← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ونستفيد - أيضًا - فوائد أخرى مثل معرفة جودة كتابة الكاتب أو ضعفها وأحيانًا نجد فيها توثيق القاضي المعاصر لها وتعليقاته. وكل ذلك أمر مهم للتسجيل والتدوين لا يمكن أن ندعه ونتغاضى عنه، لكونه قد ذكر فيه شخص قد أحوجته الظروف إلى الاستدانة من شخص آخر. وكثير من الوثائق مكتوبة بخط ردئ يصعب على القراء الجدد فهمه، لذلك أعدت كتابتها بحروف الطباعة. وبعضها مكتوب بخط جيد واضح ولكن فيها مصطلحات ومسميات عفا عليها الزمن، فأوضحت ذلك بالتعليق وإيضاح المهم مما فيها كما ستراه بإذن الله. على أن الوثائق تعتورها أمور، وإن كانت لا تمنع من الاستفادة منها، وهي: الأول: قلة الوثائق. الثاني: سوء حال بعضها لأن خزن الأوراق والوثائق أمر لم يكن بذي أهمية عند بعض الناس في بلادنا، ورأيناهم إذا خافوا التلف على الورقة المهمة أو الوثيقة وبخاصة ما يتعلق منها بشيء حي متكرر مثل وثائق الأوقاف والوصايا والهبات طلبوا من أحد الكتبة أن ينسخها فتفوت علينا بذلك فوائد عديدة منها معرفة حال الناسخ الأول من حيث الخط والتاريخ، ومنها أن بعضهم قد يتساهل في نقل بعض الكلمات فيحصل فيها غلط أو خلط. الثالث: يختص بالوثائق القديمة نسبيًا إذ يصدم قارئها بأن الأشخاص المذكورين في الوثيقة لا يعرفهم أحد من المعاصرين، ولا يمكن القول بأن أنسابهم وذرياتهم قد

стр. 37

يعرفون ذلك، فبعضهم قد انقطعت صلة العلم بينه وبين نسله، إما لوجود فجوة مثل كونه توفي وذريته صغار، أو لكونه غاب عن البلاد لا تعرف ذريته عنه شيئًا، أو الكون المعلومات عنهم قد تقادمت بفعل الزمن حتى تلاشت. الرابع: أن خطوط بعضها سيئة إلى درجة لا يستطيع الجيل الجديد من القراء أن يقرأها، وقد عالجت ذلك بإعادة كتابتها بحروف الطباعة مع تصوير أصلها ليفهمها القارئون، كما سبق ذكر ذلك. الخامس: اختلاف مصطلحات ما بين الكتبة المتقدمين والمتأخرين من ذلك مثلا: كتابة الأرقام، فرقم (٤) كان يكتب على هيئة تقرب من هيئة العين (ع)، والصفر كان يكتب في وسطه نقطة لاصقة بأحد جوانبه من الداخل، وبعضهم يكتب (هو) (هـ) بدون واو، وبعضهم يكتب الاسم على غير ما نعرفه فيكتب - مثلا اسم (ميثاء) وهو اسم امرأة مثاء أو مثى. وشيء مهم آخر وهو أن بعضهم يكتب الوثائق وهذا شائع في القصيم وحائل على لفظ اللغة العامية المحكية هناك إذ يتكلم على امرأة أو ناقة أو بقرة فيقول: (ولده) بفتح الدال، أي ولدها، ونصيبَهُ (نصيبها) وورثته (ورثتها). السادس: اختلاف معاني بعض الكلمات في لغة الوثائق عما هي عليه الآن، وبعض الكلمات والمصطلحات الموجودة في الوثائق لا يعرفها الجيل الجديد. . مثل تسبيل القربة وهي وعاء الماء، ومثل العشاء في رمضان، والحجة

стр. 38

التي يرد بها أن يتعاقد أحدهم مع شخص أن يحج بديلًا عنه إلى بيت الله الحرام يدفع له نقودًا على أن يكون ثواب الحجة الدافع النقود، وهذه تكثر في الوصايا، ومن ذلك كل ما يتعلق بالسواني، وهي إخراج الماء من الآبار بواسطة الدواب التي تجر الدلاء الكبيرة: جمع دلو وهي الغروب تخرج بها الماء من البئر إلى (اللزى) الذي هو سطح الأرض بجانب البئر ليذهب من هناك إلى الجابية. وكان ما يتعلق بحالة السانية نفسها وهي الحيوان كالإبل في القصيم والحمير والبقر في أماكن أخرى خارجها. ومثل حال الآبار وقنوات الزرع، بل حال بعض الحبوب التي كانت تؤكل مثل الدخن الذي منه الشامية والمليسا والدقساء، وأنواع القمح مثل المعية والصماء، والهلباء، وكل هذه تحتاج إلى شرح وإيضاح بغاية العناية. وقد فعلت ذلك في شرح الوثائق المتعلقة بالأسر. السابع: تشابه الأسماء أو تماثلها في الأسر، فقد نجد في وثيقة اسم أسرة ثم نجد في أخرى اسم أسرة أخرى باللفظ نفسه فنحكم أنهما أسرة واحدة على حين أن الواقع غير ذلك، وأنهما أسرتان جمع بينهما اتحاد الاسم لفظًا. الثامن: عكس ذلك بأن يتغير اسم فرع من فروع الأسرة أو أكثر من فرع بأن يكون لهم اسم، أو هو لقب غير لقب آبائهم، وذلك يقتضي الاستقصاء وامعان النظر، وقد فعلت ما في وسعي من هذا الأمر.

стр. 39

الإكثار من إيراد الأشعار: إن منطقتنا رغم عراقتها التاريخية تعتبر بكرا للمعلومات التي يقصد بها المعلومات الموثقة التي تصلح لأن يستدل بها أو يستشهد بشيء عليها. ومن أهم ذلك الأشعار العامية التي كانت هي الشعر الوحيد الذي يصح أن يسمى بالشعر السياسي، لأنه الذي يذكر الوقائع السياسية والحوادث المهمة التي وقعت في البلاد. وذلك الشعر ينبغي أن يكون له اعتباره لمن يدون التاريخ لبلادنا، ولكنني هنا لست مؤرخًا يذكر الوقائع التاريخية مدللًا عليها، ومعللا لحدوثها أو ذاكرًا لنتائجها فقط. وإنما أذكر ما أذكره من ذلك بمثابة الشواهد، لذلك لم أختص ذلك الشعر بالإيراد دون غيره، وإنما ذكرت الأشعار الأخرى حتى الأشعار الغزلية، على اعتبار أنها نتاج فكري ذو قوالب لغوية لأولئك القوم الذين ذكرتهم. وقد تغيرت بعض تلك القوالب اللغوية كما تغيرت مفردات عديدة من مفردات اللغة، بل ماتت طوائف كبيرة منها، وقد ذكرت ذلك في كتاب "كلمات قضت" من لغتنا الدارجة المطبوع. الاعتذار عن نقص المعلومات عن بعض الأسر: ومع ما ذكرته فإنه لا يزال الغموض يلف في ذهني حال أو أحوال بعض الأسر (البريدية) ويحتاج الأمر فيها إلى جلاء، وقد جهدت في الحصول على ذلك فأخفقت في بعض الأحيان، حتى إن بعض الأسر نفسها لا تسخو بالمعلومات المتعلقة بها، مع أن المقصود هو الفائدة التاريخية ليس غير، كما هو ظاهر. وبعض الأسر لم أجد من يفيدني عنها أدنى فائدة، ولا شك في أن مرجع ذلك إلى وضعي أنا لأنني لم أكن أقيم إقامة مستمرة طويلة في بريدة حتى أستطيع أن أصل إلى كل فرد من أفراد تلك الأسر أو إلى أكثر من فرد منها.

стр. 40

ولذلك رأيت طبع هذا الكتاب طبعة تجريبية عسى أن يتصور بعض الذين لديهم معلومات عن تلك الأسر سواء أكانوا من أفرادها أم من غيرهم أهمية تلك المعلومات، وأن عدم وجودها - بالذات - هو أمر غير طبيعي. وقد كاد النقص في المعلومات المتعلقة ببعض الأسر يفت في عضدي، ولكنني رجعت إلى نفسي مقنعًا إياها بأن (شيئًا خير من لا شيء) كما يقول الأقدمون، ولو لم يكن في ذكر أسرة من الأسر إلَّا تسجيل اسمها وضبط لفظه لكان هذا مما يستدعي التسجيل، فضلًا عن كوني اجتهدت في تدوين أخبار الأسر كلها إلَّا من لم أستطع الحصول على أي شيء ولو قليلًا من العلم بحالهم. الأسر المنقرضة: وهناك أسر ورد لها ذكر في القديم يكون أحيانًا ذكرا ظاهرًا، بل مجلجلًا ويكون أحيانًا ذكرًا خافتًا بل هامسًا فأبحث عنها، فلا أجد عنها معلومات أستطيع الحصول عليها في الوقت الحاضر، وقد أسأل عدة أشخاص من الذين أتوسم فيهم المعرفة عنهم، ولكنني لم أجد من يعرف أحدًا منها الآن، أي لا نعرف لها بقية، وذلك إما أن تكون منقرضة بالفعل والانقراض أن ينقطع نسلها من الذكور، لأن البنات ينسب أولادهن إلى آبائهن الذين هم من أسر أخرى. ومثل تلك الأسر يحكم عليها بأنها منقرضة، ولكنني جربت أن عددًا قليلًا من الأسر التي حكمت عليها، نتيجة للسؤال عنها، والسؤال عمن بقي منها بعد ذلك أنها منقرضة، مع أنه قد بقي منها عدد قليل من الأفراد لم نعرفه، ولم يعرفه من سألناهم عنها أول الأمر. وأضرب مثلًا واقعيًا على ذلك، فقد عثرت في المكاتبات على أسرة (الفضيلي) وينطق باسمها بكسر الفاء والضاد على لفظ النسبة إلى فضيل أو الفضيل وواضح من الكتابات أنها كانت من أهل الصباخ جنوب بريدة.

стр. 41

فسألت عددًا ممن أثق بمعرفتهم بهذه الأمور عما إذا كان بقي من هذه الأسرة أحد، فنفوا معرفتهم بذلك، وبعضهم حكم ابتداء أنها أسرة منقرضة. وفي يوم من الأيام كنت في بيتي في الرياض لسبب من الأسباب، وإلَّا فإن مقر عملي في مكة المكرمة، وإذا ببنية عندنا تأتي إلي وتقول: عند الباب رجل يبيك: فتحت الباب فوجدت شابًا لطيفًا متعلمًا، بل مثقفًا معه مجموعة من الأوراق فناولني إحداها، وقال: نحن من (مصلحة الإحصاءات العامة) ونجري استطلاعًا عن عدد من المسائل مذكورة في هذه الورقة، ولصاحب البيت الحق في أن يجيب على ما يود الإجابة عنه من الأسئلة المطروحة فيها، ويترك الإجابة على ما لا يريد. قال: وأرجو أن تكتبوا فيها ما تودون وتخرجوه من تحت الباب حيث سأمر عصرًا وأخذه من دون أن أحتاج إلى أن أطرق الباب. فشكرته، وقلت: لك ذلك، ولكن أخبرني عن اسمك الكريم، فقال: أنا فلان (الفضيلي)! ! قلت له: من أي بلد؟ قال: من بريدة. قلت له: هل أنتم من الفضيلي أهل الصباخ؟ قال: نعم! ! ! وهكذا تبين بالمصادفة ما لم أحصل عليه بالسعي الشاق، وهو أن أسرة (الفضيلي) لم تنقرض. وانقراض بعض الأسر كان أمرًا واقعًا لكثرة الحروب والأوبئة والمجاعات، بل والنكبات الأخرى، وحتى الأمراض قد يكون لدى بعض الأسر ضعف عن مقاومتها فيصيبها المرض ويقضي عليها. وقد ذكرت بعضها في هذا الكتاب على قلتها في منطقة بريدة.

стр. 42

إذ الغالب على تلك المنطقة أن تنمو فيها الأسر نموًا أكثر من المعتاد كما هو مشاهد في الأزمنة المتأخرة، حيث سهولة تعدد الزوجات وكثرة عدد الأطفال. ولكن الوضع في الأزمنة القديمة كان مختلفًا، وقد أصاب أسرة (آل أبو عليان) الكبيرة ما أصاب غيرها فانقرضت بعض الفروع أو الأسر الصغيرة المتفرعة منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولكن نمت فروع أخرى من الأسرة حتى زاد من زيادتها على أقدار الأسر المنقرضة منها. وبعض الأسر لم تنقرض، ولكنها اتخذت اسمًا لها جديدًا، وفي بعض الأحيان يتخذ الناس لها اسمًا آخر عن طريق تلقيبها بلقب جديد يشتهر عندهم حتى يتغلب على الاسم القديم، فيصبح الذي يبحث عنهم بالاسم القديم الذي ورد في الوثائق والمكاتبات القديمة لا يجدهم، وقد يحكم عليهم بأنهم من الأسر المنقرضة، والأمر فيهم خلاف ذلك. وبعض الأسر لم يكن انقراضها حقيقيًّا، إلَّا من موطنها في بريدة لأنها هاجرت كلها عنها إلى الأمصار العربية القريبة كالشام والعراق ومصر. إذ لم يبق منها أحد في بريدة، فاعتبرت منقرضة أو في حكم المنقرضة, فليس من عادتنا ولا من شرط كتابنا هنا أن يتابع حركة هجرات الأسر، ثم يتابعها في هجراتها. ولا شك في أن بعض القراء الكرام سيلقون اللوم على الكتاب لما حسبوه أو أسموه اختصارًا، عند ذكر بعض الأسر، وآخرين سيفعلون مثل ذلك بما قد يسمونه التطويل في الكلام على أسر أخرى، وعذرنا في التطويل أن المنطقة لم تؤرخ، ولم تذكر التفصيلات المطولة عن بعض أسرها، لذلك لم أر اختصار المعلومات المتعلقة بها إذا توفرت لديَّ.

стр. 43

أما ما يتعلق بالاختصار فإن الأمر ليس فيه شيء من ذلك، لأن القراء لابد أنهم عرفوا أو سيعرفون حرص المؤلف على تسجيل كل دقيقة أو جليلة من المعلومات يحصل عليها عن أية أسرة من الأسر البريدية. وهذا ظاهر. الانتساب القبلي: بقي موضوع مهم ينبغي التطرق إليه، بل إيضاحه، وهو أنني كنت منذ أول اهتمامي بموضوع التقييدات عن الأسر في (معجم أسر القصيم) أذكر الانتساب القبلي للأسرة، فأقول: إنها من القبيلة الفلانية، وذلك لما قدمته في هذه المقدمة. وكنا نتعامل في هذه القضية طبقًا لما كنا قرأناه في كتب التاريخ والرجال عن الشخصيات القديمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء والبارزين من أهل القرون التي تلت ذلك، إذ كانوا يقولون: فلان الأسدي أو فلان التميمي، أو فلان العبسي أو القيسي، وما شابه ذلك، ويعتبرونه من التعريف به، فكنا نفهم نسبة بعض الناس في زمننا إلى القبائل مثل ذلك، فكان قومنا من أهل بريدة يقولون: فلان الشمري، وفلان الحربي، والمطيري أو العتيبي للتعريف به، إذا كان من قبيلة أعرابية ليست فيها أسماء للأسر المتفرعة مثل أسماء أسر أهل الحضر. ولم يكن الناس ينسبون أهل الحضر الذين هم أسر معروفة إلى قبائلهم إلا عند ما يقتضي الأمر ذلك لمصلحة من المصالح، كالحاجة للتعريف والتعارف طبقًا لما يفهمون من قوله تعالى (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) ولكن نبتت نابتة في العهد الأخير جعلت من الانتساب القبلي مدعاة إلى الاختلاف والتفاخر الذي يفضي حتمًا إلى التنازع والمباهاة، ويعود بالبلاد وأهلها إلى عهود جاهلية قديمة.

стр. 44

لذلك رأينا بعض الناس يفتخر بالانتساب إلى قبيلة فخرًا مجردًا وذلك يقتضي بصريح العبارة حينًا وبمفهومها حينا آخر، تفضيلها على القبائل الأخرى، أو على الأقل ذكر ما تتميز به عليها، وقد يحمل ذلك بعض المنتسبين إلى القبائل الأخرى إلى أن يفعلوا مثل ذلك، بالانتساب إلى قبائلهم، فيحصل التفاخر بين القبائل أو المنتسبين إليها، ويتبع ذلك في العادة التنازع بل المخاصمة. ونظرًا إلى أن مدينة بريدة التي نشأنا فيها وعرفنا أهلها بالبعد عن ذلك، بل نشأنا على أن جميع مواطنيها معروفون بالبعد عن التنازع القبلي، وبكونهم عاشوا إخوانًا متحابين فيها تجمع بينهم صلة الدين والقرابة، أو الجوار، والعمل الطيب المباح لمصلحتهم ولمصلحة وطنهم، فإننا رأينا أنه قد يكون الانتساب القبلي مفضيًا إلى ما أشرنا إليه وبالتالي نكون بذكر الانتساب القبلي الذي هو موضع خلاف - أيضًا - بالنسبة إلى بعض الأسر قد أسهمنا من حيث لا نقصد في زعزعة ما قامت عليه مدينتنا من الأخوَّة الصادقة الخالصة بين أهلها. لذلك رأيت عدم الاستقصاء في هذا الموضوع إلا إذا كان ذلك لمصلحة ظاهرة مثل كون عدة أسر تشترك في اسم واحد لا يعرف بعضها من بعض إلَّا بذكر نسبة بعضها إلى قبيلتها فأنا في هذه الحالة أحرص على ذكر نسبتها إلى قبيلتها، لما ذكرته من التعارف الذي فيه مصلحة عامة وطبيعي أن هذا لا يلغي الانتساب القبلي لأية أسرة، بل لا يؤثر على ذلك، وربما كتبت كتابًا صغيرًا خاصًّا بانتساب أهل القصيم إلى القبائل فمادته موجودة ولن يكون كتابًا كبيرًا والله الموفق. المؤلف محمد بن ناصر العبودي

стр. 45

(باب الألف)

стр. 46

آل أبو عليان: من غريب المصادفات أن تكون أسرة (آل أبو عليان) هي أولى الأسر في مدينة بريدة من حديث الترتيب على الحروف الهجائية، ذلك بأنها أولى الأسر بضم الهمزة من (أولى) وهي أولى الأسر بفتح الهمزة أيضًا. فهي أهم أسرة في بريدة إذ حكمت هذه المدينة وما يتبعها من القصيم وهو كل القصيم ما عدا مدينة عنيزة، وما بقربها من أماكن قليلة لمدة زادت على مائتي سنة. فأسرة (آل أبوعليان) تستحق التقديم في الذكر على سائر الأسر في بريدة، لكونها حكمت بريدة أكثر من مائتي سنة، ولا توجد أسرة مثلها ولا ما يقاربها في هذا الأمر، إلَّا ما كان من أسرة المهنة التي حكمت بريدة لسنين قليلة، وعدد حكامها عليها قليل، بل لا يتعدى أربعة. وأما (آل أبوعليان) فإن عدد الحكام لبريدة منهم كان كثيرًا، والزمن الذي حكموا فيه كان مديدًا، وتطور مدينة بريدة في عهدهم، بل في عهودهم كان كبيرًا ومع ذلك كان الترتيب الأبجدي يجعل اسم أسرتهم تستحق أن تذكر قبل غيرها. ذلك بأن الهمزة اللينة تقدم على الهمزة الحقيقية في اعتبار اللغويين. و(آل) أوله همزة لينة، ولذلك قدمناها على الأسر التي تبدأ بهمزة حقيقية مثل (أبا الخيل). و(آل أبوعليان) هم الأسرة الوحيدة التي كنا ونحن صغار نسمع الشيوخ وكبار السن ينطقون باسمهم هكذا (آل) أبوعليان أما من عداهم بعد ذلك فإنهم يقولون فيهم (أل) كالمهنا والرواف والمقبل وهذا أمر معروف. ولا شك في أن هذا يدل على أنهم جاءوا بهذه التسمية معهم من الوشم، وتناقلها الناس عنهم. وطبيعي أن هذه التسمية المصدرة بآل لم تحدث إلا بعد أن أصبح لهم

стр. 47

أولاد، وربما لم تحدث إلا بعد أن كثر أولادهم. وإلَّا فإنهم ينسبون إلى جد لهم اسمه (عليان) بدون كلمة أب أو آل. ومن ذلك ما اشتهر من نشيدهم أو عرضتهم الحربية التي كانوا ينشدونها وأولها: حنا ضنا ليلى وترثة (عليان) ... واللي يعادينا من السم نسقيه فضنا (ليلى) معناه التي ولدتنا ليلى أي أن أمهم تسمى (ليلى)، وقد كنا نسمع ونحن صغار بعض الناس يقولون لبعض على غير طريق المدح (يا ضنا ليلى) وقال بعض الذين يريدون التشنيع عليهم: إن (ليلى) أمهم كانت غريبة، وأكد لي ذلك عدد من أسرة آل أبي عليان أنفسهم، ولكنني أشك فيه أي في كون ليلى أمهم غريبة عن أصولهم، لأنه لو كان الأمر كذلك لما تمدحوا به وذكروه، بل كرروه في معرض الفخر. أما (عليان) فإنه جدهم بدون شك. وهم جاءوا من ثرمدا إلى بريدة حين جاء أوائلهم إلى بريدة عبر ضرية. وقد اشتهر آل أبو عليان: بشجاعتهم وقسوة قلوبهم، وكونهم لا يتهيبون الحرب والإقتتال حتى شاع عنهم المثل: (تبون اليوم نسطي وإلَّا نعزق؟ ) والسطوة هي الهجوم على الحاكم في مقره لقتله وانتزاع الحكم منه بالقوة، وأما العزاق فإنه ضرب الأرض بالمسحاة من أجل تهيئتها للزراعة. فظاهر هذا أن الهجوم على الحاكم وقتله وانتزاع الحكم منه مساو عندهم الفلاحة الأرض.

стр. 48

أسرة (آل أبو عليان): أسرة آل أبي عليان أسرة كبيرة وهي أسرة كانت مالكة بما يعني ذلك من القدرة على المزيد من التزوج بالنساء وبالتالي القدرة على تربية المزيد من الأطفال. وقد عرف عن أفرادها كثرة الأملاك من مزارع القمح والحبوب الأخرى إلى جانب الأملاك من النخيل، وما يتبعها من المزروعات، وهذا يمكنها من العيش في داخل المنطقة، وعدم الاضطرار للهجرة إلى الأمصار المجاورة كما يفعل بعض الأفراد من أسر أخرى. وكذلك كان يفد إلى القصيم من أقاربهم وأنسابهم الذين في مناطق نجد الأخرى مثل ناحية الوشم وسدير. لذلك كبرت الأسرة، وتوسعت، وكثر عدد فروعها. هذا مع فشوِّ القتل في الذين يتولون الإمارة مباشرة منهم، ولكن عدد أولئك قليل بالنسبة إلى باقي الأسرة. ولعراقة أسرة (آل أبي عليان) تفرعت منها أسر عديدة واتخذت لها أسماء جديدة في ذلك الوقت حتى لم يبق منهم من يسمون عند العامة (آل أبو عليان) إلا أفراد لا يكادون يصلون إلى عدد أصابع اليد الواحدة عرفوا بأن اسمهم (العليان) وإلا فإن باقي الأسر صارت لها أسماء أو إن شئت الدقة قلت (ألقاب) أخرى. وها نحن نذكر أسماء من وقفنا عليهم من الأسر التي تنسب إلى (آل أبو عليان) ولا شك في أنه قد سقط سهوًا أو جهلًا أسماء بعض الأسر، وهذا طبيعي. ولكن الأمر غير الطبيعي أن يأتي إلينا أناس يقولون: إننا من (آل أبو عليان) ومن دون أن يقدموا حجة على ذلك أو شاهدًا، أو حتى قرينة تدل عليه. والغريب الطريف أنهم يغضبون إذا قلت لهم: إنه لم يثبت عندي أنهم من

стр. 49

(آل أبو عليان)، ومعلوم أن مقياس الحقيقة ليس غضبهم أو رضاهم أو غضب غيرهم أو رضاه، وإنما هو الاقتناع، ولو فرض أنني لم أقتنع بما ذكروه، وكانت لديهم أدلة أو أثباتات أخرى كما ويقال مثل ذلك بالنسبة إلى بعض الأسر، فإنهم يمكنهم أن يثبتوا ذلك من غير طريق هذا الكتاب، فإثبات الحقيقة له طرق عديدة. أسماء الأسر المتفرعة من (آل أبي عليان): العليان: (من آل حسن) من ذرية عبد المحسن بن محمد بن عبد الله الحسن. الطرباق: من المهيد من الحسن، أقرب آل أبو عليان لهم: العبد الرحيم. العدوان: الذين منهم أبو خشرم من الدرابي. الرشيد: من ذرية رشيد الحجيلاني. الدِّخيل: (بكسر الخاء) الذين منهم الحميدي الدخيل صاحب الصقعاء ومنهم المصاريع جمع مصروع. الغانم: من آل حسن من الحسن. المذهان: من الغانم. السابح: أبو سابح من الحسن. الراشد: منسوبون إلى راشد الدريبي وهم من ذريته. القعير: أقرب من لهم من (آل أبو عليان) الدخيل (المصاريع) من الحسن. العرفج: من الحسن. المرشد: من النصار من الحسن. السلامة: من الحسن. الصلطان: من العرفج.

стр. 50

الحميضي: من بني عليان هاجروا كلهم إلى العراق بعد قتلة عبد العزيز بن محمد، ثم عاد بعضهم إلى الرياض وهم سليمان بن عبد الله بن عبد العزيز بن حمد بن عبد الله الحميضي وأولاده ١٤٢٤ هـ. المدلج من العدوان، من الدريبي. النصار: منهم المرشد من الحسن. الحميده: جدهم أخ لحماد (جد أسرة الشبيلي) ومحمد جد الحسن والحسون. الزومان: (أهل وهطان - وأهل نقرة طنه)، من العرفج. الحسن: العجلان رهط الشيخ القاضي عبد الرحمن الجار الله من الحسن. الفريحي: من بني عليان، أقرب من لهم العبد الرحيم. العباس: الذين منهم أبو حمدي من السلامة من الحسن. الحسون: أقرب أسر آل أبو عليان إليهم: السابح. العَبّود: من النصار من الحسن. الجار الله: (من العجلان). العسَّافي: من الحسن (العبد الله). الرعيجاني. العميريني: من الدرابي منهم مطوع القصيعة. الشقير: أهل نخل الشقيري. السبيع: أهل ملك السبيع في شمال الصباخ. الفايز: (من الدرابي). النهير: من الحسن.

стр. 51

المتيني: الذي نسبت إليه المتينيات، منهم محمد المتيني كان فلاحًا في المتينيات. السليّم: بصيغة تصغير السليم (من الحسن). الخطيب: من العقيل. المزيد: من العقيل. العبد الرحيم: من الحسن. أبو هلا: ويسمون الآن العليان. أسر منقرضة من بني عليان: السيف: انقرضوا من بني عليان. و(آل أبو مصطفى) أسرة أخرى من آل أبو عليان انقرضت من القصيم، بل من نجد إذ سافر آخرهم إلى الشام وبقي هناك. إلا أن ثلاثة أو أربعة منهم عادوا إلى المملكة ولم يعودوا إلى بريدة. الهديدير: من أهل بريدة من آل أبو عليان انقرضوا. الدَّبَّوس: من أهل بريدة من آل أبو عليان هاجروا كلهم إلى الكويت، ولم يبق في بريدة منهم أحد. الصاعَيْن: أسرة صغيرة من آل أبو عليان انقرضوا. النَّهْير: أسرة صغيرة من أهل بريدة من آل أبو عليان تزوج أحدهم بنتًا لعبد العزيز المحمد آل أبو عليان وانقطعوا، ومنهم امرأة هي أم صالح الغنام، يقال لأمها بنت النهير. العجلاني. الغنيمان.

стр. 52

الملاك. المحيسن. الفايز: أسرة من آل أبو عليان انقرضوا ويقال: إن لهم بقية في الأردن. الفهد: من آل أبو عليان، انقرضوا. العقيل، ويقال لهم: العقيل العلي. آل أبو عليان: انتقل أفرادها جميعًا إلى عمان في الأردن وما زالوا هناك. الشقيري: الواحد منهم شقيري من بني عليان انقرضوا. آخرهم سبعة من الشقيري قتلوا عن آخرهم وانقرضوا، وسوف نذكر كل أسرة من الأسر المتفرعة من بني عليان في موضعها من هذا الكتاب ونذكر الشخصيات البارزة منهم عند ذكرهم، وما قد يكونون خلفوه من شعر أو نثر بإذن الله.

стр. 53

الأمراء من (آل أبو عليان): ليس المراد بالأمراء هنا أعضاء الأسرة الحاكمة، وإنما المراد الذين تولوا الإمارة منهم أي أنهم الذين صاروا حكامًا. وهذا اصطلاح تاريخي عربي قديم، بل هو اصطلاح شرعي، إذ يعني الأمير من تولى الإمارة والمراد من حكم البلاد. ولذكر الأمراء من (آل أبو عليان) أو غيرهم أهمية تاريخية كبيرة كما هو واضح. أول الأمراء الذين تولوا الإمارة على بريدة هو الذي ذكر الأخباريون أنه رأس الأسرة في بريدة وهو راشد بن عبد الله الدريبي. وذكر كتاب في التاريخ وأشهرهم بل هو الوحيد الذي رأيته منهم ذكر ذلك الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى في كتاب "عقد الدرر"، وهو الذي طبعت منه نسخ مختلفة، إحداها بعنوان (تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد) وأخر من نشره الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في خزانة التواريخ النجدية. والغريب أن الناس والمقصود من ذلك المثقفون أو الكتبة في التاريخ - على قلتهم - قد تلقوا تلك المعلومة بالقبول ونصها: "وآل أبي عليان من العناقر من بني سعد بن زيد مناة من تميم، خرجوا من بلد ثرمدا في الحروب التي وقعت بين العناقر في ثرمدا، وفي بلد مرات بطلب الرئاسة، وسكنوا ضرية، ورئيسهم إذ ذاك راشد الدريبي، وكانت بريدة إذ ذاك ماءً لآل هذال المعروفين من شيوخ عنرة فاشتراها منهم راشد المذكور، وعمرها وسكنها هو ومن معه من عشيرته، وذلك في حدود ٩٨٥ تقريبًا. وهذا الكلام غير صحيح شكلًا ولا موضوعًا، أما من ناحية الشكل فإن منطقة بريدة منطقة كانت في ذلك الحين معمورة بالزراعة، وهي قريبة الماء

стр. 54

من سطح الأرض، بل إن بعضها كالمطا التي كان الناس يسمونها في القديم (الموطا) كانت فيها عيون جارية وقد رأيت في صغري فيها مجاري العين تحت النفود الغربي فيها القواقع التي تكون في العيون والمياه الجارية. فلا يعقل أن يأتي بدوي بل شيخ قبيلة من أهل البادية ويتملك فيها بئرًا يبيعه بثمن على آخر، ذلك بأن حفر الآبار في منطقة بريدة كان منذ قديم الزمان ولا يزال سهلًا متيسرًا لا يحتاج لتملك، بل إن البئر نفسها لم تكن تساوي شيئًا، وإنما تباع مع ما يتبعها من أرض زراعية تنتج الحبوب. وبوسع أي واحد آنذاك أن يحفر بجهد بسيط بئرًا في منطقة بريدة من دون أن يدفع ثمنًا لحفرها. وقد حضرت بنفسي شاهدًا على ذلك في حفر آبار وغرس شيء من النخل والأثل في الخبيب الذي كان خاليًا من أية عمارة أو فلاحة عندما عقلت الأمور في عام ١٣٥٣ هـ فحفر فيه خمسة أشخاص آبارًا كل واحد منهم حفر بئرًا واحدة وهم من الجنوب إلى الشمال إبراهيم السعود الملقب النداف، حفر من جنوبيه يليه من جهة الشمال حمد الرسي، يجاوره من جهة الشمال محمد بن عبد الله المنصور، وإلى الشمال منه حفر صالح بن سليمان الغليقة بئرًا، وكل منهم حفر لنفسه، وربما كان ذلك بجهده الخاص، فكيف يشتري راشد الدريبي بئرًا في منطقة بريدة بنقود مع كثرة الآبار فيها وسهولة حفرها، وقلة النقود بأيدي الناس؟ وأما عمارة منطقة بريدة التي وقفنا على آثارها ووقف عليها من كانوا قبلنا فإنها كانت كثيرة، وذلك ظاهر من وجود قنوات الزراعة، بل من وجود مقابر واسعة في شمالها كما حدثني والدي ﵀ قال: كنت أتمشى بعد الغرقة وهو واقعة سيل عظيم أنا وعبد الرحمن بن أحمد الخريصي شقيق الشيخ صالح الخريصي ويسميه دحيم الخريصي فرأينا في أسفل نفود الشماس الشرقي

стр. 55

الذي يقع فيه الخب الذي فيه بريدة القديمة، قال: رأينا جهة الشرق منه قبورًا منتظمة قد خسفت على حد تعبيره أي انهدمت ونزل أعلاها عن ظهر الأرض، وذلك أن ذلك السيل العظيم الذي أصاب بريدة في تلك السنة التي سميت سنة الغرقة وهي عام ١٣٤٢ هـ، جعل وادي الفاجرة يجري جريانًا غير معتاد فيملأ جفر (١) الحمد ويفيض منها ويومذاك كانت (الجفر) ضيقة ثم ينقسم إلى قسمين: قسم ذهب مع المجرى المعتاد الذي رأيته أنا كاتب هذه السطور في عام ١٣٥٧ هـ، وهو الخبيب وسار جنوبًا لم توقفه إلَّا السادة التي قيل إنها سميت بهذا الاسم لأنها سدت ذلك المجرى الذي كان قد انفجر في زمن سحيق وسميت الفاجرة باسمها لأنها فجرته. والقسم الثاني ذهب يباري نفود الشماس في الخب الذي فيه بريدة القديمة حتى وصل إلى العجيبة، وهو الذي سبب خسف تلك القبور. قال والدي: فرأيت أنا ودحيم الخريصي تلك القبور يميز المرء قبر الكبير فيها من قبر الصغير، إلى قبر الفرط وهو الطفل الرضيع. أقول: أذكر فيما يتعلق بوجود القبور في منطقة شمال بريدة الذي وقفت عليه بنفسي أن خالي عبد الله بن موسى العضيب ﵀ كان بيته داخل سور بريدة الشمالي يفتح جهة الشرق إلى ما صار يعرف الآن بشارع الصناعة، ولكنه قبل أن يوسع ذلك الشارع، وكان يحده من جهة الشمال سور بريدة الذي أقامة صالح الحسن بعد وقعة البكيرية، وكان خالي له أربع زوجات كل واحدة لها غرفة من البيت ولديه بقرتان للبن، فأراد أن يتوسع وأخذ قطعة أرض خارج السور ليفتح عليها بابا خلال السور إلى بيته.

стр. 56

وكان يريد حفر بئر في هذه الأرض وتسويرها وبناء غرفة أو غرفتين، وكان (الستاد) الذي عهد إليه بالبناء هو (علي بن محمد الحامد) وقرروا أن يحفروا أولا بئرًا حتى يستفيدوا من مائها في البناء، وأذكر وكنت حاضرًا رغم صغر سني إذ كان ذلك في عام ١٣٥٥ هـ وكانت سني عشر سنين إلا أنني آتي مع والدتي إلى بيت خالي، وكان من بين (العاملة) وهي مجموعة العمال الذين يلازمون ستاد الطين يعملون معه ويكونون عادة في حدود ستة أشخاص رجل اسمه فلان (المطرفي) بينما كان يحفر في الرمل الذي سفته الريح قبل ذلك عثر عندما تجاوز الرمل بقبر واضح أنه قبر فأخبر الستاد ابن حامد الذي أخبر خالي فأوقف العمل واستفتى الشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة وما حولها، فقال الشيخ عمر له: استمروا في عملكم من حفر الأساسات وأتركوا المكان الذي وجدتم فيه الميت، فإن لم تجدوا غيره فإنه ربما يكون رجلًا دفن هناك لسبب من الأسباب، ولا يضركم ذلك، بل تنقلون بقاياه إلى المقبرة تدفنونها فيها، وإن وجدتم غيره قبرين أو ثلاثة فإن ذلك يدل على أن الأرض مقبرة ولا يجوز لكم السكني فيها. وقد وجدوا بالفعل أكثر من قبر فعدل خالي عن البناء عليها، وانتقل كلية بعد سنة أو نحوها إلى أرض تقع إلى الشمال من مسجد عبد العزيز ابن مساعد الذي كان يصلي فيه الشيخ صالح السكيتي فباع بيته ذلك وبنى هناك له بيتًا جديدًا، وبيته الجديد واقع الآن على شارع الوحدة الحديث يحده الشارع من جهة الشمال وقد بنى بيته الأخير في عام ١٣٥٧ هـ، وأذكر أنه كتب تاريخ بنائه بالجص على جدار (قهوته). وبعد ذلك بسنوات عديدة كان الشيخ عمر بن سليم ﵀ قد توفي وتولى القضاء بعده شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وكان خالي قد عين أثناءها نائبًا على سوق بريدة وهي كالمحتسب، وصل إلى علم الشيخ

стр. 57

عبد الله بن حميد أن هناك قبورًا في جهة شمال بريدة، فأمر خالي عبد الله الموسى العضيب أن يتحرى عن مكانها ويسورها صيانة لها بنفقة الدولة، وقد فعل ورأيت ذلك قبل أن تشمل العمارة المنطقة. وقد اشتريت أنا بنفسي أرضًا تقع إلى الشمال من ذلك بالقرب من شارع الصناعة من جهة الغرب قريبة من المسجد الذي عرف بمسجد (أبا العناز) لأن الشيخ (سليمان أبا العناز) كان يصلي فيه إمامًا، فسوسناها أي حفرنا اساسها فوجدنا آثار العمارة القديمة ظاهرة. ثم رأيت توثيقًا مكتوبًا يشهد لما ذكرته من كون منطقة شمال بريدة كانت مسكونة معمورة بنخيل وسكان، وأن فيها مقبرة كانت معروفة للناس في وقتها، وذلك في وثيقة مبايعة النخل وهو المسمى بالملك وهو (نخل أبو وادي) الواقع إلى الشمال من العجيبة يدعه من يسير مع شارع الصناعة ثم يذهب مغربًا مع شارع الوحدة، فشارع الوحدة يمر بجوار نخل أبو وادي من جهة الشمال. وتذكر وثيقة المبايعة أن الملك يعني النخل المباع يحده من جهة الشرق المقبرة، ولا نعرف ممن أدركناهم من الشيوخ من يعرف تلك المقبرة، فقد اندرست منذ دهر طويل، ولكنها تدل على العمارة الشاملة في تلك المنطقة، وأنها لم تكن صحراء فيها بئر لبدوي ينزل عليه ليس حوله - كما هو مفهوم اللفظ - عمارة ولا آبار أخرى. ومن المحلات التي كانت منفصلة عن غيرها في منطقة بريدة محلة كانت تسمى (جورة السالم) أي محلة السالم غير أنها سميت جورة لأنها كانت فيها نخيل ومنازل. و(الجورة) بمعنى المحلة أو الحارة والحي كانت مشهورة ذكرتها في (معجم الألفاظ العامية) ومن شواهده هذان البيتان اللذان أنشدتهما امرأة ترقص ابنًا لها طفلًا اسمه محمد:

стр. 58

تري محمد عندنا سلطان ... تسمعوا يا هل (الجورة) تهاوشوا عنده الجيران ... تمنته كل غندوره وقد بقيت جورة السالم معروفة أراني أياها والدي وذكر أنها صارت عندما وجدت بريدة حيًّا أشبه بالزقاق أو الشارع له بابان يغلقان بالليل وكل البيوت التي فيه لآل سالم المذكورين، وحفظت لنا الأوراق والوثائق ذكرًا له باسم (بيوت السالم) سيأتي ذكر ذلك في حرف السين عند ذكر (السالم) بإذن الله. ونرى أن تلك المنازل والمحلات المتفرقة كانت نواة بريدة القديمة، ومع ذلك كانت تتحارب مع بلدة (الشماس) التي كانت أقدم منها وأقوي إذ بدأت عمارة بلدة الشماس في القرن السابع، بل ربما قبل ذلك بقرن. وكان أهل بريدة يدفعون زكاة أموالهم وبخاصة من التمر والحبوب إلى الشماس ثم صاروا يقاتلونهم، وكانوا يسمون بلدتهم الناشئة (بريزة) لكونها برزت للوجود. ثم تغلبوا على إرادة أهل الشماس، أو قل: استقلوا عنهم وأسموا بلدتهم (بريدة) بمعنى أنها بردت لأهلها، ليس لأحد سلطان عليها. هذا من جهة الشكل. كيف كانت بريدة عندما قدم الدريبي ؟ نحن نتصور طبقًا لما سمعناه من الإخباريين وما حدثنا به أشياخنا القدماء أن منطقة بريدة في القرن التاسع أو العاشر الذي ذكروا أن (راشد الدريبي) جاء فيه إلى بريدة واشترى البئر الذي كان فيها من ابن هذال وسكنها أنها لم تكن قد اتخذت شكل مدينة، بل ولا بلدة صغيرة، وإنما كان في مكانها، وما حولها مجموعة من المنازل في النخيل يسكن فيها أهلها، وهم متفرقون وعددهم قليل. ويؤيد ذلك ما سمعناه من ثقات الإخباريين أن منطقة بريدة لم يكن فيها

стр. 59

في العهد القديم مسجد جامع، فأراد أهل المحلات غير المتصلة فيها أن يبنوا لهم مسجدًا يصلون فيه الجمعة، فتشاجروا كل يريد أن يكون المسجد عنده، ثم اصطلحوا على أن يكون في أرض فضاء كانت بينهم. ثم تشاجروا فيمن يتحمل بناءه فاتفقوا على أن أهل كل جهة يبنون الجهة التي تليهم من المسجد، وكان ذلك المسجد هو (جامع بريدة) الآن الذي سمي أخيرا (جامع خادم الحرمين الشريفين) وقد بقي ذلك المسجد قرونًا وهو مسجد الجمعة الوحيد في بريدة، أدركت ذلك ومن هم في سني. أما من ناحية الموضوع فإن الذين كتبوا نتفًا من تاريخ القصيم على أخطائها وأكثرهم من أهل عنيزة ذكروا أن الذي حكم بريدة بعد راشد الدريبي هو ابنه حمود، وذكروا تاريخ وفاة حمود في عام ١١٥٠ أو ثلاث وخمسين أو سنة ١١٥٥ على اختلاف بينهم في ذلك، ومنهم الشيخ إبراهيم بن عيسى نفسه الذي أورد قصة شراء راشد الدريبي لبئر نزله هو والذين معه وسمي بعد ذلك بريدة، وأن ذلك كان في القرن التاسع. فكيف يكون راشد الدريبي في القرن التاسع أو حتى العاشر ولابد أن يكون مسنًا لما عرفناه من كيفية مجيئه إلى منطقة القصيم من بلاده (ثرمدا) والدًا لحمود الدريبي وبينهما ما يقرب من مائتي سنة. وقد ذكر المؤرخون المذكورون أن (راشد بن حمود) الدريبي الرجل الصلب، بل العنيد، الذي سيأتي الكلام عليه هو حفيد راشد الدريبي الأول وهو قد ثبت ثبوتًا تاريخيًا قطعيًّا أنه كان أمير بريدة في عام ١١٩٠ هـ. إذا الصحيح أن مجيء راشد الدريبي وجماعته إلى بريدة كان بعد الذي ذكره الشيخ إبراهيم بن عيسى أو أنه في ذلك الوقت، ولكن لم يتول الإمارة على بريدة في ذلك التاريخ، ويكون حمود الدريبي الذي أشرنا إليه وسيأتي

стр. 60

الكلام عليه ليس ابنًا له، وإنما ابن لراشد آخر اسمه وافق اسم راشد الأول الذي هو راشد بن عبد الله الدريبي مثلما أن راشد الثاني الذي هو راشد بن حمود الدريبي تكرر اسمه والله أعلم. أو أن يكون مجيء راشد الدريبي في ذلك التاريخ أو قبله، ولكنه يكون راشدًا آخر قبل راشد الدريبي الذي ذكروا أنه المؤسس الإمارة آل أبي عليان على بريدة، وليس راشد الذي هو والد حمود وجد راشد الذي قتله حجيلان بن حمد في عام ١١٩٤ هـ. أما حديث علاقة هذه الجملة من كلام ابن عيسى إذا كانت ذات أصل صحيح فإنها ربما كانت تتعلق بمورد ماء في منطقة ضرية التي وصل إليها آل أبو عليان من ثرمدا قبل أن يسكنوا بريدة، فربما كان الدريبي اشترى بئرًا في منطقتها الصحراوية من ابن هذال ونزل فيها حوله قبل أن ينتقل إلى بريدة. من الذي كان يحكم بريدة قبل مجيء الدريبي ؟ لا نجد نصًّا تاريخيًا مكتوبًا عن أي أمير حكم على بريدة قبل مجيء آل أبو عليان إليها، وقد يكون هذا مفهومًا في ظل الظلام التاريخي الذي لف المنطقة في تلك العصور، ولكن الغريب ألا يكون من ذلك شيء في ذاكرة الإخباريين الذين عودونا أن يكون لديهم في بعض الأحيان أخبار أو نتف من أخبار لا تكون عند المؤررخين. فلم نسمع منهم أي شيء يتعلق بذلك ما عدا ما سيأتي في ذكر (السالم) في حرف السين من كون الإمارة كانت لهم قبل آل أبي عليان، والذي نعتقده أن الإمارة تلك، ليست على بريدة كلها، وإنما هي على المحلة التي كانت لهم، وقد بقيت من اسمها بقية أراني والدي ﵀ مكانها، وهو واقع في شمال السوق المركزي لبريدة.

стр. 61

والواقع المفهوم يدل على ذلك أي على أنه لم يحكم أحد قبل آل أبي عليان على بريدة وما يتبعها، وذلك لسبب واضح وهو أن بريدة لم تتخذ شكل الوحدة السكانية أو التي تتبعها وحدات أخرى في تلك الإمارة، ولم تصبح كذلك إلَّا بعد أن حكمها آل أبو عليان والله أعلم. سبب مجيء الدريبي إلى بريدة: ذكر الإخباريون والمؤرخون أن سبب ترك الدربيي ومن معه من جماعته بلدتهم (ثرمدا) هو النزاع، بل والتخاصم والتقاتل مع أبناء عمهم العناقر أهل ثرمدا، وهذا شيء حدث كثيرًا لأسر كثيرة في نجد أن يتغلب فريق على فريق من أهلها فيجلو المغلوب ومن يريد السلامة من التناحر والتقاتل إلى بلد آخر. وقد أجمعوا أيضًا أو كادوا على أن راشد الدريبي ذهب من (ثرمدا) بلده في الوشم إلى ضرية في أعلى القصيم، وضرية معروفة في القديم منذ الجاهلية وصدر الإسلام إلى ما قبل عهدنا الزاهر هذا بأنها من أفضل بلاد الله مراتع للإبل، ولذلك صارت قاعدة للحمى الذي عرف باسمها فسمي (حمي ضرية)، وكانت في صدر الإسلام أكثر بلدان القصيم عمارة، بل كانت كذلك حتى في العهد الجاهلي القريب من صدر الإسلام، وقد ذكرت ذلك مفصلًا في (معجم بلاد القصيم). ولكنها كانت قد ضعفت عمارتها في الوقت الذي ذهب فيه راشد الدريبي إليها، وما أبعد أن تكون البئر التي ذكر الأقدمون أنه اشتراها من ابن هذال هي مورد ماء في (ضرية) وليس في بريدة. ونتصور أيضًا أن (الدريبي) الأول ولنسلم جدلًا بأن اسمه (راشد) كما ذكر المؤرخون أنه سكن منطقة بريدة كما يفعل غيره من الذين جاءوا إليها من جنوب نجد قبله وإلى العهد الأخير عندما يهاجرون إلى القصيم بأن وطد نفسه واتخذ له نخلا وزراعة ثم بدأ بالسيطرة على ما حوله حتى تغلب عليها.

стр. 62

وأن بريدة تطورت في عهد أولاده وأحفاده حتى وصلت إلى ما كانت عليه في القرن الثاني عشر الذي ذكر المؤرخون بعض أحداثه بسبب دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي جعلت التاريخ نجد وبلدانه أهمية بعد أن لم تكن فيما قبل عهده شيئًا مذكورًا إلا في أماكن ضيقة محدودة مثل (أشبقر) و (معكال) في الرياض، وليس القصيم من تلك الأماكن. بريدة تحت إمارة آل أبو عليان: ربما صح القول بأن مدينة بريدة اكتسبت من طبيعة أمرائها آل أبو عليان صفات منها الشجاعة وسرعة الخروج بل النفور للغزو، وحب السيطرة حتى استطاعت في وقت قصير أن تضم إليها كل القصيم ما عدا مدينة عنيزة وأماكن صغيرة ليست بذات أهمية قريبة منها، فإنها - أي عنيزة - لم تكن تابعة البريدة في أية فترة من فترات التاريخ، بل ظلت مستقلة. مع أن أماكن إلى الجنوب منها أي من جهة البعد عن بريدة مثل (المذنب) صارت تابعة لبريدة أو لنقل بتعريف هذا العصر صارت بريدة عاصمة للقصيم، ولكن مفهوم العاصمة في ذلك العصر يختلف عن مفهومه في العصر الحاضر. فالعاصمة القديمة وهي هنا بريدة كان معنى كونها عاصمة أن القصيم كان يرسل إليها زكاة الثمار التي أهمها التمر والحبوب، وفي هذا الصدد كنت سألت الأمير عساف الحسين أمير الرس عندما زرته لأول مرة في عام ١٣٦٩ هـ رئيسًا أو مشتركًا في لجنة الاختبار للشهادة الابتدائية لمدرسة الرس مبتعثًا من بريدة لذلك بأمر من مديرية المعارف قبل أن تكون وزارة عما يفعلون بزكاة التمر والحبوب التي ينتجها الرس؟ وأنا أريد من ذلك مجرد المعرفة ماذا يفعلون بها؟ فقال: نرسلها لبريدة.

стр. 63

فقلت له: أذلك بموجب عرف عندكم أم هو شيء لازم؟ فقال لي: إذا لم نفعل ذلك يغزوننا أهل بريدة. والأمير عساف الحسين المذكور هو جد أمير الرس في الوقت الحاضر ١٤٢٦ هـ، إلا أنه عندما ظهر آل سليم العلماء في بريدة اتفق معهم الحكام على أن يتركوا لكل بلد من بلدان القصيم ربع زكاة الأموال فيه للفقراء والمحتاجين من أهله والباقي يرسل إلى بريدة. وشيء آخر وهو أنه إذا ما احتاج القصيم إلى غزو فإن أميره يكلف أو يلزم أهل كل بلد من بلدانه بعدد معين من الغزاة، وهم الرجال الذين يخرجون للغزو - أو بعدد من الإبل فيقول مثلا: إن أهل قصيباء أو الشماسية يجب أن يشاركوا بكذا من الرجال في الغزو، فيفعلون. وفي مقابل ذلك من المغريات للانتظام في القصيم التابع لبريدة، وعدم محاولة الخروج عنه يلتزم أهل القصيم الذين هم أهل بريدة ومن معهم من أهل القصيم بالدفاع عن كل بلدان القصيم ضد المغيرين أو المعتدين، فإذا تعرضت بلدة من بلدان القصيم لهجوم من غرباء، أو اعتداء من أناس من أهل البادية أو غيرهم كان لزامًا على أهل القصيم وأولهم أهل بريدة أن يردوا عنهم الإعتداء ويدفعوا عنهم المعتدين. وهذا شيء مغر في تلك الأزمان التي كان فيها النهب والسلب سائدًا قبل الدولة السعودية الأولى. ولا يدخل في هذا كله أهل عنيزة، فمدينة عنيزة لا ترسل من زكاتها شيئًا لبريدة ولا من رجالها أحدا للاشتراك مع أهل القصيم في غزو أو دفاع إلَّا بموجب اتفاقات معينة بين الطرفين.

стр. 64

وبالتالي لا يكون أهل القصيم الذين هم أهل بريدة ومن تبعها ملزمين بالدفاع عن عنيزة إذا هاجمها عدو أو اعتدى عليها معتدٍ، وهذا هو ما وقع فعلًا في التاريخ. تنازع آل أبو عليان على الإمارة: بلغ تقاتل (آل أبي عليان) فيما بينهم حول إمارة بريدة وما يتبعها حدًّا تجاوز خبره مدينة بريدة، بل منطقة القصيم حتى سجله المؤرخون كابن بشر وأنحوا باللائمة في ذلك على آل أبو عليان، مع أن ذلك كان هو طابع الحياة السياسية، بل طابع التناحر والتقاتل حتى على أمور تافهة وليست كإمارة القصيم الغنية بالنسبة إلى الأماكن الأخرى في نجد. فكان حتى أهل القرى كثرمدا وأثيثية، والمجمعة وحرمه، والرياض ومنفوحة تتقاتل وتتناحر مع جيرانها ويتقاتل كبارها وزعماؤها فيما بينهم على الإمارة حتى ظهور الدولة السعودية التي نادت بتحكيم الشرع الشريف، وألا يكون لأحد على أحد حق إلا ما أثبته الشرع الشريف له. وصل تنازع بني عليان وتقاتلهم على الإمارة إلى أن يدخل في التراث الشعبي، فقد ذكرت العامة في اسم (المطا) التي كانت تقع إلى الغرب من (بريدة) القديمة وصارت الآن حيًّا من أحيائها، بل تجاوزتها عمارة بريدة ذكرت العامة في أخبارها أن اسمها كان الموطأ أي مكان الوطا، وأنه قد حرف إلى اسمه الحالي (المطَّا) وأن أصل تسميتها أن أحد أهل بريدة ويقال إنه أحد الصالحين في دينهم رأى الرسول ﷺ في المنام، وهو أي - الرسول في الموطا - أي المطا - فقال للرسول ﷺ : يا رسول الله، تعال عندنا لبريدة. قالوا: فأجابه الرسول ﷺ ، لا، بريدة جُفْرة دمْ! والجفرة - بالجيم - هي الحفرة بالحاء، قالوا: ويقصد الرسول صلى الله

стр. 65

عليه وسلم من ذلك أن آل أبي عليان قد جعلوها بمثابة الحفرة من الدم الذي يريقونه في تقاتلهم فيما بينهم! والواقع أننا إذا تركنا ما ذكره ابن بشر جانبًا، وأضربنا عن تلك الحكاية الشعبية فإننا نجد الشواهد على تقاتل بني عليان على الإمارة تاريخًا واقعًا ويكفي أن يقرأ القارئ ما كتبته من ذلك في (معجم بلاد القصيم): رسم بريدة، مع أنني لم أكن أقصد إبرازه، وإنما كنت أسرد وقائع تاريخية من دون أن أقصد ذكر ما كان بين (آل أبو عليان) من الاقتتال حول إمارة بريدة وما يتبعها من القصيم. وقد بلغني أخيرًا عن السبب الرئيسي للخصومة بين آل أبو عليان أنفسهم وأن أول من جاء منهم إلى منطقة بريدة الدريبي قدم إليها من ثرمدا وصارت له الإمارة على جانب منها قبل أن تصبح بلدة متميزة لأن مكانها وما قرب منها كان بساتين ومنازل جمع منزلة وهي البيوت القليلة بين البساتين. وقد ذكرنا ما سمعناه من مشايخ الإخباريين عن بناء جامع بريدة الكبير الذي اسمه الآن (جامع خادم الحرمين الشريفين) أن أهل المحلات في منطقة بريدة تنازعوا على مكانه كل منهم يريد أن يكون عنده، حتى لا يتعب في الذهاب لصلاة الجمعة فيه، ثم اصطلحوا على أن يبنوه متوسطًا بينهم فاختاروا له مكانه الذي فيه الآن. نعود إلى ذكر بني عليان فنقول إن الدريبي ومن معه حكموا جانبًا من تلك المنطقة، ثم جاء إليهم جماعة من (آل أبو عليان) أبناء عمومتهم من مكان ما في وسط نجد كانوا نزحوا إليه قبل ذلك من ثرمدا فنزلوا في منطقة بريدة وسارعوا ينازعون الدريبي على الإمارة حتى نقل التاريخ المكتوب أنهم تقاتلوا في جامع بريدة مرة، وقتل منهم فيه ثمانية رجال. وهؤلاء الذين قدموا أخيرًا هم المعروفون بآل حسن، وهم الذين كان

стр. 66

منهم الحكام الذين أثروا في بريدة أثرًا عظيمًا مثل حجيلان بن حمد الذي تطورت بريدة تطورًا عظيمًا في وقته وكان رجلًا عمرانيًا داهية بعيدًا عن التعصب إلَّا لبلدته وما ينفعها، وقد هاجر إلى بريدة ومنطقتها في عهده طوائف من الناس لقوا منه الترحاب إذا كانوا جاءوا ليعمروها وبخاصة إذا كانت عمارتهم غرس نخيل أو زراعة. والذي ذكره التاريخ المكتوب عن أوائل الأشخاص من الأمراء آل أبو عليان الذين مثلوا هذا الشقاق هما راشد بن حمود الدريبي وعبد الله بن حسن. وعندما قامت الدولة السعودية الأولى كان راشد الدريبي أميرًا على بريدة وما يتبعها، وكان معروفًا بقوة الشكيمة والشدة على الأعداء فجاءه جيش من الدرعية ليقاتله وليدخله في طاعة الدولة الجديدة فمانع وقاوم ذلك. أما كبير الفرع الثاني وهو آل حسن ومقدمهم عبد الله بن حسن فإنه أظهر الموافقة على متابعة الدولة السعودية، إلا أن النزاع ظل مستمرًا بين الطرفين حتى تغلب راشد الدريبي ثانية ثم ثالثة ومن ثم اجتمع آل حسن من آل أبو عليان على خلعه وتولية شخص من آل حسن بديل منه، فاتفقوا على أن يتولى ذلك حجيلان بن حمد ويولوه الإمارة فهجم على راشد الدريبي وقتله وانتزع الإمارة منه، وأظهر الطاعة لآل سعود مع بقائه في إمارة القصيم كله ما عدا عنيزة وتوابعها. وقد ذكرت أن النظرة العامة بالنسبة إلى اتجاهات فريقي (آل أبو عليان) الذين هما الدريبي ومن معه، و (آل حسن) الذين منهم حجيلان بن حمد وأولهم عبد الله بن حسن الذي هو أول من تولى الحكم معترفًا لآل سعود ومناصرًا لمن ناصرهم معاديًا لمن عاداهم، والمراد بذلك من هم في وقته وهو الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود يرى أن (الحسن) هم أنصار آل سعود المقربين منهم، ولكن بعد أن يتغلبوا بأنفسهم على الفريق المنافس من آل عمهم (آل أبو عليان) الذين يعرفون بالدرابي - جمع دريبي - وإن لم يكونوا كلهم من ذرية الدريبي.

стр. 67

وسوف نذكر في أذهاننا - بعد ذلك - بعض الغزوات التي قام بها آل سعود بموافقة بل بموازرة علمية من الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهي تذكر وتعلن أن حكمهم قام على نصر السنة، وقمع البدعة، وأنه يحكم الشرع الشريف، وذلك صحيح الصحة كلها، يعرف به كل من عرف حالة البلاد النجدية قبلهم، ويعرفه لهم أيضًا من عرف ما آلت إليه حالة البلاد بعد أن نكبوا في الدرعية. والمهم أيضًا في الإدارة أنها قامت على إشاعة العدل، وكف القوي عن الاعتداء على الضيف، وذلك بعد أن كان أهل نجد يتقاتلون فيما بينهم فيقاتل الجار جاره، وتغير القبيلة على القبيلة الأخرى، فكفهم هذا الحكم الإسلامي الإصلاحي حتى صاروا لا يستطيع أحد أن يأخذ من أحد شيئًا إلا بما يأمر به الشرع الشريف. وكان القضاة في عهد آل سعود حتى عهد حكم الملك عبد العزيز أمثلة للنزاهة والعفاف والورع، لم يكن يتطرق إليهم شك في ذلك. وقد أدركنا طرفًا من ذلك، فلم نسمع أي قدح في أي عالم من هذا النوع، وإنما كان القدح ينصب في بعض الأحيان على كون المشايخ يبعدون من يخالفونهم في آرائهم عن وظائف القضاء والإرشاد وإمامة المساجد. أما الفريق الثاني فريق (الدريبي) ومن معه من آل أبو عليان فإنهم عرفوا بخلافهم مع الحكم السعودي الناشيء في الدرعية، ولذلك حصلت وقائع بينهم عديدة ذكرها المؤرخون وهي مذكورة في بابها من هذا الكتاب، وكان الدريبي أيضًا يتقرب ويتقارب من أعداء آل سعود السياسيين في شرق الجزيرة مثل آل عريعر، وذلك بعد أن جرب راشد الدريبي التقارب من آل سعود ولكنه لم يرد السير في ذلك، حسبما ارتآه لنفسه، وسوف يأتي الكلام على ذلك عند الكلام على إمارة راشد المذكور من (أمراء آل أبو عليان). وهذا يكاد يكون أمرًا مسلمًا به، بل هو مسلم به طيلة تلك الدولة

стр. 68

السعودية الأولى، وحتى بعد انقضائها بزمن، لأن الذي كان يتولى الحكم في بريدة وملحقاتها هم من آل حسن الذين هم ضد (الدرابي) غير أن الحال اختلف إذ سعي آل الدريبي إلى أن يختلف، وتقدموا بعد ذهاب الإمارة عن آل حسن يطلبون أن تعاد إليهم أملاك الدريبي القديمة أو (الدرابي) بصيغة الجمع على حد تعبيرهم، لأنهم أهلها. وقد عرض هذا الأمر على أكبر عالم في نجد من الناحية العملية في ذلك الوقت وهو الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ الذي كتب يقول: يُعلم الناظر إليه أنه ورد عليَّ سؤال عن العقارات والأملاك التي تحت يد حجيلان الحمد من أموال (الدرابي) هل ترد إلى ورثة الدرابي أو غيرهم؟ وتسمع فيها الدعوى، أو ترد ولا تسمع دعواهم؟ فأفتيتهم بأن ما أقره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعبد العزيز بن محمد من أموال من لم يقبل الدعوة الإسلامية التي دعا إليها الشيخ محمد ﵀ واستولى عليها حجيلان بالجهاد على الإسلام لا يعارض فيها ورثة حجيلان، ولا تنزع من أيديهم ويتصرف فيها على ما ذكرنا، قاله وكتبه عبد اللطيف بن عبد الرحمن، انتهى بحروفه ثم ختمه بخاتمه". وقد ذيل على هذه الفتوى أكبر علماء القصيم من الناحية العملية في ذلك الوقت الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وهو من تلاميذ الشيخ عبد اللظيف ومن أنصاره، بقوله مذيلًا على الفتوى المذكورة: "الحمد لله العمل على ما ذكر شيخنا، وما أفتى الشيخ محمد بحله من أموال من صارم الدعوة الإسلامية فلا شك في إباحته، قال ذلك كاتبه الواثق بالواسع العليم محمد ابن عبد الله بن سليم حرر ذلك ٩ ربيع سنة ١٢٨٧ هـ"، انتهى بحروفه. وتقرير الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم في هذه المسألة مهم جدًّا، لأنه من

стр. 69

أهل بريدة ويعرف حقيقة ما كان عليه الدريبي ومن معه من آل أبو عليان من جهة مصادمته للدولة السلفية كما يعرف حقيقة ما عليه آل حسن من عكس ذلك. وهذه صورة الفتوي: وذكر بعض الإخباريين فقال: سبب انقسام بني عليان فيما أخبرني أحد شيوخ آل أبو عليان الطاعنين في السن أنه لما مات أمير بريدة بعد راشد الدريبي أولهم تولى بعده ابن أخيه لأنه كان أكثر أهلية من ابن الأمير المتوفى، وأكبر مقامًا عند الناس. ولكن ابن الأمير لم يصبر على ذلك فقتله واستولى على الإمارة بالقوة. وبعد فترة قام متعصبون للقتيل فقتلوا قاتله وهو في الإمارة وما زالوا كذلك حتى عرف هذا في تاريخهم. وقد سألت من أخبرني بذلك عن الفرع أو القسم الذين هم أبناء أخ للأمير المتوفى فلم يخبرني به، وقال: لا أدري.

стр. 70

أقول: وأنا لا أدري: أذلك صحيح؟ أم أنه لا يريد أن يقول ذلك. وإنما الفرعان أو القسمان المتنازعان المتقاتلان على الإمارة هما آل الدريبي وآل حسن. وقد اشتهروا بكونهم بعضهم يقتل بعضًا طلبًا للإمارة. انقسامات حتى في الفرع الواحد: ذكرنا أن (آل أبو عليان) انقسموا إلى قسمين هما (الدريبي) و (الحسن) وتقاتلوا قتالًا مريرا على الإمارة حتى تدخلت فيهم الدولة السعودية الأولى بعد أن استقر الحكم لحجيلان بن حمد، وأعلن مساندته للدولة السعودية التي لم يكن اسمها هكذا وإنما هذا وصفها. ولكننا شهدنا انقسامًا وتقاتلًا على الإمارة حتى في داخل القسم الواحد. ومن أشد ذلك ما حصل بين فهد المرشد وبين محمد بن علي العرفج وكلاهما من (الحسن) حيث قتل محمد العرفج فهد المرشد ثم قتل ابنه صالح المرشد محمد العرفج أخذًا بثار أبيه. وذلك الانقسام الذي حصل بين الأمير عبد العزيز بن محمد آل حسن وبين الأمير الشاعر محمد بن علي العرفج وهما معًا من آل حسن، وقد تدخل في هذا النزاع بينهما الإمام تركي بن عبد الله، حيث استدعى محمد العرفج إليه ليقيم في الرياض كفًّا له عن منازعة عبد العزيز المحمد الذي اعتبره الإمام تركي أحد ولاته. ثم ولى الإمام تركي محمد بن علي العرفج على الجوف، أي جعل محمد العرفج أميرًا على الجوف، ليبعده أيضًا عن القصيم وعن منازعة الأمير عبد العزيز بن محمد وربما عن مقاتلته. وسوف يأتي ذكر لذلك - بإذن الله - في ترجمة محمد بن علي العرفج في حرف العين عند ذكر (العرفج).

стр. 71

لمحات تاريخية: بلادنا لم تؤرخ والشخصيات الفاعلة المؤثرة فيها لم يدون التاريخ شيئًا ذا بال عنها، ما عدا لمحات أشبه بالإشارات المبتورة التي لا تذكر من الوقائع إلا كلمات لا تعلل سببها في الغالب، ولا تدلل على نتائجها. وقد اشتكى المؤرخ النادرة عثمان بن بشر ﵀ من ذلك في تاريخه، فقال: "وكان في أكثر نواحي نجد وقراها رسوم وعلامات، وهي مساكن أناس سلفوا في العارض والخرج والوشم والقصيم وسدير، وغير ذلك، ولا يعرف من سكنها، ولا ما فعل أهلها ولا ما فعل بهم، وذلك من تقصير علمائهم عن ذلك وعدم التفاتهم إلى هذا الفن، وكل علماء جميع الأقطار في الحرمين والشام ومصر والعراق والغرب وبلاد الروم وبلاد العجم وغير ذلك، أرخوا أوطانهم، وأرخوا من بناها وسكنها وتولى فيها وما حدث فيها من الحروب، وأرخوا أيضًا علماءهم ومن أخذوا عنه ومن أخذ عنهم، ولا سمعنا بأحد من علماء نجد وضع شيئًا من ذلك، فالله المستعان" (١). انتهى كلام ابن بشر. لذلك سرت هنا على ما سرت عليه في (معجم بلاد القصيم) من ذكر النص التاريخي المثبت في أحد الكتب، ثم التعليق على ما يحتاج فيه إلى تعليق من إيضاح أو تفسير أو نحو ذلك، مما حصلنا عليه بالمعلومات الشفهية التي سمعناها من كبار السن. وقد يكون الأمر عكس ذلك، فنبدأ بحديث الإخباريين، ثم بالنص التاريخي، وهي مهمة في هذا الأمر لأنها كثيرًا ما تقيد شيئًا مطلقًا، أو توضح غامضًا أو تفصل مجملا.

стр. 72

مع أنها هي نفسها ضحلة، والرجال الذين يحفظونها هم في تناقص، إن لم نقل في تلاش، والذين نقلوا عنهم شفهيًا إن كانوا عقلوا ما نقلوه عنهم أصابهم أمران، إما يكون داء النسيان أو داء الهوى أو هما معًا. ومع ذلك وجدت أن هذه هي الطريقة الممكنة للكتابة في هذا الموضوع. وقد رتبت ذلك بحسب الكلام على ذكر بعض الأشخاص الأمراء أو البارزين الذين ورد لهم ذكر في التاريخ. (آل أبو عليان) أسرة عريقة السكني في بريدة، كثيرة الفروع. ومع ذلك كله فإن الوثائق عنهم شحيحة، مع أنه يفترض أن لبعضنهم أوقافا ووصايا، وبينهم مبايعات لأشياء مهمة من العقارات والمزارع والنخيل، ومع ذلك لم نر أكثر وثائقهم المظنونة. والسبب في ذلك قلة عنايتهم كغيرهم من أهل نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالكتابة والتوثيق فضلًا عن التاريخ والوقائع والأنساب. وأمر مهم آخر وهو قلة صيانة الوثائق والمبايعات والوصايا ونحوها، إذ لا توجد في تلك الأزمان خزائن للكتب ولا لحفظ الأوراق، ولذلك كثيرًا ما تتلف الأوراق أو تشرف على التلف بعد مدة قصيرة من كتابتها كما رأينا ذلك في كثير منها، الذي سيأتي في تضاعيف هذا الكتاب. إضافة إلى ما كان يعتري البلاد من حروب ومجاعات ومخاوف، يضطر بعض أهلها بسببها إلى هجر البلاد والذهاب عنها إلى بلاد أخرى، كالشام والعراق، أو الأحساء والخليج، وربما الهند. وليس من المعقول أن يأخذ من يكون كذلك وثائقه معه، فيتركها عندما لا يحسن صيانتها ولهذا السبب رأينا بعضهم إذا أراد السفر أو حتى إذا خاف على

стр. 73

الوثيقة من التلف وهو في الغالب لا يقرأ ولا يكتب أودعها عند أحد المستقرين في البلدة ممن حالتهم المالية جيدة، بحيث لا يحتمل أن يهاجروا منها. وأكبر مثال على ذلك ما عرفته شخصيًا من الشيخ فهد بن عبيد العبد المحسن فقد رأيت عنده زنبيلًا كبيرًا مليئا بالوثائق المهمة، وذلك في عام ١٣٦٥ هـ وأخبرني أنها من عهد والده، لأنه قارئ والناس يثقون به وبفطنته، بحيث إن بعضهم إذا أراد الرجوع إلى الوثيقة طلبها منه، وبعضهم يموت ولا يخبر أولاده بها، فتبقى عند عبيد العبد المحسن، وبعده تحولت إلى ابنه الشيخ فهد العبيد. ولكن الشيخ فهد أخبرني أنه ضاق بها وأنه بدأ يعطي كل من ذكر اسم أسرته من وثيقة يعطيه إياها ولو لم تكن خاصة به، ويقول هذا أفضل من بقائها عندي. ورغم ذلك كله فقد حاولت أن أجمع كل ما قدرت عليه خاصا بهذه الأسرة وأكثرها مذكور في الكلام على فروع الأسرة الذين ذكروا في الوثائق. أول الأمراء من بني عليان: قلنا: إن المراد بذلك الأمراء الذين تولوا الإمارة، ونوه بها المؤرخون والإخباريون، من تلك الأسرة من أمراء وحكام مع ملاحظة أن كثيرًا من الشخصيات البارزة فيهم غير الأمراء لم تذكر، بل لم ينوه بها أحد لقلة الكتابات التاريخية، وعدم الاحتفاظ حتى بإشارة من الإشارات إلى بعضهم، ولكن الإخباريين - بكسر الهمزة - نسبة إلى الإخبار بالشيء وليس الأخبار بفتح الهمزة جمع خبر، يكونون أشاروا إليها بإشارات عابرة، ونحن لا نملك هنا إلا أن نورد ما وصلنا من معلومات وما استنتجناه منها مفرقين بين ما سمعنا منها بنصه، وما استنتجناه من تلك الأخبار.

стр. 74

الأول راشد بن عبد الله الدريبي: وهو الذي ذكر المؤرخون أنه أول الساكنين في منطقة بريدة من أسرة (آل أبو عليان) ويعتبرونه أول الأمراء من هذه الأسرة، ولكن ليست لدينا أخبار عنه في التاريخ المكتوب غير الجملة التي ذكرها ابن عيسى ﵀ من أنه أول من نزل من (آل أبو عليان) في منطقة بريدة، وهذه قد تفسر على أنه حاكم من تلك الأسرة كما قد تفسر على أنه ساكن منها في منطقة بريدة، من دون أن يتولى الحكم، والأول هو المتبادر إلى الذهن. حمود الدريبي: يأتي بعده بالذكر، وربما بالترتيب عند المؤرخين ابنه - كما ذكروا -: حمود الدريبي وهو أمير مشهور بذلك ذكر المؤرخون له أحداثا ووقائع تدل على أن بريدة كانت في عهده تحمل هذا الاسم، وأنها صارت ذات شأن، بحيث تتحارب مع جارتها بلدة الشماس، وبحيث يمتد الخلاف والتنازع بينهما إلى درجة أن يستعين بعض المخالفين لهم بأهل عنيزة وبأعراب من قبيلة الظفير على أهل بريدة. كما أنه وجد في وقت كان اتضح فيه انقسام (آل أبو عليان) على أنفسهم حول إمارة بريدة، وعمق ذلك الانقسام إلى درجة أن حمود الدريبي قتل ثمانية منهم في جامع بريدة، وأنه قتل في السنة التي تلت قتلتهم تلك، وهذا يدل على أنه ليس الابن المباشر لمؤسس الأسرة في بريدة، إذ أن هذه التطورات لا تكون هكذا من القوة والاختلاف في عمر رجل كبير السن وهو المؤسس كما نعتقد إلى عمر ولده الأمير. أقول: وجدت في أوراق عندي قديمة كنت كتبتها في عام ١٣٦٤ هـ نقلًا عن أوراق متعددة أن ذلك كان في عام ١١٥٣ هـ ونصها: سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف قتل حمود الدريبي رفاقته (آل أبو عليان) في مسجد بريدة قتل منهم ثمانية رجال، وفي السنة التي بعدها قتل حمود الدريبي المذكور.

стр. 75

أقول: وصف الذين قتلهم حمود الدريبي بأنهم رفاقته ليس المقصود من ذلك ما يتبادر إلى الذهن بأنهم أصحابه المرافقون له، وإنما المقصود أنهم من أسرته (آل أبو عليان). ولم يحفظ التاريخ ولا الإخباريون أسماء أولئك الذين قتلهم حمود الدريبي، ولكن الذي لا مراء فيه أنهم من الفرع الثاني من آل أبو عليان، الذين هم من آل حسن، وهم الذين كانوا يتنازعون الإمارة على بريدة مع أبناء عمهم فرع الدريبي الذين منهم حمود الدريبي هذا ويتقاتلون معهم عليها. والمراد بمسجد بريدة الوارد في هذا الخبر هو جامع بريدة لأنه لم يكن يوجد في ذلك الوقت، أي مسجد آخر غيره في بريدة، وهو الجامع الذي صار يسمى الآن (جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد) لأنه وسعه وجدد عمارته على هيئة ممتازة جزاه الله خيرا. وقد صرح الشيخ إبراهيم بن عيسى بأسماء الذين قتلهم حمود الدريبي في الجامع بأنهم أبناء عمه آل حسن من آل أبو عليان. قال ابن عيسى: وفي سنة ١١٥٣ هـ قتل حمود الدريبي رئيس بلد بريدة بني عمه آل حسن من (آل أبو عليان) في مسجد بريدة قتل منهم ثمانية رجال (١). وقال ابن عيسى: وفي السنة التي بعدها فتل حمود الدريبي المذكور، وآل أبو عليان من العناقر من تميم (٢). قال ابن بشر ﵀ في سوابقه في حوادث سنة ١١٥٣ هـ: وفيها قتل حمود الدريبي رفاقته آل أبي عليان في بريدة قتل منهم ثمانية رجال (٣). ولم يذكر مكان قتلهم الذي ذكر المؤرخون غيره أنه كان في جامع بريدة.
следующие страницы →