتن) وَقُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا، أَوِ اتَّفَقَا مَذْهَبًا، وَإِلَّا فَقَالَ: يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ، وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ. (الشرح) قوله: (وَقُبِلَ خَبْرُ الْوَاحِد) أي: في كون الماء نجسًا أو طاهرًا.

стр. 96

قوله (١): (إِنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا) أي: وجه النجاسة. يريد: إذا اختلف السائل والمخبر؛ لاحتمال أن يعتقد ما ليس بنجس نجسًا. قوله (٢): (أَوْ (٣) اتَّفَقَا مَذْهَبًا) أي: فيقبل (٤) إخباره مطلقًا؛ لزوال علة التبيين. قوله: (وَإِلَّا فَقَالَ: يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ) أي: وإن لم يبين وجه النجاسة، ولم يتفقا مذهبًا، فقال المازري: الأحسن تركه (٥). قوله: (وَوُرُودُ المَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ) أي: لا فرق بين ورود الماء على النجاسة، أو ورود (٦) النجاسة على الماء؛ خلافًا من فرق بينهما من غير أهل مذهبنا. فصل [في بيان الطاهر والنجس] (المتن) فَصْلٌ: الطَّاهِرُ مَيْتُ مَا لا دَمَ لَهُ، وَالْبَحْرِيُّ وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ، وَمَا ذُكِّيَ وَجُزْؤُهُ، إِلَّا مُحَرَّمَ الأكلِ، وَصُوفٌ، وَوَبَرٌ، وَزَغَبُ رِيشٍ، وَشَعْرٌ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ إِنْ جُزَتْ. (الشرح) قوله (٧): (الطَّاهِرُ: مَيْتُ مَا لا دَمَ لَهُ) يريد: كالعقرب، والزنبور، والذباب، والخنافس (٨)، وبنات وردان، والجراد، والدود، والنمل ونحو ذلك، ولا إشكال في ذلك، وإن مات حتف أنفه لعدم الدم فيه الذي هو علة الاستقذار؛ لقوله ﵇: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاء أَحَدِكُم فَلْيَغْمِسْهُ ... " (٩) الحديث، وقال أشهب: هو نجس (١٠)؛ لأن

стр. 97

الموت علة التنجيس دون احتقان الدم. قوله: (وَالْبَحْرِيُّ وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ) أي؛ وكذلك يحكم بطهارة البحري (١)، ولو مات حتف أنفه؛ لقوله ﵇: "هُوَ الطهُورُ مَاؤُهُ (٢) الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣) وسواء على المذهب بين ما لا تطول حياته في البر، وبين ما تطول حياته كالسلحفاة والسرطان والضفدع، وقال ابن نافع (٤): بنجاسة الثاني نظرًا إلى طول حياته في البر (٥). قوله: (وَمَا ذُكِّيَ وَجُزْؤُهُ) يريد: أن المذكى مطلقًا طاهر وجزؤه كذلك، كعظمه وقرنه وسنه وظلفه. قوله: (إِلا مُحَرَّمَ الأَكْلِ) يريد: كالخنزير ونحوه؛ أي: فإنه وإن ذكي (٦) نجس (٧)، وهذا مذهب أكثر الأشياخ. قوله: (وصوف (٨) وَوَبَرٌ وَزَغَبُ رِيشٍ وشعر (٩)) يريد أن ذلك طاهر (١٠) من سائر

стр. 98

الحيوانات (١)، ولو أخذ منه بعد الموت؛ لأنه مما لا تحله الحياة، وما كان كذلك لا ينجس بالموت، وهذا مذهب المدونة (٢)، وزغب الريش، ما شابه الشعر من الأطراف. قوله: (وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ) يريد: أو كلب فإنه طاهر (٣)، وهذا هو المذهب، وقيل: بعدم طهارة شعر الخنزير، وقيل: والكلب. قوله: (إِنْ جُزَّتْ) احترازًا مما إذا نَسَلَت (٤)، فإنها غير طاهرة لما تعلق بها من أجزاء الميتة، قاله ابن المواز (٥). (المتن) وَالْجَمَادُ وَهُوَ جِسْمٌ غَيْرُ حَيٍّ، وَمُنْفَصِلٍ عَنْهُ إِلَّا الْمُسْكِرَ، وَالْحَيُّ، وَدَمْعُهُ وَعَرَقُهُ وَلُعَابُهُ وَمُخَاطُهُ وَبَيْضُهُ وَلَوْ أَكَلَ نَجِسًا، إِلَّا الْمَذِرَ، وَالْخَارِجَ بَعْدَ الْمَوْتِ، (الشرح) قوله (٦): (وَالْجَمَادُ) يعني أنَّ الجماد أيضًا حكمه الطهارة (٧)، ثم فسره (٨) فقال: (وَهُوَ

стр. 99

جِسْمٌ غَيْرُ حَيٍّ وَمُنْفَصِلٍ عَنْهُ) يعني المراد بالجماد: كل جسم غير حي ومنفصل عن حي، ولعلّه يريد بالحي الحيوان، وليس المراد أن كل جسم خالٍ عن الحياة حكمه الطهارة لدخول الميتة في ذلك؛ لأنها جسم غير حي، واحترز بغير المنفصل من المنفصل منه؛ لأنه (١) قد يكون طاهرًا، وقد يكون نجسًا كما سيأتي إن شاء الله. قوله: (إِلَّا المسْكِرَ) أي: فإنه نجس. يريد: سواء كان من العنب أو من (٢) غيره، وهو المشهور خلافًا لابن لبابة (٣) وابن الحداد (٤)، وعلى الأول جمهور العلماء. قوله: (وَالحْي وَدَمْعُهُ وَعَرَقُهُ وَلُعَابُهُ وَمُخَاطُهُ) وذلك لأنَّ (٥) كل حي من سائر الحيوانات عندنا طاهر على المشهور؛ خلافًا لعبد الملك (٦) وسحنون في نجاسة الخنزير

стр. 100

والكلب (١)، واختلف على قولهما هل المراد ذاتهما، وهو الظاهر، أو سؤرهما؟ ولا إشكال فيما ذكره من طهارة الدمع وما بعده؛ لما روي: "أنَّهُ ﵇ أَجْرَى فَرَسًا عُرْيًا" (٢)، وصح "أنَّهُ ﵇ اسْتَقْبَلَهُم عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ"، ولا يخلو ذلك غالبًا من عرق، لا سيما حال الجري، (٣) فلو كان نجسًا لتحفظ منه، وقد روي أنه توضأ بِفضلِ الحمرِ و (٤) السباعِ (٥)، وروي أنَّه ﵇ أصغى الإناء للهِرة حتى شربت منه، ثم قال: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ" (٦). قوله: (وَبَيْضُهُ، وَلَوْ أَكَلَ نَجِسًا) أي: فإنه طاهر (٧) وسواء كان من سباع الطير أو غيرها، وإنما كان بيضه طاهرًا، وإن كان مما يأكل النجاسة؛ لاستحالة البيض إلى الصلاح، وقيل بعدم طهارته؛ لأنه متولد عن النجاسة، وإلى الأول ذهب الحذَّاق كالمازري وعبد الحق (٨) وابن يونس وغيرهم، وظاهر كلامه سواء كان البيض من

стр. 101

الطير أو غيره وليس كذلك؛ لأن بيض الحشرات ملحق بلحمها (١) وإليه أشار ابن بشير (٢). قوله: (إِلَّا المذِرَ وَالخارج بَعْدَ الموْتِ (٣)) أي (٤): فإنه نجس؛ لانقلابه إلى النجاسة، والمراد به الذي (٥) ينتن أو يصير دمًا، ومثله الخارج بعد الموت كما نص عليه؛ لأنه جزء الميتة إذ هو منفك عنها بعد موتها، وهو معنى قوله: (والخارج بَعْدَ الموتِ) (٦) وكل ما كان كذلك فهو نجس، إلا ما لا تحله الحياة كالصوف وما في معناه. (المتن) وَلَبَنُ آدَمِي إِلَّا الْمَيِّتَ، وَلَبَنُ غَيْرِهِ تَابعٌ، وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِنْ مُبَاحٍ إِلَّا الْمُغْتَذِيَ بِنَجِسٍ، وَقَيءٌ، إِلَّا الْمُتَغَيِّرَ عَنِ حَالِ الطَّعَامِ، وَصَفْرَاءُ، وَبَلْغَم، وَمَرَارَةُ مُبَاحٍ، وَدَمٌ لَمْ يُسْفَحْ، وَمِسْكٌ وَفَأرَتُهُ، وَزَرْغ بِنَجِسٍ، وَخَمْرٌ تَحَجَّرَ أَوْ خُلِّلَ، وَالنَّجَسُ مَا اسْتثنِيَ، وَمَيْتُ غَيْرِ مَا ذُكِرَ وَلَوْ قَمْلَةً وَآدَمِيًا وَالأَظْهَرُ طَهَارَتُهُ. (الشرح) قوله: (وَلَبَنُ آدمِيٍّ إِلَّا الميْتَ) هو معطوف على قوله: (وبيضه) يريد: أن لبن الآدمي مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى طاهر، ولهذا قال (آدمي) ليشمل ذلك، هذا في الحي وأمَّا الميت فالمنصوص أن لبنه نجس، وهو مبني على نجاسة الآدمي. قوله: (وَلَبَنُ غَيره تَابع) يريد: أن لبن غير الآدمي تابع للحمه، وهو ظاهر المذهب،

стр. 102

وقاله عياض وغيره، فإن كان الحيوان مباح الأكل فلبنه طاهر، أو محرم الأكل فلبنه نجس، أو مكروهًا فلبنه مكروه، وقيل بطهارة الجميع، وقيل: هو مكروه من (١) المحرم، وقيل: نجس، وهذا الخلاف فيما عدا الخنزير؛ وأما الخنزير فلا خلاف في عدم طهارة (٢) لبنه. قوله: (وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِنْ مُبَاحٍ) يريد: أن بول الحيوان المباح الأكل وعذرته طاهران؛ لأمره ﵇ القوم الذين قدموا عليه من عُكْل (٣) أو عُرَيْنَةَ (٤) بشرب أبوال الإبل وألبانها (٥)، ولو كان نجسًا لما أباح شربه، وروي عنه ﷺ : "صلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ" (٦) ولو كانت أبوالها نجسة لما أباح الصلاة في تلك المواضع؛ إذ لا تخلو من بولها (٧) وعذرتها، وفي الصحيحين: "أنه طاف على بعير" (٨).

стр. 103

قوله: (إِلا المتغَذِّي بنَجسٍ) أي: فلا يكون بوله وعذرته طاهرين؛ لأنَّ العذرة متولدة (١) عن ذلك النجس، وقد استحال إلى فساد، ولا يخرج عن أصله إلا إذا استحال إلى صلاح. قوله: (وَقَيْءٌ) لا خلاف في طهارته إذا لم يتغير عن حال الطَّعام؛ وأما إذا تغير عن حالته (٢) فالمذهب أنه نجس (٣)؛ ولهذا قال: (إِلا المتغَيِّر عَنِ حال (٤) الطَّعَامِ) قال اللخمي: لا ينجس إلا إذا شابه أحد أو صاف العذرة (٥). قوله: (وَصَفْرَاء، وَبَلْغَمٌ، وَمَرَارَةُ مُبَاحٍ) قال في الطراز: والمعدة (٦) عندنا طاهرة لعلة الحياة، والبلغم والصفراء ومرارة ما يؤكل لحمه كذلك، والدم والسوداء نجسان (٧)؛ يريد الدم (٨) المسفوح، وأما غيره فهو طاهر؛ ولهذا (٩) قال: (وَدَم لَم يُسْفَحْ) أي: الباقي في العروق، وقد حكي بعضهم في ذلك طريقين انظرهما في الشرح الكبير. قوله: (وَمِسْكٌ وَفَأرَتُهُ) (١٠) لا خلاف في طهارتهما، بل حكى الباجي (١١) الإجماع على ذلك (١٢)، وقال المازري: هو مذهب الجمهور، وذكر عن طائفة قولًا بالنجاسة (١٣).

стр. 104

قوله: (وَزَرْعٌ بِنَجِسٍ (١)) هذا ظاهر المذهب، وهو قول يحيى بن عمر (٢). ابن القاسم: ولا بأس أن يسقى الزرع بالماء النَّجِس، وهو يدل على طهارته؛ إذ لو تنجس (٣) به لما أباح ذلك، وعن مالك قول بأن النبات لا يسقى بالماء (٤) النجس (٥). اللخمي: فعل هذا لا يؤكل النبات الذي يشربه حتى تطول مدته وتتغير أعراضه (٦). قوله: (وَخَمْرٌ تَحَجَّرَ أَوْ خُلِّل) أي: انتقل من المائعية إلي الجمود، وإنما كان طاهرًا لأنَّ تحجره يزيل (٧) ما فيه من الإسكار الذي هو علة النجاسة، وكذلك إذا تخلل فإن الشدة المطربة (٨) تزول عنه (٩)؛ فيطهر لزوال علة التنجيس. ابن شاس: فإن فعل بها ما تخللت به فخلها طاهر حلال (١٠). وكره عبد الملك

стр. 105

وسحنون أكله (١). وقيد الأستاذ (٢) الخلاف بما إذا كان فعل بها ذلك بشيء طرح فيها ونحوه، قال: وأما لو تخللت بنفسها فلا خلاف في جواز أكلها (٣)؛ أي: ولا في طهارتها، فالشيخ ﵀ إنما تكلم على الوجه المختلف فيه، ولهذا قال: (أو خلل)، وبناه (٤) لما لم يُسَمَّ فاعله، ولو أراد الثاني لقال: أو تخلل، والمذهب في الوجهين معًا الطهارة. ولما (٥) فرغ من تعداد الطَّاهر شرع في بيان ما هو نجس: فقال: (وَالنجِسُ مَا اسْتُثني) أي: ما أخرج من (٦) الأمور الطاهرة فيما تقدم، فمن ذلك قوله: (إِلَّا مُحَرَّم الأَكلِ) بعد قوله: (وَمَا ذُكِّيَ وَجُزْؤُهُ) وقد تقدم أن المحقّقين ذهبوا إلى أنَّ الذكاة لا تعمل في المحرم شيئًا، وأنَّه الظاهر من المذهب، ومن ذلك المسكر والمذر من البيض، والخارج منه بعد موت الحيوان، ولبن الميت (٧) والبول والعذرة من المباح المغتذي بالنجس، والقيء المتغير عن حال الطَّعام، وقد قدمنا بيان ذلك. قوله: (وَمَيْتُ غَيْر مَا ذُكِرَ) الذي ذكر ميت (٨) ما لا دم له وميتة البحر، ومراده أن ميتة غيرهما وهو البري ذو النفس السائلة نجس، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾، ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].

стр. 106

قوله: (وَلَوْ قَمْلَةً) أي: فإنها أيضًا نجسة بالموت، وهو المشهور، وحكاه ابن عبد السلام في باب الصلاة (١)، وقد ذكرنا في الشرح الكبير أنه يتحصل للأشياخ في القملة والبُرْغُوث أربعة أقوال: فقيل: ينجسان بالموت، وقيل: لا، وقيل: تنجس القملة دون البُرْغوث، وقيل: إن كان فيهما دم فهما نجسان وإلا فلا. قوله: (وَآدمِيًّا) هو مذهب ابن القاسم وابن شعبان (٢) وابن عبد الحكم (٣)، وذهب سحنون وابن القصار إلى طهارته، واختاره ابن رشد وعياض وغيرهما (٤)، وهو الظاهر للأحاديث الواردة في ذلك، ولولا الإطالة لأتينا بها، وقد ذكرناها في الشرح الكبير (٥)، وقد أشار إلى اختيار ابن رشد بقوله: (وَالأَظْهَرُ طَهَارُتُهُ) (٦).

стр. 107

(المتن) وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيْتٍ: مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاج وَظُفُرٍ وَقَصَبِةِ رِيشٍ وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبِغَ، وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إِلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ وَمَاء، (الشرح) قوله: (وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيْتٍ) يريد: أن ما انفصل من (١) الحيوان نجس سواء أُبِينُ منه في حياته أو بعد مماته، والمراد بذلك ما عدا الصوف، والوبر، وزغب الريش، والشعر ونحوها مما لا تحله الحياة، وعلى هذا يُتَأَوَّل قوله ﵇: "مَا أُبِينَ مِنْ حَي فَهُو مَيت" (٢)، ولما كان قوله: (مِنْ حَي وَمَيْتٍ) موهمًا للتعميم في جميع الأجزاء، سواء كانت مما تحله الحياة أم لا، رفع ذلك بقوله: (مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعاجٍ وَظُفُرٍ) وهذا هو المشهور؛ إذ هو مما تحله الحياة، ويموت بموت الحيوان، وقال ابن وهب: ذلك طاهر بناء على أنه لا تحله الحياة (٣)، وقيل: الأصول تنجس بالموت بخلاف الأطراف، وقيل: إن صلق طهر، وإلا فهو نجس. قوله: (وَقَصَبَةِ رِيشٍ) يريد: مما هو شبيه بالعظم، واحترز بذلك من الزغب، فإنه طاهر كما سبق؛ إذ هو شبيه (٤) الشعر. قوله: (وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبغ) يعني أن جلد الميتة نجس ولو دبغ. ابن رشد: والمشهور أنه لا يطهر بالدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به في اليابسات والماء وحده، وإلى هذا أشار بقوله: (وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إِلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ في يَابِسٍ وَمَاءٍ) ومراده بالإطلاق سواء كان الحيوان مأكول اللحم أم لا، واستثني من ذلك جلد الخنزير، فإنه لا ينتفع به في وجه من الوجوه ولو دبغ (٥). وقد حصل بعض الأشياخ في

стр. 108

ذلك خمسة أقوال: الطهارة في جميع الجلود حتى من الخنزير، وهو قول سحنون (١) وابن عبد الحكم (٢). ولابن وهب كذلك إلا في جلد الخنزير (٣). وقيل: كذلك إلا (٤) في جلد الخنزير (٥) والدواب. ابن رشد: وهو يأتي (٦) على قول مالك في المدونة؛ لقوله: يصلي على جلود السباع ولا يصلي على جلد حمار (٧). وقيل: إنما يطهر بالدبغ (٨) جلود الأنعام فقط، قيل له في العتبية: أترى ما دبغ من جلود السباع (٩) طاهرًا؟ قال: إنما يقال ذلك في جلود الأنعام، فأمَّا ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون جلده طاهرًا؟ (١٠). وقيل: لا يطهر به إلا ما يؤكل لحمه (١١) من الأنعام والوحش، وهو المفهوم من تعليله في العتبية فيما تقدم، وإنما رخص فيه بالنسبة إلى الماء واليابسات؛ لقوة دفع الماء، ولذلك اختص عن (١٢) المائعات بإزالة النجاسة؛ ولدعوى الحاجة إلى ذلك، وأما اليابسات فلعدم مخالطتها (١٣).

стр. 109

(المتن) وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْعَاجٍ، وَالتَّوَقُّفُ فِي الْكَيْمَخْتِ، وَمَنِيٌّ وَمَذْيٌ، وَوَدْيٌ، وَقَيْحٌ، وَصَدِيدٌ، وَرُطُوبَةُ فرجٍ، وَدَمٌ مَسْفُوحٌ، وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ، وَسَوْدَاءُ، وَرَمَادُ نَجِسٍ وَدُخَانُهُ، (الشرح) قوله: (وَفيها: كَرَاهَةُ الْعَاجِ) إنما عزا ذلك (١) للمدونة؛ لأنه كالمخالف لما قدمه من نجاسة العاج؛ إذ الكراهة لا تقتضي التنجيس، اللهم إلا أن تحمل على التحريم، وحينئذٍ يستوي هذا مع ما تقدم (٢). قوله: (وَالتَّوَقُّفُ في الكَيْمَخْت): أي: وفي المدونة أيضًا (٣) التوقف في الكيمخت؛ أي: توقف مالك عن الجواب فيه لما سئل عنه (٤)، وعنه أيضًا: ما زال الناس يصلون بالسيوف وفيها الكيمخت (٥). وقال ابن المواز وابن حبيب (٦): إنما يجوز ذلك في السيوف خاصة لحاجة الناس إليها. وفي المدونة: وتركه أحب إليَّ (٧). والكَيْمَخْتُ بفتح الكاف بعدها ياء باثنين (٨) تحتها وفتح الميم وسكون الخاء

стр. 110

المعجمة وآخره تاء باثنين (١) فوقها. القاضي (٢): وهو جلد الفرس وشبهه غير مذكى. وقال التونسي (٣): هو (٤) جلد الحمار. وقال ابن عطاء الله (٥): إنما يكون من جلد الحمير والبغال المدبوغ (٦). قوله: (وَمَنيٌّ) هو معطوف على ما تقدم من (٧) قوله: (وَالنَّجَسُ مَا استثنيَ) أي (٨): والمني كذلك ولا خفاء (٩) في تنجيسه من الآدمي والمحرم الأكل من الحيوان، واختلف في ذلك من (١٠) مباح الأكل بناء على أن المني هل هو (١١) نجس لأصله، أو لمجرى البول؟
следующие страницы →