← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. واستدلوا بأن النبي ﷺ رَخَّص للعباس ولرعاة الإبل في ترك المبيت بمِنًى، ولم يُرخِّص لهم في ترك الرمي، فدل ذلك على وجوب الرمي. المبحث الرابع: الحكمة من رمي الجمار: الرمي فيه اقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، ويُقصَد به الانقياد للأمر وإظهار العبودية، بعيدًا عن تخبطات العقل وهواجسه. ومِن أهم حِكم رمي الجمار ما يلي: الأولى: هي طاعة لله، بامتثال أمره على لسان نبيه ﷺ (١). الثانية: أن الرمي شُرع لإقامة ذكر الله. لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وَيَدْخُلُ فِي الذِّكْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَمْيُ الْجِمَارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ شُرِعَ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ. الثالثة: الِاقْتِدَاءُ بِإِبْرَاهِيمَ فِي عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ وَرَمْيِهِ، وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] الْآيَةَ، فَكَأَنَّ الرَّمْيَ رَمْزٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِهَا (٢).

стр. 597

الفصل الأول شروط الرمي للرمي ثمانية شروط، وهي: الأول: النية مع الرمي بالحصى. الثاني: أن يكون الرمي بحصيات. الثالث: العدد المخصوص. الرابع: أن يَرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة. الخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يَجتمع فيها الحصى. السادس: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق. السابع: الموالاة بين الرميات السبع للجمرة الواحدة. الثامن: أن يكون الرمي في زمن الرمي.

стр. 598

الفصل الأول: شروط الرمي الشرط الأول: النية مع الرمي بالحصى: قال النووي: يُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى رَمْيًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّمْيِ، فَلَوْ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ … وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ الْمَرْمَى، فَلَوْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ الْحَجَرُ فِي الْمَرْمَى، لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ (١). الشرط الثاني: أن يكون الرمي بحصيات: يُشترَط أن يكون المرمي به من الحصى، وهي الحجارة الصغار، ولا يصح الرمي بالطين ولا بالتراب. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢). ثَبَت أن النبي ﷺ رمى بالحصى؛ لقول جابر: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ» (٣). وذهب الحنفية إلى جواز الرمي بما كان من جنس الأرض كالطين، واستثنَوْا من ذلك الذهب والفضة. واستدلوا بأن المقصود فِعل الرمي، وذلك يَحصل بالطين كالحصى (٤). ونوقش بأن النبي ﷺ رَمَى بالحصى، ولا يَجوز إلحاق غيره به؛ لأنه موضع لا يَدخل القياس فيه (٥). الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من اشتراط أن يكون المرمي به من الحصى، ولا يجزئ عنه غيره؛ لقول جابر: «فَرَمَاهَا ﷺ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ».

стр. 599

الشرط الثالث: العدد المخصوص: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أن يكون عدد الحصيات سبعًا لكل جمرة: فيجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة؛ لأن النبي ﷺ رمى كل جمرة بسبع حصيات؛ لحديث جابر، وفيه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» (١). المطلب الثاني: لو تَرَك شيئًا من الحصى، وفَاتَه أن يتداركه: اختَلف أهل العلم فيما لو تَرَك شيئًا من الحصى، وفَاتَه أن يتداركه على قولين: القول الأول: يجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة، فيجب الدم ولو بترك حصاة واحدة. وهو المذهب عند المالكية، ورواية عند أحمد (٢). القول الآخَر: يجب الدم بترك ثلاث حصيات من كل جمرة، وجعلوا للأكثر حُكْم الكل. وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في المشهور (٣). المطلب الثالث: اختلف العلماء في الذي يجب على مَنْ ترك حصاة: فمِن قائل: عليه أن يتصدق بمُدّ طعام، ومِن قائل: بنصف صاع، ومِن قائل: بدرهم.

стр. 600

واستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ تَرَك الرمي وجب عليه الدم، فمَن تَرَك حصاة تَصَدَّق بما يعادل تلك الحصاة لفقراء الحرم (١). الشرط الرابع: أن يَرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة: فلو رمى السبع جملة، فهي حصاة واحدة، ويَلزمه أن يَرمي بسِتّ سواها؛ لأن النبي ﷺ رمى كل جمرة بسبع حصيات مفرقات، أي: بسبع رميات. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). الشرط الخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يجتمع فيها الحصى: وفيه مطلبان: المطلب الأول: يُشترَط وقوع الحصى في الأحواض المُشاهَدة حول الشاخص. اتَّفَق العلماء على أن من شروط الرمي أن تقع في الأحواض المُشاهَدة حول الشاخص. سواء اصطدمت بالشاخص أو لم تصطدم. ودل على ذلك أن رسول الله ﷺ رمى في هذا المكان المخصوص، وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولله الحمد، فهذا الأمر قد سهل الآن، فإذا وقعت الحصاة في الحوض الذي هو محل اجتماع الحصى، فتجزئ (٣). المطلب الثاني: الرمي من الأدوار العليا: يَجوز الرمي من الأدوار العليا، واستُدل لذلك بالسُّنة والمأثور والمعقول: أما السُّنة، فرَوَى مسلم عن جابر قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ». فالرسول ﷺ رمى الجمرات راكبًا، والرمي من الدور الثاني مُشابِه لرمي الراكب. وأما المأثور، فَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ فَوْقِهَا (٤). وَجْه الدلالة: أن عمر رمى جمرة العقبة من فوقها خَشية الزحام، ولم يُنكِر عليه أحد من الصحابة ﵃، فهذا دليل على جواز رمي الجمرات من فوق الطابق. واستُدل بأن سماحة الشريعة تقتضي جواز الرمي من الأدوار العليا، خاصة في هذه

стр. 601

السنوات التي تزايد فيها عدد الحُجاج، إلى حد يوقع في الحرج، بل تَزهق فيه الأرواح، فبناء الأدوار العليا يُسَهِّل أداء نسك الرمي مع الراحة وسلامة النفوس. وأما المعقول، فاستدلوا بأن الهواء تابع للقرار، فمَن رمى من أعلى الطابق الذي بُني على الوادي، فهو في حُكم مَنْ رمى من بطن الوادي؛ لأن الهواء تابع للقرار. وأما ما رُوي عن ابن عمر من أنه رمى الجمرات من بطن الوادي، فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها! فقال: «مِنْ هاهنا، والذي لا إله إلا هو، رأيتُ الذي أُنْزِلَتْ عليه سورة البقرة رماها» فإنه حَثٌّ على الفضيلة في الرمي من جهة بطن الوادي عند السَّعة. الشرط السادس: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق: يُشترَط أن يَرمي الجمار الثلاث على الترتيب: يَرمي أولًا الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْف من جهة مِنًى، ثم الوسطى، ثم يرمي الكبرى (جمرة العقبة). دل على هذا الشرط أن النبي ﷺ رمى الجمرات مُرَتَّبة، ولو كان يَجوز الرمي غير مرتب لفَعَله ﷺ ، ولو مرة لبيان الجواز. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالقياس على السعي، فمَن بدأ بالمروة قبل الصفا، فإن هذا الشوط لا يجزئه. وذهب الحنفية إلى أن ترتيب رمي الجمار سُنة (٢). واستدلوا بأن النبي ﷺ لما سُئل فيمن قَدَّم نُسكًا على نُسك، كان يقول: «لا حرج». ونوقش بأن الحديث فيمن قَدَّم نُسكًا على نسك، لا فيمن قَدَّم بعض نسك على بعض. الشرط السابع: الموالاة بين الرميات السبع للجمرة الواحدة: لأن الرسول ﷺ والى في رمي الحصيات في الجمرة الواحدة. وهو قول عند الحنفية، والمالكية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٣).

стр. 602

الفصل الثاني: وقت رمي الجمار وفيه تمهيد، وتسعة مباحث: التمهيد: الرمي أيام التشريق. المبحث الأول: الوقت المتفق على إجزاء الرمي فيه في أيام التشريق. المبحث الثاني: حُكْم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال. المبحث الثالث: رمي الجمار في الليل. المبحث الرابع: حُكْم الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة التي قبله. المبحث الخامس: نهاية وقت الرمي أيام التشريق. المبحث السادس: تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق. المبحث السابع: النَّفْر الأول إذا رمى الجمار ثاني أيام التشريق. المبحث الثامن: النَّفْر الثاني إذا رمى الجمار ثالث أيام التشريق. المبحث التاسع: مَنْ تَرَك الرمي حتى انقضت أيام مِنًى.

стр. 603

التمهيد يَرمي الحاج في أيام التشريق الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، كل جمرة بسبع حصيات، في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر واليوم الثالث عشر. المبحث الأول: الوقت المتفق على إجزاء الرمي فيه في أيام التشريق: نُقِل الإجماع على إجزاء الرمي في أيام التشريق الثلاثة، بعد زوال الشمس (١). المبحث الثاني: حُكْم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال: اتَّفَق العلماء على أن رسول الله ﷺ رَمَى جمرة العقبة ضُحَى يوم النحر. وحُكي الإجماع على أنه لا يجوز تقديم رمي الجمار في أيام التشريق قبل الزوال (٢). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختلف العلماء في جواز الرمي قبل الزوال على أربعة أقوال: القول الأول: لا يصح الرمي قبل زوال الشمس في أيام التشريق، ومَن رمى قبل الزوال فعليه الإعادة. وبه قال أبو حنيفة في رواية، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فبما ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ أنه رمى بعد الزوال، في أحاديث كثيرة: فعن جَابِرٍ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» يعني أما بعد يوم النحر في أيام التشريق، فيَرمي الجمرات إذا زالت الشمس.

стр. 604

وروى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» (١). وروى أبو داود: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: « … ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» (٢). فدلت هذه الأحاديث على أن رمي النبي ﷺ كان بعد الزوال، ولم يَثبت عنه ﷺ أنه رمى قبل الزوال، والرمي عبادة محضة لا تُدرَك بالعقل ولا تُعْرَف بالقياس، فيجب فيها اتباع النقل، وقد قال النبي ﷺ : «لتأخذوا مناسككم». ونوقش بأنَّ فِعل النبي ﷺ المجرد عن الأمر والنهي- لا يدل على وجوب تحديد وقت الرمي بالزوال؛ لأن أفعال النبي ﷺ منها الأركان، ومنها الواجبات، ومنها المستحبات، فالرَّمَل والاضطباع ودعاء الطواف كل هذه مستحبات بالإجماع، فقد يكون الرمي بعد الزوال سُنة، ويَجوز قبل الزوال. وأجيب عنه بأَنَّ فِعل النبي ﷺ إذا احتفت به القرينة الدالة على الوجوب، فإنه واجب، ورَمْي النبي ﷺ الجمار بعد الزوال احتفت به قرائن تدل على وجوبه: الأولى: أن النبي ﷺ بادر بالرمي بعد الزوال وقبل صلاة الظهر، وكأنه يترقب زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، فهذا دليل على عدم جواز الرمي قبل الزوال. ولو جاز لفَعَله لكي يصلي الظهر في أول وقتها. الثانية: لو كان يَجوز الرمي قبل الزوال، لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة بيانًا للجواز؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولِما فيه من التيسير على العباد؛ فإن الرمي في الصباح أيسر على الأمة؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس، فلا يمكن أن يختار النبي ﷺ الأشد ويَدَع الأخف؛ لأن النبي ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، ولو كان يحل الرمي قبل الزوال، لاختاره النبي ﷺ تيسيرًا على أمته. الثالثة: أن العبادات مبناها على التوقيف، ولم يَرِد أن الرسول ﷺ وصحابته ومَن تبعهم أنهم رَمَوْا قبل الزوال، وقد قال النبي ﷺ : «لتأخذوا مناسككم». الرابعة: أنه لو كان يَجوز الرمي قبل الزوال، لبَيَّن ذلك النبي ﷺ للتوسيع على أمته،

стр. 605

فهو القائل: «نَحَرْتُ هنا، ومِنًى كلها مَنْحر» فوَسَّع ﷺ على أمته، ولم يَرِد أنه ﷺ قال: (رَميتُ في هذا الوقت، وقبل الزوال يجزئ) فوجب الالتزام بفعله ﷺ . وأما دليلهم من المأثور على عدم جواز تقديم رمي الجمار في أيام التشريق قبل الزوال، فهو قول ابن عمر: «كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا» فتَرقُّب الزوال والانتظار مع شدة الحر لا يكون إلا انتظارًا لبداية وقت الرمي، وإلا كان عَبَثًا وهَدْرًا للأوقات، فلو كان يجوز الرمي قبل الزوال، لفَعَله الصحابة ولدَلَّهم عليه النبي ﷺ (١). وأما القياس، فكما أنه لا يَجوز الرمي في مكان غير المكان الذي رمى فيه النبي ﷺ ، فكذا لا يَجوز الرمي في غير الزمن الذي رمى فيه النبي ﷺ ، وهو الرمي بعد الزوال في أيام التشريق. وكما أنه لا يَجوز صلاةٌ قبل وقتها، فكذا لا يَجوز الرمي قبل الزوال. القول الثاني: أن الرمي قبل الزوال جائز في سائر أيام التشريق. وهو قول عند الحنفية، وقول بعض الشافعية وبعض الحنابلة (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول والقياس: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وَجْه الدلالة: فمَن تَعَجَّل في اليوم الثاني عشر، فرَمَى الجمار قبل الزوال، ثم خرج من مِنًى، فالآية تَشهد بصحة فعله؛ لأن لفظ (اليوم) يَعُم أول النهار وآخِره. واعتُرض عليه بأن لفظ (اليوم) وإن دل على أول النهار وآخِره، فإِنَّ فِعل النبي ﷺ مُبيِّن لعموم القرآن، ومُفسِّر له، بأن وقته بعد الزوال، فوجب أن يُحْمَل لفظ الذِّكر ورمي الجمار المطلق على فعل النبي ﷺ ، الذي قَيَّده بالرمي بعد الزوال، كما يطلق على يوم العيد يوم الأضحى، ولا يَجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد. وأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ (٣).

стр. 606

وَجْه الدلالة: قوله: «ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ» أي: يَجوز للرعاة أن يَرموا في أول أيام التشريق، ليومين، وإنه إذا جاز للرعاة أن يُقَدِّموا رمي اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الأول، وهو تقديم يوم بكامله، فمِن باب أَوْلَى أن يَجوز تقديمه في اليوم نفسه قبل الزوال. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: جاء الحديث من طريق أخرى، وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَتَعَاقَبُوا، فَيَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَدَعُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ يَرْمُوا الْغَدَ (١). فهذه الرواية بَيَّنَتْ أن الرمي لا يُقَدَّم إلى اليوم الأول، ولكن يُؤخَّر رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني، وعلى هذا يَبطل الاستدلال بالحديث على جواز الرمي قبل الزوال. الثاني: أن الرخصة خاصةٌ بالرعاء، ويُلْحَق بهم غيرهم من أهل الأعذار، ومَن عداهم يَبقى على الأصل وهو الرمي بعد الزوال. واستدلوا بما رُوي: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ، وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ شَاءُوا (٢). أي: في أي ساعة من النهار، قبل الزوال وبعده. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» (٣). فهذا دليل على جواز الرمي قبل الزوال؛ لأن الرجل ما سأل عن الرمي مساء، إلا بعد أن تَقَرَّر لديه جواز الرمي نهارًا قبل الزوال وبعده. واعتُرض عليه بأن هذا الحديث خاص بترتيب أعمال يوم النحر، وليس أيام التشريق،

стр. 607

والرمي يوم النحر يكون من الضحى قبل الزوال. وأما المعقول، فاستدلوا بأن من قواعد الشرع رَفْع الحرج ونَفْي المشقة في الحج وغيره، ومع كثرة الحُجاج وما يَحدث من زحام وتَدافُع يؤدي في بعض الأحيان إلى إزهاق الأنفس عند زوال الشمس، وهذه مشقة، والمشقة تَجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، والله يقول: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فكل هذه الأمور تدل على جواز الرمي قبل الزوال. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: دعوى الضرورة مردودة؛ لأن الزحام في بعض الأوقات كبَعْد الظهر، وفي بعض الأدوار كالدور الأول، ويمكن تأخير الرمي بعد العصر حتى يزول الزحام؛ لأن الوقت الذي يُشْرَع فيه الرمي طويل. الثاني: أن الأعذار والضرورات لا تجيز تقديم العبادة عن وقتها، فالمريض لا يصلي الظُّهر قبل الزوال بحال، فكذا لا يجوز الرمي قبل الزوال، ولا سيما مع توسيع الجمرات وكثرة الأدوار والوقت الطويل الذي يُشْرَع فيه الرمي. واستدلوا بما رُوي: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: رَمَقْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَمَاهَا عِنْدَ الظَّهِيرَةِ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ (١). أي: قبل الزوال. ونوقش بأن هذا يحتمل أن يكون في يوم النحر، ولو كان في أيام التشريق فقد خالفه غيره من الصحابة، والعبرة بفعل النبي ﷺ ، وقد رمى بعد الزوال. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: ذَهَبْتُ أَرْمِي الْجِمَارَ، فَسَأَلْتُ: هَلْ رَمَى ابْنُ عُمَرَ ﵄؟ فَقَالُوا: لَا، وَلَكِنْ قَدْ رَمَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. يَعْنُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄. قَالَ عَمْرٌو: فَانْتَظَرْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ، فَأَتَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى فَرَمَاهَا (٢).

стр. 608

وَجْه الدلالة: أن هذا يُفْهَم منه أن ابن الزبير رمى قبل الزوال. ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أنه ضعيف، وأنه جاء خلاف هذا القول عن ابن الزبير، فَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَرْمِيَانِ الْجِمَارَ، بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ» (١). وهذا هو الأرجح من فعل ابن الزبير، وهو موافق لعمل الصحابة. الثاني: أن في الأثر نفسه أن ابن عمر لم يَرْمِ حتى زالت الشمس. الثالث: أن هذا الأثر يدل على أن الإمام لا يَرمي إلا بعد زوال الشمس، وإلا لزم أن ابن عمر يفتي مَنْ سأله بالاقتداء بمن يَعلم أنه يخالف هَدْي النبي ﷺ في وقت الرمي! وهذا في غاية البطلان، ولا سيما وابن عمر قد اشتهر بتعظيم السُّنة بما يَعرفه كل أحد. وأما القياس، فاستدلوا بأمرين: الأول: كما أنه يَجوز الرمي بعد طلوع الشمس في يوم النحر، فكذا يَجوز في أيام التشريق؛ لأن الكل أيام نحر، ولا يُفَرَّق بين مُتماثلَين. واعتُرض عليه بأن مَنْ قاس الرمي في أيام التشريق على يوم النحر في وقته، فعليه أن يقيسه في الكيفية، فلا يَرمي في سائر أيام التشريق إلا جمرة العقبة؛ قياسًا على يوم النحر! ولا شك أن هذا مُخالِف لهديه ﷺ بالإجماع، وهو القائل: «خذوا عني مناسككم». الثاني: أنه إذا كان يَجوز للحاج تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق؛ لأن يوم النحر مع أيام التشريق وقت واحد للرمي، فمِن باب أَوْلَى القول بجواز رمي كل يوم في يومه قبل الزوال. ونوقش بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأن رمي الجمار قبل الزوال رَمْي لها قبل وقتها، وفِعل العبادة قبل وقتها مُبْطِل لها، بينما جَمْعها في آخِر يوم هو من جنس تأخيرها عن وقتها، وهو غير مُبْطِل لها، إنما فيها التحريم إذا لم يكن معذورًا. القول الثالث: لا يَجوز الرمي قبل الزوال إلا في يوم النفر، فمَن نَفَر في الثاني عشر أو في

стр. 609

الثالث عشر من ذي الحجة، فيَجوز أن يَرمي في اليوم الذي ينفر فيه قبل الزوال. وهذا قول أبي حنيفة في رواية، ورواية عن أبي يوسف، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بالكتاب والمأثور والقياس: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وَجْه الاستدلال: فمَن تَعَجَّل في اليوم الثاني عشر، فرمى الجمار قبل الزوال، ثم خرج من مِنًى، فالآية تَشهد بصحة فعله؛ لأن لفظ (اليوم) يَعُم أول النهار وآخِره. وأما المأثور، فاستدلوا بما رُويَ عن ابنِ عباس ﵄ قال: «إِذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ الآخِرِ، فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدْرُ» (٢). قوله: «إِذَا انتفح (ارتَفَعَ) النَّهارُ» أي: يَجوز الرمي في ضحى يوم النفر الثاني قبل الزوال. واعتُرض على هذا بأنه ضعيف، ولو صح فليس بصريح؛ لأنه يحتمل أن يكون الانتفاح قبل الزوال أو بعده، وإذا تَطَرَّق النص للاحتمال بَطَل به الاستدلال. وأما القياس، فإن الرمي في اليوم الثالث للتشريق يجوز تركه، فجاز الرمي قبل الزوال. ونوقش بأن النوافل المؤقتة لا يصح عملها إلا في وقتها، كصلاة الكسوف والعيدين. القول الرابع: لا يَجوز الرمي قبل الزوال إلا في ثالث أيام التشريق. وهذا قول أبي حنيفة في رواية (٣). والراجح: عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق فبل الزوال؛ لفِعله ﷺ ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ». وكذا فإن عامة الآثار الواردة مُوافِقة للسُّنة الصحيحة المنقولة عن النبي ﷺ ، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا». ولو كان يَجوز الرمي قبل الزوال لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة، أو رَخَّص لأحد من

стр. 610

أصحابه، والعبادات مبناها على التوقيف كمواقيت الصلاة، ولا يُعبَد الله إلا بما شَرَع. فعدم الرمي قبل الزوال هو فِعل النبي ﷺ الأمين، وفِعل صحابته الغُر الميامين، وقول عامة السلف حتى عهد قريب (١). ومع الجهد الرائع الذي بَذَلَتْه بلاد الحرمين، من تنظيم منطقة الجمرات، وجَعْل مسارات مستقلة لكل اتجاه، والأدوار المتتابعة؛ مما نتج عن ذلك بعون الله سهولة رمي الجمار، مع الابتعاد عن أوقات الزحام. ومع حُسن التنظيم، فينبغي أن يكون هناك تفويج للحُجاج بالقرعة في أوقات محددة. وقد صَدَر قرار بذلك من هيئة كبار العلماء، وفيه عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال؛ لفِعله ﷺ وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولقول ابن عمر أيام التشريق: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا». ومعلوم أن النبي ﷺ أعلم الناس وأنصح الناس وأرحمهم، فلو كان جائزًا قبل الزوال لبَيَّنه (٢). المبحث الثالث: رمي الجمار في الليل: اتَّفَق أهل العلم على أن مَنْ رَمَى الجمار قبل مغيب الشمس، فقد رماها في وقتها (٣) ولكن لو فات النهار، هل يَجوز له أن يرميها ليلًا أم لا؟ اختَلف العلماء في تحديد نهاية وقت رمي الجمار، هل بغروب الشمس أو بطلوع فجر اليوم الثاني؟ على قولين: القول الأول: جواز الرمي ليلًا، وأن آخِر وقت رمي الجمار هو طلوع فجر اليوم التالي. وهذا مذهب الحنفية، وقول للمالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (٤).

стр. 611

واستدلوا بالسُّنة والمأثور والقياس: أما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» (١). وَجْه الدلالة: تصريح النبي ﷺ برفع الحرج عمن رمى بعد ما أمسى، والمساء يَدخل فيه الليل، فدل ذلك على جواز الرمي ليلًا. ويدل على جواز الرمي ليلًا ما ورد من الإذن للرعاة أن يَرموا ليلًا، فعَنْ أَبِي بَدَّاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ، وَأَنْ يَجْمَعُوا الرَّمْيَ (٢). ونوقش بأن لفظة (رَخَّص) تدل على أن الإذن إنما كان لهم للعذر، ولا يقاس عليهم. وأجيب بأن الرعاة لا عذر لهم في الرمي؛ لأن بعضهم كان يمكن أن يستنيب بعضًا. وأما المأثور، فما ورد عن ابن عمر، أنه أَذِن لزوجته صفية وابنة أخيها أن ترميا بالليل. روى مالك: أَنَّ ابْنَةَ أَخٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ نُفِسَتْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَتَخَلَّفَتْ هِيَ وَصَفِيَّةُ حَتَّى أَتَتَا مِنًى، بَعْدَ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ تَرْمِيَا الْجَمْرَةَ حِينَ أَتَتَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا (٣). أما دليلهم من القياس، فإذا كان يَجوز الوقوف بعرفة ليلًا لأن الليل تبع للنهار، فكذا يجوز رمي الجمار بالليل؛ لأن الليل يتبع النهار، ولأنه إذا رُخص في رميها في اليوم الثاني، فالرمي بالليل أَوْلَى.

стр. 612

القول الآخَر: أن رمي الجمرة ليلًا لا يَجوز؛ لأن وقت الرمي يوم النحر ينتهي بغروب الشمس. وهو قول للمالكية، وأحد الوجهين عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فهو أن النبي ﷺ لم يَرْمِ الجمرات إلا نهارًا، فدل على عدم جوازه ليلًا. ونوقش بأَنَّ فِعله هذا للاستحباب؛ لأنه ﷺ أجاز مَنْ رمى مساء، والمساء يَدخل فيه الليل، فلما سأله رجل فقال: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». وأما المأثور، فما ورد عن ابن عمر قال: «مَنْ نَسِىَ أَيَّامَ الْجِمَارِ- أَوْ قَالَ: رَمْيَ الْجِمَارِ إِلَى اللَّيْلِ- فَلَا يَرْمِي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ» (٢). ونوقش بأنه مُعارَض بما ثَبَت عن ابن عمر من الترخيص لزوجته بالرمي ليلًا. والراجح: أنه يجوز الرمي ليلًا، فيمتد وقت جواز رمي كل يوم إلى فجر اليوم التالي، وأن آخِر وقت لرمي جمرة العقبة يوم النحر هو طلوع فجر أول أيام التشريق؛ لِما رواه ابن عباس قال: سأل رجلٌ النبي ﷺ فقال: رميتُ بعدما أمسيتُ، فقال: «لا حرج». المبحث الرابع: حُكْم الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة التي قبله: مَنْ قالوا بجواز الرمي قبل الزوال اختلفوا هل يَبدأ بطلوع الفجر أو الشمس؟ القول الأول: يَبدأ الرمي بطلوع الفجر. وهو رواية عند الحنفية وبعض الشافعية (٣). واستدلوا بأن طلوع الفجر هو أول النهار، كما في الصيام وغيره، وبه ينتهي وقت الرمي لليوم الذي قبله، فناسب أن يكون بداية للرمي في اليوم الجديد. القول الآخَر: يَبدأ الرمي بطلوع الشمس. وهو قول بعض الحنابلة (٤).

стр. 613

واستدلوا بما رُويَ عن ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ الآخِرِ، فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدْرُ». وَجْه الدلالة: (إِذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ) فدل ذلك على عدم جواز الرمي قبل طلوع الشمس. والراجح عند مَنْ أجاز الرمي قبل الزوال: جواز الرمي بطلوع الفجر؛ لأنه بداية اليوم ونهاية رمي اليوم السابق. وهنا مشكلة كبرى، وهي أن حُجاج أكثر الحَمَلات يَرمون الجمرات من منتصف ليلة الثاني عشر، وينصرفون من مِنًى في ذلك الوقت؛ وذلك بِناء على أن اليوم الجديد يَبدأ من الساعة الثانية عَشْرة مساء، كما هو معمول به في المطارات والحجوزات ونحو ذلك، فهل يَجوز الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة السابقة له؟ والجواب: لا يَجوز؛ لأن اليوم لا يَبدأ لغة ولا شرعًا قبل طلوع الفجر. والعلماء الذين قالوا بجواز الرمي قبل الزوال اختلفوا: هل يَبدأ الرمي بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس؟ ولم أقف على دليل مَنْ قال بجواز الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة السابقة له، إلا تجار الحملات. وبعضهم يذهب قبل منتصف الليل بنصف ساعة، من ليلة الثاني عشر، فيرمي لليوم الحادي عشر، ثم بانتهائه يدور بعد منتصف الليل، ويرمي لليوم الثاني عشر، وكأنه في نزهة خلوية، وقد نسي أن الحج جهاد، وقد قال النبي ﷺ : «لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ». وتأتي مِنًى بعد منتصف الليل، فتكاد تكون المخيمات خالية من الحُجاج، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولذا فلا اعتبار لهذا الرمي من منتصف ليلة الثاني عشر؛ لِما فيه من خداع وتغرير بالحُجاج بدون دليل، والله أعلم.

стр. 614

المبحث الخامس: نهاية وقت رمي الجمار أيام التشريق: ينتهي وقت الرمي أداء وقضاء بغروب شمس آخِر يوم من أيام التشريق، بالإجماع (١). واختَلف أهل العلم في آخِر وقت كل يوم للرمي على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن آخِر وقت كل يوم للرمي بغروب شمس كل يوم بيومه، ومَن أَخَّره فعليه دم. وهو مذهب المالكية (٢). القول الثاني: أن آخِر الرمي كل يوم من أيام التشريق بطلوع فجر اليوم التالي. وهو مذهب الحنفية (٣). القول الثالث: أنه إلى آخِر أيام التشريق، ومَن أَخَّره بعدها فعليه دم. وهو مذهب الشافعية والحنابلة وصاحبَي أبي حنيفة (٤). والراجح: أن أوقات الرمي تتفاوت، وهي ثلاثة: فوقت الفضيلة: من بعد الزوال إلى الغروب؛ لفعل النبي ﷺ . ووقت الجواز: من بعد غروب الشمس إلى طلوع فجر اليوم التالي. فقد سأل النبيَّ ﷺ سائل فقال: «رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ» أي: بعد دخول وقت المساء، والليل يَدخل فيه، فقال النبي ﷺ : «لَا حَرَجَ» فهذا يدل على جواز الرمي ليلًا، وإن كان السؤال يوم النحر، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ووقت النَّهْي: وهو من بعد الفجر حتى الزوال، والله أعلم.

стр. 615

المبحث السادس: تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق: اختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يَجوز تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق (اليوم الثالث عشر) ويرميه مُرَتَّبًا: رَمْي اليوم الأول، ثم رَمْي اليوم الثاني … وهكذا؛ لأنها في حُكم اليوم الواحد. وهو قول صاحبَي أبي حنيفة، ومذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فَعَنْ عَاصِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، ومِنْ بَعْدِ الغَدِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. وأما المعقول، فإن أيام التشريق كلها كاليوم الواحد، وقت للرمي، فإذا أَخَّره عن أول وقته إلى آخره أجزأه، كتأخير الوقوف بعرفة إلى آخِر وقته، وكذا جميع أيام التشريق وَقْت لذبح للأضاحي؛ فوجب أن تكون جميعها وقتًا لرمي الجمار. (٢). القول الآخَر: أن تأخير رمي كل يوم عن وقته يوجب الدم. وهو قول أبي حنيفة، ومذهب المالكية، وقول عند الشافعية (٣). واستدلوا بأن الرمي في كل يوم مؤقت به؛ لأن النبي ﷺ رمى كل يوم في يومه. ونوقش بِأَنَّ التَّرْخِيصَ بِجَمْعٍ أَيَّامَ الرَّمْيِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْقَاتَ الرَّمْيِ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ مَنْ رَمَى عَنْ يَوْمٍ فِي الَّذِي بَعْدَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلرِّعَاءِ فِي ذَلِكَ.

стр. 616

والراجح: أنه يصح تأخير رمي كل يوم إلى اليوم الثاني إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وكذا يجوز تأخير الرمي كله إلى آخِر أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر، ويرميه مرتبًا: رمي اليوم الأول، ثم رمي اليوم الثاني؛ لأن أيام التشريق كلها كاليوم الواحد، وقت للرمي، فإذا أَخَّره عن أول وقته إلى آخره أجزأه، كتأخير الوقوف بعرفة إلى آخِر وقته. ولإذن النبي ﷺ للرِّعَاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأْخير يوم إلى يومٍ آخَر إلا لعُذْر، فهو وَقْت له، ولكنه كالوقت الضروري، كمَن صلى العصر قبل غروب الشمس، فهو قد أداها في وقتها الضروري، فيأثم للتأخير إلا لعذر، والله أعلم. المبحث السابع: النَّفْر الأول إذا رمى الجمار ثاني أيام التشريق: إذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق، فيَجوز له أن ينفر إن أحب التعجل في الانصراف من مِنًى، هذا هو النَّفْر الأول، وبذلك يَسقط عنه المبيت ورَمْي اليوم الأخير. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. ولقوله ﷺ : «أيام منى ثلاثة: فمَن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومَن تَأخَّر فلا إثم عليه». قال ابن قُدامة: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنِ الْحَرَمِ، غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ، أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (١). المبحث الثامن: النَّفْر الثاني إذا رمى الجمار ثالث أيام التشريق: التأخير إلى ثالث أيام التشريق أفضل، فإذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق بعد الزوال، انصرف من مِنًى إلى مكة، ويسمى النَّفْر الثاني (٢). المبحث التاسع: مَنْ تَرَك الرمي حتى انقضت أيام مِنًى: اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على أن مَنْ تَرَك الرمي حتى انقضت أيام مِنًى، سَقَط عنه الرمي ووجب عليه الدم.

стр. 617

الفصل الثالث سُنن رمي الجمار الأولى: التقاط الجمار، كما فَعَل النبي ﷺ . الثانية: أن يكون الرمي بمثل حصى الخَذْف. الثالثة: طهارة الحصيات. الرابعة: المبادرة بالرمي، فيَرمي جمرة العقبة بعد وصوله إلى مِنًى يوم النحر. الخامسة: قَطْع التلبية مع أول حصاة يَرمي بها جمرة العقبة يوم النحر. السادسة: التكبير مع كل حصاة. السابعة: أن يَرمي الجمرة الصغرى، جاعلًا مِنًى عن يساره، ومكة عن يمينه. الثامنة: الدعاء الطويل عقب رمي الجمرة الصغرى والوسطى. التاسعة: الموالاة بين الجمرات الثلاث. العاشرة: النزول بالأبطح بعد خروج الحاج من مِنًى يوم النفر.

стр. 618

الفصل الثالث: سُنن رمي الجمار السُّنة الأولى: التقاط الجمار كما فَعَل النبي ﷺ -: وفيه مطلبان: المطلب الأول: لقط حصيات الرجم. قال ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَخْذُ الحَصَيَاتِ مِنْ حَيْثُ كَانَ (١). واختلفوا في موضع استحبابه على قولين: القول الأول: يُستحب أخذ حصى الجمار من مزدلفة. وبه قال المالكية والشافعية (٢). قال النووي: ولأن السُّنة إذا أَتَى مِنًى لا يُعَرِّج على غير الرمي، فاستُحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشتغل عن الرمي. وإِنْ أَخَذ الحصى من غيرها جاز (٣). القول الآخَر: يلتقطها من مزدلفة أو من طريقه وحيث شاء. وهو مذهب الحنفية، ونَصَّ عليه مالك والحنابلة (٤). فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: «الْقُطْ لِي حَصًى» فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: «أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا» (٥). وَجْه الدلالة: وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنَ الطَّرِيقِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 619

أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ مُزْدَلِفَةَ. وَعَلَيْهِ فِعْلُ الْمُسْلِمِينَ (١). المطلب الثاني: حُكْم الرمي بحجر قد رُمي به على جهة التعبد. اختَلف أهل العلم في حُكم الرمي بحجر قد رُمي به على جهة التعبد على قولين: القول الأول: جواز الرمي بحجر قد رُمي به من قبل، وإن كان الأَوْلَى تَرْكه. وهو مذهب الحنفية، والصحيح عند المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة (٢). واستدلوا بحديث جابر، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ». ولأن العبرة هي الرمي بحجر، وقد وُجد، استُعمل أو لم يُستعمل. القول الآخَر: أن الرمي بحجر قد رُمي به لا يجزئ. وهو قول للمالكية، والمُزَني من الشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا بما روى أبو سعيد قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْجِمَارُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا كُلَّ عَامٍ، فَنَحْتَسِبُ أَنَّهَا تَنْقُصُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا رُفِعَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَيْتَهَا أَمْثَالَ الْجِبَالِ» (٤). فكيف يُرمى بحجر لم يُقبل مرة أخرى؟! والراجح: جواز الرمي بحجر قد رُمي به، مع أن الأفضل التقاط الجمار كما فَعَل النبي ﷺ ، والحصيات التي تكون عند الجمرات قد سقطت أثناء الرمي، فيجوز الرمي بها. السُّنة الثانية: أن يكون الرمي بمثل حصى الخَذْف: فيُستحب أن يكون الرمي بمثل حصى الخَذْف. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٥). واستدلوا بحديث جابر ﵁ وفيه: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا

стр. 620

بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ». وروى مسلم: عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ- وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا - وَهُوَ مِنْ مِنًى - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» (١). السُّنة الثالثة: طهارة الحصيات: يُستحب أن يَرمي بحصى طاهرة؛ لعدم النص على اشتراط طهارة الحصى، ولصِدق اسم الرمي على الرمي بالحجر النجس. وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، ووَجْه عند الحنابلة (٢). ولا يُستحب غسل الحصى إلا إذا رأى فيها نجاسة ظاهرة، ولم يجد غيرها، فتغسل النجاسة لئلا تتنجس اليد أو الثياب؛ لأنه لم يَرِد عن النبي ﷺ أنه أَمَر بغسلهن (٣). السُّنة الرابعة: المبادرة بالرمي: فيَرمي جمرة العقبة بعد وصوله إلى مِنًى يوم النحر. السُّنة الخامسة: قَطْع التلبية مع أول حصاة يَرمي بها جمرة العقبة يوم النحر: وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بما روى الفضل، أن النبي ﷺ لم يَزَل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وَجْه الدلالة: أن الفضل كان رديف النبي ﷺ يومئذٍ، وهو أعلم بحاله من غيره. السُّنة السادسة: التكبير مع كل حصاة: يُستحب أن يُكبِّر مع كل حصاة. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٥).

стр. 621

واستدلوا بحديث جابر ﵁، وفيه: «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة». وإذا تَرَك التكبير، فليس عليه شيء بالإجماع (١). السُّنة السابعة: أن يَرمي الجمرة الصغرى، جاعلًا مِنًى عن يساره، ومكة عن يمينه. والوسطى والكبرى جاعلًا مِنًى عن يمينه، ومكة عن يساره. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية (٢). واستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﷺ (٣). فالحاصل: أنه يُستحب أن يَرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ويَجعل الكعبة عن يساره ومِنًى عن يمينه؛ لفِعل النبي ﷺ . وإن رماها من الجوانب الأخرى، أجزأه ذلك إذا وقع الحصى في المرمى، ويَجوز رمي الجمرات من أي جهة كانت، من فوقها أو من أسفل منها، من أمامها أو من خلفها. نَقَل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٤).

стр. 622

وهذا الإجماع منخرم؛ فقد نُقِل عن مالك: لا يرميها إلا مِنْ أسفلها (١). السُّنة الثامنة: الوقوف عند الجمرة الأولى (الصغرى) والثانية (الوسطى) وقوفًا طويلًا، بعد رمي كل منهما للدعاء، ولا يقف عند جمرة العقبة الكبرى. روى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ (٢). وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الأُولَى، وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا (٣). وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَفَضْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ، فَرَمَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ صَنَعَ (٤).

стр. 623

وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ. قَالَ: فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجَمْرَتَيْنِ الأُخْريَيْنِ (١). السُّنة التاسعة: الموالاة بين الجمرات الثلاث: استَحب جمهور العلماء الموالاة بين الجمرات الثلاث عند الرمي، مع الدعاء (٢). فالرسول ﷺ رمى الجمرة الصغرى، ثم تَنَحَّى فدعا طويلًا. فهذا من جنس العبادة؛ ولذا ينبغي للحاج ألا ينشغل في رمي الجمار إلا بالرمي والدعاء. السُّنة العاشرة: النزول بالأبطح بعد خروج الحاج من مِنًى يوم النفر: وَيُقَالُ: المُحَصَّبُ، سُمِّيَ بِهِ لِلْحَصْبَاءِ الَّتي فِيهِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُتَّسِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبُ، وَكَانَ مَوْضِعًا نَزَلَ بِهِ رسُولُ الله ﷺ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِنًى يَوْمَ النَّفْرِ وَقَبْلَ تَوْدِيعِهِ لِلْبَيْتِ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَقَدْ مَلَأَهُ العُمْرَانُ (٣). فالحاصل: استحباب نزول المُحَصَّب بعد خروجه من مِنًى يوم النفر وقبل توديعه للبيت؛ لفِعل الرسول ﷺ . وأما ما ورد عن عائشة وابن عباس، أن نزول الأَبْطَحِ ليس بسُنَّة (٤) لأن نزول الأَبْطَحِ غير مقصود، وإنما حَصَل اتفاقًا للاستراحة. فنوقش بأن في حديث أبي هريرة الإشارة إلى سببٍ دعا النبيَّ لاختيار ذلك الموضع منزلًا في طريقه لتوديع البيت، وهو قول النبي ﷺ : «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ» (٥). •١•

стр. 624

الفصل الرابع شروط الوكالة في الرمي الأول: أن يكون المُوكِّل عاجزًا عن الرمي. الثاني: أن يكون الوكيل مسلمًا عاقلًا بالغًا. الثالث: أن يكون الوكيل حاجًّا. الرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب (الوكيل) قد رمى عن نفسه جميع الجمار؟ وفيه مطلبان: المطلب الأول: في اشتراط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه. المطلب الثاني: حُكْم سفر المعذور قبل رمي وكيله.

стр. 625

الفصل الرابع: شروط الوكالة في الرمي: الشرط الأول: أن يكون المُوكِّل عاجزًا عن الرمي: لا خلاف بين العلماء في جواز الوكالة في الرمي لمن عجز عنه (١). فالحاصل: أن مَنْ عَجَز عن الرمي أو لا يقوى على مباشرة الرمي بنفسه؛ كالصبي والمريض وكبير السن، يَجوز لهم توكيل غيرهم في الرمي عنهم، والله أعلم. وذهب عامة أهل العلم إلى أن القادر على الرمي لا يَجوز له أن يُوكِّل غيره؛ إذ لو كان ذلك جائزًا لأَذِن النبي ﷺ للرعاة في توكيل غيرهم في الرمي؛ لِما في ذلك من المشقة في المجيء إلى مِنًى للرمي، وإنما أَمَرهم النبي ﷺ بجمع رمي يومين في يوم واحد، فكانت الوكالة خاصة بأهل الأعذار، كالمرضى والصبيان ومَن في حكمهم (٢). واستدلوا لذلك بما رُوي عن جابر قال: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ، وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ (٣).

стр. 626

وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحُجُّ بِصِبْيَانِهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ أَنْ يَرْمِيَ رَمَى، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَمَى عَنْهُ (١). واستدلوا بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ النِّيَابَةُ عَنْه فِي أَصْلِ الْحَجِّ، فَجَوَازُهَا فِي أَبْعَاضِهِ أَوْلَى. واستدلوا أيضًا بأن الرمي واجب لا يَسقط في حق أحد؛ ولذا فإنه يُرخَّص للمرضى وكبار السن الذين لا يستطيعون الرمي في الوكالة؛ لئلا يَفوت وقت الرمي؛ إذ لا يُشْرَع القضاء بعد فواته، بخلاف الطواف والسعي، فإنهما لا يفوتان فلا تُشْرَع النيابة فيهما. وذهب المالكية إلى أن مَنْ استناب غيرَه جاز فعله وعليه دم؛ لأن الإنابة إنما هي لرفع الإثم، وعليه الدم لأن في البدل نقصًا عن المبدل منه فيُجبر بدم (٢). الراجح: أن القادر على الرمي لا يَجوز له أن يُوكِّل غيره، وأنَّ مَنْ لم يستطع الرمي لعذر- يُشْرَع في حقه استنابة غيره، وأيام التشريق كلها كيوم واحد لأهل الأعذار، فإذا زال العذر في أيام التشريق فإنه يَرمي في اليوم الذي برأ فيه عن يومه الذي سبقه (٣). الشرط الثاني: أن يكون الوكيل مسلمًا عاقلًا بالغًا، فلا يصح أن يُوكِّل غيرَ بالغ لأن الحج في حقه نافلة، فلا يقوم بالرمي عن غيره؛ لأن البلوغ من شروط الوجوب. الشرط الثالث: أن يكون الوكيل حاجًّا: اشتَرط الحنابلة أن يكون الوكيل حاجًّا تلك السَّنة، وذلك لأن الرمي بعض أعمال الحج، فلا يصح الرمي إلا مِنْ حاج، ولو رمى الجمرات غير حاج فرَمْيه عبث إذ لم يصح رميه عن نفسه لأنه غير حاج، فكيف يصح رميه عن غيره؟! (٤).

стр. 627

الشرط الرابع: اشتراط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه، وفيه مطلبان: المطلب الأول: هل يُشترَط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه جميع الجمار. اختَلف العلماء في اشتراط ذلك على قولين: القول الأول: لا يُشترَط ذلك، وأنه يَجوز للوكيل أن يَرمي عن نفسه كل جمرة وحدها، ثم يَرمي عن موكله. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو وَجْه للشافعية (١). القول الآخَر: يُشترَط أن يكون النائب قد أتم رمي الجمرات الثلاث عن نفسه، ثم يعود فيَرمي عن موكله. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول للمالكية (٢). واستدلوا بأن أصل الحج لم يصح عن الغير حتى يحج عن نفسه، فكذا الرمي لا يصح عن الوكيل إلا بعد أن يُتِم الرمي عن نفسه؛ لأنه بعض الحج. ونوقش بأن حديث: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ضعيف ولا يصح. والراجح: أن الوكيل يَرمي عن نفسه سبع حصيات أولًا، ثم يرمي عن موكله سبع حصيات عند كل جمرة في موقف واحد؛ لأن تكليف النائب رمي الجمرات الثلاث عن نفسه أولًا، ثم يعود فيَرمي عن موكله- فيه مشقة وحرج، والله رَفَع الحرج. ولم يُنقَل اشتراط ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ حين رَمَوْا عن صبيانهم، ولو فعلوا ذلك لنُقل؛ لأنه مما تتوافر الهمم على نقله. المطلب الثاني: حُكْم سفر المعذور قبل رمي وكيله. مَنْ وَكَّل عن الرمي وسافر قبل رمي الوكيل لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون توكيله بلا عذر، بأن كان قادرًا على الرمي، فالتوكيل غير جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فيجب عليه دم؛ لتَرْكه واجبًا للحج. الحال الآخَر: أن يكون التوكيل بعذر، فمَن كان موعد سفره في الطائرة في اليوم الثاني عشر، وقد يتضرر بتأجيل السفر، فله أن يُوكِّل، ولا يَجوز له أن يطوف للوداع قبل رمي الوكيل، وعليه دم وذلك لوقوع طوافه في غير وقته؛ لأنه يكون بعد انتهاء رمي الجمرات.

стр. 628

الباب الحادي والعِشرون طواف الوداع وفيه تمهيد، وثمانية مباحث: المبحث الأول: حُكْم طواف الوداع. المبحث الثاني: شروط طواف الوداع. الشرط الأول: أن يكون من أهل الآفاق. وفي مطلبان: المطلب الأول: يُشترَط أن يكون الحاج من أهل الآفاق. المطلب الثاني: يطوف للوداع مَنْ كان منزله قريبًا من مكة. الشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس. الشرط الثالث: أن يكون طواف الوداع عند وداع الحَرَم. وفيه مطلبان: المطلب الأول: وقت طواف الوداع. المطلب الثاني: حد البقاء بعد الوداع، أو حُكْم مَنْ طاف طواف الوداع ثم مكث بمكة أو اشتغل بتجارة، فهل يعيد الطواف أم لا؟ المبحث الثالث: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكْم دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة. المطلب الثاني: إذا نوى بطوافه الوداع، فهل يجزئه عن طواف الإفاضة؟ المبحث الرابع: حُكْم مَنْ خرج قبل طواف الوداع. المبحث الخامس: حُكْم طواف الوداع للعمرة. المبحث السادس: فيمن طاف للوداع أول أيام التشريق، ثم عاد إلى مِنًى فبات، ورمى الجمار، وسافر لبلده من فوره ولم يَرجع للحَرَم، فهل يجزئه ذلك؟ المبحث السابع: هل صح دعاء مُعَيَّن بعد طواف الوداع؟

стр. 629

التمهيد: سُمي طواف الوداع؛ لأنه شُرِع لتوديع البيت ومفارقته (١). المبحث الأول: حُكْم طواف الوداع: اختَلف أهل العلم في حُكْم طواف الوداع على قولين: القول الأول: أن طواف الوداع واجب، ويجب بتركه دم، إلا أنه يُعْفَى عن المرأة الحائض. وبه قال الحنفية، وهو الصحيح عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). ففي «الصحيحين» من حديث ابن عباس قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- أَيْضًا- قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِى كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٤). وَجْه الدلالة: ما قاله الشوكاني: وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ أَمْرُهُ ﷺ بِهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ تَرْكِهِ، وَفِعْلُهُ الَّذِي هُوَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ (٥). قال ابن قُدامة: تَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهَا؛ إِذْ لَوْ كَانَ سَاقِطًا عَنِ الْكُلِّ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِذَلِكَ مَعْنًى (٦). وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ» (٧).

стр. 630

القول الآخَر: أن طواف الوداع مستحب، ولا يجب بتركه دم. وهو مذهب المالكية، وقول عن الشافعية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، ففي «الصحيحين» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ» (٢). وَجْه الدلالة: قوله ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي: حتى تطوف طواف الإفاضة، فلما قيل له: (إنها أفاضت) أي: طافت طواف الإفاضة، قال رسول الله ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ» ولم يقل لها: انتظري حتى تطوفي طواف الوداع بالإقامة له. ولو كان واجبًا لأُمِرَتْ بجبران ذلك بدم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وأما القياس، فإذا كان طواف القدوم سُنة لأنه تحية للبيت، فيقاس عليه طواف الوداع لتوديع البيت، ولو كان واجبًا لم يَسقط عن المكي. ونوقش بأن طواف الوداع شُرع لتودع البيت، والمكي لا يُودِّع البيت، فكيف يطوف للوداع وهو مقيم في الحَرَم؟! ولذا قال النبي ﷺ : «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». والراجح: أن طواف الوداع واجب، ويجب بتركه دم، إلا أنه يُعْفَى عن المرأة الحائض؛ لحديث ابن عباس: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». وقد دل على وجوب طواف الوداع من ثلاثة ألفاظ: الأول: لفظ: «أُمِرَ» والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك على وجوب طواف الوداع. الثاني: النهي لقول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». الثالث: قوله: «إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» فدل ذلك على وجوب طواف الوداع على غير الحائض.

стр. 631

المبحث الثاني: شروط طواف الوداع: الشرط الأول: أن يكون من أهل الآفاق: وفي مطلبان: المطلب الأول: يُشترَط أن يكون الحاج من أهل الآفاق، فلا يجب طواف الوداع على المكي بالإجماع. ولأن هذا الطواف إما وَجَبَ توديعًا للبيت، وهذا لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في وطنهم (١). المطلب الثاني: يطوف للوداع مَنْ كان منزله قريبًا من مكة: ذهب جمهور العلماء إلى أن طواف الوداع لكل خارج حدود الحرم، كالتنعيم وجدة وغيرهما؛ لقول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٢). الشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس: فيَسقط طواف الوداع عن الحائض إذا حان موعد السفر، وهما كذلك، ولا يجب عليهما دم بتركه، ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» (٣). وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ». قال النووي: هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ، وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ إِلَى طُهْرِهَا لِتَأْتِيَ بِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ (٤).

стр. 632

وقد رُوي عن بعض الصحابة إيجاب طواف الوداع على الحائض، وعليها دم في تركه. وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت … وغيرهم (١). واستدلوا بما رَوى أبو داود: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢). فتصريح الراوي بأن فتوى رسول الله: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِ الحَائِضِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ. ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن حديث الحارث محمول على ما إذا كان في الزمان نَفَس وفي الوقت مُهلة. فأما إذا أعجلها السير، فلها أن تَنفر من غير وداع؛ بدليل خبر صفية (٣). الثاني: أن حديث الحارث منسوخ بالأحاديث المُرخِّصة للحائض بترك طواف الوداع (٤). الثالث: أنه رُوي رجوع زيد وابن عمر إلى القول بسقوط الوداع عن الحائض (٥). والصحيح: أن طواف الوداع يَسقط عن الحائض؛ لثبوت ذلك بالسُّنة الصحيحة. وهل يُلْحَق بالحائض كل معذور يترتب على انتظاره ضرر ومشقة، فيَسقط عنه الوداع؟ الجواب: فيه تفصيل؛ فالمعذور لا يخلو من حالين: الأول: إذا كان يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فلا يَسقط عنه بحال؛ لِما روت أُم سلمة قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فقالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ

стр. 633

وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فأُم سلمة شَكَتْ ولم يَعذرها بشكواها، بل أَمَرها أن تطوف راكبة. الثاني: أن مَنْ لم يستطع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، يَسقط عنه طواف الوداع عند الحنفية وبعض الشافعية (١). فالحاصل: أنه إذا كان يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فلا يَسقط عنه طواف الوداع بحال، وإذا كان لا يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فإنه يَفدي، وهذا أحوط للدين وأبرأ للذمة، والله أعلم. الشرط الثالث: أن يكون طواف الوداع عند وداع الحرم: وفيه مطلبان: المطلب الأول: بداية وقت طواف الوداع: اختَلف أهل العلم في بداية وقت طواف الوداع على قولين: القول الأول: أن وقت طواف الوداع يَبدأ من نهاية أعمال مِنًى، فإذا رمى الحاج في اليوم الثاني عشر إذا كان متعجلًا، أو في اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجل، فإنه يَبدأ طواف الوداع ليكون آخِر عهده بالبيت. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٢). القول الآخَر: ذهب الحنفية إلى أن وقت طواف الوداع يَبدأ بعد طواف الإفاضة إذا كان عَزَم على السفر (٣). ونوقش بأن طواف الوداع يكون بعد انتهاء أعمال الحج ومغادرة الحَرَم؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». المطلب الثاني: حد البقاء بعد طواف الوداع، أو حُكْم مَنْ طاف طواف الوداع ثم مكث بمكة أو اشتغل بتجارة، فهل يعيد الطواف أم لا؟ اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مَنْ طاف طواف الوداع فلا يمكث بعده، فإن مكث بعده أو أقام أعاده، إلا إذا مكث مكثًا يسيرًا لانتظار رفقة أو نحو ذلك. وبه قال صاحبا أبي حنيفة، وهو

стр. 634

مذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». فهذا صريح في أن يكون آخِر عهد الحاج بمكة الطواف، ولا يمكث بعده. ومَن تشاغل كان آخِر عهده ما انشغل به، وما سُمي (طواف الوداع) إلا لأنه إنما وَجَب توديعًا للبيت. القول الثاني: يَجوز للحاج المكث بعد طواف الوداع ما شاء أن يمكث؛ لأن طواف الوداع لوداع النسك لا لوداع مكة، مع أن الأفضل طوافه للوداع. وهذا مذهب الحنفية (٢). ونوقش بأنه لو كان لوداع النسك لا لوداع مكة، لوجب على أهل مكة طواف الوداع. القول الثالث: أنه لا يعاد طواف للوداع إذا لم يَزد عن مُقام يوم وليلة بعد أدائه. وهذا مذهب المالكية (٣). والراجح: أن مَنْ طاف للوداع ثم أقام مدة طويلة عرفًا، فإنه يعيد الطواف؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». وإن أقام مدة يسيرة عرفًا، فإنه لا يعيد طواف الوداع، فيُغتفَر له أن يشتغل بعد طواف الوداع بأسباب السفر، كشراء الزاد، أو حَمْل الأمتعة أو انتظار رفقة … ونحو ذلك ولا يعيده؛ لأنه قد يكون في بعض الأحيان هناك مشقة في الطواف بعد الفجر، فإن طاف الساعة الثانية ليلًا فإنه يَجوز؛ لعدم الحرج والمشقة (٤). المبحث الثالث: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكْم دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة: إذا أَخَّر الحاج طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق وبعد أيام مِنًى، ثم طاف الإفاضة بعد نهاية مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده بعد طواف الإفاضة، فهل يَجوز أن يرجع إلى

стр. 635

بلده، ويكفي طواف الإفاضة عن طواف الوداع أم لا؟ على قولين: القول الأول: يَسقط عنه طواف الوداع؛ وذلك لأن آخِر عهده بالبيت الطواف. وهو مذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ». فإذا كان الحاج أُمِر أن يكون آخِر عهده بالبيت الطواف، وقد فَعَل ما أُمِر به، وقد ودع البيت بعد طواف الإفاضة ورجع إلى بلده، فيسقط عنه طواف الوداع. وأما القياس، فيقاس طواف الوداع على طواف القدوم، بأنه إذا كان طواف القدوم يَسقط عن الحاج المتمتع؛ لأنه انشغل بطواف العمرة، فكذا لا يجب طواف الوداع. القول الآخَر: أن الحاج إذا أَخَّر طواف الإفاضة بعد الانتهاء من مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده، فلا يَرجع إلى بلده حتى يطوف طوافًا آخَر للوداع أو يَجبر ذلك بدم لأنه واجب. وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في رواية (٢). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أي: الطواف، والمراد به هنا طواف الوداع، وليس طواف الإفاضة. ونوقش بأن مَنْ طاف للإفاضة ثم رجع إلى بلده في الحال، فقد فَعَل ما أُمِر به ووَدَّع البيت بالطواف، وإن كان طوافه هو طواف الإفاضة. وأما القياس، فاستدلوا بأنهما عبادتان واجبتان، فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو أن الحاج إذا أَخَّر طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق وبعد الانتهاء من مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده، يَسقط عنه طواف الوداع؛ وذلك لأنه فَعَل ما أُمِر به، وجَعَل آخِر عهده بالبيت الطواف. ولكن ينبغي لمن أراد أن يُدخِل طواف الوداع في طواف الإفاضة- أن تكون نيته عن
следующие страницы →