Полный текст (11 097 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مُعْجم أُسَر بُريْدة
تَأليف
مُحمَّد بن نَاصِر العُبودي
الجُزء الأول
بَاب الألف
стр. 2
الناشر
دار الثلوثية للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
تليفون: ٤٥٠٧٨٣٢
فاكس: ٤٦٤٥٩٩
email: tholothia@gmail.com
стр. 3
مُعْجم أُسَر بُريْدَة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
مقدمة الناشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
فإن دار الثلوثية يسعدها أن تزف إلى عموم القراء والباحثين هذا السفر الضخم الذي طال انتظاره من قبل أعداد لا حصر لها من الدارسين والمهتمين "معجم أسر بريدة" الذي يعد أكبر معاجم أسر القصيم التي عكف على تدوينها ودراستها والعناية بأوراقها ووثائقها العلامة الموسوعي صاحب المعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي - حفظه الله.
إنني أعتبر بحق هذا الكتاب من أبرز المشروعات العلمية الكبرى لشيخنا "حفظه الله"، التي بدأها شيخنا منذ سنوات عديدة، وما زال يضيف اللبنة إلى اللبنة حتى تكامل هذا الصرح الشامخ من الرصد والتوثيق والبحث عن المعلومات التي حفظتها صدور الرجال ومجالسهم ووثائقهم بعزيمة الباحث المتفرغ.
ولقد أجاب صاحب المعالي الشيخ في مقدمة هذا الكتاب عن سؤال طرح مرارًا، وهو سبب تأخر صدوره، فعزا ذلك إلى ظروفه العملية ورحلاته الخارجية وعدم تواصل بعض الأسر في المعلومات، إضافة إلى ضخامة العمل وسعته.
ومع هذا التأخر في الصدور، فإني أعده وقد طبع اليوم موسوعة علمية حوت استعراضًا دقيقًا لما يتمتع به صاحب المعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي من قدرات تاريخية وتحليلية نقدية، فقد نقل وناقش واعترض ووافق في مناظرات علمية جادة تتحرى الصواب، وتتلمس الحق والحقيقة.
стр. 6
وأسلوبه في كتابه هذا - وفي غيره - أسلوب علمي راق بعيد عن الإسفاف والتجريح، يطارد المعلومة ويسائلها ويحلل أبعادها، ويحاور النص والوثيقة قدر ما يسعفه النظر والتأمل، حتى أصبح هذا الكتاب فتحًا علميًا في جانب غفل عنه كثير من الباحثين، وهو علم الوثائق وفن قراءتها وتحليلها، وطرائق الاستفادة منها، وذلك انطلاقا من أنها مصدر رئيس ومنهل عظيم الأهمية في التأريخ لهذه البلاد، وخاصة لمنطقة نجد، حيث تغيب المعلومة التاريخية، وتندر الكتابة التي يعتمد عليها المؤلف، فلا يغدو بين أيدي الباحثين إلا استثمار الوسائل الرديفة لتحقيق المعلومة، ومعرفة الأسماء والتواريخ والأحداث والأملاك والوصايا والآراء والمواقف، وهو ما تميز به المؤلف الشيخ محمد بن ناصر العبودي ورعاه، وهو ما يدعوني هنا إلى أن أتمنى عليه أن يفرد تجربته هذه مع الوثائق والمكاتبات والرسائل في كتاب يتأمل فيه هذا العلم، ويترك للباحثين سبيلًا لقراءة وثائق مناطقهم ومدنهم في المملكة وغيرها، كما أني أرشد الباحثين وطلاب الدراسات العليا إلى أن ينهلوا من هذا الكتاب بشكله العام، وأن يعطوا الوثيقة عناية خاصة، إذ إن المؤلف - أثابه الله - قد جمع ورصد وحلل ما لا يوجد في مصدر آخر بتاتًا، فهو الكنز الذي يكشف لأول مرة في تاريخنا المحلي، ومنه نستطيع أن نكتشف طبيعة النمو الحضاري والثقافي الذي شهدته هذه البلاد، حيث نجد في هذا المعجم ما يعطي الدرس الكبير في الاستئناس بنعمة الله الكبيرة على أجيالنا المعاصرة، ويدفعنا إلى شكر المنعم والثناء عليه بما هو أهله جل وعز.
كما يكشف لنا هذا المعجم ما تكتنزه ذاكرة مؤلفه القوية ومعلوماته الثرية بما يتصل بأسر هذه البلاد ورجالها ونسائها، ومواقفهم، وآثارهم العلمية،
стр. 7
ورؤاهم في الحياة، ومواقفهم من الآخرين، وخاصة ما يتصل بتاريخ مدينة بريدة عاصمة القصيم.
وإذا كانت المعلومات الدقيقة الكثيرة الغزيرة التي جمعت في هذا الكتاب مهمة؛ فإن الأهم أيضًا هو ذلك المنهج والفتح المهم الذي درج عليه في إيراده للوثائق وشرحه لمدلولات ألفاظها وعباراتها وتجميع قصاصاتها المتمزقة والمتفرقة في جهد بحثي فريد.
وإذا كانت البهجة تطوق مباسم الكثيرين في خروج هذا المعجم الكبير إلى حيز الوجود؛ فإن الأمل أن يكون في إصداره تحفيز للهمم وشحذ العزائم في العناية بتلك المعلومات الرائدة في الكتاب وحملها على محامل حسنة بعيدًا عن الخوض في النيات وإثارة النعرات، وأن يعني الباحثون في استخراج دراسات جادة تتناول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والشرعية في تلك الوثائق المشتملة على مبايعات ومداينات ووصايا وأوقاف ومراسلات وإخوانيات.
كما أبان المؤلف في هذا السفر الكبير وبتفصيل دقيق وعناية تحقيقية فائقة الحراك العلمي والثقافي والفكري والأدبي الموجود في بريدة منذ مئات السنين واستعرض الكتب والمقالات وزف الشعر بشقيه الفصيح والعامي, ليعيش القارئ في هذه المجلدات الحافلة في حديقة غناء مملوءة بالمفيد والسديد.
لقد وقفت خلال السنوات الماضية وعن قرب شديد على الجهد العظيم والوقت الطويل الذي يقضيه شيخنا في قراءة الوثائق وتحليلها ومخاطبة الأسر ومهاتفتهم ومطالبته بتزويده بما لديهم من أوراق ووثائق.
وكنت ألحظ عليه مدى العناء والمشقة التي تحملها في سبيل إخراج هذا الكتاب إلى القراء في أبهى حلة وأجمل صورة ليفي بوعده لقرائه ومريديه ومحبيه،
стр. 8
ونحن نعلم أن هذا المعجم هو أحد فرائد الشيخ ومشاريعه الرئيسة في التأليف، ولذلك نجده يشير إليه في أوائل مؤلفاته، كمعجم بلاد القصيم الخاصة بجغرافيتها، وفي غيره من الكتب، وذلك يدل على الإيمان العظيم بهذه الرؤية في طريقة التأليف، خاصة إذا تذكرنا أن للشيخ للمؤلف منهجًا فريدًا في التأليف.
وإذا كان معدودًا من المكثرين في التأليف على مستوى العالم، فإني ألفت الأنظار هنا إلى أن الشيخ المؤلف له ريادات في التأليف، وله رؤي ومشاريع تخصه لا يشاركه فيها إلا القليل من الباحثين، وذلك كالتأليف في المعاجم البلدانية والجغرافية واللغوية وغيرها، بالإضافة إلى ما عرف واشتهر عنه من أنه الرحالة الذي طوف آفاق الأرض زيارة وكتابة عنها، وما زلت أتذكر الاحتفاء الكبير الذي يجده - حفظه الله - من كبار الباحثين على مستوى العالم من المهتمين بالرحلة بطريقته في التحقيق.
إنني على يقين تام أنني لن أستطيع تقديم تفصيل دقيق عن رحلة صاحب المعالي شيخنا محمد العبودي مع هذا المشروع العلمي الكبير التي تجاوزت سنين عديدة، إلا أنني أستطيع أن أؤكد وأجزم بأن هذا الكتاب أوسط العقد لمنطقة القصيم التي بدأها بالمعجم الجغرافي وجاء "معجم أسر بريدة"، الذي سيكون بداية التأليف في المعاجم الخاصة بنواحي القصيم الأخرى.
كما يلحظ القارئ الأسلوب السهل الذي قدم به كتابه بعيدا عن الكلفة الأدبية واللغوية مركزًا على الغاية من هذا الكتاب وهو تاريخ الأسر ووثائقها، وهذا يتسم مع الهدف العام للكتاب، وهو تقديمه لجمهور القراء والباحثين على اختلاف مستوياتهم، فهو كتاب يرصد ثقافة الناس ومعارفهم، وحين خلت الساحة من هذا المشروع الضخم فترة طويلة، وجب أن يأتي على هذه الشاكلة في قربه من
стр. 9
الناس، ومداخلته لهمومهم وأفكارهم، مما يحقق مجالا واسعا ليستفيد منه الجميع، وليفتح للباحثين مجالات رحبة من التأليف والتحليل والقراءة والرصد.
كما يتضح في المعجم مهارات الشيخ وقدراته العالية في معرفة الأشخاص والأعيان والأعلام والرجال والنساء، بل أفرد أبوابًا خاصة عن كثير من النساء البارزات ووصاياهن ووثائقهن في بادرة جديدة للمرأة تحسب للمؤلف الشيخ محمد العبودي، وهو مجال ضخم يستطيع الجاد من الباحثين أن يتابع ما رصده الشيخ ليكون كتابًا ضخمًا في هذا الباب، فضلًا لمن أراد أن يزداد في القراءة وجمع المثيل إلى مثيله.
بل يستخلص القاري القدرة العلمية التي وهبها الله للشيخ في التمييز بين الأسر المتشابهة والأسماء المتطابقة وفرز ذلك في مواقعه ورسومه في الكتاب.
وختامًا فإن العلامة العبودي "متعه الله بالصحة والعافية" يقدم رمزًا واضحًا للعالم الموسوعي، وسيجد القارئ في الكتاب لمسات لغوية وأخرى أدبية ولمحات تاريخية وفكرية تبين بجلاء ووضوح المواهب والقدرات والإمكانات التي وهبها الله للشيخ محمد العبودي، حتى عُدَّ بلا جدل من أبرز المؤلفين العرب والمسلمين وحقق أرقامًا قياسية في عدد المؤلفات وتنوعها وتميزها، وقد نفد عدد كبير منها، وما زالت الطلبات تترى عليه، وعلينا في الدار بطباعة عدد كبير منها، وما زال الشيخ يعد بكتب أخرى عكف عليها السنين الطوال، وهو ما يدفعنا لتقديمه أنموذجًا جادا للمؤلف الجاد صاحب المشروع العلمي المتميز الذي ظل طوال مراحل حياته العلمية والعملية وهو يتابعه ويتعهده.
ويبقى جهده في هذا المعجم معروضًا أمام الباحثين والدارسين والمهتمين والراصدين ليكون في متناولهم للبحث وإبداء وجهات النظر، ويبقى أن مثل هذا
стр. 10
المشروع بتنوع موضوعاته وتفرده في بابه واختلاف وجهات النظر فيه سيكون من الكتب الخالدة بإذن الله، وسيحفظ التاريخ لمؤلفه هذا الجهد الكبير الذي خدم به أمته ووطنه ومنطقته ومشايخه وتاريخهم وثقافتهم، ولاشك أنه سيشغل كثيرين ممن سيتابعون ويطالعون هذا المعجم، وسيجدون العلم الكبير والتحليل النادر، وقد يجدون ما يختلفون معه، وهذه طبيعة المشاريع العلمية الكبيرة التي تحتمل وجهات النظر المتعددة.
وسنكون سعداء في دار الثلوثية إن شاء الله في هذا الحراك العلمي الذي يقوده شيخنا "حفظه الله".
أسأل الله أن يبارك في عمر شيخنا وأن يمده بعون منه وتوفيق ليكمل بقية معاجم أسر القصيم ومشاريعه العلمية الأخرى التي قضى جزءًا كبيرًا من عمره ووقته في تدوينها وأمل تحقيقها ليتلقاها محبوه والعارفون بعلمه وفضله.
كتبه
محمد بن عبدالله المشوح
стр. 11
مُعْجم أسَر بريْدَة
تَأليف
مُحمَّد بن نَاصِر العُبودي
الجزء الأول
بَاب الألف
стр. 12
الناشر
دار الثلوثية للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
تليفون: ٤٥٠٧٨٣٢
فاكس: ٤٦٤٥٩٩٩
email: tholothia@gmail.com
стр. 13
مقدمة المؤلف
стр. 14
مقدمة معجم أسر القصيم:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا كتاب يتضمن الحديث عن الأسر التي تسكن في منطقة القصيم في هذا العهد.
كانت الفكرة الأولى لتأليفه قد انبعثت من تأليف كتابي: (معجم بلاد القصيم) الذي طبع في ستة مجلدات.
فكنت قد أزمعت أن أتكلم على كبار الأسر التي تقطن في البلد الذي أتكلم عليه من بلدان القصيم في المعجم غير أن معجم بلدان القصيم قد بلغ حجمًا جعله لا يقبل الزيادة، إذ ما عسى أن يكون حجم كتاب في ستة مجلدات، إذا أضيف إليه كتاب في مثل حجمه، أو فيما يقارب ذلك؟
إضافة إلى أن الحديث عن الأسر وأنسابها وأصولها وفروعها، وتراجم الشخصيات التي تستحق الترجمة منها، مما يقتضي تحقيقه والتحقق من ذلك وقتًا طويلًا قد يؤخر إصدار معجم بلاد القصيم.
لذلك رأيت تجريد معجم البلدان من هذا الموضوع وتخصيص كتاب آخر لما يتعلق بالأسر وهو هذا، وأسميته: (معجم أسر أهل القصيم).
قد يقول قائل، أو يتساءل متسائل: ماذا يستطيع مؤلف أن يقدمه في هذا الموضوع الذي لا يوجد فيه مرجع مكتوب لا من كتاب مخطوط ولا مطبوع إلَّا نتفًا هي إلى الإخلال والغموض أقرب منها إلى الاستيعاب والوضوح؟
стр. 15
لاسيما في منطقة مثل منطقتنا كان أكثر العلماء فيها يرون الاشتغال بالتاريخ والشعر والأدب الذي لا يتصل بسبب وثيق بأمور الدين حسب تقديرهم من لغو القول، بل من حشوه الذي يشغل عن العلم الصحيح علم أصول الدين وفروعه، وبعضهم يكره الكلام فيه لأنه يتصل بالحديث عن أحوال الناس التي يفهم منها هو أنها من أعراضهم المنهي عن الكلام فيها.
ثم إنَّ هناك شيئًا مهما آخر وهو أن أكثر الناس من العامة إذا طلب المرء منهم أن يحدثوه عما يتصل بأسرهم أو أخبارهم نظروا إليه شزرًا، وربما ظن بعضهم به شرًّا، إذ يسأل الواحد منهم نفسه عما يكون وراء ذلك السؤال، فإذا لم يرد سائله بصريح المقال فإنه قد يقول له بلسان الحال: مالك ولهذه الأمور التي هي من شأننا وحدنا؟ ونحن مثلما أننا لا نهتم بأمور الناس فإن الناس لا يهتمون بأمورنا.
وقد يقول قولًا آخر: وهو ماذا يستفيد الناس من هذا الأمر؟ وما الذي يفيدنا نحن منه؟ وقد يقول ما هو أبعد من ذلك: ماذا عسى أن يكون مراد هذا السائل؟ ألا يخشى أن يتخذ ما يعرفه من أمورنا سلمًا للقدح فينا؟
وتلك قولة قالها أو قال أختًا لها أخ له من قبل، عندما أقدمت على البدء في تأليف كتاب "معجم بلاد القصيم" فكان جوابي عليه في ذلك الحين: إننا إذا كتبنا شيئًا من لا شيء كان ذلك خيرًا من أن نضيف لا شيء إلى لا شيء، إذا كان السلب يصح أن يكون إضافة.
أما بعد أن خرج كتاب (معجم بلاد القصيم) إلى حيز الوجود، فإنني لا أحتاج إلى أن أجيبه بغير أن أقدم له نسخة منه وأدعه يحكم عليه بنفسه.
واليوم أجدني في مقام أنا أحوج فيه إلى أن أمرر ذلك على مسامعه أو مسامع أخيه في القول فأقول: إننا إذا كتبنا شيئًا في معجم الأسر فإنه خير من
стр. 16
لا شيء، أما إذا وفقنا إلى أن نكتب شيئا له قيمته، فإن ذلك هو ما نصبو إليه، وأما بلوغ الغاية في التأليف، فإنني لا أصبو إليه في مبدأ التأليف، وخاصة إذا كان الموضوع غير مطروق والكتاب بكرًا في بابه.
فلبنة أو لبنات تضعها أنت تكون صالحة لأن يأتي بعدك غيرك فيضع فوقها لبنات أخرى، ويأتي آخر فيضيف إلى تلك اللبنات غيرها مثلها، حتى يكتمل بناء الصرح المطلوب من المعلومات، تعتبر إسهامًا منك في بناء هذا الصرح
هذا هو ما حفزني على الإقدام على التأليف في هذا الموضوع لاسيما بعد أن ذكرت ذلك لقراء "معجم بلاد القصيم"، فأصبح بمثابة الوعد اللازم الإنجاز أو الدَّين الواجب الوفاء.
وحتى لو لم يكن ذلك كذلك فإنه لمن ضريبة الكتابة على من يجدون في أنفسهم الأهلية للكتابة أن يسهموا بأقلامهم في حفظ معلومات على وشك أن تضيع، بل هو في الحقيقة إنقاذ لها من التلاشي، وذلك بأن جيلنا الذي عاصر عهدًا مضى، ولحق بعهد حاضر ورأى الفرق بين العهدين يكاد يكون في بعض الميادين الفرق بين النقيضين لهو جدير بأن يكون تسجيله لها أدق، ورأيه في الفرق بينهما أصوب.
وقد حرصت على تسجيل الآثار الشعرية للمترجمين في هذا الكتاب، وإن كان بعضها ليس من الجودة بالمكان الذي أراه.
ذلك بأنني هنا مسجل ولست منتقيًا، فتسجيل الأشعار هنا مثل تسجيل الأخبار، التي قد يوافق المرء على ما سجله منها، وربما لا يوافق، ولكنه يسجلها من باب العلم بها، والإطلاع على مدلولاتها، وبغية أن يجد من يأتي بعده يريد أن يبحث فيها وفي دلالاتها بعض ما يبغي ويريد.
стр. 17
وذلك على أية حال ربما يوضح العقلية التي كانت سائدة عندنا في تلك الأخبار أو من يقبلونها ويروجونها.
ونظرًا إلى أن الأمية كانت فاشية خلال أكثر العصور التي نسجل فيها حيوات أهل القصيم أو بعض تلك العصور فإن من الطبيعي أن تكون الأشعار العامية أغلب عند أهلها من الأشعار الفصيحة، وذلك لأن الشعر فيض الشعور واللغة أداة التعبير عنه، واللغة العامية هي التي لا يحسن أكثرهم غيرها، ولا يملكون من زمام القول وتصريفه إلَّا ما كان منها.
أما اللغة الفصحى فهم لا يفهمونها حق الفهم، أو لا يعلمون مجازاتها ومناحي القول فيها حق العلم، ولو علموا ذلك وأتقنوه لما استطاعوا أن يتيقنوا أنهم إذا قالوا ما كانوا يريدون أن يقولوه باللغة الفصحى يكون مفهومًا للعامة حق الفهم، ومعلومًا لديهم كل العلم.
فلا يكون أمامهم - والحالة هذه - سواء أكان ذلك عن روية وتفكير أو عفو الخاطر من دون تدبير أو تقدير، إلَّا نظم الشعر باللغة العامية.
والشعر كما هو ديوان العرب في الفصحى يسجلون فيه مفاخرهم ومثالب أعدائهم ومخالفيهم، فإن الشعر العامي مثل ذلك تمامًا عند من يفهمه حق الفهم، ويهضمه فكره كل الهضم.
وهو أدل على ما ذكرناه وعلى غيره مما يدل عليه الشعر بأية لغة من اللغات من الشعر الفصيح الذي لا يأتي عفو الخاطر، ولا يولد ابنًا للسليقة، وإنما يتعلمه ناطقه تعلمًا، وقد ينظمه تكلفًا.
لذلك كان تسجيل الشعر العامي وهو الشعر الوحيد لدى أكثرهم أمرًا لازمًا لمن يريد أن يسجل الحركة العقلية لدى الذين يترجم لهم من العوام وأشباه العوام.
стр. 18
على أن هذا لا يمنع من أنني أسجل الشعر الفصيح إذا وجد، حتى وإن لم يكن على المستوى الذي أعتقد أنه يجب أن يكون الشعر الجيد عليه.
فلو لم يكن في تسجيل مثل هذه الأشعار إلَّا بيان حالة الشعر في تلك الفترة على ألسنة أولئك القوم الذين أترجم لهم لكان ذلك مبررًا كافيًا.
على أن الذي أبعدت نفسي عنه، وأرجو أن أبرأها لدى القارئ منه هو أنني لا أستمع إلى القول فأتبع أسوأه، فلا أترك الجيد وأختار الردئ بل العكس هو الصحيح إلَّا عندما يكون شعر شاعر كله من النوع الذي أعتبره رديئًا فإنني أختار الرد على الأردأ مضطرًا.
أما ترتيب الأسر المتماثلة الأسماء فإنني لا اتبع فيه طريقة معينة، فليس التقديم بالأفضلية بالنسب أي لمجرد كون الأسرة محفوظة النسب إلى قبيلة عربية يثبت لها في حد ذاته وبدون أية مزية أخرى التقديم على غيرها في الذكر.
فإذا ذكرت - مثلًا - أسرة وتكلمت عليها ثم ذكرت بعدها أسرة أخرى تماثلها في التسمية - وقلت عنها: أسرة أخرى فإنه ليس معنى هذا أنها أقل قدرًا من الأولى عندي أو عند من نقلت عنه خبرها، وإنما ذلك يكون لأحد أمرين هما: كوني بدأت بكتابة الأسرة الأولى قبل كتابة الأسرة الثانية والثالثة، إن وجدت، أو لكون الأسرة الأولى أكبر شهرة، أو أكثر عددًا في الأفراد، وإنما قولي عن التي تليها أسرة أخرى فهو لبيان التمييز بين الأسرتين من ناحية، ولكي استغني عن ضبط هذا الاسم المماثل وتكرر شرح اشتقاقه من ناحية أخرى.
وكذلك ما يتعلق بالأسر الأخرى التي تكون من بلدين أو أكثر من بلدين ويجمع بينها اسم واحد، فإذا كانت هناك أسرة تسمى مثلًا (الغانم) في بلد أو قرية، وأخرى تسمى بالاسم نفسه في بريدة - مثلًا - وثالثة في قرية أخرى .. الخ، فإنني لا ألتزم بذكر التي من بريدة أولًا على اعتبار أن بريدة أكبر من
стр. 19
غيرها في الوقت الحاضر أو لكونها قاعدة منطقة القصيم.
وذلك لأنني لا أقول بفضل أهل مدينة، أو قرية على أخرى في هذا الأمر، أو بأحقية قرية بالتقديم قبل القرى الأخرى، وإنما التقديم عندي يكون إما بالشهرة وكثرة الأفراد، أو محض مصادفة مبنية على كوني كتبت عن أسرة قبل أخرى بسب توفر المعلومات عنها عندي أكثر من التي تليها.
وهذا النوع من التأليف غير معروف في بلادنا.
ولذلك يمكن القول بأن هذا الكتاب هو الأول من نوعه في نجد، إن لم نقل في جزيرة العرب.
وحتى في البلدان العربية الأخرى خارج الجزيرة العربية، لم أقف على مثله في الطريقة والأسلوب وشموله لكافة الأسر التي تسكن في المنطقة.
وإنما كان المألوف هو التأليف في كتب الأنساب لذلك كان عدد من الناس يسألونني عنه قائلين:
ما فعل كتاب الأنساب؟
فأصحح كلامهم قائلًا لهم:
إنه ليس كتاب أنساب، وإنما هو كتاب في بيان الأسر القصيمية، وتسجيل الطائفة من المعلومات المتعلقة بها.
وما فيه من ذكر الأنساب إنما هو جزء من تلك المعلومات سبيله في الذكر سبيل المعلومات الأخرى.
وآخرون وبخاصة من طلبة العلم يسألونني على سبيل الرثاء والشفقة قائلين:
كيف تفعل بالأسر التي ليس لها أنساب عربية محفوظة؟
وكيف خلاصك من ذكر أسَر أنسابها ضائعة؟
стр. 20
وماذا تفعل لبني فلان الذي ينتسبون إلى بني فلان ويعرف ذوو النظر أن نسبتهم تلك غير صحيحة؟
حتى بالنسبة إلى الأسر المحفوظة الأنساب والتي لم يتكلم متكلم في أنسابها ولكن الأخبار المؤكدة والتفصيلات التي تبين أنسابهم غير معروفة لأنهم لم يكونوا يهتمون بذلك، لغلبة الأمية عليهم، أو لعدم وجود مؤرخ في منطقتهم وهو أمر كان هو الأصل الغالب في هذه المنطقة.
وبعضهم يسأل أسئلة كثيرة من هذا القبيل، أو ما كان قريبًا منه.
فأجيبهم: بأن هذا الكتاب ليس كتاب أنساب يركز بحثه على أنساب الناس وبخاصة من كانوا ذوي أنساب عربية محفوظة.
وإنما هو كتاب في أحوال الأسر القصيمية وذكر الأنساب فيها على اعتبار أنها من المعلومات عن تلك الأسر.
لذلك تجدني لا أجد صعوبة حينما أمر بذكر أسرة ليس لها نسب محفوظ إلى قبيلة عربية أو بذكر أسرة لها نسب معروف لغير العرب، أو بذكر أسرة تزعم لنفسها نسبًا في القبائل العربية والعارفون بالأمر لا يقرونها على ذلك.
فالأمر في هذا الموضوع مثل الأمور الأخرى المتعلقة بأحوال الأسر، ما وصل إليَّ منها أثبته، وما لم أعرفه ضربت صفحًا عنه.
إلَّا ما كان من قبيل المثالب والعيوب فإنني لا أتبعه ولو بلغني، فكتب المثالب والمعائب كانت موجودة في القديم، ونقل عنها المؤرخون والكاتبون في التراجم إبان ازدهار الحضارة العربية في العصر العباسي، ولكن لو كان لنا من الأمر شيء من تلك الأمور في سالف العصور لما تركناهم يكتبون مثل ذلك، لأنه تبين من الدراسة أن بعض المعائب والمثالب إنما هي تشنيع وتجريح ليس منه شيء صحيح، وحتى لو كان صحيحًا، فإن ذكر الصحيح من المزايا والمناقب يكفي عنه، وهو أصلح إلى أن يكون بديلًا منه.
стр. 21
وآخرون قالوا لي، ومنهم أناس من ذوي الأنساب المعروفة: لماذا تذكر الأنساب؟
وهل لها قيمة في هذا الزمان الذي يبتعد فيه الناس في بلادنا عن حياة البداوة إلى حياة التمدن؟ وقد أخذ التعليم ينتشر في الناس حتى في أوساط النساء.
فصار الأثر والأهمية فيه هو لجهود المرء الشخصية، وصارت المكانة في الوظائف والأعمال مبنية على الأهلية، وصار النسب - تبعًا لذلك - لا قيمة له، وأنت ترى الأنساب في مدن الحضارة الكبيرة لا أهمية لها، وقد تناساها الناس حتى نسوها.
فأجيبهم بأن ما ذكرتموه وحاولتم أن تجعلوه مانعًا لي من ذكر الأنساب في هذا الكتاب هو في الحقيقة مقتض وليس مانعًا، فلولا ما ذكرتموه من استهانة الناس بالأنساب في الوقت الحاضر؟ ومن أن الأنساب قد أصبحت ليست لها أهمية عند كثير منهم لما حرصت على ذكرها.
ذلك بأنها الآن تمر بمرحلة بين مرحلتين هما مرحلة الاهتمام بها لما لها من أثر على حياة الشخص ونسله، لأن أهل نجد وربما أهل البدو أو الحضر القريبين من البدو في العادات والأعراف كانوا إذا ضيم أحد منهم استنجد بجماعته ففزعوا له وفرجوا عنه كربته وأبعدوا عنه ضيمه.
وكان بعضهم إذا ركبه دين، أو تحمل حَمالة وجد في أبناء قبيلته من يشاركه ذلك الحمل.
والمرحلة الثانية التي لم يحن بعد وقتها آتية بدون شك ما لم تحدث أمور غير متوقعة قد تعود بالجزيرة العربية إلى سابق عهدها من شظف العيش والعزلة عن العالم الخارجي.
وتلك المرحلة هي مرحلة إهمال الأنساب بل الهزء والسخرية ممن يتمسك بها، إذ سيكون المجهود الشخصي وعلاقات الصداقة الفردية هي التي
стр. 22
تحكم العلاقات بين الأشخاص.
وطبيعي أن هذا الكلام لا يعني إلغاء علاقة القربى وصلة الرحم، وإنما المراد منه أن العصبية القبلية وفائدة الصلة بالنسب ستنقطع.
وحينذاك تضيع تلك المعلومات المتعلقة بالأنساب وتنسى كما نسي جزء كبير من تراثنا الشعبي، ومعارفنا في الجزيرة العربية التي طمرها الجهل خلال قرون طويلة.
حتى أصبحنا مثلًا لا ندري شيئًا عن اللغة التي كان يتكلم بها أسلافنا في القرن السابع الهجري، وقد قيل لنا إنها عامية لأن العربية الفصحى قد دخلها اللحن منذ أواخر القرن الأول الهجري.
فإذا سلمنا بذلك فإننا نسأل عن اللغة العامية التي كان يتكلم بها سكان الجزيرة العربية في عدة قرون منها القرن السابع: أهي عاميتنا هذه؟ أم هي الفصيحة دخلها اللحن فقط، وأبقى الزمن على الطابع الفصيح فيها في متون الكلمات والتعبيرات اللغوية، وفي صياغة الجمل الكلامية؟
هذا مع الإشارة إلى أنه ثبت لنا من كلام بعض العلماء الثقات من اللغويين مثل أبي منصور الأزهري أن طائفة من الأعراب من بين تميم وغيرهم كانوا يتكلمون بالفصحى حسبما سمعهم ورآهم في أواخر القرن الثالث الهجري.
على أية حال فإن هذا استطراد ينبغي أن لا يشغلنا عن القول بأن الهدف من تأليف هذا الكتاب وما فيه من الأنساب والأشعار والحكايات إنما هو في المقام الأول حفظ طائفة من المعلومات المهمة من أدبنا وتاريخنا من الضياع، والقصد من وراء ذلك هو العلم والعلم وحده، وليس هو مدح قوم دون قوم، أو ذم قوم آخرين.
وليس هو أيضًا طلبًا لأي مغنم دنيوي أو دعوى للمؤلف، لأن المؤلف كتب هذا الكتاب بعد أن أتم ما طبع له من الكتب زيادة على مائة وخمسة وخمسين مجلدًا، ومنها شيء يتعلق بالقصيم نفسه، وهو (معجم بلاد القصيم).
стр. 23
بقيت كلمة في هذا الموضوع يحسن الهمس بها في آذان بعض إخواننا من بني جماعتنا أهل القصيم، وإن لم يكن الهمس بها فليكن الجهر والإعلان، وهي أن بعضهم ربما يصاب بخيبة أمل عندما يقرأ اسم أسرته أو الخبر عن آبائه وأجداده، فيجد ذلك مختصرًا مقتصرًا على ذكر الاسم واللقب، وشيء معهمًا لا يخرج عن ذلك كثيرًا، وكان يتوقع أن يسمع عن ذلك ما لم يكن سمع به هو ولا أقاربه الأدنون الذين يعرفهم ويستطيع أن يتحدث إليهم.
فيصم صاحب الكتاب بالقصور أو التقصير إن لم يتهمه بالتجني والقصد غير النزيه في عدم التبسط والتوسع في ذلك.
وإنني أقول له: مهلا يا صاحبي وينبغي أن تضع في ذهنك أن صاحب هذا الكتاب كالقانص الذي إذا دخل أرضًا ووجد فيها صيدا فإنه ينصب حبالته أو يرسل سهامه، أو لنقل بندقه - إن شئت - يحاول أن يصطاد وهو إذ يفعل ذلك قد يكون ذا حظ عظيم فيجد كثيرًا ويصطاد منه كثيرًا.
وقد يكون سيئ الحظ فلا يجد صيدًا أبدًا، وقد يكون الأمر بخلاف ذلك إذ يجد الصيد ولكنه لا يستطيع أن يصطاد منه.
والصيد هنا هو الأخبار المهمة عن الأسرة، وذكر رجالاتها، وبيان وفياتهم، فضلًا عن الكلام على حيواتهم، وما قالوه أو خلفوه من شعر أو نثر أو حتى طرفة أو حكاية.
ونضرب له مثلًا من نفسك، فأنت إذا كنت لا تعرف أنت ولا أقاربك الأدنون عن أسرتك وبني عمومتك، وربما بنوا آبائك شيئًا يشفي عليلك أو يروي غليلك من أخبار أهلك كيف تطلب من الكاتب أو من غيره أن يجد من ذلك ما تريده أنت؟ وقد تكون أنت تريد منه شططًا ولا تكتفي منه بما يكتفي به غيرك.
стр. 24
مقدمة معجم أسر بريدة:
لك الحمد اللهم على نعمك، ولك الشكر الجزيل المتجدد على ما أفضت علينا من كرمك، ومن ذلك أن وفقتنا للبدء بتقييد أشياء لم تكتب من قبل، فضلًا عن أن تكونُ سجلت أو وثقت من أخبار الأسر في مدينتنا: مدينة بريدة التي عهدناها من أول إدراكنا الأشياء في عام ١٣٥٠ هـ، غير ما هي عليه الآن فهي في ذلك التاريخ أكبر مدن نجد على الإطلاق ولكنها في المساحة وعدد السكان لا تساوي ربع ما هي عليه الآن.
وكنت أتشوق منذ صباي إلى أخبار الأسر، وما يتعلق بذلك مما يؤثر عن الشخصيات المتميزة، بأقوال أو أفعال خارجة عن المعتاد المالوف عند سائر الناس إلى جانب طبيعة فضولية فيَّ وتقليد للأشياء مثل أن أكتب دفترًا صغيرًا أزعمه كتابًا من الكتب تقليدًا لما رأيته من الكتب، أو حتى لما سمعته عنها، ومن ذلك كتاب أسميته (أنيس الجليس، فيما تزول بذكره الهواجيس) قيدت فيه ما استطاع فكر صبي في التاسعة أو العاشرة من عمره أن يسجله، ولكن الله تعالى بارك فيه حتى أصبح كل باب من أبوابه أو أكثر أبوابه كتابًا حافلًا ومن ذلك (باب الأمثال العامية) فيه، صار كتابًا موسعًا طبع بعد ذلك في خمس مجلدات، وتلاه كتاب آخر أعمق منه بحوثًا، وأكثر أهمية هو (كتاب الأصول الفصيحة للأمثال الدارجة) الذي وقع في ثمانية مجلدات، كتبت على الناسوخ وصارت جاهزة للطبع على آلة الطباعة.
وباب (الكلمات العامية) في ذلك الكتاب الصبياني الصغير صار كتبًا أطول وسجلات أحفل منها كتاب (معجم الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة) الذي وقع في ثلاثة عشر مجلدا، و (معجم الألفاظ العامية) في ٢١ مجلدًا.
ولكن ما يتعلق بالأسر وأصولها وقف في مكانه حيث تركته، وذلك أني اجتهدت بعد البدء به في العمل على إكماله، وكان عملي آنذاك في الرياض، إذ
стр. 25
كنت أشغل وظيفة (الأمين العام للدعوة الإسلامية، وأمين الهيئة العليا) وهي وظيفة حكومية في المرتبة الخامسة عشرة التي هي مرتبة وكيل وزارة، فكنت بعد أن انتهيت من كتاب (معجم بلاد القصيم) أجد مجالًا للذهاب إلى مدينة بريدة، وأجالس أهلها وأدون شيئًا أو أشياء من أخبار الأسر فيها، إلا أن عملي نقل إلى (رابطة العالم الإسلامي) في مكة المكرمة حيث عينت (أمينًا عامًا مساعدًا للرابطة) وهي وظيفة في المرتبة الممتازة التي هي رتبة نائب وزير.
وليس هذا بالمهم فيما نتحدث عنه، وإنما المهم أنني أبعدت حسًا ومعني عن منطقة البحث في الأسر القصيمية، فمن ناحية المسافة الحسية ذلك ظاهر أما المعنوية فإن عملي في رابطة العالم الإسلامي يتعلق بأحوال المسلمين أينما كانوا من وجه الأرض، ويتطلب مني ذلك أن أكون مطلعًا على أحوالهم، حتى أستطيع أن أقدر المساعدات المالية والثقافية التي تقدم من الرابطة إليهم، ويتطلب مني ذلك أيضًا في كثير من الأحيان أن أسافر إلى بلادهم، وأري مشروعاتهم الإسلامية، ومؤسساتهم الثقافية في أماكنها.
والمسلمون منتشرون في أنحاء العالم ولله الحمد، إذ قلما توجد دولة وربما ولاية من دولة في أية ناحية من نواحي العالم ليس فيها مسلمون، لذلك كثرت أسفاري إلى أنحاء العالم حتى شملت جميع أنحاء الأرض، بل حتى وصلت إلى أكثر الزوايا فيها، وكان من لطف الله تعالى بي أن سجلت مشاهداتي في أنحاء العالم في كتب عديدة بلغت ١٧٢ كتابًا، طبع منها حتى الآن مائة وتسعة عشر.
وهذا الأمر لم يتهيأ لأحد قبلي ممن كتبوا بالعربية حسبما علمته.
ونعود إلى الحديث عن (معجم الأسر) فأقول إنني بعدت بذلك - عن أسر القصيم، بل عن القصيم كله في تلك الفترة التي استمرت عشرين سنة، منذ
стр. 26
أن التحقت بالرابطة حسب أمر ملكي مباشر لي في ٩ رمضان من عام ١٤٠٣ هـ حتى كتابة هذه السطور في عام ١٤٢٣ هـ.
ولذلك بقي ما يتعلق بالأسر قابعًا في مسودته، وأكثره مشتت المعلومات مقطع الأوصال، لا لأنني أردت أن يكون كذلك، ولكن لكونه كذلك، ولم أستطع أن ألم شعثه، وأجمع أوصاله في جسم كتاب واحد.
حتى صرت لا أذكر كتاب (معجم أسر القصيم) إلَّا إذا أثاره لديَّ مثير، أو طرح بعضهم سؤالًا علي عنه، وكثيرًا ما يطرح الصحفيون والعامة من الناس ذلك عليَّ فأعدهم أنني إذا قدر لي أن أتقاعد، كان أول ما أعتني به سيكون ذلك الكتاب بإذن الله.
ولكن الأيام تمضي ومراجعنا من الشيوخ الإخباريين يتلاشون، بل ينقرضون، وبذلك صار الجهل بما عليه الآباء والأجداد يزيد ويتسع، وهذا ما يفت في العضد من جهة، ولكنه يشحذ الهمة من جهة أخرى، أما الأول فإنه ظاهر، وأما الثاني فإنه يجعلني أتصور الناس بعد مائة سنة على سبيل المثال، فأجدهم فيما يتعلق بهذه الأمور لا يكادون يعرفون شيئًا أو لا يعرفون شيئًا أصلًا.
وقد شاهدت من ذلك طرفًا حينما يأتي إليَّ شبان يسألونني عن آبائهم أو أجدادهم، فأخبرهم بما أعرفه عنهم فأجدهم يتعجبون منه، وكأنما يستمعون إلى شخصيات تاريخية مع أن العهد قريب والزمن لم يبعد كثيرًا بآبائهم عنهم، ولكنه خفاء المعلومات، وعدم العناية من أهليهم بتسجيلها.
وهذا ما جعلني أحاول وأنا على وشك أن أختار التقاعد أن أستنقذ بعض المعلومات عن الأسر من الضياع، أو أتخذ مما سبق أن دونته عنها أساسًا لذلك، وقاعدة للكتابة عنها.
стр. 27
ولذلك صرت أنظر بعين الاعتبار - عند نفسي - إلى أن أطلب التقاعد عن العمل، لأن (ستين سنة) من العمل في الحكومة شيء كثير ولله الحمد، وإن لم يفاتحني بالإقالة، أو الإحالة على التقاعد مفاتح من الحكومة، ذلك بأن تعييني كان بناء على أمر ملكي في المرتبة الممتازة ومن يكون كذلك لا يُقال من عمله أو يحال إلى التقاعد إلَّا بأمر ملكي، ولم يصدر مثل هذا الأمر الملكي بعد بشأني، غير أنني أنا صرت أفكر في طلب إقالتي بعد هذه المدة الطويلة من العمل.
ما اختاره الله خير:
إنني إذا رجعت إلى ما أنجزته خلال السنوات العشرين الماضية من كتب، وجدت أنها تزيد على مائة كتاب أكثرها كتبته في تلك السنوات العشرين التي كانت هي أخصب سني حياتي وأكثرها حيوية من ناحية السفر والحركة، ومن ناحية الكتابة والتأليف، فإن كتب الرحلات وحدها التي كتبتها في تلك السنوات العشرين كافية في الشهادة على ذلك، كما أشرت إليه، وكتبت في تلك السنوات العشرين كتبًا لغوية عديدة وصلت إلى خمسين مجلدًا أو تزيد طبع قليل منها.
ولكن لا يزال عدم إنجاز كتاب (معجم الأسر في القصيم) يؤرقني مع أنني أعزي نفسي بأن ذلك لم يكن بيدي، ولم يكن بناء على كسل أو تكاسل مني عنه.
وها أنا الآن وقد حصلت على إجازة من العمل لأيام محدودة أبدأ بما أرجو أن يتيسر لي الاستمرار به وإكماله في (معجم أسر القصيم).
إلَّا أنني رأيت أن الكتاب حسب ما رسمته في ذهني، وما كان اجتمع عندي من مواده أنه سوف يكون كبيرًا، وأنه لابد من أن أطبع منه قسمًا طبعة تجريبية تحفز من كان عندهم معلومات أو ما يحتاجه الكتاب من مواد كالأشعار والوثائق إلى أن يبادروا فيمدوني به، إذا لم يكن عندي، لذلك رأيت أن أبدأ بأسر بريدة أقدمها على غيرها لما ذكرته، فيكون هذا الكتاب مخصصًا
стр. 28
لها، ويكون الكتاب التالي لبقية أسر القصيم.
لقد بدأت بكتابة أسر بريدة ، وذلك لأمور، منها أن بريدة هي مسقط رأسي، ومسرح أنفاسي، ودار آبائي وأجدادي إلى خمسة عشر جدًّا أو يزيدون، وهي التي فتحت عيني على أهلها، واطلعت على فرعها وأصلها.
ومنها أن بريدة صارت الآن مدينة كبيرة تسكنها أسر كثيرة وفدت إليها من غير أهلها ومن ذلك طائفة من أبناء القبائل العربية التي كانت مساكنها قريبة منها.
ومنها: أن لديَّ المعرفة بأسر بريدة، بحكم ما ذكرته أكثر مما لديَّ عن غيرها من ناحية المعرفة الشخصية، وإن كانت المعلومات متجددة، وإذا طلبها المرء ووفق في العثور عليها فإنها تكون أو بعضها أكثر مما يعرفه سكانها أو بعضهم.
لذلك صح عزمي، وحزمت أمري على البدء بكتابة شيء عن أسر بريدة سيكون بمثابة الاختبار لوقع المعلومات التي أذكرها فيه على نفوس المواطنين من أجل ملاحظة ذلك في الطبعة الثانية لكتاب (أسر بريدة) إن قدر له أن يطبع طبعة ثانية، ولكتاب الأسر الأخرى لبقية أهل القصيم.
أسر بريدة:
بقي أن أذكر اصطلاحي في هذا الكتاب وهو أنني أقصد بأهل بريدة من كانوا من أهلها سواء أهاجر بعضهم إلى الرياض أو أقام في مدينة أخرى، كما أنني أذكر من أهلها من اتخذها دارا من غير أهلها ما عدا من جاء منها لعمل مؤقت حكومي أو غير حكومي فإنني لا أعتبر أسرته من أهل بريدة، ولاسيما من كانوا كذلك في القديم، أو من سكنوها في القديم القريب الذي ربما يحدد بمنتصف القرن الرابع عشر أو نحو ذلك.
وهناك طوائف من الأعراب وأهل البادية سكنوا في أطراف مدينة بريدة ثم التحمت مساكنهم في بريدة وصارت جزءًا منها وعددهم كبير، لأن القرى والهجر
стр. 29
التي كانت تتبع مدينة بريدة كثيرة فتحضر أهلها أو أكثرهم وسكنوا بريدة.
وهؤلاء أكثرهم ينتسب إلى قبيلته الواسعة الكبيرة كالحربي والعنزي والمطيري والرشيدي، أو إلى فخذ من قبيلته كالفريدي والغيداني من حرب والحميداني والصعيري من مطير والخمشي من عنزة فهؤلاء يصعب علينا أن نذكرهم في هذا المعجم، إذ كيف تعد قبيلة ضخمة تعد عشرات الألوف، وربما مئات الألوف من الأشخاص بمثابة أسرة يكون عدد أفرادها سبعة أو حتى سبعين؟
ثم إن الانتساب إلى قبيلة كبيرة كالشمري والعتيبي لا يُعَرِّف المنتسب إليه، لأن لفظ (شمري) أو (عتيبي) يشمل أو يصدق على كل أفراد القبيلة, ولذلك يصح القول إن أشخاصًا وأسرًا لا يقل عددها عن عشرات الألوف من سكان بريدة في الوقت الحاضر لم يذكروا في هذا المعجم لما ذكرته، ولكونهم من الطارئين على بريدة الذين لم يسكنوا فيها إلَّا مؤخرًا.
بريدة:
نريد بمدينة بريدة التي سوف نتكلم على الأسر فيها ما يشمِل بريدة القديمة، وما صار يشمله اسمها من الخبوب الغربية والشرقية والصباخ من جهة الجنوب والشقة من جهة الشمال.
وليس هذا هو اصطلاح منا، وإنما هو مفهوم لمدينة بريدة وضواحيها رفعته بلديتها إلى وزارة الشئون البلدية والقروية فأقرته ونشر في الصحف حيث قرأته في جريدة الرياض التي صدرت في يوم السبت ٢٢ جمادى الآخرة من عام ١٤٢٣ هـ الذي يوافقه ٢١ أغسطس عام ٢٠٠٢ م، وفيه عنوان متعلق بأحباء بريدة تحت عنوان تسمية الأحياء في بريدة ويقول:
صدر قرار معالي وزير الشؤن البلدية والقروية الدكتور محمد بن إبراهيم الجار الله باعتماد أسماء الأحياء والطرق الرئيسية والشوارع والميادين بمدينة بريدة.
стр. 30
وشملت التسميات ٣١ شارعًا رئيسيًا و ١٥ ميدانًا و ٦٩ حيًّا، وفيما يلي قائمة الأسماء الجديدة:
أسماء الشوارع:
طريق الإمام محمد بن سعود - وصلة جامعة الإمام، طريق الملك عبد العزيز - من العمار جنوبًا حتى النقرة غربًا على طريق المدينة، طريق الملك سعود - شمال المرور من الدائري شرقًا إلى المنتزه غربًا، طريق الملك فيصل - المعروف حاليًا من الدائري شرقًا إلى الضلع الغربي، طريق الملك خالد - طريق الشاحنات من ميدان خضيراء إلى الدائري الشمالي، طريق الملك فهد - جنوب التلفزيون من الدائري الشرقي إلى الغربي، طريق الأمير عبد الله بن عبد العزيز - ش / الأربعين بالصفراء من التغيرة إلى الدائري شمالًا، طريق الأمير سلطان بن عبد العزيز - الصفراء شمال دار التربية من طريق الملك عبد العزيز إلى الطرفية شرقًا، شارع الأمير عبدالإله بن عبد العزيز - الصفراء غرب التلفزيون شمال جنوب، شارع الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز - الصفراء شمال التلفزيون ما بين الناديين شرق غرب، طريق أبي بكر الصديق، ش/ الغرفة التجارية من طريق الملك عبد العزيز إلى الدائري شمالًا، طريق عمر بن الخطاب - ش/ ما بين الإسكان والريان (البشر) من طريق الملك عبد العزيز إلى الدائري شمالًا، طريق عثمان بن عفان - الإسكان وسط الحي من ميدان التعليم إلى الدائري شمالًا، طريق علي بن أبي طالب - جنوب الأستاد الرياضي من طريق الطرفية إلى المنتزه غربًا، طريق عمر بن عبد العزيز - طريق الزلفي من طريق الملك خالد حتى الدائري، شارع السلام - شارع غرب القصور الملكية، شارع النهضة - شمال القصور الملكية، شارع النخيل - جنوب القصور الملكية، طريق الطرفية - ميدان الطرفية إلى نهايته بالطرفية، طريق السالمية - السالمية الشارع العام، طريق الحمر - من ميدان
стр. 31
السواني إلى نهايته في الحمر، طريق النقع - من طريق الملك خالد إلى نهايته في النفع شرقًا، طريق الهدية - من ميدان الهدية حتى نهايته بالهدية، طريق خضيراء - من شارع التعليم إلى نهايته بخضيراء، شارع الصباخ - من طريق الملك فيصل إلى نهايته جنوبًا بالسالمية، شارع الرياض - من ميدان الهدية إلى نهايته بالروابي، شارع أحد - الإسكان بين حي (٣ - ٦) و (٢ - ٥) شرق غرب، شارع بدر - الإسكان بين حي (٢ - ٥) و (١ - ٤) شرق غرب، طريق الجامعة - ميدان خضيراء حتى وصلة جامعة الإمام، شارع القناة - من ميدان السواني حتى بحيرة الخليج، شارع العدل - غرب قصر سمو الأمير.
أسماء الميادين:
ميدان المئوية - تقاطع طريق الأمير عبد الله مع شارع الأمير فيصل بن بندر، ميدان التخصصي - تقاطع الأمير عبد الله مع طريق الملك فهد، ميدان التجارة - تقاطع طريق أبي بكير الصديق مع طريق علي بن أبي طالب، ميدان الإسكان - تقاطع طريق عثمان بن عفان مع طريق الملك عبد العزيز أمام الكلية التقنية الزراعية، ميدان المرقب - جنوب البلدية مع الصناعية، ميدان السواني - غرب أسواق الغد شارع القناة مع شمال الجوازات، ميدان الهدية - طريق عمر بن عبد العزيز مع طريق الهدية، ميدان الجنوب - طريق الملك فيصل مع طريق جنوب التقنية بالموطأ، ميدان السيل - طريق الملك عبد العزيز مع شارع السادة (المرش)، ميدان النخيل - طريق عمر بن الخطاب مع طريق علي بن أبي طالب، ميدان النافورة - طريق الأمير عبد الله بن عبد العزيز ميدان الطرفية - طريق الملك خالد مع شارع التغيرة، ميدان خضيراء - طريق الجامعة مع الضاحي الجنوبي، ميدان الوادي - تقاطع طريق الملك سعود مع طريق الملك خالد.
стр. 32
أسماء الأحياء:
حي الحزم، حي الفاروق، حي الرحاب، حي الجزيرة، حي الشقة، حي الشفق، حي الخزامي، حي الرابية، حي الورود، الحي الأخضر، حي الفايزية، حي النهضة، حي الإسكان، حي الصفراء، حي الروضة، حي الريان، حي النخيل، حي المنتزه، حي المنار، حي الزرقاء، حي الحمر، حي النفل، حي القاع البارد، حي الشروق، حي الأفق، حي النقع، حي الوسيطاء، حي البساتين، حي الربوة، حي النور، حي الربيع، حي الخبيب، حي الرفيعة، حي النسيم، حي الصالحية، حي التعليم، حي السادة، حي المرقب، حي الشماس، حي القادسية، حي الجردة، حي العجيبة، حي الهلال، حي الموطأ، حي الجنوب، حي الصباخ، حي الخليج، حي الصفاء، حي حويلان، حي خب البريدي، حي واسط، حي المريدسية، حي العريمهني، حي الضاحي، حي الروابي، حي خضيراء، حي السلام، حي الغدير، حي المروة، حي السالمية، حي المروج، حي رواق، حي الخضر، حي القصيعة، حي اللسيب، حي اليرموك، حي الرمال، حي الوادي، حي الأندلس.
أما مدينة بريدة من حيث تاريخها وتسميتها، بل ونشأتها فإنني قد ذكرت ذلك في (معجم بلاد القصيم): ولا أرى داعيًا الآن لإعادته هنا.
لاسيما أنه قد نشرت بعد طبع كتاب (بلاد القصيم) بحوث وكتب حولها، يمكن ضمها إلى ما ذكرته لمن يريد الإطلاع على المزيد من أحوالها.
فهذا الكتاب هو كتاب أسر يكفي فيه بيان المصطلح الذي سرتُ عليه في المراد بـ (بريدة) كما قدمته.
стр. 33
الرجوع إلى الوثائق:
إن مواد هذا الكتاب لم تكن مكتوبة بمعنى أنني إذا أردت الرجوع إلى كتب لا نقل منها المعلومات عن أسر بريدة، فإنني لا أجد شيئًا منها لذلك كان لابد من أن أجمع المعلومات جمعًا من أفواه الرجال، ومن صدور الحفظة من العامة.
وهذا في حد ذاته مشكل، لا من حيث توثيقه فحسب، وإنما من حيث اتساقه في نفسه، واتساقه مع الأخبار التي يرويها الآخرون، ومع الآراء التي يرونها.
لذلك بدت لي بعض إفادات الشيوخ من كبار السن والمهتمين من غيرهم متناقضة بعض الأحيان، أو متعارضة في أحيان أخرى.
والأدهى من ذلك أن الزمن يفعل فعله في أولئك الرواة الإخباريين ليس ذلك بالموت المحتوم على العباد فحسب، وإنما بما يحدثه من خلل في أذهانهم أو من تغير في حفظهم.
فكنت في بعض الأحيان أسمع من بعضهم معلومة مهمة ثم لا أدونها ليس عدم إدراك مني لأهميتها ولكنني لا أفعل ذلك على الفور طلبًا للتوثيق، أو للمزيد من التفصيلات، فأؤجل البحث مع صاحبها لفترة قد تمتد لسنوات حتى إذا رجعت إليه وجدت ذاكرته قد تغيرت، وأن تلك المعلومة في ذهنه قد تشوشت، فلا يجد ما يعتذر به عن ذلك إلَّا قوله: إني نسيت أو يضرب المثل المشهور: (الذهن خَوّان) أو المثل الآخر: (القلب ماهوب كتاب).
وهذا الأمر - على سوءه - هو أهون من أن أفاجأ بأن الذي لديه تلك المعلومة قد مات، وكثيرًا ما يبلغني أحد الأصدقاء أو حتى أقرأ في إحدى الجرائد وفاة فلان، ﵀ مكتوبة مسطرة كما تسطر وفيات الآخرين، ولكنها بالنسبة إليَّ ليست كذلك، بل تعني ضياع معلومة مهمة هي جزء مؤمل
стр. 34
من هذا الكتاب، فتجدني في مثل هذه الحالة أتألم وأندم من حيث لا ينفع الندم، أو أتخبط في البحث عن مثل ذلك الميت أريد تعويضه به فلا أجد! ! !
ولذلك لابد لنا من الرجوع إلى الوثائق المكتوبة حيث عدم غيرها من وسائل المعرفة المكتوبة الموثقة بأحوال الماضين من بني قومنا.
والوثائق التي عنيناها لم تكتب لتكون تاريخًا، بل لم يكن يدور في أذهان من أملوها أو كتبوها أنها ستكون كذلك، وإنما هي وثائق أو لنقل إنها أوراق إثبات مداينات، أو وصايا لأموات أو أوقاف لأحياء من محبي الخير من الأحياء.
ولكنها أفادتنا فوائد عظيمة إذ عرفنا من بعضها أن أشخاصًا من ذوي الأهمية كانوا موجودين أثناء تاريخ كتابتها لكونهم من المعنيين بها أو لكونهم على الأقل - من الشهود المذكورين فيها.
وعكس ذلك كان تذكر شخصًا موصي إليه في وصية، أو وقف أوقفه شخص آخر ومع ذكره دعاء ﵀ فنعرف أنه قد توفي قبل ذلك التاريخ.
وأناس تغيرت أسماؤهم وأقصد من ذلك بعض الأسر نجد في بعض الوثائق أنهم آل فلان الملقبون بكذا فنعرف تغير اسمائهم، وأناس ذكروا في الوثائق ولم نعثر من الذين عرفناهم من المعاصرين على من ينتسبون إليهم، فنعرف أنهم قد انقرضوا، أو أنهم خبا ذكرهم وقل قدرهم، والشي الذي آلمني وترددتُ فيه حتى كاد يمنعني من إيراد بعض الوثائق أن بعض الأشخاص الذين لابد لنا من ذكر أي معلومة عنهم قد ورد ذكرهم مرة أو مرات في وثائق مداينات كانوا فيها هم المدينين وليسوا الدائنين.
ومع أن ذلك أمر طبيعي في تلك العصور، وربما حتى في الوقت الحاضر، ولكن مجرد كون جد من أجداد إحدى الأسر لم يذكر اسمه، ولم يسجل في التاريخ، إلا في معرض كونه استدان من التاجر الفلاني شيئًا، أو أنه مطالب بوفاء ذلك
стр. 35
الدين، هو أمر محزن لي، وربما كذلك لأسرته أو لأفراد من أسرته.
ونحن نعرف من أحوال الناس في تلك العصور أن الفلاحين والمزارعين - على وجه العموم - كلهم أو أكثرهم من الفقراء الذين يمارسون الفلاحة، بغية الحصول على لقمة العيش التي لا تزيد على الكفاف الخشن، ولكنهم ليست لديهم أية قدرة مالية، فيذهبون إلى التجار المداينين يستدينون منهم ما يحتاجون إليه إلى وقت معين يكون في الغالب عند نضوج ثمرة النخل من التمر أو إبان حصاد الزرع من القمح وشبهه.
وقد استقر رأيي على أن أذكر تلك الوثائق لأنها لا تتضمن سبًا من السباب، بل ولا ذمًا في المدين، بل تفيد أنه قد استدان، وذلك أمر غير معيب، فقد استدان كبار الصحابة والتابعين حتى روي أن علي بن أبي طالب قد استدان من يهودي ورهن درعه عنده.
وإذا كانت تلك الوثائق التي هي وثائق المداينات هي الوحيدة التي ذكرت الشخصيات التي نذكرها فإنها تكتسب عندنا أهمية مضافة تجعلنا لا نجد مفرًا من ذكرها، ويكفي في العزاء لنفوس ذرية ذلك الشخص المستدين أن يتفكروا بما هم عليه الآن من نعمة ووفرة في الأرزاق، وبعضهم يملكون ثروات طائلة لا يصدق أولادهم أن آباءهم أو أجدادهم كانوا من المحتاجين إلى أن يستدينوا من أحد.
التعليق على الوثائق:
من الواضح أن وثائق المداينات لا يقتصر الأمر فيها على المدين الذي هو المستدين وحده، بل يذكر فيها اسم الدائن وهذا أمر مهم من الناحية التاريخية، ويذكر فيها إضافة إلى ذلك اسم الكاتب وأسماء الشهود، وذلك كله مهم لنا عن تلك الأوقات التي لا يوجد فيها شيء مكتوب غيرها.
стр. 36
ونستفيد - أيضًا - فوائد أخرى مثل معرفة جودة كتابة الكاتب أو ضعفها وأحيانًا نجد فيها توثيق القاضي المعاصر لها وتعليقاته.
وكل ذلك أمر مهم للتسجيل والتدوين لا يمكن أن ندعه ونتغاضى عنه، لكونه قد ذكر فيه شخص قد أحوجته الظروف إلى الاستدانة من شخص آخر.
وكثير من الوثائق مكتوبة بخط ردئ يصعب على القراء الجدد فهمه، لذلك أعدت كتابتها بحروف الطباعة.
وبعضها مكتوب بخط جيد واضح ولكن فيها مصطلحات ومسميات عفا عليها الزمن، فأوضحت ذلك بالتعليق وإيضاح المهم مما فيها كما ستراه بإذن الله.
على أن الوثائق تعتورها أمور، وإن كانت لا تمنع من الاستفادة منها، وهي:
الأول:
قلة الوثائق.
الثاني:
سوء حال بعضها لأن خزن الأوراق والوثائق أمر لم يكن بذي أهمية عند بعض الناس في بلادنا، ورأيناهم إذا خافوا التلف على الورقة المهمة أو الوثيقة وبخاصة ما يتعلق منها بشيء حي متكرر مثل وثائق الأوقاف والوصايا والهبات طلبوا من أحد الكتبة أن ينسخها فتفوت علينا بذلك فوائد عديدة منها معرفة حال الناسخ الأول من حيث الخط والتاريخ، ومنها أن بعضهم قد يتساهل في نقل بعض الكلمات فيحصل فيها غلط أو خلط.
الثالث:
يختص بالوثائق القديمة نسبيًا إذ يصدم قارئها بأن الأشخاص المذكورين في الوثيقة لا يعرفهم أحد من المعاصرين، ولا يمكن القول بأن أنسابهم وذرياتهم قد
стр. 37
يعرفون ذلك، فبعضهم قد انقطعت صلة العلم بينه وبين نسله، إما لوجود فجوة مثل كونه توفي وذريته صغار، أو لكونه غاب عن البلاد لا تعرف ذريته عنه شيئًا، أو الكون المعلومات عنهم قد تقادمت بفعل الزمن حتى تلاشت.
الرابع:
أن خطوط بعضها سيئة إلى درجة لا يستطيع الجيل الجديد من القراء أن يقرأها، وقد عالجت ذلك بإعادة كتابتها بحروف الطباعة مع تصوير أصلها ليفهمها القارئون، كما سبق ذكر ذلك.
الخامس:
اختلاف مصطلحات ما بين الكتبة المتقدمين والمتأخرين من ذلك مثلا:
كتابة الأرقام، فرقم (٤) كان يكتب على هيئة تقرب من هيئة العين (ع)، والصفر كان يكتب في وسطه نقطة لاصقة بأحد جوانبه من الداخل، وبعضهم يكتب (هو) (هـ) بدون واو، وبعضهم يكتب الاسم على غير ما نعرفه فيكتب - مثلا اسم (ميثاء) وهو اسم امرأة مثاء أو مثى.
وشيء مهم آخر وهو أن بعضهم يكتب الوثائق وهذا شائع في القصيم وحائل على لفظ اللغة العامية المحكية هناك إذ يتكلم على امرأة أو ناقة أو بقرة فيقول: (ولده) بفتح الدال، أي ولدها، ونصيبَهُ (نصيبها) وورثته (ورثتها).
السادس:
اختلاف معاني بعض الكلمات في لغة الوثائق عما هي عليه الآن، وبعض الكلمات والمصطلحات الموجودة في الوثائق لا يعرفها الجيل الجديد. .
مثل تسبيل القربة وهي وعاء الماء، ومثل العشاء في رمضان، والحجة
стр. 38
التي يرد بها أن يتعاقد أحدهم مع شخص أن يحج بديلًا عنه إلى بيت الله الحرام يدفع له نقودًا على أن يكون ثواب الحجة الدافع النقود، وهذه تكثر في الوصايا، ومن ذلك كل ما يتعلق بالسواني، وهي إخراج الماء من الآبار بواسطة الدواب التي تجر الدلاء الكبيرة: جمع دلو وهي الغروب تخرج بها الماء من البئر إلى (اللزى) الذي هو سطح الأرض بجانب البئر ليذهب من هناك إلى الجابية.
وكان ما يتعلق بحالة السانية نفسها وهي الحيوان كالإبل في القصيم والحمير والبقر في أماكن أخرى خارجها.
ومثل حال الآبار وقنوات الزرع، بل حال بعض الحبوب التي كانت تؤكل مثل الدخن الذي منه الشامية والمليسا والدقساء، وأنواع القمح مثل المعية والصماء، والهلباء، وكل هذه تحتاج إلى شرح وإيضاح بغاية العناية.
وقد فعلت ذلك في شرح الوثائق المتعلقة بالأسر.
السابع:
تشابه الأسماء أو تماثلها في الأسر، فقد نجد في وثيقة اسم أسرة ثم نجد في أخرى اسم أسرة أخرى باللفظ نفسه فنحكم أنهما أسرة واحدة على حين أن الواقع غير ذلك، وأنهما أسرتان جمع بينهما اتحاد الاسم لفظًا.
الثامن:
عكس ذلك بأن يتغير اسم فرع من فروع الأسرة أو أكثر من فرع بأن يكون لهم اسم، أو هو لقب غير لقب آبائهم، وذلك يقتضي الاستقصاء وامعان النظر، وقد فعلت ما في وسعي من هذا الأمر.
стр. 39
الإكثار من إيراد الأشعار:
إن منطقتنا رغم عراقتها التاريخية تعتبر بكرا للمعلومات التي يقصد بها المعلومات الموثقة التي تصلح لأن يستدل بها أو يستشهد بشيء عليها.
ومن أهم ذلك الأشعار العامية التي كانت هي الشعر الوحيد الذي يصح أن يسمى بالشعر السياسي، لأنه الذي يذكر الوقائع السياسية والحوادث المهمة التي وقعت في البلاد.
وذلك الشعر ينبغي أن يكون له اعتباره لمن يدون التاريخ لبلادنا، ولكنني هنا لست مؤرخًا يذكر الوقائع التاريخية مدللًا عليها، ومعللا لحدوثها أو ذاكرًا لنتائجها فقط.
وإنما أذكر ما أذكره من ذلك بمثابة الشواهد، لذلك لم أختص ذلك الشعر بالإيراد دون غيره، وإنما ذكرت الأشعار الأخرى حتى الأشعار الغزلية، على اعتبار أنها نتاج فكري ذو قوالب لغوية لأولئك القوم الذين ذكرتهم.
وقد تغيرت بعض تلك القوالب اللغوية كما تغيرت مفردات عديدة من مفردات اللغة، بل ماتت طوائف كبيرة منها، وقد ذكرت ذلك في كتاب "كلمات قضت" من لغتنا الدارجة المطبوع.
الاعتذار عن نقص المعلومات عن بعض الأسر:
ومع ما ذكرته فإنه لا يزال الغموض يلف في ذهني حال أو أحوال بعض الأسر (البريدية) ويحتاج الأمر فيها إلى جلاء، وقد جهدت في الحصول على ذلك فأخفقت في بعض الأحيان، حتى إن بعض الأسر نفسها لا تسخو بالمعلومات المتعلقة بها، مع أن المقصود هو الفائدة التاريخية ليس غير، كما هو ظاهر.
وبعض الأسر لم أجد من يفيدني عنها أدنى فائدة، ولا شك في أن مرجع ذلك إلى وضعي أنا لأنني لم أكن أقيم إقامة مستمرة طويلة في بريدة حتى أستطيع أن أصل إلى كل فرد من أفراد تلك الأسر أو إلى أكثر من فرد منها.
стр. 40
ولذلك رأيت طبع هذا الكتاب طبعة تجريبية عسى أن يتصور بعض الذين لديهم معلومات عن تلك الأسر سواء أكانوا من أفرادها أم من غيرهم أهمية تلك المعلومات، وأن عدم وجودها - بالذات - هو أمر غير طبيعي.
وقد كاد النقص في المعلومات المتعلقة ببعض الأسر يفت في عضدي، ولكنني رجعت إلى نفسي مقنعًا إياها بأن (شيئًا خير من لا شيء) كما يقول الأقدمون، ولو لم يكن في ذكر أسرة من الأسر إلَّا تسجيل اسمها وضبط لفظه لكان هذا مما يستدعي التسجيل، فضلًا عن كوني اجتهدت في تدوين أخبار الأسر كلها إلَّا من لم أستطع الحصول على أي شيء ولو قليلًا من العلم بحالهم.
الأسر المنقرضة:
وهناك أسر ورد لها ذكر في القديم يكون أحيانًا ذكرا ظاهرًا، بل مجلجلًا ويكون أحيانًا ذكرًا خافتًا بل هامسًا فأبحث عنها، فلا أجد عنها معلومات أستطيع الحصول عليها في الوقت الحاضر، وقد أسأل عدة أشخاص من الذين أتوسم فيهم المعرفة عنهم، ولكنني لم أجد من يعرف أحدًا منها الآن، أي لا نعرف لها بقية، وذلك إما أن تكون منقرضة بالفعل والانقراض أن ينقطع نسلها من الذكور، لأن البنات ينسب أولادهن إلى آبائهن الذين هم من أسر أخرى.
ومثل تلك الأسر يحكم عليها بأنها منقرضة، ولكنني جربت أن عددًا قليلًا من الأسر التي حكمت عليها، نتيجة للسؤال عنها، والسؤال عمن بقي منها بعد ذلك أنها منقرضة، مع أنه قد بقي منها عدد قليل من الأفراد لم نعرفه، ولم يعرفه من سألناهم عنها أول الأمر.
وأضرب مثلًا واقعيًا على ذلك، فقد عثرت في المكاتبات على أسرة (الفضيلي) وينطق باسمها بكسر الفاء والضاد على لفظ النسبة إلى فضيل أو الفضيل وواضح من الكتابات أنها كانت من أهل الصباخ جنوب بريدة.
следующие страницы →