الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة
دِرَاسَةٌ عَقَدِيَةٌ
رسالة علمية مقدمة لنيل درجة العالمية العالية (الدكتوراه)
إعداد
أحمد علي الزاملي
إشراف الدكتور:
محمد باكريم محمد عبد الله
(١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ)
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ آل عمران: ١٠٢.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ النساء: ١.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ الأحزاب: ٧٠ - ٧١ (١).
أما بعد:
فإنّ المتأمل في الواقع الذي تعيشه الأمّة قديماً وحديثاً يرى بَوْنًا شاسعًا في مشاربها وأهدافها، واختلافًا في منطلقاتها وغاياتها، حيث بات يُرى الإفراط والتفريط، والغلوّ والجفاء، على مستوى الأمّة عموماً، بعد أن اتسعت دائرته مع توالي القرون والأيام، حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه الآن، من التفكك والتناحر والتخلف والجهل -والله المستعان-.
وعند قراءة التاريخ الإسلامي، نجد أن أهمّ آثار تحريف أعداء الإسلام للدين، وانحراف بعض أبنائه، هو اهتمامهم بظهور البدع المتقابلة منذ ظهور الإسلام؛ " فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد -
стр. 3
أعني المرجئة-، وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات، حتى وقعوا في التشبيه" (١).
قال علي بن أبي طالب ﵁: ((لا يرى الجاهل إلا مفرِّطا أو مفْرِطاً)) (٢)، وقال الإمام الأوزاعيّ ﵀: ((ما من أمرٍ أمرَ الله به إلاّ عارض الشَّيطان فيه بخصلتين، لا يبالي أيّهما أصاب: الغلوّ، أو التَّقصير)) (٣)، وقال الحسن البصري ﵀: ((إِنَّ دين الله وضع على القصد، فدخل الشَّيطان فيه بالإفراط والتَّقصير، فهما سبيلان إلى نار جهنّم)) (٤).
وكما ظهرت هذه البدع المتقابلة في الأولين فهي في الآخرين أشد ظهوراً، قال ابن القيم ﵀: "ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم، وتناولُ القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: ((إنما تنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)). وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام من قِبله، ويعود المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عياناً، والله المستعان" (٥).
ولهذا كان أهل السنة والجماعة وسطاً في الفِرق، كما كان الإسلام وسطاً في الملل؛ فكانوا وسطاً بين الغلوّ والتَّقصير، وهذا التوسّط مطلب العقلاء في كلّ زمان ومكان، وهو من أهمّ أسباب قبول الإسلام وانتشاره في المعمورة.
وبالجملة فإن كانت هذه البدع المتقابلة منتشرة منذ القِدم إلى وقتنا الحاضر، فإننا نجد الرد الواضح عليها من القرآن الكريم، إذ فيه من الخير ما يعجز الإنسان عن تعداده، فهو كتابٌ عظيمٌ اشتمل على الصدق والعدل، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ
стр. 4
لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ الأنعام: ١١٥؛ وفيه من العلم الذي تعقد عليه الخناصر، وتفنى في تدوينه الأقلام والمحابر ولا يشبع واردوه، ولا يمل من النظر فيه قاصدوه، فهو الكفيل بمصالح العباد، في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد (١).
قال الإمام أحمد ﵀: ((لو تدبر إنسان القرآن كان فيه ما يرد على كل مبتدع وبدعة)) (٢).
ولما كان كتاب الله بهذه المثابة، وكان المصدر التشريعي، والداعي إلى الحق الذي هو العدل والوسطية في العقيدة والشريعة والأخلاق، فإنه يرى فيه بوضوح دلالته على المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة في الرد على البدع المتقابلة، ولقد دأب علماؤنا وأسلافنا منذ الصدر الأول على محاربتها والتحذير منها، عملاً بمقتضى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقاموا عليها بسيوف قاطعة، مرهفة باترة، فاجتثوا شجرتها، وكسروا شوكتها، فانحسرت غمومها، وانقشعت همومها، وطهروا منها البلاد، وأنقذوا منها العباد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق" (٣)، وأصل هذا المعنى مستقى من السنة، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني .. )) (٤).
ولذلك اخترتُ هذا الموضوع: "الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية"، ليكون أطروحة مرحلة الدراسة العالمية العالية: "الدكتوراه"، والله أسأل التوفيق والإعانة فيما آتي وأذر.
стр. 5
أهداف البحث:
١ - بيان فساد مناهج الفرق الباطلة (قديماً وحديثاً)، التي حادت عن الوسطية، فظهر فيها الغلو أو التساهل، وتوضيح تناقض وتلون أهل البدع المتقابلة في الأصول.
٢ - تجلية وهن شبهات الفرق الضالة من خلال آيات القرآن الكريم، وذلك بإبراز الآيات الرادة على البدع المتقابلة، وإيضاح دلالاتها، ما يكون فيه قطع لدابر أهل البدع، وتوضيح لوهنهم وزيغهم، قال ابن تيمية /: "فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين" (١).
٣ - جمع وبيان مواطن الاستدلال من القرآن، مما لا يوجد مجموعاً في غيره؛ لأن من أعظم وسائل مواجهة البدع، العكوف على استخراج الأدلة المتكاثرة الدالة على ما يناقض منهج أهل البدع، من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأن في هذه الأدلة المتكاثرة وتواردها دليلاً على بطلان مسالك المخالفين، وفي هذا دعوة لهم للرجوع إلى المنبع الصافي، وفيه تثبيت لأهل الحق، ودفع لشبه أهل الباطل.
٤ - معرفة البدع المتقابلة والحذر منها، لذلك لا يكفي في التعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط، بل لا بد من معرفة ما يناقضها من البدع، كما لا يكفي في الإيمان التوحيد دون معرفة ما يناقضه من الشركيات، وإلى هذه الحقيقة أشار رسول الله ﷺ بقوله: ((من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله)) (٢)، فلم يكتف ﷺ بالتوحيد، بل ضم إليه الكفر بما سواه، وذلك يستلزم معرفة الكفر، وإلا وقع فيه وهو لا يشعر.
٥ - تتجلى مشكلة هذه الدراسة في ظهور انحرافات فكرية وسلوكية وبعد عن منهج الوسطية والاعتدال في كثير من بلاد العالم الإسلامي اليوم، مما لا يخفى على ذي عين، ومما لا شك فيه أنه لا بد لمواجهة تلك التحديات والمخاطر، من الالتزام بمنهج الوسطية.
أسباب اختيار الموضوع وأهميته:
стр. 6
١ - أهمية القرآن الكريم، والعناية بما اشتمل عليه من المباحث العقدية، وذلك لإجماع الأمة على تقديمه وأنه قطعي الثبوت، وهذه الأهمية تجعل من المهم العناية به عقدياً واستخراج كنوزه العقدية، وهذا يقتضي أن يعيش الباحث مع كتاب الله متأمِّلا لآياته، متفكِّرًا في دلالاته، مستوعباً لما كتبه المفسِّرون حول هذا الموضوع.
٢ - اهتمام القرآن الكريم بموضوع الرد على البدع المتقابلة اهتماماً بالغاً، وهذا يجده الناظر المدقق في آيات الكتاب الكريم بوضوح، فظهرت بذلك غزارة المادة العلمية التي حوتها هذه الآيات، كما تفرقت هذه الردود على امتداد سور القرآن الكريم؛ فجاء هذا البحثُ ليجمع هذه الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة.
٣ - جدة الموضوع، وندرة الدراسات الجادة فيه أو انعدامها، حيث إنني لم أقف حتى لحظة كتابة هذه الرسالة على من كَتَب في "الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية" كما تناوله هذا البحث، فرغبني ذلك في كتابته.
٤ - أن البحث فيه يتطلب العكوف على كتاب الله تعالى، والنظر والإمعان في تفسيره على مذهب السلف وطريقتهم، مع العودة إلى كتب أهل السنة والجماعة في الرد على أهل الباطل-وهذا أهم ما ينبغي أن يعنى به وتصرف فيه الأوقات-، مما يتيح للباحث الاطلاع على قدر كبير من المؤلفات المهمة، كما أن استعراض ودراسة الأدلة المتقابلة، يستدعي الوقوف عند أغلب أبواب العقيدة، مما يضفي على البحث الشمولية.
٥ - إظهار تناقض أهل البدع المتقابلة، وبعدهم عن المشرب الصافي، وبيان سبب ذلك، مع بيان أن أهل الأهواء والبدع لا زالوا موجودين، وأن مناهجهم لا زالت متبعة وإن تغيرت الأسماء، مع محاولةِ الوصول إلى النتائج السيئة التي أفرزتها البدع المتقابلة، ولذا فالحاجة ماسة إلى بيان مقالات أصحاب البدع المتقابلة، وأرجو أن يكون في هذا البحث إسهامٌ نافعٌ في هذا الباب.
٦ - أن تحرير القول في هذا الموضوع من أعظم ما يبين ويجلي حقيقة مذهب أهل السنة، وأنهم أحظُّ الطوائف بالنصوص الشرعية، وبالمقابل فإن هذا الموضوع يبين أن أهل الباطل هم أعظم الناس إفلاساً من النصوص، بل ومن المعقولات أيضاً.
стр. 7
٧ - إظهار مزايا مذهب السلف وخصائصهم السنية، بعد أن خلط كثير من الناس بين منهج الحق والباطل، فوقع منهم الانحراف في أبواب العقائد بتأثرها بمناهج أهل البدع الدخيلة.
٨ - ما وجدته من أهمية كبيرة لهذا الموضوع، والفائدة العائدة منه للإسلام والمسلمين -بإذن الله تعالى-.
٩ - الرد على البدعتين المتقابلتين من آية واحدة، فيه تجلية لأسلوب من أساليب إعجاز هذا القرآن وعظمته؛ لأن فيه لفت الأنظار بذكر الموازنة بين البدع المتقابلة، وإثبات عدم المساواة بينهما، إلى الأخذ بالقلوب نحو الاختيار النافع والصالح، وترك ما سواه، ووقد يبين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في طيات كلامه، بأن هذا النوع من الرد يحتاج إلى تدبر وتأمل (١).
١٠ - تنمية الملكة العقدية في الاستنباط من القرآن والاستدلال به في النوازل العقدية.
١١ - أن البدعة إذا لم تُنكر، ذاعت وانتشرت في الأمة، فشب عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، وربما تعذر قلعها من النفوس.
١٢ - أن الكتابة في هذا الموضوع تجمع -في آن واحد-بين طريقتي السلف المشهورتين في التصنيف في الاعتقاد: (تقرير الاعتقاد، والرد على المخالف).
وهكذا أصبحت الكتابة عن هذا الموضوع (البدع المتقابلة) على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ضرورية لكبح جماح الغالين ودفع تفريط المقصرين.
مصادر البحث:
القرآن الكريم وصحيح السنة، وكتب العقيدة، والتفسير، وشروح الحديث، واللغة، والردود على أصحاب البدع، والمذاهب والفرق المعاصرة، وكتب التاريخ، وكتب أهل البدع، وغيرها.
الدراسات السابقة:
стр. 8
بعد البحث (١) لم أقف على دراسة مفردة متخصصة تتناول هذا الموضوع، إلا أنه قد يظن أن فيه تكراراً لما جاء في الرسائل المؤلفة في باب الوسطية، وهذه الرسالة تختلف عن تلك الرسائل من عدة وجوه:
١ - كُتب الوسطية تُعنى بذكر الوسطية العامة لأهل الحق بين أهل الباطل، ولا يكون
فيها التركيز على ذكر البدع المتقابلة إلا بطريق الالتزام البعيد.
٢ - أن مقصود هذه الرسالة هو لفت الأنظار إلى الرد على البدع المتقابلة في المقام الأول، وتكون الوسطية هي ثمرة ونتيجة من نتائج هذا البحث.
٣ - أن الرسائل في باب الوسطية تُعنى كثيراً بالألفاظ المرادفة للوسطية دون التركيز على بقية الألفاظ التي تتضمَّن الرد على المخالفين من طريقين متقابلين.
٤ - أن أكثر الآيات التي هي موطن الدراسة لم تذكر في باب الوسطية ولم يشر إليها.
كما يتميز هذا البحث عن الرسائل المكتوبة في باب البدع العامة، أن تلك البحوث تتناول البدع بشكل عام بغض النظر عن كونها متقابلة مع بدعة أخرى، ويستدل عليها بأدلة رادة لكل بدعة على حده، دون التركيز على النصوص التي جمعت الرد على طرفي نقيض في موطن واحد، ليظهر من خلال ذلك الصراط المستقيم، ما يبين لنا معه إعجاز هذا القرآن وعظمته في رد البدع والدلالة على الحق.
منهج البحث:
أولاً: سأتبع -إن شاء الله تعالى- المناهج التالية:
١ - المنهج الاستقرائي: ويظهر في تتبع واستقراء الآيات التي فيها الرد على البدع المتقابلة، مع توظيف القواعد والضوابط العلمية في الفهم والاستنباط والترجيح، واستقراء كتب الاعتقاد وعموم المصادر.
٢ - المنهج التاريخي: ويظهر في تتبع ظاهرة البدع المتقابلة من بداية ظهورها حتى تحولها إلى تيارات فكرية وفرق مختلفة.
٣ - المنهج التحليلي: ويتمثل بتحليل البدع المتقابلة إلى أسسها الفلسفية والكلامية.
стр. 9
٤ - المنهج النقدي: وذلك بالدراسة النقدية للبدع التي حادت عن منهج الوسطية إما إلى إفراط أو إلى تفريط.
ثانياً: التزام خطوات البحث العلمي المنهجي المنصوص عليها في لوائح الدراسات العليا وهي:
١ - عزو الآيات إلى سورها، مع ذكر رقم الآية فيها، وجعلت ذلك في متن البحث، خشية الإطالة بذكرها في الحاشية.
٢ - تخريج الأحاديث، وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما، فإن كانت فيهما أو في أحدهما، فسأكتفي بذلك؛ لأن المقصود ثبوت الحديث.
٣ - عزو الآثار إلى مصادرها الأصلية، قدر الإمكان.
٤ - التعليق على بعض ما يحتاج إلى تعليق.
٥ - التعريف بالكلمات الغريبة.
٦ - توثيق الأقوال المنسوبة إلى أهل العلم (١).
٧ - ترجمة الأعلام غير المشهورين ترجمة مختصرة.
٨ - التعريف بالملل والنحل والفرق والطوائف الواردة في البحث.
٩ - إتباع البحث بالفهارس المتعارف عليها.
١٠ - تأخير ذكر بيانات المصادر إلى فهرسها، خشية الإطالة بذكرها.
ثالثاً: تقسيم المادة العلمية المستخرجة بحسب المسائل التي تندرج تحتها من أبواب العقيدة المعروفة، على ترتيب حديث جبريل ﵇.
رابعاً: اعتنيت بإبراز الرد على البدع المتقابلة، التي عُني القرآن بذكرها، ولا أزعم أنِّني أتيت على ذكر كل البدع التي جاء لها ذكرٌ أو إشارةٌ في القرآن، فإنَّ هذا ما لا يحيط به بحث محدود.
خامساً: الأصل هو اشتمال الآية الواحدة على رد البدعتين لا ورود الرد في آيتين منفصلتين، إلا إذا اقتضى السياق والمعنى أكثر من آية متتابعة، ويكون هذا نادراً في البحث.
стр. 10
سادساً: الآيات الرادة قسمتها إلى نوعين: نوع درسته دراسةً تحليلية وقد انتقيت فيه ثلاث آيات فقط للدراسة التحليلية -خشية الإثقال على كاهل الرسالة؛ ولأن أقل الجمع ثلاثة-، ونوع آخر تناولته بالدراسة الإجمالية وسرت فيه على حصر ما وجدته من آيات رادة في بابها، مع بيان موطن الرد؛ لأن المراد هو بيان رد الآيات، وليس المقصود تقصي كل ذلك؛ لأن القرآن بحر لا ساحل له.
سابعاً: المدة المعنية بالبحث والدراسة لا تقف عند مدة زمنية بعينها بل تمتد من بداية ظهور البدع المتقابلة إلى عصرنا الحاضر، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة تتطلب جهداً مضاعفاً وعملاً متواصلاً، ومع هذا فلا أزعم أنِّني أتيت على ذكر كل البدع، فإنَّ هذا مما لا يحيط به بحث محدود.
ثامناً: أنبه إلى أن القارئ سيلحظ تداخلاً في بعض الأبواب، ولا غرو فإن البحث لا بد أن يكون متداخلَ الأسباب متواشجَ الأنساب، فليس من فصول هذا الكتاب فصلٌ إلا وقد يدخله نتف من فصول أُخَرَ على قدر ما بينهما من سبب وانتساب، وإني لأرجو أن تعم بذلك جدواه، وينكشف مغزاه، ويكون القارئ به أشد انتفاعاً.
صعوبات البحث:
بداية أحمد الله وأشكره؛ الذي وفق وأعان على إتمام هذا البحث وإكماله، وكما جرت العادة أن تُذكر بعض العوائق أو العقبات أثناء إعداد مثل هذه البحوث، وكان من أبرز تلك العقبات ما يلي:
١ - لم أجد أحدا تكلم عن الموضوع من المتقدمين أو المتأخرين في تأليف مستقل حتى أستأنس بكلامه وتقريراته؛ إلا كلاماً متناثراً قليلا له علاقة ببعض جزئيات البحث.
٢ - طول البحث وتشعب المباحث التفصيلية فيه؛ مما جعل المهمة صعبة في إتمام الرسالة في وقت مبكر.
٣ - ندرة المراجع التي تتكلم عن الموضوع؛ مما دفعني إلى جرد المطولات من كتب التفسير والتراجم والطبقات والسير وكتب الاعتقاد والفرق.
٤ - تناول هذا البحث "البدع المتقابلة" عند عامة المدارس الفكرية المخالفة، حيث درست أدلة المدارس الكلامية، كالمعتزلة ومن تبعهم من الزيدية ونحوهم، وكذا الأشاعرة والماتريدية. كما
стр. 11
تناولت دراسة المدارس الصوفية، وخصوصاً الغالية منها، كأهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وكذلك شملت دراسة المدارس الفلسفية. ولا شك أن لكل مدرسة من هذه المدارس مصنفاتها العميقة، ولغتها الخاصة، وطريقتها المتميزة، والتي تستلزم ممن أراد نقدها جهداً كبيراً، ووقتاً مديداً في اكتساب آلتها، وتتبع كتبها، وتأمل كلامها، وفك مصطلحاتها ورموزها، والوقوف مع أدلتها، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة تتطلب جهداً مضاعفاً وعملاً متواصلاً.
٥ - من المعلوم أن رد الأدلة هو آخر مرحلة يتطرق إليها الباحث في كافة العلوم، ذلك أن رد الدليل مبني على دراسة الدليل، ودراسة الدليل فرع عن بيان قول المستدل به وشرحه، وذلك مبني على بيان أصل المسألة وشرحها، وهذا الأمر فيه مشقة على الباحث، خاصة وأن هذه الرسالة مختصة بالرد على أدلة المخالفين بطريقة من أدق أنواع الرد والنقض، الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد ومن خلال آية واحدة.
٦ - ليس هدف الرسالة العلمية هدم الآراء الخاطئة، بقدر ما هو بناء الآراء الصحيحة، وهذا يتطلب معرفة الأسباب والدوافع التي أدت إلى القول بهذا القول المبتدع لتجنبها، وهذا يحتاج إلى بحث وتنقيب واستقراء.
والحمد لله أولا وآخراً.
تبويب البحث:
وقد كان السير في هذه الدراسة وفق التبويب التالي:
المقدمة:
وتشتمل على: ذكر أسباب اختيار الموضوع وأهميته، والأهداف المنشودة منه، والدراسات السابقة، ومصادر البحث، والمنهج المتبع فيه، وصعوباته، وتبويبه.
تمهيد، وفيه أربعة مباحث:
- المبحث الأول: التعريفات بمفردات البحث.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف "الآيات".
стр. 12
المطلب الثاني: تعريف "التقابل" في اللغة والاصطلاح.
المطلب الثالث: تعريف "البدع المتقابلة".
المبحث الثاني: نشأة البدع المتقابلة، ومناهج العلماء في الرد عليها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تاريخ نشأة البدع المتقابلة، وأسباب ظهورها.
المطلب الثاني: عناية العلماء بالرد على أهل البدع ومناهجهم في ذلك.
المبحث الثالث: آثار البدع المتقابلة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الفتنة في الدين وفساد التصورات العقلية.
المطلب الثاني: الإفساد في الأرض.
المبحث الرابع: مكانة القرآن الكريم، والاحتجاج به عند أهل السنة ومخالفيهم.
الباب الأول: دلالة الآيات -الرادَّة على البدع المتقابلة- على معنى الوسطية.
وفيه تمهيد وفصلان:
اشتمل التمهيد على تعريف الوسطية، لغة وشرعاً، مع تحديد معيار الوسطية.
- الفصل الأول: الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الدالة على الوسطية.
المبحث الثاني: معالم الوسطية ومظاهرها.
- الفصل الثاني: الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
اشتمل التمهيد على تعريف الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.
المبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلوّ والجفاء.
المبحث الثاني: معالم الغلو والجفاء وحدوده ومظاهره.
المبحث الثالث: الاتجاهات المغالية.
стр. 13
الباب الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في باب الإيمان بالله ومسائل الإيمان.
وفيه أربعة فصول:
- الفصل الأول: الآيات الواردة في توحيد الربوبية.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الربوبية.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الربوبية.
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الربوبية.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الربوبية.
ويشمل بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط، والإفراط، وذكر المأخذ الذي انطلقت منه هاتان البدعتان، مع توضيح أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.
- الفصل الثاني: الآيات الواردة في توحيد الألوهية.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الألوهية
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة توحيد الألوهية.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.
- الفصل الثالث: الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.
стр. 14
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في أسماء الله وصفاته.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.
- الفصل الرابع: الآيات الواردة في مسائل الإيمان.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الإيمان.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.
الباب الثالث: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في بقية أركان الإيمان:
وفيه خمسة فصول:
- الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الملائكة.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع في الإيمان بالملائكة.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالملائكة.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان بالملائكة.
- الفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الكتب.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع في الإيمان بالكتب.
стр. 15
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان بالكتب.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان بالكتب.
- الفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.
وفيه تمهيد ومبحثان:
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان بالرسل.
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان الرسل.
- الفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف اليوم الآخر.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة فيما جاء في الحياة الآخرة.
- الفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف القدر.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.
الخاتمة. (وفيها أهم نتائج البحث)
الفهارس: فهرس الآيات القرآنية، وفهرس الأحاديث النبوية، وفهرس الآثار، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
هذا وأحمد الله -جل وعلا- على ما مَنّ به عليّ من إتمام هذا البحث، وأشكر له فضله وإنعامه، فله الحمد أولاً وآخراً، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وأسأله أن يجعله خالصاً لوجهه، نافعاً لي يوم العرض عليه، فلقد بذلت جهدي في تجلية مسائله وتوثيقها وبيان الحق
стр. 16
فيها، وأخذ ذلك مني وقتا طويلاً، ورغم ذلك فإني لا أدعي أني أوفيت الموضوع حقه، ولا أني أصبت في كل ما قلت وقصدت، ولا أني أبدعت فيما سطرت، إذ النقص والخطأ من طبيعة البشر، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، ولكن حسبي أني بذلت فيه وسعي، فما كان فيه من صواب فمن الله تعالى وله الحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي وأستغفر الله منه، ورحم الله من رأى فيه خطأ أو خللاً فأرشدني إلى صوابه وإصلاحه.
كما أن الكتاب بصرف النظر عن شكله ومضمونه، نادراً ما يكون نتاجاً فردياً بحتاً، صحيح أن الغلاف قد لا يتسع لأسماء أخرى غير اسم الكاتب، وصحيح أن الكاتب يتحمل بمفرده المسؤولية الكاملة عن مضمون كتابه، لكن ذلك لا يقلل قط من أهمية المساهمة المباشرة أو غير المباشرة التي قدمها الآخرون، إلى أولئك الآخرين أتوجه هنا بكلمة شكر نابعة من القلب، فيطيب لي أن أشكر- بعد شكر الله وحمده- الجامعة الإسلامية، ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين بالمدينة المنورة، وعلى رأسها عميد الكلية، وأشكر قسم العقيدة رئيساً وأعضاءً، على تعاونهم الكبير، وأشكر جامعة الملك خالد على إتاحة هذه الفرصة العلمية لمواصلة البحث والدراسة في مرحلة الدكتوراه.
كما أتقدم بالشكر الوافر، والعرفان الجميل لفضيلة المشرف على اهتمامه وحرصه، ولا يفوتني أن أوصل الشكر لكل من ساعدني وأعانني في بحثي من مشايخي وزملائي، بفائدة علمية أو إعارة كتاب والمقام يضيق عن ذكرهم فأسأل الكريم أن يعظم لهم الأجر والثواب.
كما أتوجه بالشكر الجزيل للشيخين الفاضلين، والأستاذين الكريمين، اللذين تجشما عناء قراءة هذا البحث لمناقشته، وبذلا جهداً في تصحيحه وتقويمه، مع كثرة مشاغلهما وضيق وقتهما، فجزاهما الله عني خيراً، وزادهم الله توفيقاً وسداداً وهدى وعلماً.
وبعد فهذا الجهد مبلغ وسعي، فأرجو أن يصادف هذا العمل منكم القبول، وأن يقع منكم الإغضاء عما فيه من الغفلة والذهول.
وأسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن وأن يحفظنا من فتنة القول والعمل. إنه على كل شيء قدير .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 17
كتبه
أحمد بن علي بن محمد الزاملي عسيري
وهذا أوان الشروع في المقصود، فيا رب يسر وأعن يا كريم.
стр. 18
التمهيد
وفيه أربعة مباحث
стр. 19
المبحث الأول التعريفات بمفردات البحث .
وفيه ثلاثة مطالب:
إن فهم مصطلحات البحث هو مفتاح فهم مرامي الباحث ومقاصده؛ لأن تلك المصطلحات -في الغالب- ألفاظ جامعة ينبني عليها كثير من مسائل البحث وموضوعاته، والوعي بمفاهيمها يعدُ مدخلاً أساسياً لتضييق دائرة الخلاف، أو إزالته، فأحكام الناس على الأفكار أو على الأشخاص عائدة إلى التصور، وفي المأثور من أقوال أسلافنا الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وفيما يلي التعريف بمفردات البحث:
المطلب الأول: تعريف "الآيات ".
تعريف الآيات في اللغة (١): الآيات جمع آية (٢)، والآية: أصلها من أيي بياءين، فقلبت عينها ألفا، فأصبحت آية، وقيل: إنها من أوي، من قوله: أوى إليه، ويرى الراغب الأصفهاني (٣) أن الصحيح أنها مشتقة من التأيي (٤) الذي هو التثبيت والإقامة على الشيء (٥).
والآية تطلق ويراد بها معان عدة:
فمنها العلامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البقرة: ٢٤٨.
والآية كذلك العبرة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ يوسف: ٧، أي أمور وعبر مختلفة.
стр. 20
وتطلق الآية على المعجزة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ المؤمنون: ٥٠.
ويراد بها الجماعة: يقال: خرج القوم بآيتهم أي: بجماعاتهم.
وآيات الله أي: عجائبه: وهي الآيات الكونية والدلائل، المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ الجاثية: ٤، وقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ فصلت: ٥٣.
والآية: من آيات القرآن العزيز المتلوة، وسميت بذلك؛ لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويفضي منها إلى غيرها، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها جماعة من الحروف (١)؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ آل عمران: ١١٣، وقوله سبحانه: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ الزمر: ٧١.
وهذا المعنى هو المقصود في هذا البحث.
تعريف الآيات القرآنية اصطلاحا:
تعددت تعاريف الآيات في الاصطلاح، ومن هذه التعاريف:
أن الآية: هي الواحدة من المعدودات في السور; سميت به؛ لأنها علامة على صدق من أتى بها، وعلى عجز المتحدى بها (٢).
وقال بعضهم: الآية طائفة حروف من القرآن، علم بالتوقيف انقطاعها عن الكلام الذي قبلها والذي بعدها (٣). إلا أن المختار (٤) أن يقال: الآيات جمع آية: وهي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها (٥) معروفة بالسماع، مندرجة في السورة (٦).
стр. 21
المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
"المناسبة ظاهرة؛ لأن الآية علامة على نفسها بانفصالها عما قبلها وما بعدها؛ أو لأن فيها عبرا ودلائل لمن أراد أن يتذكر، أو لأنها بانضمامها إلى غيرها تكون معجزة دالة على صدق الرسول ﷺ " (١).
стр. 22
المطلب الثاني: تعريف البدع:
لغة:
البدعة في اللغة مصدر (بَدَعَ)، ولها إطلاقات منها: البدء، والإنشاء، والإحداث، والاختراع، والخلق، والانقطاع (١).
وهذه الإطلاقات ترجع جميعاً إلى أصل مادة "بدع": وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه: قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ البقرة: ١١٧، أي: مخترعها من غير مثال سابق متقدم.
قال ابن فارس ﵀ (٢): "الباء والداء والعين" أصلان لشيئين:
أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق.
الثاني: الانقطاع والكلال -كقولهم: أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت (٣).
وفي الحقيقة أن هذا المعنى داخل في المعنى الأول لم يخرج عنه، وإلى ذلك أشار ابن الأثير (٤)
حيث قال: "يقال: أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظلع، كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا، أي: إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها" (٥)، كما نص
стр. 23
على ذلك أيضا ابن منظور (١) في اللسان (٢).
فظهر بهذا أن هذا المعنى لم يخرج عن المعنى الأول لكلمة (بدع) وأنها إنما تطلق على الشيء المخترع المحدث أو الطارئ بعد أن لم يكن، لا غير (٣).
بهذا الاستعراض الموجز لهذه المادة يتضح أن مادة (بدع) تعني الاختراع وهو: المحدث مطلقاً عادة أو عبادة أو غيرها؛ لأنها اسم من الابتداع.
تعريف البدعة في الشرع:
عرف عدد من العلماء البدعة في الشرع بتعريفات كثيرة، وهذه التعريفات وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ، أدى إلى تفاوتها في استيفاء جزئيات التعريف كاملة، إلا أن مضمونها في الجملة واحد (٤).
ومن أهم هذه التعريفات:
١ - تعريف الإمام النووي (٥): " البدعة في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ " (٦).
стр. 24
٢ - تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ للبدعة بقوله: "البدعة في الدين: هي مالم يشرعه الله ورسوله، وهو مالم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب" (١).
٣ - تعريف الشاطبي (٢) للبدعة، بأنها: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (٣).
٤ - تعريف ابن رجب (٤): للبدعة، قال: "والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة" (٥).
٥ - تعريف السيوطي (٦): "البدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان" (٧).
وبتأمل هذه التعريفات تظهر المعالم الرئيسة لحد البدعة الشرعية، والتي يمكن إبرازها في النقاط التالية:
١ - أن البدعة إحداث في الدين وزيادة على المشروع، فيخرج بذلك ما أحدث في أمور الدنيا من أجل تحقيق مصالح دنيوية.
стр. 25
٢ - أن البدعة ليس لها أصل في الشرع يدل عليها، أما ما دلت عليه قواعد الشريعة فليس ببدعة (١)، وإن لم ينص الشارع على عينه، ومثال ذلك من واقعنا المعاصر: من صنع آلة حربية كطائرة أو صاروخ، أو دبابة، أو غيرها من وسائل الحرب الحديثة قاصدا بذلك الاستعداد لقتال الكفار، والذب عن المسلمين، ففعله هذا ليس بدعة، مع أن الشرع لم ينص على عينه، ولم يستخدم الرسول ﷺ مثل هذه الآلات في قتال الكفار، لكن صناعة مثل هذه الآلات داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الأنفال: ٦٠، وهكذا بقية الأفعال، فكل ما له أصل في الشرع فهو من الشرع وليس ببدعة.
٣ - أن البدعة كلها مذمومة فلا توجد بدعة حسنة كما يزعم محسنو البدع؛ لأن البدع مصادمة للشريعة مضادة لها، فهي مذمومة على كل حال، وقد أبرزت كل التعريفات هذا الجانب المهم (٢).
٤ - البدعة في الدين قد تكون بالنقص فيه كما تكون بالزيادة فيه (٣)، نص على هذا السيوطي، غير أنه يحتاج إلى تقييد بأن يكون الباعث على النقص هو التدين، أما إذا كان الباعث عليه غير التدين فليس ببدعة كترك أمر واجب لغير عذر فإنه معصية لا بدعة، وكذلك ترك شيء من النوافل لا يعد بدعة.
هذا أهم ما اشتملت عليه التعريفات السابقة للبدعة من أحكام، وقد ظهر من خلالها تحديد مفهوم البدعة في الشرع، واتضحت الضوابط الصحيحة لتعريفها (٤).
كما أن (البدعة) تستعمل في الخير والشر، إلا أنها أكثر ما تستعمل عرفا في الذم.
стр. 26
كما نص على ذلك ابن الأثير في النهاية (١)، وكما بين ذلك السفاريني (٢) في لوائح الأنوار، بقوله: " وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ، ومثله المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم. وأما من حيث أصل الاشتقاق فإنه يقال ذلك في المدح والذم؛ لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سابق، ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالاً ما هو إلا بدعة، فإن قلت: المحدثات منقسمة إلى بدعة مستحسنة وإلى بدعة مستقبحة، فالأمر كذلك، ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع والمجاز، وإلا فالبدع المراد بها: ما خالف المشروع، وتعدى به إلى الممنوع ... " (٣).
ويمكن مما سبق تحديد معنى البدعة في الشرع بأنها ما جمع القيود السابقة، ولعل التعريف الجامع لهذه القيود أن يقال: البدعة هي: ما أحدث في دين الله، بقصد التعبد، من غير دليل معتبر شرعاً -والله أعلم-.
ومن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة، فالبدعة في اللغة أعم منها في الشرع (٤) كما يظهر من خلال التعريفين اللغوي والشرعي للبدعة.
стр. 27
المطلب الثالث: تعريف "التقابل" في اللغة والاصطلاح .
التقابل لغة:
كلمة (تقابل) أخذت معاني لغوية مختلفة منها: التلقاء، والمواجهة، والضم. والذي يعنينا في هذا البحث، معنى (المواجهة).
يقول ابن فارس ﵀: "القاف والباء واللام أصل واحد صحيح تدل كلِمهُ كلُّها على مواجهة الشيء للشيء ... والقِبلةُ سُمِّيت قِبلةً لإقبال النَّاس عليها في صلاتهم، وهي مُقْبِلةٌ عليهم أيضاً. ويقال: فَعَل ذلك قِبَلاً، أي: مُواجَهَة " (١).
والمقابلة والتقابل في اللغة واحد، يقول الجوهري ﵀ (٢): "المقابلة: المواجهة والتقابل مثله" (٣).
ويقول ابن منظور ﵀: "المقابلة: المواجهة، والتقابل مثله. وهو قبالك وقبالتك أي: تجاهك" (٤).
وتقابل القوم: استقبل بعضهم بعضا، وقوله تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ الحجر: ٤٧، جاء في التفسير: "أنه لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض" (٥). وأقبله الشيء: قابله به (٦).
يتضح مما تقدم أن معنى التقابل في اللغة المواجهة التي تتم بين شيئين.
стр. 28
وأما المعنى الاصطلاحي للتقابل:
فهو لا يبتعد كثيراً عن المعطيات اللغوية لمفردة "التقابل" السابقة .. فاصطلاحاً:
يقال التقابل هو: المواجهة بين شيئين على سبيل التدافع والتمانع.
ويقال: هو كون شيئين في طرفين معينين يقتضي أحدهما وجود الآخر (١).
وقيل: المتقابلان: شيئان يمتنع تعلقهما معاً بموضوع واحد ينسبان إليه من جهة واحدة، ويعقل أو يوجد أحدهما بإزاء الآخر أو في غاية البعد من الآخر (٢).
وقيل: التقابل هو امتناع اجتماع شيئين في موضوع واحد من جهة واحدة (٣).
وبالنظر إلى ما سبق نخلص إلى التعريف المختار للتقابل بأنه:
عملية استدلالية تقوم على أساس المواجهة بين فكرة أو رأي في مواجهة فكرة أو رأي آخر، بحيث يمتنع اجتماعهما في موضوع واحد من جهة واحدة.
والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: أن الدليل المعارض لدليل آخر كأنه يقف في الناحية المقابلة للناحية التي يقف فيها الدليل الآخر. أو أن كلا منهما يقف في عرض الآخر.
وهذا هو تعريف (التقابل) من حيث الأصل، وإن كان قد توسع في معناه، بحيث يكون في غير المتضادين (٤)، فثمة تفصيلات وتفريعات أخر (للتقابل)، آثرت إطراحها خشية الإطالة، والبعد عن المقصود، مما لا يخدم هذا البحث.
стр. 29
المطلب الرابع: تعريف "البدع المتقابلة ".
سيكون بحثنا هنا في المسائل العقدية، وفي باب منها هو: باب البدع، فبناء على ما سبق (١): يكون اختيار التعريف المناسب لهذا اللفظ المركب "البدع المتقابلة"، أنها: (تقابل من جهة الاستدلال العقدي على سبيل الممانعة الصورية لدى المبتدعة ينتج عنه الإفراط والتفريط)؛ لأن تعريفها بهذه الطريقة فيه حصر -والله أعلم-؛ والآتي شرح للتعريف:
فقول: (تقابل) جنس في التعريف يدخل فيه كل تقابل لأي شيئين أو أكثر.
وقول: (الاستدلال): قيد يبين أن التقابل إنما يكون بين الدليلين (٢) وعمومه يشمل القطعي والظني من الأدلة. وكذلك التقابل في طريقة الاستدلال العقلي.
وقول: (العقدي): قيد يبين أن التقابل إنما يكون في المسائل العقدية فيخرج به التعارض بين غير العقدية.
وقول: (على سبيل الممانعة) أي أن التقابل بين المسائل العقدية إنما يكون على وجه مخالفة أحدهما للآخر. والتقابل يلزم منه التدافع والتمانع؛ لأن الدليلين إذا تقابلا على محل واحد في وقت واحد وأحدهما ينفي ما يثبته الآخر فإنه يلزم من ذلك أن يدفع كل منهما الآخر، ويمنعه فيتدافعان ويتمانعان بعد تقابلهما فيكون التدافع والتمانع لازمان للتقابل (٣).
وقول: (الصورية لدى المبتدعة) أي: من وجهة نظر المجتهد؛ لأنه لا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة الصحيحة عند أهل السنة والجماعة، بل يوجد عند المخالفين لهم ممن نحى منحى الإفراط أو التفريط.
أما قول: (ما ينتج الإفراط والتفريط) أي: ينتج عن الخروج عن المنهج الحق الإفراط في أمر ما: وهو تجاوز الحد فيه، أو التفريط فيه: وهو التقصير به عن رتبته التي هي له (٤).
стр. 30
أما لفظة "البدع المتقابلة ":
فإنها لم تكن مشهورة في القرون الماضية، وإنما اشتهر التكلم بها بعد ذلك وقد نقل التكلم بها عن غير واحد من الأئمة والشيوخ (١)، وإن كان حقيقة هذا اللفظ المركب جديدة إلا أن معناها معروف في اللغة العربية، كما سبق بيانه، وفي كتب العقائد.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن الانحراف في باب صفات الرب وتنزيهه -جل وعلا- قد تقاسمه أهل التعطيل، وأهل التمثيل، والانحراف في باب الإيمان وقع من طرفي: الغلو في تكفير أصحاب الكبائر، والتفريط من المرجئة في إخراج العمل من مسمى الإيمان، كما وقع الانحراف على هذا النحو في باب القدر، وباب الصحابة، وغيرها من أبواب الاعتقاد، كذلك وقع الانحراف في الأمة في النظر العقلي من جانبين، أهل الإفراط والإغراق في العقليات، من أهل الكلام ومن تأثر بهم، وأهل التفريط والتقصير في هذا الباب، من الصوفية وأهل التقليد، وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض المنتسبين إلى السنة والحديث (٢).
قال ابن القيم ﵀: "فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار العدول؛ لتوسطها بين الطرفين المذمومين،
والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها" (٣).
وقال ابن أبي العز: " فصار هؤلاء ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الأنعام: ١٥٩، يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة! وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات، حتى وقعوا في التشبيه! وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على
стр. 31
ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرأوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى! فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم، نفيا وإثباتا" (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "فلعسر الفرق والتمييز، يميل قوم إلى زيادة في الإثبات، وآخرون إلى زيادة في النفي العام، ولهذا كان مذهب الإمام أحمد والأئمة الكبار: النهي عن الإثبات العام والنفي العام، بل إما الإمساك عنهما، وهو الأصلح للعموم، وهو جمل الاعتقاد، وأما التفصيل المحقق فهو لذي العلم من أهل الإيمان، كما أن الأول لعموم أهل الإيمان" (٢).
وقال أيضاً: " هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن السنة والجماعة" (٣).
لذلك جاءت الأساليب القرآنية بلفت الأنظار بذكر الموازنة بين الضدين، وإثبات عدم المساواة بينهما لتأخذ بالقلوب نحو اختيار النافع والصالح، وترك ما سواه، كما أن للقرآن الكريم أساليب متعددة في توجيه أولي الألباب إلى المفاضلة بين الضدين وعدم المساواة بينهما (٤)، ولفظة البدع المتقابلة سيتناولها هذا البحث، من جهة المقابلة في المعنى (٥) دون اللفظ.
وقد أوضح ابن الأثير ﵀ بخصوص (التقابل المعنوي)، بقوله: "واعلم أن في تقابل المعاني باباً عجيب الأمر، يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة نظر وتدبر" (٦).
стр. 32
وهذا هو التقابل الذي سيتناوله البحث بحول الله وقوته، مع البدع الواردة في آيات القرآن الكريم.
стр. 33
المبحث الثاني نشأة البدع المتقابلة، ومناهج العلماء في الرد عليها .
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تاريخ نشأة البدع المتقابلة، وأسباب ظهورها .
أولا: تاريخ نشأة البدع المتقابلة:
لسنا بصدد الحديث عن نشأة كل فرقة على حدة، ولكن لا بد من الحديث إجمالاً عن نشأة البدع المتقابلة وتطورها.
وذلك أن نمو الأفكار والعقائد يعتريه من التداخل والتركيب والامتزاج، وردود الأفعال والتأثرات النفسية والتقلبات الفكرية، ما يجعله مختلطاً على كثير من الناس.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن: " البدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولاً ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة" (١)، ويقول أيضاً: " فإن البدع إنما يظهر منها أولاً فأولا الأخف فالأخف، كما حدث في آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة، ثم في آخر عصر الصحبة بدعة المرجئة والقدرية، ثم في آخر عصر التابعين وانقراض أكابر التابعين ظهرت بدعة الجهمية معطلة الصفات" (٢) "ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين، فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى ... ثم لما عُرِّبت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم، وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع" (٣).
стр. 34
"ومما يجدر التنبه له أن الفرق بعد القرن الثالث اختلطت أصولها وتلاقحت، فأصبحت بقايا الخوارج أقرب للمعتزلة مع التزام أصولها الأولى، والرافضة سلكت سبيل المعتزلة (١) والجهمية في الكلاميات مع التزامها أصولها الأولى، والأشاعرة والماتريدية أخذت بكثير من أصول الجهمية والمعتزلة، والتجهم والاعتزال اندمج في أصول المتكلمين الأشاعرة، والتصوف اختلط بالفلسفة والاتجاهات الباطنية، وهكذا" (٢).
"أما من القرن الخامس وما بعده فقد تلاشت الفروق بين الفرق، واندمج كثير من أصول بعضها في أصول البعض الآخر، وصارت أعلام الفرق وراياتها تندرج تحت شعارات: الصوفية، والفلاسفة، والباطنية، والرافضة، وأهل الكلام. ثم ظهرت الشعارات الحديثة كالقوميات، والحزبيات والطائفية، والشعوبية، والعلمنة، والحداثة، والاتجاهات الفكرية، والأدبية والثقافية والسياسية، والفنية ... وكلها تدور في فلك أصول الأهواء القديمة، وتزيد عليها ضلالات المناهج الغربية الحديثة وانحرافاتها وكفرياتها" (٣).
ومن المهم أن نعلم أنه وعلى امتداد الثلاثة القرون المفضلة لم يكن أصحاب البدع إلا مستنقعات جانبية على ضفتي تيار الإسلام الضخم، ولم يكن فيها أحد من أئمة الإسلام المتبوعين ورجاله المعدودين قط (٤)، يقول ابن تيمية ﵀ في تأكيد هذه الحقيقة - وهو من المهتمين بتاريخ الافتراق في الأمة كما يظهر من كتبه-: " الصحابة لم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام لا في الصفات ولا في القدر ولا في مسائل الأسماء والأحكام ولا في الإمامة" (٥).
ومن المعلوم أن البدع التي نشأت في الأمة الإسلامية لم تظهر دفعة واحدة، ولا في زمن واحد، بل ظهرت في أزمنة مختلفة، وفي أماكن متباعدة، فقد مرت البدع المتقابلة منذ فجر الإسلام بمراحل؛ فقد ظهرت المحكمة الأولى من الخوارج، وهي أول الفرق ظهوراً، في زمن علي ﵁ وقد استفحل خطرهم، حيث أخرجوا من دائرة الدين كل من ارتكب كبيرة من
стр. 35
الكبائر، وخرجوا على إمام المسلمين وجماعتهم واستحلوا قتالهم، فقام علي ﵁ ومن معه من الصحابة فحاربوا هذا الفكر الهدام.
وبينما انشغل المسلمون بهذه المصيبة ظهرت بدعة مقابلة لفكر الخوارج وهي التشيع، والذي تولى كبرها: "عبدالله بن سبأ اليهودي"، فقال بعصمة علي بن أبي طالب ﵁ وآل البيت، بل تعدى ذلك إلى تأليهه، وسب الصحابة علنا، فتصدى لهذه الظاهرة علي ﵁ وقمعها فظلت مغمورة.
فكانت هذه الحادثة هي بداية ظهور البدع المتقابلة .. هذا باعتبار نسبة البدع إلى فِرقِها المناصرين لها، أما باعتبار ظهور بذور البدعة فسيختلف زمن الظهور؛ لأن إرهاصات البدع المتقابلة وبذورها نشأت مصاحبة لعهد النبوة، فقد خرج من يَتَقال عمل النبي ﷺ ((فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم لا أفطر ... )) (١)، فكانوا في طرف الجفاة، وفي مقابلهم خرج من يطرون النبي ﷺ فوق منزلته: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)) (٢)، فكانوا في الطرف الآخر للغلاة.
وهذه النزعات كانت فردية ساذجة في الغالب، أو من أناس ليسوا من الأمة: كالنصارى واليهود والمنافقين، وليست جماعية، وليس لها أتباع ورؤوس، عدا الفتنة (السبئية) على عثمان ﵁ (٣) فإنها كانت مبيتة فيما يظهر، ولها زعماء وجمهور من الرعاع والغوغائية، وتمخضت عنها أول الفرق (الشيعة والخوارج) (٤).
وبما أن آيات القرآن الرادة على البدع المتقابلة كانت في العهد النبوي فربما يكون هذا دليلاً على أنها كانت قديمة بقدم ما يتحدث عنه القرآن الكريم، مع العلم أنه لم يقع
стр. 36
فرقة أو اختلاف في حياته ﷺ ؛ لأنه بين أظهرهم والوحي يتنزل عليه، فلا مجال للفرقة، ولا مرتع للبدعة (١).
وعلى كل حال فإن ما يهمنا هو ظهور البدع المتقابلة بشكلها الواضح الذي يتشكل فيه الأتباع والرؤساء؛ لأنها أحدثت فتننا مفرقة للأمة؛ فلا تزال الفتن تتوالى على مر العصور، والمعركة محتدمة بين الحق والباطل ونار الأهواء تضطرم وتتفاقم فكثرت البدع في الأمة وفشت، وتزايدت الفرق وكثرت حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق ﷺ : ((وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) (٢)(٣).
وقد تميزت كل الفرق بالإفراط أو التفريط، بالغلو أو التقصير، وبالتباين والتناقض فيما بينها. فإن أصول الفرق متعاكسة تماماً، وبيان ذلك:
١ - التكفير (ويقابله الإرجاء)، ومنه نتجت: مذاهب الخوارج قديماً وحديثاً.
٢ - الإرجاء (ويقابله التكفير)، ومنه نتجت: مرجئة الجهمية، ومرجئة الفقهاء، ومرجئة الأشاعرة، والماتريدية.
٣ - التشيع (ويقابله النصب)، ومنه نتجت: مذاهب الرافضة، والزيدية، والباطنية.
٤ - النصب (ويقابله التشيّع)، ومنه نتجت: النواصب المبغضون لعلي كالخوارج.
٥ - القدر (ويقابله الجبر)، ومنه نتجت: القدرية، والمعتزلة.
٦ - الجبر (ويقابله القدر)، ومنه نتجت: جبرية الجهمية، وجبرية الأشاعرة، والماتريدية (٤).
٧ - التعطيل (ويقابله التشبيه)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، وطوائف من أهل الكلام.
стр. 37
٨ - التشبيه (ويقابله التعطيل)، ومنه نتجت: المشبهة الرافضة الأولى، ثم الكرامية.
٩ - التأويل (ويقابله التفويض)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية.
١٠ - التفويض (ويقابله التأويل)، ومنه نتجت: المفوضة (١)، والواقفة.
١١ - التصوف (ويقابله الجفاء)، ومنه نتجت: الطرق الصوفية وبدعها.
١٢ - الجفاء (ويقابله التصوف)، ومنه نتج: منهج النظر العقلي، الذي يقول به المتكلمون.
١٣ - الابتداع (ويقابله الإعراض عن الشرع)، ومنه نتجت: البدع في العبادات، وغيرها كالمشاهد، والمزارات، والمقابرية، والتبرك البدعي.
١٤ - الإعراض عن الشرع (ويقابله الابتداع في الدين)، ومنه نتجت: الزندقة، والإلحاد والعلمنة، والحداثة، والشعارات، والحزبيات، والقوميات، والقوانين الوضعية (٢).
وبين رياح البدع العاتية، وأمواج الفتن المتلاطمة، يقف أهل السنة والجماعة بين الغلاة والجفاة، يعتصمون بالكتاب، وينصرون السنة، فيستبين بهم الحق، ويهتدي بهم الخلق، وما ذاك إلا لتحقيق ما تكفل الله به ووعد، من حفظ الدين، ولكي تبقى العقيدة صافية نقية كما كانت في عهد النبي ﷺ .
والوسطية في الإسلام منهج عام، فهي لا تتعلق بمسألة من المسائل، أو بنوع من أنواع العلم، بل هي خصيصة وميزة عامة في الشريعة، وقاعدة كلية لا تنخرم، "فإذا نظرت في كلية الشريعة وتأمَّلتها تجدها حاملة على الوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف؛ فذلك في مقابل واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحراف في الدين.
стр. 38
وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه" (١).
ومن هنا ظهرت ضرورة التوسع في دراسة كلا الظاهرتين (ظاهرة الإفراط وظاهرة التفريط) لمعرفة حقيقة ضلال الفرق، وإذا ما أردنا الوصول إلى الحقيقة، فإن علينا أن نعرف تلك الظاهرتين من خلال آيات القرآن الكريم.
نسأل الله أن يعصمنا من الضلال بعد الهدى، وأن يميتنا على الحق المبين.
стр. 39
ثانياً: أسباب ظهور البدع المتقابلة:
لا يخفى أن البدع والمحدثات في الدين هي أصل كل بلاء، وسبب كل فتنة، وأن انتشارها وظهورها لأمر عظيم وخطر جليل، وهو عنوان تخلف الأمة وبُعدها عن دينها، وإن دواعي البدعة وبواعثها لكثيرة ومتعددة، يصعب حصرها، لتجددها وتنوعها حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص.
ولا شك أن لكل انحراف في الدين أسباباً وعوامل أسهمت -بشكل أو بآخر- في إيجاده؛ لذا فإن الوقوف على الأسباب الكامنة وراء "ظهور البدع المتقابلة" يسهم كثيراً في تجنبها، قال حذيفة بن اليمان ﵁: ((إن أصحابي تعلموا الخير، وإني تعلمت الشر، قالوا: وما حملك على ذلك؟ قال: إنه من يعلم مكان الشرّ يتقه)) (١).
وعليه فيمكن إرجاع الدواعي والأسباب التي أدت إلى ظهور البدع المتقابلة وانتشارها في أوساط المسلمين إلى عدة أسباب؛ أذكر منها على وجه الاختصار ما يلي (٢):
١ - إحسان الظن بالعقل البشري: إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه ومجالاً تعمل فيه لا تتعداه، وإن أهل البدع حين قلَّت بضاعتهم من العلم الشرعي وفهم السنن (٣)، استهانوا بنصوص الشرع، وعدلوا عن اتباع نهج السلف، ولجأوا إلى الاعتماد على العقل، فلما حكموا عقولهم قصرت وعجزت عن إدراك حقيقة الغيبيات من المخلوقات، بل لم تحط بعلم الشهادة وما تدركه الحواس، فوقفوا عند نهاية مدارك العقول والأوهام والظنون والخيالات الفاسدة وجعلوها عقائد لهم.
وقد شاع بين طائفة من الناس التفكير الفلسفي في إثبات العقائد وقد جرهم هذا إلى دراسة مسائل ليس في استطاعة العقل البشري أن يصل إلى نتائج مقررة ثابته فيها، كمسألة إثبات صفات الله تعالى ونفيها، ومسألة قدرة العباد
стр. 40
بجوار قدرة الرب، وغير ذلك من المسائل، فإن البحث في هذه المسائل يفتح باباً واسعاً من أبواب الاختلاف (١)، إذ تختلف الأنظار، وتتباين المسالك ويتجه كلٌ اتجاهاً يخالف الآخر، وربما كان أكثر المسائل التي وقع الاختلاف فيها بين علماء الكلام من هذا القبيل (٢)؛ وكل أهل التأويل يقولون بتحكيم العقل وهم مع هذا مختلفون، فإن جاز لنا تحكيم العقل فإلى أي عقل نحتكم! .
ذلك إذا عرفنا أن قوى العقول متفاوتة مختلفة، وكثيراً ما يشتبه المجهول بالمعقول، فلا يمكن أن يفصل بين المتنازعين قول شخص معين ولا معقوله، وإنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من السماء، والرسول المبعوث المعصوم فيما بلغه عن الله تعالى، ولهذا لا تجد ممن خرج عن الاعتصام بالكتاب والسنة من الطوائف إلا وهم متفرقون مختلفون ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ هود: ١١٨ - ١١٩، وأهل الرحمة هم أهل الإيمان والقرآن (٣).
٢ - معارضة الكتاب والسنة: إن من أسباب البدع المتقابلة وظهور أحوالها الفاسدة، الخروج عن الشِّرعة والمنهاج، الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظانه (٤)، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما عليه أهل الأهواء من معارضتهم للكتاب والسنة بأنهم جعلوا أقوالهم البدعية أصولاً لدينهم، فقال: " وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد، وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي: الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو: المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو: المتشابه؛ كما يجعل الجهمية من