← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإنسان لا يَدري ما يَعرض له، فقد يَطرأ عليه العجز عن القيام بأوامر الله، ولو أَخَّر الحج عن السَّنة الأولى فقد يموت فيَفوت الفرض، وتفويت الفرض حرام (١). وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (٢). قال ابن تيمية: فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، فَأَنْ تَجِبَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ الْأَدَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى (٣). وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (٤).

стр. 37

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ: يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا (١). وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ السَّبِيلَ، حِينَ سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (٢). وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الحَجَّ أَحَدُ الأَرْكَانِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ. وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ (٣). القول الآخَر: أن الحج يجب على التراخي. وهو قول الشافعي (٤). واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسُّنة والمعقول: أما القرآن، فاستدلوا بأن الحج فُرِض سَنة ست من الهجرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والنبي لم يحج إلا في السَّنة العاشرة، فدل ذلك على التراخي. واعتُرض عليه بما قاله ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ (٥). وأما السُّنة، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ … فَقَالَ: زَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ» (٦).

стр. 38

وَجْه الدلالة: هذا الحديث صريح في وجوب الحج، والرجل هو ضِمَام بن ثَعْلَبَة، وقدومه على النبي ﷺ كان سَنة خَمْس من الهجرة، وقد أَخَّر النبي ﷺ الحج إلى سَنة عَشْر، فدل ذلك على أن الحج على التراخي. ونوقش بأن قدوم ضِمَام كان سَنة تِسع؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ. وأما المعقول، فما قاله النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَفَعَلَهُ، يُسَمَّى مُؤَدِّيًا لِلْحَجِّ لَا قَاضِيًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (١). والراجح: أن الحج يجب على الفور؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع. وقد أَخَّر النبي ﷺ الحج إلى السَّنة العاشرة لأسباب ذَكَرها ابن قدامة، فقال: وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ سَنَةَ تِسْعٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ كَرِهَ رُؤْيَةَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ، فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُنَادِي: أَنْ «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ فِيهَا الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ (٢). * * *

стр. 39

خلاصة الباب الأول: مقدمة في الحج تعريف الحج شرعًا: هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة؛ تَعبُّدًا لله لأداء المناسك، على وجه مخصوص، في زمن مخصوص. حُكْم الحج، هو أحد مباني الإسلام الخمسة، وهو فَرْضُ عَيْن على المُكلَّف المستطيع، مَرَّة واحدة في العُمر. حُكْم جاحد الحج، قد اتَّفَق المسلمون على أن مَنْ جَحَدَ وجوب الحج فإنه كافر. مرات الحج الواجبة، يجب الحج مرة واحدة في العُمر، بالإجماع. فَضْل الحج: الحاصل أن الحج له من الفضل ما ثبتت به الأدلة، من أنه أحد أركان الإسلام وأهم دعائمه العظام، وأنه من أفضل الأعمال الجسام، وأنه يَهدم ما كان قبله من الذنوب والآثام، وأن مَنْ حج فلم يَرفث ولم يَفسق فإنه يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن النص قد شَهِد أنه من الجهاد، وأن المتابعة بين الحج والعمرة تَنفي الفقر والذنوب كما يَنفي الكِير خَبَث الحديد. حُكْم تَكرار الحج للنساء، يُستحَب تَكرار الحج للنساء؛ لتضافر الأدلة على ذلك. وأما ما ورد عن أبي واقد الليثي قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» أي: لا تَخرجن من بيوتكن لحَجة أخرى وتَلزمن الحُصُر، فظاهره يدل على منع نسائه بعد حجهن معه من الحج، فهو حديث منكر. من مقاصد الحج: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله، وتزكية النفس، وإقامة ذكر الله، وتحصيل تقوى الله … وغير ذلك من المقاصد. الحج واجب على الفور عند تحقق شروطه، ويأثم المرء بتأخيره. * * *

стр. 40

الباب الثاني: شروط الحج والنيابة فيه وفيه تمهيد وفصلان: الفصل الأول: شروط الحج. الشرط الأول: الإسلام، وفيه مبحثان: المبحث الأول: حُكْم حج الكافر. المبحث الثاني: مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، فهل يجب عليه الحج من جديد؟ الشرط الثاني: العقل، وفيه مبحثان: المبحث الأول: لا يجب الحج على المجنون. المبحث الثاني: هل يصح الحج من المجنون؟ الشرط الثالث: البلوغ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكْم حج الصبي. المبحث الثاني: حج الصبي قبل البلوغِ لا يجزئه عن حَجة الإسلام. المبحث الثالث: ما يفعله الصبي من أعمال الحج بنفسه، وما يفعله عنه وليه. الشرط الرابع: الحرية، وفيه مبحثان: المبحث الأول: لا يجب الحج على العبد. المبحث الثاني: إذا حج العبد لم يجزئه عن حج الفريضة. الشرط الخامس: الاستطاعة، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد: تعريف الاستطاعة. المبحث الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب وإجزاء الحج، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستطاعة شرط في وجوب الحج. المطلب الثاني: الاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج.

стр. 41

المبحث الثاني: أقسام الاستطاعة في الحج أربعة: القسم الأول: أن يكون قادرًا ببدنه وماله، فهذا يَلزمه الحج بنفسه بالإجماع. القسم الثاني: أن يكون عاجزًا بماله وبدنه، فهذا يَسقط عنه الحج بالإجماع. القسم الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه عاجزًا بماله، فلا يَلزمه الحج بلا خلاف، إلا أهل مكة. القسم الرابع: أن يكون قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه عجزًا لا يُرجَى زواله، فهل يجب عليه الحج بالإنابة؟ وفيه مطلبان: المطلب الأول: المريض الذي لا يستطيع الحج بنفسه. المطلب الثاني: هل يجب الحج على مَنْ كان قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه؟ المبحث الثالث- شروط الاستطاعة: المطلب الأول: شروط الاستطاعة العامة للرجال والنساء: الشرط الأول: الاستطاعة البدنية، وتشمل صحة البدن، والقدرة على السير والركوب. الشرط الثاني: الاستطاعة المالية، وتشمل الزاد والراحلة، والنفقة فاضلًا عن دَينه ونفقته، وحاجاته الأصلية. الشرط الثالث: الاستطاعة الأمنية، والمراد بها أمن الطريق. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بأمن الطريق، وهو متمثل الآن في (تصريح للحج). المطلب الثاني: مَنْ قَدَّم للحج ولم يَحصل على تصريح للحج، فهل يتعلق الحج بذمته أم يَسقط؟ المطلب الثالث: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء: الشرط الأول: المَحْرَم. الشرط الثاني: عدم العِدَّة.

стр. 42

تمهيد يجب الحج على كل مسلم، عاقل، بالغ، حُر، مُستطِيع، بالإجماع (١). فشروط الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. قال ابن قُدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَجِبُ بِخَمْسِ شَرَائِطَ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا. تنقسم شروط الحج إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط وجوب وصحة (وهي الإسلام والعقل). (فشروط وجوب) فلا تجب على كافر ولا مجنون، (وصحة) فلا تصح منهما; لأنهما ليسا من أهل العبادات. القسم الثاني: شروط للوجوب والإجزاء، وهو البلوغ والحرية، وليسا بشرط للصحة، فلو حَجَّ الصبي والعبد صح حجهما، ولم يُجزئهما عن حَجة الإسلام. القسم الثالث: شرط للوجوب فقط، وهو الاستطاعة، فلو تَجَشَّمَ غيرُ المُستطِيع المَشَقة، وسار بغير زاد وراحلة فحَجَّ، كان حَجُّه صحيحًا مُجْزِئًا، كما لو تَكَلَّفَ القيام في الصلاة والصيام- مَنْ يَسقط عنه، أجزأه (٢).

стр. 43

الفصل الأول: شروط الحج الشرط الأول: الإسلام، وفيه مبحثان: المبحث الأول: حُكْم حج الكافر: لا يجب الحج على الكافر، ولا يصح منه، ولا يجزئ عنه إن وقع منه. ودل على ذلك النص والإجماع: أما النص، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]. وَجْه الدلالة: أنه إذا كانت النفقات لا تُقْبَل منهم لكفرهم، مع أن نفعها مُتَعَدٍّ، فالعبادات الخاصة أَوْلَى ألا تُقْبَل منهم، والحج من العبادات الخاصة، فلا يُقْبَل من كافر. وأما الإجماع، فلا خلاف أنه لا يصح حجُّ مَنْ ليس بمسلم (١). المبحث الثاني: " مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، فهل يجب عليه الحج من جديد؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا تجب عليه حجة الإسلام مُجدَّدًا بعد التوبة عن الردة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢). القول الآخَر: مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، عليه أن يُعِيد الحج والعُمرة. وهو قول الحنفية والمالكية. واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].

стр. 44

وَجْه الدلالة: أن الآية دلت على أن إحباط الردة للعمل، فيجب عليه حجة جديدة. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: بأن قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] هذا دليل مُطْلَق يدل على أن الردة تُحْبِط الأعمال، وهو مُقَيَّد بمن ارتد، فلم يَزَل مُرتدًّا حتى مات على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] فلو ارتد ثم عاد للإسلام، فإن أعماله الصالحة السابقة للردة لا تَبطل. الثاني: ما قاله ابن حزم: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ فِيهَا: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك الَّذِي عَمِلْت قَبْلَ أَنْ تُشْرِكَ) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجُوزُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَحْبَطُ عَمَلُهُ بَعْدَ الشِّرْكِ إِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ، لَا إِذَا أَسْلَمَ (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة بأن مَنْ كان مسلمًا فحج، ثم ارتد بارتكابه ما يُخرجه من ملة الإسلام، ثم تاب وعاد إلى الإسلام، أجزأته حجته تلك عن حجة الإسلام؛ لكونه أدى الحج وهو مسلم. وقد دل القرآن على أن عمل المرتد قبل ردته إنما يَحبط بموته على الكفر؛ لقوله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٢). الشرط الثاني: العقل، وفيه مبحثان: المبحث الأول: لا يجب الحج على المجنون: فلا يجب الحج على المجنون، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه. ودل على ذلك النصُّ والإجماع: أما النص، فعموم قول النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ … وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». وأما الإجماع، فقد أَجْمَع العلماء على أنه لا يجب الحج على المجنون (٣).

стр. 45

المبحث الثاني: هل يصح الحج من المجنون؟ اختَلف أهل العلم في صحة حج المجنون على قولين: القول الأول: لا يصح الحج من المجنون، ولو أَحْرَم عنه وليه. وهو قول للحنفية، وقول للمالكية، ووَجْه للشافعية، وهو مذهب الحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ … وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». وَجْه الدلالة: أن المراد برفع القلم عدم تكليفهم، فدل ذلك على أن المجنون ليس من أهل التكليف، وعلى عدم صحة العبادة منه. وأما المعقول، فاستدلوا بأن العقل مَناط التكليف، وبه تَحصل أهلية العبادة، والمجنون ليس أهلًا لذلك، فلا معنى لنُسُكه، أَشْبَهَ العجماوات. وإذا كانت الأعمال بالنيات، فالمجنون لا نية له ولا قَصْد، فكيف يصح حجه؟! القول الآخَر: يصح الحج من المجنون بإحرام وليه عنه. وهو قول أكثر الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، ورواية للحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بالقياس، فإذا كان يَجوز حج الصبي غير المُميِّز، مع أنه لا نية له، فكذا يَجوز حج المجنون. واعتُرض عليه بأن الصبي لا يقاس على المجنون؛ لأن الصبي يؤمر بالصلاة والصوم للتمرين على الطاعات وتعويده العبادات، بخلاف المجنون. وإذا كان التكليف مرفوعًا عن المجنون والصبي، فقد استُثني الصبي بالنص، فقد رَفَعَتِ امرأة صبيًّا لرسول الله ﷺ فقالت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» وبقي المجنون على الأصل. والراجح: أنه لا يصح حج المجنون؛ لأنه لا نية له، والأعمال بالنيات. والله أعلم.

стр. 46

الشرط الثالث: البلوغ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكْم حج الصبي: البلوغ ليس شرطًا لصحة الحج، وقد أجمعوا على صحة حج الصبي المُميِّز (١). واختلفوا في حج الصبي غير المُميِّز على قولين: القول الأول: يصح حجه. وهو مذهب المالكية في المشهور، والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فما رواه مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (٣). وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (٤). فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَيَنْعَقِدُ، سَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَمْ لَا. قال الطحاوي: الْحَدِيثُ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا، وَهَذَا مِمَّا قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا، كَمَا أَنَّ لَهُ صَلَاةً. القول الآخَر: لا يصح حج الصبي غير المُميِّز. وبه قال أبو حنيفة، ومالك في رواية (٥). واستدلوا بأن الأصل هو أن العبادة لا تصح من غير عاقل، وإذا كان القلم رُفِع عن الصبي فكيف يُقْبَل حجه؟!

стр. 47

ونوقش بأن المراد برفع القلم رَفْع الإثم، وليس إبطال ما يفعله من خير، فقد يُؤْجَر على الصدقة والحج. وبأنه إذا كان لا يُكْتَب عليه سيئات، فلا مانع أن يُكْتَب له حسنات. واستدلوا بأن الصبي غير المُميِّز لا نية له، فكيف ينعقد إحرامه؟! ونوقش بأن النية لا تَلزمه، بل تَسقط عنه لعدم الاستطاعة، ويَنوي عنه الولي، كالزكاة. والراجح: أنه يصح حج الصبي المُميِّز وغير المُميِّز؛ لِما صح أن امرأة رَفَعَتْ صبيًّا لرسول الله ﷺ فقالت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (١). المبحث الثاني: حج الصبي قبل البلوغ لا يجزئه عن حَجة الإسلام: أَجْمَع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبي حتى يَبلغ؛ فإِنْ حَجَّ الصبي قبل البلوغ لم يجزئه عن حجة الإسلام، وتجب عليه حجة أخرى إذا بَلَغ (٢). وَفِي قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ حَجَّ الصَّبِيِّ تَطَوُّعٌ، وَلَمْ يُؤَدِّ بِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضًا مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْفَرْضُ (٣). المبحث الثالث: ما يفعله الصبي بنفسه من أعمال الحج، وما يفعله عنه وليه: ما يفعله الصبي من أعمال الحج على قسمين: القسم الأول: ما يَقدر عليه الصبي بنفسه، كالوقوف بعرفة والمبيت بمُزدلِفة ومِنًى، فإنه يَلزمه فعله، ولا تَجوز فيه النيابة. ومعنى لزوم فعله أنه لا يصح أن يُفْعَل عنه لعدم الحاجة إليه، لا بمعنى أنه يأثم بتركه لأنه غير مكلف.

стр. 48

القسم الثاني: ما لا يَقدر عليه، فإنه يفعله عنه وليه (١). عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ (٢). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحُجُّ بِصِبْيَانِهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرْمِيَ رَمَى، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَمَى عَنْهُ (٣). الشرط الرابع: الحرية، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الحج لا يجب على العبد: أَجْمَع العلماء على أن الحرية شرط في وجوب الحج، فلا يجب على العبد (٤). المبحث الثاني: إذا حَجَّ العبد، لم يجزئه عن حج الفريضة: إذا حَجَّ العبد لم يجزئه عن حج الفريضة، ولزمه الحج إذا أُعْتِق (٥). ودل على ذلك القرآن والسُّنة: أما القرآن، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ الِاسْتِطَاعَةَ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَا اسْتِطَاعَةَ بِدُونِ مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلَا مِلْكَ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يَكُونُ مَالِكًا بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فالْمَمْلُوكُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خَارِجٌ مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ، بِدَلِيلِ عَدَمِ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِسَيِّدِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ (٦).

стр. 49

وأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» (١). وَجْه الدلالة: أن الحج لا يجزئه، وأنه إذا أُعْتِقَ بعد ذلك لزمته حجة الإسلام. وقد ذهب القاسم بن محمد ومجاهد والظاهرية إلى أن العبد إذا حج ثم أُعْتِقَ، تُجْزئ

стр. 50

عن حَجة الإسلام (١). واستدلوا بأن العبد إذا حج بإذن سيده ونواه عن الفريضة، فإنه يجزئه؛ لأننا نقول: لا يجب عليه الحج لأنه كالفقير، والفقير لو حج حال فقره وتَكلَّف المشقة، يَسقط عنه الفرض. فكذلك العبد إذا حج بإذن سيده، فإنه يَسقط عنه الفرض. الشرط الخامس: الاستطاعة: وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد: تعريف الاستطاعة: لغة: هي الطاقة والقُدرة على الشيء. والمستطيع هو القادر في ماله وبدنه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، وضابطه: أن يَحصل على التأشيرة والتذكرة، بعد قضاء الواجبات والنفقات والحاجات الأصلية (٢). المبحث الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب وإجزاء الحج، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستطاعة شَرْط في وجوب الحج: لا خلاف في اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج (٣). المطلب الثاني: الاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج: فَلَوْ تَجَشَّمَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ الْمَشَقَّةَ، وَسَارَ بِغَيْرِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَحَجَّ، كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا مُجْزِئًا، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ المَذَاهَبِ الأَرْبَعَةِ (٤). قال ابن مفلح: الاسْتِطَاعَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي إِجْزَاءِ الحَجِّ؛ لأِنَّ خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ حَجُّوا، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ. وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إِنَّمَا شُرِطَتْ

стр. 51

لِلْوُصُولِ، فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ أَجْزَأَهُ، كَالْمَرِيضِ (١). المبحث الثاني: أقسام الاستطاعة: أقسام الاستطاعة في الحج أربعة: القسم الأول: أن يكون قادرًا ببدنه وماله، فهذا يَلزمه الحج بنفسه بالإجماع (٢). القسم الثاني: أن يكون عاجزًا بماله وبدنه، فهذا يَسقط عنه الحج بالإجماع (٣). القسم الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه عاجزًا بماله، فلا يَلزمه الحج بلا خلاف (٤). القسم الرابع: أن يكون قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه عجزًا لا يُرجَى زواله، فهل يجب عليه الحج بالإنابة؟ وفيه مطلبان: المطلب الأول: المريض الذي لا يستطيع الحج بنفسه. مَنْ لا يَثبت على الراحلة غير مستطيع، فلا يجب عليه الحج؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٥). وقد نُقِل الإجماع بعدم وجوب الحج على مَنْ لم يستطع أن يَثبت على الراحلة (٦). والحاصل أن المريض لا يخلو من حالين: الأول: أن مِنْ المرضى مَنْ يستطيع الحج فيجب عليه، ولا سيما في وقتنا الحاضر، مع التقدم العلمي وتطور وسائل المواصلات، فقد يحج رَجُل على كرسي.

стр. 52

الثاني: أن مِنْ المرضى مَنْ لا يستطيع أن يقوم مِنْ على سريره، فمِثل هذا لا يجب عليه الحج؛ لأن الحج إنما فَرَضه الله على المستطيع إجماعًا. المطلب الثاني: هل يجب الحج على مَنْ كان قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجب على مَنْ أَعْجَزه كِبَر أو مرض لا يُرجَى برؤه- أن يقيم مَنْ يحج عنه إن كان له مال. وهو المشهور عن الحنفية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَجْه الدلالة: فمَن استطاع الحج ببدنه وماله، فقد وجب الحج في حقه. فإن كان عاجزًا عن الحج ببدنه، مستطيعًا بماله، فإنه يَلزمه أن يقيم غيره مُقامه (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٣). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَقَرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، ولو لم يجب عليه لم يُقِرها الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يمكن أن يُقِر على خطأ، فدل على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب. القول الآخَر: أن مَنْ كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه، فإنه لا يجب عليه الحج، ولا يجب عليه إرسال مَنْ ينوب عنه. وهو قول للحنفية، ومذهب المالكية (٤). واستدلوا بأن مَنْ كان عاجزًا ببدنه فهو غير مستطيع بنفسه، فلا يجب عليه. ونوقش بأنه إن كان عاجزًا عن الحج ببدنه، لزمه أن يقيم غيره بماله مُقامه. والراجح: أن مَنْ كان قادرًا على الحج بماله عاجزًا ببدنه، فإنه يجب عليه الحج،

стр. 53

بإرسال مَنْ ينوب عنه؛ نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره، فيَدخل في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. ولذا يقال: (الخليفة مستطيع لِفتح بلد كذا) وإن كان مريضًا؛ لأنه مستطيع لذلك بأمره وطاعة الناس له. ويقال في العُرْف: (فلان مستطيع لبناء دار) وإن كان لا يفعله بنفسه، وإنما يفعله بماله أو بأعوانه. ولأن النبي ﷺ أَقَرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، فدل ذلك على أن مَنْ كان قادرًا بماله دون بدنه، فإنه يجب عليه أن يقيم مَنْ يحج عنه. المبحث الثالث: شروط الاستطاعة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: شروط الاستطاعة العامة للرجال والنساء. الشرط الأول: الاستطاعة البدنية، وتشمل صحة البدن والقدرة على السير والركوب. الشرط الثاني: الاستطاعة المالية، وتشمل الزاد والراحلة، والنفقة فاضلًا عن دَينه ونفقته وحاجاته الأصلية. وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: اشتراط الزاد والراحلة (التأشيرة والتذكرة والنفقة): قال ابن تيمية: إِذَا اسْتَطَاعَ الْحَجَّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِالْإِجْمَاعِ (١). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ! فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. وَجْه الدلالة: و (تزودوا) يا مَعْشَر الحجيج من الطعام والشراب والزاد، ما تَبلغون به حجكم، وتَرجعون به إلى دياركم، (واتقوا) أي: اجتَنِبوا أذى الناس بسؤالكم إياهم (٣).

стр. 54

فالحاصل: يُشترط في وجوب الحج الاستطاعة المالية، وتشمل أربعة أمور: الأول: أن يَملك من المال ما يصل به إلى مكة، من تأشيرة وتذكرة ذَهابًا وإيابًا. الثاني: أن يكون معه من النقود في سفره ما يكفي حوائجه الأصلية، مَطْعمًا وملبسًا وغيرهما، مما لا بد منه على ما يليق بحاله، من غير إسراف ولا تقتير. الثالث: أن يَترك نفقة عياله ومَن تَلزمه نفقتهم من مطعم وملبس ومسكن، وكل ما يليق بهم عادة، من غير إسراف ولا تقتير، مدة ذَهابه وإيابه. الرابع: أن يَقضي دَيْنه قبل سفره؛ لأن الدَّيْن من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية، فهو آكد، وسواء كان الدَّين لآدمي أو لِحَقّ الله تعالى كزكاة في ذمته (٢). المسألة الثانية: مَنْ وجب عليه الحج، وأراد أن يتزوج، وليس عنده من المال إلا ما يَكفي لأحدهما. فهذا لا يخلو من حالين: الحال الأولى: مَنْ اشتدت حاجته إلى الزواج، مثل أن يكون شابًّا شديد الشهوة، ويَخشى على نفسه من الوقوع في الزنا. فهذا يكون الزواج في حقه مُقَدَّمًا على الحج. نُقِل الاتفاق على ذلك (٣). ودل على ذلك الكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فمَن اشتدت حاجته إلى الزواج ويشق عليه تركه، وليس عنده من النفقة إلا ما يكفي للزواج أو الحج- ليس مستطيعًا إلى البيت سبيلًا؛ لأن الزواج يكون بمنزلة الطعام الذي من حوائجه الأصلية، فيُقَدَّم على الحج. وهذا من تيسير الله على عباده، أنه لا يكلفهم من العبادة ما يَشُق عليهم، حتى وإن كان من أركان الإسلام كالحج.

стр. 55

وأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» فمَن اشتدت حاجته إلى الزواج إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعًا، فإنه يَبدأ بالزواج حتى يُعِفّ نفسه. وأما المعقول، فإن في تركه النكاح تَرْك أمرين: تَرْك الفرض وهو النكاح الواجب، والوقوع في المُحَرَّم وهو الزنا (١). الحال الثانية: أن يكون في حال اعتدال الشهوة، فإنه يُقَدِّم الحج على الزواج؛ لأن الزواج في حقه سُنة، والحج واجب على الفور، فيُقَدَّم على المسنون؛ لأنه لا تَعارُض بين واجب ومسنون. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٢). فالحاصل: أن مَنْ اشتدت حاجته إلى الزواج، وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما، وجبت عليه المبادرة بالزواج قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يُسَمَّى مُستطيعًا. أما إذا كان معتدل الشهوة ولا يَشُق عليه الصبر، فإنه يُقَدِّم الحج على الزواج؛ لأن الحج واجب على الفور، فيُقَدَّم على المسنون؛ لأن الزواج في حقه سُنة. أما إذا كان حج تطوع، فإنه يُقَدِّم النكاح؛ لأن الزواج أفضل من نوافل العبادات (٣). المسألة الثالثة: مَنْ كان عنده من المال ما يكفي لحجه، فهل يُعْذَر بترك الحج لِعَجْزه عن شراء الهدايا؟ لَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُحْدَثَةُ بِرَسْمِ الْهَدِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ، فَلَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْحَجِّ لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِثْمِ مَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ بِسَبَبِ هَذِهِ التَّقَالِيدِ الْفَاسِدَةِ (٤). الشرط الثالث: اشتراط أمن الطريق لتحقيق الاستطاعة: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بأمن الطريق، وهو متمثل الآن في (تصريح للحج): المقصود بأمن الطريق: أن يكون الغالب في طريقه السلامة، آمنًا على نفسه وماله، من

стр. 56

وقت خروج الناس للحج، إلى رجوعه إلى بلده؛ لأن الاستطاعة لا تَثبت دونه (١). المطلب الثاني: مَنْ قَدَّم للحج ولم يَحصل على تصريح، فهل يتعلق بذمته أم يَسقط؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن تخلية الطريق شرط من شروط وجوب الحج، فمَن استَوفى شروط الحج وخاف الطريق، فإنه لا يجب عليه الحج، ولا يتعلق بذمته. وهذا مذهب المالكية والشافعية، وهو رواية عن أبي حنيفة وأحمد (٢). واستدلوا بأن مَنْ لم يَحصل على تصريح بالحج، فلم يَخْلُ له الطريق، فهو غير مستطيع، والاستطاعة من شرائط الوجوب. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ بِدُونِ خُلُوِّ الطَّرِيقِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ (٣). وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَصُدُّونَهُمْ عَنِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، مَعَ قُدْرَةِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ، لَوَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَمَّنْ مَاتَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مِنْهُمْ، وَلَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي تَرِكَاتِهِمْ (٤). القول الآخَر: أن مَنْ استَوفى شروط الحج وخاف الطريق، فإن الحج يتعلق بذمته ويَسقط عنه الأداء. وهذا مذهب الحنفية في الأصح، والحنابلة (٥). واستدلوا بأن مَنْ استطاع الحج فإنه يجب عليه، فإن كان الطريق مَخُوفًا فإن ذلك

стр. 57

يُسْقِط عنه الأداء حالًا، مع تعلق وجوب الحج في ذمته لاستيفائه شروط وجوبه. ودل على ذلك ما رواه ابن عُمَر قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (١). وَجْه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يَذكر من الاستطاعة إلا الزاد والراحلة، ولم يَذكر تخلية الطريق، فهذا شَرْطٌ زائد، ولا يَجوز الزيادة في شروط العبادة بالرأي. والراجح: أنه لا بد من التفريق بين أمرين: الأول: أن على الحاج عند الاستطاعة طلب التأشيرة في كل عام، فحصول التأشيرة والتصريح للحج في هذه الحالة- شَرْطُ وجوب وليس شرط لزوم أداء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وتحصيل التصريح والتأشيرة ليسا في مقدور مَنْ مُنِع منهما، فإذا مات فيُستحَب لورثته أن يَحجوا عنه من ماله. الأمر الثاني: أن مَنْ حَصَلَتْ له الاستطاعة وطَلَب تأشيرة للحج مرة، وقَصَّر أخرى فمات، فيجب على ورثته أن يَحجوا عنه من ماله. والله أعلم. المطلب الثاني: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء، وفيه شرطان: الشرط الأول: المَحْرَم. الشرط الثاني: عدم العِدة. الشرط الأول: اشتراط المَحْرَم. وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: مَنْ المَحْرَم؟ الْمَحْرَمُ الْمَشْرُوطُ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ: هُوَ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالتَّأْبِيدِ التَّزَوُّجُ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيمُ بِالْقَرَابَةِ أَوِ الرَّضَاعَةِ أَوِ الْمُصَاهَرَةِ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا ثِقَةً مَأْمُونًا؛ فَإِنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَحْرَمِ حِمَايَةُ المَرْأَةِ وَصِيَانَتُهَا وَالقِيَامُ بِشَأْنِهَا (٢). المسألة الثانية: اشتراط المَحْرَم للمرأة في حج النافلة: قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، إِلَّا كَافِرَةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَسِيرَةً تَخَلَّصَتْ. وَزَادَ غَيْرُهُ: أَوِ امْرَأَةً انْقَطَعَتْ

стр. 58

مِنَ الرُّفْقَةِ، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ مَأْمُونٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا حَتَّى يُبَلِّغَهَا الرُّفْقَةَ (١). المسألة الثالثة: اشتراط المَحْرَم في سفر المرأة للحج الواجب: اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يَجوز للمرأة أن تسافر لحج الفريضة بغير مَحْرَم. وهو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). واستدلوا لهذا القول بالكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وَجْه الدلالة: أن المرأة التي لا مَحْرَم لها لا يجب عليها الحج؛ لأن المَحْرَم بالنسبة لها من السبيل، واستطاعة السبيل شَرْط في وجوب الحج، ولا يَجوز لها أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها زَوْج أو مَحْرَم لها. وأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» (٣). قال ابن تيمية: فَهَذِهِ نُصُوصٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَمْ يُخَصِّصْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، مَعَ أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ مِنْ أَشْهَرِهَا وَأَكْثَرِهَا (٤). وفي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (٥). وفي رواية: «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (٦).

стр. 59

قول الرجل: «اكْتُتِبْتُ» يدل على أنه قد وجب عليه الجهاد، ولا يأمره النبي ﷺ بترك الجهاد الواجب إلا بفعل واجب أعظم منه، وهو السفر مع امرأته ليحج معها؛ لأنه لا يَجوز لها السفر بغير مَحْرَم. وأما المعقول، فالْمَرْأَةَ مُعَرَّضَةٌ فِي السَّفَرِ لِلصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، وَتَحْتَاجُ إِلَى قَيِّمٍ يَقُومُ عَلَيْهِا، وَغَيْرُ الْمَحْرَمِ لَا يُؤْمَنُ وَلَوْ كَانَ أَتْقَى النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ، وَالشَّيْطَانَ بِالْمِرْصَادِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» (١). القول الثاني: جواز سفر المرأة في حج الفريضة بغير مَحْرَم، إذا وَجَدَتْ رُفقة مأمونة. وهو مذهب المالكية، والشافعي في الصحيح عنه، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وَجْه الدلالة ما قاله الشافعي: وَإِذَا كَانَ فِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّبِيلَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِدُهُمَا، وَكَانَتْ مَعَ ثِقَةٍ مِنَ النِّسَاءِ فِي طَرِيقٍ مَأْهُولَةٍ آمِنَةٍ، فَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ (٣). ونوقش بأن الحديث الذي يُحَدِّد الاستطاعة بالزاد والراحلة- ضعيف. ولو صح

стр. 60

فهناك شروط أخرى، كأمن الطريق وقضاء الدَّين، وهي مُجْمَع عليها وليست في الحديث. وأما السُّنة، فما رواه البخاري: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ» (١). وَجْه الدلالة: أن خروج الظعينة- أي: المرأة في الهودج- مع امتداد الإسلام وانتشار الأمن، من عدم تعرض الفساق لها أثناء سفرها، فخروج المرأة في السفر على هذا الوجه جائز، ولو كان حرامًا لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ونوقش بأن الحديث جاء لبيان الواقع مع انتشار الأمن، لا لبيان حِل خروج المرأة دون مَحْرَم، وقد أَخْبَر النبي ﷺ عن كَذابِين ودَجالِين يَخرجون، ولا قائل بجوازه. وأجيب بأن حديث عَدي جاء على صفة المدح، فهذا يدل على الجواز، بخلاف غيره مما جاء على صفة الذم. وأما دليلهم من المأثور، فروى البخاري: عَنْ عُمَرَ ﵁ أنه أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (٢). فدل هذا على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات، وقد اتَّفَق على هذا عمر وعثمان وابن عوف، ونساء النبي ﷺ على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك. ونوقش هذا الاستدلال بأن المَحْرَم مَنْ تَحْرُم عليه المرأة على التأبيد، وأمهات المؤمنين يَحرمن تأبيدًا على جميع المؤمنين؛ إذ جميع المؤمنين أبناء لهن. وأجيب عنه بأن زوجات النبي ﷺ في مقام أمهات المؤمنين في تحريم النكاح، وليس في المَحْرَمية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مَوْلَيَاتٌ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مَحْرَم (٣).

стр. 61

وَأُخْبِرَتْ عَائِشَةُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ يُفْتِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَافِرُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ، فَقَالَتْ: مَا كُلُّهُنَّ مِنْ ذَوَاتِ مَحْرَمٍ (١). وأما دليلهم من المعقول، فإنه إذا كانت العلة من سفر المرأة بغير مَحْرَم- هي الخوف على المرأة من تعرضها للفتن، فمع وجود الرفقة الأمنة يَجوز لها السفر بغير مَحْرَم؛ لأن المقصود هو صيانة المرأة، وذلك متحقق بأمن الطريق ووجود الثقات من النساء. القول الثالث: أنه لا يُشترَط المَحْرَم ولا الرفقة الآمنة، ويَجوز للمرأة أن تَخرج للحج وحدها إذا أَمِنَتِ الفتنة؛ لحديث عَدي. وهو قول عند الشافعية، والظاهرية وابن تيمية (٢). والراجح: عدم جواز سفر المرأة لحج الفريضة بغير مَحْرَم؛ لعموم نهي النبي ﷺ عن سفر المرأة دون مَحْرَم. وصح أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» فالرَّجُل وجب عليه الجهاد، ولا يأمره النبي ﷺ بترك الواجب إلا بفعل واجب أعظم منه، وهو السفر مع امرأته ليحج معها. أما مَنْ قال بأنه يَجوز سفر المرأة في حج الفريضة بغير مَحْرَم إذا وَجَدَتْ رفقة مأمونة، فهذا القول له وجهته أيضًا. واستدلوا بأن المرأة مع انتشار الأمن تسافر من الحِيرة إلى مكة بغير مَحْرَم، ولا تَخاف أحدًا إلا الله، وقد أنبأ رسول الله ﷺ أن هذا سيَحدث، ولو كان حرامًا لبَيَّنه؛ إذ لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ولأن عُمَرَ ﵁ أَذِنَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ. وإذا كان المقصود هو صيانة المرأة، فذلك متحقق بوجود الثقات من النساء. والذي يَظهر: أن منع سفر المرأة بلا مَحْرَم هو مما حُرِّم سدًّا للذريعة، والقاعدة فيما حُرِّم سدًّا للذريعة أنه يباح للحاجة والمصلحة الراجحة. قال مالك: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا، أَوْ كَانَ لَهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا- أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ، وَلْتَخْرُجْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ (٣). وقال ابن تيمية: سفر المرأة مع ذي مَحْرَم منهي عنه، ويَجوز لرجحان المصلحة،

стр. 62

والأقوى أنه إذا تَعَذَّر حجها مع المَحْرَم أن تحج إذا أَمِنَتِ الفتنة؛ لأن حجها مع مَنْ تأمنه أرجح من تفويت الحج؛ لأنه إذا دار الأمر بين تفويت حج الفريضة على المرأة، وبين سفرها بلا مَحْرَم سفرًا آمنًا، كان حصول الحج أصلح لها (١). المسألة الرابعة: سفر المرأة لحج الفريضة بالطائرة مع وجود الرفقة الآمنة: سفر المرأة بالطائرة يُنظر فيه من جهتين: الأولى: أن سفر المرأة بالطائرة يَدخل في عموم النهي عن سفر المرأة بغير مَحْرَم. الثانية: هل الطائرة تقاس في حقيقتها على القافلة العظيمة؛ لأنه قد ورد عند بعض أهل العلم اشتراط المَحْرَم في حالة الانفراد إذ العدد يسير. أما القوافل العظيمة فهي كالبلاد، يصح فيها سفر المرأة بغير مَحْرَم، فاشتراط المَحْرَم لا يكون إلا في العدد القليل. قال الباجي: يُشترط المَحْرَم في الانفراد والعدد اليسير، فأما في القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد، يصح فيها سفرها دون نساء وذوي محارم (٢). ونوقش بأنه لا يَجوز سفر المرأة دون مَحْرَم حتى في القوافل العظيمة؛ لإمكان استمالتها. وأحيانًا يتأخر إقلاع الطائرة، أو يتأخر مَنْ يستقبلها؛ مما يجعلها عُرضة للأخطار، أو احتمال جلوسها بجانب رجل، وقد يكون ممن لا تقوى في قلبه فيستدرجها. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز سفر المرأة بالطائرة بدون مَحْرَم؛ لأن مع تطور وسائل المواصلات، فإن أغلب السفر بالطائرة لا يستغرق وقتًا، وليس كالسفر في الأزمنة الماضية، وفي الطائرة يَجتمع الناس، وتمتنع فيها الوحدة والانفراد بالمرأة (٣). ونوقش بأن العلة في وجود المَحْرَم هي السفر وليس المشقة، وبهذه الطريقة فقد يُمْنَع المسافر في الطائرة مِنْ قَصْر الصلاة؛ لأن المشقة لا تنضبط. والمرأة تَحتاج المَحْرَم في الركوب والنزول وإنهاء إجراء الجوازات، والتنقل بين المشاعر … وغير ذلك.

стр. 63

الشرط الثاني الخاص بالمرأة: عدم العِدة: اختلف العلماء في اشتراط ألا تكون المرأة معتدة علي قولين: القول الأول: يُشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون معتدة في مدة الذَّهاب للحج. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بأن المُتوفَّى عنها زوجها لا يَجوز لها أن تَخرج من بيتها وتسافر للحج حتى تنقضي عدتها؛ لأنها في هذه الحال غير مستطيعة، فيجب عليها أن تتربص في البيت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وكذا نهى المعتدات بقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ (٢). واستدلوا بأن العدة في المنزل تَفُوت، ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به بعد العدة. القول الأخر: يجوز للمطلقة والمُتوفَّى عنها زوجها أن تَخرج من بيتها وتسافر للحج أثناء العدة، وهو قول عائشة وعطاء والحسن وابن حزم. (٣) والراجح: أنه يُشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون معتدة في مدة الذَّهاب للحج إذا كان يسهل عليها الحج بعد ذلك، ولا بأس بحج المرأة في عدتها إذا كان يتعذر أو يشق عليها الحج بعد ذلك مع المحرم أو الرفقة الآمنة، ولاسيما مع المشقة الحادثة الآن.

стр. 64

الحاصل في شروط الحج يجب الحج على كل مسلم، عاقل، بالغ، حُر، مستطيع، بالإجماع. فشروط الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. الشرط الأول: الإسلام، فلا يجب الحج على الكافر، ولا يصح ولا يجزئ إن وقع. ومَن كان مسلمًا فحج، ثم ارتد بارتكابه ما يُخرجه من ملة الإسلام، ثم تاب وعاد إلى الإسلام، أجزأته حجته تلك عن حجة الإسلام؛ لكونه أدى الحج وهو مسلم. الشرط الثاني: العقل، فلا يجب الحج على المجنون ولا يصح؛ لأنه لا نية له والأعمال بالنيات. واستُثني الصبي بالنص، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه. الشرط الثالث: البلوغ، فلا يجب الحج عن الصبي حتى يَبلغ؛ ويصح الحج منه. فإن حج الصبي قبل البلوغ لم تجزئه عن حَجة الإسلام، وتجب عليه أخرى إذا بَلَغ. الشرط الرابع: الحرية، فلا يجب الحج على العبد. الشرط الخامس: الاستطاعة، فلا خلاف في اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج. الاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج، فلو تَجَشَّمَ غيرُ المستطيع المشقة، وسار بغير زاد وراحلة فحَجَّ، كان حَجه صحيحًا مُجْزِئًا. • شروط الاستطاعة: الشرط الأول: الاستطاعة البدنية، فيَخرج العاجز بنفسه كالمريض الذي لا يستطيع أن يقوم مِنْ على سريره، فلا يجب عليه الحج بنفسه؛ لأن الحج إنما فَرْضه على المستطيع. وقد يوجد من المرضى مَنْ يستطيع الحج فيجب عليه، ولا سيما في وقتنا الحاضر مع التقدم العلمي وتطور وسائل المواصلات، فقد يَحج رجل على كرسي بلا مشقة. مَنْ كان قادرًا على الحج بماله عاجزًا ببدنه، فإنه يجب عليه الحج بإرسال مَنْ ينوب عنه؛ نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره، فيَدخل في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ولأن النبي ﷺ أَقَرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجز أبيها عنه ببدنه. الشرط الثاني: الاستطاعة المالية، وتشتمل على أربعة أمور: الأول: أن يَملك من المال ما يصل به إلى بيت الله الحرام، من تأشيرة وتذكرة. الثاني: أن يكون معه من النقود في سفره ما يكفي لحوائجه الأصلية مَطْعمًا وملبسًا وغيرهما، مما لا بد منه على ما يليق بحاله، من غير إسراف ولا تقتير. الثالث: أن يَترك نفقة عياله ومَن تَلزمه نفقتهم، مِنْ مَطعم وملبس ومسكن، وكل ما

стр. 65

يليق بهم عادة، من غير إسراف ولا تقتير، مدة ذَهابه وإيابه. الرابع: أن يَقضي دَينه قبل سفره، لأن الدَّين من حقوق العباد. مَنْ وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج، وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما، فهذا على حالين: الحال الأولى: أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في حقه مُقَدَّمًا على الحج بالاتفاق. الحال الثانية: أن يكون في حال اعتدال الشهوة؛ فإنه يُقَدِّم الحج على الزواج. أما إذا كان حج تطوع، فإنه يُقَدِّم النكاح؛ لأن الزواج أفضل من نوافل العبادات. مَنْ كان عنده من المال ما يكفي لحجه، فلا يُعْذَر بترك الحج لِعَجْزه عن شراء الهدايا للأقارب؛ لأن بعض الحُجاج يُكلِّف نفسه ما لا يطيق. وهذا لا يُتصوَّر فيه خلاف. الشرط الثالث: أَمْن الطريق، وهو متمثل في (تصريح للحج). مَنْ قَدَّم للحج ولم يَحصل على تصريح للحج فمات، فهل يتعلق الحج بذمته؟ لا بد من التفريق بين أمرين: الأول: أن على الحاج عند الاستطاعة طلب التأشيرة في كل عام، فإذا لم تأتِ فلا إثم عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وتحصيل التصريح والتأشيرة ليسا في مقدور مَنْ مُنِع منهما، فإذا مات فيُستحَب لورثته أن يَحجوا عنه من ماله. الأمر الثاني: أن مَنْ حَصَلت له الاستطاعة، وطَلَب تأشيرة للحج مرة وقَصَّر أخرى فمات، فيجب على ورثته أن يحجوا عنه من ماله. الشرط الرابع: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء: الشرط الأول: المَحْرَم، إن المرأة لا تسافر لحج الفريضة بغير مَحْرَم؛ لعموم نهي النبي ﷺ عن سفر المرأة دون مَحْرَم. ولكن إذا تَعَذَّر حجها مع المَحْرَم، فالراجح أنها تحج إذا أَمنت الفتنة؛ لأن حجها مع مَنْ تأمنه أرجح من تفويت الحج؛ لأنه إذا دار الأمر بين تفويت حج الفريضة، وبين سفرها بلا مَحْرَم سفرًا آمنًا، كان حصول الحج أصلح لها. الشرط الثاني: عدم العِدة، يُشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون معتدة في مدة الذَّهاب للحج إذا كان يسهل عليها الحج بعد ذلك، ولا بأس بحجها في عدتها إذا كان يشق عليها الحج بعد ذلك مع المحرم أو الرفقة الآمنة، ولاسيما مع المشقة الحادثة الآن.

стр. 66

الفصل الثاني: النيابة وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: النيابة عن الحي. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: النيابة في الفرض عن القادر. المطلب الثاني: النيابة في الفرض عن غير القادر (المعضوب). المطلب الثالث: إذا استناب للفريضة ثم برئ، فهل يجب الحج عليه؟ أو يَسقط عنه؟ المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان: المطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة. المطلب الثاني: النيابة عن الميت في حج النفل. المبحث الثالث: الاستئجار على الحج. المبحث الرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة؟

стр. 67

المبحث الأول: النيابة عن الحي: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: النيابة في الفرض عن القادر. القادر على الحج لا يَجوز أن يستنيب مَنْ يحج عنه للفريضة، بالإجماع (١). المطلب الثاني: النيابة في الفرض عن غير القادر (المعضوب): فالنيابة لا تَجوز إلا لمن أعجزه كِبَر، أو أعجزه مرض لا يُرجَى بُرؤه. ولا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن حج الحي يَفتقر إلى نية، بخلاف الميت. المطلب الثالث: إذا استناب للفريضة ثم برئ، فهل يجب الحج عليه أو يَسقط عنه؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن مَنْ استناب للحج ثم برئ، فلا يجب عليه الإعادة. وهذا مذهب الحنابلة والظاهرية (٢). قال ابن قُدامة: وَلَنَا: أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، أَوْ نَقُولُ: أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ، كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ. وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إِلَى إيجَابِ حَجَّتَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِبِ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً (٣). القول الآخَر: أن مَنْ استناب للحج ثم برئ قبل الموت لا يجزئه عن حج الفريضة، وعليه الحج بنفسه. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية في الأصح (٤). واستدلوا بالقياس على الآيسة إذا اعْتَدَّتْ بالشهور ثم حاضت، لا تُجْزِئها تلك العِدَّة. ونوقش بأن الآيسة إذا اعْتَدَّتْ بالشهور، فلا يُتصَوَّر عَوْد حيضها، فإن رأت دمًا فليس بحيض، ولا يَبطل به اعتدادها. ولكن مَنْ ارتفع حيضها، إذا اعْتَدَّتْ سَنة، ثم عاد حيضها، لم يَبطل اعتدادها.

стр. 68

المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان: المطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة. اختَلف أهل العلم في ذلك على أقوال، أشهرها ثلاثة: القول الأول: أن الحج عن الميت مجزئ ويَنتفع به الميت، سواء أكان نفلًا أم فرضًا، أوصى به أم لم يُوصِ. وبه قال الحنفية والحنابلة والظاهرية (١). واستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا» (٢). وَجْه الاستدلال: أن قوله ﷺ : «حُجِّي عَنْهَا» صريح في مشروعية الحج عن الميت. القول الثاني: أن مَنْ مات وعليه حجٌّ واجب، بقي الحج في ذمته، ووجب الإحجاج عنه من رأس ماله، سواء أوصى به أم لا؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. وبه قال الشافعية في رواية، والحنابلة في رواية (٣). واستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: «اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٤).

стр. 69

وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكم. القول الثالث: أن الحج لا يجزئ عن الميت. وبه قال ابن عمر، والقاسم (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وَجْه الدلالة: أن الحج ليس من سعي الإنسان، وإنما مِنْ سعي مَنْ حج عنه، فيكون القول بإجزاء الحج عن الميت مُخالِفًا للآية. ونوقش بأن ظاهر الآية غير مراد؛ لأنه ثَبَت انتفاع الإنسان بسعي غيره، فثَبَتَ انتفاع الإنسان بدعاء غيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وشُرعت الصلاة على الميت للدعاء، وكذا الصدقة، والنبي ﷺ سيشفع للعصاة من أمته … إلى غير ذلك. وكل ما ذُكِر ليس من سعي الإنسان. وإنما المراد أنه ليس له من سعي غيره نصيب، إلا إذا وهبه له، فحينئذٍ يكون له. وأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ بَيَّن أن عمل الإنسان ينقطع بموته، إلا ما ذُكِر في الحديث، وليس منها الحج، فلا يجزئ فعله عن الميت. ونوقش بأن النبي ﷺ بَيَّن أن عمله انقطع بموته، لكنه لم يَنْفِ انتفاعه بعمل غيره. وأما دليلهم من المأثور، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» (٣).

стр. 70

والراجح: أن مَنْ مات وعليه حجٌّ واجب، بقي الحج في ذمته، ووجب الإحجاج عنه من رأس ماله؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ولأن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكْم (١). المطلب الثاني: النيابة عن الميت في حج النفل: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تَجوز الاستنابة في حج النفل عن الميت والحي المعضوب. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية على الأصح، وهو رواية عن أحمد (٢). القول الثاني: عدم الجواز مطلقًا. وهذا قول للمالكية، وقول للشافعية (٣). واستدلوا بأن النيابة في الحج إنما شُرعت للميت أو العاجز عن الحج في الفرض فقط، فيُقتصَر عليه، وأنه إنما جازت الاستنابة في الفرض للضرورة. ونوقش بأن ما ثَبَت في الفرض ثَبَت في النفل، إلا إذا دل دليل على التخصيص. والراجح: مَنْ مات ولم يكن له تركة، لم يُلْزَم أحد أن يحج عنه، لكن يُستحب لوارثه أن يحج عنه، ويَجوز التبرع بالحج عن الميت، سواء من الوارث أو من الأجنبي.

стр. 71

المبحث الثالث: الاستئجار على الحج يَجوز الاستئجار على الحج. وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بأنه إذا كان أَخَذ أصحابُ النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقْية بكتاب الله، فأَخْذ الجُعْل على القُرَب التي تَدخلها النيابة أَوْلَى، كالحج والعمرة (٢). واستدلوا بأن الاستئجار على الحج عليه عمل الناس، ولا يسعهم إلا القول به؛ لأن القول بمنعه يُفضِي إلى سد باب النيابة نهائيًّا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع (٣). المبحث الرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يُشترَط في النائب أن يكون قد حج حجة الإسلام عن نفسه أولًا، وإلا كانت الحَجة عن نفسه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بما رواه ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ! قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (٥).

стр. 72

وفيه دليل على أن النائب في الحج لا بد أن يكون قد حج عن نفسه، ولكنه ضعيف. القول الآخَر: أنه يَجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. وهو مذهب

стр. 73

الحنفية والمالكية (١). فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. وَجْه الدلالة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَوَّزَ للْخَثْعَمِيَّةِ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ لَا. فدل ذلك على أنه لا يُشترَط تقدم حجها عن نفسها. • ثلاث فوائد في باب الإنابة: الفائدة الأولى: ينبغي لمن أراد أن ينيب في الحج أن يتحرى فيمَن يستنيبه- أن يكون من أهل الدِّين والأمانة؛ حتى يَطمئن إلى قيامه بالواجب. الفائدة الثانية: الأفضل أن يحج عن نفسه؛ لأنه الأصل، ويدعو لنفسه ولغيره من الأقارب وسائر المسلمين، إلا إذا كان أحد والديه أو كلاهما لم يحج الفريضة، فله أن يحج عنهما بعد حجه عن نفسه؛ بِرًّا بهما وإحسانًا إليهما عند العجز أو الموت. الفائدة الثالثة: إذا كان مُستحسنًا أن يحج الإنسان عن أقاربه الأموات، فإنه يَبدأ بأمه ثم أبيه، وإن كان أحدهما حج الفريضة، فليَبدأ بمن لم يحج منهما، ثم الأقرب فالأقرب (٢). * * *

стр. 74

مختصر النيابة في الحج المبحث الأول: النيابة عن الحي. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: القادر على الحج لا يَجوز أن يستنيب مَنْ يحج عنه حجة الفريضة. المطلب الثاني: النيابة لا تَجوز عن الحي إلا لمن أعجزه كِبَر، أو مرض لا يُرْجَى برؤه، ولا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن الحج يَفتقر إلى نية، بخلاف الميت. المطلب الثالث: مَنْ استناب للحج ثم برئ، لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه أَدى حَجة الإسلام بأمر الشارع، فلم يَلزمه حجٌّ ثانٍ. ولأن هذا يُفضِي إلى إيجاب حَجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حَجة واحدة. المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان: المطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة. مَنْ مات وله مال ولم يحج، حُج عنه من رأس ماله؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ولأن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكْم. الثاني: أن الحج عن الميت مجزئ ويَنتفع به الميت، سواء أكان نفلًا أم فرضًا. المبحث الثالث: الاستئجار على الحج: يَجوز الاستئجار على الحج. والدليل أنه إذا كان أَخَذَ أصحابُ النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقْية بكتاب الله، فأَخْذ الجُعل على القُرَب التي تَدخلها النيابة أَوْلى، كالحج والعمرة. ولأن القول بمنع الاستئجار على الحج يُفضِي إلى سد باب النيابة نهائيًّا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع. المبحث الرابع: يَجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ؛ لأن رسول الله ﷺ جَوَّز للخَثْعَمية أن تحج عن أبيها، ولم يَستفسر أنها حَجَّتْ عن نفسها أو لا. وأما حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» فهو ضعيف.

стр. 75

الباب الثالث: آداب السفر للسفر آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها، سواء كان هذا السفر للحج والعمرة أو غير ذلك من الأسفار المباحة. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: آداب ما قبل السفر للحج والعمرة: وفيه عَشَرة مباحث: المبحث الأول: الإخلاص: على الحاج أن يَقصد بحجه وجه الله والدار الآخرة، ويَحذر قصد الدنيا وحُطامها، فلا يَقصد بحجه رياء ولا سُمعة، ولا مباهاة ولا فخرًا ولا خُيَلاء؛ ولذا فقد أَمَر الله بإخلاص الحج والعمرة له بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وذلك بأن يكون الباعث على الحج هو طاعة الله ومحبته ورجاء ثوابه (١). فالإخلاص أن تكونَ نيتك لله، لا تريد غيرَ الله، لا سُمعة ولا رياء، ولا تترقب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدْحًا، والله سبحانه غني حميد، فالله لا يَقبل عملًا- حجًّا كان ولا غيره- أُشْرِكَ معه فيه غيره، قال الله في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٢).
следующие страницы →