المبحث الثالث: الاستئجار على الحج
يَجوز الاستئجار على الحج. وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
واستدلوا بأنه إذا كان أَخَذ أصحابُ النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقْية بكتاب الله، فأَخْذ الجُعْل على القُرَب التي تَدخلها النيابة أَوْلَى، كالحج والعمرة (٢).
واستدلوا بأن الاستئجار على الحج عليه عمل الناس، ولا يسعهم إلا القول به؛ لأن القول بمنعه يُفضِي إلى سد باب النيابة نهائيًّا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع (٣).
المبحث الرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة؟
اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يُشترَط في النائب أن يكون قد حج حجة الإسلام عن نفسه أولًا، وإلا كانت الحَجة عن نفسه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٤).
واستدلوا بما رواه ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ! قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (٥).
стр. 72
وفيه دليل على أن النائب في الحج لا بد أن يكون قد حج عن نفسه، ولكنه ضعيف.
القول الآخَر: أنه يَجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. وهو مذهب
стр. 73
الحنفية والمالكية (١).
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.
وَجْه الدلالة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَوَّزَ للْخَثْعَمِيَّةِ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ لَا. فدل ذلك على أنه لا يُشترَط تقدم حجها عن نفسها.
• ثلاث فوائد في باب الإنابة:
الفائدة الأولى: ينبغي لمن أراد أن ينيب في الحج أن يتحرى فيمَن يستنيبه- أن يكون من أهل الدِّين والأمانة؛ حتى يَطمئن إلى قيامه بالواجب.
الفائدة الثانية: الأفضل أن يحج عن نفسه؛ لأنه الأصل، ويدعو لنفسه ولغيره من الأقارب وسائر المسلمين، إلا إذا كان أحد والديه أو كلاهما لم يحج الفريضة، فله أن يحج عنهما بعد حجه عن نفسه؛ بِرًّا بهما وإحسانًا إليهما عند العجز أو الموت.
الفائدة الثالثة: إذا كان مُستحسنًا أن يحج الإنسان عن أقاربه الأموات، فإنه يَبدأ بأمه ثم أبيه، وإن كان أحدهما حج الفريضة، فليَبدأ بمن لم يحج منهما، ثم الأقرب فالأقرب (٢).
* * *
стр. 74
مختصر النيابة في الحج
المبحث الأول: النيابة عن الحي. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: القادر على الحج لا يَجوز أن يستنيب مَنْ يحج عنه حجة الفريضة.
المطلب الثاني: النيابة لا تَجوز عن الحي إلا لمن أعجزه كِبَر، أو مرض لا يُرْجَى برؤه، ولا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن الحج يَفتقر إلى نية، بخلاف الميت.
المطلب الثالث: مَنْ استناب للحج ثم برئ، لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه أَدى حَجة الإسلام بأمر الشارع، فلم يَلزمه حجٌّ ثانٍ. ولأن هذا يُفضِي إلى إيجاب حَجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حَجة واحدة.
المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة.
مَنْ مات وله مال ولم يحج، حُج عنه من رأس ماله؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ولأن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكْم.
الثاني: أن الحج عن الميت مجزئ ويَنتفع به الميت، سواء أكان نفلًا أم فرضًا.
المبحث الثالث: الاستئجار على الحج:
يَجوز الاستئجار على الحج. والدليل أنه إذا كان أَخَذَ أصحابُ النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقْية بكتاب الله، فأَخْذ الجُعل على القُرَب التي تَدخلها النيابة أَوْلى، كالحج والعمرة. ولأن القول بمنع الاستئجار على الحج يُفضِي إلى سد باب النيابة نهائيًّا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع.
المبحث الرابع: يَجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ؛
لأن رسول الله ﷺ جَوَّز للخَثْعَمية أن تحج عن أبيها، ولم يَستفسر أنها حَجَّتْ عن نفسها أو لا.
وأما حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» فهو ضعيف.
стр. 75
الباب الثالث: آداب السفر
للسفر آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها، سواء كان هذا السفر للحج والعمرة أو غير ذلك من الأسفار المباحة.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: آداب ما قبل السفر للحج والعمرة:
وفيه عَشَرة مباحث:
المبحث الأول: الإخلاص:
على الحاج أن يَقصد بحجه وجه الله والدار الآخرة، ويَحذر قصد الدنيا وحُطامها، فلا يَقصد بحجه رياء ولا سُمعة، ولا مباهاة ولا فخرًا ولا خُيَلاء؛ ولذا فقد أَمَر الله بإخلاص الحج والعمرة له بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وذلك بأن يكون الباعث على الحج هو طاعة الله ومحبته ورجاء ثوابه (١).
فالإخلاص أن تكونَ نيتك لله، لا تريد غيرَ الله، لا سُمعة ولا رياء، ولا تترقب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدْحًا، والله سبحانه غني حميد، فالله لا يَقبل عملًا- حجًّا كان ولا غيره- أُشْرِكَ معه فيه غيره، قال الله في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٢).
стр. 76
والرياء مشتق من الرؤية، وهو إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها؛ ليَحمد الناس صاحبها على ذلك. وأي مراءاة أشد من تصوير الحاج نفسه وهو مُحْرِم، وهو يطوف ويسعى، ويقف بعرفة؟! فهو يُصَوِّر نفسه ويَنقل مناسك الحج خطوة خطوة لأقاربه وأصحابه، وكأنه يقول لهم: (انظروا إليَّ وأنا أحج!) فأي مراءاة أشد من ذلك، فلو رأى رسول الله ﷺ هؤلاء الذين يُصوِّرون أنفسهم في كل مَنْسَك، فماذا كان يقول لهم؟
المبحث الثاني: النفقة الحلال:
روى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]» ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! (١).
стр. 77
المبحث الثالث: تَعَلُّم أحكام الحج حتى يكون على بصيرة من أمره:
فإن لم يتيسر له ذلك، حَرَص على مرافقة طالب علم. فإِنْ عَجَز استَصحب كتابًا واضحًا في المناسك، ويديم مطالعته.
المبحث الرابع: التوبة من جميع المعاصي، والتحلل من مظالم الخَلْق:
فإِنْ ظَلَم شخصًا في مال، رَدَّه إليه قبل سفره. فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ» (١).
المبحث الخامس: أن يَقضي ما أمكنه من ديونه، ويَرُد الودائع، وأن يوصي:
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٢).
المبحث السادس: أن يَترك لأهله نفقتهم إلى حين رجوعه:
لعموم قول رسول اللهِ ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» (٣).
المبحث السابع: يُستحب للمسافر أن يودع أهله وأقاربه وجيرانه وأصحابه:
عَنْ مُوسَى يَقُولُ: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيرَةَ أُوَدِّعُهُ، فَقَالَ: أَلا أُعَلِّمُكَ شَيْئًا عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقَوْلُهُ عِنْدَ الوَدَاعِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: قُلْ: «أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» (٤).
المبحث الثامن: يُوصي المسافر أهله بتقوى الله:
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ سَفَرًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» (٥).
стр. 78
المبحث التاسع: استئذان الوالدين. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: إِذْن الوالدين في حج الفريضة:
يجتهد المرء في إرضاء والديه عند إرادة السفر، وليس للوالدين منع الولد المكلف من الحج الواجب، وليس للولد طاعتهما في تركه. وبه قال الحنفية، وهو قول للمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
واستدلوا بالسُّنة والقياس:
أما السُّنة، فروى الشيخان: عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (٢).
وَجْه الدلالة: أن طاعة الوالدين إنما تَلزم في غير المعصية، وتَرْك ركن كالحج كبيرة.
وأما القياس، فقاسوا الحج على الصلاة المكتوبة، بجامع الفرضية في كل منهما، فكما أن الوالدين لا يحق لهما أن يَمنعا الولد من الصلاة المكتوبة، فكذلك حج الفريضة.
المطلب الثاني: إِذْن الوالدين في حج النافلة:
للأبوين منع ولدهما من الحج التطوع؛ لأن طاعة الوالدين واجبة، والحج نافلة، فيُقَدَّم الواجب. ولأنه يَلزم طاعة الوالدين في غير معصية، ولو كانا فاسقين لعموم الأوامر ببِرهما والإحسان إليهما.
فالحاصل: يجتهد المرء في إرضاء والديه عند إرادة السفر، فإن كان الحج فرضًا فلا يُشترط إذنهما، لكن يسعى لتطييب قلبيهما. وإن كان الحج نفلًا، فيجب أن يَستأذنهما.
وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، كصوم رمضان والصلوات الخَمْس.
وقد أَجْمَع أهل العلم على اشتراط إِذْن الزوج في جواز إحرام المرأة في النفل. وللرجل منع زوجته من الخروج إلى حج التطوع بالاتفاق (٣).
стр. 79
المطلب الثالث: إِذْن صاحب العمل:
العامل لا يخلو أثناء الحج من خَمْس حالات:
الأولى: إذا كان العُرف جاريًا بأن وقت الحج إجازة، فللعامل أن يحج بلا استئذان.
الثانية: للعامل أن يحج في وقت العمل إذا أَذِن له صاحب العمل.
الثالثة: إذا كان العمل مطلوبًا وقت الحج، ولا يمكن تركه لِما يترتب عليه من الإضرار بمصلحة المسلمين أو الإخلال بالأمن، فإنه لا يَجوز له الحج في هذه الحال.
الرابعة: مَنْ أراد حج الفريضة وكان بينهما عقد يُلزِمه بالعمل في أيام الحج، ويَحصل بذَهابه ضرر كبير، فإنه يَستأذن منه، فإِنْ أَذِن له وإلا وجب عليه الوفاء بالعقد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
الخامسة: أن لا يأذن صاحب العمل له بحج الفريضة، ولا يوجد ضرر من تركه العمل، فلا يُشترَط إذنه؛ لأنه إذا كان الوالدان ليس لهما منع الولد المُكلَّف من الحج الواجب، وليس للولد طاعتهما في تركه، فصاحب العمل أَوْلى، ولا سيما والحج من مقاصد العامل في بلد الحرمين.
المبحث العاشر: اختيار الرفيق الصالح:
يُستحب للمرء أن يَطلب رفيقًا نقيًّا تقيًّا، راغبًا في الخير كارهًا للشر، وأن يكون على علم شرعي، وعلى تقوى لله لأن مِثل هذا يُعِينه على طاعة الله سبحانه.
والله أوصى بالإحسان إلى الرفيق في السفر، فقال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وروى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» (١).
ومِن حُسن المُرافَقة: المُوافَقة فيما لا يُخالِف الشرع، فإذا رأى ما يَكره فلا يَنشره (٢).
стр. 80
الفصل الثاني آداب السفر في الطريق للحج والعمرة،
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: استحباب السفر يوم الخميس، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: يُستحَب للمرء أن يكون سفره يوم الخميس، فعن كعب ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ، إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ، إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ (١).
المطلب الثاني: توقيت مَخرج النبي ﷺ من المدينة لحجته:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ (٢).
فخرج رسول الله ﷺ ، لخَمْس بَقِينَ مِنْ ذي القَعْدَة، وأولُ ذي الحجة بلا شك يوم الخميس؛ وذلك لأن الوقوف بعرفة كان يوم الجمعة بلا خلاف.
وقد حَدَث إشكال هنا، ووَجْه الإشكال: أنه لو كان خروجه ﷺ لحجته لخَمْس بَقِينَ مِنْ ذي القَعْدة، لكان خروجه بلا شك يوم الجمعة، وهذا خطأ؛ لأن الجمعة لا تُصَلَّى أربعًا، ففي «الصحيحين»: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
وقد ذَكَر أنس أنهم صَلَّوُا الظُّهر معه ﷺ بالمدينة أربعًا (٣).
ولذا رَجَّح ابن حزم أن مَخرج النبي ﷺ لحجته يوم الخميس. واستَدل بحديث كعب ابن مالك … وَبَطَلَ خُرُوجُهُ ﵇ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَارِجًا مِنَ
وعلى المرأة في السفر أن تَخفض صوتها؛ لئلا تَفتن مَنْ حولها من الرجال، وتَلتزم السَّتر والعفاف، وتتجنب مخالطة الرجال، وتَحرص على حجابها وسترها.
المبحث الرابع: عليه أن يَحفظ لسانه من اللغو والرفث والجدال والغِيبة ؛
لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ويَستحضر عظمة هذا النسك وما فيه من حِكم وأحكام، ويقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم، فيؤديها بسكينة ووقار، واتباع لرسول الله ﷺ ، محتسبًا في ذلك ما يناله من جَهد ومشقة.
المبحث الخامس: يتخلق بالرفق وحُسْن الخُلُق،
ويَحرص على نفع المسلمين والإحسان إليهم، بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، ويَحرص على اغتنام وقته.
المبحث السادس:
إذا نزل منزلًا قال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (١).
المبحث السابع: عليه أن يُسْرِع عند المرور بديار الظالمين:
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالحِجْرِ، قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ (٢).
المبحث الثامن: أن يَحرص على أداء الصلاة:
ويُستحَب قَصْر الرباعية، وأن يَجمع إذا احتاج إلى ذلك. ويجب على المسلم أن يبتعد عن المعاصي في سفره وحضره، كسماع الأغاني والتدخين … وغير ذلك من المنكرات.
стр. 83
الفصل الثالث آداب عند الرجوع من السفر للحج والعمرة
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: السُّنة إذا قضى حاجته أن يُعجِّل الرحلة إلى أهله ؛
لعموم قول النبي ﷺ : «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» (١).
المبحث الثاني: يُستحب للمسافر أن يُخْبِر أهله بموعد قدومه:
لِما ورد في «الصحيحين»: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ، أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقًا (٢).
المبحث الثالث: إذا دخل البلد فالسُّنة أن يَبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين:
لحديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ (٣).
стр. 84
المبحث الرابع: يُستحَب لمن رجع من الحج وغيره أن يقول ما ثَبَتَ:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ (١).
فينبغي له أن يَشكر الله تعالى على توفيقه لهذه العبادة، وأن يَسأل الله قَبولها، ويَحرص أن يكون بعيدًا عن الأعمال السيئة بعد أن مَنَّ الله عليه بأداء هذا الركن العظيم.
وقد ورد في الباب عن ابن عمر قال: جَاءَ غُلَامٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ. قَالَ: فَمَشَى مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «يَا غُلَامُ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ، وَكَفَاكَ الْهَمَّ» فَلَمَّا رَجَعَ الْغُلَامُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: «يَا غُلَامُ، قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ، وَكَفَّرَ ذَنْبَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ» (٢).
المبحث الخامس: استحباب تقديم الطعام عند القدوم من السفر:
روى البخاري: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً (٣).
* * *
стр. 85
الباب الرابع المواقيت
وفيه تمهيد وثلاثة فصول
تمهيد: تعريف المواقيت.
الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية.
الفصل الثاني: المواقيت المكانية.
الفصل الثالث: حُكْم التقدم بالإحرام أو مجاوزته بلا إحرام.
стр. 86
تمهيد: تعريف المواقيت
المواقيت: هي مواضع وأزمنة مُعيَّنة لعبادة مخصوصة (١).
ومواضع الإحرام: المواقيت المكانية.
وأزمنة النسك: المواقيت الزمانية (أَشْهُر الحج).
الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أَشْهُر الحج:
أَجْمَع العلماء على أن شَوَّالًا وذا القعدة وتِسعًا من ذي الحجة وَقْت للإحرام بالحج (٢).
واختلفوا في تمام ذي الحجة، هل هو مِنْ أشهر الحج أم لا؟ على أربعة أقوال:
القول الأول: أن أَشْهُر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو مذهب المالكية والشافعي في القديم (٣).
واستدلوا بعموم القرآن والسُّنة والمأثور والمعقول:
أما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وَجْه الدلالة: أن الآية عَبَّرَتْ بالجَمْع (أَشْهُر) وأقل الجَمْع ثلاث، فلا بد من دخول ذي
стр. 87
الحجة بكماله (١).
واعتُرض عليه بأن العرب تُعَبِّر عن اثنين وبعض الثالث بلفظ الجَمْع ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به الطُّهر، فإذا طَلَّقَها في بقية طُهر، حُسِبَتْ تلك البقية قُرْءًا (٢).
وأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]: «شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ» (٣).
وأما المأثور، فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قَالَ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ (٤).
وأما المعقول، فقالوا: إِنَّ طَوَافَ الإِفَاضَةِ- وَهُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ- يُعْمَلُ فِي ذِي الْحِجَّةِ كُلِّهِ، بِلَا خِلَافٍ مِنْهُمْ؛ فَصَحَّ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ (٥).
القول الثاني: أن أَشْهُر الحج: شَوَّال وذو القعدة وعَشْر من ذي الحجة. وهو مذهب الحنفية والحنابلة (٦).
стр. 88
واستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول:
أما السُّنة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ، فِي الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، وَقَالَ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ» (١).
وَجْه الدلالة: أنه كيف يكون يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، وليس من أشهر الحج؟!
وأما المأثور، فعن ابن مسعود ﵁ قال عن قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (٢).
وعن ابن عباس قال: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (٣).
стр. 89
وأما المعقول، فاستدلوا بأن يوم النحر هو منتهى أشهر الحج، حيث إن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، وفيه يُؤدَّى ركن الحج وهو طواف الإفاضة، وكثير من أفعال الحج.
ونوقش بأن رمي الجمرات والمبيت بمِنًى يكونان في أيام التشريق، فكيف تكون أعمال الحج في غير أشهر الحج؟!
القول الثالث: ذهب الشافعية في المشهور إلى أن أشهر الحج تَبدأ بشوال، وتنتهي بفجر يوم النحر، فلا يَدخل نهار العاشر من ذي الحجة في أشهر الحج (١).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ولا يمكن الإحرام بالحج بعد طلوع فجر يوم النحر.
القول الرابع: أن أَشْهُر الحج تَبدأ بشوال، وتنتهي بغروب شمس يوم عرفة. ومعناه عدم مشروعية الإحرام بالحج ليلة يوم النحر. وهو قول للشافعية (٢).
ونوقش بأنه قول شاذ لا يُلتفت إليه، وقد أَجْمَع أهل العلم على أن مَنْ أَحْرَم ليلة العيد ووقف بعرفة قبل فجر يوم العيد، فقد تم حجه.
والحاصل: أنه لا بد أن يُفَرَّق بين أمرين:
الأول: أنه لا يمكن الإحرام بالحج بعد فجر يوم النحر، بالنص والإجماع.
الثاني: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فعموم هذا اللفظ يشمل الأشهر الثلاثة، ولم يقل: (في أَشْهُر معلومات).
стр. 90
المبحث الثاني: حُكْم الإحرام قبل أشهر الحج:
اختَلف العلماء فيمن مر بميقاته وأحرم في آخِر يوم من رمضان، وطاف وسَعَى في أول ليلة من شَوَّال، فأدى بعض عمرته في رمضان، والبعض الآخَر في شَوَّال، ثم أقام في مكة ثم حج من عامه، هل يصير متمتعًا أم مُفرِدًا؟
اختَلف أهل العلم في الإحرام بالحج قبل أشهره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يصير مُفرِدًا؛ لأنه لا يَنعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فإِنْ أَحْرَم بالحج مُفرِدًا انعَقَد إحرامه عُمْرة. وهذا قول للمالكية ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
واستدلوا بالكتاب والمأثور والقياس:
أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وأما المأثور، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا يُحْرَمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (٢).
وأما القياس، فقاسوا وقت الحج على وقت الصلاة، فكما أنها لا تجزئ قبل وقتها فكذا الحج؛ لأن الإحرام نُسُك من مناسك الحج، فكان موقتًا كالوقوف والطواف (٣).
القول الثاني: أن مَنْ مر بميقاته، وأَحْرَم بعمرة في آخِر يوم من رمضان، وطاف وسَعَى في أول ليلة من شَوَّال، ثم أقام في مكة ثم حج من عامه، صار متمتعًا؛ لأن عمرته معتبرة في الشهر الذي حل فيه، فيصح الإحرام بالحج، وينعقد قبل أشهر الحج، إذا كان التحلل في أشهر الحج. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، والحنابلة (٤).
واستدلوا بالمأثور والقياس:
أما المأثور، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَا يُحْرَمُ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ؛ فَإِنَّ مِنْ
стр. 91
سُنَّةِ الحَجِّ أَنْ يُحْرَمَ بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ (١).
واعتُرض عليه بأنه ليس المراد بالسُّنة هنا السُّنة الاصطلاحية.
وأما القياس، فهو أن التوقيت ضربان: توقيت مكان وزمان، وقد ثَبَتَ أنه لو تَقَدَّم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا لو تَقَدَّم على ميقات الزمان. وأَن الإحرام شَرْط، فيَجوز قبل الوقت، كالطهارة وسَتْر العورة للصلاة (٢).
واعتُرض عليه بأنه لا قياس مع النص.
القول الثالث: أنه يُنْظَر في اعتبار العمرة، وهو الإتيان بالطواف، فإذا طاف المُعتمِر أربعة أشواط في أَشهُر الحج، وحَجَّ مِنْ عامه ذلك، كان مُتمتِّعًا؛ لأن الأكثر يقوم مَقام الكُل (٣)
والراجح: أنه لا يَنعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فإِنْ أَحْرَم بالحج انعقد إحرامه عُمْرَة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قالوا: وتقديره: (وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) لأنه لا يَجوز حَمْل الآية على أن المراد أفعال الحج؛ لأن الأفعال لا تكون في أَشهُر، وإنما تَكُون في أيام معدودة. ولو كان يَجوز الإحرام للحج في سائر شهور السَّنة، لم يكن للآية فائدة. وقياس وقت الحج على وقت الصلاة، فكما أنها لا تجزئ قبل وقتها، فكذا الحج. ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان موقتًا كالوقوف والطواف (٤).
* * *
стр. 92
الفصل الثاني المواقيت المكانية
أصناف الناس باعتبار موضع الإحرام ثلاثة:
الصنف الأول: الآفاقي.
الصنف الثاني: الميقاتي.
الصنف الثالث: المكي.
стр. 93
الصنف الأول: الآفاقي
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد: تعريف الآفاقي: هو مَنْ كان منزله خارج منطقة المواقيت.
المبحث الأول: مواقيت الآفاقي:
تتنوع مواقيت الآفاق باعتبار جهتها من الحرم؛ فلكل جهة ميقات مُعيَّن. ويَرجع كلام أهل العلم في المواقيت إلى خمسة مواقيت:
الميقات الأول: ذو الحُلَيْفة: تصغير الحلفاء، نَبْت معروف يَنبت بتلك المنطقة، وسُمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته فيه. وهو ميقات أهل المدينة ومَن مر بها.
وهو موضع معروف جنوب غرب المدينة، في أول طريق المدينة إلى مكة، بينه وبين المسجد النبوي نحو (١٣) كيلو مترًا، وبينه بين مكة (٤٢٠) كيلو مترًا تقريبًا، فهو أبعد المواقيت عن مكة. وتُسَمَّى الآن (أبيار علي) (١) ومنها أَحْرَم رسول الله ﷺ لحجة الوداع.
الميقات الثاني: الجُحْفة: سُمِّي بها لأن قومًا نزلوا فيها، فأَجْحَفَهم السَّيْل، أي: استأصلهم، فلما جَحَفها السيل سُميت الجُحفة.
وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة، تُعْرَف ب (المقابر)، وبها (مسجد ميقات الجُحفة)، ويَبعد عن المسجد الحرام (١٨٧) كيلو مترًا تقريبًا، وهي التي دعا النبي ﷺ أن يُنْقَل إليها حُمَّى المدينة، وكانت ميقاتًا لأهل مصر والمغرب، من طريق البَر عَبْر قناة السويس، والآن
стр. 94
أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات.
وقد عادت الجُحفة في الوقت الحاضر ميقاتًا، وهُيئت للإحرام منها، ويمر بها الطريق الساحلي الغربي السريع، وبها (مسجد ميقات الجُحفة) بَنَتْه السعودية عام (١٤٠٦) ويقع بين مدينتي ينبع وجدة. وأما الإحرام من (رابغ) فيكاد أن يكون اندرس الآن (١).
الميقات الثالث: قَرْن المنازل (٢) وهو أقرب المواقيت إلى مكة، ويُسَمَّى الآن ب (السيل الكبير) ويُحْرِم الناس من مسجد ميقات السيل، وبينه وبين مكة (٧٨) كيلو مترًا تقريبًا، وهو ميقات لأهل نجد والطائف، وحُجاج الشرق من أهل الخليج وإيران.
الميقات الرابع: يَلَمْلَمُ، وهناك مسجدان لميقات يلملم:
الأول: مسجد للميقات بالسَّعدية، يُنسَب إلى معاذ بن جبل، وقد كان الطريق القديم يمر بها، وهي قرية فيها بئر السَّعْدية، وتَبعد عن مكة المكرمة (٩٢) كيلو مترًا.
الثاني: لما سَفلتت الحكومة الطريق الجديد بين مكة وجازان، مرورًا بالليث، انحرف الطريق عن موقع الميقات القديم، فوَضَعَتْ مكانًا للإحرام من الطريق الجديد، ويمر بوادي يلملم. وبين مسجد يلملم الآن والمسجد الحرام (١٣٠) كيلو مترًا تقريبًا.
ويُحْرِم من يلملم: حُجاج اليمن، وإندونيسيا وماليزيا والصين والهند … وغيرهم من حُجاج جنوب آسيا. والآن أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات (٣).
هذه الأربعة مُجْمَع على أن رسول الله ﷺ وَقَّتها، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ (٤).
стр. 95
قال ابن المنذر: وأَجْمَعوا على ما ثَبَتَ به الخبر عن النبي ﷺ في المواقيت (١).
الميقات الخامس: ذات عِرق، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف ذات عِرق:
هو وادٍ بين جبال، في وَسَطه جبل صغير، وسُمي ذات عِرق لأجله، وهو المسمى الآن: (الضريبة) وهي ميقات أهل العراق وسائر أهل المشرق، ويَبعد عن مكة المكرمة نحو (١٠٠) كيلو متر، وقد خربت.
المطلب الثاني: هل وَقَّته رسول الله ﷺ ؟ أم وَقَّته عمر ﵁ -؟
روى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا! قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ (٢).
فظاهر حديث ابن عمر ﵄: أن عمر هو الذي وَقَّت ذات عِرق باجتهاد منه.
ولكن يُشكل على حديث ابن عمر أنه ورد في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ هو الذي وَقَّت ذات عِرق لأهل العراق، كباقي المواقيت الأربعة.
فقد رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵄ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ- أَحْسَبُهُ رَفَعه إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ-: « … وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ … » (٣).
стр. 96
_________
= «الأنوار الكاشفة» (ص: ٢٩).
وقد رُوي الحديث من طرق عن أبي الزبير عن جابر، برفعه غير مشكوك فيه.
فرواه ابن لَهيعة قال: ثنا أبو الزبير، به. عند أحمد (١٤٦١٥) وابن لَهيعة مع ضعفه، فروايته عن أبي الزبير عن جابر ضَعَّفها ابن مَعِين. في «تاريخ ابن مَعِين» رواية الدارمي (ص: ١٤١).
ورواه إبراهيم الخُوزِي- وهو متروك- عن أبي الزبير، مجزومًا برفعه عند ابن ماجه (٢٩٢٧).
ورُوي الحديث عن جابر من غير طريق أبي الزبير مجزومًا برفعه، ومدار هذه الروايات على حَجَّاج بن أرطأة، واختُلف عليه من وجوه:
فرواه مرة عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِر. أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦٢٦).
ورواه مرة ثانية: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. أخرجه أحمد (٦٦٩٧).
ورواه مرة ثالثة: عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ. ذَكَره ابن حجر في «الدراية» (٢/ ٥).
فالحاصل: أن مدار هذا الطريق على حَجاج، ومع ضعفه اضطرب فيه. «نَصْب الراية» (٣/ ١٤).
والصحيح: هو رواية ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر، التي وقع الشك في رفعها.
ولهذا الحديث شواهد:
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. أخرجه النَّسَائي (٢٦٧٣) من طرق عن هشام بن بَهْرَام قال: حدثنا المُعَافَى، عن أَفْلَحَ بن حُمَيد، عن القاسم، عن عائشة، به.
وظاهر هذا الإسناد الصحة، ولكن جملة (وَلِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) منكرة، أَنْكَرها الإمام أحمد على أفلح بن حُميد، وهو وإن كان ثقة لكنه انفرد بهذه الزيادة المنكرة (ذات عِرق) والتي خالف فيها الثقات. «الكامل» (٢/ ٣٤٦) وأَنْكَرها الإمام مسلم على هشام بن بَهْرَام، فقال: وهو شيخ، ولا يُقَرّ الحديث بمِثله إذا تفرد. «التمييز» لمسلم (ص: ٢١٥).
٢ - شاهد الحارث بن عمرو، عند أبي داود (١٧٣٦) وفي إسناده عُتْبَة بن عبد الملك، مجهول.
٣ - شاهد ابن عباس عند البزار (٥١٨١) وفي إسناده مُسْلِم بن خالد. وقد أنكره البزار بتفرده به.
٤ - شاهد أنس عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٥٢٨) وفيه هلال بن زيد، وهو منكر الحديث.
٥، ٦ - وله شاهد عن ابن عمر وابن عمرو، وكلاهما ضعيف.
وقد وردت مراسيل تَشهد لهذا المعنى عن عروة وعطاء ومكحول وقتادة.
فالحاصل: أن كل هذه الأحاديث فيها ضعف بَيِّن، ولا تتقوى ببعضها، ولا سيما وأحاديث المواقيت مشهورة عن عدد من الصحابة،، وليس فيها مُهَلّ أهل العراق، وإن كان صححه: البغوي في «شرح السُّنة» (٧/ ٣٨)، والعراقي في «طرح التثريب» (٥/ ١١)، وابن الطبري في «القرى» (ص: ١٠١)، وابن تيمية في «شرح العمدة» (١/ ٣٠٥)، والحافظ في «فتح الباري» (٣/ ٣٩٠).
ولكن هذا مُتعقَّب بمن ضعفوه من النقاد: كالإمام مسلم، كما في «التمييز» (ص: ٢١٤)، والشافعي في «الأم» (٣/ ٣٤١)، وأبي داود في «مثير العزم الساكن» (١/ ١٩٦)، والدارقطني في «الإلزامات» (٣٢٢).
وقال ابن خُزيمة: رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا. «فتح الباري» (٣/ ٣٩٠).
وقال البغوي: وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُمْ شَيْئًا. «شرح السُّنة» (٧/ ٣٩).
وقال النووي: حديث جابر غير ثابت لعدم جزمه برفعه. «شرح مسلم» (٨/ ٨١).
وكذا ضَعَّفه البيهقي في «السُّنن» (٩/ ٣٧٢)، وابن الجوزي في «كشف المُشْكِل» (١/ ١٠٥)، والخَطَّابي في «معالم السُّنن» (٢/ ١٥٩)، وابن العربي في «القبس» (٢/ ٥٥٥).
стр. 97
والراجح: أن عمر ﵁ هو الذي وَقَّت (ذات عِرق) لأهل العراق. ولم يصح أن رسول الله ﷺ هو الذي وَقَّت (ذات عِرق) لأهل العراق.
المطلب الثالث: ميقات أهل العراق:
أَجْمَعَ العلماء على أن (ذات عِرق) ميقات أهل العراق (١).
واختلفوا في المكان الذي يُستحب أن يُحْرِم منه مَنْ أتى العراق على قولين:
القول الأول: أن مِيقات العراق (ذات عِرق). وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (٢).
واستدلوا بالسُّنة والمأثور والإجماع والمعقول:
أما السُّنة، فعن جابر مرفوعًا: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ».
وأما المأثور، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
وأما الإجماع، فقال الحَطَّاب: وَإِجْمَاعِ النَّاسِ عَلَى مَا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁.
وأما المعقول، فَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ إذَا جَاوَزُوا الْعَقِيقَ وَأَحْرَمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، فَإِنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كَانَ الْعَقِيقُ مِيقَاتًا لَهُمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ (٣).
القول الثاني: استحباب الإحرام من العقيق لأهل المشرق. وهذا مذهب الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض المالكية (٤).
стр. 98
واستدلوا بالسُّنة والمأثور:
أما السُّنة، فعن ابن عباس قال: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ (١).
وأما المأثور، فعن أنس ﵁ أنه كان يُحْرِم من العقيق (٢).
قال ابن عبد البر: الْعَقِيقُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ.
والراجح: أن ميقات مَنْ أتى العراق هو (ذات عِرق) لصحة الأدلة.
وقيل: إن الإحرام من العقيق فيه الاحتياط والسلامة من الالتباس ب (ذات عِرق).
المبحث الثاني: مَنْ مر بميقاتين هل يَجُوز له مجاوزة الميقات الأول إلى ميقاتٍ آخَر؟
اتَّفَق العلماء على أن الأصل فيمن يمر بميقاتين أن يُحْرِم من الأول، واختلفوا هل يَجوز له مجاوزة الميقات الأول إلى ميقات آخَر، على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يَجوز لمريد النُّسك أن يتجاوز أول ميقات يمر به إلى ميقات آخَر. مِثل أن يَترك أهلُ المدينة الإحرام من ذي الحُليفة حتى يُحْرِموا من الجُحفة. وهذا مذهب أبي حنيفة في رواية، والشافعية والحنابلة (٣).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ في شأن المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».
وَجْه الدلالة: أن الحديث يدل بعمومه على أن مَنْ مَر بميقات فهو ميقاته، فالشامي مثلًا إذا أتى ذا الحُليفة فهو ميقاته، ويجب عليه أن يُحْرِم منه.
واستدلوا بِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ
стр. 99
بِجَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ.
القول الثاني: لا يَجوز تجاوز أول ميقات مر به إلى ميقات آخَر، إلا أهل مصر والشام إذا مروا بذي الحُليفة، فيَجوز أن يُؤخِّروا الإحرام إلى الجُحفة؛ لأنهم يؤخرون الإحرام إلى ميقاتهم الأصلي، بخلاف غيرهم. وهو مذهب المالكية، ووَجْه عند الحنابلة (١).
القول الثالث: يَجوز تَجاوُز أول ميقات مر به إلى ميقات آخَر. وهو قول الحنفية (٢).
والراجح: أنه لا يَجوز لمريد النُّسُك أن يتجاوز أول ميقات يمر به إلى ميقات آخَر؛ لعموم قول النبي ﷺ في شأن المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».
فمَن مر بميقات فهو ميقاته، فالشامي مثلًا إذا أتى ذا الحُليفة فهو ميقاته، ويجب عليه أن يُحْرِم منه لأنه ميقاته في هذه الحالة.
* * *
стр. 100
الصنف الثاني: الميقاتي
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الميقاتي: هو مَنْ كان يَسكن بين المواقيت والحَرَم. فإنهم خارج حدود الحرم ودون الميقات، كأهل جدة وعُسْفان وبحرة.
المطلب الثاني: موضع إحرام الميقاتي: مَنْ كان ساكنًا أو نازلًا بين المواقيت والحَرَم، فإن ميقاته موضعه، أي: مَنْ كان دون المواقيت كأهل جدة، وقَصَد النُّسك، فيجب عليه الإحرام من منزله، عند عامة أهل العلم.
وذلك لحديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في حديث المواقيت: «ومَن كان دون ذلك، فمِن حيث أَنْشَأَ» وفي رواية: «فمَن كان دونهن فمِن أهله» فهذا صريح في أن مَنْ كان مسكنه بين مكة والميقات كأهل جدة، فميقاته مسكنه، ولا يَجوز له مجاوزة مسكنه بغير إحرام (١).
المطلب الثالث: مجاوزة إحرام الميقاتي: مَنْ كان ساكنًا أو نازلًا بين المواقيت والحَرَم، فإن ميقاته موضعه، فإِنْ جاوزه أَثِم ووجب عليه الدم، فإن عاد إليه سقط الدم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
المطلب الرابع: مَنْ كان دون المواقيت كجدة، فذهب إلى مكة لقصد غير الحج، ثم طرأ له أن يحج، فإنه يُحْرِم من المكان الذي طرأ له فيه قصد النُّسك ؛ لعموم قول النبي ﷺ : «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» أي: مِنْ حيث أنشأ السفر مريدًا للنُّسُك. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والمشهور عن الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٢).
وذهب الشافعية في رواية، والحنابلة في رواية إلى أنه يَلزمه الرجوع إلى منزله.
والراجح: أنه يُحْرِم من حيث طرأت له نية الإحرام، ولا يَلزمه الخروج إلى الحِل.
стр. 101
الصنف الثالث: المكي (أهل مكة أو أهل الحَرَم)
وفيه مطلبان:
المطلب الأول، ميقات المكي للعمرة هو الحِل:
اتَّفق أهل العلم على أن مَنْ أراد أن يعتمر من مكة، فإنه يُحْرِم من الحِل؛ وذلك لِما ورد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (١).
ولو كان الإهلال من مكة بالعمرة سائغًا، لأَمَرها ﷺ بالإهلال من مكة.
ولكن يُشْكِل عليه حديث ابن عباس قال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ (٢). فظاهره يدل على أن أهل مكة يُهِلون من مكة للحج والعمرة (٣).
стр. 102
واعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن حديث ابن عباس الذي فيه: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» أي: في الحج. وحديث عائشة أن النبي ﷺ أَمَر عبد الرحمن أن يُعْمِرها من التنعيم، أي: مِنْ أدنى الحِل- خاص بالعمرة.
وقد نَقَل ابن قُدامة الإجماع على ذلك، فقال: مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مِيقَاتُهُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِنَ الْحِلِّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (١).
الوجه الثاني للتفريق بين الحج والعمرة: ما ذَكَره ابن عبد البر: وَلَيْسَ الحَاجُّ كَالْمُعْتَمِرِ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَأَمَرُوا الْمُعْتَمِرَ الْمَكِّيَّ أَوْ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ تَنْقَضِي بِطَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَالْحَاجُّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَرَفَةَ وَهِيَ حِلٌّ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيُهِلَّ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُعْتَمِرِ (٢).
المطلب الثاني: اختَلف العلماء في أي جهات الحِل أفضل للمعتمرين من مكة، على أربعة أقوال:
القول الأول: أن جهات الحِل مستوية في الفضل. وهو قول للحنفية والحنابلة (٣).
واستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة ﵂: فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» (٤).
وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَمَر عبدَ الرحمن أن يَخرج بعائشة من الحرم إلى الحِل حتى تُهِل بالعمرة، فدل على أن التنعيم غير مقصود.
القول الثاني: أن الاعتمار من التنعيم أفضل من سائر الحِل. وهو مذهب الحنفية،
стр. 103
والصحيح عند الحنابلة (١).
فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (٢). فالنبي ﷺ اختار التنعيم لإهلال عائشة، ولو كان غيره أفضل منه لأَمَرها أن تُهِل منه.
ونوقش بأنه يحتمل أن النبي ﷺ أَمَر عائشة بذلك؛ لأنه أقرب الحِل إليها.
القول الثالث: قَالَ مَالِكٌ: لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً. وهذا القول شاذ (٣).
القول الرابع: أن الأفضل الإحرام من الجِعْرَانة، ثم يليها في الفضل التنعيم. وهو قول للمالكية، وقول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤).
فعن أنس قال: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ (٥).
قال الحَطَّاب: وَأَفْضَلُ جِهَاتِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ مِنْهَا وَلِبُعْدِهَا، ثُمَّ يَلِيهَا فِي الْفَضْلِ التَّنْعِيمُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا (٦).
والراجح: أن جهات الحِل كلها سواء. وأما إحرام النبي ﷺ من الجِعْرَانة، وأَمْره ﷺ لعائشة أن تَعْتَمِر من التنعيم؛ فلأنه أقرب الحِل إليها. فالأفضل للمُحْرِم هو الأيسر.
* * *
стр. 104
الفصل الثالث الإحرام من الميقات:
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: حُكم الإحرام من الميقات لمَن مَرَّ به قاصدًا النُّسك:
المبحث الثاني: محاذاة الميقات. وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات.
المطلب الثاني: هل يمكن اعتبار جدة ميقاتًا مكانيًّا للحُجاج القادمين إليها عن طريق
الجو أو البر أو البحر؟
المطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فماذا يَفعل؟
المطلب الرابع: الحيض والنفاس لا يَمنعان إحرام المرأة من الميقات.
المبحث الثالث- حُكْم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية- جائز
المطلب الثاني: مَنْ سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعَيَّن، برًّا كان أو بحرًا أو جوًّا،
فاشتبه عليه ما يحاذي المواقيت، ولم يجد مَنْ يرشده إلى المحاذاة.
المبحث الرابع: مجاوزة الميقات. وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مَنْ تَجاوَز الميقات بغير إحرام، ولم يَرجع للإحرام من الميقات.
المطلب الثاني: مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه.
المطلب الثالث: مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات، فهل يَسقط عنه الدم؟
المطلب الرابع: مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، ولم يَرجع لأنه لم يَحمل تصريحًا؟
المبحث الخامس: حُكْم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة؛ لحاجة غير النسك.
стр. 105
المبحث الأول: حُكم الإحرام من الميقات لمَن مَرَّ به قاصدًا النُّسك:
يجب الإحرام من الميقات لمن مر به قاصدًا النُّسُك، بالسُّنة والإجماع.
أما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … ».
وقد وَقَّتَ النبي ﷺ المواقيت، فقال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».
وفائدة التأقيت: المنع من تأخير الإحرام عنها.
وأما الإجماع، فقد نُقِل الإجماع على تحريم مجاوزة الميقات دون إحرام، إذا كان قاصدًا النُّسك (١).
المبحث الثاني: محاذاة الميقات، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات:
فمَن سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعَيَّن، بَرًّا كان أو بحرًا أو جوًّا، اجتَهد وأحرم إذا حاذى ميقاتًا من المواقيت. وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (٢).
المطلب الثاني: هل يمكن اعتبار جدة ميقاتًا مكانيًّا للحُجاج القادمين إليها عن طريق الجو أو البر أو البحر؟
اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: أن جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لأحد أن يتجاوز ميقاته ويُحْرِم من جدة. وبه صَدَرَتْ فتوى اللجنة الدائمة، وقرار هيئة كبار العلماء، والمَجْمَع الفقهي (٣).
стр. 106
واستدلوا بدليلين من السُّنة:
الدليل الأول: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ».
دل الحديث على وجوب إحرام مَنْ مَرَّ بهذه المواقيت.
وعدم جواز تأخير الإحرام إلى جدة من أربعة أوجه:
الأول: قوله: «وَقَّتَ» معناه أنه لا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها، جوًّا كان أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزها من غير إحرام.
الثاني: في قوله: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» أن مَنْ كان دون المواقيت لا يَجوز أن يجاوز مكانه دون إحرام، فكيف بمن هو قبل المواقيت؟!
الثالث: أن هذه المواقيت محيطة بالحَرَم من جميع الجهات، فدل على أن ذلك يشمل كل مَنْ مر عليها أو حاذاها بَرًّا أو بحرًا أو جوًّا. ولو كان هناك ميقات آخَر لبَيَّنه النبي ﷺ ؛ إذ لم يَمُتْ حتى اكتمل الدين وتَمَّتِ النعمة.
الرابع: أن اللغة والعُرْف يُقِران أن مَنْ مَر بطائرة أو سفينة فهو قد مر بالميقات؛ لأنه لا يخلو أن يُسامته ويحاذيه من الأعلى أو يمر فوقه، ومن المعلوم أن الهواء تابع للقرار.
الدليل الثاني: ما رواه ابن عُمَر ﵄ قال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
وَجْه الدلالة: «فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ» فهذا يدل على أن المار بالطائرة والسفينة يُحْرِم إذا حاذى الميقات، وجدة ليست ميقاتًا، وليست محاذية لأحد المواقيت (١).
القول الثاني: تُعَد جدة ميقاتًا مكانيًّا لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر، من طريق اليمن خاصة، كأهل الهند وباكستان، فيَجوز لهم تأخير الإحرام حتى يصلوا إليها. وبه قال
стр. 107
ابن حجر الهيتمي، وبعض أهل العلم (١).
واستدلوا بالقياس، فالمسافة بين يَلَمْلَم ومكة تساوي المسافة من جدة إلى مكة.
واعتُرض عليه بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن المسافة من مكة إلى يَلَمْلَم أبعد من المسافة التي بين جدة ومكة. ولو صح فليس بدليل؛ لأنه ليس بُعد مسافات جميع المواقيت واحدًا. ولو صح هذا القياس، فلا قياس مع النص، والمواقيت توقيفية (٢).
القول الثالث: أن جدة ميقات مكاني لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر (٣).
واستدلوا بأن النبي ﷺ عَيَّن المواقيت المذكورة؛ لأنها كانت طريق الحُجاج القادمين من جهات شتى، ولو كان الرسول ﷺ حيًّا لجَعَل جدة ميقاتًا لكثرة القادمين إليها.
ونوقش بأن هذه المواقيت محيطة بالحَرَم، وكان الناس في عهده ﷺ يَسلكون طريق البحر بالسفن، فدل على أن ذلك يشمل كل مَنْ مر بها أو حاذاها، بَرًّا كان أو بحرًا أو جوًّا. ولو كان هناك ميقات آخَر كجدة، لبَيَّنه النبي ﷺ إذ لم يَمُت حتى اكتمل الدين.
واستدلوا بأن عمر ﵁ لما رأى مشقة ذَهاب أهل العراق إلى قَرْن المنازل، حَدَّد (ذات عِرق) وكذلك الآن، لو رأى عمر جدة وقد صارت طريقًا لركاب الجو والبحر، لجَعَلها ميقاتًا مكانيًّا.
واعتُرض عليه بأن عمر ﵁ لم يُحْدِث ميقاتًا جديدًا، بل إن قوله بيان للمحاذاة ولذا قال: «انظروا حذوها من طريقكم. فحَدَّ لهم ذات عِرق» وهذا يدل على أنه لا يَجوز لمن حاذى ميقاتًا - جوًّا أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزه من غير إحرام.
ثم ما المشقة في الاستعداد للإحرام قبل الإقلاع، بلُبس الإحرام قبل ركوب الطائرة في المطار، مع ما حصل في عصرنا من ضبط دقيق لأماكن المواقيت ومواضع محاذاتها،
стр. 108
والإعلان عنها بمكبرات الصوت، فيَسمعها كل حاج، فيقول عند ذلك: لبيك حجًّا.
القول الرابع: إن كان القادم إلى جدة جوًّا أو بحرًا لا يمر بميقات قبلها ولا يحاذيه، جاز له أن يُحْرِم من جدة، كالقادم من سواكن وبُور سودان من بلاد السودان. وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وابن باز (١).
والراجح: هو ما ذهب إليه جماهير العلماء، من أن جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها، جوًّا أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزه من غير إحرام، كما تَشهد لذلك الأدلة، وكما قرره أهل العلم.
المطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فليس له أن يؤخر إحرامه إلى جدة، بل الواجب عليه أن يُحْرِم من الميقات في قميصه الذي عليه، أو يُحْرِم في السراويل، وعليه كشف رأسه. فإذا وصل إلى جدة اشترى إحرامًا ولَبِسه، وعليه بسبب لُبسه القميص كفارة، وهي إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام أو ذَبْح شاة. وهذا قرار المَجْمَع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢).
المطلب الرابع: الحيض والنفاس لا يَمنعان إحرام المرأة من الميقات:
لا يَجوز للنُّفَسَاء التي تريد الحج أو العمرة مجاوزة الميقات بلا إحرام، فتُحْرِم بالحج والعمرة من الميقات، وتَفعل ما تفعله الطاهرات، سوى الطواف. وذلك بالسُّنة والإجماع.
قال جابر: «فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» (٣).
قال ابن رجب: وَفِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ،
стр. 109
وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ (١).
المبحث الثالث: حُكْم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية جائز بالإجماع (٢).
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه جائز مع الكراهة (٣).
واستدلوا للكراهة بالسُّنة والمأثور والمعقول:
أما السُّنة، فإن النبي ﷺ أحرم من الميقات، ولم يُحْرِم من دويرة أهله، وقد تَرَك النبي ﷺ الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه ومضاعفة الصلاة فيه، ولا يَفعل ﷺ إلا الأفضل (٤).
وأما المأثور، فإنكار عمر وعثمان ﵄ الإحرام قبل المواقيت.
فَعَنِ الحَسَنِ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَأَغْلَظَ لَهُ وَقَالَ: يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ؟! (٥).
وَعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيهِ عُثْمَانُ (٦).
وأما المعقول، فلعدم أمنه من محظور، وأن يَتعرض لِما لا يُؤْمَن أن يَحْدُث في إحرامه.
стр. 110
وفيه مشقة، كوصال الصوم، ويُكْرَه أن يُضَيِّق المرءُ على نفسه ما قد وَسَّع الله عليه.
فالحاصل: أن التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية لا يخلو من حالين:
الأول: إن لم يَعْرِف حَذْو الميقات المُقارِب لطريقه احتاط، فأَحْرَم مِنْ بُعْد، بحيث يَتيقن أنه لم يُجاوِز الميقات إلا مُحْرِمًا؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يَجوز، فالاحتياط فِعْلُ ما لا شك فيه. فإن كان في الطائرة ويَعسر عليه محاذاة الميقات، فيَجوز له التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية.
الثاني: إن كان لا يَعسر عليه محاذاة الميقات، ويستطيع أن يَنزل فيُحْرِم من مسجد الميقات، أو يُحْرِم في محاذاة الميقات؛ كُرِه له التقدم بالإحرام قبل الميقات.
المطلب الثاني: مَنْ سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعيَّن، برًّا كان أو بحرًا أو جوًّا، فاشتبه عليه ما يحاذي المواقيت، ولم يجد مَنْ يرشده إلى المحاذاة؛ وجب عليه أن يحتاط ويُحْرِم قبل ذلك بوقت يَغلب على ظنه أنه أَحْرَم فيه قبل المحاذاة. وليس له أن يؤخر الإحرام؛ فالإحرام قبل الميقات جائز ومنعقد، ولا سيما إذا خاف مِنْ تجاوز الميقات. وبهذا صَدَر قرار مَجْمَع الفقه الإسلامي (١).
المبحث الرابع: مجاوزة الميقات، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مَنْ تَجاوَز الميقات بغير إحرام، ولم يرجع للإحرام من الميقات:
اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على أن مَنْ كان مريدًا لنسك الحج أو العمرة، وتَجاوَز الميقات بغير إحرام، فإنه يجب العَوْد إليه والإحرام منه، فإن لم يرجع أَثِم ووجب عليه الدم، وحجه صحيح (٢).
واستدلوا لوجوب الإحرام من الميقات، والإثم بتعمد تركه بما رواه ابن عباس قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟