على القرية، كافية في دفع كل ما وقعوا فيه، لكن إذا غاب الإيمان بالغيب، ظهر مثل هذا التخبط.
قال ابن القيم ﵀: " وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم -أي: المتكلمين- بنوه على إثبات الجوهر الفرد، وقالوا: لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته، وهو في الحقيقة باطل، لا أصل له، والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال، وأدلته متعارضة، وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه، وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ولم يرافقوا ما جاءت به الأنبياء، فقالوا: إن الله سبحانه يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدماً محضاً، ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجوداً، حتى إنه يعيد زمنه بعينه وينشؤه لا من مادة، كما قالوا في البداء، فجنوا على العقل والشرع، وأغروا أعداء الشرع به، وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل" (١).
فمن آمن وصدق بكلام الله تعالى وبقدرته التامة الشاملة، فإنه سينشرح صدره لكل ما استشكله كثير من الفلاسفة وغيرهم، وهنا تكون مواضع الإيمان وحقائق اليقين، ويمتاز أهل الإيمان عن أهل الريب والنفاق، لذا فإن منهج السلف هو القاضي بترك الخوض فيما ثبت بالنصوص القطعية وعُلم من الدين بالضرورة وإن كانت بعض العقول قد تحار فيه لكنها لا تحيله، كذا تجنب القول على الله بلا علم، وقياس قدرته تعالى على قدرات الممكنات من المخلوقات.
- سابعاً: التأثر بالطريقة الباطنية:
يظهر الانحراف جلياً في باب الإيمان باليوم الآخر ممن مال إلى الطرق الباطنية؛ لأنهم انحرفوا في قبول الدليل النصي من الكتاب والسنة المتفق على قدره الكلي بين جمهور الطوائف.
والمائلون إلى الطرق الباطنية هم أحد صنفين: إما من الشيعة، وإما من الصوفية، فإن غلاة الشيعة باطنية، كما أن غلاة الصوفية باطنية كذلك (٢).
стр. 492
والمقصود أن هؤلاء الباطنية من الصوفية أو الشيعة هم المحرفون لباب اليوم الآخر؛ لأن نتيجة مقولتهم هذه: إنكار المعاد، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتأويل التكاليف الشرعية تأويلاً باطنياً موافقاً لأهوائهم، وإباحة المحرمات، والدعوة إلى انتهاب اللذات، والانغماس في الشهوات.
كما أن الباطنية ليست فرقة مستقلة بذاتها، وإنما هي طائفة يندرج تحتها عدد من الفرق، يجمعها القول بالظاهر والباطن (١).
لذا نجد أن الإسماعيلية لم تؤمن باليوم الآخر، بل جاءت بمفاهيم تغاير تماماً تلك المفاهيم التي جاء بها الإسلام، وقد استخدموا منهجهم الفاسد في التأويل بالباطن، ليُعارضوا ما دعا الأنبياء الناس إليه (٢)، ولا يزال الإسماعيلية المعاصرون متبعين لمنهج أسلافهم في تأويل الأمور الغيبية تأويلاً قائماً على إنكار حقيقتها، والاستعاضة عنها بمعان باطنية لا تمت إلى الحقيقة بصلة، ولا تقرب من الصواب قدر أنملة (٣).
كما نجد النصيرية يستعيضون عن الإيمان باليوم الآخر بمبدأ التناسخ (٤) الذي أوجدوه خصيصاً من أجل إلغاء هذا الركن الأصيل وهدمه (٥)، ويستعيض عنه الدروز بالتقمص (٦) -كما يحلو لهم أن يسموه-.
стр. 493
وهذا هو ديدن فرق الباطنية جميعاً: إنكار اليوم الآخر، وعدم الإيمان به، وزعمهم أن للشريعة ظاهراً وباطناً.
- ثامناً: اطراد ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسدة:
نلحظ أن كثيراً من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب الإيمان باليوم الآخر (١)، وهذا واضح بين في إنكار الوعيدية -الخوارج وبعض المعتزلة- لوجود الجنة والنار قبل يوم القيامة، وإنكارهم لعذاب القبر (٢)، والشفاعة (٣)، والميزان والصفات الثابتة له، وإنكار الصراط (٤)؛ لأن إثباتهم لهذا يخالف أصلاً من أصولهم وهو خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وجعلت الشفاعة خاصة بالتائبين المنيبين في زيادة ثوابهم ورفعة منزلتهم (٥).
كما أن الجبرية تعتقد أن العبد مجبور على أفعاله -بزعمهم-، فآل بهم هذا إلى إنكار الحساب، أما الإسماعيلية فالقيامة عندهم هي: عبارة عن عودة الروح إلى مبدئها وهي النفس الكلية، وهذا يعني إبطال العقاب والثواب في الجنة والنار؛ لأن العقاب عندهم هو الآلام التي تراها الروح في تقلبها في الأجساد المختلفة، وأما الثواب فهو اللذات التي يأخذها المؤمن من مراتب العلوم (٦).
стр. 494
وما من فرقة جاءت عن طريقة الشيعة إلا ولديها انحراف في هذا الركن المهم كالدروز، والبهائية، والنصيرية وغيرها، فهم يتخيلون ويعتقدون أن تلك النصوص هي من باب التخييل فهم تابعون لأهل التخييل (١).
وهكذا فإن ما بُني على باطل فهو باطل، فلا يظن أن تخرج لنا المذاهب الباطلة عقيدة صافية في الإيمان باليوم الآخر! ، لذلك فإن اختيارات أرباب البدع هي نتاج لما قروره في أبواب العقائد الأخرى ما أثر في هذا الباب باب اليوم الآخر.
- تاسعاً: الإيمان بالماديات، وإنكار الغيبيات:
أصبحت أديان أهل الكتاب أدياناً مادية دنيوية، يندر أن تجد فيها للإيمان بالغيب نصاً واضحاً -لا سيما الإيمان بالله واليوم الآخر-، وإن وجدت فهي نصوص عامة محتملة، يقصد بها جنة الدنيا ونعيمها (٢)، وما ذلك إلا لتفريط اليهود والنصارى بتحريفهم للتوراة والنجيل، فلا يكاد يوجد نص يتحدث عن اليوم الآخر صريحاً فضلا عن أن يكون صحيحاً.
كما أن التفريط أيضاً حاصلٌ في واقعهم، فإننا نجد أفعالهم - من قتل، وتشريد، واغتصاب أرض، وإثارة للفتن، والسعي للإفساد في الأرض- أكبر شاهد على عدم إيمانهم باليوم الآخر.
ولقد بات إنكار الغيب من سمات العصر الحديث -وصار الإيمان بالماديات هو البديل- في نظر الحضارات الغربية والشرقية، وعلى هذا فإن الإيمان بالغيب يعد فيصلاً بين البشر في حياتهم، فصار سعادةً للمؤمن بإيمانه به، وشقاءً للكافر بجحوده ونكرانه له.
وبالجملة فإن الخلل والاضطراب في الإيمان بهذا الركن العظيم أصل كل شر، ورأس كل بلية، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه.
стр. 495
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان باليوم الآخر .
بالرغم من أن الغالبية العظمى تقف من اليوم الآخر موقف التفريط، إلا أنه يوجد من سلك جانب الإفراط، مخالفين بذلك ما عليه أهل السنة والجماعة.
وبالنظر إلى سبب هذا الإفراط في الإيمان باليوم الآخر، نجد أنه ينطلق من إيمانهم باليوم الآخر على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع، ومن ذلك:
o الاستحقاق والمعاوضة:
أوجبت القدرية على الله إدخال المؤمن الجنة عن طريق الاستحقاق والمعاوضة، وأن يدخل العاصي النار ويخلد فيها، ولازم قولهم وصف الله تعالى بالظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (١).
o الزلفى عند الله في الآخرة:
وقد تتابع ادعاؤها من قبل اليهود (٢)، والنصارى (٣)، وبعض مشركي العرب (٤)، ولما كان قولهم هذا فيه ادعاء لعلم لا قدرة لبشر على معرفته، كذب القرآن هذه الدعوى، ورد عليها بطريقة عقلية منطقية، وعلمية إيمانية (٥).
стр. 496
o تأثير ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسد على تصور اليوم الآخر:
فنجد أن بدعة القول بأن: "الإيمان شيء واحد لا يتجزأ"، جَرَّت الأشاعرة والماتريدية إلى لازم قولهم بأن المؤمن الطائع كالفاسق، وأن الجميع يدخلون الجنة، فلا فرق بين نبي ولا غيره؛ لأن الإيمان عندهم درجة واحدة.
بينما زعم الخوارج والمعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها (١)، فظهر بذلك مخالفتهم للسلف في هذا الأصل العظيم والركن المهم (٢).
o التقصير في التحقيق للنصوص النبوية:
غلب على أكثر الطوائف التقصير في التحقيق للنصوص النبوية، وذلك لسببين:
الأول: عدم اشتغال علمائها بهذا العلم كثيراً.
الثاني: ما وضعوه من القواعد الفاسدة في تقريرهم للدلائل النبوية، كقاعدة: أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد، فضلوا بذلك في تصورهم الحقيقي لليوم الآخر (٣).
وعليه فثمة امتياز لأهل السنة والجماعة في باب اليوم الآخر، لذلك كانوا وسطاً بين هذه البدع المتقابلة.
стр. 497
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر .
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر .
حفل القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، واهتم بتقريره في مواضع عديدة، وأكد وقوعه بأساليب كثيرة -لا يغفل قلبٌ عنها إلا دهري جحود-، وربط الإيمان به بالإيمان بالله ، كما جاء في قوله تعلى ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البقرة: ٢٣٢، وأكثر القرآن من ذكر اليوم الآخر، وسماه بأسماء متعددة تدل على تحقق وقوع هذا اليوم كالحاقة، والواقعة، والقيامة، وبعض هذه الأسماء يدل على ما سيقع فيه من الأهوال مثل الغاشية والطامة والصاخَّة والقارعة، بل وتناول القرآن أسماء اليوم الآخر كيوم الدين، ويوم الحساب، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد، ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم.
إذن فقد دل على وقوع اليوم الآخر النقل، والعقل، والفطرة كما صرحت به جميع الكتب السماوية، ونادى به جميع الأنبياء والمرسلون (١).
ويحسن استعراض طريقة القرآن الكريم في إثبات الإيمان باليوم الآخر، وهي:
١ - الاستدلال بما وقع وحدث من إحياء الله بعض الموتى في الدنيا، على بعث الخلق بعد موتهم يوم القيامة: وهذا دليل شرعي ملزم للمؤمنين؛ لأنه خبر صادق من الحق ﵎، وقد قص الله علينا في كتابه الكريم عن أنبيائه ورسله ﵈ أنهم كانوا يحذرون أممهم وينذرونهم البعث والجزاء والحساب، كما قص علينا في كتابه الكريم من إحياء أفراد وجماعات من الموتى على مر العصور الإنسانية تدل على قدرته تعالى وعلى صدق رسله المخبرين عنه بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب (٢).
стр. 498
٢ - أنه تعالى أخبر عن وقوع البعث، وما يقع بعده من أحوال اليوم الآخر، وهذا كثير متنوع في القرآن:
أ-فتارة يكون إخباراً مجرداً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الأنعام: ٣٦.
ب- وتارة: يؤكد ذلك الإخبار بأدلة توكيد، كقوله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ المؤمنون: ١٦.
ت- وتارة يقسم جل وعلا على وقوعه وحصوله لا محالة، فيقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ مريم: ٦٨.
ث- وتارة يأمر رسوله ﷺ أن يقسم على وقوعه المعاد وإتيانه وكونه، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ سبأ: ٣، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ التغابن: ٧، وقوله : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ يونس: ٥٣.
ج- وتارة الإخبار عن اقترابها، كما في قال : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ القمر: ١.
٣ - دليل النشأة الأولى، وحاصل هذا الدليل الاستدلال ببدء خلق الإنسان على معاده وبالنشأة الأولى على إمكان النشأة الآخرة، وهو دليل من القوة والوضوح بحيث لا يحتاج من الإنسان إلى إعمال الفكر أو مزيد بحث ونظر، فكل عاقل يعلم ضرورة أن من قدر على البدء فهو على الإعادة أقدر، وأنه لو كان عاجزاً عن الثانية لكان عن الأولى أعجز، قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ يس: ٧٩، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ القيامة: ٣٦ - ٤٠، قال ابن أبي العز ﵀: " فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول
стр. 499
الوجيز الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه" (١).
٤ - ذم المكذبين بالمعاد، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ يونس: ٤٥.
٥ - الاستدلال بخلق الأكبر والأعظم، على البعث والمعاد: كما ورد في استدلال القرآن الكريم بخلق السماوات والأرض على البعث في عدة آيات منها، قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ يس: ٨١.
وهذا النوع من الأدلة، أدلة شرعية عقلية، فهي إلى جانب كونها إخباراً من الحق ﵎ عن البعث، فهي كذلك ملزمة عقلاً للمكذبين، لو كانوا يعقلون، فإن العقل السليم لا يشك في أن الذي يخلق الأعظم والأكبر هو أقدر على خلق ما دونه، ولا شك أن البعث وإعادة الخلق بعد موتهم دون خلق السموات والأرض.
٦ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها، على إحياء الخلق وبعثهم بعد موتهم: وهذا دليل مشاهد محسوس، يشهده الخلق في حياتهم ويحسونه ويرونه كيف يحيي الله الأرض بعد موتها وجفافها وذهاب أشجارها وثمارها، وذلك بإنزال المطر عليها، فإذا هي مخضرة حية، فالذي أحياها بعد موتها قادر على إحياء الخلق بعد موتهم، وقد ورد عدد من الآيات الكريمة في هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ فصلت: ٣٩.
стр. 500
وهكذا نجد أن القرآن الكريم قد تنوعت فيه أساليب الإخبار عن البعث ليكون ذلك أوقع في النفوس والقلوب (١).
ومع كل هذا نجد من أصحاب البدع المتقابلة من أفرط وفرط في باب الإيمان باليوم الآخر، لذا فقد اهتم القرآن الكريم بشبههم، فبينها وقضى عليها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، كما تعددت طرق بيانه لفساد سلوك المخالفين، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:
الآية الأولى:
قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَ الِدُونَ (٥)﴾ الرعد: ٥، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في هذه الآية الكريمة ردٌ على بطلان دعوى من أنكر البعث، عند قوله : ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾؛ لأن المعاد معلوم بالعقل، وإنما اهتدي إلى تفاصيله بالوحي، ولهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفراً به، فقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾؛ لأن بدعتهم إنكار لقدرته ولإلهيته، ولهذا فإنكار المعاد عجب من الإنسان، وهو محض إنكار الرب والكفر به، والجحد لإلهيته، وقدرته، وحكمته وعدله وسلطانه.
стр. 501
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن فيها رداً على بطلان مذهب الجبرية الذين بالغوا في تصور يوم الآخر بما لم يرد به دليل شرعي، فاعتقدوا أن الإنسان مسير في أفعاله، فنفوا الحساب، فجاءت هذه الآية لدلالة على أن المعاد فيه الحساب، والحساب لا يكون إلا على الأعمال التي عملوها في الدنيا، فكان الوعيد في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، متجهاً إلى من كان قادراً على أفعاله، لا إلى من كان مجبوراً على فعله.
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
الباعث لهم في الانحراف عن الإيمان باليوم الآخر، ومنابذة الأدلة والبراهين، هو:
توظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة والبراهين؛ حيث قاسوا الله على خلقه، فأوجبوا عليه أموراً، وحظروا عليه أخرى (١)، كمحاسبته لخلقه.
كما أن مستند من أنكر اليوم الآخر، استحالته في عقولهم القاصرة، فكيف يبعث الناس وقد صيرهم الموت عظاماً بالية، ورفاتاً بائدة، وليس ما يجري للميت من جنس المعهود في هذا العالم.
قال ابن القيم ﵀: " والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليهم الغطاء، ليكون الإقرار به، والإيمان به سبباً لسعادتهم" (٢).
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الإفراط أو التفريط في الإيمان باليوم الآخر، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، "فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد" (٣)؛ فأهل السنة يؤمنون بحصول ذلك اليوم ورجوع الناس إلى ربهم، ويؤمنون بكل ما يجري في
стр. 502
ذلك اليوم، كالحساب وغيره، وهذا الإيمان به واجب لمن سمع النص والدليل في كل مسألة من مسائل ذلك اليوم.
الآية الثانية:
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ يس: ٥٢ ، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ردٌ على منكري البعث القائلين بتناسخ الأرواح، فبين الله أن الأمر ليس كما زعموا بل إن الأرواح والأبدان تبعث ولا تتناسخ.
كما أن ما جاء قبل البعث من عذاب القبر أو نعيمه، عند قوله تعالى: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يدل بوضوح على بطلان ما توهموه من أن الأرواح تظل متنقلة بين الأجساد.
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن في قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾، رداً على كل من خالف نصوص الكتاب والسنة في الإيمان باليوم الآخر؛ لأن وعد الله وتصديق رسله يبطل كل تصور نشأ بعيداً عن قولهم، كمن أوجب النار على مرتكبي الكبيرة ومنع الشفاعة عنهم، والله أثبها في كتابه وعلى لسان رسله، وغير ذلك من بدع الإفراط كثير.
من أجل هذا أتت هذه الآية للدلالة على بطلان ما اعتقده المُفرْطون والمُفَرِّطون في إيمانهم باليوم الآخر.
لذا فهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب اليوم الآخر.
стр. 503
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اطراحهم لنصوص الشرع الدالة على اليوم الآخر، وتجاهلهم لها، إما كفراً بها، أو تقديساً للعقل عند معارضتها.
فمن فرط أنكر المعاد أو قال بالتناسخ وغيره، ومن غلا قاس أمور الآخرة على أمور الدنيا.
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في باب الإيمان باليوم الآخر بين أهل التفريط الذين نفوا أو أنكروا اليوم الآخر أو بعض حقائقه التي نص عليها الشرع، وبين أهل الإفراط الذين شبهوا أعمال الآخرة بالدنيا، وجعلوا ما أخبر الله به عن ذلك اليوم في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ مماثلاً لما يقع في عقولهم من جنس المعهود عندهم في هذا العالم؛ زاعمين أنهم بذلك معظمين لهذا الركن -الإيمان باليوم الآخر-.
وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطاً بين أهل التعطيل وأهل الإفراط.
الآية الثالثة:
قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ السجدة: ١٧ ، الآية أثبتت أن الجنة معلقة بالعمل، فتكون هذه الآية رداً على طائفتين من الفرق، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
دل إثبات الله للجنة وما يخفي فيها من نعيم لعباده المتقين، عند قوله: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، على بطلان من أنكر اليوم الآخر جملة كما هو صنيع الملاحدة وغيرهم.
стр. 504
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن هذه الآية أيضاً قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فكانت رادةً على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان بعمله لا يستحق الجنة؛ لأنهم يرون أنه أصلاً مجبور على العمل، فالجنة عندهم ليست ثواباً (١)، فكان قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ رداً عليهم.
كما ردت أيضاً على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إنه يجب على الله أن يدخلهم الجنة؛ لأنهم قدموا السبب؛ ولأن الباء في الآية هي (باء) السبب أي: بسبب أعمالكم (٢)، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الفضل كله إلى فضله ورحمته.
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الانحراف في الإيمان بالغيب.
فإنكار الله ، يستلزم الانحراف في توحيد الربوبية الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي، يصاحب ذلك الانحراف الإغراق في الحس، ومن ثم إنكار اليوم الآخر جملة وتفصيلا.
لذا حُسم أمر الغيب مع الملاحدة؛ فإنه بإنكار وجود الرب لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني.
كما أن الاستغراق في عالم الشهادة والمادة والحس، وطول إلفه ذلك، والإخلاد إليه، يفسد على صاحبه الإيمان بالغيب والتصديق به، فيقع بين طرفي نقيض، فإما جلب ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة وإما نفي ذلك الغيب مطلقاً.
لذا نجد من شبه أعمال اليوم الآخر وما فيه من مخلوقات، بما يرسمه له عقله من عالم الشهادة (٣).
стр. 505
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
أهل السنة والجماعة هم أسعد الناس بهذا الوعد الرباني، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾؛ لأنهم آمنوا باليوم الآخر وما أعد الله لهم فيها من نعيم (١)، نسأل الله من فضله.
стр. 506
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر .
أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في باب الإيمان باليوم الآخر:
١ - د قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم: ٢٦. ففي هذه الآية الكريمة رد على الجفاة منكري الشفاعة من الخوارج وغيرهم، كما أن فيها أيضاً رداً على منكري اليوم الآخر؛ لأن إثبات الشفاعة هو إثبات لليوم الآخر، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما أن فيها ذكراً للشفاعتين الممنوعة والمثبتة، أما الممنوعة فهي الشفاعة التي يزعمها المشركون-فتراهم يعبدون الملائكة والأولياء والصالحين والأصنام والأوثان ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى-، أو يفعلها عُبادُ القبور وطالبو الشفاعة فبين الله تعالى أن هذه الشفاعات لا تغني شيئا، وأنه لا بد لها من شروط وهي قبول الله لها ورضاه، وفعلكم هذا لا يقبله الله، وهذا رد واضح وصريح على المُفرِطين الغالين الذين شبهوا شفاعة الآخرة بشفاعة الدنيا، من أجل ذلك قابلها بالشفاعة المثبتة التي يُكرم الله بها الشافع والمشفوع، وهذا هو ما اتفق على إثباته أهل السنة والجماعة يوم القيامة، بأن الشفاعة ملك لله يأذن لمن يشاء من أوليائه فيشفعون لمن ارتضى من عباده، الموحدين المخلصين المذنبين، وأما المشركون الظالمون فما لهم من شافعين ولا صديق حميم، وأن أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، وأنها أنواع (١).
٢ - قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ الأنبياء: ٢٣، في هذه الآية رد على المنحرفين في عقيدة اليوم الآخر، فنجد أنها ردت على الجفاة من الملاحدة الجاحدين، والماديين الغافلين الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، المنكرين لأفعال الله ﷻ ، فجاء
стр. 507
الرد عليهم جميعاً في قوله: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لإثبات اليوم الآخر وما سيكون فيه من حساب. كما أن في قوله: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أيضاً رد على المعترفين بالمعاد ولكن على غير الصفة التي جاء بها الوحي، فهم سيسألون أيضاً عن القول على الله بلا علم، وعن عدم إيمانهم باليوم الآخر كما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.
٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢، هذا تأكيد وبيان منه بأن فعله ليس كفعل غيره، وأن قدرته ليست كقدرة مخلوقاته التي لا تفعل إلا بالكلفة والمشقة، ولا يمكنها الاستقلال بالفعل، أما هو فيكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه بقوله: ﴿كُنْ﴾ كما أن في هذا دليلاً واضحاً وحجة دامغة على إثبات المعاد واليوم الآخر، وعلى عدم جواز مشابهة أفعال الله بخلقه، خاصة وأن هذه الآية أتت عقب إثبات الله للمعاد من عدة أوجه (١).
فكانت رداً على منكري البعث، كما كانت رادة على الغلاة الذين أوجبوا على الله أفعالا وحظروا عنه أخرى -كمحاسبته لخلقه وإدخال المؤمن الجنة عن طريق الاستحقاق والمعاوضة، وأن يدخل العاصي النار ويخلد فيها- من باب تنزيه الله عن الظلم، حيث قاسوا الله على خلقه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-.
٤ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ يونس: ٤، فاللام تعليلية؛ أي: يعيد الخلق بعد موتهم، ليجزي المحسن، ويحاسب المسيء (٢)، فإن من خلق الخلق بعلمه، ثم سلط عليهم تكاليف الأمر والنهي؛ لا بد أن يحاسبهم على ذلك.
ومن هذا الباب جاءت الآيات القرآنية مؤكدة هذا المعنى، ومنكرة على من ظن أن يترك الحكيم الخبير خلقه سدى، دون حساب، ولا جزاء، قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
стр. 508
(٤)﴾ المطففين: ٤، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ القيامة: ٣٦، أي: كيف يظن أن يترك بعد موته، فلا يبعث، ولا يحاسب! .
ثم استدل على هذا الإنكار بما بعده من الآيات، وأن من خلقه من نظفة، ثم علقة، ثم سوّى خلقه، فلا بد أن يحييه، ويحاسبه، ووجه الدلالة أن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها، قادر على إحياء جيمع النفوس، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ لقمان: ٢٨، فكانت هذه الآية رادة على الغلاة والجفاة.
٥ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ الأنعام: ٢٩ - ٣٠، لما ذكر إنكارهم للبعث، أعقبه بوصف حالهم حين يحشرون إلى الله، وهو حال البعث الذي أنكروه، وهذا أسلوب قرآني فريد في المناظرة، ففي خضم عرض شبهتهم، وما هم فيه من باطل القول، ينتقل بهم الموقف إلى لحظة وقوفهم بين يدي الله تعالى يسألهم عن بعثهم بعد موتهم بأسلوب استفهام تقريري! ، وحينئذٍ لا يجدون سوى التسليم والاعتراف: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (١)، فكانت هذه الآية رادة على المنكرين لليوم الآخر، كما أنها رادة على الذين آمنوا به على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع.
стр. 509
الباب الثالث:
الفصل ٥ الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف القضاء والقدر.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 510
تمهيد في تعريف القضاء والقدر، وأهميته:
موضوع القضاء والقدر من الموضوعات الكبرى التي خاض فيها جميع الناس، وشغلت أذهان الفلاسفة والمتكلمين، وأتباع الطوائف من أهل الملل ومن غيرهم (١)، كما اعتُبِر القضاء والقدر والمسائل المندرجة تحته من أهم القضايا التي تناولها العلماء بالاهتمام والدراسة، حتى أفردها البعض منهم بالكتابة والتأليف (٢).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخوض والجدل في هذه القضية قد بدأت جذوره على عهد النبي ﷺ حيث نهى عن ذلك صراحة؛ إلا أن أسئلة الصحابة ﵃ حينها كانت أسئلة استفهام، فإذا ما جاءهم الجواب عن رسول الله ﷺ : ((اعملوا فكل ميسر لما خلق الله)) (٣) اكتفوا به، بل كان لهذا الجدل وجود قبل ظهور الإسلام كما أخبرنا الله بذلك في كتابه المبين عن كفار قريش ومن سبقهم من مشركي الأمم أنهم ينسبون شركهم وما هم عليه من المعاصي إلى مشيئته قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ النحل: ٣٥، وقوله تعالى على لسانهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ النحل: ٣٥. (٤).
стр. 511
ولأجل كون القدر سراً من أسرار الله (١)، وإدراك كنهه وحكمة الله في عباده غير متحقق من كل وجه؛ فلذلك صار الخائض في القدر بلا دليل عرضة لمزلة القدم، بل لم يخض في القدر أحد بغير حجة وبرهان إلا وزلت قدمه، وتنكب سواء الصراط؛ ولهذا ينبغي أن يتكلم في القدر بما جاء في النص دون زيادة؛ لأنه أمر غيبي، ولا يمكن للعبد أن يخوض في الأمور الغيبية إلا مع الدليل، والمخالفون في القدر كثيرون (٢).
قال ابن القيم ﵀: " القدر بحر محيط لا ساحل له، ولا خروج عنه لأحد من العالمين، والشرع فيه سفينة النجاة؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها فهو من المغرقين" (٣).
وقال ابن عباس ﵁: ((القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وآمن بالقدر؛ تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض توحيده)) (٤)، "والقدر هو قدرة الله" كما قال الإمام أحمد ﵀ (٥)، لذا فإن الاختلاف في مسائل التوحيد سينتج بالضرورة اختلافات في مفهوم القدر؛ لأن الإيمان بالقدر متعلق بتوحيد الربوبية خصوصاً، وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنه من صفات كمال الله ، ولا شك أن الإقرار بتوحيد الله وربوبيته لا يتم إلا بالإيمان بصفاته، فمن زعم أن هناك خالقاً غير الله فقد أشرك.
ولفهم هذه القضية وما يندرج تحتها من مسائل متعلقة بموضوع بحثنا، لا بد من التمهيد بتعريف القضاء والقدر في اللغة والمراد به شرعاً، وبيان معناه وأهميته.
أولاً: التعريف بالقضاء والقدر:
o ١ - في تعريف القضاء:
معنى القضاء لغة:
يقول ابن فارس: " القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلٌ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه" (٦)، هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت
стр. 512
بعد الألف همزت، تقول: قضى وطره؛ أي: أتمه وبلغه، وقضى عليه: أماته، وقضى عليه دينه: أوصاه وأنفذه، وقضى عليه عهداً: أدّاه (١).
ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (٢)؛ وهذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرَتها كتب اللغة (٣)، فالقضاء موضوع للقدر المشترك بين هذه المفهومات، وهو انقطاع الشيء والنهاية، والفصل بتمام الأمر.
ويتبين مما سبق أن معنى القضاء في اللغة، هو: إحكام الشيء وإتمام الأمر.
وهذا هو أصل معاني القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر (٤).
معنى القضاء شرعاً، هو:
علم الله تعالى في الأزل بالأشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل، أي: "إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ماهي عليه فيما لا يزال" (٥).
o ٢ - في تعريف القدر:
معنى القدر لغة:
يقول ابن فارس: " القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٦)، تقول: قدر الله تعالى ذلك عليه يقدره قدْراً وقدَراً، وقدّره عليه وله، واستقدر الله خيراً: سأله أن يقدر له به، وقدر الرزق: قسمه، فالقدر إذاً: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا: أي مبلغه وكذلك القدر. وقدرت الشيء أقْدِرُه وأقْدُرُه من التقدير، وقدّرته أقدِّرُه، والقدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها الله (٧).
стр. 513
ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير، وهو مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَراً، وهو مبلغ الشيء، وجمعه أقدار (١).
تعريف القدر شرعاً، هو:
الإيمان بعلم الله تعالى السابق، وكتابته وإرادته ومشيئته وخلقه لأفعال عباده مع إثبات قدرتهم المؤثرة في هذه الأفعال (٢)، وقيل: "هو إيجاد الله الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم" (٣).
قال النووي ﵀: " واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها " (٤).
o ٣ - في تعريف القضاء والقدر شرعاً:
اختلفت عبارات أهل العلم ﵏ في تعريفهم الاصطلاحي للقضاء والقدر (٥)، فمنهم من فرق بين القضاء والقدر، ومنهم من اعتبرهما شيئا واحداً، قال الحافظ ابن حجر ﵀ وغيره: " القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل" (٦).
" وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (٧)، كما أن بينهما عموماً وخصوصاً، فإذا أطلق القضاء مفرداً شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفرداً شمل
стр. 514
القضاء، وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (١).
والمختار والله أعلم أن المراد بالقضاء والقدر في الشرع، هو:
علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه ﵁ لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (٢).
ويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي من ربط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومعاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقتضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها (٣).
ثانياً: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه .
الإيمان بالقضاء والقدر: هو الإيمان بقدرة الله التامة والشاملة على خلقه، لذا دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله موصوف بالعلم أزلاً وأبداً لا يغيب عن علمه شيء، وأنه كتب كل ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأن مشيئته نافذة في كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالقُ كل شيء لا خالق غيره ولا رب سواه، وقد اصطلح أهل العلم على تسمية هذه الأمور الأربعة - العلم والكتابة والمشيئة والخلق- بمراتب الإيمان بالقدر، لذلك كان مذهب السلف الصالح ﵃ في باب الإيمان بالقضاء والقدر يقوم على أربع مراتب تنتظم الإيمان بالقدر، هي:
المرتبة الأولى: العلم ، وذلك بأن يؤمن المكلف بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلاً، وما كان وما يكون، فكل شيء علمه الله تعالى دقيقاً كان أو جليلاً، ولا يكون
стр. 515
شيء إلا بعلمه؛ فيجب الإيمان "بأن الله لم يزل عالماً بالخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، ولا يزال عالماً بهم، ولم يزدد في علمه بكينونة الخلق خردلة واحدة ... " (١).
كما أن تقدير الأمور وتدبيرها وإرادتها في القدم لا تكون إلا من مقدر مريد مدبر أول ليس قبله شيء، وهذه هي معاني الربوبية لله ، فالكلام في القدر كلام في الربوبية (٢).
وأدلة هذه المرتبة في القرآن الكريم أكثر من أن تحصر، فمن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، ومن السنة قوله ﷺ في أطفال المشركين: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (٣).
وقد خالف في هذه المسألة طائفتان:
١ - غلاة القدرية: فزعموا أن الله لا يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، وهذه طائفة كفرها كثير من السلف، وقد انقرضت ولا وجود لها اليوم ولا يُعرف من ينسب إليها من المتأخرين (٤).
٢ - الفلاسفة: قالوا إن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي، أي: يعلم الكليات دون الجزئيات (٥).
المرتبة الثانية: الكتابة ، أي: أن الله قد كتب كل ما هو كائن قبل أن يكون، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ الحديد: ٢٢، قال الحافظ ابن كثير ﵀: " وهذه الآية الكريمة من أدل
стр. 516
دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله" (١)، وقال في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾؛ "أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله ؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون" (٢).
كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨، فكل ما يجري مثبت في اللوح المحفوظ.
ومما يدل لذلك قوله ﷺ : ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ... )) (٣).
والكتابة لها أكثر من موضع:
١ - اللوح المحفوظ: وهي الكتابة الأزلية التفصيلية في اللوح المحفوظ.
٢ - الكتابة العمرية: التي تكون للجنين في بطن أمه.
٣ - الكتابة الحولية: وتكون في ليلة القدر، فيكتب فيها ما يكون تلك السنة.
٤ - الكتابة اليومية: كتابة الملكين اللذين لا يفارقان ابن آدم بحال من الأحوال، وهي من قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ الرحمن: ٢٩، فهو سبحانه يحيي ويميت ويعطي ويمنع وينفع ويضر، ويرفع ويخفض، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء (٤).
المرتبة الثالثة: المشيئة ، وهي عامة، فما من شيء في السموات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته، فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبداً، سواء كان ذلك فيما يفعله بنفسه أو يفعله المخلوق، وقد دل على هذا أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الأنعام: ١١٢، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢.
стр. 517
قال الإمام ابن القيم ﵀: " وقد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفكرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... " (١).
ومشيئة الله وإرادته كونية وشرعية:
أما الكونية: فهي المشيئة العامة، ومثالها قول نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هود: ٣٤، فهذه إرادة كونية يتعين فيا وقوع ما أرداه الله تعالى، سواء أحبه، أم كرهه.
وأما الشرعية: فهي بمعنى المحبة للمراد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ النساء: ٢٧ (٢).
خالف في هذه المرتبة: المعتزلة ومن وافقهم فقالوا: أفعال العباد حادثة بمشيئتهم والله لم يردها، فلا تعلق له بها (٣).
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق ، أي: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا والله خالقه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
стр. 518
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ غافر: ٦٢، ومن أدلة ذلك من السنة قوله ﷺ : (إن الله يصنع كل صانع وصنعته) (١)، قال الإمام البخاري ﵀: " فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة" (٢).
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، فأفعال العباد إذاً تسند إلى العباد فعلاً وتسند إلى الله خالقاً (٣)، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩.
وخالف في هذه المرتبة ثلاث طوائف:
١. الجبرية: قالوا إن العبد مجبور على فعله، فالله هو الفاعل لفعل العبد، كما أنه هو الخالق له، فلا فعل ولا علم لأحدٍ غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال: زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكون فاعلين أو مستطيعين لذلك (٤).
٢. المعتزلة: نفوا تعلق أعمال العباد بالله وأنكروا أن يكون الله خالقاً لها وأن تكون تحت مشيئته، وإنما يحدثها العبد استقلالاً (٥).
٣. الأشاعرة: أرادوا أن يوفقوا بين القولين السابقين فجاءوا بنظرية الكسب التي تكون في مآلها جبراً محضاً، فقالوا: للعبد قدرة حادثة غير مؤثرة في الفعل لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على أثر واحدٍ، وإنما أجرى الله العادة بخلق مقدروها مقارناً لها (٦).
стр. 519
وهذه المرتبة والتي قبلها -أي المشيئة- هما محل النزاع بين أهل السنة والجماعة ومن خالفهم من الطوائف (١).
وبعد: فهذه هي المراتب، وإن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد ﵀ (٢)، كما أوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية (٣)، بل إن كتب العقيدة اهتمت بمسائل القدر أيما اهتمام، وأطالت في ذكره، والحديث عنه، كالإبانة لابن بطة (٤)، والشريعة للآجري (٥)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٦)، والحجة في بيان المحجة للأصبهاني (٧)، وغيرها.
ثالثاً: بيان أهمية الإيمان بالقضاء والقدر:
دل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة، التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دلت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
كما يعتبر موضوع القضاء والقدر من المواضيع المهمة لتعلقه بحياة الإنسان، فما من إنسان يعيش في هذه الحياة، ويسير في مناكبها على أي ديانة كان، وفي أي اتجاه اتجه في حياته العملية أو العقدية أو غيرها؛ إلا وقضية القضاء والقدر عنده من القضايا التي تشغل باله في كل وقت. ومن هنا كان للإيمان بالقضاء والقدر أهمية عظمى، تبرز فيما يلي:
стр. 520
١ - الإيمان بالقدر طريق للخلاص من الشرك:
زعم المجوس بأن النور خالق الخير، وأن الظلمة خالقة الشر، كما زعمت القدرية بأن الله لم يخلق أفعال العباد لا الخير ولا الشر، وهؤلاء جميعاً أثبتوا خالقين مع الله ، وهذا شرك.
قال شيخ الإسلام ﵀: " اعلم أن أهل البدع من القدرية الجهمية والمجبرة والقدرية النافية لا يحمدون الله ولا يشكرونه، كما أنهم لا يعبدونه، وأما أهل الإلحاد من المتفلسفة والباطنية فهم أبعد عن حمده وشكره، وذلك أن المجبرة حقيقة قولهم أنه ليس برحيم ولا مُنعم، بل ولا إله يستحق أن يعبد ويُحب، بل صدور الإحسان عنه كصدور الإساءة، وإنما هو يفعل بمحض مشيئة ترجح الشيء على مثله لا لمرجِّح، وكل الممكنات عندهم متماثلة، فلا فرق بين أن يريد رحمة الخلق ونفعهم والإحسان إليهم، أو يريد فسادهم وهلاكهم وإضرارهم، يقولون: هذا كله عندهم سواء" (١).
ومنهج أهل السنة العام في باب القدر، هو: الإيمان بأن جميع الكائنات واقعة تحت قدر الله، محكومة بقدره، ليس لها من الأمر شيء، فلا تملك لنفسها -فضلا عن غيرها- جلب نفع أو دفع ضر، وأن الأمور كلها بيد الله، فهو المعطي المانع، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فإذا آمن الإنسان بذلك وأيقن به انبعث إلى إفراد الله بالعبادة وتجنب الشرك بأنواعه، وأخلص الدين لله رب العالمين، ولم يخش إلا الله (٢).
كما أن من منهجهم الإيمان بالقدر خيره وشره، وذلك أن كل ما يكون فقد شاءه الله، وأن الطاعات والمعاصي كلها بقضاء الله وقدره، واعتبار الخير والشر بالنسبة للمقضي المقدر، وأما تقدير الله وقضاؤه فكله خيرٌ كما قال النبي ﷺ : ((والشر ليس إليك)) (٣)، وذلك أن القضاء والتقدير فعل الله، وأفعال الله كلها خير وحكمة ليس فيها شر (٤).
قال ابن القيم ﵀: " الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي
стр. 521
المقدر ويكون شراً بالنسبة إلى محل وخيراً بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض إن كانت شروراً من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة ... فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة" (١).
لذا فإن الإيمان بالقدر على الوجه الصحيح توحيد وخلاص من الشرك؛ لأن ارتباطه مباشرة بالإيمان بالله تعالى، فقد جاء في صفاته سبحانه صفة العلم، والإرادة، والقدرة، والخلق، وعلى هذه الأسس قامت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر (٢).
كما عد العلماء الإيمان بالقضاء والقدر ثمرة من ثمرات الإيمان بالله، فالراضي بالقضاء والقدر راضٍ بالله، والساخط من القدر ساخط على الله، وهذه النكتة في عطف الفعل "تؤمن" لما عد النبي ﷺ أركان الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) في حديث جبريل المشهور (٣).
كما أن الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح، وهو الاختيار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال؛ وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها (٤).
стр. 522
٢ - الإيمان بالقدر يحقق السعادة الدائمة والاطمئنان الكامل على الحاضر والمستقبل:
إن العبد المؤمن بالقدر خيره وشره يأخذ بالأسباب، ويدع تحقيق الآمال لربه تعالى، فإن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، ولا شك أنه يرضى بقسمة الله تعالى، ويقنع بما أعطاه، بل يفرح، وكل من الشكر والرضا والقناعة والفرح من أثر الإيمان بالقدر وفيها سعادة وطمأنينة، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، فلا يسيطر عليه الفزع، ولا يستبد به الجزع والهلع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ التغابن: ١١؛ لأنه يعلم أن كل شيء بقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فيكون بعيداً عن الحيرة والتردد، محجباً عن حياة القلق والاضطراب.
وذلك يحميه أيضاً من كثير من الأمراض النفسية والصراعات العصبية التي أصبحت سمة من سمات هذا العصر الذي نعيش فيه، فالذين لا يؤمنون بالقدر ربما يؤدي بهم الجزع إلى أن يكفروا بالله، وبعضهم يجن، وبعضهم يصبح موسوساً، وبعضهم يلجأ إلى المخدرات، وبعضهم يقتل نفسه (١).
ومن هنا فإن الإيمان بالقدر يورث السعادة الكاملة والاطمئنان على الحاضر والمستقبل؛
كما يوجب صدق الاعتماد عليه .
٣ - الإيمان بالقدر يورث القوة والحزم:
الإيمان بالقدر يورث القوة في مواطن اليأس والخطر، والإقدام والشجاعة والبسالة عند ملاقاة الأعداء في الحروب؛ لأن المؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت قبل أجله المقدر له، فلا العيش في النعيم والنوم على الأسرة الموطئة بفرش الحرير تزيد في الأعمار، ولا
стр. 523
الدخول في ساحات القتال ومنازلة الأعداء تقرب من الآجال، وتقصر الأعمار، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ آل عمران: ١٥٤.
كما أن الإيمان بالقدر يورث الثبات على الحق، ومواجهة الباطل، فهو يهب صاحبه ثباتاً ورسوخاً على المنهج الصحيح، شعاره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ التوبة: ٥١.
стр. 524
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر .
تمهيد:
جاء الإيمان بالقضاء والقدر في القرآن الكريم واضحاً، وشرحه النبي ﷺ أتم الشرح، وتلقاه الصحابة عنه، فكانوا -رضوان الله عليهم- أعظم الناس فهماً لحقيقة الإيمان بالقدر، فأثر ذلك فيهم أيما تأثير، فكانوا أشجع الناس، وأكرمهم، وأتقاهم.
ثم دبَّ في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها، ودخلت الفلسفات اليونانية، والهندية، وعقائد اليهود المحرفة، والنصارى الزائغة، إلى بلاد المسلمين، فظهرت بدعة القدرية في البصرة ودمشق، ووقع أول شرك في الأمة، وهو نفي القدر.
ومما لا شك فيه: أن باب القدر من علوم الغيب، لذا فقد حار النظار، والعقلاء قديماً وحديثاً في شأنه، وفي فهم حقيقته، فلم يصلوا إلى اليقين والصواب؛ ذلك لأنهم التمسوا الهدى في غير مظانه، فحاروا، وحيروا، وتعبوا، وأتعبوا، فـ"كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر، ودس الشبهات حوله" (١).
وقد وفق الله أهل السنة والجماعة لفهم هذا الباب، وذلك لاتباع ما جاء في الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يفهم هذا الباب على وجه التفصيل فهماً صحيحاً -إلا كما فهمه أهل السنة والجماعة- سلف هذه الأمة الصالح، وإذا نظرت إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ انتظم العقد في هذا الباب، وظهرت ملامح الوسطية فيه، وسلمت من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما تجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة ترشدنا إلى أبواب يستطيع العقل البشري أن يجول فيها (٢)، وتنهانا عن أمور يستحيل العقل أن يصل إليها (٣).
стр. 525
لذلك فقد أنكر السلف التوليدات الحادثة عند الفرق حول هذا المسألة، وأجازوا الرد عليهم باصطلاحاتهم من باب الضرورة وإقامة الحجة، كما أنكروا ضرب النصوص بعضها ببعض (١)
كما فعل المعتزلة والجبرية ومن وافقهم، وقالوا: بأن الواجب في القدر هو الإمساك عن الكلام والجدل حوله، ورأوا أن الغوص في الكلام على القدر ذريعة الخذلان والحرمان، لا سيما إذا كان من باب التنازع والتخاصم وتحكيم الأهواء ومقاييس البشر (٢).
قال ابن أبي العز ﵀: " وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر، وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع" (٣).
ولهذا كان الأسعد بالدليل والأوفق للحكمة والتعليل أهل السنة والجماعة الطائفة الوسط المقتصدة في اعتقادها، الذين جمعوا بين الأدلة، وسلكوا في طريقهم خير مسلك، فآمنوا بقضاء الله وقدره في مراتبه الأربع، وآمنوا بأن للعبد اختياراً وقدرة (٤)، ولم يقفوا عند هذا الحد؛ بل تصدى علماء السنة للبدع المتقابلة في باب القدر، وبينوا عوارها، ودحضوا باطلها، وأظهروا الحق، ونشروه.
ويمكن إجمال أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالقضاء والقدر إلى الأسباب التالية:
١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر: معلوم أن حكمة الله في خلقه منها ما هو مدلل عليه، ومنها ما ليس بمعروف، ولذلك إذا جهلت الحكمة، فإن المرء يُسَلم، ولا يعترض، لكن المبتدعة لم يعرفوا حكمة الله في الأشياء،
стр. 526
ولا حكمته فيما يقدر ويخلق من الخير والشر أو من المخلوقات بعامة، ولما لم يدركوا الحكمة، عارضوا فعل الله في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم (١).
٢ - قياس أفعال الله على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم: نظر المبتدعة إلى أفعال الرب ، فجعلوا ما هو عدل في تصرفات البشر واجباً وعدلاً في تصرفات الرب ، وجعلوا ما هو ظلم من تصرفات البشر محرماً أو منفياً وظلما في تصرف الرب، فضلوا في هذا الباب؛ لأن الخالق لا يقاس على المخلوق في أفعاله وفي تدبيراته في ملكوته. وقصدوا بذلك تعظيم الرب وتنزيهه: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحاً من الأفعال وظلماً، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقاً لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا (٢)، وقابلتهم الجهمية الغلاة في الجبر، فأنكروا حكمة الله ورحمته (٣).
٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلاً في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها: مثل لفظ: الاستطاعة -بتفسيرهم- وما يطاق وما لا يطاق، والتكاليف، وأشباه ذلك، ومنها أيضاً -عند الجبرية- الكسب ونحوه، وفسروها بتفسيرات تخصهم، فضلوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل؛ لأن إحداث
стр. 527
لفظ وإحداث مصطلح لا شك أنه سيترتب عليه أشياء كثيرة. ومن المعلوم أن هذه الأمور الغيبية -كالقدر- الاصطلاح عليها بألفاظ وأسماء لمسميات لم يأت عليها برهان أنه يجعل المرء يؤصل ويقعد بشيء لا أساس له، والعلم بالقرآن والسنة حجة على كل مخالف أحدث المصطلحات؛ لأن إحداث المصطلحات عقلي، واتباع الكتاب والسنة نقلي، ولهذا يغلب النقل العقل الحادث والمصطلح عليه في هذه المسائل (١).
٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة (٢) وبين المحبة والرضا: منشأ الغلط في باب القدر (٣) هو اعتقاد أن محبة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان (٤)،
وهذا أصل مشترك بين القدرية والمعتزلة والجبرية والجهمية والأشعرية (٥)، واعتقادهم بالتسوية مبنيٌ على صفة المحبة لله (٦)، فأنكرتها القدرية، بينما غلت فيها الجبرية، ثم بنى كل فريق على ذلك منهجهم في الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 528
٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة: الأساس في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفاً، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها، ثم عادوا على دلالات النصوص بعد ذلك بالتأويل ودعوى أنها معارضة لما هو معلوم بالضرورة، والاستشهاد بالمتشابه منها على ما ادعوه من المعاني الباطلة، فيما يتعلق بالقدر وأفعال العباد (١).
ومن أجل هذا: انقسم المبتدعة إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.
стр. 529
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر .
لقد شغلت قضية القضاء والقدر أذهان الفلاسفة وأتباع الطوائف من أهل الملل من قديم الزمان، وما زالت حتى يومنا هذا، وضلال أهل الأهواء والبدع في هذا الأصل العظيم كضلالهم في باقي الأركان، وهذا ما وضحه الله في كتابه الكريم من زعم بعضهم بأن الله لا يقدر الأمور، وإنما تسير على حسب جريان الدهر، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ الجاثية: ٢٤.
وكانت البداية لنشأة الاختلاف والكلام في القدر ، تدور على أمرين:
أحدهما: نفي علم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها ، وبالتالي نفي الكتابة، وهذا التقدير ينكره غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم (١)، كما ينكره الفلاسفة، القائلون: بأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي، أي: يعلم الكليات دون الجزئيات (٢).
وقد تأثر اليهود والنصارى بالفلسفة القديمة، وتجد في كتبهم المحرفة ما يفيد إنكار علم الله تعالى (٣).
الآخر: نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد ، والقول بأنها ليست واقعة بقدره، وأن العباد يخلقون أفعالهم (٤)، فجعلوا لله شريكاً في خلقه، واستدلوا استدلالاً أعور ببعض الآيات،
وأولوا ما عدا
стр. 530
ذلك مما يخالف مذهبهم، وهذا التقدير ينكره متأخرو القدرية، بينما يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها (١).
ولو ذهبنا نستجلي أقوال الناس في هذه المسألة لوجدنا أنها هي هي، لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائماً إلى ثلاثة أقوال (٢):
١ - قول الجبرية (٣): الذين يقولون: بأن الله هو الخالق للأفعال، بينما الإنسان مجبور على أفعاله.
٢ - قول أهل حرية الإرادة (٤): الذين يقولون: إن الله لا يوصف بأنه يخلق فعل العبد، بل الإنسان مستقل في أفعاله عن خالقه، وأنه هو الذي يخلق أفعاله، وهم يقولون هذا لسببين:
أ-أن فعل العبد فيه الأشياء المشينة مثل: الكفر، والزنا، والسرقة، والقتل .. إلخ، ولو قيل: أن الله هو الذي يخلق هذه الأشياء، لصار في هذا نسبة للأشياء السيئة إلى الله، وهو منزه عنها.