← Тараджим

Тараджим · id 14757

أعلام مالقة

ابن عسكر

Полный текст (378 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة كتاب أعلام مالقة التقديم والدراسة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. هذا كتاب نفيس طالما تشوق إليه الباحثون في التراث العربي. فهو يتعلق بتراجم أعلام حاضرة أندلسية، هي مالقة، كان لها دور مهم في بناء الحضارة والثقافة في دولة الإسلام بالأندلس. وهو بموضوعه هذا يمثل أحد كتب التراجم البلدانية الأندلسية التي نجت من التلف رغم عوادي الزمان وأحداث الضياع التي أصابت التراث العربي في هذا القطر. فهو بتراجم رجاله يكشف عما كانت تعرفه حاضرة مالقة من علم ونشاط في ممارسته تحصيلا وتدريسا وتأليفا. وهو بما يحتفظ به من حديث عن هؤلاء الرجال وآدابهم وسلوكهم وتصوراتهم ومواقفهم يقرب لنا بيئة الأندلس في حواضرها ومجالس علمائها وما كان يجري في ساحات الدرس بين طلبتها وأساتذتها. فهو يسد ثغرة كبيرة في تاريخ وأدب هذا الأندلس في التراث العربي، فيختص بما أنتجه رجال مالقة من علم وأدب وما ساهموا به من جهتهم في تجلية الصورة الثقافية العامة والخاصة في الأندلس. ولم يكن غيره ليسد ذلك طالما أنه ينفرد بالعديد من هذه التراجم والعديد من نصوص الأدب التي ارتبطت بأصحاب هذه التراجم شعرا ونثرا. ورغم الضرورة التي كانت تلح وبشدة على نشر هذا الكتاب والعمل على تحقيقه وتيسير الاستفادة منه، فقد كانت هناك موانع متعددة تحول دون ذلك. فالكتاب في أصله يوجد في نسخة خطية وحيدة. ومن سوء الحظ أن ناسخ هذا الأصل الفريد لم يكن ممن يتقن عمل النسخ، فوقع في النص التحريف والتصحيف وداخله الإسقاط والزيادة والتغيير. وهي الموانع التي ظلت تحول دون

стр. 3

تعميم الاستفادة من هذا النص والعمل على تحقيقه ونشره. ولطالما أوقفت هذه الموانع المحاولات الكثيرة التي قام بها العديد من الأساتذة في المغرب وغيره لتحقيق هذا النص وتخريجه. إلا أن إرادة الله في إخراج هذا النص وإحيائه وتيسير سبل نشره والاستفادة منه، قد آذنت فيه بالعمل لهذا العبد الضعيف ليقتحم مغالقه، وقربت إليه من الأسباب الإلهية والعلية ليتجاوز موانعه، وهيأت له من فضل الله كل الظروف من وقت وعلم وصحة لتكبر بجانبها آمال النجاح في بعث هذا الكتاب وإجراء قراءته. لذلك كان الإقدام على تحقيق هذا الكتاب وإخراجه بالصورة التي يعم بها النفع يحمل الإذن من الله تعالى في تجاوز تلك الموانع والتغلب عليها بالصبر والمتابعة واستيفاء النظر والتأمل والإخلاص في العمل وخلق فرص نجاحه. فتجاوز ما كان يعرف بالنسخة الوحيدة من هذا النص وما طرأ عليها من أعمال الناسخ بالتصحيف والتحريف والإسقاط والزيادة وغيرها مما كان يبدو في أول الأمر مستحيلا، قد بات بفضل الله أمرا ممكنا، مع تتابع العمل والإصرار على ملاحقته: بالتأمل الطويل أولا. فقد مرت عليّ أيام وأنا أراود في هذا النص بيتا شعريا أو جملة نثرية استعصت صياغتهما الواردة في الأصل أن تستقيم. فأقلب احتمالاتهما وأستوفي ما يحضر فيهما من لغة وصرف وتركيب وبلاغة. وبالاستفادة ثانيا من المصادر والمراجع والعودة إليها مرات متعددة لما يمكن أن تحمله من حل لغز الخفاء في النص أو ترجح الصواب في صيغة من صيغه. وقد استقام النص في النهاية بفضل الله، والله يؤتي الفضل من يشاء، ليغيب عنه البياض، وينجاب عنه ظلام التحريف والتصحيف والإسقاط والزيادة، فيصبح في وضع ينفع فيه الناس وتستجيب مواده للقراءة والاستفادة. وما كان ليتم هذا التحقيق وبهذه الصورة لولا مجهود الذين سبقوا بالعمل فيه. فأعمال الفقيه سيدي محمد بوخبزة، والأستاذ المنوني والأستاذ المرحوم بنتاويت التطواني، كانت خطوات مرحلية لا بد منها لتجاوز ما تسلط على هذا النص من موانع الإرجاف والتهويل والتخويف. فلهم الفضل في اقتحام موانع هذا النص ورسم معالم الطريق نحو إحيائه بالتخريج والتحقيق. وإنه بإحياء هذا الكتاب وتهيئه للقراءة

стр. 4

السليمة المفيدة نكون قد أضفنا جديدا إلى الثقافة العربية والإسلامية، وذلك بالكشف عن نص نادر فيه من الأدب والتاريخ ما لا نجده في مصدر آخر، وكذلك بإزاحة الأستار عن ملامح الأسلوب الثقافي والحضاري الذي صاغ به الإسلام بيئة الإنسان في الأندلس وطبعها به. وأخيرا أرجو من الله التوفيق والسداد، وحسبي الله ونعم الوكيل. طنجة ٣٠ رمضان ١٤١٤ موافق ١٣ مارس ١٩٩٤ الدكتور عبد الله المرابط الترغي

стр. 5

التقديم أولا: كتابة الترجمة وأصنافها: يعرف التراث العربي فائضا كبيرا في أعمال تراجم الرجال شمل أصناف المترجم بهم من العلماء والمحدثين والمفسرين والأدباء والشعراء واللغويين والنحاة والمتصوفة والأطباء وغيرهم، كما شملت هذه الأصناف أكبر التآليف في العربية حجما، وأوسعها مادة وأكثرها ذيولا وتكملة. ومفهوم الترجمة مما يجري في هذه المصنفات والتآليف يقوم في عمومه على تهيئة ظروف التعرف على المترجم به وإزالة حجب المجهول التي تكتنفه، وذلك إما بعرض تاريخي الميلاد والوفاة ومحلهما وذكر الطبقة التي ينتمي إليها الرجل زمانا ومكانا وعلما وخطّة وإما بذكر أخباره وأحواله ورحلاته وأشياخه وتلامذته ونشاطه في التدريس والتأليف والإنتاج الأدبي وممارسة الخطط وغيرها. ويبقى مجال التعرف على الرجل في كل هذا عملا نسبيا حسب ما يتيسر للمؤلف من مواد تزيل حجب هذا المجهول، أو مصادر معتمدة تقدم ما يتعرف به عليه، أو يعمل على تقريبه إلى القارئ. وتبقى هذه التراجم أصنافا متعددة حسب الطبيعة التي تبنى عليها الترجمة والجهة التي تسخر لها. فهناك من هذه الأصناف (١): ١ - صنف الترجمة العلمية العامة: وهي الترجمة التي تستهدف أساسا التعريف بالرجل في إطار انتمائه إلى صنف العلماء أو طبقة من طبقات الممارسين للعلم.

стр. 6

وميزتها أن المؤلف يستقي موادها من الوثائق والمصادر التي تتيسر بين يديه. ويمثلها عموما نص الترجمة الوارد في كتب تواريخ الرجال والطبقات وكتب الوفيات. ٢ - صنف الترجمة البرنامجية: وهي الترجمة التي يصوغها الرجل لأشياخه خاصة، فيستقي موادها من مواقفه الخاصة ومن معايشته للمترجم به ومشاهداته له في العموم. وتمثل هذه الترجمة بشكل عام نصوص الترجمات الواردة في كتب الفهارس والأثبات والبرامج والمشيخات ومعاجم الشيوخ. ٣ - صنف الترجمة البلدانية: وهي الترجمة التي يصوغها المؤلف لأجل التعريف بالرجل باعتبار شرط انتمائه إلى البلد الذي قامت عليه تراجم الكتاب، أو لمجرد إقامته أو مروره به فقط. وتبنى الترجمة هنا على طريقة الترجمة العلمية العامة، غير أنه يراعى في ذلك شرط الانتماء إلى البلد المعني بالأمر، بذكره والتنصيص عليه. ويمثل هذا الصنف من التراجم كتب تاريخ بغداد وذيوله وتواريخ مدينة دمشق، وحلب، والقاهرة، وغرناطة، وفاس وغيرها من بقية التواريخ البلدانية الخاصة بتراجم رجالها والطارئين عليها. ٤ - صنف الترجمة الأدبية: وهي الترجمة التي يبنيها المؤلف بقصد تهيئة الظروف لعرض ما أنتجه المترجم به من نماذج أدبية. ولا يستهدف منها تقديم معلومات حول المترجم به أو عرض أحواله أو ذكر وفاة وغيرها. وغالبا ما تصاغ هذه الترجمة بطريقة أدبية يتأنق الكاتب في لغتها بالأسجاع والمحسنات ليجعلها مدخلا لعرض أعمال الأدب. من هذه الترجمات ما ضمه كتاب قلائد العقيان للفتح بن خاقان، وما ضمه كتاب ريحانة الألباء للشهاب الخفاجي، وغيرهما. ٥ - صنف الترجمة الصوفية: وهو يمثل الترجمة التي يصوغها المؤلف بقصد تقريب المترجم به وهو في إطار انتمائه إلى رجال التصوف أو ممارسته له. فتركز موادها على ذكر الكرامات والمناقب وتعرض سلوك المتصوف وعبادته ومواقفه وأقواله ومعاملته للشيوخ والمريدين. ويمثل هذا الصنف التراجم الواردة في كتب طبقات الصوفية والمناقب مثل طبقات الصوفية للسلمي، وكتاب التشوف إلى رجال التصوف للتادلي، وغيرهما.

стр. 7

ثانيا: أعلام مالقة وكتابة التراجم بالأندلس: ينتمي كتاب أعلام مالقة وفقهائها وأدبائها إلى ما يدخل تحت صنف التراجم البلدانية. وهو صنف من التراجم عرفه الأندلسيون وعلى نطاق واسع في مختلف مراحل حياتهم الثقافية. فكتبوا من هذه التراجم البلدانية والإقليمية العدد الكثير، حتى إن أكثر كور الأندلس وحواضرها قد حظي بتأليف أو أكثر يعرف بمشاهير رجالها في العلم والفكر والرواية. فقد عرف إقليم الأندلس تآليف تخص رجاله عامة، فابتدأت مع: * كتاب طبقات الفقهاء لعبد الملك بن حبيب (١) (ت ٢٣٨). * وكتاب طبقات الكتاب لمحمد بن موسى الأقشتين (٢) (ت ٣٠٧). * وكتاب طبقات الكتاب بالأندلس لسكن بن إبراهيم (٣). * وكتاب طبقات شعراء الأندلس لعثمان بن ربيعة (٤) (ت قريبا من ٣١٠). * وكتاب في شعراء الأندلس لمحمد بن عبد الرءوف الأزدي (٥) (ت ٣٤٣) وهو كتاب بلغ فيه الغاية كما يذكر بن الفرضي. * وكتاب طبقات المحدثين لأبي القسم مسلمة بن القاسم (٦) (ت ٣٥٣). * وكتاب في تاريخ المحدثين لأبي عمر بن حزم الصدفي (٧) (ت ٣٥٠) بلغ فيه الغاية. * وكتاب في الشعراء من الفقهاء بالأندلس لقاسم بن أبي الفتح (٨) (ت ٣٣٨). * وتأليف في رجال الأندلس لخالد بن سعد (٩) (ت ٣٥٢).

стр. 8

* وكتاب طبقات الشعراء لأبي الوليد بن الفرضي (١) (ت ٤٠٣) وقد نقل منه في الصلة، وفي أعلام مالقة. * وكتاب في الفقهاء والقضاة بقرطبة والأندلس لمحمد بن عبد الله بن عبد البر (٢) (ت بعد ٣٣٠). * وكتاب في أخبار شعراء الأندلس لعبادة (٣) (ت ٤١٩). * وكتاب في طبقات القراء لأبي عمرو الداني (٤) (ت ٤٤٤). * وكتاب الحميدي في رجال الأندلس المسمى بجذوة المقتبس (٥). * وكتاب في طبقات الفقهاء بالأندلس لأبي الوليد بن الدباغ (٦). * وكتاب في طبقات العلماء والشعراء لأبي عامر السالمي (٧) (ت ٥٥٩) وقد نقل منه ابن عبد الملك في الذيل وسماه درر القلائد وغرر الفوائد في أخبار الأندلس وأمرائها وطبقات علمائها وشعرائها. * وكتاب في أخبار الزهاد والعباد بالأندلس لابن عفيون الغافقي (٨) (ت بعد ٥٨٤). * وكتاب مشاهير الوشاحين في الأندلس لأبي الحسن علي بن سعد الخير (ت ٥٧١)، وقد جرى فيه «على طريقة الفتح في المطمح والقلائد وبن بسام في الذخيرة، وابن الإمام في سمط الجمان» (٩). * وكتاب أنوار الأفكار فيمن حل جزيرة الأندلس من الزهاد والأبرار لأبي العباس بن الصقر (١٠) (ت ٥٦٩).

стр. 9

* وكتاب تاريخ الكتاب الأندلسيين لأبي عمرو محمد بن عيشون بن عمر بن صباح اللخمي (١) (ت ٦١٤). * وكتاب خضراء السندس في شعراء الأندلس لابن الأبار القضاعي (٢) (ت ٦٥٨) وغيرها من المؤلفات الخاصة برجال الأندلس مما عرفته الثقافة العربية التاريخية في الأندلس ووصلت هذه المصنفات إلى قمتها مع تاريخ علماء الأندلس (٣) لأبي الوليد بن الفرضي (ت ٤٠٣) الذي كان عمله هذا مثار استدراك وتكميل وتذييل من طرف العديد من علماء الأندلس والمغرب، فكتبت أشكال عديدة من هذه الذيول وذيول الذيول. غير أن أشهر هذه الذيول تأتي مع كتاب الصلة (٤) لأبي القاسم خلف بن بشكوال القرطبي (ت ٥٧٨) لتكون من جهتها مثار التذييل والتكميل مع عمل: أبي عبد الله بن الأبار القضاعي (ت ٦٥٨) في التكملة (٥). وأبي العباس أحمد بن فرتون الفاسي نزيل سبتة (ت ٦٦٠) في الذيل (٦). وأبي عبد الله محمد بن عبد الملك المراكشي (ت ٧٠٣) في الذيل والتكملة (٧). وأبي جعفر أحمد بن الزبير العاصمي الجياني (ت ٧٠٨ في صلة الصلة (٨). وأبي عبد الله محمد بن الخطيب السلماني (ت ٧٧٦) في عائد الصلة (٩). ومع غيرها من الذيول الأخرى التي لم تصل نصوصها إلينا أو لم يشتهر أمرها، لتتكوّن من هذه الصلات والذيول اليوم ما يعرف بسلسلة الصلات الأندلسية. ومع هذه المصنفات التي اختصت بإقليم الأندلس عموما، فقد عرفت الكتابة التاريخية في التراث الأندلسي مصنفات خاصة تنصرف إلى تراجم جهة معينة أو بلدة محددة من الأندلس، فيذكر في هذا كتب خاصة تهم:

стр. 10

١ - مدينة قرطبة، مثل: * قضاة قرطبة لابن حارث الخشني (١) (ت ٣٦١). * وفقهاء قرطبة لأحمد بن عبد البر (٢) (ت ٣٣٨). * والمؤتلف في فقهاء قرطبة وقضاتها لأبي عمر بن عفيف (٣) (ت ٤٢٠). * ومنها أخبار ومناقب من دفن من الصالحين بقرطبة لأبي القاسم بن الطيلسان (٤) (ت ٦٤٢). ٢ - ومدينة طليطلة، مثل: * تاريخ فقهاء طليطلة لأبي جعفر بن مطاهر (٥) (ت ٤٨٩). ٣ - ومدينة غرناطة، مثل: * فقهاء البيرة لمطرف بن عيسى الغساني الإلبيريّ (٦) (ت ٣٥٧). * وشعراء البيرة لنفس المؤلف أيضا (٧). * ومنها ما رآه ابن حزم وذكره في رسالته في فضل الأندلس «من أخبار شعراء البيرة في نحو عشرة أجزاء» (٨). * وتاريخ علماء البيرة لأبي القاسم الملاحي (٩) (ت ٦١٩). وهو غاية في بابه، وقد أكثر من النقل عنه كل من ابن الزبير في صلة الصلة، وابن الخطيب في الإحاطة. * ومنها: الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (١٠) (ت ٧٧٦)، وغيرها.

стр. 11

٤ - ومدينة مالقة، مثل: * فقهاء رية لابن سعدان (١). وسماه ابن الفرضي في بعض الأحيان بفقهاء مالقة، ونقل عنه (٢). وكانت مالقة من قبل تدعى رية (٣). * ومنها ما رآه ابن حزم وذكره في رسالته في فضل الأندلس، وهو «كتاب مجزأ في أجزاء كثيرة في أخبار رية وحصونها وحروبها وفقهائها وشعرائها، تأليف أبي إسحاق بن سلمة القيني» (٤). * ومنها تقاييد في أدباء مالقة لأبي عمرو بن سالم المالقي (ت ٦٢٠). وقد نقل عنه كثيرا في أعلام مالقة لا بني عسكر وخميس، وفي غير موضع (٥). * ومنها كتاب في موثقي مالقة وفقهائها لأبي الطاهر السبتي المالقي (٦) (ت ٦١٢). وقد نقل منه كثيرا في أعلام مالقة في غير موضع (٧). * ومنها تاريخ أدباء مالقة المسمى بالإعلام بمحاسن الأعلام من أهل مالقة الكرام، لأصبغ بن أبي العباس (٨) (ت ٥٩٢). وقد نقل منه في غير موضع من أعلام مالقة من صياغة ابن خميس (٩). وقد كان العمل على تذييل هذا الكتاب هو ما أنتج كتاب أعلام مالقة الذي بين أيدينا، والذي نقدمه اليوم إلى القارئ الكريم. ابتدأ تذييله القاضي أبو عبد الله بن عسكر. ثم اخترمته المنية قبل إتمامه فأتمه ابن أخته أبو بكر بن خميس.

стр. 12

* ولذلك سمي هذا الذيل: الإكمال والإتمام في صلة الإعلام بمحاسن الأعلام من أهل مالقة الكرام. أو مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار فيما احتوت عليه مالقة من العلماء والرؤساء والأخيار (١). * وقد كان ذلك كله مستهدفا لذيل رابع من صنع القاضي أبي الحسن النباهي (ت بعد ٧٩٤). فقد نقل عنه ابن الخطيب في غير موضع من كتاب الإحاطة (٢). ولما كان الكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القارئ - وهو أعلام مالقة - عملا مشتركا بين ابن عسكر وحفيده ابن خميس، كان لا بد من تقديم نعرف فيه بالرجلين ونقربهما بترجمة مقتضبة إلى القارئ. ثالثا: ترجمة المؤلفين: القاضي أبو عبد الله بن عسكر (٣) (ت ٦٣٦): محمد بن علي بن عبيد الله بن الخضر بن هارون الغساني، يعرف بابن عسكر. من أهل مالقة، وأصله من قرية بغربيها. ولد في حدود سنة ٥٨٤ ونشأ بمالقة حيث أخذ على شيوخها العلم والرواية. فأخذ عن: الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الخولاني الأديب، يعرف بالزوالي (٤) (ت ٦١٦). والشيخ أبي جعفر أحمد بن عبد الحميد الجيار المالقي (٥) (ت ٦٢٤). والشيخ أبي بكر عتيق بن علي المربيطري يعرف بابن قنترال (٦) (ت ٦١٢). والشيخ أبي الحسن علي بن أحمد بن علي الغافقي الشقوري (٧) (ت ٦١٦).

стр. 13

والشيخ أبي الحجاج يوسف بن الشيخ البلوي المالقي (١) (ت ٦٠٤). والشيخ أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي القمارشي (٢) (ت ٦٣٧) وهو من أصحابه. والشيخ أبي سليمان داود بن حوط الله الأنصاري الأندي (٣) (توفي وهو يتولى قضاء مالقة عام ٦٢١). والشيخ أبي علي عمر بن عبد المجيد الرندي (٤) (ت ٦١٦). والشيخ الأديب أبي عمرو سالم بن صالح بن سالم (٥) المالقي (ت ٦٢٠). والشيخ أبي الفضل عياض بن محمد بن عياض (٦) (ت ٦٣٠). والشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن الحسن الأنصاري يعرف بالقرطبي (٧) (ت ٦١١). والشيخ أبي القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي الملاحي (٨) (ت ٦١٩). والشيخ أبي محمد عيسى بن سليمان الرعيني الرندي (٩) (ت ٦٣٢).

стр. 14

والشيخ أبي محمد عبد الله بن حوط الله الأنصاري الأندي (١) (ت ٦١٢). وغيرهم من بقية علماء حواضر الأندلس والمغرب. واستفاد من إجازات المشارقة التي تشملها إفادات الراحلين إلى المشرق من علماء الأندلس وطلبته. فاتسعت مشيخته وكثر رجالها. وتنوعت معارفه والعلوم التي حصل عليها من علوم القرآن، والفقه والنحو والتاريخ، وغيرها، فأخذ عنه الناس ببلده واستجازه الطلبة الراغبون في علمه من الأندلس وغيره. فأخذ عنه: ابن أخته أبو بكر بن خميس الأنصاري المالقي، وابن أخته الأخرى أيضا، القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن علي بن برطال الأموي المالقي، وأبو بكر بن أبي العيون، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر البرّي التلمساني، وأبو عبد الله بن الأبار القضاعي، وأبو القاسم بن عمران، وغيرهم. وكتب بالإجازات إلى مختلف الأصقاع. وتشتهر إجازته لأهل العراق البغداديين حيث ضمنها شعرا ونثرا (٢). مارس الإفتاء، وشاوره القضاة، بجانب اشتغاله بالعلم تدريسا وتأليفا. ثم تولى القضاء بمالقة نيابة عن القاضي أبي عبد الله بن الحسن الجذامي مدة على عهد دولة أبي عبد الله بن هود. ثم تولى قضاء مالقة مستقلا، حينما تصيرت مالقة إلى دولة أبي عبد الله بن نصر، فسار في الناس سيرة حسنة وأقام العدل، فحمدت أفعاله، وأحكامه. وتوفي وهو يتولى قضاء مالقة في شهر جمادى الآخرة سنة ٦٣٦. مؤلفاته: ترك ابن عسكر كثيرا من المؤلفات في مختلف العلوم والفنون التي أتقنها ومارس العمل فيها مطالعة وتدريسا. منها (٣):

стр. 15

١ - المشرع الروي في الزيادة على غريبي الهروي، وهو في غريبي القرآن والحديث. ٢ - أربعون حديثا، التزم فيها موافقة اسم شيخه اسم الصحابي. وقد وصفها كل من ابن خميس وابن عبد الملك في الذيل بأنه رائد في هذا لم يسبق إليه. بل اعتبرها ابن عبد الملك من الأعمال التي تدل على اتساع مشيخة ابن عسكر بكثرة أسماء الرواة الواردين فيها من العلماء (١). ٣ - نزهة الناظر في مناقب عمار بن ياسر. وقد ألفه لأحد أصفيائه من أسرة بني سعيد وهو القائد عبد الله بن سعيد. فعرف فيه بأسرة بني سعيد وبجدهم عمار بن ياسر. وقد نقل منه ابن خميس في ترجمة القائد المذكور (٢). ٤ - الجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر. وقد ألفه للواعظ الضرير أبي محمد بن أبي خرص. ٥ - رسالة ادخار الصبر في افتخار القصر والقبر. ٦ - شرح الآيات التي استشهد بها سيبويه في الكتاب (٣). ٧ - تكملة كتاب التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام لأبي القاسم السهيلي، أسماه التكميل والإتمام لكتاب التعريف والإعلام. ٨ - فهرسة شيوخه. وهي التي يحيل عليها ابن الزبير في صلة الصلة عند ترجمة ابن عبد المجيد الرندي، فقال عند ذكر تلامذته: «روى عنه القاضي أبو عبد الله بن عسكر، وذكره. وكان يثني عليه ويعتمده ..» (٤). ولا شك أنه يحيل على ذكره في الفهرسة وليس في كتاب أعلام مالقة، لأن ترجمة الرندي الواردة في أعلام مالقة هي من صياغة ابن خميس، وهي مما استدرك به على ابن عسكر (٥). ومما هو ثابت أن ابن عسكر قد جمع فهرسة عرف فيها بشيوخه. وقد أحال

стр. 16

عليها ابن أخته ابن خميس في أعلام مالقة ونقل منها، فقال في ترجمة أبي محمد القرطبي: «وذكره خالي رحمة الله عليه في أشياخه، فقال: ومن شيوخي ﵏ الشيخ ..» (١). ٩ - الإكمال والإتمام في صلة الإعلام بمحاسن الأعلام من أهل مالقة الكرام، وهو بتسمية أخرى: مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار فيما احتوت عليه مالقة من الأعلام والرؤساء والأخيار وتقييد ما لهم من المناقب والآثار (٢). وهو الكتاب المشهور بأعلام مالقة، والذي نقدم اليوم إلى القارئ نصه. والكتاب في أصله ذيل على كتاب أصبغ بن أبي العباس المسمى بالإعلام بمحاسن الأعلام من أهل مالقة الكرام. والمعروف أن ابن عسكر قد وافته المنية قبل أن يكمل هذا الذيل، ولذلك تممه ابن أخته أبو بكر بن خميس، فكان لذلك كتاب أعلام مالقة عملا مشتركا بين الرجلين: ابن عسكر وابن خميس.

стр. 17

أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن خميس ١ - اسمه ونسبه: يرد اسمه ونسبه في طالعة القطعة الموجودة من أعلام مالقة بهذه الصفة: أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن خميس. ويرد نفس الاسم والنسب في الذيل والتكملة عند ترجمة خاله بن عسكر، فقال: «… فتولى كماله - أي كتاب أعلام مالقة - ابن أخته أبو بكر بن محمد بن خميس المذكور» (١). فهو بهذا يشترك مع والده في التسمية بمحمد. ولذلك لم نظفر له بترجمة فيما بين أيدينا من أسماء المحمدين في كتاب الذيل والتكملة، إذ تصادف ترجمة من اسمه محمد بن محمد الجزء السابع المفقود من الكتاب. ولست أدري ما هي علاقة أبي بكر هذا بأسرة ابن خميس المتواجدة آنذاك بحاضرتي اسطبونة، والجزيرة الخضراء. فهي أنصارية النسب. ولا أستبعد أن يكون أبو بكر بن خميس أنصاري النسب أيضا، ومن أبنائها. غير أن الظروف الطارئة وجهته لينشأ في بيت خاله القاضي بن عسكر بمالقة. وتشتهر أسرة ابن خميس هذه بممارسة العلم تدريسا وتأليفا، ومزاولة الخطابة في كل من الجزيرة الخضراء وسبتة. وقد تخرج من أبنائها جماعة من العلماء. فمن أشهرهم - زيادة على أبي بكر بن خميس - نذكر * محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن خميس الأنصاري (٢). فهو حسب سلسلة نسبه يعتبر من أقارب أبي بكر بن خميس، إذ يلتقي معه في جده

стр. 18

محمد بن علي بن خميس. ولد باسطبونة عام ٦١٣ وانتقل إلى الجزيرة الخضراء ليتولى خطابة جامعها، ويتصدر للتدريس بها. وبها توفي عام ٦٨٨.أخذ عنه كثير من علماء عصره. في مقدمتهم ابنه أبو جعفر أحمد، وابن عبد الملك الأنصاري المراكشي صاحب الذيل، وابن رشيد السبتي وغيرهم. * موسى بن فتح بن خميس الأنصاري (١) من أهل الجزيرة الخضراء، وبها توفي بعد سنة ٦٣٠ وهو ابن عم والد الخطيب أبي عبد الله المتقدم ذكره. كما يذكر ضمن شيوخه الذين روى عنهم. * أبو جعفر أحمد بن الخطيب أبي عبد الله بن خميس المتقدم الذكر. من أهل الجزيرة الخضراء. وقد أخذ عن والده الخطيب المذكور. * ولده أبو عبد الله محمد بن خميس الأنصاري الجزيري (٢). نزل سبتة بعد دخول النصارى إلى بلده. وتولى الخطابة بسبتة فاشتهر بذلك. له مؤلفات عديدة. وأخذ عنه كثير من أعلام سبتة والأندلس. توفي بسبتة عام ٧٥٠. ٢ - ولادته ونشأته: إذا كنا لم نظفر بترجمة مفصلة لابن خميس لغياب المصادر التي يمكن أن تكون قد عرفت به، وانحجابها عنا، فإن الذي بين أيدينا مما بقي من كتاب أعلام مالقة وتتميمه، يقدم لنا على الأقل مادة أولية يمكن أن نستشف منها ما يمكن أن نتعرف به على الرجل في جانب من جوانب حياته، أو في نشاط من أنشطته العلمية. فنحن لا نعرف تاريخ ولادة أبي بكر بن خميس بالضبط، ولا تاريخ وفاته أيضا. غير أننا نعرف أنه كان بين سنتي ٦٣٦ هـ - وهو تاريخ وفاة خاله ابن عسكر - و ٦٤٢ هـ - وهو تاريخ وفاة شيخه أبي عبد الله الأستجي الحميري (٣) - كامل الأهلية العلمية، وقادرا على التأليف ومتابعة تتميم كتاب أعلام مالقة الذي كان قد ابتدأه خاله ابن عسكر، وتوفي دون إكماله.

стр. 19

فقد ورد في التتميم عند ذكر شيخه أبي عبد الله الإستجي الدعاء له بالبقاء (١)، وهو أمر يقطع بأن العمل في هذا التتميم كان يجري وشيخه هذا ما يزال على قيد الحياة. وقد علمنا أن شيخه أبا عبد الله الإستجي كان قد رحل عن مالقة سنة ٦٣٩، وأنه توفي بغرناطة سنة ٦٤٢.فكم كان عمر أبي بكر بن خميس حين وفاة خاله ابن عسكر سنة ٦٣٦.وكم كان سنه لحظة الاشتغال بكتاب أعلام مالقة وتتميمه؟. لعل في كتاب أعلام مالقة من الملاحظات ما يمكن أن يقرب لنا مجال التعرف على أبي بكر بن خميس وتاريخ ولادته. فأول ملاحظة تستقطب في هذا السياق أنه - وإلى حدود منتصف العقد الثالث من القرن السابع الهجري - كان ابن خميس ما يزال صغير السن لم يصل بعد إلى مستوى الأخذ عن الشيوخ والاستفادة منهم. فهو لم يأخذ عن الشيخ أبي علي عمر بن عبد المجيد الرندي (٢) (توفي بمالقة عام ٦١٦)، ويصفه فقط بشيخ شيوخنا (٣). ولم يأخذ عن الأديب أبي عمرو بن سالم الهمداني المالقي (٤) (توفي بمالقة عام ٦٢٠) رغم أنه ينقل عنه وعن مقيداته ومعلقاته كثيرا، إما من خطه مباشرة أو بواسطة خاله. ويصفه في بعض التراجم بشيخ شيوخنا (٥). ولم يأخذ عن أبي جعفر أحمد بن عبد المجيد الجيار المالقي (٦) (توفي بإشبيلية عام ٦٢٤)، ولا يرد ذكره في أعلام مالقة إلا باعتباره شيخا لخاله ابن عسكر (٧). بل إنه لم يأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن دحمان الأنصاري المالقي (٨) (توفي

стр. 20

بمالقة عام ٦٢٧)، فيكتفي فقط عند الحديث عنه بإيراد ما ذكره الناس له أو بما خبروه عنه (١). وليس في أعلام مالقة ما يفيد أنه تنبه إلى الأخذ عن الشيوخ الكبار ممن أدركهم آنذاك بمالقة من أمثال أبي الفضل عياض الحفيد (٢) (توفي بمالقة عام ٦٣٠)، وأبي محمد بن عبد العظيم الزهري (٣) (توفي بمالقة عام ٦٣٠)، وهما معا من شيوخ خاله القاضي بن عسكر. غير أن الشيخ الوحيد الذي جلس إليه في هذه الحقبة هو شيخه في القرآن محمد بن عمار المكتب الذي توفي بمالقة عام (٤) ٦٢٤.فهو أول شيوخه في التعلم، وقد احتضنه في المكتب وهو ابن ست سنوات، ولا أراه حسب الترجمة التي صاغها له في أعلام مالقة قد طالت مدة الأخذ عليه وملازمته له. ومعنى هذا أنه إلى حدود سنة ٦٢٧ لم يكن ابن خميس قد اشتد عوده ليبدأ مرحلة الأخذ عن الشيوخ والجلوس إليهم. ولذلك لا نجد من شيوخه ممن ذكرهم في أعلام مالقة من تقدمت وفاته على سنة ٦٣٠. فإذا افترضنا أن مرحلة الأخذ عن الشيوخ والجلوس إلى حلقاتهم تبدأ في الأغلب مع مرحلة البلوغ من عمر الطالب، أي بعد حفظه القرآن والمتون العلمية - تأكد لنا بالتقريب أن ولادة أبي بكر بن خميس لا محالة قد تمت خلال إحدى سنوات العقد الثاني من القرن السابع. يؤكد هذا أنه حين ذكر بعض أصحابه في أعلام مالقة، سمى منهم ابن المعلم (٥)، وأبا بكر حميد (٦). وقد تبين أن هذا الأخير قد ولد بمالقة سنة ٦٠٧.فالذي يصفه أبو بكر بن خميس بصاحبنا لا شك سيكون قرينا له أو قريبا منه في سنه وعمره، وستجمع بينهما طبقة واحدة ..

стр. 21

وإذا تبين بالتقريب تاريخ ولادة ابن خميس، فإن الذي لا يتبين لنا هو تاريخ وفاته. فلا أعرف شيئا عن نشاط الرجل بعد سنة ٦٣٨ وهي السنة التي يرد ذكرها في أعلام مالقة (١)، حيث كان ما يزال يشتغل في جمع وصياغة مواد الكتاب وتراجمه. ولا أعرف شيئا عن أعماله ومواقفه، ولا عن المدى الذي امتد إليه عمره خلال القرن السابع للهجرة. فالرجل كما نرى قد ابتدأ حياته في سنة من سنوات العقد الثاني من القرن السابع على وجه الترجيح. وكان ما يزال حيا في أواخر العقد الرابع من هذا القرن، حيث كان ينجز تتميم كتاب أعلام مالقة. ٣ - شيوخه: يعترضنا في الحديث عن شيوخ أبي بكر بن خميس عارضان اثنان: أولهما: أنه ليس بين أيدينا لائحة كاملة، على غرار العادة، تسجل أسماء شيوخ الرجل. فغياب ترجمته المفصلة عنا، وضياع المصادر التي يحتمل أن تكون قد أنصفته بترجمة مطولة تفصح عن أحواله أو أفردته برسم يتعرّف به بين رجالها - قد غيب عنا أيضا ما جرت العادة أن تضمه التراجم المفصلة من ذكر للائحة الشيوخ الذين أخذ عنهم المترجم به أو من ذكر لائحة تلامذته الآخذين عنه. فلا شيء بين أيدينا من لائحة شيوخ أبي بكر بن خميس، غير ما أورده الحديث العارض في أعلام مالقة، أو ما انجرّ إليه الذكر في بعض تراجم كتاب الذيل والتكملة. وهو ذكر يبقى في عمومه عبارة عن إشارات خاطفة لا تجتمع عندها لائحة شيوخ كاملة، ولا تفصح عن نوعية العلاقة العلمية في تلك المشيخة، ولا مدى أثرها على علم الطالب وشخصيته وأعماله. فباستثناء خاله القاضي محمد ابن عسكر الذي يحتمل أن يكون أثره كبيرا في صنع شخصية أبي بكر بن خميس، فإن بقية الأسماء العارضة لا تكاد تتحدد معها سمة العلاقة العلمية التي تجعلها ضمن مشيخته، فأحرى أن تكشف سر التأثير في تكوين شخصيته أو توجيهها وجهة معينة. ولا شك أن أبا بكر بن خميس - وقد كانت نشأته بمالقة في فترة زاهرة بالعلماء

стр. 22

وزاخرة بأسماء الشيوخ الكبار من مسندي الحديث وغيرهم - قد جلس إلى كثير من حلقات العلم في مالقة، وحضر إلى شيوخ كثيرين ممن ضمتهم مجالسها العلمية آنذاك. ولو وصل إلينا نص الترجمة الذي خصه به ابن عبد الملك في جزئه السابع من الذيل، لوجدنا لائحة كبيرة من أسماء شيوخه - على عادة تراجم أمثاله وأقرانه - تضم جل علماء مالقة آنذاك، وكثيرا من علماء غرناطة والمرية وغيرها من بقية حواضر الأندلس الكبرى، وغيرها. ثانيهما: أن ما يرد ذكره في أعلام مالقة من إشارات إلى تسمية شيوخه أو ما يتحدث فيه المؤلف بضمير المتكلم عن هؤلاء الشيوخ والأخذ عنهم، هو مما يجب الحذر فيه والتحفظ منه. ذلك أن كل ترجمة من تراجم أعلام مالقة - حسب النص الموجود بين أيدينا منه - تحتمل أن تكون من صياغة القاضي بن عسكر أو حفيده أبي بكر بن خميس. ولا يمكن الفرز بين عمل الرجلين إلا في جانب محدود منه. فالكتاب من إنتاج الرجلين معا، ابتدأه الأول منهما وفاجأته وفاته دون إتمامه فأتمه الثاني. فهما معا قد اشتركا في صياغة تراجم رجاله. غير أنه ليس هناك حد فاصل بين التراجم التي صاغها هذا أو ذاك. وليس هناك تمييز بين عمل الرجلين سوى ما يمكن أن يستفاد من ثنايا هذا العمل أو من إحالات تراجمه. وعلى هذا فاستغلال أعلام مالقة لاستخلاص ما يهم في معرفة شيوخ ابن خميس هو أمر يقتضي: أولا: تمييز صيغة الترجمة إن كانت من صنع ابن عسكر أو حفيده ابن خميس، ولو في حدود ترجيحية معقولة. ثانيا: اتخاذ الاحتياط الزائد والحذر الفائق في الاعتماد على الإشارات الواردة في الكتاب فيما يخص مشيخة ابن خميس والأخذ بها. ثالثا: الاستعانة بالمصادر الأخرى التي تشير إلى أخذ ابن خميس أو تتلمذه على هذا الشيخ أو ذاك. ورغم أن ما سيتحصل بين أيدينا من أسماء هؤلاء الشيوخ سيبقى قليلا، فإننا لا نجد مفرا من خوض هذه التجربة والاعتماد على ما تفرزه دراسة الكتاب من ملاحظات وإشارات في الموضوع.

стр. 23

وانطلاقا من كل هذا، وبعد التمحيص لتراجم أعلام مالقة، نورد ما تحصل بين أيدينا من شيوخ ابن خميس، وهم: ١ - محمد بن علي بن عسكر الأنصاري (ت ٦٣٦) (١): وهو خال ابن خميس الذي أشرف على تربيته وسهر على تعليمه وتنشئته في العلم والطلب. ويرد في ترجمة القاضي ابن عسكر من الذيل وغيره التنصيص على أخذ ابن أخته أبي بكر بن خميس عنه واستفادته منه، كما يرد في أعلام مالقة وفي غير موضع منه النقل عن خاله والإحالة عليه، من خطه، ومن قوله. وقد عبر في ترجمته له في أعلام مالقة بما يكشف عن مكانته شيخا، وقريبا، وعالما من علماء مالقة فقال: بعد أن أورد وصفه وحدّد ممارساته في العلم والخطة، وبعد أن صوّر سلوكه وسمّى شيوخه: «… وإنما نبهت عليه هذا التنبيه، وذكرت بعض ما كان من المحاسن فيه، مخافة أن ينقرض الزمان فتنقرض أخباره، ويفنى ناس عصره فتنسى مآثره وآثاره. وليقف من لم يدركه على مناقبه الجميلة، ويشاهد بعض مآثره الحميدة ومنازعه الجليلة. وما زالت مناقب الأئمة تجلو وتذكر، وتذاع وتنشر. وإذا كان من العلم قد تعيّن شرعا، واستحسن طبعا، فحقّه عليّ آكد الحقوق، وسكوتي عن الاعتناء بتخليد مناقبه ضرب من العقوق» (٢). ولا أدل على تأدية هذا الحق أكثر من الاشتراك في تأليف هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القارئ، وتتميم العمل فيه. ٢ - محمد بن عبد الله الحميري المالقي الاستجي (٣) (ت ٦٤٢): ذكر أخذه عنه في كتاب أعلام مالقة في غير موضع. فقال في ترجمة والده عبد الله الاستجي ما نصه: «هو والد شيخنا ومعلمنا الفقيه الأستاذ العالم أبي عبد الله أبقاه الله» (٤).

стр. 24

وذكره أيضا في ترجمة أبي عامر بن حسون فقال: «وذكر لي شيخي ومعلمي الفقيه الأجل الأستاذ العالم المتحقق أبو عبد الله الاستجي …» (١). وحين ترجم له في الذيل سمى من الآخذين عنه: أبا بكر بن خميس، وأبا الحكم مالك بن المرحل (٢). ويبدو من خلال ما حلاه به من أوصاف أنه يمثل عمدته في الدرس والتعليم، وأن أخذه عنه واستفادته منه كان من الاتساع والكثرة بحيث أصبح شيخه ومعلمه في آن واحد. وأبو عبد الله الاستجي هذا من أهل مالقة ومن علمائها الذين مارسوا وعلى نطاق واسع أصناف الدرس الحديثي والأدبي واللغوي بجامع مالقة. وإذا كان هذا الشيخ أبو عبد الله الاستجي من حيث المبدأ على شرط كتاب أعلام مالقة وتراجم رجاله، فإن تلميذه ابن خميس لم يفرده برسم في كتابه، ولم يخصص له ترجمة تعرّف به سوى ما انجر إليه الذكر عرضا في تراجم غيره. ولعل سبب ذلك يرجع إلى أن اشتغال ابن خميس بجمع تراجم الكتاب كان في وقت ما يزال فيه شيخه هذا على قيد الحياة، فقد دعا له بطول البقاء عند ذكره (٣). ولا شك أن شرط الذكر في كتاب أعلام مالقة عند ابن خميس إنما يتم بحصول وفاة المترجم به. وقد تأخرت وفاة أبي عبد الله الاستجي التي حدثت بغرناطة إثر تحوله إليها وإقامته بها، إلى سنة ٦٤٢. وأبو عبد الله الاستجي حسب ما يذكر في ترجمته كان ذا مشاركة في فنون من العلم والأدب. أقام حلقته بجامع مالقة وأقرأ بها الصحيح وغيره. غير أنه يغلب عليه الأدب والاهتمام به. وقد كانت ميوله الأدبية مصدر نقمة عليه إذ سببت خروجه من بلده مالقة (٤). ويصفه في الإحاطة بأنه «الشيخ المتفنن الأديب البارع الشاعر المفلق» (٥). وإذا كان ابن الخطيب قد أورد له أشعارا كثيرة وأنثارا عديدة (٦)، فإنه قد أورد

стр. 25

له نص إجازة تأنق فيها غاية، وضمنها ما كان قد أنجزه من التآليف، فقال: « وقصائدي المسماة بالروحانيات، ومعشراتي الحبيبات، وما نظمته من الوتريات، وشرحي لشعر أبي الطيب المسمى بظهور الإعجاز بين الصدور والأعجاز، وكتابي المسمى شمس البيان في لمس البنان، والزهرة الفائحة في الزهرة اللائحة، ونفح الكمامات في شرح المقامات، واقتراح المتعلمين في اصطلاح المتكلمين، وكتاب التصور والتصديق في التوطئة لعلم التحقيق، ورقم الحلل في نظم الجمل، ومفتاح الإحسان في إصلاح اللسان، وما أنشأته من السلطانيات نظما ونثرا وخطابة وشعرا ..» (١). ولا شك أن استفادة أبي بكر بن خميس من حلقات هذا الشيخ كانت واسعة وكثيرة، ولا سيما في ميداني الأدب والتأليف. ٣ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد الله الأوسي يعرف بالقرطبي: وصفه بشيخنا في غير موضع من كتاب أعلام مالقة، ونقل عنه. فذكره في ترجمة والده أبي عبد الله القرطبي فقال: «هو والد شيخنا الفقيه الأجل الخطيب المحدث الورع أبي إسحاق القرطبي أكرمه الله» (٢). وذكره في ترجمة محمد بن الولي أحد طلبة مالقة الأدباء ناقلا عنه ما نصه: «أنشدني شيخنا الفقيه الأديب المحدث أبو إسحاق القرطبي أكرمه الله» (٣). والملاحظ أنه في كلا الموضعين يصفه - علما - بالفقيه المحدث الأديب، ويصفه - سلوكا - بالورع الأجل. ولا شك أنه أهل لذلك وأوفق للوصف القائم به. ولا أدري ماذا أخذ عنه أبو بكر بن خميس من العلوم والفنون. وإن كنت لا أستبعد أن يكون من الشيوخ الذين لازم مجالسهم العلمية، وكثر أخذه عنهم واستفادته منهم في مختلف العلوم والفنون التي اتصفوا بها. وقد أخذ أبو إسحاق القرطبي عن أبي الحجاج بن الشيخ البلوي فسمع عليه كثيرا (٤)، وعن أبي علي عمر بن عبد المجيد الرندي (٥) وغيرهما. كما أخذ عنه من المشاهير أبو بكر بن خميس، وأبو جعفر بن

стр. 26

الزبير. وقد نقل عنه هذا الأخير في صلة الصلة ووصفه بالخطيب الورع (١). ويحيل في ترجمة جده عبيد الله الأوسي إلى ما تقدم من ترجمة ابنه، وحفيده أبي إسحاق (٢). ٤ - محمد بن سعيد الطراز الغرناطي (٣) (ت ٦٤٥): أشار ابن خميس إلى أخذه عنه، فنعته بشيخنا في ثنايا ترجمة محمد بن نوح الغافقي فقال: ونقلت من خط الشيخ الفقيه المحدث المقرئ الراوية أبي عبد الله بن سعيد الغرناطي أكرمه الله - وأنشدني صاحبنا الفقيه الأجل الأديب أبو بكر حميد بن الأستاذ أبي محمد القرطبي، وكتب به إليه شيخنا الفقيه المحدث المقرئ الراوية أبو عبد الله بن سعيد - لابن نوح مما أنشده أبوه ..» (٤). والطراز المذكور أحد من اهتم بالرواية واتساع الأخذ وسماع الحديث وكثرة لقاء الشيوخ. وقد اشتهر عنه - زيادة على محبة الناس له، وإتقانه الوراقة وكتابة أعلاق المصنفات - عملان كبيران: أولهما: برنامجه الذي عرف فيه بشيوخه وضمنه الكثير من الفوائد. ثانيهما: إخراجه كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض من مسودته. وكان القاضي عياض قد تركه في نهاية من «النسخ والإدماج والإشكال وإهمال الحروف» (٥)، حتى غاب الانتفاع به، فاستوفى ما نقل منه المؤلف بالرجوع إلى المصادر والأصول، وأخرج بذلك الكتاب على أحسن وجه دون أن يسقط منه حرف أو كلمة. ويعرف عن ابن سعيد الطراز أنه بعد تجوله في طلب العلم ولقاء الشيوخ، استقر ببلده غرناطة حيث كانت وفاته بها سنة ٦٤٥. ولم يصرح أبو بكر بن خميس بطريقة الأخذ التي انتسب بها إلى شيخه هذا،

стр. 27

ولا الكيفية التي ربطت بين الطالب والشيخ. فهل أخذ عنه بمالقة في بعض رحلات الشيخ إليها، أو أن ابن خميس قد جلس إلى حلقات الشيخ الطراز بغرناطة. أم أن الأخذ اقتصر فقط على الإجازة والمكاتبة. ٥ - أبو محمد عيسى الرعيني الرندي المالقي (ت ٦٣٢) (١): ذكر أخذه عنه وقراءته عليه أثناء ترجمته في أعلام مالقة، فقال: «قرأنا عليه بمالقة كثيرا» (٢). وأحال في الذيل على بعض تلامذته فسمى منهم أبا بكر بن خميس (٣). وقد كان لعيسى الرعيني الرندي رحلة طويلة إلى المشرق استغرقت ستة عشر عاما أكثر فيها من الأخذ عن الشيوخ واللقاء بأصحاب الرواية والسماع منهم. وعاد إلى الأندلس عام ٦٣١ فنزل بمالقة حيث أخذ عنه طلبتها وعلماؤها. واهتبلوا بالرواية عنه، لأنه أتى من المشرق «بفوائد جمة، وأوصل إجازات كثيرة من جلة من شيوخ البلاد العراقية والشامية نفعه الله بذلك. وكان في نهاية من الضبط والثقة ومعرفة الرجال وصحة الرواية …» (٤)، «مميزا صحيح الحديث من سقيمه، مبرزا في علومه» (٥). وإذا كان ابن خميس لم يعين المادة العلمية التي استفادها من هذا الشيخ، فإن مشهور ما حلّق به عيسى الرعيني في مالقة عند عودته من المشرق، كان في أساسه ينصرف إلى درس الحديث وروايته. ولذلك فهو - في الأغلب - شيخ له في الحديث والرواية والإسناد. وقد شارك ابن خميس خاله القاضي أبا عبد الله بن عسكر في الأخذ عن هذا الشيخ (٦).

стр. 28

٦ - محمد بن يوسف بن عمار المكتب (ت ٦٢٤) (١): شيخ أبي بكر بن خميس في المكتب. وهو أول من أقرأه القرآن وعلّمه. وكان يعطف عليه وهو ابن صغير من ست سنوات، فيعامله معاملة لينة، ويحنّ عليه كما لو كان أبا أو قريبا له. ولعل ذلك للعلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين الشيخ وخال ابن خميس القاضي بن عسكر. وقد كان الشيخ ابن عمار صاحب مكتب بمالقة، غير أنه كان على جانب مهم من العلم والاهتمام بالأدب وممارسته. وقد احتفظ أعلام مالقة بمراجعات شعرية ونثرية تبادلها هذا الشيخ مع القاضي أبي عبد الله بن عسكر. ولم يمتد عمر هذا الشيخ فيستفيد منه ابن خميس في مجالات العلم والأدب، إذ توفي الشيخ وابن خميس ما يزال حدثا لم يبلغ درجة الأخذ. ٧ - عبد الله بن يوسف بن الشيخ البلوي (ت ٦٣٣) (٢): ترجم له في أعلام مالقة وذكر أخذه عنه بقوله: «وقد أجازني وتلفظ بالإجازة» (٣). وعبد الله هذا كانت له رواية واهتمام بالعلم. أخذ عن والده أبي الحجاج بن الشيخ، وعن كثير من علماء مالقة والأندلس، ورحل إلى المشرق حيث أقام بالعراق ثلاثة أعوام أخذ فيها على علماء بغداد ومشايخها. وقد تحصلت له رواية واسعة، كما تحصل له علم كثير في الفقه والأصول والتفسير وغير ذلك. وقد أخذ عنه كثير من طلبة مالقة وعلمائها. في مقدمتهم ابنه أبو محمد عبد العظيم (٤) ابن الشيخ، وأبو بكر بن خميس. وتوفي بمالقة في محرم عام ٦٣٣.

стр. 29

٨ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم الباهلي المالقي (١) (ت ٦٤٢): وصفه بشيخنا في أعلام مالقة حين الحديث على شعراء المقامة المحسنية (٢) فقال: «ولشيخنا الفقيه …» وأبو محمد الباهلي من مشاهير علماء مالقة، ومن أقران القاضي بن عسكر. وصفه ابن الزبير بأنه كان فقيها أديبا فصيحا سنيا (٣). وكان له مجلس حافل بجامع مالقة كثير الإفادة والانتفاع. أخذ عن أبي الحجاج بن الشيخ وأبي عمرو بن سالم وغيرهما من علماء مالقة. وأخذ عنه كثير من طلبة مالقة، مثل أبي بكر بن خميس وأبي عبد الله الطنجالي، وغيرهما. وتوفي بمالقة عام ٦٤٢. ٩ - أبو زيد عبد الرحمن الخزرجي القمارشي (٤) (ت ٦٣٧): صرح ابن خميس بالأخذ عنه فقال: «قرأت عليه وأخذت عنه وأجازني إجازة عامة» (٥). وهو أي القمارشي من جلّة طلبة مالقة، له اهتمام بالحديث رواية عن أبي جعفر بن حكم وغيره. كان في أول أمره فقيها يعقد الوثائق ثم صار في آخر عمره معلم كتاب بداخل مالقة فأخذ عنه الناس واستفادوا منه. وفي موضع كتابه لقيه أبو الحسن الرعيني فأخذ عنه وأجازه (٦). أخذ عنه من علماء مالقة القاضي أبو عبد الله بن عسكر (٧)، وهو في عداد أصحابه، وأبو بكر حميد (٨)، وأبو بكر بن خميس، وغيرهم. وتوفي بمالقة عام ٦٣٧.

стр. 30

١٠ - أبو القاسم القاسم بن الطيلسان الأنصاري (١) (ت ٦٤٢): أورد ذكره ابن خميس في أعلام مالقة معلما إياه بشيخنا فقال في ترجمة أبي عبد الله القرطبي: «وذكره شيخنا الفقيه المحدث الخطيب أبو القاسم بن الطيلسان أكرمه الله في كتابه المسمى باقتطاف الأنوار واختطاف الأزهار في ذكر أشياخه فقال …» (٢). وأبو القاسم بن الطيلسان هو آخر الجلة الكبار من رجال العلم والرواية بالأندلس. اتسعت مشيخته مشرقا ومغربا، وغزر علمه، وكثرت روايته فأصبح من كبار المسندين في عصره. وقد اشتهر بتآليفه الكبيرة المهمة، فكتب معجم شيوخه الكبير وغرائب رواياتهم، وجمع مجاميع في صلحاء الأندلس وغيرهم ممن عرف قبره بقرطبة. ونزل مالقة بعد سقوط بلده قرطبة في يد النصارى، فتولى خطابة جامعها وتصدر للإقراء ورواية الحديث. فأخذ عنه عدد كبير من علماء عصره من أهل مالقة وغيرهم، وفيهم أبو بكر بن خميس وأبو الحسن الرعيني. وتوفي بمالقة عام ٦٤٢. مؤلفات أبي بكر بن خميس: لا أعرف لأبي بكر بن خميس من أعمال تأليفية غير عملين اثنين: الأول: هو أعلام مالقة وهو الذي تمم به عمل خاله ابن عسكر في تذييله لإعلام أصبغ في أدباء مالقة. وأعلام مالقة هو العمل الذي نقدمه محققا إلى القارئ في هذا السياق. وستكون لنا وقفة تعريفية بالكتاب نتحدث فيها عن مواده وعمل ابن خميس فيه. الثاني: هو تخميس لقصيدة المنفرجة لأبي الفضل بن النحوي. وهو عمل شعري يعبر به ابن خميس عن طبيعته الأدبية ويشارك به في إنتاج العمل الأدبي. وما يزال هذا التخميس مخطوطا بالأسكوريال رقم ١٣٩٣ (فهرس ديرنبورغ) ضمن مجموعة تخاميس أندلسية للقصيدة المذكورة.

стр. 31

رابعا: أعلام مالقة بين ابن عسكر وابن خميس: لقد قلت سابقا بأن النص الذي بين أيدينا من أعلام مالقة تعاقب على تأليفه رجلان اثنان هما القاضي بن عسكر وابن أخته أبو بكر بن خميس. وقد تلاشت بين عمل هذين الرجلين - حسب ما هو موجود بين أيدينا من نص أعلام مالقة - الفوارق والفواصل التي تعين هذا العمل أو ذاك. فالقارئ لتراجم أعلام مالقة الآن لا يعرف إن كانت الترجمة التي يقرأها، هي من صياغة ابن عسكر أو من حفيده ابن خميس. إلا أن يقوم بفحص دقيق لمواد الترجمة عسى أن تفرز جانبا يترجح به انتساب هذه الصياغة إلى هذا أو ذاك، وإلا أن يستعين ببعض المصادر التي تنسب عمل الترجمة صراحة إلى أحدهما دون الآخر. فهل كان وضع أعلام مالقة حين إنجازه على هذه الصفة التي انتهى بها إلينا اليوم، تختلط فيه أعمال مؤلفيه وتتداخل بين مواده التراجم التي أنجزا صياغتها. وهل الذين اعتمدوا عليه ونقلوا منه من المؤرخين وكتاب التراجم قد وقع إليهم بهذه الصفة أيضا من الشيوع والاختلاط بين مواده وأعمال مؤلفيه. لعل الحسم في هذا الأمر يقتضي وقفة متأنّية تستقصى فيها أصناف النقول والإحالات الواردة في مختلف المصادر التي اعتمدت أعمال ابني عسكر وخميس في أعلام مالقة. فمن خلال هذه النقول نجد في كثير من الأحيان الإحالات المحددة التي تنصرف إما إلى ابن عسكر فتسميه وحده، وإما إلى ابن خميس فتسميه وحده أيضا. وهو أمر يدل على أن حدود عمل الرجلين في صياغة تراجم أعلام مالقة كان معروفا ومميزا عند المشتغلين بالتراجم وأصحاب التواريخ الذين نقلوا من أعلام مالقة. فقد نقل من هذا الكتاب أو أحال عليه كل من ابن عبد الملك المراكشي في الذيل والتكملة، وابن الزبير العاصمي في صلة الصلة، وابن الخطيب السلماني في الإحاطة، وأبي الحسن النباهي في المرتبة العليا. والملاحظ أن نقول هؤلاء جميعا تجري وفق وتيرتين اثنتين:

стр. 32

الوتيرة الأولى: وفيها يتم إيراد النص المنقول دون إحالة تذكر، لا إلى المؤلف ولا إلى اسم الكتاب فيرد نص من أعلام مالقة دون إشعار سابق أو لا حق بعملية النقل. ولولا وجود نص أعلام مالقة بين أيدينا لما تبين لنا نقل، ولا شيء من ذلك أصلا. وقد أشرنا إلى كثير من هذه النقول في محلها أثناء عرضنا لنص تراجم أعلام مالقة. ولم نستغل نقول هذه الوتيرة هنا لاحتمال أن يكون النقل قد وقع من مصدر آخر يشترك مع أعلام مالقة في إيراد هذا النص. الوتيرة الثانية: وخلالها تتم الإحالة على المصدر المنقول منه، إما بتسمية الكتاب أو مؤلفه، مصدرا به أو منتهيا منه. وقد تتم الإحالة على المصدر ولو لم يرد النقل منه، مقتصرا في ذكره على عرض المظان التي عرفت بالمترجم به على عادة تراجم كتب الصلات الأندلسية. وستكون الإحالات في صنف هذه الوتيرة الثانية أكثر أهمية في تحديد وضعية أعلام مالقة وتمييز حدود العمل فيه بين مؤلفيه ابن عسكر وابن خميس. ١ - فقد ورد في الذيل النقل عن كل من عمل ابن عسكر وعمل ابن خميس. وفي كل مرة يتحدد المصدر بتسمية المؤلف، فلا يختلط فيه هذا مع ذاك، مما يدل على أنه كان بين يدي ابن عبد الملك العملين معا وقد استقل كل منهما عن الآخر. * ففي ترجمة أبي العباس أحمد الأندرشي ويعرف بابن اليتيم، يختم ابن عبد الملك مشيخته بقوله «… وقد ذكره الأستاذ أبو عبد الله بن علي بن عسكر في كتابه …» (١). ثم نقل عنه مناقشات بعض الشيوخ لروايته. * وفي ترجمة أبي الفضل عياض الحفيد (ت ٦٣٠) يصدر نقله عن أعلام مالقة بقوله: «قال أبو عبد الله بن عسكر: لما تزوجت (٢) …».

стр. 33

* وفي ترجمة أبي عبد الله بن الفخار المالقي وبعد نقول كثيرة من مصادر مختلفة، يصدر نقله عن أعلام مالقة بقوله: «وقال أبو عبد الله بن عسكر: كان في أول …» (١). وإذا كانت هذه النقول قد ورد فيها اسم ابن عسكر صراحة على أساس أنها عند ابن عبد الملك ترجع إلى عمل مستقل من إنتاج ابن عسكر، فإنه أثناء نقول أخرى من كتاب أعلام مالقة قد أحال على أبي بكر بن خميس. * ففي ترجمة أبي التقي صالح بن المعلم ورد عنه النقل كالتالي: «قال أبو بكر بن خميس: حدثني صاحبنا الفقيه …» (٢). فتبين من هذا أن ما كتبه القاضي بن عسكر من تراجم أعلام مالقة، كان مميزا ومستقلا عن تراجم التكميل التي ذيل بها أبو بكر بن خميس أصل أعلام مالقة، وأن ما كان يتم من نقل عن الأصل أو الذيل إنما كان ينسب إلى صاحبه بشكل صريح بذكر تسميته كما هو عمل ابن عبد الملك هنا. ٢ - أما في صلة الصلة لابن الزبير فإنه لا ترد هذه النقول أو الإحالات على أعلام مالقة إلا وورد ذكر أبي بكر بن خميس. وقد وردت الإحالات عليه في التراجم التالية: * ترجمة مغاور بن عبد الملك بن مغاور. وفيها ما نصه: «وذكره ابن خميس في التتميم» (٣). * صالح بن جابر الغساني. وفيها ما نصه: «ذكره ابن خميس، وقال …» (٤). * ترجمة صالح بن علي … بن سلمة. وقد ختم الترجمة بقوله: «ذكره ابن خميس في تتميمه» (٥). * عبد الله بن أحمد الحميري الاستجي. وفيه ما نصه: «ذكره ابن خميس» (٦).

стр. 34

* عبد الله بن حوط الله الأنصاري. وقد ختم ترجمته بقوله: «… وذكره ابن خميس» (١). * ترجمة عبد الله بن رضوان. وفيها ما نصه: «… وذكره ابن خميس، وقال …» (٢). * عبد الله بن حسن البرجي، وفي ترجمته ما نصه: «ذكره ابن خميس، وقال …» (٣). * ترجمة عيسى بن عياش القيني. وقد ختم ترجمته بقوله: «وذكره ابن خميس في تتميمه» (٤). * ترجمة عيسى الرعيني الرندي. وقد أحال فيها على ابن خميس وناقش ما أورده في ترجمته فقال: «… وذكره الشيخ في الذيل وابن خميس في تتميمه فوهم في شيوخه ورحلته، وقال …» (٥). * في ترجمة علي المعافري. وقد ختم ترجمته بقوله: «وذكره ابن خميس في تتميمه» (٦). * ترجمة علي ابن عسكر. وختمها بقوله: «وذكره ابن خميس» (٧). وهو خال خاله ابن عسكر. * ترجمة علي بن عبيد الله العلوي الشريف. وختمها بقوله: «ذكره ابن خميس في أدباء مالقة، وقال …» (٨). بالإضافة إلى نقول أخرى لم يصرح فيها بالنقل (٩).

стр. 35

ويتبين من هذا أن ابن الزبير لا يحيل إلا على ذيل ابن خميس ولا ينقل إلا منه، إلا مرة واحدة أحال فيها على ابن عسكر عند ترجمة عمر بن عبد المجيد الرندي، فقال عنه: «روى عنه القاضي أبو عبد الله بن عسكر، وذكره. وكان يثني عليه ويعتمده».وهي إحالة تحتمل أن يكون ابن عسكر قد ذكر شيخه هذا في مصدر آخر غير أعلام مالقة كالفهرسة مثلا. وإلا لماذا كانت هذه الإحالة الفريدة في صلة الصلة، وهو مما يرجح أن ابن الزبير لم يطلع إلا على ذيل ابن خميس وحده، دون الأصل الذي كتبه ابن عسكر. يؤكد هذا ورود مجموعة من التراجم في صلة الصلة (١) دون أن تحمل إشارة إلى ابن عسكر أو عمله ولو بمجرد ذكره ضمن مظان الترجمة فقط. هذا مع العلم بأن لأصحاب هذه التراجم ذكرا حافلا في عمل ابن عسكر. فلو أن ابن الزبير اطلع على تراجم الأصل من أعلام مالقة أو تحصلت بين يديه لنقل منها أو لأحال على ابن عسكر فيها على الأقل، وذلك جريا على العادة في تسمية المظان في ختام الترجمة. ويتأكد لنا من هذا مرة ثانية، ومن خلال نقول صلة الصلة، أن كلا من عمل ابن عسكر وابن خميس في أعلام مالقة كان مستقلا عن الآخر ومميزا عنه، وليس في الوضعية المختلطة كما انتهى إلينا الموجود من أعلام مالقة. ٣ - أما ابن الخطيب فهو يذكر الأصل والتتميم في طالعة كتاب الإحاطة عند عرضه مصنفات التراجم والتواريخ البلدانية، فقال: «… وتاريخ مالقة لأبي عبد الله بن عسكر، تركه غير متمم، فتممه بعد وفاته ابن أخته أبو بكر بن خميس» (٢). ثم يذكر نقله من الأصل والتتميم في كتابه الإحاطة عند ترجمة ابن عسكر وعد

стр. 36

مؤلفاته فقال: «… ومنها الإكمال والإتمام في صلة الإعلام بمجالس الأعلام من أهل مالقة الكرام. وله اسم آخر، وهو مطلع الأنوار ونزهة الأبصار فيما احتوت عليه مالقة من الرؤساء والأعلام والأخيار وما تقيد من المناقب والآثار. واخترمته المنية عن إتمامه، فتولى إتمامه ابن أخته أبو بكر محمد بن خميس المذكور. وقد نقلت منه في هذه الكتاب» (١). وقد تعددت النقول والإحالات إلى أعلام مالقة في كتاب الإحاطة، غير أن ابن الخطيب وهو ينقل أو يحيل كان يسمي صاحب العمل باسمه. فيسمي ابن عسكر حين ينقل عنه، ويسمي ابن خميس حين يورد النقل عنه أيضا. مما يدل على أن عمل الرجلين معا كانا عند ابن الخطيب مستقلين مميزين لا اختلاط بين موادهما أو تراجمهما كما هو حال أعلام مالقة الموجود بين أيدينا اليوم. وهكذا وردت في الإحاطة نقول تعزى إلى عمل ابن عسكر، مصدرة بتسميته والإحالة عليه، منها: * في ترجمة إدريس بن يعقوب الموحدي (٢). * وفي ترجمة الحاجب باديس بن حبوس (٣). * وفي ترجمة الحسن بن محمد النباهي (٤) (ت ٤٧٢). * وفي ترجمة الحسن بن كسرى (٥). * وفي ترجمة محمد بن عبد الله بن فطيس (٦). كما وردت نقول تعزى إلى عمل ابن خميس، مصدرة بتسميته والإحالة عليه، منها: * في ترجمة محمد بن عياش التجيبي (٧).

стр. 37

* وفي ترجمة أبي عمرو بن سالم (١)، حيث أحال على ما أورده من شعر في تتميمه عند ترجمته. * وآخر إحالة صريحة إلى ابن خميس نجدها في ترجمة الكاتب أبي محمد البزلياني المالقي (ت ٤٤٠) حين صدر ترجمته بقوله: «ذكره ابن خميس في تكملته وأثنى عليه وأثبت له نظما كثيرا» (٢). ٤ - ويأتي ذكر المرقبة العليا لأبي الحسن النباهي باعتبارها مصدرا يورد الكثير من النقول والإحالات على أعلام مالقة من عمل ابن عسكر وابن خميس. والملاحظ أن أبا الحسن النباهي وقد تابع العمل في تاريخ مالقة بصنعه ذيلا (٣) يتمم به تواريخها السابقة، كان قد تيسر بين يديه نصوص هذه التواريخ مستقلة بذاتها مميزة تراجمها لا تداخل فيها ولا اختلاط بين موادها، ولا سيما أعمال كل من ابن عسكر وابن خميس في تراجم أعلام مالقة. ولذلك كان وهو يتحدث عن قضاة الأندلس ويصوغ تراجم رجالها، يعود إلى عمل ابن عسكر فينقل عنه أو يحيل عليه في: * ترجمة الحسن النباهي قاضي رية. وضمنها إشارة صريحة إلى أن ابن عسكر صدر كتابه بوصف مالقة (٤). * وفي حديثه عن إدريس بن حمود (٥). * وفي حديثه عن الحاجب باديس بن حبوس (٦). * وفي ترجمة محمد بن الحسن النباهي الجذامي (٧). * وفي ترجمة أبي عبد الله بن خليفة الأنصاري (٨).

стр. 38

* وفي ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن المالقي (١). * وفي ترجمة القاضي حمدين بن حمدين (٢). * وفي ترجمة القاضي محمد بن سماك العاملي (٣). * وفي ترجمة القاضي ربيع بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري (٤). ويعود القاضي أبو الحسن النباهي من جهة أخرى إلى عمل ابن خميس في أعلام مالقة فينقل عنه في: * ترجمة القاضي أبي عبد الله بن عسكر (٥). * وفي الحديث عن عبد الله بن زنون (٦). * وفي ترجمة القاضي محمد بن الحسن النباهي (٧) (ت ٦٣١). * وفي ترجمة أبي محمد عبد الله بن حوط الله الأنصاري (٨). ولا شك أن هذه النقول وهذه الإحالات وقد تسمى معها في كل مرة صاحبها، لها دلالة حاسمة في تبيين الوضعية التي كان عليها كتاب أعلام مالقة - أصلا، وذيلا - غداة انتهاء مؤلفيه من صياغة تراجمه، وأثناء تداوله عند أرباب التاريخ وكتاب التراجم ومصنفات الرجال. فقد كان هناك - على الأقل - تمييز بين ما أنجزه ابن عسكر من تراجم أعلام مالقة، وبين ما تمم به ابن أخته أبو بكر بن خميس.

стр. 39

٥ - وإذا كانت حالة تراجم أعلام مالقة بينة واضحة النسبة والبناء في أعمال المؤرخين المغاربة والأندلسيين الذين اعتمدوا النقل منها في تراجم كتبهم، فإن الصورة التي وجدنا عليها كتاب أعلام مالقة في المشرق وعند المشتغلين بالأدب والتاريخ، لا تختلف عنها في ذلك. فقد تم تداول كتاب أعلام مالقة بالمشرق. وقد وقعت نسخة منه - حسب ما يبدو - كاملة بيد المؤرخ الشمس السخاوي، ليحيل عليه، أو يصفه، أو ينقل مه في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (١). وهكذا حينما يتحدث عن التواريخ البلدانية يقف عند مدينة مالقة، ليذكّر بما اختصت به هذه البلدة من تواريخ، فقال: «… مالقة وأعلامها وأدبائها لأبي العباس أصبغ بن علي بن هشام بن عبد الله بن أبي العباس. وعمل أبو عبد الله محمد بن علي بن خضر بن عسكر الغساني لها تاريخا لم يكمله، فأكمله ابن أخته أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن خميس وسماه مطلع الأنوار، ونزهة البصائر والأبصار، فيما احتوت عليه مالقة من الأعلام والرؤساء والأخيار، وتقييد ما لهم من المناقب والآثار …» (٢). ويتابع السخاوي الحديث على هذا الكتاب، فيصف صورته في الشكل الذي انتهى إليه في عمل أبي بكر بن خميس، ويورد ذكر المصادر التي اعتمدها فيه، ونظام الترتيب الذي قامت به تراجم الكتاب. فقد «استمد فيه من تاريخ ابن الفرضي، وصلة ابن بشكوال، وتاريخ الحميدي، والرازي، وابن حيان. بل ورجال مالقة المؤلّف للحكم المستنصر. وانتهى كتاب ابن خميس في سنة تسع وثلاثين وستمائة. وهو في مجلد لطيف» (٣). واشتهار الكتاب في وضعه الأخير ونسبته إلى ابن خميس هو الذي جرى به الذكر عند المؤرخين والأدباء في المشرق. ويبدو أن الكتاب قد استوى بصورته النهائية كما أرادها له أبو بكر بن خميس حين وضع له هيكله من ترتيب للتراجم على حروف المعجم، وصياغة مقدمة للكتاب.

стр. 40

ومن حسن الحظ أن يفيدنا الشمس السخاوي بذلك، وهو الذي اطلع على نسخة من تاريخ مالقة لابن خميس، فينقل لنا في كتابه الإعلان بالتوبيخ أيضا نصا طويلا من المقدمة التي صدّر بها أبو بكر بن خميس كتاب أعلام مالقة، هذا نصه: «… وقال أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن خميس في مقدمة تاريخ مالقة: إن أحسن ما يجب أن يعتني به، ويلم بجانبه، بعد الكتاب والسنة معرفة الأخبار، وتقييد المناقب والآثار. ففيها تذكرة بتقلب الدهر بأبنائه، وأعلام ما طرأ في سالف الأزمان من عجائبه وأنبائه، وتنبيه على أهل العلم الذين يجب أن تتبع آثارهم وتدون مناقبهم وأخبارهم، ليكونوا كأنهم ماثلون بين عينيك مع الرجال، ومتصرفون ومخاطبون لك في كل حال، ومعروفون بما هم به متصفون. فيتلو سورهم من لم يعاين صورهم، ويشاهد محاسنهم، من لم يعطه السن أن يعاينهم، فيعرف بذلك مراتبهم، ومناصبهم، ويعلم المتصرف منهم في المنقول والمفهوم، والمتميز في المحسوس والمرسوم، ويتحقق منهم من كسته الآداب حليها، وأرضعته الرياسة ثدييها، فيجد في الطلب ليلحق بهم ويتمسك بسببهم» (١). ٦ - وأخيرا فإن ما بين أيدينا اليوم من أعمال أعلام مالقة لا يضم إلا أبعاضا من عمل ابن عسكر وابن خميس، وقد تجمعت فيه - وفي نسق واحد - التراجم التي صاغها كل من الرجلين، فلا حدود فاصلة بين عمليهما، ولا تصميم تتميز به تراجم الأصل من الذيل. وإذا كان بعض هذه التراجم بحاجة إلى دراسة داخلية لموادها كي يتكشف فيها ما يترجّح به انتماؤها إلى الأصل في عمل ابن عسكر، أو إلى الذيل في عمل ابن خميس، فإن الكثير من بقية تراجم الكتاب لا تستجيب لذلك، لخلوها من كل ما من شأنه أن يثير الشك أو الترجيح، ليبقى انتسابها إلى الأصل أو الذيل عائما شائعا، ما لم يتم في بعض الأحيان الاستعانة بالمصادر الأخرى والإحالات الخارجية. وقد نتساءل في ختام هذا التقديم عن أي صورة من صور التأليف التي انتهى بها إلينا هذا القسم من كتاب أعلام مالقة. أهي الصورة التي اكتمل بها عمل كتاب أعلام مالقة في الصياغة النهائية عند ابن خميس، مع اعتبار أنه قد ضمن هذه الصياغة عمل خاله ابن عسكر. ثم سمّاه
следующие страницы →