← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فرقة أو اختلاف في حياته ﷺ ؛ لأنه بين أظهرهم والوحي يتنزل عليه، فلا مجال للفرقة، ولا مرتع للبدعة (١). وعلى كل حال فإن ما يهمنا هو ظهور البدع المتقابلة بشكلها الواضح الذي يتشكل فيه الأتباع والرؤساء؛ لأنها أحدثت فتننا مفرقة للأمة؛ فلا تزال الفتن تتوالى على مر العصور، والمعركة محتدمة بين الحق والباطل ونار الأهواء تضطرم وتتفاقم فكثرت البدع في الأمة وفشت، وتزايدت الفرق وكثرت حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق ﷺ : ((وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) (٢) (٣). وقد تميزت كل الفرق بالإفراط أو التفريط، بالغلو أو التقصير، وبالتباين والتناقض فيما بينها. فإن أصول الفرق متعاكسة تماماً، وبيان ذلك: ١ - التكفير (ويقابله الإرجاء)، ومنه نتجت: مذاهب الخوارج قديماً وحديثاً. ٢ - الإرجاء (ويقابله التكفير)، ومنه نتجت: مرجئة الجهمية، ومرجئة الفقهاء، ومرجئة الأشاعرة، والماتريدية. ٣ - التشيع (ويقابله النصب)، ومنه نتجت: مذاهب الرافضة، والزيدية، والباطنية. ٤ - النصب (ويقابله التشيّع)، ومنه نتجت: النواصب المبغضون لعلي كالخوارج. ٥ - القدر (ويقابله الجبر)، ومنه نتجت: القدرية، والمعتزلة. ٦ - الجبر (ويقابله القدر)، ومنه نتجت: جبرية الجهمية، وجبرية الأشاعرة، والماتريدية (٤). ٧ - التعطيل (ويقابله التشبيه)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، وطوائف من أهل الكلام.

стр. 37

٨ - التشبيه (ويقابله التعطيل)، ومنه نتجت: المشبهة الرافضة الأولى، ثم الكرامية. ٩ - التأويل (ويقابله التفويض)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية. ١٠ - التفويض (ويقابله التأويل)، ومنه نتجت: المفوضة (١)، والواقفة. ١١ - التصوف (ويقابله الجفاء)، ومنه نتجت: الطرق الصوفية وبدعها. ١٢ - الجفاء (ويقابله التصوف)، ومنه نتج: منهج النظر العقلي، الذي يقول به المتكلمون. ١٣ - الابتداع (ويقابله الإعراض عن الشرع)، ومنه نتجت: البدع في العبادات، وغيرها كالمشاهد، والمزارات، والمقابرية، والتبرك البدعي. ١٤ - الإعراض عن الشرع (ويقابله الابتداع في الدين)، ومنه نتجت: الزندقة، والإلحاد والعلمنة، والحداثة، والشعارات، والحزبيات، والقوميات، والقوانين الوضعية (٢). وبين رياح البدع العاتية، وأمواج الفتن المتلاطمة، يقف أهل السنة والجماعة بين الغلاة والجفاة، يعتصمون بالكتاب، وينصرون السنة، فيستبين بهم الحق، ويهتدي بهم الخلق، وما ذاك إلا لتحقيق ما تكفل الله به ووعد، من حفظ الدين، ولكي تبقى العقيدة صافية نقية كما كانت في عهد النبي ﷺ . والوسطية في الإسلام منهج عام، فهي لا تتعلق بمسألة من المسائل، أو بنوع من أنواع العلم، بل هي خصيصة وميزة عامة في الشريعة، وقاعدة كلية لا تنخرم، "فإذا نظرت في كلية الشريعة وتأمَّلتها تجدها حاملة على الوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف؛ فذلك في مقابل واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحراف في الدين.

стр. 38

وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه" (١). ومن هنا ظهرت ضرورة التوسع في دراسة كلا الظاهرتين (ظاهرة الإفراط وظاهرة التفريط) لمعرفة حقيقة ضلال الفرق، وإذا ما أردنا الوصول إلى الحقيقة، فإن علينا أن نعرف تلك الظاهرتين من خلال آيات القرآن الكريم. نسأل الله أن يعصمنا من الضلال بعد الهدى، وأن يميتنا على الحق المبين.

стр. 39

ثانياً: أسباب ظهور البدع المتقابلة: لا يخفى أن البدع والمحدثات في الدين هي أصل كل بلاء، وسبب كل فتنة، وأن انتشارها وظهورها لأمر عظيم وخطر جليل، وهو عنوان تخلف الأمة وبُعدها عن دينها، وإن دواعي البدعة وبواعثها لكثيرة ومتعددة، يصعب حصرها، لتجددها وتنوعها حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص. ولا شك أن لكل انحراف في الدين أسباباً وعوامل أسهمت -بشكل أو بآخر- في إيجاده؛ لذا فإن الوقوف على الأسباب الكامنة وراء "ظهور البدع المتقابلة" يسهم كثيراً في تجنبها، قال حذيفة بن اليمان ﵁: ((إن أصحابي تعلموا الخير، وإني تعلمت الشر، قالوا: وما حملك على ذلك؟ قال: إنه من يعلم مكان الشرّ يتقه)) (١). وعليه فيمكن إرجاع الدواعي والأسباب التي أدت إلى ظهور البدع المتقابلة وانتشارها في أوساط المسلمين إلى عدة أسباب؛ أذكر منها على وجه الاختصار ما يلي (٢): ١ - إحسان الظن بالعقل البشري: إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه ومجالاً تعمل فيه لا تتعداه، وإن أهل البدع حين قلَّت بضاعتهم من العلم الشرعي وفهم السنن (٣)، استهانوا بنصوص الشرع، وعدلوا عن اتباع نهج السلف، ولجأوا إلى الاعتماد على العقل، فلما حكموا عقولهم قصرت وعجزت عن إدراك حقيقة الغيبيات من المخلوقات، بل لم تحط بعلم الشهادة وما تدركه الحواس، فوقفوا عند نهاية مدارك العقول والأوهام والظنون والخيالات الفاسدة وجعلوها عقائد لهم. وقد شاع بين طائفة من الناس التفكير الفلسفي في إثبات العقائد وقد جرهم هذا إلى دراسة مسائل ليس في استطاعة العقل البشري أن يصل إلى نتائج مقررة ثابته فيها، كمسألة إثبات صفات الله تعالى ونفيها، ومسألة قدرة العباد

стр. 40

بجوار قدرة الرب، وغير ذلك من المسائل، فإن البحث في هذه المسائل يفتح باباً واسعاً من أبواب الاختلاف (١)، إذ تختلف الأنظار، وتتباين المسالك ويتجه كلٌ اتجاهاً يخالف الآخر، وربما كان أكثر المسائل التي وقع الاختلاف فيها بين علماء الكلام من هذا القبيل (٢)؛ وكل أهل التأويل يقولون بتحكيم العقل وهم مع هذا مختلفون، فإن جاز لنا تحكيم العقل فإلى أي عقل نحتكم! . ذلك إذا عرفنا أن قوى العقول متفاوتة مختلفة، وكثيراً ما يشتبه المجهول بالمعقول، فلا يمكن أن يفصل بين المتنازعين قول شخص معين ولا معقوله، وإنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من السماء، والرسول المبعوث المعصوم فيما بلغه عن الله تعالى، ولهذا لا تجد ممن خرج عن الاعتصام بالكتاب والسنة من الطوائف إلا وهم متفرقون مختلفون ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ هود: ١١٨ - ١١٩، وأهل الرحمة هم أهل الإيمان والقرآن (٣). ٢ - معارضة الكتاب والسنة: إن من أسباب البدع المتقابلة وظهور أحوالها الفاسدة، الخروج عن الشِّرعة والمنهاج، الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظانه (٤)، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما عليه أهل الأهواء من معارضتهم للكتاب والسنة بأنهم جعلوا أقوالهم البدعية أصولاً لدينهم، فقال: " وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد، وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي: الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو: المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو: المتشابه؛ كما يجعل الجهمية من

стр. 41

المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا بها صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة، وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه، ونحو ذلك ... فتجد أحدهم يقول: ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا له كم ولا كيف، ولا تحله الأعراض والحوادث، ونحو ذلك، وليس بمباين للعالم ولا خارج عنه ... " (١). وهم في ذلك بين مصرح وملمح، في دعواهم أن الأدلة لا تفي بالدين ولا تكفي لتنظيم حياة الناس؛ فظهر عن هذا كثرة الاختلاف والفرقة فيما بينهم، وهذا أمر واضح فلا تجدهم يتفقون على شيء، فانظر إلى فرق الخوارج وفرق الشيعة وفرق المعتزلة وهكذا، وهذا من أبرز أسباب ظهور البدع المتقابلة. يقول شيخ الإسلام ﵀: " وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل، لأنهم أعرضوا عن هذا الطريق، وصاروا يبنون دينهم على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله فإنها تكون ضلالاً ... ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم، أو غير الحق، وهذا مما حرمه الله ورسوله" (٢). وقد تساءل عمر بن الخطاب ﵁: كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال له ابن عباس ﵄: ((يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرآناه، وعلمنا فيما أُنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كل ذلك اختلفوا)) (٣). ٣ - اتباع الهوى: وهذا أصل الزيغ ومفارقة الحق، وقد سمي أهل البدع، أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار

стр. 42

إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك (١)؛ واتبعوا المتشابه وتركوا المحكم؛ لأن في المتشابه طلبتهم من التأويل، وإرضاء ما في قلوبهم من شهوة ومرض وفتنة وفساد، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ آل عمران: ٧. واتباع الهوى وترك التشريع لعقول الرجال ظهر بسببه التضارب في آراء أهل البدع، ولاشك أن هذا عين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ القصص: ٥٠. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الجاثية: ٢٣. واتباع الهوى أمر باطن لا يظهر، ولكن يتبين بعرض أعمال صاحبه على الشرع، فعند عرضها على الشرع نرى أنها لا تمثل إلا هوى صاحبها، ولا تصدر إلا من مبتدع جاهل، يقول في الأمور بغير علم، وخاصة أمور الدين. ٤ - الجهل: ألوان الجهل كثيرة، وكلها تؤدي إلى إحداث البدع المتقابلة، فمنها: - الجهل بالدين: فالقول على الله بغير علم وقبول ذلك من قائله فيه من الإضلال ما يكون سببا لنشوء الخلاف بين الفرق وظهور البدع المتقابلة. قال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ النحل: ١١٦: " ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي أو حلَّل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" (٢). وليس الجهل قاصراً على من ليس عنده علم مطلقاً، بل يشمل من عنده علم كثير، ولكنه يتجاوز ما يعلم إلى ما لا يعلم، ويتجرأ على ما لا يعرف،

стр. 43

بلا دليل واضح، أو اجتهاد مقبول، وهذا من أهم أسباب وقوع البدع المتقابلة؛ لأنهم لا يتعمقون في العلم الشرعي بل يتمسكون بظواهر من النصوص دون مراعاة قواعد الاستدلال (١). كما أن الأمر المخالف إذا استقر فشبّ عليه الصغير وشاب عليه الكبير كان ذلك حجاباً ودرساً عن الحق ومعرفته؛ فيصير في أحيان كثيرة سبباً لمعذرة أصحابه. قال ابن تيمية ﵀: " ومع هذا فقد يكثر أهل الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة؛ حتى يصير بسبب كلامهم مكافئاً -عند الجهال- لكلام أهل العلم والسنة؛ حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء، فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها؛ حتى يكون العقوبة بعد الحجة ... وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة" (٢). وكان أهل البدع المتقابلة مقموعين أيام الصحابة والتابعين مقهورين بسلطان الدولة وحجج العلماء، ولكنهم عندما بعد الزمن وجدوا الفرصة لنشر مذاهبهم عندما وجدوا من الرعاع جهلاً ومن العلماء قلة (٣). ومن أبرز مظاهر جهل أهل البدع: عدم معرفتهم بكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وعدم فهمهم لدلالة النصوص ومعانيها، مع عجزهم عن التمييز بين صحيح السنة وضعيفها. والشاهد أن الجهل بالدين (٤) سبب لنشوء البدع المتقابلة. - الجهل بالسنة -وهذا داخل في الجهل بالدين، وأفرد لظهوره عند المبتدعة-، ويشمل:

стр. 44

أ-الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها: فكثير من البدع التي أُحدثت، قد اعتمد محدثوها على أحاديث ضعيفة بل أكثرها موضوعه، وفي هذا تشويش على الناس في دينهم متخذين في ذلك أساليب مُقنَّعة، ومن ثم تتكون الخلافات بين أهل البدع. أخرج ابن الجوزي عن أبي نصر بن سلام البخاري الفقيه قال: " ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد" (١). ب- الجهل بمكانة السنة من التشريع: يؤدي هذا إلى الخروج عن حد الاتباع، إلى طرفي الابتداع، ومن أظهر المواقف على هذا -إنكار ما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة تحت زعم موافقة العقل- كإنكار من أنكر رؤية الله في الآخرة، أو نزول المسيح آخر الزمان، أو عذاب القبر ونحو ذلك .. وقد انقسم أهل البدعة في موقفهم من السنة إلى قسمين: الأول: قسم أنكر ما عدى القرآن جملة وتفصيلاً، والآخر: أنكر أخبار الآحاد. ٥ - الغلو والإفراط: وهو من الأسباب الهامة والعوامل المؤثرة في تكون الفِرق ونشوء البدع واختلافها، ومنه: - الغلو في بعض الأشخاص: فالغلو والتغالي في الأشخاص والاعتماد على عقولهم وأرائهم (٢)، من أسباب حدوث البدع المتقابلة التي ظهرت في البشرية، وما زالت حتى عصرنا الحاضر، فقد ضلت به طوائف كثيرة في تاريخ الإسلام. ومن شواهد ذلك ما وقعت فيه الصوفية والرافضة؛ وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 45

وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١. قال شيخ الإسلام ﵀: " قد وقع فيه طوائف من المتعبدة والمتصوفة، حتى خالط كثيراً منهم من مذهب الحلول (١) والاتحاد (٢) ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه" (٣). - الغلو في التمسك بأقوالهم: التعصب للآراء وعدم الرجوع للحق ولو بعد بيانه، من أهم أسباب ظهور البدع المتقابلة، فهم يتعامون عن الحق تعامياً عجيباً، قال تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ الحج: ٤٦. ومن شواهد ذلك غلو الخوارج والمعتزلة في آيات الوعيد، وغلو الجبرية في إثبات القدر. والمتأمل لحال هؤلاء يجد أنهم يتميزون بالتفاني والتكلف في الدعوة إلى أهوائهم ونشرها وطلب الأتباع والمؤيدين، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ يونس: ١٢، وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ فاطر: ٨. والتعصب الأعمى، لابد أن يكون معه رد ما عند المخالف ولو كان حقاً، بل وطرح الأدلة القطعية وعدم الاعتداد بها -وهي أدلة الكتاب والسنة-

стр. 46

أو صرف الهمة إلى الفروع وبناء الولاء والبراء عليها فيؤدي إلى ظهور مظاهر غير محمودة كالعنف في التعامل، والتزام التضييق على الناس مع قيام موجبات التسهيل ودواعيه، وأسبابه التيسير عليهم. ٦ - مؤثرات أجنبية (١): تأثرت البدع المتقابلة بالثقافات الدخيلة على المنهج الإسلامي، وتتلخص هذه الأسباب والمؤثرات في العناصر الآتية: أاحتكاك المسلمين بالأمم المجاورة والتأثر بثقافاتها وأفكارها الدينية، ولا سيما بعد المد الإسلامي واتساع الفتوح وسياحة المسلمين في البلدان المفتوحة (٢). ب دخول كثير من أصحاب الأديان الأخرى في الإسلام، ولم يتخلصوا من أفكارهم ومعتقداتهم السابقة، فأثاروا الشبهات في الإسلام (٣). ت دخول بعض المغرضين من اليهود والمجوس في الإسلام بقصد الدس والكيد للإسلام والمسلمين (٤).

стр. 47

ث- ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وتشجيع دراستها والتعمق فيها. ج -تأثر طوائف من هذه الأمة بالأفكار والعقائد الوافدة من الأمم الكافرة الهالكة، يتمثل هذا في زمننا الحاضر بالغزو الفكري ومظاهره كالعلمنة، والحداثة والقوميات والحزبيات والشعارات الفارغة ونحو ذلك. ومما يوضح ذلك، أنه عند الرجوع إلى أصول كثير من الفرق والبدع تجدها أصولاً خارجية (١)؛ فالصوفية أخذت فلسفة الإشراق من الهند (٢)، والمعتزلة أخذت فلسفتها العقلية من المنطق اليوناني، والشيعة والباطنية أخذت فلسفة الإمامة والعصمة والحلول والتناسخ من فلسفات الفرس، ثم تداخلت البدع في بعضها البعض فالمعتزلة أخذت من القدرية والجهمية والخوارج، والشيعة أخذت من المجسمة، والمرجئة أخذت من الجبرية، والصوفية أخذت من التشيع، والأشاعرة حاولت التلفيق وهكذا، وبهذا يظهر كذب وزعم أهل الأهواء وانتسابهم لأهل السنة والجماعة فمصدرهم وأساسهم ومعتقدهم من المؤثرات الأجنبية التي لا صلة لها بالكتاب والسنة، ولذلك وقعوا في المتناقضات (٣). وهكذا نجد العوامل والمؤثرات الخارجية ذات تأثير مباشر في نشأة الفرق وتكونها ووقوع البدع المتقابلة.

стр. 48

٧ - رد البدعة ببدعة أخرى: يجب الالتزام بمنهج الوحي في الرد، ولا ترد البدعة ببدعة ولا يقابل الغلو بالتفريط ولا العكس؛ إلا أن "المبتدعة عادة يقابلون البدعة بالبدعة. فعندما غلا بعضهم في علي ﵁، كفره آخرون، وعندما غلا بعضهم في الوعيد -الخوارج- غلا آخرون في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد -يعني المرجئة- وعندما غلا المعتزلة في التنزيه حتى نفوا الصفات، غلا آخرون في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه" (١). يقول ابن قتيبة ﵀: " ولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر وكثر بينهم التنازع حملهم البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا يستطيع من الخير والشر شيئاً على الحقيقة ولا يفعل شيئاً على الصحة ... وكلا الفريقين ضل، وعن سواء الحق حائد" (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل (٣)، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها ... (٤).

стр. 49

ويقول ﵀ في ضرب الأمثلة لمن قابل البدعة ببدعة مثلها: "كما قد يصير بعض الجهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها" (١). قال ابن القيم ﵀: وهذه الفرقة الثانية قابلت هذه الفرقة ... ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم وصاروا ممن رد بدعة ببدعة, وقابل الفاسد بالفاسد، ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق (٢). فيلحظ أن البدعة كانت سبباً في نشوء بدعة أخرى؛ لأنهم قابلوا باطلهم بباطل، فاندفعوا إلى المغالاة في تقدير أولئك الذين غالى غيرهم في إيذائهم، وهكذا يدفع الكبت العقلي والنفسي دائماً إلى المبالغة في التقدير إما بإفراط أو تفريط. ولازم هذه المقابلة بين المبتدعة أن كلاً منهم يقول عن الآخر إنه ليس على شيء، قال شيخ الإسلام: " واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، والقدري النافي يقول: ليس المثبت على شيء، والقدري الجبري المثبت يقول لك ليس النافي على شيء، والوعيدية تقول: ليست المرجئة على شيء، والمرجئة تقول: ليست الوعيدية على شيء، بل ويوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية والفروعية المنتسبين إلى السنة، فالكلابي يقول: ليس الكرامي على شيء، والكرامي يقول: ليس الكلابي على شيء، والأشعري يقول: ليس السالمي على شيء، والسالمي يقول: ليس الأشعري على شيء، ويصنف السالمي كأبي علي الأهوازي كتاباً في مثالب الأشعري، ويصنف الأشعري كابن عساكر كتاباً يناقض ذلك من كل وجه، وذكر في هذا مثالب السالمية" (٣)،

стр. 50

وقال إبراهيم النخعي في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المائدة: ٦٤، قال: " هم أصحاب الأهواء" (١)؛ لأن كل طائفة أو فرقة منهم تعتقد أنها على الحق وغيرها على الباطل، وهذا ما نراه بين طوائف البدع المتقابلة. فبدلا من أن يتجهوا إلى الطريق الحق والصراط المستقيم، ارتموا في أحضان الضلال وضاعوا في التيه، يعالجون الداء بالداء! يطفئون لهيب العطش بالرمضاء! فلا يزيدهم ذلك إلا رَهَقا! ولو رفعوا أبصارهم قليلاً إلى نصوص القرآن والسنة من دون تحريف ولا تعطيل لشاهدوا شلالات الحق تتدفق بالرحمة والوسطية! ومن العجائبِ والعجائبُ جَمَّةٌ ... قربُ الدواءِ وما إليه وصولُ كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول! (٢). وفي قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ آل عمران: ٧٣، ونحوها من الآيات، دلالة على أن من طلب الهدى والرشد من غير الكتاب والسنة ضل؛ لأن الهدى محصور في هدى الله الذي أرسل به رسوله ﷺ (٣). ٩ - الجدل (٤): من أسباب الوقوع في البدع المتقابلة: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذر الله من ذلك بقوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ آل عمران: ١٠٥. فقد نهى عن الفرقة والاختلاف، بعد مجيء البينات-الكتاب والسنة-؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تجادلت وتفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهوائهم.

стр. 51

قال ﷺ : ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) (١)؛ قال النووي ﵀ في شرحه: " الألد شديد الخصومة مأخوذ من لَدِيدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخَصِم فهو الحاذق بالخصومة والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل والله أعلم" (٢). وقال الإمام جعفر (٣) بن محمد: " إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تشغل القلب وتورث النفاق" (٤). والسلف الصالح ﵏ جاء نهيهم عن الجدال في الدين في كثير من الآثار نقل بعضها الآجري في الشريعة في (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) (٥)، وابن بطة في الإبانة الكبرى في (باب النهي عن المراء في القرآن) (٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة في (سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) (٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في (باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء) (٨)، والحافظ إسماعيل الأصبهاني (٩) في الحجة في بيان المحجة في (فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم) (١٠).

стр. 52

فقد جمعت هذه المصادر المئات من الروايات عن السلف في ذم الجدال والمراء والخصومة في الدين، ونقل هذه الآثار قد يطول (١). حذر السلف-﵏ من الجدال الباطل؛ لأنه نتيجة حتمية وسبب مهم لرواج البدع المتقابلة؛ لذا فهذه المناظرات والمجادلات والتخاصم فيها يكون علناً أمام الأحداث والعامة والولاة، والجهلة وضعاف الإيمان، فضلاً عن أهل الزيغ والنفاق والزندقة؛ فإنما يتغذون وتروج مذاهبهم بالجدال والخصومات، ولذلك لم يعرف الجدل والخصومات في الدين إلا حينما ظهرت الفرق - الخوارج والشيعة والقدرية وأهل الكلام-؛ لأن أهل الحق لا يمارون ولا يتخاصمون ولا يخاصمون في الدين، وإن اختلفوا فيما يسوغ فيه الخلاف من الاجتهاديات، فإنهم لا يلجؤون للخصومات والمراء، وإذا وصل الخلاف إلى المراء كفّوا (٢). والبلوى بالجدل الباطل علامة الخذلان من الله ، وعلامة الضلال واتباع الهوى، كما قال النبي ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل)) ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ الزخرف: ٥٨ (٣).

стр. 53

المطلب الثاني: عناية العلماء بالرد على أهل البدع ومناهجهم في ذلك . إن العناية بتصحيح العقائد والعبادات دين يتقرب العبد به لله، وعبادة يزدلف بها لمولاه، ولا يزال سلف الأمة يقتفون في ذلك آثار الأنبياء والمرسلين والدعاة المصلحين الذين هداهم الله للحق القويم والصراط المستقيم فجاهدوا في سبيل إحياء السنن وقمع الجهالة والبدع، فنالوا بذلك خيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين والميزة التي امتازت بها أمة سيد الثقلين ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (١) تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: ١١٠. ومن الثابت تاريخياً أن الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين تولوا تعليم الناس في عصر الفتوحات الإسلامية، فما إن مات النبي ﷺ وفتحت الأمصار إلا وانتقل عدد كبير من الصحابة إلى تلك البلدان (٢) .. وقد تخرج على أيديهم جل الفقهاء والعلماء والمحدثين من التابعين، فهم العلماء وهم القضاة وهم المفتون في النوازل الفكرية والدينية، وهذا كله راجع إلى أن فكرهم هو الفكر السائد في المجتمع (٣). وقد تنوع جهاد هؤلاء العلماء لحماية جناب الدين، والدفاع عن حياض سنة سيد المرسلين ﷺ ، وتعددت مناهجهم وطرقهم في الرد على المبتدعة الضالين، فمنها: أولاً: جمع السنن والآثار مع تمييز صحيحها من ضعيفها: لقد اهتم علماء المسلمين بتجلية كافة الجوانب التي لها علاقة بالحديث سنداً ومتناً، من أجل تمييز المقبول منها عن المردود، أو الصحيح والحسن والصالح من السقيم والمتروك والموضوع، وخاصة منذ الفتنة التي وقعت في آخر عهد سيدنا عثمان بن عفان ﵁ والتي كانت نقطة انعطاف ومرحلة تحول، حيث انتسب إلى الإسلام قلة من الرجال ضعيفي الإيمان الذين أباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله ﷺ نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم.

стр. 54

فتنوعت جهود العلماء لتشمل دارسات حول الأسانيد والمتون، كما شملت التصنيف في الأحاديث الصحيحة والصالحة للاحتجاج (١). ثانياً: التصنيف في التحذير من البدع التي تتوسع مع تقادم الزمن واندثار السنن: قل التصنيف في مسائل العقائد في الصدر الأول -عصر الصحابة والتابعين-؛ لأنها كانت محل إجماع وتسليم، ولم يظهر التأليف فيها إلا مع ظهور البدع؛ عندها حظي موضوع البدعة باهتمام كبير من قبل علماء الإسلام، لذا نجد الحديث عنه في غالبية علوم الشرع (٢): ففي الحديث وشروحه: تجد أبواب الاعتصام بالسنة، وذم البدع والأهواء، والتوحيد، والسنة، وغير ذلك من الأبواب المختصة بالكلام عن البدعة، ويوجد الكلام عنها في كثير من الأبواب الحديثية الأخرى، بل كل باب من أبواب الحديث ينص على سنة، وباللازم ينهى عن بدعة. وفي مصطلح الحديث: تجد الكلام عن رواية المبتدع، وحكم الداعي وغير الداعي. وفي التفسير: تجد الكلام عن البدعة عند آيات الاعتصام وذم التفرق. وفي الفقه: حكم شهادة أهل الأهواء، وحكم المناكحة والمبايعة والإرث، مع المبتدعة. وفي أصول الفقه: تجد للبدعة علاقة بأبواب الإجماع والاستحسان والمصالح المرسلة، وقول الصحابي، وفي تعريف السنة وأحكام السكوت عنه، والاجتهاد والتقليد، وغير ذلك من المباحث والأبواب الأصولية. وفي العقيدة: تجد الكلام عن البدعة والمبتدعة في كل باب منها. وفي تراجم الرجال: تجد ذكر من جُرح بالبدعة، ومن رُدت روايته بسبب ابتداعه.

стр. 55

وفي التاريخ: تجد سير المبتدعة أفراداً وفرقاً، وما أحدثوه من حروب وفتن، وما قام لهم من دول وما وقع معهم من وقائع. أما المؤلفات التي تكلم أصحابها عن البدعة، فهي تنقسم في تناولها لموضوع البدعة إلى أقسام: القسم الأول: مؤلفات تكلمت عن بدع محددة وتناولتها بالرد والتبيين (١). القسم الثاني: مؤلفات تكلمت عن جملة من البدع (٢). القسم الثالث: مؤلفات تكلمت عن البدع بنوع من الشمول، فتناولت تعريف البدعة وأقسامها وأحكامها وأقسام المبتدعة وأحكامهم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بقواعد النظر في مسألة البدعة، وقواعد التأصيل في حكمها وحكم فاعليها. وليست هذه المؤلفات على درجة واحدة في ذلك بل بعضها أشمل من بعض، وبعضها تكلم عن غالبية هذه المسائل التأصيلية، وبعضها لم يتجاوز إلا أجزاء يسيرة منها (٣). القسم الرابع: مؤلفات عنيت بمسائل التأصيل في النظر إلى البدعة والمبتدع، وهي على أقسام: الأول: مؤلفات تكلمت بشمول وعمق عن سائر مسائل التأصيل هذه أو بعضها (٤). الثاني: مؤلفات اختصرت أو اقتبست من المؤلفات التي اعتنت بالتأصيل، مع زيادات يسيرة في هذا الباب (٥).

стр. 56

الثالث: مؤلفات استقلت فلم تعن بقضايا التأصيل كالمؤلفات المذكورة سلفاً، ولكنها تعد أصولاً اعتمد عليها من ألف في البدعة وأخذ عنها واقتبس منها (١). ويتضح مما سبق عناية العلماء برد البدع؛ لأن في هذه الطريقة افحاماً للمخالفين من أصحاب البدع المتقابلة وإضعافاً لهم وكشفاً لتناقضهم؛ وفي هذا نصحٌ لأصحابها، وتبصير للمفتونين بحقيقتها. ثالثاً: الدعوة لاتباع نور السنة والقيام بها ضد ضلالات المبتدعة وجهالاتهم: وقد كان أهم ما سلكه علماء السلف والخَلَف في إنكار تلك البدع المتقابلة التمسك بالآثار الشرعية، وعدم العدول عن منهجها في التعبد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣. وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الأنفال: ٤٦. ولو ربطنا بين قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وبين قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ لوصلنا إلى حقيقة مفادها أن التمسك بالكتاب والسنة هو الطريق الوحيد للنجاة من الفرقة. أخرج مالك (٢) في موطئه عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه)) (٣). فالحديث يُبين أن النجاة من الضلالة لا تكون إلا بالالتزام بنور الكتاب والسنة، فالنجاة من الضلالة هي بذاتها الهداية.

стр. 57

قال الحسن بن ثواب (١): " قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلم الناس في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان. قلت ولم؟ قال: ظهرت بدع فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها" (٢). ويعلم من هذا أن اتباع نور الرسالة ودعوة الناس إليها وتعليمهم إياها، لمن أعظم سبل رد البدع ودحضها. رابعاً: مجادلة أهل الباطل، ومعارضة كل ما خالف دلالات النصوص الشرعية: المجادلة: مصدر جادل: وهو مقابلة الحجة بالحجة، ذكره ابن الأثير (٣). وقال الراغب الأصفهاني (٤): " الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل: أي أحكمت فتله" (٥). ويعلم أن ما ثبت في النصوص وكلام السلف من الذم للجدال وأهله والتحذير من مجادلة أهل البدع-ليس على عمومه، بل جاء الأمر ببعض صور المجادلة والثناء عليها في بعض النصوص من الكتاب والسنة ... فالمجادلة تكون محمودة أو مذمومة تبعاً لموضوع المجادلة، فإن كانت المجادلة في أصل من أصول الدين يمكن أن يظهر الحق فيه بالمجادلة والمناظرة، فالمجادلة فيه ممدوحة (٦) على ما جرى بذلك فعل السلف فإنهم كانوا

стр. 58

يناظرون أهل البدع في كثير من المسائل المتعلقة بأصول الدين (١)؛ فقد اجتهدوا في دفعها وبيان خطئها. قال الشافعي (٢) ﵀: "قال كثير من أئمة السلف ناظروا القدرية بالعلم (٣) فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا" (٤)؛ وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ على أنه إذا ظهرت البدعة في محل، كان علماء السنة فيه هم الذين يتصدرون لردها وإبطالها (٥). ومناظرتهم لأهل البدع أشهر من أن تذكر، وأكتفي بالإشارة إلى بعضها فمنها: مناظرة علي وابن عباس ﵄ للخوارج، على ما هو مبسوط في كتب السنة والفرق. ومناظرة عمر بن عبد العزيز ﵀ لغيلان الدمشقي القدري حتى انقطع، وأعلن التوبة، إلا أنه عاد بعد موت عمر، روى ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وناظر عمر أيضا الخوارج على ما نقل ذلك ابن عبد البر. وناظر الأوزاعي قدريا طلب المناظرة، فحجه وقد روى ذلك اللالكائي. وكذا الإمام الشافعي ناظر حفص الفرد فغلبه نقل ذلك أبو نعيم في الحلية. ومناظرات الإمام أحمد للجهمية بمحضر الخليفة مشهورة، ذكر بعضها الإمام نفسه في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية

стр. 59

وغير ذلك من مناظرات السلف لأهل البدع، فظهر بهذه ما يؤكد عناية السلف -رحمهم الله تعالى- بالرد على أهل الباطل (١). خامساً: التحذير من دعاة البدعة والتنفير منهم: من الأصول المقررة عند أهل السنة التي جرى عليها عمل الحكام، والأمراء، والقضاة والعلماء من أهل السنّة، عقوبة المبتدع إن كان داعية لبدعته أو معلناً لها؛ ذلك لأن العقوبة من باب إنكار المنكر، والإنكار لا يكون إلا على من أظهر المنكر بخلاف المستتر فإنه لا ينكر عليه (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ مبيناً أن التحذير من أهل البدع من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان (٣) والجعد بن درهم (٤) وغيلان القدري (٥) وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله" (٦).

стр. 60

وإذا ثبت ذلك فيعلم أن عقوبة أهل البدع، المظهرين لبدعهم وغيرهم من المجاهرين بالفسق والفجور، تكون حسية، ومعنوية. فالمعنوية: مثل ترك الصلاة خلفهم، وعليهم، وترك مناكحتهم، وعيادتهم وترك السلام عليهم، ومجالستهم، وعدم قبول روايتهم وشهادتهم، وغيرها من أنواع العقوبات. أما الحسية: فهي ما كان تأثيرها مباشراً على البدن أو المال. وقد دلت عليها النصوص ودل عليها عمل السلف، وهي إما أن تكون بالقتل تارة أو بما دونه من أنواع العقوبات البدنية والمالية. أما عقوبة المبتدع الداعية بالقتل فلها مقصدان: أحدهما: قتله رِدةً إذا اعتقد ما يكفر به، أو صدر منه قول أو فعل مكفر وثبتت عليه الحجة بذلك (١)، دل على ذلك قول النبي ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٢). الثاني: قتلهم دفعاً لفسادهم وحماية للناس من فتنتهم وشرهم، إذا لم يمكن دفع شرهم إلا بالقتل؛ ويقتل الكافر منهم وغير الكافر ما دام أنه داعية لبدعته ويخشى الافتتان به (٣). وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أئمة السلف أن قتلهم لبعض أهل البدع إما ردة لكفرهم، وإما لأجل إفسادهم في الأرض بقصد حماية الناس منهم قال: " والأئمة الذين أمروا بقتل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ويقولون: القرآن مخلوق، ونحو ذلك، قيل: إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم، وقيل: لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس، فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظاً لدين الناس أن يضلوهم" (٤).

стр. 61

أما عقوبة أهل البدع بما دون القتل فثابت عن السلف، وهذه العقوبات غير مقدرة؛ لأن الأصل في التعزير أنه غير مقدر لا جنسه ولا صفته، وإنما يرجع إلى اجتهاد الحاكم، وولاة الأمور من القضاة وغيرهم (١). بهذا يتضح أن أهل العلم كانوا حماة للعقيدة، حراسًا للشريعة؛ فما يظهر باطل إلا ويتهافت بين يدي علمهم، فجزاهم الله عنا خيراً. وقد شاء الله لدعوتهم التكامل لمسيرة الإسلام مع الرحمة لأتباعه والشفقة عليهم من مجانبة صوابه، وتلك مشيئة الله وحكمته ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ الصف: ٨ (٢). وبمعرفة ما مضى يُعرف سبب شدة السلف والعلماء ومن بعدهم على البدع وأهلها، وإعظامهم أمرها، ووصفهم لها بأنها من مبادئ الكفر ومظانه، وأنها مشتقة منه، وأنها شعبةٌ من شعبه، وبريدٌ إليه (٣)، قال شيخ الإسلام: " فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة" (٤). عياذاً بالله من ذلك.

стр. 62

المبحث الثالث آثار البدع . وفيه مطلبان: المطلب الأول: الفتنة في الدين وفساد التصورات العقلية . تعتبر البدع المتقابلة من أشد الانحرافات التي وقعت في تاريخ المسلمين، وصنعت فجوة كبيرة فيما بينهم؛ حيث تركت آثاراً خطيرة في حياة الأمة، وما زالت تنخر في جسمها حتى عصرنا الحاضر -والله المتسعان-. ومما يعلم بداهة أن الجنوح إلى البدع المتقابلة له آثاره الضارة التي اكتوى بنارها المسلمون، ومن هذه الآثار والظواهر ما يخص أفراد المبتدعين، ومنها ما يعم مجتمعاتهم. وهذه الآثار على سبيل الإيجاز (١): ١ - إماتة السنة: فمن الآثار الضارة للبدع المتقابلة: إماتة السنة؛ لأنها ما ظهرت بدعة إلا ومات في مقابلها سنة؛ لأن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ﵀: "الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث" (٢). وظهور البدع علامة دالة على ترك السنة، قال ابن عباس ﵄: "ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن" (٣). وكلما كان التفرق في الأمة المسلمة أشد كان ذلك دليلاً على كثرة السنن التي أضيعت، وكثرة البدع التي أحدثت، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأنعام: ١٥٣، فإن الجمع هنا يفيد أنها طرق متشعبة متعددة كثيرة مختلفة (٤)، فكلما سلك سبيل منها فقد أضيعت سنة وأحدثت بدعة.

стр. 63

ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذرت منها؛ لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافاً - لا له ولا عليه- لكان الأمر خفيفاً، بل لا بد أن توجب له فساداً في قلبه ودينه ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه؛ إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه (١). وإذا كان التفرق نفسه متضمنا لإضاعة السنن وإفشاء البدع، فلا شك في أن البدع المتقابلة تفرق الدين وتكون من أعظم ما يكون به فساد ذات البين، فهي إذاً من أعظم أسباب وهاء الدين وذهابه، ولا يقف أثرها عند هذا الحد (٢)، بل يتعداه إلى آثار أخرى أكثر ضرراً. ٢ - مفارقة الجماعة: ومن آثارها: مفارقة أهلها للجماعة، وشق عصا الطاعة؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم وفرحوا بما عندهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب. وقد حذر الله من ذلك بقوله : ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ الروم: ٣١ - ٣٢، وقال ﷺ : ((افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)). وفي رواية: ((كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة)) (٣). فالنبي ﷺ قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة - كالقدرية، والخوارج، والروافض وما شابههم- ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب أنواع التوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله وأسمائه .. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع المتقابلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

стр. 64

بل وصل التفرق بهم إلى أبعد من ذلك، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، فإن كل فرقة من رؤوس الفرق التي خالفت الحق وأهله لا تأتلف إلا على الأصل الذي خالفت به الحق؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حاكياً صنيعهم: " ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه ويعادون" (١)، ثم يكون بين أتباعها من الاختلاف الشديد ما يجعل الفرقة الأصلية تنقسم إلى فرق عديدة، ثم يكون بين تلك الفرق المنقسمة عن الفرقة الأم من العداوة والبغضاء والتنافر ما يصل إلى درجة أن تكفر كل فرقة جميع الفرق التي تنتسب معها إلى الفرق الأصلية -فضلا عن غيرها من الفرق المخالفة لها (٢). وصدق عليهم ما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل" (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: " والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة" (٤). قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ البقرة: ٢٥٣، فأخبر سبحانه أن الأمم لما اختلفوا بعد أنبيائهم وقع القتال بين بعضهم البعض. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: " إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج، ظاهرين على من ناوأهم، حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا وتباغضوا وتلاعنوا واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط عليهم عدوهم فمزقهم كل ممزق" (٥)، وكما وقع الاقتتال وغيره في فرق الأمم قبلنا؛ فقد وقع في هذه الأمة أيضاً، قال ابن حزم ﵀: " اعلموا -رحمكم الله- أن جميع فرق الضلالة لم يجر الله تعالى قط على أيديهم خيراً، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين .. أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره ... ، وأما المرجئة فكذلك،

стр. 65

إلا أن الحارث بن سريح خرج بزعمه منكراً للجور، ثم لحق بالترك فقادهم إلى أرض الإسلام، فأنهب الديار وهتك الأستار، والمعتزلة في سبيل ذلك" (١). وأصحاب البدع المتقابلة هم أصحاب الفرق المفترقة عن طريق السنة والجماعة، المفارقة لأئمة المسلمين وجماعتهم، السالكة لغير سبيل السنة وأهلها، المباينة لنهج السلف الصالح (٢). ٣ - التفسيق والتكفير من غير برهان ولا دليل لمن خالف أصول دينهم المبتدع: بعد أن تعتقد كل فرقة أنها على الحق، وغيرها على الباطل؛ ترى أن الحق الذي معها هو الدين الواجب اتباعه، وأن من خالفه فهو مبتدع أو كافر يجب معاداته، فتتوصل بذلك إلى تبديع أو تكفير جميع الفرق المخالفة لها. وهذا حال جميع أهل البدع (٣). وبما أن الكفر حكم شرعي، والمرجع فيه للكتاب والسنة، فلاشك أن الخوض فيه بعيداً عنهما مسلك خطير ومنهج منحرف، والكلام عن خطورته وانحرافه كلام طويل ليس هذا موضعه، إلا أن من الجدير بالذكر أن كل فرقة لم تكتفِ بما نحت إليه من بدع، بل حكمت على من خالف أقوالها بالكفر تارة، وبالفسق تارة أخرى، وهذا مشتهر عن أصحاب المقالات البدعية، وهو مما حذر منه علماء السنة قديماً، فلقد قال الإمام أبو العالية الرياحي (٤): "تعلموا الإسلام؛ فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء" (٥).

стр. 66

والعداوة والبغضاء هي مقدمة الوقوع في الأهواء، ونهايتها الحكم على المخالف بالفسق والكفر؛ ولذلك كان الإمام الشافعي ﵀ ينهى عن الكلام في الأهواء، معللا ذلك بقوله: " أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كفرت، والعلم فيه إنما يقال: أخطأت" (١). فالحكم بالتكفير عندهم حاضر عند الاختلاف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حاكياً صنيع أهل الفلسفة والكلام مع مخالفيهم من أهل السنة والجماعة: " ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دِيناً يوالون عليه ويعادون، بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه .. ومعلوم أن الخوارج هم: مبتدعة مارقون كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ ، وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم، وهم إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافراً؛ لاعتقادهم أنه خالف القرآن، فمن ابتدع أقوالاً ليس لها أصل في القرآن، وجعل من خالفها كافراً كان قوله شراً من قول الخوارج؛ ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن قول الجهمية شر من قول الخوارج" (٢). وقد بلغ الأمر بأهل الأهواء أن كفروا صحابة رسول الله ﷺ ؛ وبما أن هذه المقالات البدعية مبناها على الأهواء والعقول البشرية فما لبث أن دب داء التكفير بين الإخوان والأقران في المذهب الواحد؛ وفي ذلك يقول الإمام أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (٣): " وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعاً وأحزاباً، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا، بل يرتقون إلى التكفير؛ يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبداً في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ الحشر: ١٤، أوما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون (٤)، منهم البصريين (٥)،

стр. 67

والبصريون منهم البغداديين؟ ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي (١) ابنه أبا هاشم، وأصحاب أبي هاشم (٢) يكفرون أباه أبا عليا؟ كذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم، إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين، يكفر بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم، وسائر المبتدعة بمثابتهم (٣)، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ الأنعام: ١٥٩" (٤). ٤ - الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها: ومن آثار البدع المتقابلة: أن صاحب البدعة إذا أصيب بمرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، قال ﷺ : ((إنَّ من ضِئضِئِ هذا قومًا يَقرَؤونَ القرآنَ، لا يُجاوزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السهمِ منَ الرَّمِيَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لئنْ أدرَكتُهم لأُقَتِّلَنَّهم قتلَ عادٍ)) (٥). وقال ﷺ : ((إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة)) (٦)، أي: لا يوفقون لها (٧). فصاحب البدعة لا يتوب عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهرُ الخروج عنها ويصر عليها باطناً.

стр. 68

وعدم توبة صاحب البدعة له أسباب (١)، منها: أأن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جداً؛ لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته. ب أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصوداً بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة. ت أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، ويرون أن عملهم أفضل من عمل غيرهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ الكهف: ١٠٣ - ١٠٤. فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاطاً، يستسهلون به الصعب، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ المدثر: ٣١. وقد ذكر الشاطبي ﵀ سبب رجوع بعض أهل البدع وتوبتهم من بدعهم، وإصرار بعضهم عليها فلا يتوبون منها، وهم عامة أهل البدع وغالبهم، فقسم الشاطبي أصحاب الأهواء إلى قسمين: قسم أشرب الأهواء وتمكنت منه، وقسم لم يشربها، فمن أشرب البدعة من أصحاب الأهواء لا يتوب منها، ولا يرجع عنها، إلا أن يشاء الله؛ وأما من لم يشربها، ولم تتمكن منه، فهذا هو الذي يمكن أن يتوب منها (٢).

стр. 69

٥ - الاشتغال بما لا ينفع إلى ما فيه نفع الأعداء والعودة عليهم بالضرر (١): إن من أعظم آثار البدع: أن أهلها كما ابتدعوا ما لم يشرعه الله ولم يأذن به، فكذلك بالمقابل تركوا ما شرعه الله وأمر به من أصول الدين والحكمة. واشتغال الناس بما لا ينفعهم، وانصرافهم عمَّا ينفعهم، وتركهم ما كلفوا به، وإسراعهم فيما لم يكلفوا به؛ هذه لفتن من آثار البدع المتقابلة. وقد حذر العلماء قديماً وحديثاً عن الاشتغال الذي لا نفع فيه عما فيه نفع. قال ابن القيم ﵀: " كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد، حتى في الأعمال، فمن رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضرّه ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بدّ، وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي، ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار" (٢). يؤكد العلاّمة عبد الرحمن السعدي ﵀ ذلك قائلاً: "لما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلّ لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل" (٣). يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: " إياكم وما يحدث الناس من البدع، فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعاً حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام، ويتكلموا في ربهم .. " (٤).

стр. 70

قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ النحل: ٩٤؛ وفي هذه الآيات تهديد ووعيد لمن ترك الحق إلى الباطل، والهدى إلى الضلال؛ أكد هذا التحذير بقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾ النحل: ٩٥ (١). ٦ - إضلال الناس وتلبيس الحق بالباطل: ومن آثارها: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولاً وعملاً، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط، فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النحل: ٢٥. ومما يزيد البدع المتقابلة خطورة، ويجعلها أكثر ضرراً وتأثيراً- أن أهل البدع يعملون على تزيين بدعتهم للناس، ويضيفون عليها صفة الشرعية، فيجعلون بدعتهم في صورة طاعة، فيتصيدون بذلك الجهال وأشباههم (٢)؛ لأن أهل البدع المتقابلة يحرص كل منهم على جمع الجماعات، والسير بهم في بدعته بغير فهم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفراداً، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة (٣). ومن أساليب إضلالهم: ما قاله ابن عمر ﵁ في الخوارج، بأنهم: " انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (٤). وهذا منهج كثير من أهل البدع المتقابلة وغير المتقابلة. وكذلك فإنهم ينسبون مقالتهم إلى من هو جليل القدر عند الناس، ليخدع بذلك الجهال وضعاف العقول؛ ويدخل في هذا مسألة دعوى الإجماع الباطلة: فلا شك أن لدعوى الإجماع أثرا كبيرا في ترويج البدع عند الناس، وخاصة العامة منهم؛ لأنهم بتلبيس هؤلاء المبتدعة ودعواهم الإجماع،

стр. 71

يظنون أن هذه البدع قد قام العمل عليها بين المسلمين في القديم والحديث، وفي جميع الأمصار والأقطار، وهذا الأثر تلمسه بوضوح في تشنيعهم على المخالفين لهم في ذلك، والمنكرين عليهم، فتجدهم يصمونهم بأنهم خالفوا ما عليه المسلمون؛ لأنهم ينقلون ويحكون الاتفاق أو الإجماع أو القول بأنه مشهور عن الصحابة أو التابعين أو أهل الحديث أو الأئمة وفي الحقيقة أن الأمر ليس كذلك، مما كان سبباً في التلبيس وعموم الفتنة، وذلك إما لجهلهم، أو تساهلهم، أو توهمهم، أو الكذب من بعضهم. ومما يزيد الأمر خطورةً والأثر عمقاً أن يتُوصل إلى تقرير بعض هذه البدع بالأدلة الشرعية، مما يؤدي -بحد ذاته- إلى تلبيس الحق بالباطل والهدى بالضلال. ومن الأمثلة على هذه البدع دعوى الإجماع في بدعة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ ، وبدعة التوسل بذات النبي ﷺ وغيره من ذوات الأنبياء والصالحين، في حياتهم وبعد مماتهم، وبدعة الإرجاء، وبدعة إنكار الصفات الاختيارية لله تعالى، وغير ذلك (١). ومن أساليبهم ما ذكره عمر بن عبد العزيز ﵀ بقوله: " إذا رأيت قوماً يتناجون بأمر في أمر دينهم دون عامتهم، فهم على تأسيس الضلالة" (٢)؛ والتاريخ شاهد بذلك، فإن البدع إنما ابتدأت همساً وأحياناً بقصد الغيرة على الدين، والنصح للإسلام، ثم يؤول الأمر إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب وغرس الغل على المخالفين. فكل صاحب بدعة من البدع المتقابلة قد يجد من شاذ الآراء، أو مشتبهها ما يُفتن به ويُلبس على الناس فيه (٣)؛ ومن هنا تنشأ البدع المتقابلة ويعظم ضررها -والله المستعان-.

стр. 72

٧ - اتباع المتشابه: لأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نبه الله على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ آل عمران: ٧. ومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الأنعام: ٥٧. قد يعتضد الرأي الباطل بدليل صحيح، ويستنبط منه ما يوهم به صحته، وهنا يقرر شيخ الإسلام أن كل دليل نقلي صحيح، وعقلي صريح، إنما يدل على الحق لا على الباطل؛ يقول ﵀: "عامة ما يحتج به أهل البدع من كتاب الله ، ففي تلك النصوص ما يتبين أنه لا حجة لهم فيها، بل هي بعينها حجة عليهم" (١)؛ لأن "الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل" (٢). وقد قال ﷺ : ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) (٣)، قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: " وفي هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات للفتنة، فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطف في ذلك فلا بأس عليه، وجوابه واجب، وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب ﵁ صبيغ بن عسل حين كان يتبع المتشابه" (٤). ويقول أيوب السختياني: " لا أعلم أحداً من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه" (٥).

стр. 73

٨ - تبديل الشريعة: ومما يحسن التنبيه عليه من آثار البدع المتقابلة الضارة: أن ظهورها وانتشارها يعد ضرباً من تبديل الشريعة بسبب طول الزمان واندراس الحق، ويعرف هذا في أصناف ثلاثة: الصغار حينما ينشأون على البدعة ويكبرون عليها، والكفار إذا أسلموا عليها، والأعراب وأهل البادية إذا تعلَّموها وحملوها معهم (١). لأن اعتقاد الأمر على خلاف ما هو عليه، والعمل به على هذا الحد نحوٌ من تبديل الشريعة، والخروج على أحكامها، فاعتقاد العوام ومن لا علم عنده ما ليس بفريضة فريضة، أو ما ليس بسنة سنة، أو ما ليس بمشروع أنه مشروع، فساد عظيم أورثته البدع بشكل عام والبدع المتقابلة بشكل خاص. فإن كل فرقة من الفرق - لاعتقادها أنها على الحق، وغيرها على الباطل- تنكر السنن التي تقول بها الفرق الأخرى وتحاربها، ولا تنفك هي - في الوقت نفسه- عن الإغراق في الابتداع والتفرق، حتى يؤول الأمر ببعض الفرق إلى الانسلاخ من الدين -والعياذ بالله- (٢). وهنا حقيقة مهمة كان لها أثرها البالغ في تبديل الشرائع العملية للدين، ومن أظهر الأدلة على ذلك أن الإرجاء لم يكن -في الأصل-دعوة واعية مقصودة لترك العمل والتفلت من الطاعات، وإنما كان تفسيراً ضالاً لحقيقة الإيمان أنتجته البدع المتقابلة، ولكن مع طول الزمان أصبح شعاراً لترك العمل والتفلت من الطاعات. ٩ - التناقض: تجد أهل البدع المتقابلة حيارى متناقضين، وهذه هي طبيعة الباطل، فإنه مختلف متناقض (٣)؛ لأن أصحابه لما خرجوا عن صريح المعقول، وصحيح المنقول، صار في أقوالهم من التناقض والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، مع دعواهم أنهم أصحاب البراهين العقلية، والمعارف الحكمية، وأن العلوم الحقيقية فيما يقولونه، لا فيما جاءت به رسل الله الذين هم أفضل الخليقة، وأعلمهم بالحقيقة (٤).

стр. 74

وهذا الاضطراب والتناقض سِمَةٌ عامة في أغلب أهل البدع المتقابلة أفراداً وفرقاً، فالفرقة الواحدة لا تستقر على رأي أو عقيدة أو موقف وإن جمعتها أحياناً بعض الأصول العامة، مثل الخوارج والرافضة وسائر الفرق (١)؛ لأن كل أصولهم التي خرجوا بها عن السنة مُحدثة مبتدعة ليس لهم فيها سند شرعي، ولا قدوة من الأئمة الصالحين لذلك نجدهم عرضة للتقلب والتغير وعدم الثبات. ومن أكثر الفرق تقلباً أهل الكلام (٢)، قال الإمام أحمد ﵀: " هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه" (٣). قال ابن القيم ﵀: " وكل من له مسكة عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما ينشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد ... وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحمير، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ الملك: ١٠" (٤). ١٠ - التفريط أو الإفراط في شرائع الدين: الله تعالى حكيم في حكمه وأحكامه حيث وضع الموازين التي توزن بها الأعمال بدقة متناهية فهي صنع الله كما قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨، وكل بدعة هي خروج عن الدين إما إلى إفراط وإما إلى تفريط؛ فما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، ولا يكون طرفاً مناقضاً من كل وجه.

стр. 75

والتفريط هو التساهل في الدين، والإفراط هو التشدد في الدين، وكلاهما منهي عنه شرعاً وموقع في الأهواء والبدع، فالتساهل إعراض، والتشدد ابتداع. قال شيخ الإسلام ﵀: " وإنما جماع الشرِّ تفريط في حق أو تعدٍّ إلى باطل، وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة، كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور، أو تكذيب بحق وتصديق بباطل؛ ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين، فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم، كما ذكرت، تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الجهة ودفع معارض، فهذا عجز وتفريط في الحق، وقد يحصل منهم دخول في باطل: إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوازمها، وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته" (١). وقال ابن الوزير ﵀: " اعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما ... الزيادة في الدين بإثبات مالم يذكره الله تعالى ورسوله ﵇ من مهمات الدين ... والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ من ذلك بالتأويل الباطل ... ولهذين الأمرين الباطلين أصلان: عقلي وسمعي. أما العقلي: أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض فيما لا تدركه العقول مما أعرض عنه السلف، نحو ما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات ... فلزمهم ما التزموا من أن رسل الله ﵈ قصروا في البيان عمداً امتحاناً للمكلفين، وتعريضاً للعلماء الراسخين في تأويل كلام رب العالمين. وأما الأصل الثاني وهو السمعي: فهو اختلافهم في أمرين أحدهما: في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم، وثانيهما: اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه ... فطلبوا العلم من غير مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية" (٢).
следующие страницы →