← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 631–664 · переход к 636.

стр. 631

المبحث الثاني: شروط طواف الوداع: الشرط الأول: أن يكون من أهل الآفاق: وفي مطلبان: المطلب الأول: يُشترَط أن يكون الحاج من أهل الآفاق، فلا يجب طواف الوداع على المكي بالإجماع. ولأن هذا الطواف إما وَجَبَ توديعًا للبيت، وهذا لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في وطنهم (١). المطلب الثاني: يطوف للوداع مَنْ كان منزله قريبًا من مكة: ذهب جمهور العلماء إلى أن طواف الوداع لكل خارج حدود الحرم، كالتنعيم وجدة وغيرهما؛ لقول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٢). الشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس: فيَسقط طواف الوداع عن الحائض إذا حان موعد السفر، وهما كذلك، ولا يجب عليهما دم بتركه، ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» (٣). وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ». قال النووي: هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ، وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ إِلَى طُهْرِهَا لِتَأْتِيَ بِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ (٤).

стр. 632

وقد رُوي عن بعض الصحابة إيجاب طواف الوداع على الحائض، وعليها دم في تركه. وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت … وغيرهم (١). واستدلوا بما رَوى أبو داود: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢). فتصريح الراوي بأن فتوى رسول الله: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِ الحَائِضِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ. ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن حديث الحارث محمول على ما إذا كان في الزمان نَفَس وفي الوقت مُهلة. فأما إذا أعجلها السير، فلها أن تَنفر من غير وداع؛ بدليل خبر صفية (٣). الثاني: أن حديث الحارث منسوخ بالأحاديث المُرخِّصة للحائض بترك طواف الوداع (٤). الثالث: أنه رُوي رجوع زيد وابن عمر إلى القول بسقوط الوداع عن الحائض (٥). والصحيح: أن طواف الوداع يَسقط عن الحائض؛ لثبوت ذلك بالسُّنة الصحيحة. وهل يُلْحَق بالحائض كل معذور يترتب على انتظاره ضرر ومشقة، فيَسقط عنه الوداع؟ الجواب: فيه تفصيل؛ فالمعذور لا يخلو من حالين: الأول: إذا كان يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فلا يَسقط عنه بحال؛ لِما روت أُم سلمة قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فقالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ

стр. 633

وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فأُم سلمة شَكَتْ ولم يَعذرها بشكواها، بل أَمَرها أن تطوف راكبة. الثاني: أن مَنْ لم يستطع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، يَسقط عنه طواف الوداع عند الحنفية وبعض الشافعية (١). فالحاصل: أنه إذا كان يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فلا يَسقط عنه طواف الوداع بحال، وإذا كان لا يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فإنه يَفدي، وهذا أحوط للدين وأبرأ للذمة، والله أعلم. الشرط الثالث: أن يكون طواف الوداع عند وداع الحرم: وفيه مطلبان: المطلب الأول: بداية وقت طواف الوداع: اختَلف أهل العلم في بداية وقت طواف الوداع على قولين: القول الأول: أن وقت طواف الوداع يَبدأ من نهاية أعمال مِنًى، فإذا رمى الحاج في اليوم الثاني عشر إذا كان متعجلًا، أو في اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجل، فإنه يَبدأ طواف الوداع ليكون آخِر عهده بالبيت. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٢). القول الآخَر: ذهب الحنفية إلى أن وقت طواف الوداع يَبدأ بعد طواف الإفاضة إذا كان عَزَم على السفر (٣). ونوقش بأن طواف الوداع يكون بعد انتهاء أعمال الحج ومغادرة الحَرَم؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». المطلب الثاني: حد البقاء بعد طواف الوداع، أو حُكْم مَنْ طاف طواف الوداع ثم مكث بمكة أو اشتغل بتجارة، فهل يعيد الطواف أم لا؟ اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مَنْ طاف طواف الوداع فلا يمكث بعده، فإن مكث بعده أو أقام أعاده، إلا إذا مكث مكثًا يسيرًا لانتظار رفقة أو نحو ذلك. وبه قال صاحبا أبي حنيفة، وهو

стр. 634

مذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». فهذا صريح في أن يكون آخِر عهد الحاج بمكة الطواف، ولا يمكث بعده. ومَن تشاغل كان آخِر عهده ما انشغل به، وما سُمي (طواف الوداع) إلا لأنه إنما وَجَب توديعًا للبيت. القول الثاني: يَجوز للحاج المكث بعد طواف الوداع ما شاء أن يمكث؛ لأن طواف الوداع لوداع النسك لا لوداع مكة، مع أن الأفضل طوافه للوداع. وهذا مذهب الحنفية (٢). ونوقش بأنه لو كان لوداع النسك لا لوداع مكة، لوجب على أهل مكة طواف الوداع. القول الثالث: أنه لا يعاد طواف للوداع إذا لم يَزد عن مُقام يوم وليلة بعد أدائه. وهذا مذهب المالكية (٣). والراجح: أن مَنْ طاف للوداع ثم أقام مدة طويلة عرفًا، فإنه يعيد الطواف؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». وإن أقام مدة يسيرة عرفًا، فإنه لا يعيد طواف الوداع، فيُغتفَر له أن يشتغل بعد طواف الوداع بأسباب السفر، كشراء الزاد، أو حَمْل الأمتعة أو انتظار رفقة … ونحو ذلك ولا يعيده؛ لأنه قد يكون في بعض الأحيان هناك مشقة في الطواف بعد الفجر، فإن طاف الساعة الثانية ليلًا فإنه يَجوز؛ لعدم الحرج والمشقة (٤). المبحث الثالث: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكْم دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة: إذا أَخَّر الحاج طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق وبعد أيام مِنًى، ثم طاف الإفاضة بعد نهاية مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده بعد طواف الإفاضة، فهل يَجوز أن يرجع إلى

стр. 635

بلده، ويكفي طواف الإفاضة عن طواف الوداع أم لا؟ على قولين: القول الأول: يَسقط عنه طواف الوداع؛ وذلك لأن آخِر عهده بالبيت الطواف. وهو مذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ». فإذا كان الحاج أُمِر أن يكون آخِر عهده بالبيت الطواف، وقد فَعَل ما أُمِر به، وقد ودع البيت بعد طواف الإفاضة ورجع إلى بلده، فيسقط عنه طواف الوداع. وأما القياس، فيقاس طواف الوداع على طواف القدوم، بأنه إذا كان طواف القدوم يَسقط عن الحاج المتمتع؛ لأنه انشغل بطواف العمرة، فكذا لا يجب طواف الوداع. القول الآخَر: أن الحاج إذا أَخَّر طواف الإفاضة بعد الانتهاء من مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده، فلا يَرجع إلى بلده حتى يطوف طوافًا آخَر للوداع أو يَجبر ذلك بدم لأنه واجب. وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في رواية (٢). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أي: الطواف، والمراد به هنا طواف الوداع، وليس طواف الإفاضة. ونوقش بأن مَنْ طاف للإفاضة ثم رجع إلى بلده في الحال، فقد فَعَل ما أُمِر به ووَدَّع البيت بالطواف، وإن كان طوافه هو طواف الإفاضة. وأما القياس، فاستدلوا بأنهما عبادتان واجبتان، فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو أن الحاج إذا أَخَّر طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق وبعد الانتهاء من مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده، يَسقط عنه طواف الوداع؛ وذلك لأنه فَعَل ما أُمِر به، وجَعَل آخِر عهده بالبيت الطواف. ولكن ينبغي لمن أراد أن يُدخِل طواف الوداع في طواف الإفاضة- أن تكون نيته عن

стр. 636

طواف الإفاضة أحد أركان الحج المُجْمَع عليها، ولا يَسقط عن الحاج حتى يؤديه. المطلب الثاني: إذا نوى بطوافه الوداع، فهل يجزئه عن طواف الإفاضة؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: إن طاف بِنِية طواف الوداع، ثم أراد أن يَجعل معه طواف الإفاضة، فإن طواف الوداع يجزئه عن طواف الإفاضة. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (١). واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ … قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً» فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ … » (٢). وَجْه الدلالة: أن الصحابة خرجوا في حجة الوداع لا يريدون إلا الحج، وطافوا طواف القدوم وهو سُنة، فقال لهم النبي ﷺ : «اجعلوها عمرة» وطواف العمرة ركن من أركانها. فالشاهد: أن الصحابة طافوا بِنِية طواف القدوم، وأَمَرهم النبي ﷺ أن يُحَوِّلوا هذا الطواف إلى طواف العمرة الذي هو ركن، وقد أجزأ ذلك. فدل ذلك على أن مَنْ طاف للوداع ثم نوى به أن يَجعل معه طواف الإفاضة بعد ذلك، أجزأ عنه. القول الآخَر: أن مَنْ طاف للوداع، ثم أراد بعد ذلك أن يَجعل معه طواف الإفاضة، فإنه لا يجزئه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ولأنه لا يجزئ أن يصلي الرجل النافلة ثم تجزئه عن الفريضة. وبه قال الحنابلة (٣). واعتُرض عليه بأنه طاف ناويًا نُسُك الطواف، ولا يضره تعيين ذلك للإفاضة؛ لأن نية الحج عند الإحرام كافية؛ لأنها تشمل جميع أجزائها، من طواف وسعي ورمي … وغيرها. والراجح: أن نية الحج عند الإحرام كافية؛ لأنها تشمل جميع أجزائها، كالوقوف بعرفة والطواف وغير ذلك؛ لأن نية الحج تَشملها كلها، كما أن نية الصلاة تَشمل جميع أفعالها،

стр. 637

ولا يُحتاج إلى النية في ركوع ولا غَيْره. ولأنه لو وَقَف بعرفة ناسيًا، أجزأه بالإجماع (١). المبحث الرابع: حُكْم مَنْ خرج قبل طواف الوداع: مَنْ خرج من مكة إلى جدة قبل طواف الوداع؛ لزيارة أو لشراء، بنية العودة إلى مكة، فإنه إن رجع وطاف للوداع أجزأه. وأما إن كان من أهل جدة، فلا يجوز له أن يَنفر ويَخرج حتى يطوف للوداع. ومَن خرج خارج المواقيت، كزيارة للمدينة، فلا يحل له أن يَنفر حتى يكون آخِرُ عهده بالبيت الطواف (٢). والدليل: أَنَّ عُمَرَ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ، لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ، حَتَّى وَدَّعَ (٣). فالحاصل: أن مَنْ خرج من مكة قبل الوداع، ويمكنه الرجوع بلا مشقة، فعليه الرجوع ويطوف للوداع ولا دم عليه. ومَن خرج من مكة قبل الوداع ولم يَعُد، فيَلزمه الدم. المبحث الخامس: حُكْم طواف الوداع للعمرة: لا خلاف بين العلماء على أن المُعتمِر إذا طاف وسَعَى وحَلَق، ورجع إلى بلده من فوره، أنه يُجْزئه من طواف الوداع، كما فَعَلَتْ عائشة في عمرتها في حجة الوداع (٤). واختلفوا في حُكم طواف الوداع لمن أقام بمكة أيامًا بعد عمرته على قولين: القول الأول: يُسَن للمُعتمِر طواف الوداع إذا لم يَخرج من فوره، ولا يجب عليه. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (٥).

стр. 638

واستدلوا بالسُّنة والمأثور والقياس: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (١) فدل هذا الحديث على أن طواف الوداع يكون للحُجاج دون غيرهم. واستدلوا بقول النبي ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» (٢). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ عَلَّق طواف الوداع بالحج، فدل على عدم وجوبه في العمرة. وأما دليلهم من المأثور، فعن عمر بن الخطاب قال: «لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ» (٣). وأما دليلهم من القياس، فيقاس طواف الوداع على طواف القدوم، فإنه إذا كان لا يجب على المعتمر طواف القدوم بالإجماع، فكذا لا يجب عليه طواف الوداع. القول الآخَر: أن طواف الوداع واجب على المعتمر إذا فارق مكة ورجع إلى بلده. وهو قول بعض الحنفية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (٤). واستدلوا بقول النبي ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ» (٥).

стр. 639

فهذا صريح في وجوب طواف الوداع على المعتمر. ونوقش بأن لفظة «أَوِ اعْتَمَرَ» منكرة. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». فكلمة (أَحَدٌ) نكرة في سياق النفي، فتعم كل مَنْ خرج، سواء كان من حج أو عمرة. ونوقش بأن هذا مِنْ قَبيل العامّ الذي أريدَ به الخصوص؛ إذ المراد بهذا الخطاب الحجيج، بدلالة الحال؛ لأن النبي ﷺ خاطب الصحابة، وكلهم حُجاج في حجة الوداع. والراجح: عدم وجوب طواف الوداع على المُعتمِر، وإنما هو خاص بالحجيج؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». فإن دلالة سياق الحديث تُبيِّن أن الأمر مقصور على الحجيج؛ إذ المراد بهذا الخطاب الحجيج، بدلالة الحال؛ لأن النبي ﷺ خاطب الصحابة في حجة الوداع، وأنه لم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه طاف للعمرة طواف الوداع؛ إذ مثله مما تتوافر الهمم على نقله. المبحث السادس: فيمن طاف للوداع أول أيام التشريق، ثم عاد إلى مِنًى فبات ورمى الجمار، وسافر لبلده من فوره، ولم يَرجع للحرم، فهل يجزئه ذلك؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يجزئه طواف الوداع إلا بعد الفراغ من جميع أعمال المناسك ومغادرة مكة. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١). القول الآخَر: أنه يُجْزئه طواف للوداع إذا رجع إلى بلده مِنْ مِنًى؛ لأنه طاف للوداع عند مفارقة البيت، ثم مكث بمِنًى خارج مكة ورجع منها إلى بلده. وهو مذهب الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). ونوقش بأنه وَدَّع البيت قبل أن ينتهي من نسكه، ولم يَجعل آخِر عهده بالبيت الطواف.

стр. 640

والراجح: أنه يُشترَط لطواف الوداع أن يكون بعد الفراغ من جميع أعمال المناسك، ويَعقبه الخروج من غير مُكْث، وليس على الحاج بمكة بعد انتهائه من أيام التشريق، الخارج إلى التنعيم- وداع ولا دم؛ لأن النبي ﷺ قال: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» ولم يَرِد أنه ﷺ أَمَر عائشة بطواف الوداع قبل عمرة التنعيم. المبحث السابع: هل صح دعاء مُعَيَّن بعد طواف الوداع؟ لم يصح في هذا الباب حديث، وهذه بعض الآثار في هذا الصدد: فَعَنِ المُهَاجِرِ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الرَّجُلِ يَقْضِي صَلَاتَهُ وَطَوَافَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَيَسْتَقْبِلُ البَيْتَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا اليَهُودَ (١). وَعَنْ عَطَاءِ قَالَ: رَأَى ابْنُ عَمْرٍو ﵄ رَجُلًا خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ: هَكَذَا تَصْنَعُ الْيَهُودُ فِي كَنَائِسِهَا، لِيَدْعُ الرَّجُلُ فِي مَجْلِسِهِ بِمَا شَاءَ، ثُمَّ لِيَقُمْ (٢). والحاصل: أنه لم يَرِد في هذا الباب غير طواف الوداع، وخَيْر الهَدْي هَدْي محمد ﷺ القائل: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ»، ولم يصح عنه ﷺ دعاء مُعَيَّن بعد طواف الوداع، وأما ما يفعله بعض الناس بعد طواف الوداع، وهو أن يسير بظهره، حتى يصل إلى الباب الذي يَخرج منه، فلم يَرِد هذا الفعل عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته.

стр. 641

الباب الثاني والعِشرون: من نوازل الحج وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الحج السريع: وهو أن يتجه الحاج عصرًا إلى عرفة، وبعد المغرب إلى مُزدلِفة، ثم بعد منتصف الليل يتجه إلى منًى ليَرمي جمرة العقبة، ويَحلق ويتحلل، ويتوجه إلى الحَرَم فيطوف ويسعى، جامعًا بين الإفاضة والوداع، ويُنيب مَنْ يقوم عنه برمي الجمرات أيام التشريق. وقد خَصَّصَتْ بعض الشركات التي تقوم بمثل هذا الحج بعضًا من موظفيها؛ لكي ينوبوا عن الحاج فيما يتعين عليه القيام به، من رمي ونحوه. وهذا الفعل فيه استهتار بشعائر الله وتلاعب بأوامره؛ لأن الله أَمَر بإتمام الحج لمن دخل فيه، بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وتمامه لا يَحصل إلا بالإخلاص والمُتابَعة. وأيّ مُتابَعة لمَن تَرَك هذه الواجبات؟! وأي متابعة لمن أضاع رُوح العبادة وثمرتها، وهو الخشوع وحضور القلب في تلك الأماكن، التي تَنزل فيها الرحمات وتُغفَر الخطايا والسيئات؟! وليس الحج للنزهة والفسحة، وإنما الحج عبادة وجهاد يُتعِب فيها نفسه ويُرضِي فيها ربه. ويجب على صاحب هذا الحج: التوبة والاستغفار، ويَلزمه دم لترك المبيت بمِنًى لوجوبه، ودم ثانٍ لرمي الجمار التي وَكَّل فيها؛ لأن توكيل القادر لا يصح ولا تَبرأ به الذمة، ودم ثالث لتَرْك طواف الوداع، ولا يصح أن يَجمع بين طواف الإفاضة و طواف الوداع يوم النحر؛ لوقوع طواف الوداع في غير وقته؛ فبداية وقته في اليوم الثاني عشر؛ لأنه لا يكون إلا بعد انتهاء رمي الجمرات وجميع المناسك (١).

стр. 642

المبحث الثاني: حَمَلات الحج: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف حَمَلات الحج: هي أن يَدفع الحاج مبلغًا من المال؛ مقابل إصدار تأشيرة ومواصلات طيران أو بري، من بلده إلى مكة، ذَهابًا وإيابًا، ومواصلات بين المشاعر ومخيمات في عرفة ومِنًى، وتوفير السكن مدة الإقامة. ونُذكِّر أصحاب الحَمَلات بأنهم إذا أحسنوا القصد بالتيسير على الناس في أداء نسكهم، وقضاء حجهم، وتخفيض الأسعار عليهم، وتطبيق سُنة الرسول ﷺ في المناسك … وغير ذلك من المقاصد الحسنة، فإن الله يَكتب لهم المثوبة والأجر العظيم. المطلب الثاني: مشروعية حَمَلات الحج: إن هذه الحَمَلات بهذه الصورة لم تكن موجودة في عصور السلف، ولكن كان هناك ما يشابه حَمَلات الحُجاج ممن كانوا يَنقلون الحُجاج بالكِرَاء. قال ابن قُدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِجَازَةِ كِرَاءِ الْإِبِلِ إِلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا … وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أَنْ تَحُجَّ وَتُكْرِيَ. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى السَّفَرِ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْحَجَّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَلَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ بَهِيمَةٌ يَمْلِكُهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُعَانَاتِهَا، وَالْقِيَامِ بِهَا وَالشَّدِّ عَلَيْهَا، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى اسْتِئْجَارِهَا، فَجَازَ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ (١). المطلب الثالث: ضوابط الإعلان عن حَمَلات الحج: هناك بعض الضوابط الشرعية التي يجب مراعاتها في الإعلان عن حَمَلات الحج، وهي: الأول: ينبغي أن يُقتصَر في الإعلان عن حَمَلات الحج على ذِكر اسم الحملة،

стр. 643

وموقعها ومزاياها الخدمية. الثاني: ينبغي عدم المتاجرة بوجود بعض طلبة العلم والدعاة في الحملة؛ لأن في ذلك امتهانًا للعلم الذي هو من أعظم القربات. الثالث: يجب أن يتحقق الصدق والأمانة في الإعلان، وأن يُطابِق الإعلانُ الواقعَ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. المطلب الرابع: الحج مع الحملات الباهظة الثمن: الحج مع الحملات الباهظة الثمن يخالف هَدْي النبي ﷺ وأصحابه من ثلاث جهات: الأولى: الإسراف الزائد في المأكل والمشرب، وهذا أمر منهي عنه، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. الثانية: ما يُحْدِثه الحج مع الحملات الباهظة الثمن من التباهي والتفاخر! ومَقام الحج مَقام عبودية وتواضع وإخبات. الثالثة: أن الحج نوع من أنواع الجهاد. والناظر في حال حج تلك الحَمَلات يرى معاني الجهاد التي شُرع الحج من أجلهاضعيفة. المطلب الخامس: اشتراط الضمان البنكي للحملات والإيداع للأشخاص: تَشترط وزارة الحج على الحملات الداخلية والخارجية للمشاركة في موسم الحج، استصدار ضمان بنكي من أي بنك من البنوك المعتمدة، يَعتمد على عدد الحُجاج المُسجَّلين، بدفع مبلغ مُعيَّن لكل حاج، وفائدة الخطاب البنكي أنه بمنزلة التأمين في حال التخلف عن إنجاز ما اتفق عليه، فيُخصَم عليه منه. فالحاصل: أنه يُفرَض على الحَمَلات أن يُودَع في البنك عن كل حاج مبلغ من المال، ولكن المشكلة أن أكثر هذه البنوك ربوية، فما حُكْم ذلك؟ إن استصدار ضمان بنكي أو خطاب لضمان حملات الحج من التلاعب- لا بأس به، إذا لم يأخذ البنك فوائد ربوية، إلا ما يوازي المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان فحَسْب. وأما إيداع مبالغ نقدية لبعض الحُجاج في بنوك ربوية، فمُحَرَّم باتفاق (١).

стр. 644

المبحث الثالث: من حلول الزحام في المناسك: الأول: تنظيم وتفويج الحجيج بين المشاعر: من أسباب الزحام في المناسك ضِيق الطرق التي تَربط بين المشاعر، وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد الهائلة من المركبات، مع صعوبة تنظيم الحركة المرورية فيها. ومن الحلول المطروحة في تخفيف ذلك: تفويج الحُجاج على دفعات عند انطلاقهم من مَشْعَر عرفة إلى مَشْعَر مُزدلِفة، ومن مِنًى إلى مكة. وذلك بترتيب مواعيد انطلاق المركبات تجنبًا لاكتظاظ الطرقات بين المشاعر. ومِن أهم الوسائل التي تَربط بين المشاعر المقدسة، وتُسَهِّل على الحُجاج وصولهم إلى المشاعر- هي القطارات، فينبغي الاهتمام بمحطات القطارات. الثاني: بناء الأبراج السكنية في مِنًى: يَجوز بناء الأبراج في مِنًى، إذا كان مرفقًا عامًّا، وتحت إشراف الجهات المسئولة. الثالث: جواز توسيع دائرة المرمى، مع المحافظة على حوض المرمى: إن مرمى الجمار من المشاعر المقدسة، والمناسك الموروثة التي لا يجوز تغييرها أو تبديلها، وقد حَفِظ الله تعالى آثار نبيه ﷺ ومَعَالم دِينه أن يَتطرق إليها تغيير عما كانت عليه. وبه يُعْلَم أن إطباق الناس على الرمي إلى الجِمار، وعَدَمُ تَعَرُّض الملوك لِما يَمنعهم من ذلك- أَوْضَحُ دليل على أن المَرْمَى الموجود الآن هو الذي كان في زمنه ﷺ . فالأصل في تحديد المشاعر التوقيف، فلا دخل للعقل فيها بزيادة أو نقص أو تغيير عن مواضعها؛ إذ إن تعيين هذه المواضع وتحديدها مِنْ قِبل الشرع، ومواضع رمي الجمار من ذلك، فلا يزاد فيها عما كان عليه الأمر منذ أن جعلها الله مواضع لأداء العبادات التي شُرع أداؤها فيها، وهذا كتحديد أوقات الصلوات الخمس، وتعيين ما لكل صلاة من الوقت،

стр. 645

وكذلك أعداد الصلوات وكلمات الأذان (١). وقد قَرَّر مجلس هيئة كبار العلماء بشأن حوض الجمار بالاتفاق: أنه لا يجوز بناء حوض زائد عن الحوض الموجود حاليًّا، وأن يبقى على ما كان، ومعلوم أن الحصى متى وصل إلى الحوض أجزأ، ولو لم يستقر فيه وتدحرج وسقط خارجه (٢). الثالث: استخدام التِّقْنية الحديثة: من أهم الحلول للزحام في المناسك: الأخذ بوسائل التِّقْنية الحديثة المتطورة، سواء كان ذلك في تخطيط المشاعر، أو تنظيم توافد الحجيج، أو أثناء أداء الحجيج لنسكهم في المواقيت والمشاعر المقدسة والمسجد الحرام، أو في التنقل بينها، من إنشاء وسائل حديثة للنقل كإنشاء قطار يَربط بين المشاعر، أو إنشاء أداة مترو الأنقاق، أو إنشاء القطار المعلق، أو العربات الكهربائية المعلقة. وكل ذلك من شأنه التخفيف من الزحام بين المشاعر، وقد تم تنفيذ جزء من هذا المشروع عام (١٤٣١ هـ) وهو قطار المشاعر، وهو يَربط بين عرفة ومُزدلِفة ومِنًى. ونحن في حاجة إلى مزيد من التِّقْنية الحديثة المتطورة (٣). الرابع: توعية الحُجاج: فمِن أنفع الحلول في تخفيف الزحام توعية الحُجاج بكل ما يتعلق بالمناسك من أحكام شرعية وإجراءات سلوكية، مع تكثيف المرشدين والموجهين من الأَكْفاء. ويُقترَح استصدار شهادة حج لكل مَنْ يريد القيام بهذه الفريضة، بعد خضوعه لدورة قصيرة، تُعْرَض فيها طريقة أداء المناسك، وكل ما يُحتاج إليه.

стр. 646

وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء: دعوة الحكومات والهيئات والمنظمات لتوعية الحُجاج بأحكام المناسك، وتعريف الحُجاج بمقاصد الحج في العبادة والتربية والأخلاق والنظام، والتمسك بكل ما يُعِين على أن يكون الحج مبرورًا، بواسطة وسائل الإعلام المختلفة، وذلك في وقت مبكر. التذكير الدائم بقداسة الحج وأماكنه، وما يرتبط بهذه القدسية من ضرورات أخلاقية، تَقضي بوجوب ابتعاد الحُجاج عن التوتر والجدل وتَجَنُّب الاختلاف. إرشاد الحُجاج وتعريفهم بضرر المسارعة، والرفق والأناة في تأدية حج مبرور. تذكيرهم دائمًا بفوائد الصبر والتعاون مع المسلمين، وجزاء ذلك عند الله تعالى. ترسيخ معاني الأخوة الإيمانية بين الحُجاج، وتذكيرهم بقواعد الأخلاق الفاضلة والتعامل الإسلامي الراقي، وبث رُوح التراحم والتفاهم والتعاطف والتعاون بينهم، والتحذير من العنف والقسوة والإضرار بالآخرين (١). المبحث الرابع: حُكْم زيارة المشاعر في غير النسك: لا تخلو زيارة المشاعر كمِنًى ومُزدلِفة وعرفة من حالتين: الأولى: زيارة المشاعر للتعبد في النسك، كمِنًى ومُزدلِفة وعرفة، كزيارة جبل عرفة للصلاة عليه والنَّيْل من بركته. فلا شك أن الزيارة على هذا الوجه لا تَجوز (٢). الثانية: زيارة المشاعر كمِنًى ومزدلفة وعرفة للتعرف عليها، هذا لا بأس به. المبحث الخامس: المفاضلة بين حج النافلة والتصدق بنفقته: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن التنفل بالحج أفضل من التصدق بنفقته. وبه قال عامة أهل العلم (٣). القول الثاني: أن الصدقة بنفقة حج النافلة أفضل من الحج ذاته. وهو قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (٤).

стр. 647

القول الثالث: التفصيل، وهو أن الأصل تفضيل الحج على الصدقة، إلا إذا كانت هناك حاجة لا تندفع إلا ببذل نفقة الحج فيها، كالحروب والمجاعات. واستدلوا بأن دفع المال على الرحم المحتاجة وإطعام الجائعين في المجاعات ومعالجة المرضي- من فرائض الإسلام، وهي مُقدَّمة على نافلة الحج. وهو قول أحمد في رواية (١). المبحث السادس: تظليل المسجد الحرام: من أسباب الزحام في صحن المطاف بالليل: عدم وجود ما يقي من الشمس، فمِن الحلول المطروحة لتخفيف الزحام إنشاء مظلات آلية على غِرار مظلات المسجد النبوي، ويكون ذلك في المطاف والسطح والساحات الخارجية؛ لحماية المصلين من حرارة الشمس التي تتجاوز الخمسين درجة، ولترغيب الناس في الطواف نهارًا (٢). ملخص أعمال الحج أعمال الحج ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات، وسُنن. أما أركان الحج فأربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي. والأركان لا يَتم الحج إلا بها. وأما واجبات الحج، فسبعة: الأول: إنشاء الإحرام من الميقات. الثاني: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والجَمْع بين الليل والنهار. الثالث: المبيت بمزدلفة. الرابع: الحَلْق أو التقصير. الخامس: المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق. السادس: رمي الجمار. السابع: طواف الوداع. وأما سُنن الحج، فهي كل ما يؤمر به في الحج سوى الأركان والواجبات.

стр. 648

الباب الثالث والعِشرون: أحكام تختص بالعمرة وفيه تمهيد وثمانية مباحث: تمهيد: تعريف العمرة. المبحث الأول: من فضائل العمرة. المبحث الثاني: حُكْم العمرة. المبحث الثالث: وقت العمرة. المبحث الرابع: عدد عمرات النبي ﷺ . المبحث الخامس: زمان عمرات النبي ﷺ . المبحث السادس: نوع النُّسك الذي أَهَّلَتْ به أُم المؤمنين عائشة. المبحث السابع: تَكرار العمرة، أو حُكم عمرة التنعيم. المبحث الثامن: مشروعية العمرة لأهل حرم مكة.

стр. 649

تمهيد: تعريف العمرة: العمرة لغة: الزيارة أو القصد إلى موضعٍ عامر، وهو الكعبة. وشرعًا: زِيَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ لِلنُّسُكِ الْمَعْرُوفِ، الْمُتَرَكِّبِ مِنْ إِحْرَامٍ، وَطَوَافٍ، وَسَعْيٍ، وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (١). المبحث الأول: من فضائل العمرة: قال رسول الله ﷺ : «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (٢). وقال رسول الله ﷺ : «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» وفي رواية: «حَجَّةً مَعِي» (٣). المبحث الثاني: حُكْم العمرة: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن العمرة واجبة عند الشافعية والحنابلة، وقول للحنفية والمالكية (٤).

стр. 650

واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمراد بالإتمام في الآية ابتداء فعلها على الوجه الأكمل، ومقتضى الأمر الوجوب، وعَطْف العمرة على الحج يقتضي التساوي بينهما، فدل ذلك على وجوب العمرة. ونوقش بأن المراد بالإتمام هو الإتمام بعد الشروع، كَمَنْ دخل في صلاة نافلة فوجب عليه إتمامها، ولا يعني ذلك وجوب صلاة النافلة. وأما السُّنة، فاستدلوا بأدلة كثيرة، من أشهرها: عن عمر في حديث جبريل: فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، … وَتَحُجَّ البَيْتَ وَتَعْتَمِرَ» (١). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ جَعَل العمرة من أركان الإسلام، كالحج. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (٢). فلفظة (عَلَيْهِنَّ) ظاهرها وجوب الحج والعمرة.

стр. 651

واعتُرض عليه بأن لفظة (العمرة) ضعيفة. واستدلوا بقول النبي ﷺ : «إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ» (١). واستدلوا بما رُوي عن أبي رَزِين العُقيلي، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ وَلَا العُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ. قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (٢). وَجْه الدلالة: أن قوله ﷺ : «واعتَمِر» صيغة أمر بالعمرة، مقرونة بالأمر بالحج، فأفادت صيغة الأمر الوجوب. واعتُرض عليه بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ؛ إذِ الْأَمْرُ فِيهِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ فِعْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْهُ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ (٣).

стр. 652

واستدلوا بما رُوي عن الصُّبَيّ بن مَعْبَد قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: (اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا. فَقَالَ لِي عُمَرُ ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (١). وقوله: (مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ) يدل على أن العمرة واجبة. ونوقش بأن هذه اللفظة شاذة. القول الآخَر: أن العمرة سُنة. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (٢).

стр. 653

واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَجْه الدلالة: أن الله ذَكَر وجوب الحج، ولو كانت العمرة واجبة لذَكَرها الله في كتابه. وأما السُّنة، فاستدلوا بحديث أنس بن مالك، وفيه: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى. قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» (١). قوله: (لا أَزيد عليهن ولا أَنقص منهن) دل ذلك على أن العمرة غير واجبة. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ: أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» (٢). وَعَنْ طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» (٣).

стр. 654

والراجح: أنه لا يجب غير الحج، فعن أبي هريرة قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» والأدلة التي توجب العمرة لا تخلو من مقال، فالعمرة مستحبة وليست بواجبة. المبحث الثالث: وقت العمرة: نَقَل ابن رُشْدٍ الإجماع على جواز العمرة في كل أوقات السَّنة (١). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد أن العمرة تُكْرَه في يوم عَرَفَة، ويوم النَّحْر، وأيام التشريق. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند أحمد (٢). واستدلوا بما ورد عن عائشة ﵂ قالت: حَلَّتِ العُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلاَّ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَ ذَلِكَ (٣). واعتُرض عليه بأنه لا يصح، ولو صح لكان محمولًا على مَنْ كان متلبسًا بالحج. قال البيهقي: وَهَذَا مَوْقُوفٌ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالحَجِّ، فَلَا يُدْخِلُ العُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ الحَجِّ كُلَّهُ (٤).

стр. 655

فالحاصل: مشروعية العمرة في سائر أيام السَّنة لمن لم يكن ملتبسًا بأعمال الحج، وعدم كراهة العمرة في شيء منها، فالمُحْرِم بالحج لا يصح إحرامه بعمرة بالاتفاق إلا بعد فراغه من جميع أفعال الحج. المبحث الرابع: عدد عمرات النبي ﷺ -: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلَّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (١). فهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ اعتمر أربع عُمَر، ولكن يشكل عليه ما رواه البَرَاءُ ﵄ يَقُولُ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» (٢). ويُجْمَع بينهما بِأَنَّهُ أَرَادَ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا اثْنَتَانِ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْقِرَانِ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً، وَعُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ صُدَّ عَنْهَا وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِتْمَامِهَا (٣). وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ: عُمْرَةً فِي شَوَّالٍ … (٤) ولكنه ضعيف. المبحث الخامس: زمان عمرات النبي ﷺ -: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلَّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ.

стр. 656

قال ابن القيم: فَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ» فَوَهْمٌ مِنْهُ ﵁، قَالَتْ عائشة لَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ عَنْهُ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمْرَةً قَطُّ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» (١). المبحث السادس: نَوْع النسك الذي أَهَلَّتْ به أُم المؤمنين عائشة: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن عائشة حجت قارنة. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بأن النبي ﷺ قال لعائشة يوم النفر: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٢). واستدلوا أيضًا بأنه ﷺ قال لعائشة بعد ما وَقَفَتِ المواقف، حتى إذا طَهَرَتْ طافت بالكعبة والصفا والمروة: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» (٣). فهذان لفظان صريحان في أن عائشة كانت قارنة. القول الآخَر: أن عائشة حجت مُفرِدة. وهذا مذهب الحنفية. واستدلوا بما روى مسلم عن عائشة، وفيه: «كُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي (٤). دل هذا الحديث على أن عائشة حجت مُفرِدة من أربعة أوجه: الوجه الأول: «ارْفُضِي عُمْرَتَكِ» اتركي عمرتك، وتَحَلَّلِي منها، وأَهِلي بالحج مُفرِدة. ونوقش بأن معنى الرفض هنا تَرْك أعمال العمرة والإمساك عنها، من طواف وسعي، لا رَفْض الإحرام بالعمرة رأسًا والانتقال إلى حج مفرد؛ إذ لو كان المراد برفض العمرة إلغاؤها، لَمَا قال النبي ﷺ لعائشة يوم النفر: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فهذا

стр. 657

تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مُجْزِئة، وأنها لم تُلْغِها (١). الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال لعائشة بعد أمرها برفض عمرتها: «وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» فهذا دليل على أنها خرجت من عمرتها وألغتها. ونوقش بأن نقض الشعر والامتشاط للمُحْرِم لا يَلزم منه إبطال العمرة، بل فيه دليل على أنه يَجوز للمُحْرِم أن يمشط شعره، ولكن يكون امتشاطًا رفيقًا لا يَقطع الشَّعر. الوجه الثالث: قول عائشة: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. فهذا يدل على أن عمرتها من التنعيم كانت قضاء لتلك العمرة التي رفضتها؛ فإن عمرتها الأولى لو كانت باقية لم تكن عمرة التنعيم مكانها، بل كانت عمرة مستقلة. ونوقش بما قاله النووي: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَمَّا مَضَتْ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَن لِيُعْمِرهَا مِنَ التَّنْعِيم: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الْحَجِّ، كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرهنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ فَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَأَتَمُّوا الْعُمْرَةَ وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا قَبْل يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّة يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَحَصَلَ لَهُمْ عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَحَجَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ. وَأَمَّا عَائِشَةُ، فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْدَرِجَةٌ فِي حَجَّةِ بِالْقِرَانِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» أَيْ: وَقَدْ تَمَّا وَحُسِبَا لَكِ جَمِيعًا. فَأَبَتْ وَأَرَادَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً، كَمَا حَصَلَ لِبَاقِي النَّاس، فَلَمَّا اعْتَمَرَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً، قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» أَيْ: الَّتِي كُنْتِ تُرِيدِينَ حُصُولَهَا مُنْفَرِدَةً غَيْرَ مُنْدَرِجَةٍ، فَمَنَعَكِ الْحَيْضُ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 658

وَهَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهَا: «يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ؟!» أَيْ: يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِدٍ وَعُمْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا وَلَيْسَ لِي عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ. وَإِنَّمَا حَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ لِتُكْثِرَ أَفْعَالَهَا. وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: (الْقِرَانُ أَفْضَلُ) وَلَيْسَ عُمْرَةَ القِرَانِ. الوجه الرابع الذي يؤيد أن عائشة حجت مُفرِدة، ثم اعتمرت من التنعيم: أنها قالت: «فَقَضَى اللهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ» إذ لو كانت قارنة أو متمتعة، لكان عليها هَدْي. ونوقش بأن هذه الجملة مدرجة من قول عروة، وليست من قول عائشة (١). واستدلوا بأن عائشة حجت مفردة بقولها: «لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ» (٢). ونوقش بأن المراد بقولها: «لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ» أن مَنْ خرج مُفرِدًا أو متمتعًا أو قارنًا، فإنه يَصدق عليه أنه لبى للحج، أو أن بعض أصحاب النبي ﷺ أحرموا في أول الأمر بالحج وحده، حتى أَمَر النبي ﷺ مَنْ لم يكن معه هَدْي منهم بفسخ حجه في عمرة لما كانوا بمكة. فالراجح: أن عائشة حجت قارنة، والله أعلم. المبحث السابع: تَكرار العمرة، أو حُكْم عمرة التنعيم: اتَّفق العلماء على مشروعية العمرة والإكثار منها، واختلفوا في إطلاق ذلك على قولين: القول الأول: أنها مُطْلَقة في كل وقت. وهو مذهب الحنفية والشافعية والظاهرية (٣). واستدلوا بعمومات الأدلة التي تُرغِّب في الإكثار من العمرة، ولم تُقيِّد. قال ابن عبد البر: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وَخَيْرٍ، فَلَا يَجِبُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ أَمْنَعَ مِنْهُ، بَلِ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٧] (٤).

стр. 659

واستدلوا بقول رسول الله ﷺ : «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (١). واستدلوا بقول رسول الله ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ» (٢). أما الأدلة الخاصة، فإن عائشة اعتمرت مع النبي ﷺ في حجة الوداع مرتين، فقال لعبد الرحمن ﵁: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» (٣). قال ابن حجر: وَبَعْدَ أَنْ فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ بِأَمْرِهِ، دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ (٤). ونوقش من وجهين: الأول: أن هذا الفعل من خصائص عائشة. وأجيب بطلب الدليل على التخصيص؛ إذ الأصل العموم. الثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر عائشة ابتداء، بل أَذِن لها به بعد مراجعتها إياه. وفَرْق بين الأمر الذي يُفْهَم منه الاستحباب، والإذن الذي يُفْهَم منه مجرد الإباحة. ونوقش: هل يأذن النبي ﷺ في مُحَرَّم؟ أما المأثور، فقد ورد عن عدد من الصحابة والتابعين جواز العمرة من التنعيم. فَعَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَنَسِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ (٥). وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ عَنِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ، فَأَمَرَتْنِي بِهَا (٦).

стр. 660

القول الآخَر: أن العمرة مُقيَّدة، واختلفوا في التقييد على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن العمرة مُقيَّدة بسَنة، فيُكْرَه تَكرارها أكثر من مرة في السَّنة. وهذا مذهب مالك، والمُزَني من الشافعية (١). واستدلوا بالسُّنة والمأثور والقياس: أما السُّنة، فَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ عُمْرَتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَاعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ أَوْ أَرْبَعًا، كُلُّ عُمْرَةٍ مِنْهَا فِي سَنَةٍ، فَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا يَنْحَصِرُ فِي أَفْعَالِهِ ﷺ ، فَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ. وَقَدْ نَدَبَ إِلَى الْعُمْرَةِ بِلَفْظِهِ، فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ (٢). وأما المأثور، فَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي آخِرِ أَمْرِهَا إِذَا حَجَّتْ، بَقِيَتْ بِمَكَّةَ حَتَّى يُهِلَّ الْمُحْرِمُ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَتُهِلُّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ يَقَعُ حَجُّهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَعُمْرَتُهَا فِي عَامٍ آخَرَ (٣). ونوقش بأن هذا خلاف المروي من فعل رسول الله ﷺ معها؛ إذ لم يؤخرها حتى إهلال المُحْرِم، بل أَمَر أخاها عبد الرحمن أن يُعْمِرها من التنعيم فور الانتهاء من حجها. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَعَائِشَةُ كَانَتْ قَارِنَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِعْمَارِهَا بَعْدَ الْحَجِّ، فَكَانَتْ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي شَهْرٍ (٤). وأما القياس، فقاسوا العمرة على الحج لاقترانهما في الأمر بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ولأنهما كليهما عبادة تحتاج إلى طواف وسعي. ولأن النبي ﷺ سَمَّى العمرة: (الحج الأصغر) وسَمَّى الله الحج ب (الحج الأكبر) بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] وإذا كان الحج الأكبر لا يُشْرَع في العام إلا مرة واحدة، فكذا العمرة.

стр. 661

واعتُرض عليه من ثلاثة أوجه: الأول: أن هذا القياس مع الفارق؛ لأن العمرة تُشْرَع طَوَال العام، بخلاف الحج، فلا يكون إلا مرة في العام، إذا فات الوقوف بعرفة فات الحج. الثاني: أن عائشة اعتمرت لحجها قارنة، فعمرتها في ذي الحجة، ثم اعتمرت لما سألته العمرة في ذي الحجة، فكانت هذه عمرتين في شهر؛ فكيف يُنْكَر ذلك مع أمره ﷺ به؟! الثالث: استُنبط من عموم قول النبي ﷺ : «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا … » وَهَذَا مَعَ إطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ؛ إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ لَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، لَكَانَتْ كَالْحَجِّ، فَكَانَ يُقَالُ: الْحَجُّ إِلَى الْحَجِّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «فِي كُلِّ سَنَةٍ عُمْرَةٌ» (١). القول الثاني: أن العمرة مُقيَّدة بسفرة، بأن تكون في سفرة مفردة، وكرهوا تَكرارها في سفرة واحدة. وهو اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومحب الدين الطبري (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول: أما السُّنة، فَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ قَدِ اعْتَمَرَ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرَ فِي أَرْبَعِ سَفَرَاتٍ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ سَفْرَةٍ عَلَى عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ. وأما المأثور، فَقَالَ طَاوُسٌ: الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنَ التَّنْعِيمِ، مَا أَدْرِي يُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا أَوْ يُعَذَّبُونَ؟ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ يُعَذَّبُونَ؟! قَالَ: لِأَنَّهُ يَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَيَخْرُجُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَيَجِيءُ، وَإِلَى أَنْ يَجِيءَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ قَدْ طَافَ مِائَتَيْ طَوَافٍ، وَكَلَّمَا طَافَ بِالْبَيْتِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ. واعتُرض عليه بأن هذا قول تابعي لا حجة فيه، وقد خالفه غيره، وقد سبق. وأما المعقول فاستدلوا بأنه إذا كان المقصود الأعظم من العمرة هو الطواف بالبيت،

стр. 662

وذلك ممكن لأهل الحرم بلا خروج منه، ومَن كان متمكنًا من المقصود بلا وسيلة- لم يُؤمَر أن يَترك المقصود ويشتغل بالوسيلة (١). فَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الطَّوَافِ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ أَمِ الْعُمْرَةُ؟ قَالَ: «بَلِ الطَّوَافُ» (٢). القول الثالث: أن العمرة مُقيَّدة بألا يوالي بينها؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يُنْقَل عنهم الموالاة بينهما، وإنما نُقِل عنهم إنكار ذلك، والحَقّ في اتباعهم. وقَيَّدوا ذلك بعَشَرة أيام، وكرهوا تَكرارها في أقل من ذلك. وهو مذهب الحنابلة (٣). وأما المأثور الذي استدلوا به، فهو ما قاله ابن قُدامة: فَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنَ الِاعْتِمَارِ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ، وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ (٤). الراجح: لا بد أن نُفَرِّق بين حالين: الأول: العمرة من التنعيم مشروعة، وكذا الإكثار منها، لكن تَكرار العمرة في زمن يسير، كتَكرار العمرة في يوم، فهذه الصفة لم تُعْهَد عن السلف، ولأن العمرة إحرام وطواف وسعي وحَلْق، وكيف يتسنى لمن يعتمر في كل يوم أن يؤدي نسك الحلق؟! وبعض الحُجاج يُكرِّر هذه العمرة في أوقات الزحام، فيؤذي إخوانه. فالأَوْلَى والمستحب ألا يوالي بين عُمَره في زمن يسير؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يُنْقَل عنهم الموالاة بينها بهذه الطريقة، وفِعل الصحابة يُقيِّد الأدلة. الثاني: أن مَنْ والى بين عُمَره فقد فَعَل خلاف الأَوْلَى؛ لفِعل عائشة وإِذْن النبي ﷺ لها. وقيل بخلاف الأَوْلَى؛ لقرينة ترك جميع الصحابة غير عائشة ذلك.

стр. 663

فعلى هذا يَجوز تَكرار العمرة، ولا سيما أهل البلدان البعيدة الذين يحبون أن يعتمروا عن آبائهم. ويُخَص ذلك بمن يَشُق عليهم رجوعهم إلى الحرم؛ قياسًا على فعل عائشة لوجود الحاجة. ومع القول بمشروعية تَكرار العمرة والإكثار منها، إلا أن الأَوْلَى ترك ذلك مطلقًا في أوقات الزحام والمواسم؛ دفعًا لمفسدة الزحام، ولا سيما وهي عمرة مسنونة، ولأن الذَّهاب إلى التنعيم كل يوم للإتيان بعمرة- لم يُعْهَد عن السلف، وإنما الأفضل الانشغال بالطواف والذِّكر والصلاة (١). المبحث الثامن: مشروعية العمرة لأهل حَرَم مكة: واختلفوا في مشروعية خروج أهل حرم مكة إلى الحِل للاعتمار على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز خروج أهل مكة للحِل للاعتمار. وبه قال الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد (٢).

стр. 664

فعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ (١). وروى عبد الرزاق، عن ابن جُرَيجٍ، في قصة بناء ابن الزبير الكعبة، وفيه: فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي أَرَى أَنْ تَعْتَمِرُوا مِنَ التَّنْعِيمِ مُشَاةً (٢). وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ فِي عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ: هِيَ تَامَّةٌ تُجْزِئُهُ (٣). القول الآخَر: أن خروج أهل مكة إلى الحِل للاعتمار بدعة. وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم ومحب الدين الطبري. واستدلوا بأن النبي ﷺ لم يعتمر وهو بمكة قَطُّ، بل جميع عُمَره كان يكون فيها قادمًا إلى مكة، لا خارجًا منها إلى الحِل. وكذا أصحابه الذين كانوا معه، فدل ذلك على عدم مشروعية خروج أهل الحَرَم إلى الحِل للاعتمار (٤). ونوقش بأن إِذْن النبي ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم بعمرة- كافٍ في جواز ذلك. والراجح: أن المكي لو خرج من مكة مسافرًا، فلو عاد ومر بميقات فله أن يعتمر، ولا مانع من الخروج إلى الحِل للاعتمار لفعل عائشة، والله أعلم. ? •١•