← Общие книги

Общие книги · id 147594

السبيل إلى منهج أهل السنة والجماعة

عدنان العرعور

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السَبِيلُ إلى منهج أهل السنة والجماعة بقلم عَدنَان مَحَمَّد عَرْعُور دار الراية/ قسم البحث العلمي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فعلى ضيق من الوقت، وكثرة الأشغال، ألح علي مُحب أن أكتب كتيبًا مختصرًا في منهاج الطائفة المنصورة، وذلك بمناسبة عقد المؤتمر الثالث لجمعية القرآن والسنة بأمريكا، وكي يكون هذا الكتاب سبيل رشد، ونبراس نور يضيء للمبتدئ طريق الهدى وطريق خلاص ومنهج حق في خضم هذه الخلافات الهائجة والجماعة المختلفة، وفي زمن فشى فيه الجهل، وقل العلم، وكثر القيل والقال، وصدق فينا قول المصطفى ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما] وإن مما تجدر الإشارة إليه أن المسلمين قد فقدوا الشيء

стр. 3

الكثير من معالم دينهم، وسبيل نجاتهم، وإن من أهم ما فقدوه ـ إلا من رحم الله ـ قواعد معرفة الحق. فقد أحلوا مكان البينة التزيين، وقدموا الرجال على الدليل، واتبعوا الهوى بدل الهدى، واستبدلوا العقل بالعاطفة، وأحلوا الكفر محل الاتباع، واشتروا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فكر زيد وتجديد عمرو ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ حتى صار العالم عندهم، من ابتدع وفكر، وعن سنة رسوله ﷺ أدبر، وبالمشركين اقتدى وتمسك ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] فالمجتهد عندهم من خالف النصوص، وأحدث في دين الله من البدع الفكرية ما لم ينزل الله به من سلطان بدعوى الفكر والتجديد، وهي في حقيقتها تمييع وتبديد. والمتبع عندهم لسنة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام جامد العقل، بدوي الفقه، سطحي التفكير، وإذا كان علامة أهل البدع في عهد سلفنا، قولهم عن أهل السنة والجماعة المجسمة والحشوية، فإن علامة أهل الزيغ في زماننا، قولهم عن أهل الحق، أصحاب الفقه البدوي. فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان ورغم قناعتي بعدم الكتابة في هذا الموضوع الهام، وذلك لضيق الوقت، ولأن مثل هذه الموضوع الهام يحتاج إلى وقت

стр. 4

كبير ومطالعات جمة وتأصيل وتقعيد. روغم هذا كله أراني أكتب على هذه العجالة، كلمات غير مرتبات ولا مرتبطات، حاولت فيهن الإجابة عن أسئلة المبتدئ. * ما هو السبيل؟ * ما هي النجاة؟ * ما هو الضمان؟ وأدعو الله تعالى .. أن يبارك لي في وقتي كي أعطي هذه الموضوع الهام حقه، لما له من أهمية بالغة في بيان الحق وإيضاح الخلاص. هذا وقد كتبت معظم ما كتبت إن لم يكن كله من الذاكرة، فمن رأى فيه شيئًا فليسارع إلى النصح، وليسبق إلى الخير، فما تم كتاب بعد كتاب الله . فعسى الله تعالى أن يهدي به أناسًا، ويكتب لآخرين الأجر والمثوبة، أنه رحيم كريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. الرياض/ غرة ربيع الآخر ١٤١٠ هـ دار الراية / قسم البحث العلمي عدنان محمد عرعور

стр. 5

من أين وإلى أين ؟ لا يخفى على العاقل ما يعانيه عالمنا الإسلامي من فوضى فكرية .. واضطراب منهجي .. وتخلف في كافة مجالات الحياة .. حتى غدا بمن يمثله مهزلة على رؤوس الأشهاد، ودمية يحركها الأوغاد، وكرة يتقاذفها المتلاعبون كيف شاؤوا وأنَّى شاؤوا، كل ذلك على حين غفلة من المسلمين، وعجز من المصلحين. وصدق فينا تشبيه المصطفى ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأُكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، قيل وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ" [أخرجه أبو داود وأحمد في مسنده] ومما زاد الطينة بلة، والأمر تعقيدًا، ما يعانيه المسلمون المتمسكون أنفسهم من تفرق بين جماعاتهم، واضطراب في مناهجهم، بل وتمزق وتناحر في صفوفهم حتى غدوا يتقاذفون التهم، ويتبادلون التخطئة، الأمر الذي أشغلهم عن كيد أعدائهم .. وما يحاك لهذه الأمة من مكر وخديعة لكي تكون شر الأمم في الدنيا وأذلها. أقول: لم يعد هذا خافيًا على أحد استقر في رأسه عقل، أو سكن في صدره قلب، أو بقي في نفسه ضمير.

стр. 6

ولكن الذي ما زال خافيًا هو: سبيل الخلاص، وطريق النجاة .. فهؤلاء العلمانيون من شيوعيين واشتراكيين وما شابههم، بدأوا ينكسون رؤوسهم خزيًا مما فعلوه بشعوبهم من ذل مهين، وفقر مدقع، بما أحدثوه في أفكار خبيثة، ومبادئ هدَّامة، جرَّت الويل على مجتمعاتهم، والدمار على شعوبهم، فالشجاع منهم من أعلن هذا على الملأ، والخبيث من غطى وجهه من الذل مما أصابهم، كالنعامة تغطي وجهها تظن إن لم تر أحدًا فإن أحدًا لن يراها. ولا أعتقد أن مراقبًا للأحداث العالمية يعتقد أن يمر عقد إلى والشيوعية وأترابها قد فروا من الواقع، ولم يعد لهم وجود يذكر بإذن الله تعالى (١). وأما المجتمعات الغربية، فليس لديها مبدأ يناقش اللهم إلا الدرهم والفرج .. وحسك هذين المبدأين دينًا لهم، وأساس لمجتمعهم، وسيأتهيم ما أتى إخوانهم من الشيويعيين من قبلهم، ذاقوا وبال أمرهم وكان عاقبتهم خسرانًا وذلاً. ونحن إذ نقول هذا، لا ننكر أنهم حققوا تقدمًا علميًّا ملموسًا، ونالوا قسطًا من الرفاهية المادية لا تنكر، وتخلقوا بكثير من أخلاق المسلمين التي فقدها أهلها .. ومن هم أولى بها. ولكنهم في الوقت نفسه، فقدوا الكثير والكثير من متع الحياة الحقيقية، فقد فقدوا المتعة الروحية، والحياة الأسرية،

стр. 7

والتراحم بينهم، وانتشرت الجريمة في صفوفهم حتى أصبحت بلادهم غابات لوحوش كاسرة، القوي فيها هو صاحب الحق، والضعيف هو الظالم .. يقصفون مدنًا كاملة بأهلها .. ويمدون دولاً ظالمة لتعتدي على دول مستضعفة مظلومة .. ثم إذا ما أصاب أحد افراد شعوبهم مكروه، أقاموا الدنيا وأقعدوها باسم الإنسانية .. وبعدوى حقوق الإنسان. قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر ... وقتل شعب آمن قضية فيها نظر وغدت مجتمعاتهم بؤرًا للفساد، ومرتعًا لانتشار الأمراض الوبائية الفتاكة، وملعبًا للعصابات المنظمة .. يخطفون الأطفال الأبرياء، فيفعلون بهم الفاحشة، ثم يقتلونهم، أو يبيعونهم، وأمست تجارة الأطفال من أربح التجارات .. بعد تجارة المخدرات. وأصبح الرجل يجامع أخته، والأب يزني ببنته .. بل والولد يضاجع أمه، والذكر يتزوج الذكر .. فأي فساد بعد هذا، وأي حضيض بعد هذا الحضيض. لقد ظنا أول أمرهم أن المتعة الحقيقية في الدرهم والطعام والخمر والزنى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] حتى عضتهم أمراض الزنى واللواط، فلا يكاد ينجو

стр. 8

منها أحد، وتفشت فيهم الأمراض النفسية، وحل بهم القلق، فتوغل في أعماق نفوسهم، فلجأوا إلى الكهان، يستمدون منهم العون، ويطلبون منهم النجاة، فشاع فيهم الانتحار، وقتل الذرية والزوجات، وما تخفي لهم الأيام أدهى وأمر. وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] وقوله ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولا أنسى ذلك السؤال من فتاة أمريكية ـ عقب محاضرة عن الإسلام في إحدى الجامعات الأمريكية ـ إذ سألت: إذا كان هذا هو الإسلام فلماذا لم تبلغوه لنا؟ هكذا سألت .. وهكذا أحرجت، وايم الله .. ما أحرجت في حياتي بسؤال مثل هذا. وإنه ـ والله ـ لسؤال محرج لكل مسلم مهما كان .. وحيثما كان، وإنها الأمانة .. التي نأت عن حملها السماوات، وأعرضت عن قبولها الأرض والجبال ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢]

стр. 9

ظلومًا في أدائها .. جهولاً بالخير الذي فيها. قصر في تبليغها فظلم نفسه وغيره، وجهل فيها فخالف أحكامها ولم يخضع لسننها. وكان الجواب وقتئذٍ: نبلغكم الإسلام حين يصبح المسلمون مسلمين! ! والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ويلح على إيجاد جواب عملي وواقعي: متى يصبح المسلمون مسلمين؟ بل، كيف يصبح المسلمون مسلمين؟ متى يدرك المسلمون إسلامهم؟ ويعملوا به، بخاصة بعدما تزلزلت عروش الشيوعيين والاشتراكيين، وأمثالهم .. وأعلنوا هم أنفسهم على الملأ فشلهم. ومتى يصبح المسلمون صادقين مع دينهم؟ بخاصة بعدما أعلن العالم الغربي إفلاسه من الأخلاق والروح. إنه لم يعد سوى الإسلام لإنقاذ البشرية من حمأتها، وإنقاذ الناس من كفرهم. وفي الوقت الذي نعتقد أن الإسلام هو الطريق الوحيد للخلاص والنجاة، فلا لأنه يؤمن لنا العيش الرغيد، والحياة المطمئنة الهانئة فحسب .. لا: بل لأنه دين رب العالمين .. أمر به عباده، ودعا إليه خلفه، فلا مفر من الإيمان به، والتمسك بأحكامه. ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]،

стр. 10

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] فلا خيار لنا في غيره، مهما ظننا أننا نفلح بغيره، ولا خيار لنا في أحكامه، مهما ظننا أن في غيره رشدًا ومصلحة ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فإذا قال قائل: سلّمنا أن لا مناص من الإسلام، وأنه الدين الذي فرضه الله على العباد، وآمنا وأيقنا بأحكامه، صغيرها وكبيرها، عامها وخاصها، وصدقنا أن به الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، كل هذا سلّمنا به عن قناعة وإيمان، ولكن! كيف يصبح المسلمون مسلمين؟ ومتى يصبح المسلمون مسلمين؟ والمسلمون أنفسهم مختلفون في المنهج والسلوك، وهم أنفسهم متنازعون في الأصول والفروع، ولا يكادون يستقرون على حال. يتجاذبون الناس كل إلى جماعته، وكل حزب بما لديهم فرحون. وكل يدَّعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك فما هو السبيل؟ وكيف تكون النجاة؟ وهل يمكن الاعتصام؟ وكيف يكون؟ وما هو الضابط لهذه الخلافات؟

стр. 11

وهل يمكن الانتهاء منها؟ وهل تضمن لنا صحة هذا الضابط وعدم الاختلاف فيه؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة نحب أن نقول: أرأيت لو أن أمام قوم أكثر من سبعين طريقًا، ليس فيه طريق سالك مأمون إلا واحدًا، فعبرت كل فرقة من طريق، فهلكوا جميعًا إلا طائفة نجت من الطريق الأول، فهل من رجل في رأسه ذرة من عقل، أو مُسكَة من تفكير، يسلك غير الطريق الأول؟ إن رسول الله ﷺ أخبرنا أن أمة الإسلام تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كل هذه الفرق مخطئة بل وضالة، إلا طائفة واحدة، هي الصحابة رضوان الله عليهم، ومن سار على دربهم، وسلك سبيلهم. "وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِى النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِى" [رواه الترمذي ـ واللفظ له ـ والحاكم وابن عساكر] فحريٌّ بالمسلم أن لا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب حتى يتيقن أنه من الطائفة الناجية. إن وجود شيخه الصالح في نظره في جماعة ما لا ينجيه، ووراثته دينه عن أبويه لا تفيده، بل إن الصادق ليزداد خوفه عندما يبلغه قول الله يوم القيامة لآدم: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ،

стр. 12

فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] " [متفق عليه عن أبي سعيد] واعلم يا عبد الله أن حسن نيتك لا يغني عنك شيئًا إن كنت في غير الطائفة الناجية. قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] وفي الآية إشارة إلى أن خسران المرء رغم الإقرار بحسن نيته ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ إذ لم يصب في عمله. إذن فما النجاة .. ؟ النجاة إنما تكون بحسن النية مع إصابة الطريق. والطريق هو طريق الطائفة الناجية، طريق الصحابة .. ولكن كيف نعرفه؟ وكيف نعتم به جميعًا؟ لا شك أن الله يحب الهداية للعباد، فمحال إذن أن يبين لنا أحكام الطهارة والنجاسة ولا يبين لنا سبيل الاتفاق، وطريق الاعتصام، وقد أمرنا به ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولا يأمر الله سبحانه إلا بالمستطاع. وما كان الله ليحفظ كتابه، وسنة نبيه، ثم يذر الناس

стр. 13

يفهمون مقاصدها حسب أفهامهم، ونزعات عقولهم، وما كان الله ليترك العباد في منازعاتهم، واختلافاتهم، ثم يأمرهم بالاعتصام، ولا يرشدهم إلى الحق، ولا يبين لهم طريق الرشد. محال هذا والله هو الرؤوف بعباده ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] إي وربي إنه لأرأف بعباده من أنفسهم، ولأرحم بهم من أن يدعهم حيارى مختلفين، كل فرقة منهم تفهم الإسلام فهمًا يناقض فهم الأخرى، وكلهم يدعون أنهم على الحق اليقين، معاذ الله أن يكون هذا! إذن فالاعتصام والنجاة من الخلاف ممكن، لأن الله أمر به ولا يأمر الله إلا بالممكن، والاختلاف محرم، والنجاة منه ممكن لأن الله تعالى نهى عنه ولا ينهى الله عن أمر إلا وبالإمكان الانتهاء عنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فأين هذا الضابط الذي يضبط الفهم؟ وأين هذا المرجح الذي يبين الحق؟ مما لا شك فيه أن الإسلام عقيدة ومنهاج، وشريعة وأخلاق، وأن الخلاف واقع بين طوائف الإسلام في الجميع. ونبين ههنا على هذه العجالة هذا الضابط باختصار فنقول: قال الله تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا

стр. 14

وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] أي فإن آمن الناس من يهود ونصارى وغيرهم، بمثل ما آمن به أصحاب النبي ﷺ ، فقد أصابوا الطريق، واهتدوا المحجة. وإن تولوا عن الإيمان بمثل ما آمن به الصحابة رضوان الله عليهم، فسوف يقعدون في حمأة الخلاف، والتفرق؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ والتفرق والشقاق. ولحكمة عظيمة، لم يقل الله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنت به .. وذلك إشارة إلى صحة إيمان الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم الحكم الفصل في هذه القضية الهامة. فهذا هو ضابط الإيمانيات والتوحيد والغيبيات وغير ذلك. وهو الإيمان بمثل ما آمن به أصحاب النبي، والكف عما كفوا. والإعراض عما أعرضوا، وترك البحث في قضايا ومسائل تركوا البحث فيها. فبهذا تتحد كلمة المسلمين في العقيدة، وتنتهي الخلافات فيها. وأما ضابط المنهاج، وهو الطريق والسبيل الذي تسير عليه الجماعة المسلمة، لتحقيق أمر العقيدة، وهو ـ المنهاج ـ محور الخلاف العصرين قال الله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ

стр. 15

جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فهذا بيان واضح، وحجة دامغة على العباد، بوجوب اتباع سبيل المؤمنين، ومن هم المؤمنون وقت نزول الآية غير الصحابة رضوان الله عليهم. وهذا هو الضابط الثاني في مسألة المنهاج. وقد توعد الله لمن خرج عن طريقهم، وسلك غير سبيلهم، أن يتخلى عنه في الدنيا، وأن يعذبه عذابًا أليمًا في الآخرة. بعد هذا، يستطيع العاقل أن يجيب عن كافة الأسئلة السابقة. ما النجاة؟ وما هو سبيل الخلاص من هذه الخلافات؟ وهل يمكن الاتفاق، وكيف يكون؟ وما هو الاعتصام، وكيف يكون؟ فالنجاة من ذلك كله، هي الرجوع إلى هذا الدين الحنيف، والتمسك به على طريقة الصحابة رضوان الله عليهم، ومن اتخذهم سلفًا له في العقيدة والمنهاج، والسلوك والفهم والعمل، بدءًا من لا إله إلا الله، وانتهاءً بإماطة الأذى عن الطريق، مرورًا بالامتثال لكل أمر، واجتناب كل نهي، بما في ذلك: فهم أصول أهل السنة والسير عليها، وإدراك معنى البدعة واجتنابها، واقتفاء آثار الصحابة الميامين، في كل خلق ودين، وقاعدة وسبيل، فمن ابتغى وراء ذلك، فأولئك هم الضالون والمنحرفون ولأمة الإسلام مفرقون ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه: ١٣٥]

стр. 16

فبهذا تعرف الفرقة الناجية من الفرق الأخرى المخطئة والمنحرفة. فإذا رجعنا إليهم في أمر ديننا جميعه، لانتهى الخلاف واندثر الشقاق. ولهذا كان الصحابة حكمًا وقاضيًا على طوائف الإسلام، كما كان الإسلام حكمًا ومهيمنًا على كافة الأديان. وإن لم نحكمهم في خلافتنا، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نزل القرآن بلغتهم، ورأوا سيرة رسول الله بأم أعينهم، ثم أبلغنا الله أنهم نجوا في الآخرة بعد أن أفلحوا في الدنيا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] إن لم نحكم هؤلاء في خلافاتنا، فمن نحكم؟ ! وخلاصة الكلام أن من أراد لنفسه الهداية والنجاة هل يسلك طريقًا جديدًا مجهولاً؟ ويخوض مخاضة غير مأمومنة؟ وأمامه طريق مأمون، قد سلكته أمة من قبله، وأفلحوا في دنياهم، ونجوا في آخرتهم؟ عبر للمعتبرين: ثم أمر آخر ما من فئة ولا طائفة عدلت عن هذا الطريق المسلوك، وانحرفت عن هذه المخاضة، إلا هلك أهلها، وغرق أفرادها، فهل من معتبر؟ !

стр. 17

ومسألة أخرى: وهي أن الذين عدلوا عن هذا الطريق، طريق الصحابة، كان عندهم من الأدلة الباطلة، ما أقنعهم بهذا العدول، ولديهم من الحجج ما حملهم على ترك اتباعهم، وفتحهم طريقًا جديدًا، فضلُّوا وأضلُّوا. فلا يخدعنك الشيطان كما خدع مَن قبلك. فإن الشيطان إذا أتى ابن آدم، لا يأتيه على حقيقته، ولا يصارحه بمأربه، ولا يكاشفه بنيته، إنما يأتيه كما أتى أباه آدم من قبل بثوب الناصح، ولباس الهادي ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] ولم يكتف بهذا الخداع، بل راح يقسم لهما بالله إنه لمن الناصحين ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] تمامًا كما يقسم كثير من الناس أنهم على الحق وهم في ضلال بعيد. لقد جاء الشيطان فقال لهم: هل أدلكم على فلسفة أهدى من كلام أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وهل أدلكم على فكر أقوم من تفكير أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان؟ وهل أدلكم على سبيل التمكين في الأرض لتصبحوا ملوك الدنيا وسادتها؟ قالوا: بلى.

стр. 18

قال: فابتدعوا ولا تتبعوا، وجددوا ولا تتمسكوا، وتحزبوا ولا تجتمعوا، فزمانكم غير زمانهم، وظروفكم غير ظروفهم، فقد ولَّى زمانهم، وانقضى عهدهم، فهم أصحاب الفكر السطحي، وحملة الفقه البدوي، لا علم لهم بالمنطق ولا بعلم الكلام .. ولا يحملون الشهادات، بل قال لي أحدهم: نحن أعلم من الصحابة في كل شيء، قلت: حتى في العربية؟ ، قال: نعم، عندنا عشرات المعاجم، وماكان عندهم معجم واحد؟ وحلف لهم الشيطان: أنكم أعلم من الصحابة وأحكم، كيف وأنتم حملة الشهادات، وخريجوا الجامعات، ولما رأى الشيطان هول هذا عليهم، وخشي أن يفلتوا من زمامه، خفف عنهم، فقال للسابقين: طريقة الصحابة أسلم، وطريقتي التي أرشدكم إليها أعلم وأحكم. فراح بعضهم ـ والعياذ بالله ـ يحرف صفات الله وينكرها. وقال اللاحقين ـ بدعوى التجديد ـ ينقضون قواعد الأصول، ويهدمون أسس الدين، ولمّا يبنوا بيت العنكبوت بعد، ليحرموا ما أحل الله، ويُحلوا ما أحل الله. وآخرون غرهم عقلهم، وخدعم أسلوبهم، ونفخهم نفاقهم وتزلفهم، فسبوا سلف هذه الأمة المشهود لها بالخيرية، وطعنوا بشباب هذه الصحوة، وحكموا عليهم بالعمالة والسوداوية، والسذاجة والسطحية، والعته والعمى، كل هذه الأوصاف في حق من؟ ! في حق أبي بكر وعمر وصحابة رسول الله ﷺ ..

стр. 19

في حق عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك .. في حق ابن المبارك والأوزاعي وابن تيمية وابن القيم والنووي .. في حق ابن كثير والذهب والعسقلاني والشوكاني .. في حق محمد بن عبد الوهاب وابن باز والألباني وعلماء هذه الأمة المشهود لهم بالخير. فوا أسفاه على هذه الأمة من ألسنة السوء، ومن المعاهد التي تكلف شذاذ الآفاق للنيل والطعن بهم من علماء هذه الأمة. فاللهم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] فإن لم يكن الذين أنعم الله عليهم هم الصحابة، فلم ينعم الله على أحد قط. فتعال معي إذن نتعرف على أصولهم، ونتعلم قواعدهم، ونتلمس طريقهم .. فهي ـ والله ـ بحق قواعد النجاة، وطريق الفائزين، وحكم المختلفين، وسبيل الخلاص من تفرق المسلمين، وطريق وحدة صفوفهم، وجمع كلمتهم.

стр. 20

قواعد النجاة من منهج الطائفة المنصورة أولاً: التمسك بالإسلام جميعه: لقد كان سلفنا يجمعون بين العلم والعمل، والجهاد والعبادة، والدعوة والقيادة، والزهد والإعمار، لكن بترتيب معين، فقد كانوا يؤتون القرآن ثم العلم والعمل، ونحن في زمن يؤتي الناس فيه العلم قبل الإيمان، والعمل قبل العلم، إلا من رحم الله، نسأل الله أن يجعلنا منهم. فعن ابن مسعود ﵁ قال: كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ. [أخرجه الطبري (٨١) في تفسيره] وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: "أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا، وزاد في رواية ابن سعد "وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز هاهنا، ووضع يده على الحلق" [أخرجه الطبري (٨٢) وابن سعد (٦/ ١٧٢)]

стр. 21

فتأمل قوله: لم يجاوزهن .. وتأمل قوله: لا يجاوز تراقيهم. فلا جرم للذين يتولون مسئولية التربية من الاهتمام بهذا الأمر العظيم، فإن معظم النكبات التي أصابت الأمة الإسلامية إن لم نقل كلها كانت بسبب سوء التربية، وخطأ المنهج. فكم في زماننا من مجاهد بلا عقيدة. وكم من عالم بلا عمل. وكم من عامل بلا علم. وكم من داعية بلا تقوى. أما مثل المجاهد قبل التوحيد فكمثل مدرس وعظ طلابه في الصلاة فرغبهم بها ورهبهم من تركها حتى إذا ما قاموا يصلون الصلاة قبل وقتها، قيل لهم لا تصلوا، قالوا: أتنهانا عن الصلاة؟ ! وإذا قيل للناس ـ في زماننا ـ وحدوا الله تعالى حق توحيده ثم جاهدوا، قالوا: أتنهانا عن الجهاد؟ ! ومثَّل رسول الله ﷺ العالم الذي لا يعمل بعلمه بالسراج الذي يُضيء للناس ويحرق نفسه. ومثل الذي يعمل بلا علم، كمثل الذي يحتطب ليلاً فربما رفع حطبًا فيه ثعبان يلدغه. ورأى أحد العلماء طالبًا في سفينة، قال: فقال أين؟ قال: اطلب العلم، قال: هل عملت بما علمت؟ قال: لا، إنما أريد جمع العلم ثم أعمل به، قال: مثلك كمثل الذي يأكل حتى إذا ما وصلت اللقمة إلى فيه، ألقاها وراءه ظهره، متى يشبع؟

стр. 22

ثانيًا: الدعوة للتوحيد والأخلاق والتمسك بهما معًا وقبل كل شيء: إذا كان التوحيد يسبق الشريعكة والمنهاج في الالتزام والاعتقاد والدعوة .. فإنه لا يسبق الأخلاق والالتزام بها والتربية عليها، بل هما متلازمان كتلازم الماء للشجر، والروح للجسد. صحيحٌ أن كثيرًا من الدعاة قد أدركوا ما للتوحيد من أهمية بالغة في البناء والتربية، وأنه لا يحل أن يسبقه شيء من جهاد أو سياسة أو غير ذلك، ولكنهم ما يزالون يعانون من نقص حاد في التربية الأخلاقية، الأمر الذي نجم عنه ثغرات كبيرة في العمل الإسلامي، وشروخ عميقة صدعت الجماعات الإسلامية، وأوهنت قواها، بل وشتت شملها. إن إهمال مسألة تربية الأفراد على الأخلاق، يعني بالضرورة فشل العمل الإسلامي، وقد تجرع العاملون للإسلام مرارة سوء الخلق، فحصدوا التفرق والشتات، وجنوا البغضاء والمهاترات وشماتة الأعداء، فكان الفشل مطافهم، مما هو ثمرة أكيدة من ثمار سوء الأخلاق. وإن من أهم ما يلفت النظر في هذه القضية البالغة الأهمية، أن كثيرًا من المسلمين فقدوا الأخلاق، وفقدوا معناها إلا من رحم الله. فإنك إذا ما أردت أن تصلح بين اثنين، فقلت

стр. 23

لأحدهما: سامح أخاك .. أجابك وعلى الفور: إنه أخطأ معي .. إنه ظلمني .. فكيف أسامحه! وعندئذ تعتري العاقل الحيرة، وتتملكه الدهشة، أليست المسامحة إنما وجدت دواء لخطأ الآخرين، وأن المسامحة والتسامح لا تطلب من فراغ، إنما تعني كلمة التسامح خطأ وظلم من طرف، وغفران وعفو من الطرف الآخر، فهذه المعادلة المتبادلة تسمى تسامحًا، ومع ذلك يصر المسلمون على عدم إدراك هذا المعنى، وعدم تطبيقه، ولكن بقي سؤال: كيف تكون الأخلاق؟ وكيف يتكون حسن الخلق؟ الظاهر والله أعلم أن حسن الخلق يكون، بعد هداية الله، بالفطرة وبالاكتساب. فالقدوة هي العالم الرئيسي في حسن الخلق، والتأثير عليه، إذ يتأثر المتربي تأثرًا مباشرًا وغير مباشر بخلق مربيه ومعلمه، ولذلك ترى أنه لا يحسن التربية، من كانت شيمته سوء الخلق، وأنى له هذا؟ ! وفاقد الشيء لا يعطيه. وإذا كان يمكن تحصيل العلم بالكتب، فإنه من المحال تحصيل الأخلاق بالدراسة والتعلم، بل إني أعرف اثنين ألفا كتبًا في أخلاق المسلم، وسوء خلقهما وبذاءة لسان أحدهما أشهر من أن نذكر اسميهما. ألا ترى إلى هؤلاء الثلة الطيبة الطاهرة التي تخرجت من

стр. 24

مدرسة النبوة، فكان كل واحد منهم أمة في سلوكه، إمامًا في أخلاقه، رغم تفاوتهم في العلم والمعرفة. وخلاصة هذا الأصل أن لا يهمل المربي مسألتين: الأولى: مواكبة الخلق للتوحيد من حيث الأولوية في العملية التربوية. التأكيد على حسن خلق القدوة، لأن الطالب يحاكي مربيه شاء أم أبى، شعر بذلك أم لم يشعر. ثالثًا: الاتباع لا الابتداع: لقد كان سلفنا أحرص الناس على الاتباع، وأبعد الناس عن الابتداع، وكان الاتباع عندهم أوسع مما ندركه، وكان الابتداع في الدين عندهم أشمل مما نعرفه، والآيات والأحاديث في ذلك أشهر من أن تذكر، وعبارات السلف في هذا أكثر من أن تحصى. فالاتباع عندهم في كل صغيرة وكبيرة، والابتداع في الدين عندهم كذلك في كل صغيرة وكبيرة. عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ وَبِشْرٌ يَخْطُبُنَا فَلَمَّا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ إِذَا دَعَا يَقُولُ هَكَذَا وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ وَحْدَهَا"

стр. 25

[رواه مسلم وأحمد في مسنده] والابتداع لا يشمل العبادات فحسب، بل ويشمل الفكر الدخيل على الإسلام كذلك، بل الابتداع الفكري أخطر بكثير من الابتداع في العبادة، لأنه سبب الضلال في المنهاج والطريق، وإذا كان السابقون من المبتدعة من أمثال الخوارج والمعتزلة قد ابتدعوا في العقائد، فإن أحفادهم قد ابتدعوا في المنهاج والسبيل، بدعوى الفكر .. والتجديد. وإذا كان رسول الله ﷺ قد سمى الذين يتكلمون في القدر بغير علم "الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ" [أخرجه أبو دواد والحاكم عن ابن عمر ﵁]، فإن الذين يحرفون آيات الله وأحاديث رسوله، بدعوى الفكر والتجديد، إنما هم يهود هذه الأمة، لما يحدثونه من فساد، وتخريب في البلاد والعباد، وليس لهم دواء، إلا دواء عمر بن الخطاب ﷺ لجدهم صبيغ .. وقصة صبيغ معروفة، إذ جاء الصحابة يسألهم عن متشابه القرآن، وأراد أن يعمل فيها بفكره، وأن يفهمها بعقله، دونما الرجوع إلى الأثر والاتباع، وألقى بشبهة على الصحابة، فما كان هؤلاء المتربين على يد سيد المربين ﷺ ، إلا أن أمسكوا عن الجواب، وعزفوا عن الرد، ثم أخبروا عمر ﵁ وعنهم أجمعين بما حدث،

стр. 26

فأخذ عمر ﵁ فجلده، ثم حبسه، ثم جلده وحبسه، ثم جلده وحبسه، ثم قال صبيغ: يا أمير المؤمنين: قد ذهب الذي أجد! فنفاه إلى العراق، ومنعه من مجالسة الناس، ثم صلح حاله، فلما قامت فتنة الخوارج، فتنة الفكر والتقوّل على الله تعالى بغير علم، جاء الناس صبيغًا فقالوا: قم يا صبيغ فقد جاء دورك، فقال: أدبني العبد الصالح! فانظر ـ أخي المسلم ـ لو كان صبيغ عندنا، لرددنا عليه بألف جواب، ولألفنا أكثر من كتاب، ولشغلنا مساحات الصحف ردًا، وردًا على رد، يقذف بعضنا بعضًا بالردود والتهم، حتى نوقع الريبة في قلوب العباد، ونضع القارئ في القيل والقال، ويتسرب إلى قلبه شيء من الشك، والانتقاص من آيات الله وأحاديث نبيه ﷺ كل ذلك بسبب إعراضنا عن أصول البحث العلمي، وطريقة السلف في تأديب أحفاد صبيغ. رابعًا: السمع والطاعة: إن من أهم قواعد النجاة، وأصول الطائفة الناجية: السمع والطاعة لله ورسوله، وهما ركنان من أركان كلمة التوحيد. ولا يسمى المسلم مسلمًا حقًا إلا أن يستسلم بقلبه وجوارحه لله ورسوله ﷺ ، وذلك بفعل كل أمر، والنتهاء عن كل نهي.

стр. 27

وهذا هو معنى الإسلام، ولذلك كان دين الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أي الاستسلام والخضوع والانقياد لهذا الدين العظيم، والعمل به. وهذه هي ملة إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ولذلك أوصى الله الأنبياء من بعده، باتباع ملته ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وحذر من الإعراض عنها، فقال سبحانه ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فالسفيه من إذا أمره الله أو رسوله ﷺ لم يسمع ولم يطع. وضرب الله لنا مثلاً رائعًا في إبراهيم، إذ أمره بذبح ابنه الوحيد ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ورؤيا الأنبياء وحي، فماكان من هذا الابن الشاب، إلا أن استجاب استجابة لا تقل طاعة وتسليمًا عن طاعة أبيه وتسليمه، إذ قال ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ولا أعتقد أن أحدًا ابتُليَ بمثل ما ابتليَ به إبراهيم، والحكمة من ذلك والله أعلم كي يكن المثل الأعلى للناس من بعده وإمامًا لهم. فأين أهل زماننا من هذا، تذكره بالحديث فلا يسمع،

стр. 28

وتذكره بالآيات فلا يطيع. وأمرنا باللحية ـ على سبيل المثال ـ فتجد أهل زماننا يتهربون منها كل مهرب، ويتأولون كل متأول. فكيف لو أمرنا بذبح أبنائنا، أو مما ابتُليَ به الناس من قبلنا، فلا حول ولا قوة إلا بالله. واعلم أن المقصود بالسمع، سمع الإقرار والقبول والفهم، لا مجرد السمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر والناس جميعًا، والمقصود بالطاعة: الانقياد والعمل. فمعنى سمعنا وأطعنا: أي قبلنا وفهمنا ونفذنا. لقد أدرك أصحاب النبي ﷺ معنى هذين الركنين من أركان الإيمان، واستقر ذلك في قلوبهم، وجرى مع الدم في عروقهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْهُمْ بِرُكْنَيْ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِمَا" [مجموع الفتاوى] وكذلك نزل قول الله تعالى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وأدرك الصحابة رضوان الله عليهم ما تضمنته هذه الآية، من أن الله محاسب العبد على ما يخفيه في نفسه، ولو لم يفعله، فاشتد ذلك عليهم، وغمتهم غمًا شديدًا، ووجدوا منها موجدة عظيمة، وبكوا من هولها بكاءً مرًا، رضوان الله عليهم وسلامه،

стр. 29

فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله؛ كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها ـ أي لا نستطيع العمل بها ـ فقال رسول الله ﷺ : "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ بَلْ قُولُوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، قَالُوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِى إِثْرِهَا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. [رواه مسلم وأحمد في مسنده] القاعدة الخامسة من قواعد النجاة: وهي أصل من أصول الطائفة المنصورة إذا صح النقل شهد العقل. أي إذا وردت الآية الكريمة وثبت معناها. أو صح الحديث النبوي، ووضح مقصده، فما على العبد إلا التسليم، والشهادة بصحة المعنى .. ولم لم تكتمل القناعة لديه، إذ يكفي المرء أن يعتقد أن هذا النص من لدن عليم

стр. 30

خبير، ذلك لأن الله ذو علم غير محدود، والعقل محدود المعرفة، محدد الفهم، ومحال أن يدرك المحدود المخلوق، علم الخالق اللامحدود ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وأن من رجاحة عقل المرء، أن يسلم في الأمور التي لا يدركها، والتي هي من لدن علام الغيوب. فالعقل لا يدرك أسباب كثير من العبادات، فهو لا يدرك لماذا كانت صلاة النهار سرية، وصلاة الليل جهرية، ولا سر عدد ركعات الصلاة، ولا لماذا كان الطلاق ثلاث مرات، وهكذا، ولذلك وجب على العاقل التسليم، بل لا يكمل غيمان المرءن ولهذا كان علامة العاقل التسليم إلا بالتسليم، وهذه القاعدة العظيمة هي وسط بين قاعدتين: الأولى: إذا ورد النقل بطل العقل ، ووجه مخالفتها لقاعدة أهل السنة والجماعة، الطائفة الناجية من وجهين: ١ - أنهم لا يدققون في حصة النقل بل مجرد ورود النص من طريق علمائهم وأئمتهم عندهم يعني الصحة. ٢ - أنهم يعطلون وظيفة العقل، ويجعلونه مقيدًا لا حراك به. والجماعة التي تؤمن بهذه القاعدة وتسير وفقها، يكثر عندها الابتداع، ويقل فيهم العلم، وتفشوا فيها الخرافة والخطوات السخيفة. القاعدة الثانية: إذا ورد النقل حكم العقل: وأصحاب هذه القاعدة الفاسدة، يحكِّمون عقولهم في

стр. 31

آيات الله تعالى، وأحاديث نبيه ﷺ ، فإذا خالف عقلهم حديثًا صحيحًا، فسرعان ما يردونه، ولو أجمعت الأمة على صحته، وأما إذا كان النص آية فسرعان ما يؤولونها بتأويلات باطلة، تدل على ضعف عقولهم وفساد فهمهم، بل قال سفيههم: لو سمعت هذا الحديث من رسول الله لما صدقته، والعياذ بالله. والطائفة التي تؤمن بهذه القاعدة، ينعدم عندهم العلم، ويصبح دينهم وسبيلهم فكرهم، فتقسو قلوبهم، وتقل ديانتهم، ولذلك تجدهم يتقربون إلى الله تعالى بجلد أئمة الإسلام، وإكراههم على معتقداتهم الفاسدة، وفلسفتهم الدخيلة، فقتلوا أحمد بن نصر، وجلدوا أحمد ﵀ وغيره، وسجنوا عباد الله ظلمًا وجورًا، وهؤلاء هم المعتزلة، وأذنابهم في كل عصر ومصر، وقانا الله وإياكم شرهم وشر عقولهم وفلسفتهم. ولقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه القاعدة العظيمة "إذا صح النقل شهد العقل"، فآمنوا بها، والتزموا بمقتضاها، فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقَالَ: فَإِنِّى أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ـ وَمَا هُمَا ثَمَّ" أي وليسا موجودين، يسمعان القصة.

стр. 32

فانظر يا عبد الله، إلى هذا الإيمان العظيم، والتسليم الصادق لله ورسوله الكريم ﷺ ، إذ لم يناقشوا القضية من الوجهة العقلية، فإن العقل المجرد عن الإيمان، يأبى أن يؤمن بأن الحيوان يتكلم، غير أن الرسول ﷺ شهد لأبي بكر وعمر بالتصديق رغم أنهما غائبان لم يسمعا القصة، فأين شذاذ الآفاق اليوم من أذناب المعتزلة، دعاة المدرسة العقلية المنحرفة من هذا؟ ! ثم مسألة أخرى، أي عقل هذا الذي نحكِّم في شرع الله .. ففضلاً عن أن العقل عاجز عن إدراك كل شيء حوله، فكيف يمكنه إدراك الغيبيات فضلاً عنه أنه مختلف متناقض، ليس له قاعدة مطردة، ولا أصل يرجع إليه، فعقلي غير عقلك غير عقله، فأي العقول نصدق، وأي العقول نحكم؟ ! ولذلك قال سلفنا الصالح قولتهم المشهورة: "من الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم" ومثل الذين يردون النصوص الشرعية، بحجة عدم قبول عقلهم لها، كمثل الطفل الذي يسأل: لماذا لا تقرص النحلة الخشب، ولا تستطيع الفراشة أن تخرج من الزجاج، وعندما يتعلم الطلاب كروية الأرض، يتساءلون لماذا لا يسقط الذين هم من الطرف الآخر. [هذه هي سذاجة من قَدَّم العقل على النقل، ومَن تعالى بفكرُه على الشرع.] [*]

стр. 33

من صفات الطائفة الناجية: كما أن للطائفة المنصورة أصولاً وقواعد، فإن لها كذلك صفات وسمات تعرف بها من تلك الطوائف المنحرفة التي حكم عليها رسول الله ﷺ بالنار، أعاذنا الله وإياكم منها. أولى هذه الصفات: الاستمرارية: أي أن تكون هذه الجماعة مستمرة بوجودها، ومقوماتها، وأصولها، ودعوتها، ورجالها من لدن رسول الله ﷺ إلى ساعتنا هذه، بل إلى يوم القيامة. ولذلك كل جماعة نشأت بعد رسول الله ﷺ فهي جماعة مقطوعة غير ناجية، لفقدانها هذا الشرط العظيم. ولك جماعة انقرضت، وانتهت، فهي جماعة مبتورة غر ناجية. وهذه الصفة من أبرز الصفات تمييزًا للجماعة الناجية عن غيرها. إذ بسهولة يدرك المرء، ولأول وهلة، من هي الطائفة الناجية، وذلك من خلال إدراكه لهذه الصفة العظيمة. والدليل على هذه الصفة من كتاب الله : قوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]

стр. 34

ففي قوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ إشارة إلى تاريخ بدء هذه الجماعة. وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ فيها إشارة استمرارية ذلك الوجود وديمومته، وبشرطية الاتباع، كما تفيد عدم الانقطاع عند التأمل. ودليل صفة الاستمرارية من السنة النبوية، ما رواه البخاري ومسلم عن المغيرة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ" ففي قوله ﷺ دلالة واضحة، وبينة ناصعة، على صفة الاستمرارية للطائفة المنصورة. وبهذا تعرف أن الطائفة التي تُقر أنها أُسست منذ كذا، طائفة قد حكمت على نفسها بعدم اتصافها بصفة الطائفة المنصورة. الصفة الثانية: الاجتماع على التوحيد والمنهاج والمفارقة عليهما: فلا تجتمع الطائفة المنصورة إلا على التوحيد والمنهاج، ولا تفارق إلا عليهما، فهي لا تجتمع على فقه، ولا زهد، ولا سنة، ولا واجب، ولا سياسة، ولا جهاد، وأعني بالاجتماع أي لا يكون أساس اجتماعها هذا، وإنما يكون الأساس التوحيد

стр. 35

والمنهاج، ثم بعد ذلك تجتمع على السياسة، والجهاد والزهد وغير ذلك. وهذه الصفة، أوضح وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وحسبنا فعل رسول الله ﷺ في مكة، وما كان عليه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ من مفارقة من خرج عن منهاجهم كالخوارج وغيرهم. الصفة الثالثة: الشمولية في دعوة الناس الدعوة الصحيحة: والطائفة الناجية، هي التي تشمل بدعوتها كل عباد الله، فلا تخص طبقة دون طبقة، ولا فئة دون فئة. وهكذا كانت دعوة رسول الله ﷺ : تشمل الغني والفقير، والعظيم الشريف والصعلوك، والكبير والصغير، والنساء والرجال والولدان، والبدوي والحضري، والتاجر والعامل. وكان كل هؤلاء يجلسون عند رسول الله ﷺ في مجلس واحد لا يفرق بينهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وقصة ابن أم مكتوم الأعمى ﵁ أشهر من أن تُذكر، وهو الذي نزل في حقه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢]

стр. 36

ولما طلب كفار قريش من رسول الله ﷺ تخصيص مجلس لهم دون المساكين، أنزل الله تعالى ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] ومنه تعلم خطأ انتشار دعوة بعض الجماعات في صعيد دون صعيد، وانحسارها عن طبقة على حساب طبقة،

стр. 37

من مفاهيم الطائفة الناجية في منهاجهم قدمنا فيما سبق قواعد وأصولاً وصفات، لمن أراد أن يكون من أفراد الطائفة المنصورة، وبقي أن نقدم بعض مفاهيمها: المفهوم الأول: كل ما أصابنا بما كسبت أيدينا: واعلم أن ما أصابنا، وما يصيبنا، وما سيصيبنا إنما هو بما كسبت أيدينا، ومن تقصيرنا في حق ديننا ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ولقد اعتاد بعض الدعاة، أن يلقوا تبعية ما يصيب المسلمين على أعدائهم .. وفضلاً أن هذا مخالف للمنهج الرباني، والهدي النبوي، فإن فيه مفاسد عظيمة، وسلبيات كثيرة. أولاً: مخالفته للكتاب والسنة في تحليله للوقائع، فالله سبحانه ألقى تبعة هزيمة أحد وحنين على المسلمين أنفسهم، رغم أن الكفار هم الذين فعلوا ما فعلوا. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥].

стр. 38

ثانيًا: فيه تعظيم للكفار في نفوس المسلمين، مما يزيد الأمر وهنًا على وهن. ثالثًا: فيه تزكية للنفس، بمعنى أننا استكملنا شروط النصر، وفعلنا أسباب التمكين، فساتحققنا الاستخلاف، ولكن الكفار غلبونا على هذا، ويترتب على ذلك إهمالنا لتربية أنفسنا، ومراجعة حسابنا، كما يترتب على ذلك أمر عظيم وخطير وهو الرابع. رابعًا: أن الله لم يوف بوعده في نصل المسلمين، وأن الكفار غلبوا أمر الله. قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] خامسًا: بنبئ عن ضعف اليقين بالله، وضعف التوكل عليه، وليس معنى تحميل تبعة ما يصيب المسلمين من أنفسهم، تبرئة الكفار وأعداء الإسلام مما يفعلونه بالمسلمين، فهذا أمر وذلك أمر آخر. فأخبر الله بأسباب هزيمة أحد، وأنها بما كسبت أيديى المسلمين، لا يعني هذا أبدًا تبرئة الكافرين، مما فعلوا بالمسلمين. هذه هي بعض سلبيات مخالفة هذا المفهوم، وأما إيجابيات المسك به، فهي كثيرة وذات نتائج طيبة. فمنها: أولاً: الشعور بالتقصير في حق الله ـ وفي حق التربية، الأمر الذي يدعو إلى الجد

стр. 39

والاجتهاد في طاعة الله حتى يحبنا سبحانه، فيكتب لنا النصر، ويحقق لنا التمكين. ثانيًا: عندما نعتقد أن ما أصابنا بما كسبت أيدينا نعود إلى أنفسنا فنفتش عن الثغرات فنسدها، وعن التصدع فنقيمه، الأمر الذي يقوي الجماعة، ويشد عضدها مما يجعلها أشد قوة، وأشد تماسكًا. ثالثًا: تضعف مكانة الأعداء في أنفسنا، الأمر الذي يدفع النفس إلى استصغارهم والشموح عليهم، مما يقوي عزيمة المؤمنين، فلا يجعل الله لأعدائه رهبة في نفوسهم، ولا خوفًا في قلوبهم، قال تعالى عقب بدر ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، ففي الآية إشارة دقيقة غلى أن الأمور النفسية مطلوبة، فاستعظام الكفار يضعف النفس، واستضعافهم في أنفسنا يقوي العزائم التي جعلها الله سببًا من أسباب النصر. رابعًا: تعظيم الله في النفوس، وأنه هو المدبر لكل شيء، والذي بيده كل شيء، وهو الذي قدر لنا هذا بما كسبت أيدينا، وهو الغالب على أمره لا الكفار ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]

стр. 40

المفهوم الثاني: التغيير إنما يكون بما في النفوس قبل كل شيء: قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فالتغيير الحقيقي لأوضاع المسلمين، يبدأ من المسلمين ومن أنفسهم، لا من قتال عدوهم، أو من إزالة طواغيتهم. وقال ﷺ : "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" [رواه أبو داود والبيهقي في سننهما]، فأشار الحديث إلى أن: تسليط الذل إنما كان بتغيير ما في النفس، من حب للدنيا وارتكاب للمحرمات، وأن رفع الذل عنهم إنما يكون بتغيير ما في النفس، وبالرجوع إلى الدين والتمسك به. المفهوم الثالث: توحيد الصف قبل قتال العدو: قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فمقتضى الآية: إن الله لا يحب المتفرقين. وبالتالي: إن الله لا ينصر نصر استحقاق من لا يحب، وقال تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]
следующие страницы →