← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ولا حكمته فيما يقدر ويخلق من الخير والشر أو من المخلوقات بعامة، ولما لم يدركوا الحكمة، عارضوا فعل الله في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم (١). ٢ - قياس أفعال الله على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم: نظر المبتدعة إلى أفعال الرب ، فجعلوا ما هو عدل في تصرفات البشر واجباً وعدلاً في تصرفات الرب ، وجعلوا ما هو ظلم من تصرفات البشر محرماً أو منفياً وظلما في تصرف الرب، فضلوا في هذا الباب؛ لأن الخالق لا يقاس على المخلوق في أفعاله وفي تدبيراته في ملكوته. وقصدوا بذلك تعظيم الرب وتنزيهه: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحاً من الأفعال وظلماً، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقاً لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا (٢)، وقابلتهم الجهمية الغلاة في الجبر، فأنكروا حكمة الله ورحمته (٣). ٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلاً في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها: مثل لفظ: الاستطاعة -بتفسيرهم- وما يطاق وما لا يطاق، والتكاليف، وأشباه ذلك، ومنها أيضاً -عند الجبرية- الكسب ونحوه، وفسروها بتفسيرات تخصهم، فضلوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل؛ لأن إحداث

стр. 527

لفظ وإحداث مصطلح لا شك أنه سيترتب عليه أشياء كثيرة. ومن المعلوم أن هذه الأمور الغيبية -كالقدر- الاصطلاح عليها بألفاظ وأسماء لمسميات لم يأت عليها برهان أنه يجعل المرء يؤصل ويقعد بشيء لا أساس له، والعلم بالقرآن والسنة حجة على كل مخالف أحدث المصطلحات؛ لأن إحداث المصطلحات عقلي، واتباع الكتاب والسنة نقلي، ولهذا يغلب النقل العقل الحادث والمصطلح عليه في هذه المسائل (١). ٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة (٢) وبين المحبة والرضا: منشأ الغلط في باب القدر (٣) هو اعتقاد أن محبة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان (٤)، وهذا أصل مشترك بين القدرية والمعتزلة والجبرية والجهمية والأشعرية (٥)، واعتقادهم بالتسوية مبنيٌ على صفة المحبة لله (٦)، فأنكرتها القدرية، بينما غلت فيها الجبرية، ثم بنى كل فريق على ذلك منهجهم في الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر.

стр. 528

٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة: الأساس في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفاً، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها، ثم عادوا على دلالات النصوص بعد ذلك بالتأويل ودعوى أنها معارضة لما هو معلوم بالضرورة، والاستشهاد بالمتشابه منها على ما ادعوه من المعاني الباطلة، فيما يتعلق بالقدر وأفعال العباد (١). ومن أجل هذا: انقسم المبتدعة إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.

стр. 529

المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر . لقد شغلت قضية القضاء والقدر أذهان الفلاسفة وأتباع الطوائف من أهل الملل من قديم الزمان، وما زالت حتى يومنا هذا، وضلال أهل الأهواء والبدع في هذا الأصل العظيم كضلالهم في باقي الأركان، وهذا ما وضحه الله في كتابه الكريم من زعم بعضهم بأن الله لا يقدر الأمور، وإنما تسير على حسب جريان الدهر، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ الجاثية: ٢٤. وكانت البداية لنشأة الاختلاف والكلام في القدر ، تدور على أمرين: أحدهما: نفي علم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها ، وبالتالي نفي الكتابة، وهذا التقدير ينكره غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم (١)، كما ينكره الفلاسفة، القائلون: بأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي، أي: يعلم الكليات دون الجزئيات (٢). وقد تأثر اليهود والنصارى بالفلسفة القديمة، وتجد في كتبهم المحرفة ما يفيد إنكار علم الله تعالى (٣). الآخر: نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد ، والقول بأنها ليست واقعة بقدره، وأن العباد يخلقون أفعالهم (٤)، فجعلوا لله شريكاً في خلقه، واستدلوا استدلالاً أعور ببعض الآيات، وأولوا ما عدا

стр. 530

ذلك مما يخالف مذهبهم، وهذا التقدير ينكره متأخرو القدرية، بينما يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها (١). ولو ذهبنا نستجلي أقوال الناس في هذه المسألة لوجدنا أنها هي هي، لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائماً إلى ثلاثة أقوال (٢): ١ - قول الجبرية (٣): الذين يقولون: بأن الله هو الخالق للأفعال، بينما الإنسان مجبور على أفعاله. ٢ - قول أهل حرية الإرادة (٤): الذين يقولون: إن الله لا يوصف بأنه يخلق فعل العبد، بل الإنسان مستقل في أفعاله عن خالقه، وأنه هو الذي يخلق أفعاله، وهم يقولون هذا لسببين: أ-أن فعل العبد فيه الأشياء المشينة مثل: الكفر، والزنا، والسرقة، والقتل .. إلخ، ولو قيل: أن الله هو الذي يخلق هذه الأشياء، لصار في هذا نسبة للأشياء السيئة إلى الله، وهو منزه عنها.

стр. 531

ب- أن خلق الفعل من الله يقتضي التفريق بين المكلفين، هذا خلق فعل طاعته، فأدخله الجنة، وهذا خلق فعل معصيته، فأدخله النار، وهذا ظلم؛ لأنه لم يساو بينهم في خلقه وفعله. والخوض في هذا الباب: طريقة أهل الأهواء والمراء، وهي طريقة وعرة ودحضُ مزلة، مع نهي الشرع عنها أصلاً وفرعاً، كما أنه قدح في فعل الرب سبحانه وتنقص لحكمته، وتحكيم في إرادته بمحض القياس العقلي الناقص، المتضمن لتنقص الشرع وصاحبه. ويتبين مما سبق أن القدرية النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله تعالى قدرته، وبقولهم إن العباد هم الخالقون لأفعالهم. ٣ - قول أهل الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهم الذين يثبتون القدر السابق، ويقولون أيضاً: إن للإنسان إرادة ومشيئة، ولكنها خاضعة لمشيئة الله، والإنسان وأفعاله مخلوق لله ، وهذا مذهب الأنبياء وأتباعهم؛ لأنه لا يحدث في ملك الله شيء إلا وهو خالق له . ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر، وهي: - أولاً: إرادة تنزيه الله عن الشر: منشأ ضلال هؤلاء في البداية هو أنهم أرادوا تنزيه الله عن الشر، فوقعوا في نفي القدر، وهذا أصل التعطيل ومنشأ التفريط، فقالوا: بأن العبد مستقل بعمله في الإرادة، والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته في ذلك أثر، وقالوا بأن: أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها، وقالوا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئته الشاملة، وغلاتهم ينكرون أن يكون الله قد علمها، فيجحدون مشيئته الشاملة، وقدرته النافذة، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس الذين قالوا: إن للكون إلهين: إله النور، وهو

стр. 532

خالق الخير، وإله الظلمة: وهو خالق الشر (١)، ويكفي في الرد عليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦. - ثانياً: إرادة تنزيه الله عن الظلم: أرادت القدرية تنزيه الله عن الظلم، حتى لا تنتفي عنه صفة العدل، فغلوا في جانب التصديق بالأمر والنهي والوعد والوعيد، ما جرهم إلى الظن بأنه لا يتم هذا إلا بالتكذيب بالقدر (٢)، وزعموا أن هذا مقتضى العدل؛ فأدخلوا إنكار مشيئة الله وخلقه أفعال عباده في فروع أصل العدل الذي أصلوه؛ بل حكموا على أفعاله بأحكام من جهة النظر إلى الخلق، فجعلوا فعلاً لله واجباً عليه بالنسبة للجميع، وجعلوا فعلاً لله ممتنعاً عليه بالنسبة للجميع، وخلاف القدرية في مسألة الاستطاعة ناشئ عن أنهم قالوا: الواجب على الله أن يجعل الناس سواء فيما يطيعهم، فكون هذا يوفق، وهذا يخذل، هذا غير سائغ؛ لأنه تفريق فإذا جعلنا الأصل هو أن يكون الناس سواسية (٣)، فإن هذا قاعدة نبني عليها غيرها من مسائل القدر، وبهذا نشأت أقوال كثيرة محدثة في القدر وخلاف متنوع في المسائل العقلية، وما يجب على الرب ، وما لا يجوز عليه (٤).

стр. 533

وهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أن يكون هناك أمرٌ زائدٌ خص به هذا، أو منع ذاك، فجعلوها جميعاً قبل الفعل، وأما مع الفعل، وفي أثناء الفعل، فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وبالتالي فلو جعل هذا مستطيعاً للفعل، وهذا غير مستطيع للفعل، لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله ، وبالتالي يترتب على هذا أن هذا ظلم (١). والحق أن هذا العدل الذي أصلوه معطل لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته؛ فهو بعيد عن العدل الذي هو وصف قضائه جل وعلا (٢)؛ لأن جميع أعمال الله بين الفضل والعدل وليس فيها ظلم إطلاقاً، فإن أعطى وأنعم فبفضله، وإن منع وعذب فبعدله، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ينزه الله عنه، والعدل هو وضع الشيء في موضعه ومن تمام عدله أن أتقن صنعه، وشرعه، وجزاءه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهو العدل الكامل في عدله (٣)، بل أعظم من هذا أنه حرم الظلم على نفسه كما في الصحيح (٤)، والعباد قاصرون عن معرفة الحكم في أنفسهم، فكيف بالحكم في أفعال الله وصفاته وتصرفه في ملكوته؟ ! (٥). - ثالثاً: اطراد ما التزمه أهل البدع من أصولهم الفاسدة: لذا نجد أن الخوارج قد نالهم الاختلاف في هذا الركن عن طريق قولهم: بأن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، فهم عندما يجعلونه كافراً -وقد كتبه الله عنده من المؤمنين - خالفوا كتابته ومشيئته، وعندما يجعلونه من أهل النار -وقد جعله الله من أهل الجنة- يؤدي قولهم إلى رد المشيئة والكتابة ضمناً وتلويحاً لا تصريحاً، وبذلك يقع الخلل عندهم في القضاء والقدر والله أعلم (٦).

стр. 534

كما نلحظ الخلل الكبير الذي وقعت فيه الشيعة، حينما قالوا بعقيدة البداء على الله ، وهذه العقيدة تعارض القضاء والقدر؛ لأن وصفهم الله بالبداء يستلزم منه وصفه بالجهل، وعلى ذلك فلا علم ولا كتابة ولا إرادة ولا خلق، فعن طريق قولهم بالبداء يلزمهم نفي القضاء والقدر ومحو ما كتبه ، أما متأخرو الشيعة فقد قالوا بقول المعتزلة، فبذلك زاد الخلل عندهم في هذا الركن (١)، يقول شيخ الإسلام ﵀: " وأما عمدتهم في النظر والعقليات، فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة، ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر" (٢). أما المعتزلة فقد وقعت في خلل كبير في هذا الركن من أركان الإيمان، حيث قالوا: بأن الله يفعل المفعولات ويخلق المخلوقات لحكمة مخلوقة منفصلة عنه، فهم أثبتوا الحكمة من أفعال الله تعالى كما أثبتها أهل السنة والجماعة، ولكنهم انحرفوا عن السلف حين أثبتوا لأفعال الله حكمة منفصلة عنه لا ترجع إليه، وحصروا هذه الحكمة في المخلوق ثم زعموا أن هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العبد خالقاً لأفعاله، والله ليس خالقاً لها حتى لا تنتفي صفة العدل عنه، ثم تمادوا وقالوا بوجوب فعل الصلاح والأصلح وما تحته من مسائل تعارض وتخالف هذا الركن الجليل من أركان الإيمان، وهم قد شابهوا الخوارج في تخليدهم لمرتكب الكبيرة في النار، فلازم قولهم رد قضاء وقدر الله في هذا العاصي، بحيث يجعلونه في أهل النار أن والله قد يكون كتبه في أهل الجنة، كما يوجبون على الله إدخال الطائع الجنة وقد يكون الله كتبه مع أهل النار، فليزمهم رد القضاء والقدر السابق، ولهم مخالفات أخرى في هذا الركن جاءت عن طريق تماديهم وغلوهم في هذا الباب (٣). - رابعاً: محاولة إدراك حقيقة القدر بالعقل المجرد، ومخالفتهم للنصوص:

стр. 535

تكلف المبتدعة تقديس العقل، فردوا به نصوص الوحي، زاعمين كفاية العقل في إدراك الفرق بين الحسن والقبيح، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفاً، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها (١). يقول ابن قتيبة ﵀ (٢) عنهم: " ولما اطرد لهم القول على ما أصلوه، ورأوه حسن الظاهر قريباً من النفوس، يروق السامعين ويستميل قلوب الغافلين، نظروا في كتاب الله فوجدوه ينقض ما قاسوا، ويبطل ما أسسوا، فطلبوا له التأويلات المستكرهة، والمخارج البعيدة، وجعلوه عويصاً وألغازاً، وإن كانوا لم يقدروا من تلك الحيل على ما يصح في النظر ولا في اللغة" (٣). فالأساس إذاً في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وهذا ما لا يُعجز كل مبطل، والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب والحيرة: أنهم رتبوا إثباتهم لتعلق أفعال العباد بقدرة الرب وقدرة العبد على إدراكهم لكيفية الصلة بين القدرتين، لا على مجرد التسليم بما دلت عليه الضرورة من ثبوتهما (٤)، ومن ثم توهموا أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدساً منزهاً عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٥).

стр. 536

ومن هذه الشبهات التي ظل بسببها المبتدعة في باب القدر: أ-قولهم: لو كانت أفعال العباد خلقاً لله لبطل التكليف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولسقطت بعثة الرسل، ولقبحت المساءلة والمحاسبة والمعاقبة؛ لأنه لا يجوز أن ينهى الله عما خلقه، ولا أن يأمر بما يفعله هو؛ إذ لا فائدة من ذلك، كما أنه لا يجوز أن يثيب ويعاقب على فعله (١). ب- أنه يحسن المدح على الحسن من أفعال الناس والذم على قبيحها دون المدح والذم على حسن الهيئة وضده، أو طول القامة وقصرها، فدل هذا الفرق على أن أفعال العباد محدثة من جهتهم بخلاف الهيئة والصورة فإنها من عند الله (٢). ت- أنا "نحتاج في هذه الأفعال إلى آلات وقدر وارتفاع الحواجز؛ لأنه إذا أراد الرامي الإصابة فلا بد له من قوس وآلة، وألا يكون بينه وبين المرمى حاجز، وأن يكون عالماً، وأن يكون قوياً ليبلغ الرمي بشدة اعتماده، ولو كان من فعل الله تعالى لما احتاج إلى ذلك؛ لأنه تعالى فيما يفعله لا يحتاج إلى هذه الأمور، تعالى الله عن ذلك" (٣). وكل هذا مردود بالكتاب والسنة والإجماع (٤)، بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس بعد الحق إلا الضلال، مع ضرورة التسليم بالشرع والقدر، واستحالة التعارض بينهما (٥).

стр. 537

المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الإيمان بالقضاء والقدر . ظَهَر قول مضاد معاكس لقول القدرية، وهو القول بالجبر، والذي يثبت أصحابه القدر بمراتبه، لكنهم سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إنه مجبور على أفعاله، وأنه لا يقدر منها على شيء؛ لأنها مكتوبة عليه، فلا أثر لإرادته، ولا لقدرته (١)، بل هو كالريشة في مهب الريح، فليس له فعل حقيقة، وليس له تصرف حقيقة، ولا كسب حقيقة، وإنما هذه أمور مجازية، وفعل العبد هو في الحقيقة فعل الله ، لكن أضيف للعبد اقتراناً، ولم يضف إليه حقيقة، وأخرج بعضهم لفظ الكسب، وعللوا به (٢). وقد سبقهم إبليس فاحتج على الله بالقدر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ الحجر: ٣٩، فنسب الغواية إلى الله تعالى، وأخذ أهل البدع عنه ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الزخرف: ٢٠، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ النساء: ١٥٥، كما أن هؤلاء الجبرية يسمون بالقدرية المشركية؛ لأنهم شابهوا المشركين في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الأنعام: ١٤٨، فكانت هذه الأقوال السابقة بذرة لزرع القول بالجبر والخوض في القضاء والقدر على حسب الأهواء والآراء.

стр. 538

وهؤلاء في الحقيقة يزعمون: أن الله هو الفاعل الحقيقي لأفعالهم، وهذا كلام ظاهر البطلان، بخلاف ما عليه أهل السنة، الذين يقولون: إن الله هو الخالق، والعبد هو الفاعل، ولذا ترتب على فعله الثواب، والعقاب. ولا تزال هذه الأقوال تقال على ألسنة طوائف من أهل الأهواء والبدع كالمرجئة-الأشاعرة والجهمية الكلابية-، والجبرية، وغلاة الصوفية (١)، ومن يعتقدون تأثير الكواكب، وغيرهم، وكما أن بدعة القدر ظهرت قديماً، فهي وما تزال موجودة إلى الآن (٢). ومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالقضاء والقدر، يأتي من طريقين، هما: - أولاً: إرادة تنزيه الله عن العجز الذي رماه به القدرية: لما ظهر من ينكر علم الله بالجزئيات ومن ينكر مشيئة الله وخلقه، ظهر في المقابل من يثبت لله خلق المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلة ولا لحكمة؛ بل إنه تعالى فعل ذلك لمحض المشيئة والإرادة، وتسويتهم بين محبة الله ومشيئته، ونفيهم تعليل أفعال الله، أو أن تكون له فيها حكمة تعود إليه، نتج عن هذا أن جوزوا عقلاً كل ممكن عليه سبحانه، حتى تعذيب أوليائه وتنعيم أعدائه، وأن يأمر بما لا منفعة فيه، بل ما يكون ضرراً محضاً؛ لأنه تصرف في ملكه، ولا ملك إلا ملكه فيكون الظلم ممتنعاً عنه، وكل ما شاءه الله حسن؛ لأنه يحبه (٣). وهذا النفي لحكمة الله دفعهم إلى سلب العباد إرادتهم ومشيئتهم، وإلى القول بأن العبد مجبور على فعله، ولا قدرة له ولا اختيار، في مقابل قدرة الله واختياره، وأن الله وحده هو الخالق لأفعال العباد وأعمالهم، إنما تنسب إليهم مجازاً (٤) كما تنسب إلى الجمادات، كما

стр. 539

يقال: أثمرت الشجرة وطلعت الشمس وغربت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً جبر، وهذا ما قالت به الأشاعرة (١) والجهمية (٢). ومع أن الكلابية يثبتون الحكمة لله إلا أنهم يجعلونها قديمة، فيزعمون أن الله تعالى لم يزل راضياً عمن علم أنه سيموت مؤمناً وإن كان أكثر عمره كافراً، ولم يزل ساخطاً على من علم أنه سيموت كافراً، وإن كان أكثر عمره مؤمناً، وإرادة الله لكون الشيء هو الكراهة ألا يكون، ويزعمون أن محبته ورضاه وسخطه وإرادته كل ذلك قديم، وقولهم واضح البطلان حيث يؤدي إلى رد الصفات الاختيارية ورد النصوص من الكتاب والسنة فظهر خلل المرجئة في هذا الموضع (٣). والخلاصة أن نفي قدرة العبد واختياره، وإخراج أفعاله عن أن تكون أفعالاً له؛ وإنما هو آله محضة، مضطرٌ إلى جميع ما فيه من حركة أو سكون، وأن إضافة الفعل إليه مجازاً، والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، كل هذا ترتب عليه مفاسد كثيره، منها: ١ - اعتقادهم أنهم مكرهون على المعاصي، مقهورون على فعل السيئات، من غير اختيار منهم البتة، وبناء على هذا اعتقدوا أنهم إذا عُذبوا على السيئات فإنما يعذبون على ما لا صنع لهم فيه؛ بل يعذبون على فعله هو عما يقولون- إذ العبد عندهم لا فعل له، وقد بلغ التجرؤ أقصاه عندما تبجح من تبجح بالمدافعة عن إبليس زاعمين

стр. 540

أن الله تعالى ظلمه، وأنه أجبره على الحال التي هو فيها، وأنه منعه التوبة ولا حول ولا قوة إلا بالله (١). ٢ - أن البعض منهم تدرج في الأمر فاحتج بالقدر على المعاصي، زاعماً أن ذلك بإرادة الله ومشيئته وأنه هو الخالق لهذا الفعل. ٣ - قرر بعضهم أن أعمالهم لا توصف بحسن ولا قبح، فتذرع من غلا منهم إلى إنكار الفرق بين المأمور والمحظور، بل إلى أن يروا أفعالهم كلها طاعات لموافقتها القدر. ٤ - صار هذا الانحراف إلى مزلق الجبر ذريعة إلى الانسلاخ من الشرع وطي بساط الأمر والنهي (٢). ولو صح ما قالوه من أن أفعال كافة العباد اضطرارية لما صح شيء في العقل البتة؛ بل وأبطلت الشرائع وسقطت التكاليف جملة فإنه لا يتصور تعلق الأمر والنهي بأفعال اضطرارية غير اختيارية (٣). - ثانياً: الغلو في شهود خصائص الربوبية: كذلك فالغلو في شهود خصائص الربوبية أدى إلى إيجاب الرضا بكل مقضي؛ وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا كلام أحد من السلف ما يدل على أنه يجب أو يستحب الرضا بكل مقضي، ومنشأ ذلك -والله أعلم- هو الغلو في جانب القضاء والقدر، وذلك بشهود ذلك منفصلاً عن الأمر والنهي الذي هو مقتضى توحيد الألوهية (٤). ومقتضى التسليم بتوحيد الربوبية، هو الإيمان بعموم خلق الله لجميع المخلوقات، ومنها أفعال العباد، مع الجزم بنسبة أفعال العباد إليهم نسبة حقيقية، لتوقف التكليف على ذلك، إذ

стр. 541

لا يمكن تكليف من لا ينسب إليه الفعل نسبة حقيقية، والإخلال بهذا مفضٍ إلى جعل القدر حجة في باب المعصية، والأمر ليس كذلك، فليس لأحد أن يحتج بالقدر على معاصيه، بل عليه التوبة والاستغفار، وإنما يحتج بالقدر في باب المصائب لا المعائب؛ فليس لأحد حجة على الله (١). لذا يفرق الإمام ابن القيم بين ما يضاف إلى قدرة الله تعالى وما يضاف إلى قدرة العبد من أفعال العباد، فيقول: " يضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر ... وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرب خلقاً وتكويناً، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سبباً ومباشرة، فالقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته" (٢). يتضح لنا مما سبق تفرد منهج أهل السنة بأنه وسط بين هذه البدع المتقابلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وهم -أي: أهل السنة- وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية" (٣).

стр. 542

المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر . المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالقضاء والقدر . إن المتأمل في كتاب الله ﵎ ليجد فيه عنايةً واضحاً بإثبات قدرة العباد وأن لهم إرادةً واختياراً، فرتب حصول الخيرات والسرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، ورتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع (١). كما أولى اهتماماً بإثبات المشيئة العامة لله وأنه لا يخرج في هذا الكون شيء عن مشيئته وإرادته، وهذا كثير في كتاب الله أيضاً. فإذا جمع المسلم بين هذه الآيات تبين له الحق وظهر، وهو أن الله له المشيئة التامة في الخلق، وأن الخلق لهم مشيئة وإرادة تابعة لمشيئة الله وإرادته؛ لأنه سيدهم وخالقهم، وأمرهم بيده. ومع كل ما جاء في القرآن الكريم من خبر ذلك وتأكيده، نجد من أصحاب البدع المتقابلة من أفرط أو فرط في باب الإيمان بالقضاء والقدر، لذا فقد اعتنى القرآن الكريم بشبههم، فبينها وقضى عليها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:

стр. 543

الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ الأنبياء: ٢٣ ، فيها رد على طائفتين متقابلتين من طوائف المبتدعة! ، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . دل قوله جل وعلا: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾، على إثبات الفعل لله ، فكانت هذه الآية رادةً على كلِ من نفى أفعال الله (١) -من القدرية- بأنه سبحانه ﴿يَفْعَلُ﴾. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن هذه الآية أيضاً قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فردت على نفاة أفعال العباد -من الجبرية- بأنهم ﴿يُسْأَلُونَ﴾؛ ونسبة السؤال إليهم فيه دلالة على أنهم قادرون ومحاسبون على أعمالهم. ويلاحظ مما سبق أمور ثلاثة: الأمر الأول: إسناد الفعل إلى العبد، وأنه القائم به حقيقة؛ ولأجل هذا وقعت المحاسبة والجزاء عليه، كما في قاله تعالى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، وقوله : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ الأنعام: ١٦٤، أي: " أن النفوس إنما تجازى بأعمالها؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر" (٢)، وكما قال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ طه: ١٥، والآيات في هذا كثيرة. الأمر الثاني: أن للعبد قدرة أودعها الله فيه، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن: ١٦، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فصلت: ١٥، فهو قادرٌ بجعل الله له قادراً، وهو خالقه وخالق قدرته (٣)، لذا فإنه لا يسأله ولا يحاسبه إلا لما له فيه قدرة ومشيئة، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، أي: عما فعلوا باختيارهم (٤).

стр. 544

وهذه القدرة هي "قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآلة، وهي مناط التكليف، وهي متقدمة على الفعل، غير موجبة له" (١)، وتأثير هذه القدرة في مقدورها كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها (٢). ومن المعلوم أن السبب لا يستقل بالمسبب، بل يفتقر إلى ما يعاونه، وكذلك قدرة العبد لا تستقل بالمقدور؛ بل لا بد من إعانة الله وتيسيره. والسبب له ما يمنعه ويعوقه، وكذلك قدرة العبد لها ما يعوقها؛ والله خالق السبب وما يعينه، وصرف عنه ما يعوقه (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، المخالفون للمعتزلة، إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات" (٤). الأمر الثالث: أن للعبد مشيئة واختياراً وإرادة جعلها الله فيه، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ المزمل: ١٩، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ البقرة: ٥٨. وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي يسند الله فيها المشيئة والأعمال للعباد فأثبت لهم مشيئة وقدرة على أفعالهم، ولكنها مشيئة وقدرة تابعة لمشيئة الله غير مستقلة، فالله سبحانه "لا يعبد إلا بإعانته، ولا يطاع إلا بمشيئته" (٥) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٢٩ - ٣٠.

стр. 545

فأعمال العباد تسند إلى العبد فعلاً واختياراً وتسند إلى الله خلقاً وإيجاداً، فهي من فعل العبد بمشيئته وقدرته، ولكن الله هو الذي خلق المشيئة والقدرة، وهي السبب في فعل العبد، وخالق السبب التام خالقٌ للمسبب، فالله خلق العباد وأعمالهم وما يعملون (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأثبت مشيئة العبد، وجعلها لا تحصل إلا بمشيئة الله" (٢). - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر: لم تعرف المبتدعة حكمة الله في الأشياء، ولا حكمته فيما يقدر ويخلق من الخير والشر أو من المخلوقات بعامة، ولما لم يدركوا الحكمة، عارضوا فعل الله في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم (٣). فعطلت القدرية الله عن أفعاله، فقالوا: بأن الله لا يخلق الشر، بينما نسبوا للعباد خلق الشر في أفعالهم. أما الجبرية فقد أوقعهم مذهبهم الفاسد في تعطيل الشرع، عندما غلوا في إثبات أفعال الله، وقالوا: بأن كل شيء من خلق الله، وأن ما خلقه الله فقد أراده وأحبه ولو كان شراً، وأن العباد لا يقدرون على شيء، لذا فهم مسيرون غير مخيرين. قال ابن القيم ﵀: " الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شراً بالنسبة إلى محل وخيراً بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض

стр. 546

إن كانت شروراً من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة ... فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة" (١). - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . في باب الخَلْق والأمر، يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله تعالى على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار فيما يعمله، ولا يقولون: إنه مجبور؛ لأن المجبور هو من أُكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره. وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطاً بين القدرية، الذين يكذبون بقدرة الله، ولا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء؛ وبين الجبرية المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد بلا مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٤٨. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ الأنعام: ١٣٢ ، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .

стр. 547

هذه الآية الكريمة فيها ردٌ على ما ذهب إليه القدرية، قاصدو تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحاً من الأفعال وظلماً، فزادوا على ما وصف الله به نفسه من تحريم الظلم عليها (١)، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، وزعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة لله، وزعموا أيضاً أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله، ويتضح الرد عليهم في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، كما دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه هو خالق الخلق وأفعالهم كقوله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ سورة الزمر: ٦٢، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ سورة الصافات: ٩٦. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن فيها رداً على بطلان مذهب الجبرية منكري حكمة الله ورحمته، القائلين: بأنه لم يخلق لحكمة، ولم يأمر لحكمة، القائلين: بأن العبد مجبور على أفعاله، فأتى الرد عليهم في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ فنسب العمل للعبد وجعل التفاضل بينهم بسببه؛ وأثبت الحكمة من خلق العباد، وهي في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، ومن أجلها تتم محاسبتهم، وعلى قدر تحقيقها تكون درجاتهم في الجنة. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . الباعث لهم على الانحراف عن الإيمان بالقدر، ومنابذة الأدلة والبراهين، هو: توظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة والبراهين؛ بحيث أرادت القدرية تنزيه الله عن الظلم والشر، وعما ظنوه قبيحاً من الأفعال وظلماً، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقاً لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا. كما أرادت الجبرية أن تنزه الله عن العجز الذي رماه به القدرية فأثبتت لله خلق المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلة ولا لحكمة؛ بل لمحض المشيئة والإرادة، لأجل هذا ساووا

стр. 548

بين محبة الله ومشيئته- قياساً على المخلوق-، ونفوا تعليل أفعال الله، أو أن تكون له فيها حكمة تعود إليه، فنتج عن هذا أن جوزوا عقلاً كل ممكن عليه سبحانه، حتى ما يكون ضرراً محضاً؛ لأنه تصرف في ملكه، وقالوا: بأن كل ما شاءه الله حسن؛ لأنه يحبه (١). وهذا دفعهم إلى سلب العباد إرادتهم ومشيئتهم، وإلى القول بأن العبد مجبور على فعله، والله وحده هو الخالق لأفعال العباد وأعمالهم. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . من خلال مقالتي الطائفتين، يتبين أن القدرية النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله قدرته، وقولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم. كما يتضح كذلك مدى غلو الجهمية الجبرية في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته وإرادته وعدوه بمنزلة الجماد، وأنه لا فعل له في الحقيقة، وأنه مجبور على أفعاله غير مختار فيها، وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار. فكل منهما قد أخطأ، وضل في هذا الباب، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون مع كل منهما بعض الحق والصواب، لكن الحق المحض والصواب المحض ليس هو في قول واحد منهما، وإنما هو في قول خارج عن قولهما جمع ما عند كل من الفريقين من حق وصواب، وخلا مما وقع فيه الفريقان من خطأ وضلال. ذلك هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذي هو حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين، به كانوا وسطاً بين إفراط وتفريط الفريقين في هذا الباب (٢)، وهذا أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وهم وسط (٣) في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهما" (٤).

стр. 549

الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦ ، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية رد على غلاة القدرية، الذين نفوا القدر وعطلوه، فجاء قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وهي الإرادة الدينية الشرعية، فليس المراد بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ وقوع العبادة، بل الأمر بها على وجه الابتلاء، ثم من وقعت منه فقد امتثل للإرادة الشرعية وكان وقوع هذا الامتثال منه من الإرادة القدرية الكونية، ومن لم تقع منه فإن مخالفته للإرادة الشرعية لا تخرج عن الإرادة القدرية الكونية. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . في هذه الآية رد على غلاة الجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأوامر وانتهكوا المناهي، فأبطل الله احتجاجهم بالقدر على ترك الطاعة، بقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، ولفظ الآية وظهور العموم فيها يقتضى فعلا يفعلونه هم، والمراد أن الأمر بالعبادة الشرعية على جهة الابتلاء، لينظر الله من يحسن عملاً فيطيع أمر ربه ويمتثل شرعه، ومن يسيء فيعصي ويكفر، وهذا المعنى دلت عليه آيات أخرى في كتاب الله، وجاءت دلالتها له على وجهين: إما مفسرة له، أو شاهدة له. أما المفسرة: فنحو قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الملك: ٢، وغيرها من الآيات (١) التي تصرح بأن حكمة خلق الله للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، وهذا يفسر قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). وأما الشاهدة: فنحو قوله سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥، فهذا إنكار من الرب لعباده عن أن يظنوا أنه يتركهم سدى

стр. 550

بلا أمر ولا نهي يبتليهم به، وهذا الإنكار من الرب شاهد لمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وذكر الجن والإنس وهما المذكوران دون سواهما، يدل على عبودية مرادة منهما خاصة دون سواهما وهي عبودية الطاعة والامتثال للأمر الشرعي والابتلاء فيها (١). كما أن فيها رداً على الملاحدة الذين نفوا الحقيقة من وجود الإنسان، فبينت الآية الكريمة حقيقة الوجود وهي عبادة الله . - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان في باب القدر هو: التسوية بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضا: فاعتقاد أن محبة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان (٢)، هو الأصل المشترك بين القدرية والمعتزلة والجبرية والجهمية والأشعرية (٣)، الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان إلى الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر. - رابعاً: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في باب القدر بين القدرية الذين ضلوا بالتفريط، حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالاً عن غير تأثير لقدرة الله فيه، وبين الجبرية الذين ضلوا بالإفراط، حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به. لذا فهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب القدر؛ فهم لم يفَّرِطوا ولم يفْرِطوا فأثبتوا للعبد أفعالاً اختيارية، ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية، وأثبتوا أن الله خالق كل شيء، فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته، وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى، فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى، مع أن العبد يفعل اختياراً بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب (٤).

стр. 551

ولا إشكال البتة في أن الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه، فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور ولا مجبور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٣٠. وبالجملة فإنه ينبغي على الإنسان أن ينشغل بما أمره الله به، عن الانشغال بسر القدر والتعمق فيه والنظر، فهو كما قال الإمام الطحاوي ﵀: " وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسُلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان" (١).

стр. 552

المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر . أختتم هذا الفصل، بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالقضاء والقدر: ١. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: والإنسان: ٢٩، ٣٠ في هذه الآية الكريمة رد على طائفتين ضالتين، وهما: الجبرية والقدرية، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ دليل على أن للعبد مشيئة يختار بها فكان هذا رد على الجبرية، كما أن في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ رد على القدرية الذين ينفون مشيئة الله ، وأهل السنة وسط بين هاتين الطائفتين الضالتين. فتبين أنه لا حجة في القدر على ترك التوحيد، ولا حجة في القدر على إتيان المعصية، ولا حجة في القدر على ترك الطاعة، بل لله الحجة البالغة على كل أحد، فإنه ما من أحد إلا وله الاختيار الكامل في فعل ما شاء وترك ما شاء، وهذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الله ، من أجل هذا كان أهل السنة وسط بين هاتين الطائفتين الضالتين. ٢. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦، أثبت الله للعبد فعلاً وكسباً، والكسب هو الذي يعود على فاعله منه نفعٌ أو ضرر، ففي هذا رد على الجبرية، وكذلك رد على القدرية بأنه هو من قام بهذا التكليف: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦، وأنه هو الناصر والمعين لأوليائه ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ البقرة: ٢٨٦. ٣. قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) يوسف: ٦٧، في هذه الآية رد على من أنكر أفعال العباد، عند قوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا﴾، كما أن فيها رداً على من أنكر أفعال الله، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.

стр. 553

٤. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ طه: ٧٥، في هذه الآية رد على من أنكر فعل العباد، فنسب الله الفعل للعباد عند قوله تعالى: ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾، وفيها كذلك رد على من أنكر محاسبة الله لعباده، عند قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾. ٥. قال تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ النحل: ١١، فيها رد على الأشاعرة الذين ينفون دور العلل ومشاركتها، وعلى -القدرية- التي تنسب العلل للمخلوقات فقط؛ فجاء القرآن ليصرح بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها، حيث يقول: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾، فإنّ قوله: ﴿بِهِ﴾ صريح في تأثير الماء في إنبات هذه الثمار. وبهذا يتبيّن أنّ القائلين بأنّ الإنسان محتاج إلى الله في أصل وجوده، ولكنه مستغن عنه تعالى في أفعاله ومستقل في تأثيره، قد سقطوا في الشرك (١) من حيث لا يعلمون، ذلك لأنّهم بمثل هذا الاعتقاد يكونون قد اعترفوا - في الحقيقة - بمؤثرين أصيلين مستقلين غنيين وخرجوا بذلك عن إطار "التوحيد الأفعالي"! ! (٢). ٦. قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ البقرة: ٣٨، في قوله تعالى: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ رد على القدرية نفاة هداية التوفيق والإلهام، وفي قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ رد على الجبرية منكري هداية الإرشاد والدلالة. ٧. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ الأنفال: ١٧، أي: حين رميت، فإن الله هو الذي رمى، وظاهر الآية -كما هو واضح- أنه أثبت للنبي ﷺ رمياً،

стр. 554

فقال: ﴿إذ رميت﴾، ونفى عنه رمياً، بقوله: ﴿وما رميت﴾، والنظر الصحيح يدل على أنه لا بد من الجمع ما بين الرمي المنفي والرمي المثبت، وهذا يتضح بأن العبد إذا فعل الفعل، فإن الفعل الذي يفعله سبب في حدوث المسبب، ولا يحصل المسبب، أو لا تحصل النتيجة بفعل العبد وحده في أكثر أو في جل المسائل، بل لا بد من إعانة من الله ، وهذا ظاهر في الرمي بخصوصه؛ لأن الرمي عن بعد له ابتداء وله انتهاء، فابتداء الرمي من النبي ﷺ ، لكن الانتهاء بأن يصيب رمي النبل أو رمي الحصاة فلاناً المشرك، ويموت منه، هذا من الله ؛ لأن العبد لا يملك أن تكون رميته ماضية، فتصيب، ولهذا فيكون العبد هنا متخلصاً من رؤيته لنفسه ومن حوله وقوته مع فعله؛ لأن الذي يمن عليه ويسدد رميه هو الله ، فيكون إذاً معنى أصاب: بما أعان على التسديد (١). فهذه الآيات التي تقدم ذكرها: دلت على أن الله خالق كل شيء فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله خالقها وخالق حركتها وسكونها، لا خالق غيره ولا رب سواه. كما دلت على أن للعباد قدرة على أعمالهم، ولهم مشيئة، والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، وأقوالهم وأعمالهم وهو الذي منحهم إياها وأقدرهم عليها وجعلها قائمة بهم مضافة إليهم حقيقة، وبحسبها كلفوا وعليها يثابون ويعاقبون، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ الزخرف: ٧٢، وقال تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ السجدة: ١٤، ولم يكلفهم الله تعالى إلا وسعهم ولم يحملهم إلا طاقتهم كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦.

стр. 555

الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تتنزل البركات، وبأمره قامت الأرض والسموات، وأصلي وأسلم على أزكى البريات، محمد وعلى آله وصحبه الأثبات الثقات. أما بعد: فإن من تمام فوائد البحث أن أشير إلى أهم النتائج المستفادة منه، ويمكن أجملها في النقاط التالية: - اتضح أن مفهوم الافتراق متلازم مع مفهوم البدعة، فكل بدعة في الدين نوع من أنواع المفارقة لسبيل الحق والرشاد، فأصبحت علامة أهل البدع: الافتراق والتفريق، كما أن الاعتصام بالسنة متلازم مع مفهوم الجماعة، لهذا يقال: أهل السنة والجماعة. - أن البدعة هي: ما أحدث في دين الله، بقصد التعبد، من غير دليل معتبر شرعاً، أما "البدع المتقابلة"، فهي: (تقابل من جهة الاستدلال العقدي على سبيل الممانعة الصورية لدى المبتدعة ينتج عنه الإفراط والتفريط). - أن الوسطية سبقت كلا الطرفين إلى خير ما فيهما، وتركت ما سوى ذلك، فجمعت الخيرين، ونفت الشرين؛ وبالتالي لم يبق معنى الوسطية مجرد التجاور بين الشيئين فقط؛ بل أصبح ذا مدلول أعظم، ألا وهو البحث عن الحقيقة، التي تقف على معنى (الخيرية والعدل)، والسعي في تحصيلها والاستفادة منها، فيجتمع عندها أسمى الصفات"وهو معنى يتسع ليشمل كل خصلة محمودة". -اتضح أن من أعظم سمات المبتدعة وقوعهم في الحيرة، وقد اعترف أساطينهم بها؛ لذا فهم يعيشون اضطراباً نفسياً، بعيدين كل البعد عن اليقين والطمأنينة بسبب إعراضهم عن الهدي الذي جاء به النبي ﷺ ، كما أن أهل البدع يقررون في موضع ما يناقضونه في موضع آخر، وهذه سمة غالبة عليهم تدل على تناقضهم. -أن من أبرز علامات أهل البدع التشابه بينهم في موقفهم من النصوص، وفي طرقهم في الاستدلال على بدعهم.

стр. 556

-أنه لما كان الغلو بطبيعته لا تطيقه إلا نفوس قلائل تنطلق من تصور فاسد، وكثيراً ما تحظى بالإعجاب والإكبار لما تلزم به أنفسها، فيظن الرائي أنها تمثل حقيقة الدين وسموه، جاءت الأحاديث الصحيحة تبين صفات هذه النفوس وشبهات ذلك التصور. ولما كان التفريط بطبعه غالباً على أكثر النفوس؛ جاء التحذير منه متمثلاً في الأوامر والنواهي عامة، والتذكير بها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التناصح بين الأمة. -أن الانحراف الذي وقع فيه الناس في مسألة الإيمان بالغيب: هو أكبر انحراف وأعظم ضلال؛ فكل من ضل في معرفة الله ﵎، وكل من أشرك مع الله ﵎ غيره، وكل من أنكر الرسل وجحدهم وكذب ما جاءوا به؛ كل ذلك إنما هو لأنه لم يؤمن بالغيب. -أن أركان الإيمان الستة كلُّها غيب، ولا يمكن أن يُعلم الغيب "ولا يصار إلى بيان المبهمات إلا بقاطع" (١)، ولا قاطع ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا عن طريق الخبر، إما من كتاب الله ، وإما عن طريق نبيه ﷺ ، لذا كان الإيمان بالغيب ركيزةً أساسيةً من ركائز الإيمان في الرسالات السماوية كلها. - أن السلف ﵏ قد قبلوا نصوص المعاد على ظاهرها، ولم يبحثوا في كيفية ما يرد من أحوال الآخرة؛ لأنها مما يجب الإيمان به كما ورد من غير تحريف ولا تأويل؛ ولأنه لا يحكم على الغيب إذ لا يقاس عالم الغيب على عالم الشهادة؛ ولأن كثيراً من أحوال الآخرة الإيمان بها منوط بالإيمان بكمال قدرة الرب تعالى، خلافاً لمن فتح باب الخوض فيها على مصراعيه من أصحاب البدع المتقابلة، حتى أفضى الأمر ببعضهم إلى إنكار ما جاء به الشرع، بحجّة الاعتماد على العقل. - أن هناك أمراً مشتركاً عند أغلب المكذبين بالغيب وهو انحباسهم في عالم الشهادة، ووقوعهم بين طرفي نقيض، عند إرادتهم تفسير الأمور الغيبية، فإما أن يجلبوا ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة، وإما أن ينفوا ذلك الغيب مطلقاً. -أن أهل البدع والأهواء -على اختلاف العصور- لما أحسوا بإفلاس مذاهبهم من المعقولات والمنقولات، لجؤوا إلى طريقة أعداء الرسل، وهي التهويش بالألقاب والأسامي،

стр. 557

مدحاً لأنفسهم، وذماً لأهل الحق، فسموا أهل الحق بالمشبهة والجهلة والحشوية والنابتة والغثاء والعامة، ونحوها من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما تسموا بأهل التوحيد والعدل والحق والتنزيه، وبالحكماء، ونحو ذلك، والحق الذي يتبين باستقراء أقوالهم والنظر في أحوالهم ومآلاتهم أن كل لقب ذم فإنما هو لازم لهم، وكل لقب مدح فإنما يتصف به أتباع الرسل والسلف الصالح، وهذه التسميات لن تضير أهل السنة شيئاً، كما أن أنبياء الله لم يضرهم ما سماهم به أعداؤهم. -اتضح أن أهل السنة ليس لهم لقب يعرفون به إلا الإسلام، أو ما كان مستمداً من نصوص الشرع (كأهل السنة والجماعة- والفرقة الناجية والطائفة المنصورة- السلف- أهل الحديث- أهل الأثر)، وكما أن بعضها ثبت لهم بالنص من الرسول ﷺ ، فإن البعض الآخر إنما حصل لهم بفضل تحقيقهم للإسلام تحقيقاً صحيحاً، وهي تخالف تماماً أسماء أهل البدع التي هي في الغالب مشتقة من أصل بدعهم، أو ترجع إلى الانتساب إلى الأشخاص الذين هم رؤوسهم في تلك البدع. - أن التوسع في دراسة ظاهرتي الإفراط والتفريط، كما أنها توصلنا إلى معرفة حقيقة ضلال الفرق، فإنها كذلك توصلنا إلى حقيقة صحة منهج أهل الحق؛ ما يكون دافعاً لنا لاختيار النافع الصالح، وترك ما سواه. - أن الرد على البدعتين المتقابلتين من آية واحدة، يحتاج إلى مزيد عناية من الناظر (١)، فإن فيه تجلية أسلوب من أساليب إعجاز هذا القرآن وعظمته، وهو لفت الأنظار بذكر الموازنة بين الضدين، وإثبات عدم المساواة بينهما، للدلالة على المذهب الحق مذهب أهل السنة والجماعة. -أن المتأمل في جملة المسائل العقدية التي قررتها السنة النبوية، والتي خاض المخالفون لأهل السنة فيها بغير مستند شرعي، يجد السنة لم تنفرد بالدلالة عليها، بل اشتركت الدلائل القرآنية، والإجماع القطعي في تثبيتها؛ فيتحصل عندئذ بطلان دعوى المخالفين والمبطلين.

стр. 558

-أن من أعظم ما امتاز به أهل السنة والجماعة على غيرهم من الطوائف إصابة النظرة الشمولية للدلائل الشرعية، وهذا النظرة مبنية على اليقين القاضي بامتناع مناكدة صحيح المنقول لصريح المعقول، والانحطاط عن رتبة هذه النظرة عند كل مخالف لهم إنما يتأتى من التقصير في فقه العلاقة بين هذين الدليلين. -أن علاقة القرآن الكريم بالكتب السماوية في حالتها الأولى -التي نزلت بها-هي التصديق والتأييد الكلي، وأن علاقته بها في حالتها الثانية -بعد التحريف-علاقة تصديق لما بقي منها على أصله وتصحيح لما طرأ عليها من تحريف وتبديل. - الحقيقة المهمة التي هي نتيجة التتبع والاستقراء أن الطوائف التي خالفت أهل السنة في كل باب من أبواب الاعتقاد، قد اتفقت ابتداء على مخالفة أهل السنة بشبهة مشتركة بين تلك الطوائف، ثم إنها بعد اتفاقها على تلك الشبهة اختلفت فيما بينها حول لوازم تلك الشبهة؛ لأن كل طائفة أضافت إلى الشبهة المشتركة بين تلك الطوائف أصلاً قيدت به موقفها من تلك الشبهة المشتركة، فنشأ عن ذلك افتراق تلك الطوائف فيما بينها بعد أن اتفقت على مفارقة أهل السنة ابتداء، وبيان ذلك فيما يلي: *أن من أسباب الانحراف في الربوبية نفي الصفات؛ لأنه لما كان الاعتراف بالربوبية لا يتم إلا بالإيمان بصفاته تعالى، كان نفي صفات الله تعالى من أسباب الانحراف في باب الربوبية، وبهذا يتبين سبب انحراف كثير من الفرق. *أما أسباب الانحراف في توحيد الألوهية فتعود إلى سببين رئيسين هما: ١ - الخطأ في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه. ٢ - الخطأ في تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئاً واحداً. *وترجع أسباب انحراف الفرق في توحيد الأسماء والصفات، إلى سببين كذلك هما: ١ - خوضهم في تصور كيفية اتصاف الرب بهذه الصفات، مما أوقعهم في التشبيه العقلي بين الخالق والمخلوق، ومن ثم الخوض بالمبالغة في التنزيه أو الإثبات، مما أدى بهم إلى التمثيل والتعطيل، فأما المشبهة فالتزموا بهذا اللازم -دعوى أنه يلزم من إثبات القدر المشترك بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه تشبيه الله تعالى

стр. 559

بخلقه-، وأما المعطلة فرأوا أنه يلزم منه الكفر فعطلوا الله تعالى عن الصفات التي يدعون أنه يلزم من إثباتها تشبيه الله تعالى بخلقه. ٢ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك باعتمادهم على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية، وأصلاً يُصار إليه عند الاختلاف، وادَّعوا أن النصوص التي جاءت بها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في إثبات الصفات تبعٌ لها؛ لذا فقد صيروا هذه الأصول عمدة لهم في توحيد الله تعالى، فنتج عن التزامهم بها، إنكار صفات الله ، بل تشبيهه بالمعدومات التي تحيلها العقول في التصور الذهني؛ لأن مدار الإثبات والنفي عندهم على ما يزعمونه من العقليات (١) لا على النقل. * أن الأصل الذي نشأ منه النزاع بين المبتدعة في مسائل الإيمان، وسبب انحرافهم فيه، أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعاً، وانطلقوا منه: هو أن الإيمان شيء (٢) واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان (٣)، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه، فانقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! . *أما الإيمان بالملائكة وما يدخل تحته يكاد ألا يكون فيه موضع خلاف بين أهل السنة وغيرهم، فالقول فيه متفق عليه تماما بين غالبية الفرق المنتسبة للإِسلام، قال شيخ الإسلام ﵀: " وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون" (٤). *أن انحراف أصحاب البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب، يعود إلى أسباب ثلاثة هي:

стр. 560

١ - اعتمادهم على العقل في فهم نصوص الكتب المقدسة، وتوهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل، مما أورثهم شبها كثيرة، ضلوا بسببها عن قواعد الشرع، والتزموا قواعدهم البدعية. ٢ - خللهم في باب الإيمان بالله وربوبيته، بما أحدثوه من طُرقٍ بدعية كالحدوث والإمكان، وهذه "الطريقة هي التي ولّدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن، وكلام الله ، حتى صار كثير من الناس في ذلك إما حائراً، وإما مخطئاً مبتدعاً، وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك" (١). ٣ - معارضة نصوص الكتب لكثير من أهوائهم وشهواتهم، ما كان سبباً لتحريفهم إياها، لتوافق أهواءهم. *أن أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالرسل، تعود إلى سببين رئيسين هما: ١ - الخلل في توحيد الربوبية، وعدم تعظيم الله ، ما أدى بقوم إلى صرف الربوبية للرسل، وبقوم آخرين إلى إنكار حكمة الله من إرساله لرسله ﵈. ٢ - الاشتباه الحاصل في معنى تجريد المتابعة للرسل، واعتمادهم على العقل في ذلك، ولا ريب أنه نحى ببعضهم إلى الغلو فيما نحى بآخرين إلى الجفاء. * أن انحراف الفرق في الإيمان باليوم الآخر يمكن إجماله فيما يلي: ١ - فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابع لفساد الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى ومعرفته. ٢ - الانحراف في الإيمان بالغيب والانحباس في عالم الشهادة، ما أدى بهم إلى قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، والخوض في تصور كيفية اليوم الآخر، وهذا مرتبط بانحرافهم في الربوبية، الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي؛ لأنه لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني ومن ذلك أحداث اليوم الآخر. ٣ - الانحراف في الأسماء والأحكام، ومحاولة التزامهم بالأصول التي أصلوها لأنفسهم، كإنكار الخوارج للشفاعة؛ وذلك لأن إثباتها يخالف أصلاً من أصولهم

стр. 561

وهو خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وهكذا مع بقية الفرق الضالة. ٤ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك بالاعتماد على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية. * أن انحراف الفرق في الإيمان بالقضاء والقدر يرجع إلى الأسباب التالية: ١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر، فعارضوا فعل الله في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم. ٢ - قياس أفعال الله على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم، وقصدوا بذلك تعظيم الرب وتنزيهه. ٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلاً في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها: مثل لفظ: الاستطاعة -بتفسيرهم- وما يطاق وما لا يطاق، والتكاليف، وأشباه ذلك، ومنها أيضاً -عند الجبرية- الكسب ونحوه، وفسروها بتفسيرات تخصهم، فضلوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل. ٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة (١) وبين المحبة والرضا؛ لأنهم اعتقادوا أن محبة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان، واعتقادهم بالتسوية مبنيٌ على صفة المحبة لله ، فأنكرتها القدرية، بينما غلت فيها الجبرية، ثم بنى كل فريق على ذلك منهجهم في الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر (٢). ٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة، كاتفاق كل من القدرية والجبرية على دعوى أن مفهوم القدرة محصور في إحداث الفعل، بحيث لا تكون القدرة قدرة إلا إذا تعلقت بإحداث الفعل وانتقاله من العدم إلى الوجود، ثم رتبوا على ذلك استحالة أن يكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى متعلقاً بقدرة العبد، بل إما أن

стр. 562

يكون مخلوقاً لله تعالى فلا يكون متعلقاً بقدرة العبد، وإما أن يتعلق بقدرة العبد فلا يكون مخلوقاً لله تعالى، واستندوا في ذلك إلى أنه يلزم من اجتماعهما حصول أفعال العباد بين قدرتين ينسب لكل منهما إحداث الفعل، وهذا محال في العقل. وهكذا تعددت أوجه الغلوّ ومقولاته على يمين الصراط المستقيم وشماله. وبعد .. فهذه خلاصة أهم مسائل البحث وأبرز نتائجه، التي أمكنني ذكرها هنا، وإن كان البحث قد اشتمل على مسائل أخرى نحوها أو دونها في الأهمية، وقد أغفلت ذكرها ههنا رغبة في الاختصار، وهي مبسوطة في موضعها من هذا البحث. وختاماً: فإني لا أدَّعي أني وفيت الموضوع حقه، واستكملت جميع جوانبه، ولا أني أصبت في كل ما كتبت؛ لأن الخطأ والنسيان من طبيعة البشر، ولكني أحسب أني بذلت وسعي وطاقتي، فما كان فيه من صواب، فمن الكريم الوهاب، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي واستغفر الله منه. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمداً يوافي نعمك ويكافئ مزيدك. اللهم كما أنعمت ببحث الموضوع فمُنَّ بالسداد والإخلاص والتوفيق، وانفعني به ومن يقرأه ويطلع عليه من المسلمين، إنك جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 563

فهرس ا لمصادر والمراجع ١. القرآن الكريم . أ ٢. الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، لعلي يحي معمَّر، مكتبة وهبة، مطابع سجل العرب، ط: ١، ١٣٩٦ هـ. ٣. الإبانة الكبرى، لابن بطة، تحقيق: رضا بن نعمان بن معطي وآخرين، دار الراية، الرياض، ط: ٢، ١٤١٥ هـ. ٤. الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، ط: ٣، ١٤١١ هـ. ٥. أبجد العلوم" الواشي المرقوم في بيان أحوال العلوم"، لصديق حسن خان القنوجي، اعتنى به: عبد الجبار زكار، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب العلمية، دمشق، ١٩٧٨ م. ٦. الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، تحقيق: سعيد بن ناصر بن محمد، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢١ هـ، ط ١. ٧. الاتباع: أنواعه وآثاره في بيان القرآن، لمحمد مصطفى السيد، سلسلة تصدر عن المنتدى الإسلامي. ٨. الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها، د. جمعة الخولي، مطابع الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة. الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ. ٩. إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الحسيني الزبيدي، المطبعة الميمنية، تصوير مؤسسة التاريخ الإسلامي، ١٣١١ هـ. ١٠. الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، ط: ٢، ١٤١٤ هـ. ١١. الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة، لحياة بن محمد بن جبريل، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الأولى ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٢ م. ١٢. أثر الإسلام في بناء المجتمع الفاضل، د. محمود بركات، جامعة الأزهر، القاهرة، ١٩٩١ م. ١٣. اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري وآخر، دار رمادي للنشر، ط: ١، ١٤١٨ هـ. ١٤. الإجماع، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: ٣١٩ هـ)، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ مـ. ١٥. الاحتفال بالمولد بين الاتباع والابتداع لمحمد بن سعد شقير، (ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد) لمجموعة من العلماء، دار العاصمة، ط: ١، ١٤١٩ هـ. ١٦. أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن العربي، ت: محمد عطا، دار الكتب العربية، ط: ٣، ١٤٢٤ هـ. ١٧. الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، تحقيق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤٢٤ هـ. ١٨. إحياء علوم الدين، محمد بن محمد بن محمد الغزالي، لجنة نشر الثقافة الإسلامية، القاهرة، مصر، ١٣٥٦ هـ. ١٩. الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري، تحقيق: عمر بن محمود، دار الراية، ط: ١، ١٤١٢ هـ. ٢٠. آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، تحقيق: سعود بن عبد العزيز العريفي، دار عالم الفوائد - مجمع الفقه الإسلامي بجدة. ٢١. الآداب الشرعية والمنح المرعية، لمحمد بن مفلح الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، مؤسسة الرسالة، ط: ٣، ١٤١٩ هـ. ٢٢. الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد، لسعود بن عبد العزيز العريفي، دار عالم الفوائد، ١٤١٩ هـ. ٢٣. الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين، للسعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٠٢ هـ. ٢٤. الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، عبد القادر شيبة الحمد، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ٢٥. الأربعين في أصول الدين، محمد بن عمر الرازي، تحقيق د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.

стр. 564

٢٦. إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات، لمحمد بن علي الشوكاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٤ هـ. ٢٧. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، للشوكاني، تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل، دار الكتبي، القاهرة، مصر، ط: ١، ١٤١٣ هـ. ٢٨. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، للشيخ صالح الفوزان، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط: ٢، ١٤١٢ هـ. ٢٩. الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقادية، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤١٦ هـ. ٣٠. أركان الإيمان لوهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة. ٣١. الأزهية في أحكام الأدعية للزركشي، تحقيق: أم عبد الله بنت محروس العسلي - محمود الحداد، دار الفرقان، ١٤٠٨ هـ. ٣٢. أساس البلاغة، للزمخشري، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ. ٣٣. أساس التقديس في علم الكلام، محمد بن عمر بن الحسين الفخر الرازي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ. ٣٤. الاستغاثة في الرد على البكري، لابن تيمية، تحقيق: عبد الله بن دجين السهيلي، دار الوطن للنشر - الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ. ٣٥. الاستقامة، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر. ٣٦. أسد الغابة في معرفة الصحابة، لعي بن محمد بن الأثير الجزري، طبعة القاهرة، مصر، ١٩٧٠ م. ٣٧. الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، للدكتور رمزي نعناعة، رسالة دكتوراه من الأزهر - الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ. ٣٨. أسس العقيدة الإسلامية، لمحمد حسن حبنكة الميداني، أسس العقيدة الإسلامية، ط: ١، ٢٠٠٢ م. ٣٩. أسطر من النقل والعقل والفكر، تقييدات: عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، جمع: عزام بن محمد المحيسني، ط: ١، ١٤٣٥ هـ. ٤٠. الإسلام أصوله ومبادئه، لمحمد بن عبد الله السحيم، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ. ٤١. إسلام بلا مذاهب، لمصطفى محمد الشكعة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط: ١١، ١٤١٦ هـ. ٤٢. الإسلام على مفترق الطرق، لمحمد أسد، ترجمة الدكتور عمر فرّوخ، دار العلم للملايين. ٤٣. الإسلام في مواجهة الاستشراق، لعبد العظيم المطعني، دار الوفاء، القاهرة، ١٩٨٧ م. ٤٤. الإسلام مقاصده وخصائصه، لمحمد عقله، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان الأردن. ٤٥. الإسلام والحضارة الغربية، د. محمد محمد حسين، دار الفرقان. ٤٦. الإسلام وحاجة البشرية إليه، د. محمد يوسف موسى، وزارة الأوقاف المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٤٢٩ هـ. ٤٧. الإسلام ينهى عن الغلو ويدعو إلى الوسطية، أ. د. سليمان بن عبد الرحمن الحقيل، ط: ١، الرياض، ١٩٩٦ م. ٤٨. الإسلام ينهى عن الغلو ويدعو إلى الوسطية، أ. د. سليمان عبد الرحمن الحقيل، ط ١، ١٤١٦ هـ. ٤٩. الأسئلة والأجوبة في العقيدة، لصالح بن عبد الرحمن بن عبد الله الأطرم، دار كنوز إشبيليا، الرياض، ط: ٤، ١٤٣٤ هـ. ٥٠. اشتقاق أسماء الله تعالى لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق: أ. د. عبد الحسين المبارك، دار الفكر، ط: ١، ٢٠٠٩ م. ٥١. أشراط الساعة، يوسف بن عبد الله الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ٣، ١٤١٤ هـ. ٥٢. أصل الإنسان، موريس بكاي ترجمة مكتب التربية العربية لدول الخليج، الرياض، ١٩٨٤ م. ٥٣. إصلاح المساجد من البدع والعوائد، لعلامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، تحقيق: الألباني، المكتب الإسلامي، ط: ٤، ١٣٩٩ هـ. ٥٤. الأصول التي بني عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات، أ. د. عبد القادر عطا صوفي، مكتبة الغرباء الأثرية، ١٤١٨ هـ. ٥٥. أصول الدين، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، دار الكتب العلمية، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.

стр. 565

٥٦. أصول السنة، لابن أبي زمنين، تحقيق وتخريج وتعليق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤١٥ هـ. ٥٧. أصول في البدع والسنن، تأليف محمد أحمد العدوي، المكتب الإسلامي، ط: ٤، ١٤١٦ هـ. ٥٨. أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، للدكتور ناصر القفاري، أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة من جامعة الإمام محمد بن سعود، ط: ٢، ١٤١٥ هـ. ٥٩. أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، أ. د. سعود بن عبد العزيز الخلف، ١٤٢٠ - ١٤٢١ هـ. ٦٠. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٣ هـ. ٦١. إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح بن فوزان، مؤسسة الرسالة، ط: ٣، ١٤٢٣ هـ. ٦٢. الاعتصام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سليمان، مكتبة التوحيد، ط: ١، ١٤٢١ هـ. ٦٣. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، للبيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط: ١، ١٤٠١ هـ. ٦٤. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي، تحقيق: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية - بيروت. ٦٥. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ. ٦٦. الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تاريخه وضوابطه، د. عبد الله المصلح، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ط: ٢، ١٤٢٧ هـ. ٦٧. إعجاز القرآن، محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط: ٣. ٦٨. أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، حمد بن محمد الخطابي، تحقق: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، ط: ١، ١٤٠٨ هـ. ٦٩. أعلام السنة المنشورة، لحافظ الحكمي، من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ١٣٩٩ م. ٧٠. أعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن القيم الجوزية، راجعه وعلق عليه: عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت. ٧١. أعلام النبوة، لأبي حسن علي للماوردي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، ط: ١، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ. ٧٢. الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩٠ م. ٧٣. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة الرياض الحديثة. ٧٤. الافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو الديني، أ. د. فؤاد البعداني، مؤتمر الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرف - الجامعة الإسلامية ١٤٣٠ هـ. ٧٥. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق د. ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١١ هـ. ٧٦. الإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي المقدسي، تحقيق، د. عبد الله التركي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلام، مصر، ط: ١، ١٤١٨ هـ. ٧٧. الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع " حقيقه السنة والبدعة"، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: ذيب بن مصري بن ناصر القحطاني، مطابع الرشيد، ١٤٠٩ هـ. ٧٨. إنباه الرواة على أنباه النحاة، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، ط: ١، ١٤٠٦ هـ. ٧٩. الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، لعلي بن بخيت الزهراني، دار طيبة، مكة المكرمة، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.
следующие страницы →