← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، فهذا بحث في الحج والعمرة وأعمالهما، وما يتعلق بهما من أحكام، أَعَدَّه أخي في الله، فضيلة الشيخ محمد حلاوة- حَفِظه الله- وقد اعتَنى فيه بصحة المادة الحديثية وسلامتها، فخَرَّج الأحاديث والآثار، وحَكَم عليها بما تستحقه صحة أو ضعفًا، وأورد أقوال أئمة الفقه من مصادرها، ورَجَّح ما يقتضي ما صححه من الدليل رجحانه. فجزاه الله خيرًا، ونَفَع به، ووَفَّقه لمزيد من العلم النافع والعمل الصالح. وهذا، ولأخي محمد- حَفِظه الله- عدد من المصنفات النافعة في الفقه، مثل «أحكام الطهارة» و «الصيام» و «الزكاة» فاللهَ أسأل أن ينفع به وبعلمه. وصلى الله على نبينا محمد وسلم. والحمد لله رب العالمين. كتبه أبو عبد الله مصطفى بن العدوي (٢) رمضان (١٤٤٢ هـ)

стр. 2

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي شَرَع الحج إلى بيته الحرام، وجَعَله أحد أركان الإسلام، ونَهَى الحاج عن ارتكاب المعاصي والمخالفات والآثام، وغَفَر لمَن حج واعتمر ما اكتسب من الذنوب والآثام، أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا على مر الليالي والأيام. وأشهد أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شَرَع الشرائع وأَحْكَم الأحكام، وجَعَل الحج سببًا لدخول الجنة دار السلام، ووسيلةً لتكفير الذنوب والآثام. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله، أفضل الخَلْق وصفوة الأنام، وأفضل مَنْ صلى وصام، وأدى مناسك الحج على الكمال والتمام. أنت الذي قَوَّمْتَ ميزان الورى … ومحوتَ ظُلْم العدل في الميزانِ آسيتَ أيتامًا كَفَلْتَ أراملًا … أَسْعَدْتَ محرومًا رَحِمْتَ العاني أَنْقَذْتَ مسكينًا حَمَيْتَ مُشَرَّدًا … أَسْعَدْتَ مكروبًا هَدَيْتَ الجاني صلى عليك الله وسَلَّمَا … يا رحمة بُعِثَتْ من الرحمنِ اللهم صَلِّ على صاحب النفس الرضية، والطَّلْعة البهية، والمُهجة التقية، واليد الوفية، وعلى آله وصحبه، تلك النخبة الأبية، الأئمة الأعلام، شموس الدُّجَى ومصابيح الظلام، وعلى التابعين ومَن تَبِعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام. أما بعد: فإِنَّ مِنْ أعجب ما يدهش ألباب العقلاء، ويأخذ بقلوب الأصفياء، ويحار في ذكره المفكرون والعظماء، ويقف عن ترجمته الخبراء والعلماء، ويَعجز عن وصفه الفصحاء والبلغاء- جَذْب النفوس لبيت الله الحرام. إلى قِبلة الرُّوح رُوحي سَمَتْ … وطَرْفي إليها أطال النظَرْ أَحن إليها وأشتاقها … وكم من فؤاد إليها انفطَرْ

стр. 3

هناك الهدى والمُنى والسَّنا … وطَيْف من الأمل المُنتظَرْ هناك بداياتنا أُمَّة … تسامت وميلاد خير البشَرْ وإِنَّ مِنْ أعظم علامات اليُمْن، وأمارات الخير، وتباشير النصر لهذه الأمة العظيمة العزيزة بدينها- حبها لبيت بارئها، ولَهْفها لِحَرَم خالقها، وتَحَقَّقَتْ دعوة الخليل: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. هنا بمكة آي الله قد نَزَلَتْ … هنا تربى رسول الله خير نبي هنا الصحابة عاشوا يَصنعون لنا … مجدًا فريدًا على الأيام لم يشب هنا، مكة مهد الدين والإسلام، اصطفاها الرحمن، وتَنَزَّل في جنباتها القرآن، وفيها وُلد ونشأ وبُعث سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. بلدة ترنو إليها الأبصار، وتمتد إليها الأعناق، وتَعْلَق بها الخواطر، وتَلْهَج بها الأفكار. لا تُنكِروا شوقي إلى أُم القُرى … وتَهتُّكي بين الورى من ذكرها أبدًا بقلبي لا تَزال ربوعها … وبناظرَيَّ مَصِيفها وربيعها بلد تَطْرَب القلوب لذكره، وتشتاق الأفئدة لحُسْنه، إنه مكة، الاسم الخالد في قلب كل مؤمن، على ثراها نزلت الهداية، ومِن رُباها رُفعت للحق أعظم راية وكانت البداية. أُمَّ القرى يا جنة اليوم والغد … ويا زينة الماضي التليد المجدد أعز بلاد الله في الأرض موطنًا … ومولد خير الأنبياء محمد إن الله تعالى جَعَل الكعبة مَهْوَى أفئدة المسلمين، وقِبلة المصلين، ومَثابة للعَالَمين، وأَمْنًا للخائفين، ومأوى للمذنبين والمُقصِّرين، يَطلبون عنده العفو والمغفرة من رب العالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. كيف لا يكون هُدًى، ومنه انبثق فجر الإسلام ونور الإيمان؟! كيف لا، وقد جَعَلها الله قيامًا للناس أجمعين، وهي قِبلة للمسلمين، ومَهْبِط الوحي على النبي الأمين؟! كيف لا، وكم مِنْ نفوس دخلته فآبت وتابت واستقامت؟! وكم مِنْ قلوب دخلته فاطمأنت وسكنت؟! كيف لا والقلوب والأبدان تتوجه إليه كل يوم مرات ومرات، ولو

стр. 4

كانت في قاع البحار أو فوق السحاب؟! يا مكة الخير يا أرض المَسَرَّاتِ … يا مَشْرِق النور يا مَهْد النُّبواتِ يا دُرَّة في جبين الكون ساطعة … يا عبيرًا لأرواح زكياتِ وكيف لا ننتشي شوقًا إلى بلد … نهفو له كل يوم خَمْس مراتِ بيتٌ سطع نوره، وأشرقت بهجته، وراقت نضارته، وتألق حُسنه! بيت تتحرك إليه النفوس، وتتلهف له القلوب، وتثور شجون الحب، وتُنْفَق فيه الأموال، وتُتْرَك من أجله الأوطان؛ طاعة واستجابة لنداء الواحد الديان؛ لترتوي النفوس وتطمئن القلوب وتزكو الجوارح؛ لتزداد من الحسنات وتتقرب من رب الأرض والسموات، ترجو الجنان والعتق من النيران. في البيت الحرام تُسْكَب العَبَرات، وتُجَدَّد التوبات، وتَصعد الزَّفَرات، وتُسَح الدمعات، وتُسْمَع الآهات. في البيت الحرام يكون الأُنس بالرحمن، ويتخلص القلب من الأحزان، وتنطلق الرُّوح من العصيان. في البيت الحرام تُضاعَف الحسنات، وتُحَط الغَدَرات، وتُعَظَّم السيئات، وتُغْفَر الزلات. فالناظر حول الكعبة بيت الله الحرام يرى رجالًا أتقياء، ونساء خَيِّرات، وشبابًا أصفياء، بتلك النفوس المؤمنة الزمان يزدهر، والأيام تحتفل، والأرض في طرب. حَيِّ الشباب شباب أُمتنا الذي … هَجَر الرِّعاع وسار للرحمنِ متوجهًا للبيت يَبغِي رحمة … متوثبًا بالنور والإيمانِ العين تَفرح حين تُبْصِر ما تَرَى … من دعوة وإنابة الشُّبَّانِ علماءنا ودُعاتَنا بُشْرَى لكم … يا مَنْ بَنيتم عاليَ البُنيانِ ولتفرحي يا أمتي فلقد بدا … فجر الهداية واضحًا لعِيَانِ والشِّيب قد خَفُّوا على عَجْز بهم … لِلِقاء خالقهم بغير هوانِ قَطَعُوا الفيافي والقفار لعلهم … يَحْظَوْنَ بالرحمات والغُفرانِ

стр. 5

هَذِي سطور قد كَتَبْتُ حروفها … بالحُب والإشفاق للإخوانِ والنصح منكم يا أَحبةُ مَطْلَبِي … ليَزول ما في القول من نقصانِ ولتستروا خَلاتنا ولتصفحوا … فالصفح منكم غاية الإحسانِ واللهَ أسأل أن يُعمِّم نفعها … وتصير خير زاد للركبانِ ثم الصلاة على النبي محمد … ما طاف معتمر على الأركانِ فالحج عبادة عظيمة، مِنْ أَجَلّ العبادات، وقربة من أعظم القربات، فيه الانطراح بين يدي الواحد العَلَّام، وتجديد العهد مع الله على الإسلام، وبه تُمْحَى الخطايا والآثام، ويُباهِي الله تعالى بعباده ملائكته الكرام، وقبل ذلك وبعده الركن الخامس من أركان الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وشَهِد النص بأنه من أفضل الأعمال وأنه من الجهاد، ويَهدم ما كان قبله من الذنوب والآثام، وأن المتابعة بينه وبين والعمرة تَنفي الفقر والذنوب كما يَنفي الكِير خَبَث الحديد. فالحج عبادة تُفْضِي بالعبد إلى مغفرة الذنوب، وتُخَلِّصه من ماضٍ تراكمت فيه الأوزار، وتفاقمت فيه الشرور والآثام والخطايا، التي تنوء بها الجبال، فيرجع بذلك العبد إلى أهله بعد أداء حجه طاهر القلب، زكي النفس، مشرق الرُّوح، نقي الوجدان، نظيف الظاهر والباطن من الذنوب، مستقيمًا على هَدْي الفطرة، كما قال ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وإن مما يُفرح القلب، ويَشرح الصدر، ويُمتع الأرواح، ويبعث الأمل- ذلك الإقبال العالمي، ولا سيما في شهر الغفران وحج بيت الحرام. مُتدفِّقون كأنهم أنهارُ … أَنَّى اتجهتَ جلالةٌ ووقارُ فالناظر يرى تباشير النصر والتأييد والعز والتمكين لهذه الأمة. لَبَّيْكَ فاح الكون من نَفَحاتها … وتَعَطَّرَتْ منها ربوع الوادي هذا الرحيل إلي ربوع لم تَزَلْ … تُهْدِي إلى الدنيا براعة هادِ فهل رأيتَ لباسًا قَطُّ أَجَلَّ من لباس المُحْرِمين؟ وهل رأيتَ رُءوسًا أعز من رءوس المُحَلِّقين؟ وهل مَرَّ بك رَكْبٌ أشرف من ركب الطائفين؟ وهل مَرَّ بك مشهد كمشهد ليلة سبع وعشرين؟

стр. 6

لله دَرُّ ركائب سارت بهم … تَطوي القفار الشاسعات عن الدجى رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا … قَلْبَ المُتيَّم منهم ما قد شجا نَزَلُوا بباب لا يَخيب نزيله … وقلوبهم بين المخافة والرجا جموع ملبية، وأعين باكية، وعَبَرات ساكبة، وألسنة ذاكرة، وقلوب خاشعة، ونفوس خاضعة، وأيدٍ داعية، وجِباه ساجدة. إليك إلهي قد أتيتُ ملبيًا … فبَارِك إلهي حجتي ودعائيا قصدتُك مضطرًّا وجئتك باكيًا … وحاشاك ربي أن تَرُد بكائيا أتيتُ بلا زاد وَجُودك مطمعي … وما خاب مَنْ يهفو لجودك ساعيا إليك إلهي قد حَضَرْتُ مُؤمِّلًا … خلاص فؤادي من ذنوبي ملبيا فها هي قوافل حُجاج بيت الله الحرام، وجموع ضيوف الرحمن، ووفود المَلِك العَلَّام، أتت من كل فَجٍّ عميق، أتوا عبر القارات والبحار، وقَطَعُوا الفيافي والأجواء والقفار؛ ليَشهدوا منافع لهم، يدفعهم الإيمان وتقودهم الرغبة، ويحدوهم الشوق، ويُحفزهم الأمل فيما عند الله ؛ استجابة لأمر الله سبحانه لخليله ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. فيا ضيوف الرحمن، وفود المَلِك العَلَّام، يا مَنْ تجشمتم الصِّعاب، وركبتم المَشاقّ والأخطار، وقطعتم الفيافي والقِفار، والأجواء والبحار، وتركتم الأوطان والأموال والأولاد، لا لشيء إلا لأداء فريضة الحج على الوجه الأكمل والطريق الأمثل؛ هنيئًا لكم سلامة الوصول وحصول المأمول. أهلًا وسهلًا والسلام عليكمُ … وتحية منا تُزَفّ إليكمُ أحبابَنا ما أَجْمَلَ الدنيا بكم … لا تَقْبُح الدنيا وفيها أنتمُ فمرحبًا بوفد الرحمن وضيوف البيت الحرام، فلهم منا أجمل وأسمى تحية وإكبار. أهلًا وسهلًا بالحجيج ومرحبًا … تزهو بها الدنيا وتَخْضَرّ الرُّبا غنت طيور الشوق في إحساسه … فلكم أصاخ الكون منه وأطربا يا حُجاج بيت الله، اتقوا الله واشكروه على ما هيأ لكم من الوصول إلى بيته العتيق،

стр. 7

والاجتماع حول هذه الكعبة المشرفة، حيث تُسْكَب العبرات، وتَتنزل الرحمات، وتُرْفَع الدرجات، وتقال العثرات، وتُكَفَّر السيئات، وتُغْفَر الذنوب والخطيئات. فيا لها من مواقف تُهَذَّب فيها النفوس، وتَصْقُل فيها القلوب، وتحيا فيها الضمائر، وتصفو فيها المشاعر، ويَفرح بها أهل الإيمان! عبدَ الله، إن من نعمة الله عليك زيارة البيت العتيق، يوم أن حُرِمه كثير من العالمين، فحالت بينهم وبينه المصائب والأقدار، ما بين مُقْعَد على الفراش، كانت زيارة البيت من أعظم مناه، فوافاه الأجل قبل رؤياه. وما بين فقير، ليس عنده من الزاد ما يُبلغه إياه. وما بين شارد تائه عن الله ورضاه. فاغتَنِم هذه الفرصة. حُجاجَ بيت الله الحرام، اعلموا إن من أهم مقاصد الحج تحقيق التوحيد، فلقد أَوْدَع الله تعالى في مناسك الحج أعظم مظاهر التوحيد! ففي الطواف حول البيت العتيق يتجلى معنى الالتفاف حول الكعبة، فيجتمع حولها المسلمون ليُعلنوا توحيدهم لله ونَبْذهم لكل صور الشرك ومظاهر الوثنية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]. يا نازلين بأرض مكة والحَرَمْ … والطائفين بركنه والمُلتزَمْ هذي نصيحة مشفق مُتوجِّل … أَرْعِ لها سمعًا وبالنصح التَزِمْ يا زائرًا للبيت تلك وصية … اشْدُد بها عضدًا وبالحق استَقِمْ تلك الوصايا قد حواها ديننا … لنُشيد رفعتنا ونَبني ما انهدمْ قد حاز هذا الدينُ كل فضيلة … شَهِدَتْ له حتى الفرنجة والعجمْ ثم الصلاة على الذي بسماحة … مَلَك القلوب وقادها نحو القِممْ يا حُجاج بيت الله الحرام، هل تذكرتم - وأنتم تَحلّون في رحاب هذا البيت العتيق- أباكم إبراهيم ﵇، وابنه إسماعيل، وهما يَرفعان القواعد من البيت؟! وهل تذكرتم نبيكم المصطفى محمدًا ﷺ ، وهو يقوم بالدعوة إلى الله من هذه البقاع المقدسة؟! هل تذكرتم كيف نَمَتْ دوحة الإيمان، وترعرعت دعوة الإسلام، التي حَمَلها رجال صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه؟!

стр. 8

ثم هل تفكرتم فيما آل إليه أمركم في هذا الزمان، وعَرَفتم ما السبب في ذلك الخِذلان؟ إنه-والله- التساهل في أمر هذا الدين، ووجود الخلاف والفُرقة بين أبناء المسلمين، هو الذي سبب تسلط أعداء الإسلام على أمة الإسلام، واحتلال مقدسات المسلمين وإحلال الفساد والدمار فيها. هل تذكرتم- يا إخوة الإسلام، ويا أيها الحُجاج الكرام- وأنتم تنعمون في ظل هذا البيت الآمن- أخاه المسجد الأقصى المبارك الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الغاشم، من أعداء الله ورسوله والمؤمنين. حُجاج بيت الله، عَظِّموا شعائر ربكم وشرائعه ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] واعقدوا العزم الأكيد على العمل بدينكم، مصدر عزكم ونصركم وسعادتكم في الدنيا والآخرة، واعلموا أن في أيام الحج صورًا وعظات، وعبرًا وآيات، واكتساب علم وخبرات، وحصول منافع ودفع سيئات، ودوام ذكر وعبرات، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]. عبادَ الله، إنَّ أَعْظَم أركان الحج: الوقوف بعرفة، فعن عَائِشَة: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟». أراد هؤلاء رضا الرحمن، إنهم جاءوا يرجون الجنان، إنهم جاءوا من أقاصي البلدان يرجون العتق من النيران، إنهم جاءوا وَكُلهم وجل وخوف من الديان، وكأن كل واحد منهم يقول بلسان حاله: إليك إلهي قد شددتُ رحاليا … وأقبلتُ في شوق أَبُثك ما بيا أتيتُك بعد اليأس أدنو ملبيًا … إلى العفو ظمآنًا إلى الصفح صاديا فلما استبد اليأس واستحكم الهوى … قصدتُك يا مولاي أطوي الفيافيا أتيتُ إلى أفياء بيتك عَلَّني … أُريح ضميري من عناء شقائيا فلَبَّيْكَ رَبَّ البيت لَبَّيْكَ ما سَرَى … إلى البيت عبد من عبيدك عانيا رَأَى كل باب غير بابك مُوصَدًا … فآب إلى أعتاب بابك ثاويا

стр. 9

يقول ابن القيم في وصفِ يوم عرفة: فلله ذاك الموقف الأعظم الذي … كموقفِ يوم العَرْض بل ذاك أعظمُ ويدنو به الجبارُ ﷻ … يُباهِي بهم أملاكَه فَهْو أَكْرَمُ يقول: عبادي قد أتَوْنيِ محبة … وإني بهم بَرٌّ أَجُودُ وأُكْرِمُ فأُشْهِدكم أني غفرتُ ذنوبهم … وأعطيتُهم ما أَمَّلُوه وأُنْعِمُ يسعى الحاج بين الصفا والمروة استذكارًا لسعيِ هاجر أُم إسماعيل؛ فإنها لَمَّا استسلمت لأمر اللهِ وانقادتْ لمشيئتِه، رَفَع اللهُ قَدْرها وأعلى شأنها، وأزال عنها البأساء والضراء، ومَنَحها وابنَها الخير والرخاء. أخرجَ البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄، قال: «جَاءَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِهَاجَرَ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ ﵇، وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا» ولم يضيعهما الله، حيث فَجَّر لهما زمزم، وأَسْبَغَ عليهما مِنْ بركاته وأَنْعَمَ، واجتمع الناس إليهم من كل سبيلٍ، فتحققت بذلك دعوة أبينا إبراهيم الخليل: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وما زالت زمزم- والحمد لله بَرَكة مِنْ إنعام الله عليهما، وأثرًا طيباً مِنْ آثارهما. فتُذكِّرنا الصفا والمروة وزمزم بهاجر التي ضربت أروع الأمثلة في التوكل في الله، حينما قالت لزوجها: «آللهُ أمرَك بهذا؟ قال: نعمْ. قالت: إذنْ لا يُضَيِّعُنا» لم تَجعل عَقْدها مع إبراهيم، بل جَعَلَتْ عَقْدها مع الله، فلم تَشترط شروطًا؛ لعِلمها أن الله لا يضيعها، تَرَكها إبراهيم ﵇ في وادٍ غير ذي زرع، لا أُنس ولا أنيس؛ لأنه عَقَد عقدًا مع الله، ومَن تَوكَّل على الله، فإنه يَنال من فضائله وثمراته بحَسَب تحقيقه له، ما لا يَخطر له على بال ولا يدور في خيال، ولا يحيط به مقال.

стр. 10

والتوكل هو جماع الإيمان، مَنْ سَرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. لا تَدَعْ قلبك يتعلق بما عند الناس وبما في أيديهم، واجعل تعلقك بربك، وارمِ بهمومك وأسرارك وما عندك بين يدي الله ، وأَقْبِل عليه بالدعاء في جوف الليل وهجير النهار، وبكثرة ترددك على أبوابه ستُفتح لك أبواب الرحمة. أيها المؤمن، تعالَ وانظر بقلبك وقالبك كيف شَكَر الله لأم إسماعيل؟! فإنها لَمَّا صَدَقَتْ في إيمانها خَلَّد الله ذكرها بزمزم، وجَعَل السعي عبادة من العبادات اقتداء بها، وجَعَل ببركتها مكة المباركة التي تهوي أفئدة الناس إليها. ففي زمن يتكالب فيه أعداء الأمة على المرأة المسلمة، مستخدمين كل ما بوُسعهم من سبل وقوة، زاعمين أن الإسلام لم يُعْطِ المرأة حقها بل أهانها! انظر أيها المسلم المعتز بدينه، كيف مَجَّد الإسلام هذه المرأة، وجَعَلها بركة على العالمين؟! وقد أَكَّد النبي ﷺ في حجة الوداع حق المرأة، ووجوب رعايتها والتخويف من الاعتداء عليها، فقال ﷺ : «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ». أين المتشدقون العابثون الكاذبون على الله ودينه، بأنه حقر المرأة وظَلَمها وأقصاها، ولم يَجعل لها وزنًا؟! أيتها المسلمة الحرة الأبية، كوني حرة بالإسلام والحجاب والعفاف والفضيلة. والحج من أكثر العبادات ذِكرًا لله، بَدْءًا من التلبية إلى الختام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. لو يَعلم العبد ما في الذِّكر من شرف … أمضى الحياةَ بتسبيح وتهليل لو يَعلم الناس ما في الذِّكر من شرف … لم يُلهِهم عنه تجميع الدنانير تُعَلِّمنا مناسك الحج حُسْن الخُلق، وقد تجلى ذلك في تواضع النبي ﷺ في حجه في مواقف شتى، فليس من الآداب رفع الأصوات والقيل والقال، والحديث في الجَوَّال بصوت عالٍ مزعج لغير حاجة. تُعَلِّمنا مناسك الحج الدقة والتنظيم في المكان والزمان، فليس لأحد أن يقف بعرفة في يوم النحر. وفي ذلك رَدٌّ على الذين يظنون أن الإسلام دين فوضى ولا تنظيم فيه.

стр. 11

حُجاج بيت الله الحرام، اعلموا أن من أهم مقاصد الحج تحقيق معاني الأخوة الإسلامية، ففي الحج تتساوى الرءوس، ولا تستطيع أن تُفَرِّق بين غني وفقير، أو بين شريف ووضيع، أو بين رئيس ومرءوس؛ فالكُل يَلبس البياض إشارة إلى فقره وحاجته إلى الله تعالى، وإلى أنه لن يَخرج من الدنيا إلا بهذا الإزار والرداء، لا فضل هنا لأحد على أحد بمال أو جاه أو لون أو نَسَب أو أي غرض من أغراض الدنيا، إنما يَشرف الإنسان في هذا الموضع بالتقوى. فتتجلى في الحج رُوح المساواة والوحدة، فالوحدة تَرى معناها في الحج واضحًا جليًّا! وحدة في المشاعر، وحدة في الشعائر، وحدة في الهدف، وحدة في العمل، وحدة في القول، لا عصبية ولا عنصرية لِلَون أو جنس أو طبقة، فالناس من آدم، وآدم من تراب، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. أرى الناس أصنافًا ومن كل بقعة … إليك انتهوا من غربة وشتات تَساوَوْا فلا أنساب فيها تَفاوُت … لديك ولا الأقدار مختلفات هنا تَظهر الرابطة الإسلامية، وتُدفَن العصبية والنعرات الجاهلية، هنا الأقرب لله أكثرهم تقوى، لا مال ولا نَسَب. هنا تَظهر صورة الإسلام بجماله وروعته وعظمته. هنا الأماني هنا الأمجاد قد رُفعت … هنا المعالي هنا القربى هنا الرحمُ هنا القلوب استفاقت من معاقلها … هنا النفوس أتت للحق تزدحمُ هنا رُوَاء هنا فجر هنا أمل … هنا كتاب هنا لوح هنا قَلَمُ فباجتماع المسلمين في بلادهم المقدسة وتعاونهم، تتقارب قلوبهم وإن تباعدت أجسادهم، وتجتمع كلمتهم وإن تَفَرَّقَ شملهم، وتنتظم صفوفهم وإن تبعثرت وجهاتهم، فيصبحون على كثرتهم وتَعَدُّد أوطانهم وتباعد بلادهم- جسدًا واحدًا، وإذا اشتكى عضوًا منه تداعى له سائره بالحُمى والسهر. فيجب علينا أن نَشعر بعمق تلك الوحدة في حياتنا، فنتحسس من خلالها آلام المضطهدين والمعذبين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، حيث يسامون على أيدي أعداء الله ألوان العذاب والتنكيل.

стр. 12

إن أمة الإسلام اليوم بحاجة مَاسَّة إلى الاستفادة من مواسم الإسلام المباركة، وآثارها العظيمة ومنافعها الجمة؛ لتنطلق للإصلاح من هذه البقاع المباركة، فمتى تظل الأمة تراوح مكانها؟ وتأسى على أوضاعها؟ وتندب حظها؟ دون تحرك جاد في العمل للإسلام وبالإسلام. وبما تَقَدَّم من أهمية هذا الركن العظيم، وما يعتري المسلم فيه من عوارض تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الحج، وقصورِهم عن معرفة أحكامه وسُننه وآدابه؛ رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفه، وتَعنَّيتُ لتحبيره جهدي، مُستلهمًا من المولى عز شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون لحُجاج بيت الله دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا. على كف الندى أُهْدِي كتابي … وأُرخي في محبتكم رِكابي فإن كان الذي أُهْدي يسيرًا … ففيض الوُد أكمل في النِّصابِ وسَميتُه «جَمْع السبائك لأحكام المناسك». وكان عملي في هذا الكتاب هو جَمْع مسائل الحج: فإن كانت المسألة من مواضع الإجماع، حاولتُ قدر استطاعتي توثيق هذا الإجماع من مظانه المعتبرة، وبَينتُ هل هذا الإجماع منخرم أم لا؟ وإذا كانت المسألة من مسائل الخلاف، قمتُ بعرض المسألة الخلافية بذكر كل قول، ثم القائل به، لا سيما المذاهب الأربعة، ثم الأدلة من القرآن والسُّنة. وقد التزمتُ فيه ما صَحَّ عن النبي العدنان، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها، أو للرد على مَنْ استَدل بها. وكذلك ذَكَرْتُ الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ورجَّحتُ ما يقتضي الدليل رُجحانه. ثم لما كانت هناك مسائل نازلة في الحج، لم أجد فيها أقوالًا للصحابة ولا التابعين، ذَكَرْتُ أقوال أهل العلم المعاصرين. وكم تمنيتُ أن يكون هذا الكتاب فريدًا في بابه، يجد فيه طالب العلم نَهْمته والناسك بُغيته.

стр. 13

وقد قسمتُ هذا الكتاب إلى ثلاثة وعشرين بابًا: الباب الأول: مقدمة في الحج. والباب الثاني: شروط الحج. والباب الثالث: آداب السفر. والباب الرابع: المواقيت. والباب الخامس: الأنساك الثلاثة. والباب السادس: الإحرام. والباب السابع: دخول مكة. والباب الثامن: الطواف. والباب التاسع: السعي. والباب العاشر والحادي عشر والثاني عشر: يوم التروية ويوم عرفة، و المزدلفة. من الباب الثالث عشر حتى الباب الثامن عشر: أعمال يوم النحر، مِنْ رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة والهَدْي والتحلل. والباب التاسع عشر، والعِشرون: أعمال أيام التشريق من مبيت بمنى ورمي الجمار. والباب الحادي والعِشرون: طواف الوداع. والباب الثاني والعِشرون: نوازل الحج. والباب الثالث والعِشرون: أحكام تختص بالعمرة. وهذا ترتيب منطقي، فأول ما يفعله مَنْ أراد الحج أن يَتعلم فضل الحج وحكمه وشروطه. ثم إذا أراد السفر للحج، تَعَلَّمَ آداب السفر. وفي طريقه يمر بالمواقيت ويُحْرِم منها. ثم دخول مكة والطواف والسعي، ثم يوم التروية ويوم عرفة، والوقوف بمُزدلِفة، وأعمال يوم النحر من رمي ونَحْر وحَلْق، وطواف وسعي. ثم أعمال أيام التشريق، من مبيت بمنى ورَمْي الجمار، ثم طواف الوداع لتوديع البيت ومفارقته. وبعد أن أضنيتُ نفسي في جمع هذا الكتاب، قمتُ بعرض ما جمعتُه على شيخنا المِفضال مصطفى بن العدوي- حَفِظه الله - فراجعه على دَيدنه في سماحة خلقه، وبِرِّه بطلاب العلم، فقَدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه وتصويب ألفاظه. فله مني شكر لا ينقطع مداه، وثناء لا يُبلغ منتهاه، ودعاء مدى الحياة؛ فقد كان له فضل عليَّ في سلوك جادة العلم والتحصيل، وما كتبتُ في أبحاثي إلا زهرة من بستانه، فقد كان عونًا لي بعد الله على طلب العلم، وكيفية بحث المسائل، والحُكم على الأحاديث في ضوء قواعدِ الجَرْح والتعديل، وفي حل كل ما يشكل عليَّ. فكم أَذْكُره في خَلَواتي، وأدعو له في صلواتي، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجَعَل ما قَدَّمه في ميزان حسناته يوم يلقى مولاه.

стр. 14

وأسأله سبحانه أن يُسْعِده بجنته، ويشمله برحمته، وأن يُكْرِمه بمغفرته، وأن يمتعه بالصحة والعافية، وأن يُمِد في عمره على طاعته، وأن يرزقه مزيد العلم النافعِ والعمل الصالح، وأن ينفع بعلمه وسعيه الإسلام والمسلمين، وأن يبارك له في أزواجه وأهله وذريته أجمعين. كما أشكر لكل مَنْ شارك وساهم في إعداد الشاملة التي يَسَّرَتْ وسَهَّلَتْ على الباحثين طرق البحث، فشَكَر الله سعيهم وغَفَر ذنبهم، وجَعَل كل ذلك في ميزان حسناتهم. وإني لأعلم أن هناك مَنْ هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل، ولكني أذكر قول القائل: وما كنتُ أهلًا للذي قد كتبتُه … وإني لفي خوف من الله نادمُ ولكنني أرجو من الله عفوه … وإني لأهل العلم لا شك خادمُ ولِما آمُل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأتُ على الشأن الكئود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود. رب تَقَبَّلْ عملي … ولا تُخيِّب أملي أَصْلِح أموري كلها … قبل حلول أجلي ولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلتُه في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمة من الزلل والخطأ والنسيان؛ فقد قيل: أَبَى الله أن يصح إلا كتابه. وقال الشافعي: «لقد أَلَّفْتُ هذه الكتب ولم آلُ جهدًا فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسُّنة، فقد رجعتُ عنه». ولله دَرّ مَنْ قال: كم من كتاب قد تصفحتُه … وقلتُ في نفسي أصلحتُه حتى إذا طالعتُه ثانيًا … وجدتُ تصحيفًا فصححتُه وما أَحْسَنَ ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيتُ أنه لا يَكتب إنسان كتابًا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيد هذا لكان يُستحسَن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل! وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة

стр. 15

البشر، فسبحان مَنْ تَنزَّه عن النقص». فمَن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عَثَر فيه على تغيير أو زلل، فليَعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليُصْلِح منه ما يَحتاج إلى إصلاح متفضلًا؛ فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية؛ فهو الذي وَسِع كل شيء علمًا، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا. سَطَّره لنفسه … قائله وجامعه فليَعْفُ عن زلاته … ناقله وسامعه فألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعْوَجَّ ونَدَّ، والتنبيه إلى ما نَدَّ عنه القلم. وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيهِ وَعَلَا فالمرجو ممن صَرَف وجهه إليه بعين الرضا والرغبة لديه- أن يُصْلِح خطأه وسقطته، ويزيل زلَله وهفوته بعد المراجعة والتأمل والإمعان، لا بمجرد النظر والعِيان (١). وما مِنْ كاتب إلا سيَفنى … ويبقى الدهرَ ما كَتَبَتْ يداهُ فلا تَكتب بكفك غير شيء … يَسُرك في القيامة أن تراهُ وأسأل الله أن يَجعل كتابي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينشره في العالمين، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم الدين. وأسأله أن يُعِزنا بالإسلام، وأن يجعلنا من أنصار هذا الدين. كما أسأله أن يَجزي عنى والديَّ أعم الجزاء والمثوبة، وأن يَرحم والداتي، وأن يُمتِّع والدي بالصحة والعافية، وأن يُنوِّرَ أوقاته بالهدى والتُّقى، وأن يرزقهما جنة الفردوس. يا رب ارحم مَنْ عَلَّمني ووالدي وكن بهم … بهم برًّا رحيمًا

стр. 16

واكتب لهم أجر الذي سَطَّرتُه … واقبله واقبلنا فذاك رجانا اللهم كما مَنَنْتَ عليَّ بإكمال هذا السِّفر المبارك، وأعنتني على تحصيله، وتَفَضَّلْتَ عليَّ بالفراغ منه بعد مدة مديدة؛ امنن عليَّ بقَبوله، واجعله لي ذخيرةَ خير عندك بمنك وكرمك وَجُودك، وأَجْزِل لي المثوبة بما لاقيتُه في جمعه وكتابته من التعب والنَّصَب، وانفع به مَنْ تَلَقَّاه بالقَبول، وقَصَد الانتفاع به من عبادك؛ ليدوم لي الانتفاع به بعد موتي؛ فإن هذا هو المَقصِد المهم من تأليفه. واجعله خالصًا لوجهك الكريم، وتَجَاوَزْ عني ما خطر لي من خواطر السوء مما يخالف الإخلاص. واغفر لي ما لا يطابق مرادك؛ فإني لم أقصد في جمع أبحاثي فيه إلا إصابة الحق وموافقة ما ترضاه، فإن أخطأتُ فأنت غافر الخطيات، ومُسْبِل ذيل السَّتر على الهفوات. بِالذُّلِّ قَدْ وَافَيْتُ بَابَكَ عَالِمًا … أَنَّ التَّذَلُّلَ عِنْدَ بَابِكَ يَنْفَعُ اجْعَلْ لِيَ مِنْ كُل خَطْأٍ مَخْرَجًا … وَاسْمَحْهُ لِي يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَفْزَعُ مَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حِيلَةٌ … وَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ واللهَ أسأل أن يُخْلِص نيتي ويُحْسِن طويتي، ويتقبل عملي ويُنْجِح أملي. هذا، وما كان من توفيق فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، والله المستعان. إذا لم يكن عَوْن من الله للفتى … فأَكْثَرُ ما يَجني عليه اجتِهادهْ وصَلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسَلِّم. كتبه محمد بن علي حلاوة ٠١٠١٠٦٣٧٤٦٦

стр. 17

الباب الأول مقدمة في الحج وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: تعريف الحج. المبحث الثاني: حُكْم الحج. المبحث الثالث: حُكْم جاحد الحج. المبحث الرابع: مرات الحج الواجبة. المبحث الخامس: فَضْل الحج. المبحث السادس: حُكْم تَكرار الحج للنساء. المبحث السابع: من مقاصد الحج. المبحث الثامن: هل يجب الحج على الفور أم على التراخي؟

стр. 18

المبحث الأول: تعريف الحج: الحج لُغة: بفتح الحاء وكسرها لغتان، معناهما: القصد إلى الشيء المُعَظَّم (١). والحج شرعًا: هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة؛ تَعبُّدًا لله لأداء المناسك، على وجه مخصوص، في زمن مخصوص. • شرح التعريف: «هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة» إخراج مَنْ قَصَد البيت فحَسْب لأداء العمرة؛ لأن المشاعر لا تُقصَد إلا في حال الحج، كعرفة ومُزدلِفة ومِنًى. «تَعبُّدًا لله » يَخرج به كل قصد ليس خالصًا لله. «لأداء المناسك» مِنْ إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة … وغير ذلك من أعمال الحج. وَيخرج به مَنْ قَصَد مكة والمناسك لعمل أو تجارة، بدون أداء المناسك. «على وجه مخصوص» ويُقصَد به أداء المناسك على الكيفية الواردة في سُنة رسول الله ﷺ ، وقد أَكَّد على ذلك بقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم». «في زمن مخصوص» أي: أَشْهُر الحج: شَوَّال، وذي القعدة، وذي الحجة (٢). المبحث الثاني: حُكْم الحج: الحج أحد مباني الإسلام الخمسة، وهو فَرْضُ عَيْن على المُكلَّف المستطيع، مرة واحدة في العمر. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (٣). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ

стр. 19

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ» (١). المبحث الثالث: حُكْم جاحد الحج: مَنْ أَنْكَر وجَحَد وجوب الحج فهو كافر بالنص والإجماع، إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن العلم وأهله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال ابن تيمية: فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرَ حَجَّ الْبَيْتِ وَاجِبًا عَلَيْهِ، مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ (٢). المبحث الرابع: مرات الحج الواجبة: يجب الحج مرة واحدة في العمر على المستطيع بالسُّنة والإجماع: أما السُّنة فما رواه مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣). وأَجْمَع العلماء على وجوب الحج على المستطيع، مَرَّةً واحدة في العُمْر (٤). وقد وقع خلاف في المسألة، وحُكِم عليه بالشذوذ، وبأنه مُخالِف للإجماع. قال الحَطَّاب: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ شَذَّ: إِنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: وَإِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي المَعِيشَةِ، تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ، إِلَّا مَحْرُومٌ» (٥).

стр. 20

ونوقش بأن هذا الحديث لا يصح. ولو صح فهو محمول على الاستحباب في هذه المدة. * * *

стр. 21

المبحث الخامس: فَضْل الحج: ١ - الحج المبرور من أفضل الأعمال عند الله تعالى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (١). ٢ - أفضل الجهاد حج مبرور، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (٢). ٣ - الحج من أسباب مغفرة الذنوب، فَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٣). ٤ - الحج يَهدم ما كان قبله، فَعَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ. قَالَ: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ. قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي. قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟!» قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» (٤). ٥ - الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» (٥).

стр. 22

٦ - المتابعة بين الحج والعمرة تَنفي الفقر والذنوب، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» (١).

стр. 23

٧ - الحاج في ضمان الله ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ فِي ضَمَانِ اللهِ : رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ ، وَرَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَرَجُلٌ خَرَجَ حَاجًّا» (١).

стр. 24

المبحث السادس: حُكْم تَكرار الحج للنساء: يُستحَب تَكرار الحج للنساء لتضافر الأدلة على ذلك. فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). وَجْه الدلالة: أن رسول الله ﷺ نَدَب النساء إلى تَكرار الحج بقوله: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ» وذلك ظاهر من فَهْم عائشة إذ قالت: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولكن يشكل عليه ما ورد عن أبي واقد الليثي قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» (٢).

стр. 25

وَجْه الدلالة: هذه الحَجة ثم ظهورَ الحُصُر معناه: ثم لا تَخرجن من بيوتكن لحجة أخرى وتَلزمن الحُصُر. فظاهره يدل على منع نسائه بعد حجهن معه من الحج. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: بأن هذا الحديث منكر؛ لأنه كيف يَنْهَى النبي نساءه عن تَكرار الحج، ثم يذهبن للحج ويخالفن أمره؟! (١). فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ» (٢). الوجه الثاني: بحَمْل قوله ﷺ : «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» على أن المراد به أنه لا تجب عليكن، ولا يَلزمكن إلا هذه الحَجة. المبحث السابع: من مقاصد الحج: • المَقصِد الأول: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله: لأن الله تعالى ما أَمَر ببناء البيت إلا لذلك، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وتطهير البيت إنما يكون بتطهيره من الشرك والأوثان، وكذا من الأوساخ والأدران. فالعلاقة واضحة بين التوحيد والحج؛ ولذا فإن سائر المناسك مبنية على التوحيد. ودل على ذلك أمور كثيرة، منها: الأول: أن النبي ﷺ لم يحج في السَّنة التاسعة حين فُرِض الحج؛ لأن الشرك كانت آثاره بادية في المسجد الحرام، حيث كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، ويُحَوِّلون الحج إلى موسم ومِهرجان للوثنية، فبَعَث النبيُّ ﷺ أبا بكر الصِّديق أميرًا على الحج، وأَمَره أن يبين للناس أمرين: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (٣).

стр. 26

الثاني: أن شعار الحاج منذ إحرامه هو التلبية، وهي لا تَخرج إلا عن إعلان توحيد الله ، وإخلاص العبادة له وحده. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ … » ولقد شاء الله أن يكون الإهلال بالحج بهذا الشعار ليعلم الحاج نبذ الشرك والأوثان، وإخلاص العبادة للواحد الديان. الثالث: روي بأن النبي ﷺ في ركعتي الطواف كان يَقرأ سورتي (الكافرون) و (الإخلاص)، فسورة (الكافرون) تُبيِّن البراءة من الشرك وأهله، وسورة (الإخلاص) فيها تقرير للتوحيد (١). الرابع: أن النبي ﷺ بدأ بالتوحيد عندما صَعِد على الصفا. ففي «مسلم» عن جابر- وفيه-: حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ … ». ولا يَبدأ أول شوط بالتوحيد فحَسْب، بل يقوله في كل شوط من أشواط السعي. الخامس: في يوم عرفة الذي فيه قال النبي: «الحَجُّ عَرَفَةُ» فالله يباهي بأهل عرفة الملائكة لتوحيدهم، بقوله: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» بحجهم ووقوفهم إلا وجه الله، فروى مسلم عن عائشة: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ- مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟». السادس: أن الله أَمَر الحُجاج والمعتمرين بإخلاص حجهم وعمرتهم لربهم، بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي هذا إشعار بأن تحقيق التوحيد أهم مقاصد الحج. • المقصد الثاني: تزكية النفس: من مقاصد الحج تطهير النفس من الأخلاق المذمومة، وتزكيتها للوصول إلى حقيقة التقوى التي هي مَقصِد كل عبادة، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. معنى (الرفث) في الآية شامل لأمرين:

стр. 27

أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته. والثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المُحْرِم لامرأته: إن أحللنا، فَعَلْنا كذا وكذا. والمراد ب (الفسوق): المعاصي كلها؛ لأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية. ومنه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. ويَدخل فيها الذبح للأصنام؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ويَدخل فيها محظورات الإحرام. ويَدخل فيها سِباب المسلم؛ لعموم قول النبي ﷺ : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ». ويَدخل فيها التنابز بالألقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]. ويَدخل فيها الحج بالمال الحرام، فقد قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا». وقال الشاعر: إِذَا حَجَجْتَ بِمالٍ أَصْلُهُ دَنِسٌ … فَما حَجَجْتَ وَلَكِنْ حَجَّتِ العِيرُ لَا يَقْبَلُ اللَهُ إِلَّا كُلَّ طَيِّبَةٍ … مَا كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَهِ مَبرُورُ ومِن الفسق المنهي عنه: إيذاء الحُجاج والتعدي عليهم، والاستهزاء والسخرية بهم. والمراد بالجدال في الحج: هو مماراة الصاحب حتى يغضبه، والمنازعة والسِّباب والمِراء والخصومات … وغير ذلك مما ينبغي أن يَتنزه عنه الحاج. والحج الذي لا رفث ولا فسوق فيه: هو الحج المبرور الذي يترتب عليه مغفرة الذنوب، لقوله ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). • المَقصِد الثالث: تحصيل تقوى الله: مِنْ أهم مقاصد الحج تحصيل تقوى الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] فلما نهاهم الله في الحج عن إتيان القبيح قولًا وفعلًا، مِنْ الرفث والفسوق والجدال، حثهم على فعل الجميل بقوله، وأخبرهم بأنه عالم به، فقال:

стр. 28

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ في سفركم إلى الحج، من الطعام وما يَحتاج إليه المسافر. ورَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ. فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (١). وكثرة زاد الرجل في سفره من مكارم الأخلاق، فربما واسى إخوانه من هذا الزاد. وإطعام الطعام من أعظم أفعال البر، كما قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. وإذا كان الله أَمَرَنا بالتزود من الطعام والشراب للسفر في الدنيا، فقد أَرْشَدنا إلى التزود في سفر الآخرة بزاد التقوى؛ فزادُ التقوى خير زاد؛ لأنه الزاد الموصل إلى النعيم المقيم في الجنة يوم القيامة، وإلى رضوان الله. فقد نبهت الآية إلى العناية بزاد الآخرة وهو التقوى؛ لأن مدار النجاة عليه، ولأنه السبيل لاكتساب الفضائل، ولأنه يَعصم صاحبه من الندم يوم القيامة، كما قيل: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى … وَلَاقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ … فَتَرَصَّدْ لِلْأَمْرِ الذِي كَانَ أَرْصَدَا وقد خَتَم الله الآية بالأمر بالتقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] وخَصَّ أُولي الألباب بالخطاب؛ لأنهم المنتفعون بخطاب الله على الحقيقة. وقد تَكرر ذكر التقوى في آيات الحج؛ لأنها المقصودة من الحج (٢) وقد بَيَّن الله

стр. 29

﵎ أنه لا يَرضى شيئًا من أفعال الحج إلا ما كان مصاحبًا للتقوى، فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. فلن تقع هذه اللحوم ولا الدماء المهراقة بالنحر موضع القَبول، إلا إذا كان الباعث عليها هو تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمره والتقرب إليه والإخلاص له. قال السعدي: ليس المقصود منها ذبحها فقط، ولا يَنال اللهَ من لحومها ولا دمائها شيء؛ لكَوْنه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والاحتساب والنية الصالحة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرًا ولا رياء ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يَقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشر الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا رُوح فيه. • المَقصِد الرابع: ذِكر الله تعالى والدعاء من أعظم مقاصد الحج: ولذا فالذِّكر والدعاء ملازمان للحج قبل وأثناء وبعد أداء نسكه؛ ولذا لا يخلو نسك من أنساك الحج من الذِّكر والدعاء. فالإحرام الذي فيه نية الدخول في النسك ذِكر بالقلب. والتلبية بعد الإحرام ذِكر باللسان، ويُستحب لزوم التلبية ولا يَنقطع الحاج عنها إلا عند رمي جمرة العقبة. ثم الطواف يَبدأ بالتكبير وهو ذِكر. وكلما حاذى الحَجَر الأسود كَبَّر. ثم يَتوجه الحاج إلى مَقام إبراهيم، ويصلي ركعتين خلف المَقام، يَذكر فيهما ربه. ثم يتجه الحاج إلى الصفا، فيصعد عليها ويَذكر الله ويدعوه، فعن جابر قال: فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ. وفي يوم عرفة يُكْثِر من الذِّكر والتلبية والتكبير والدعاء. وفي حديث جابر الطويل: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ … وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا ﷺ بعد الزوال

стр. 30

يدعو الله) حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وفي مزدلفة يُستحَب له الوقوف عند المَشْعَر الحرام، ويَستقبل القبلة ويَذكر الله ويدعوه، قال الله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي: إذا دفعتم من عرفات بعد تمام وقوفكم فيها، ووصلتم إلى مزدلفة، فاذكروا الله عِنْدَ المَشْعَر الحرام- بالتلبية والتكبير، وصلاة العِشاءين والفجر، وذِكر الله ودعائه بعد الفجر. وفي حديث جابرالطويل: «حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ». ثم يَذهب إلى مِنًى ليَرمي جمرة العقبة بسَبْع حصيات، يُكَبِّر مع كل حصاة، وهذا ذِكر، ثم يقف طويلًا يدعو الله عند الجمرة الصغرى والوسطى. وعند النحر يَذكر الله، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] والمراد بالذِّكر هنا هو التسمية على الذبيحة. وعَنْ عَائِشَةَ … وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. وهذا ذِكر ودعاء. وفي أيام التشريق، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ ». وقد أَمَر الله تعالى بالإكثار من ذكره بعد قضاء المناسك، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] لأن أهل الجاهلية كانوا إذا فرغوا من حجهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأَمَر الله أهل الإسلام إذا قَضَوْا مناسكهم أن يُكْثِروا من ذكر الله أكثر من ذكر هؤلاء. فسبحانه له النعمة. وفي ختام الآيات يُرشِد الله عباده إلى الدعاء بعد كثرة ذكره؛ لأنه أدعى للقَبول، وذَمَّ الله مَنْ يَقصر دعواته في الحج على طلب متاع الدنيا وملذاتها الفانية، ومَدَح مَنْ يسأله خيرَي الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠، ٢٠١]. فالذِّكر مُلازِم للحج، فبعد كل عمل من أعمال الحج اذكروا الله، فبعد الإحرام اذكروه

стр. 31

بالتلبية، وعند الطواف ورَمْي الجمار كَبِّروه، واذكروا اسم الله على الذبيحة يوم النحر، وبعد الفراغ من نسككم وفي سائر أوقاتكم (١). وكذا الدعاء، فالحج سفرة تعبدية معمورة بالذِّكر والدعاء، من أول ما يضع رجله في الغرز مسافرًا، ثم الدعاء يكون في كل مَنْسَك من مناسك الحج، في الطواف والسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى، وعند ختام المناسك. • المَقصِد الخامس: تعظيم حرمات الله وشعائره: في سياق الحديث عن الحج ومناسكه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. قال السعدي: وحرمات الله: كل ما له حرمة وأَمَر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحَرَم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أَمَر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها إجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل ولا متثاقل … وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتَقَدَّمَ أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يَقدر عليه العبد. وابن كَثير يَرَى أن تعظيم الحرمات يكون باجتناب المحرمات، وتعظيم الشعائر يكون بفعل الأوامر مع الإجلال والمحبة والقيام بها وتكميل العبودية على خير وجه. ومِن تعظيم شعائر الله وحرماته: إكرام الوافدين من الحُجاج والعُمَّار، والتيسير عليهم، وتوفير سُبُل الراحة لهم، وإرشاد ضالهم، وإقالة عثراتهم، والتعاون معهم، والحذر من ظلمهم وإيقاعهم في الحرج والضيق باستغلالهم، وزيادة الأسعار عليهم دون سبب. ومِن أعظم ما ينبغي تعظيمه من محارم الله وشعائره: المسجد الحرام، وهو موضع الهُدَى والبركة. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] وهو البيت الذي دعا الله عباده إلى زيارته، وفَرَض عليهم ذلك مرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ

стр. 32

حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فينبغي لكل مسلم تعظيم هذا البيت، والتأدب عند زيارته، واغتنام الأوقات فيه بالعبادة والصلاة والذِّكر وتلاوة القرآن، والحرص على نظافته وطهارته، والحذر من الإخلال بحرمته وانتهاك قدسيته، وإرادة السوء فيه. والحاصل أن تعظيم حرمات الله يكون بما يلي: أولًا- تعظيم الله تعالى الذي له الخَلْق والأمر، وهو المعبود المطاع وحده. ثانيًا- تعظيم الأمر والنهي، وهو مقتضى الخضوع لحكمه تعالى، وتحكيم شرعه في جميع شئون الحياة (١). • المَقصِد السادس: تحصيل المنافع: إن شهود المنافع وتحصيلها من أهم مقاصد الحج، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨] وهذه المنافع دينية ودنيوية. • ومن المنافع الدينية للحج: ١ - مغفرة الذنوب وتكفير ما سَبَق من الخطايا والسيئات؛ لقوله ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢). ٢ - دخول الجنة؛ لعموم قوله ﷺ : «الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» (٣). ٣ - حصول التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. • ومن المنافع الدنيوية: ١ - الإصابة من لحوم الهَدْي والذبائح؛ لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ

стр. 33

مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. ٢ - المكاسب في التجارة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (١). ٣ - تحقيق التكافل الاجتماعي، والعطف على الفقراء المساكين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وتحقيق التعارف بين أهل الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. قال الشنقيطي: وَمِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ تَيَسُّرُ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَقْطَارِ الدُّنْيَا، فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فِي أَمَاكِنَ مُعَيَّنَةٍ؛ لِيَشْعُرُوا بِالْوَحْدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلِتُمْكِنَ اسْتِفَادَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِيمَا يَهُمُّ الْجَمِيعَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَهُوَ تَشْرِيعٌ عَظِيمٌ مِنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. ٤ - تحقيق معاني الوحدة والأخوة الإسلامية، ففي الحج تختفي الفوارق بين الناس من الغِنى والفقر، والجنس واللون … وغير ذلك، وتتوحد وجهتهم نحو خالق واحد، وبلباس واحد، يؤدون نفس الأعمال في زمن واحد ومكان واحد. بالإضافة إلى ما يكون بين الحجيج من مظاهر التعاون على البِر والتقوى، والتواصي بالحق (٢). • المَقصِد السابع: إشاعة الأمن بين المسلمين: فمِن مقاصد الحج إشاعة الأمن بين المسلمين، ولقد دعا إبراهيم ربه بأن يَسُود الأمن البلد الحرام، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وقد استجاب الله دعاءه فلم يَصِل

стр. 34

إليها جبار إلا قَصَمه الله، كما فَعَل بأصحاب الفيل. ووَصَف الله مكة بأنها البلد الأمين، فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] وامْتَنَّ على أهل مكة بنعمة الأمن، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣، ٤] وإذا كان ذلك كذلك، فهل يليق بمسلم أن يُخيف الحُجاج، ويَنشر الرعب بين ضيوف الرحمن وفي بلد الله الحرام؟! قال ابن كَثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]: يَعْنِي: حَرَمُ مَكَّةَ إِذَا دَخَلَهُ الْخَائِفُ يَأْمَنُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ (١). فإذا كان هذا فِعل أهل الجاهلية بالحَرَم، فكيف يكون فِعل أهل الإسلام؟! وإذا كان الأمن في مكة يَعُم الشجر والحيوان، فكيف بمن يُرَوِّع حُجاج بيت الله الحرام؟! • المَقصِد الثامن: إظهار الافتقار إلى الله سبحانه: فالحاج يبتعد عن الترفه والتزين، ويَلبس ثياب الإحرام، مُتجرِّدًا عن الدنيا وزينتها، فيُظْهِر عجزه ومسكنته، ويكون في أثناء المناسك ضارعًا لربه ، مفتقرًا إليه، ذليلًا بين يديه، منقادًا بطواعية لأوامره، مجتنبًا لنواهيه سبحانه، سواء عَلِم حكمتها أم لم يَعلم. • المَقصِد التاسع: في الحج تذكير بالآخرة، ووقوف العباد بين يدي الله تعالى: فالمشاعر تَجمع الناس من مختلف الأجناس في زي واحد، مكشوفي الرءوس، يُلَبُّون دعوة الخالق ، وهذا المشهد يُشْبِه وقوفهم بين يديه سبحانه يوم القيامة في صعيد واحد، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا خائفين وجلين مشفقين! وذلك مما يَبعث في نفس الحاج خوف الله ومراقبته والإخلاص له في العمل. • المَقصِد العاشر: أن أداء فريضة الحج فيه شُكْر لنعمة المال وسلامة البدن: ففي الحج شُكْر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يُجْهِد الإنسان نفسه، ويُنْفِق ماله في التقرب إلى الله ﵎ (٢).

стр. 35

المبحث الثامن: هل يجب الحج على الفور أم على التراخي؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الحج واجب على الفور عند تحقق شروطه، ويأثم المرء بتأخيره. وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة، ومنقول عن مالك، وهو قول أحمد (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة: أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَجْه الدلالة: أن مَنْ استطاع الحج، فقد وَجَبَ عليه أن يبادر به على الفور إذا كان فرضه؛ إذ لا يَدري ماذا يَعْرِض له، فربما يموت أو يفتقر أو يَمرض. وأما السُّنة، فما رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا» فهذا أَمْر، والأمر يكون على الفور؛ ولهذا غَضِب النبي ﷺ في غزوة الحُديبية، حين أَمَرهم بالإحلال وتباطئوا. وقد ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» (٢). وَجْه الدلالة: أن النبي أَمَر بتعجيل الحج، وهذا يقتضي أن الحج على الفور، وأن

стр. 36

الإنسان لا يَدري ما يَعرض له، فقد يَطرأ عليه العجز عن القيام بأوامر الله، ولو أَخَّر الحج عن السَّنة الأولى فقد يموت فيَفوت الفرض، وتفويت الفرض حرام (١). وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (٢). قال ابن تيمية: فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، فَأَنْ تَجِبَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ الْأَدَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى (٣). وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (٤).

стр. 37

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ: يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا (١). وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ السَّبِيلَ، حِينَ سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (٢). وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الحَجَّ أَحَدُ الأَرْكَانِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ. وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ (٣). القول الآخَر: أن الحج يجب على التراخي. وهو قول الشافعي (٤). واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسُّنة والمعقول: أما القرآن، فاستدلوا بأن الحج فُرِض سَنة ست من الهجرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والنبي لم يحج إلا في السَّنة العاشرة، فدل ذلك على التراخي. واعتُرض عليه بما قاله ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ (٥). وأما السُّنة، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ … فَقَالَ: زَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ» (٦).

стр. 38

وَجْه الدلالة: هذا الحديث صريح في وجوب الحج، والرجل هو ضِمَام بن ثَعْلَبَة، وقدومه على النبي ﷺ كان سَنة خَمْس من الهجرة، وقد أَخَّر النبي ﷺ الحج إلى سَنة عَشْر، فدل ذلك على أن الحج على التراخي. ونوقش بأن قدوم ضِمَام كان سَنة تِسع؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ. وأما المعقول، فما قاله النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَفَعَلَهُ، يُسَمَّى مُؤَدِّيًا لِلْحَجِّ لَا قَاضِيًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (١). والراجح: أن الحج يجب على الفور؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع. وقد أَخَّر النبي ﷺ الحج إلى السَّنة العاشرة لأسباب ذَكَرها ابن قدامة، فقال: وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ سَنَةَ تِسْعٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ كَرِهَ رُؤْيَةَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ، فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُنَادِي: أَنْ «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ فِيهَا الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ (٢). * * *

стр. 39

خلاصة الباب الأول: مقدمة في الحج تعريف الحج شرعًا: هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة؛ تَعبُّدًا لله لأداء المناسك، على وجه مخصوص، في زمن مخصوص. حُكْم الحج، هو أحد مباني الإسلام الخمسة، وهو فَرْضُ عَيْن على المُكلَّف المستطيع، مَرَّة واحدة في العُمر. حُكْم جاحد الحج، قد اتَّفَق المسلمون على أن مَنْ جَحَدَ وجوب الحج فإنه كافر. مرات الحج الواجبة، يجب الحج مرة واحدة في العُمر، بالإجماع. فَضْل الحج: الحاصل أن الحج له من الفضل ما ثبتت به الأدلة، من أنه أحد أركان الإسلام وأهم دعائمه العظام، وأنه من أفضل الأعمال الجسام، وأنه يَهدم ما كان قبله من الذنوب والآثام، وأن مَنْ حج فلم يَرفث ولم يَفسق فإنه يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن النص قد شَهِد أنه من الجهاد، وأن المتابعة بين الحج والعمرة تَنفي الفقر والذنوب كما يَنفي الكِير خَبَث الحديد. حُكْم تَكرار الحج للنساء، يُستحَب تَكرار الحج للنساء؛ لتضافر الأدلة على ذلك. وأما ما ورد عن أبي واقد الليثي قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» أي: لا تَخرجن من بيوتكن لحَجة أخرى وتَلزمن الحُصُر، فظاهره يدل على منع نسائه بعد حجهن معه من الحج، فهو حديث منكر. من مقاصد الحج: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله، وتزكية النفس، وإقامة ذكر الله، وتحصيل تقوى الله … وغير ذلك من المقاصد. الحج واجب على الفور عند تحقق شروطه، ويأثم المرء بتأخيره. * * *

стр. 40

الباب الثاني: شروط الحج والنيابة فيه وفيه تمهيد وفصلان: الفصل الأول: شروط الحج. الشرط الأول: الإسلام، وفيه مبحثان: المبحث الأول: حُكْم حج الكافر. المبحث الثاني: مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، فهل يجب عليه الحج من جديد؟ الشرط الثاني: العقل، وفيه مبحثان: المبحث الأول: لا يجب الحج على المجنون. المبحث الثاني: هل يصح الحج من المجنون؟ الشرط الثالث: البلوغ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكْم حج الصبي. المبحث الثاني: حج الصبي قبل البلوغِ لا يجزئه عن حَجة الإسلام. المبحث الثالث: ما يفعله الصبي من أعمال الحج بنفسه، وما يفعله عنه وليه. الشرط الرابع: الحرية، وفيه مبحثان: المبحث الأول: لا يجب الحج على العبد. المبحث الثاني: إذا حج العبد لم يجزئه عن حج الفريضة. الشرط الخامس: الاستطاعة، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد: تعريف الاستطاعة. المبحث الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب وإجزاء الحج، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستطاعة شرط في وجوب الحج. المطلب الثاني: الاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج.
следующие страницы →