← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جَمْهَرةُ مَقَالَاتٍ وَرَسَائِل الشَيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِر ابْنِ عَاشُور جمعها وقرأها ووثقها محمد الطاهِر الميسَاوي المجَلّدُ الأَوّل دار النفائس للنشر والتوزيع - الأردن

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

جَمْهَرةُ مَقَالَاتٍ وَرَسَائِل الشَيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِر ابْنِ عَاشُور (١)

стр. 4

حُقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م الطبعة الأولى رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣ ابن عاشور، محمد الطاهر توجيهات وأنظار جمهرة مقالات ورسائل ومراجعات ابن عاشور/ محمد الطاهر بن عاشور، ت: محمد الطاهر الميساوي. - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع، ٢٠١٤ () ص. ر. إ.: ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣ يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الالكتروني، تحت طائلة المسائلة القانونية. دار النفائس للنشر والتوزيع - الأردن ردمك ISBN العبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠ فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١ Email: alnafaes@hotmail.com www.al-nafaes.com

стр. 5

إهداء إلى الأجيال الناشئة الصاعدة في عالم العروبة والإسلام. . . وصلًا للحاضر بالماضي، واستشرافًا للمستقبل. . . من أجل نهضة شاملة رشيدة، ضاربة الجذور سامقة الفروع. . . شجرةً طيبة: أصلها ثابث وفرعها في السماء. وإلى روح والدي الذي كان أولَ من حدثني عن ابن عاشور في مرحلة "لا شعوري" الفكري، وغادر دنيانا وأنا أضع اللمسات الأخيرة في هذه الجمهرة، وإلى والدتي الصابرة المحتسبة، رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا. المحقق: محمد الطاهر الميساوي

стр. 6

فَاتِحَةُ الكِتَاب " فجعلت حقًّا عليَّ أن أُبديَ في تفسير القرآن نكتًا لم أر مَنْ سبقني إليها، وأن أقف موقفَ الحكَم بين طوائف المفسرين، تارة لها وآونة عليها. فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيلٌ لفيض القرآن الذي ما له من نفاد. ولقد رأيتُ الناسَ حول كلام الأقدمين أحدَ رجلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون، وآخر آخذٌ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتين ضُرٌّ كثير. وهنالك حالةٌ أخرى ينجبر بها الجناحُ الكسير، وهي أن نعمِدَ إلى ما أشاده الأقدمون فنهذِّبَه ونزيده، وحاشا أن نَنْقُضَه أو نُبيده، عالِمًا بأن غمضَ فضلهم كفرانٌ للنعمة، وجحدُ مزايا سَلَفِها ليس من حميد خصال الأمة، فالحمد لله الذي صدق الأمل ويسر إلى هذا الخير ودلّ". محمد الطاهر ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، ج ١، ص ٧

стр. 7

الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وابنه الفاضل ابن عاشور ويتوسطهما طه حسين الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وعن شماله تلميذه الشيخ المختار بن محمود

стр. 8

بين يدي مقالات ابن عاشور ورسائله تمهيد: أنا وتراث ابن عاشور: الحمد لله حقَّ حمده، والصلاة والسلام على صفوته من خلقه محمد خاتم أنبيائه ورسله، ثم الرضوانُ على من سلك سبيله وسار على نهجه واهتدى بهديه، أما بعد: ففي منتصف عام ١٤١٩ (أواخر ١٩٩٨) وصفتُ حالَ مصنَّفاتِ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عليه رحمة الله فقلتُ ما يلي: "إن آثاره العلمية لم يتح لها من الانتشار والتداول ما يجعلها في متناول الدارسين والباحثين، فضلًا عن سواهم من طلاب المعرفة والمثقفين. فكثيرٌ مِمَّا طُبِع منها قد تطاول عليه العهد ونفد من المكتبات، ولم يجد من أهل العزم من المحققين والناشرين من يتولَّى نفضَ الغبار عنه وإخراجه للناس إخراجًا جديدًا. أما ما لَمْ يُطبع - وهو غزير - فلا يزال طيَّ النسيان والإهمال، يقبع مخطوطًا على رفوف المكتبة العاشورية بالمرسى في تونس، ويتراكم عليه غبارُ السنين وتتهدده آفاتُها بالإتلاف، وكأنما تواطأت صروفُ الزمان وتدبيرُ الإنسان على تغييب مَعْلَمٍ مهم من معالمِ الحياة الفكرية والعلميّة للمسلمين بها القرن العشرين! " (١) حين كتبتُ هذا الكلام كان في خاطري - بصورة خاصة - العددُ الكبير من المقالات التي نشرها ابن عاشور في مجلات وصحف شتى، ينضاف إليها غير قليل من الرسائل، وقد تناءى بجميعها المكان بين تونس والقاهرة ودمشق (وربما غيرها)، وتمادى بها الزمانُ خلال ما لا يقل عن عقود ستة، ومن تلك المجلات والصحف ما لم يُمدَّ في عمره إلا برهة قصيرة فكان حاله كبارق صيف مثل مجلة

стр. 9

"السعادة العظمى" التي أنشأها زميلُه وصديقُه الشيخ محمد الخضر حسين في تونس، ومنها ما عُمر لسنوات عدة شبَّ فيها وما اكتهل مثل مجلة "الهداية الإِسلامية" التي أسسها كذلك الشيخ الخضر في القاهرة و"المجلة الزيتونية" التي أسسها بعضُ تلاميذ ابن عاشور في تونس، ومنها ما عُمر طويلًا واكتهل وما زال يصدر حتى يوم الناس هذا مثل مجلتي مجمع دمشق ومجمع القاهرة. إلا أنه لم يكن في خاطري حينذاك أن أنتهض يومًا لجمع تلك المقالات والرسائل وأن أنشغل بها قراءة وضبطًا وتوثيقًا و"تحقيقًا"، بل لم يكن من "خارطة طريقي" عندها أن أجعل الفكرَ المقاصدي الاجتماعي عند ابن عاشور موضوعًا لأطروحتي في الدكتوراه. ولكن يبدو أن جاذبًا خفيًّا ودافعًا قويًّا كانا يتملكانني فلا أملك منهما فكاكًا، فكما عكفتُ من قبلُ على أعمال المفكر الجزائري اللامع مالك بن نبي دراسة وتأليفًا وترجمة، ألفيتني منغمسًا في تراث علامة تونس الزيتونة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بالقدر ذاته إن لم يكن على نحو أكبر. على أن لي مع ابن عاشور صلةً أقدم من تلك التي تربطني بمالك بن نبي (١)، أرى من المناسب الكشفَ عنها هنا لما فيها من بعض الغرابة، ولعلها تفيد مَنْ يروم التبصر بالأبعاد النفسية

стр. 10

والاجتماعية لحركة الأفكار وتحليل مساقات نشأتها وتطورها وانتشارها وحلها وترحالها عبر الأشخاص والأجيال. عندما كنتُ في الفصل الرابع أو الخامس من الدراسة الابتدائية (على ما أذكر، وكان ذلك في منتصف الستينيات من القرن العشرين)، كان والدي حفظه الله - البالغ الآن السابعة والتسعين من عمره - (١) عندما أعود من المدرسة، ويكون هو قد فرغ من عمله، يجلس ويُجْلِسني أمامه لأقرأ له إما من القرآن الكريم (وغالبًا ما كان ذلك من جزء عم) أو من كتاب لا أذكر الآن عنوانه، ولكنه كان كتابًا يحكي قصّة أصحاب الكهف وما جرى لهم مع الإمبراطور الروماني دقيوس أو دوقيانوس، وكان ذلك الكتاب مطبوعًا على ورق أصفر مثل غيره من الكتب ذات المضمون الديني التي كان الكثيرُ منها مما يعتمد عليه المتعلمون في الكتاتيب القرآنية أو حتى في جامع الزيتونة وفروعه عندما كان هو المؤسسة التعليمية الأولى في البلاد. وفي تلك الجلسات المتكررة - التي كنتُ أتضايق منها لِمَا كانت تحبسني عن اللعب ومطاردة أو صيد بعض أنواع الطيور أو اليرابيع التي توشك الآن أن تنقرض بسبب ما حصل من تحول في البيئة الطبيعية والبشرية في الريف الذي كنا نعيش فيه - طنَّ على سمعي اسمَا كلٍّ من محمد الطاهر ابن عاشور وجده لأمه محمد العزيز بوعَتُّور، إذ كان والدي كثيرًا ما يردد هذين الاسمين، ولم أكن عندها أدري مَن هما هذان الشخصان ولا أدرك نوع العلاقة التي بينهما. ومن الأمور العجيبة أو الغريبة التي لا أزال أذكرها جيدًا أن والدي ذكر في بعض تلك الجلسات أنه سماني "محمد الطاهر" تيمنًا بالشيخ ابن عاشور! لا أستطيع

стр. 11

أن أدعيَ معرفةَ السبب في ذلك، ولا أتذكر أني سألتُه عنه، وخاصة أنه لم يكن درس في الزيتونة أو في فرع من فروعها ولا في غيرها من المدارس القليلة التي كانت موجودةً بتونس خلال الثلث الأول من القرن العشرين، ولا يبدو أن ذلك أثار في نفسي شيئًا في ذلك الطور من حياتي. وغايةُ ما يمكنني قولُه أنَّ والدي بلقاسم - الذي تعلم القراءة والكتابة بسعيه الشخصي ومعاونة بعض زملائه عندما كان مُجنَّدًا في الجيش الفرنسي في منطقة ليون بفرنسا التي كانت تخيم عليها نذرُ الحرب العالمية الثانية - كان كثيرًا ما يتحسَّر على ما فرط والدُه في جنبه بعدم إرساله إلى "المؤدب" ليتعلم، وخاصة أن بعضَ أبناء جيله من أقاربه قد فعل أهلُوهم ذلك حينما جلب الحاج الباشا - أحد أعيان المنطقة - في نهاية العشرينيات أو بداية الثلاثينيات من القرن العشرين مؤدبًا لتعليم ابنيه. وقد تكون معرفته بابن عاشور وجده حصلت عن طريق نجلي الحاج الباشا المذكور (صالح وعلي، وهما ابنا خالته)، أو بواسطة بعض رفاقه أثناء الخدمة العسكرية، أو أثناء حضوره دروسًا في بعض المساجد التي ارتادها في بعض مدن البلاد. تلك كانت البداية البعيدة وغير الواعية لصلتي بابن عاشور. وعندما كنتُ في السنة الثانية من الدراسة الثانوية بمدينة سيدي بوزيد (التي توقدت فيها شرارة الثورة في ديسمبر ٢٠١٠)، أذكر أن الأستاذ الذي كان يتولى الإشراف علينا أثناء ما كان يعرف بحصص المراجعة (classes d'etudes) قادنا في أحد أيام عام ١٩٧٢ إلى المكتبة العامة الوحيدة التي كان يأويها مبنى ما كان يُعرف بلجنة التنسيق الحزبي (للحزب الاشتراكي الدستوري الذي كان يحكم البلادَ بقيادة الحبيب بورقيبة). كان الغرضُ من زيارة تلك المكتبة أن نستعير كتبًا للمطالعة، وكانت مدةُ الاستعارة أسبوعين أو ثلاثة. المهم أنه كان علي، شأني في ذلك شأن بقية التلاميذ في الفصل، أن أستعير كتابًا، وفعلًا تناولت أحدَ الكتب المصفوفة على الرفوف، ولست أدري على أي أساس أخذته، وكان ذلك الكتاب يحتوي على مقدمات تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور في طبعة ذات غلاف ورقي بلون أخضر فاتر. وعدتُ بالكتاب

стр. 12

وحاولت أن أقرأ فيه، ولكني لا أذكر أني فقهتُ منه شيئًا ألبتة؛ لأني في الحقيقة لم أستطع مواصلةَ القراءة فيه فضلًا عن إكماله، إذ كانت لغتُه وأسلوبه ومضمونه فوق إدراكي بمقام بعيد. وعندما انتهت مدةُ الاستعارة قادنا الأستاذ مرة أخرى إلى المكتبة، وأعدتُ الكتابَ في حالة جيدة لم يصب بسوء! ومرت الأيامُ وتصرمت السنون، ومرَّ عليَّ اسمُ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور كطيف حلم، أو كما يمر أيُّ حدثٍ عاديٍّ عابر على وعْيِ يافعٍ حَدَث، وانخرطتُ في ضروب من الدراسة والقراءة النظامية وغير النظامية لم يكن أيٌّ من مؤلفات ابن عاشور من بينها، فانقطعتْ صلتي به انقطاعًا طويلًا. حتى إذا كان العام ١٩٨٨ وقد تمكنت في نفسي فكرةُ التجديد والبحث في لوازمها ومتعلقاتها - مسالك وقضايا ومجالات ومآلات - بفضل المناقشات التي كنتُ أحضرها في بعض المنتديات الفكرية بجامعة الخرطوم وجامعة أم درمان الإسلامية وغيرهما من المواقع، وبفضل ما كان يعتمل في أوساط الحركة الإسلامية في السودان بقيادة الدكتور حسن الترابي من زخم فكري، سعيتُ إلى الحصول على نسخةٍ من كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" لابن عاشور. وإذ كنتُ منقطعًا عن الأهل وعن تونس مذ غادرتها قهرًا أواخر عام ١٩٨١، وكان الكتابُ نادرَ الوجود في المكتبات العامة والخاصة بالخرطوم، رجوتُ من الأخ الأستاذ الفاضل البلدي حفظه الله مساعدتي في ذلك فما تأخر عن تلبية بغيتي. وعلى الرغم من أني قرأت الكتاب بنهم ودون انقطاع حتى آخره، إلا أني لم أعْدُ ذلك إلى أيِّ نوعٍ من المدارسة العميقة لمباحثه والنظر في مسائله وقضاياه. وانقضت أعوامٌ عِشْتُ فيها أصنافًا أخرى من التجارب تركت آثارًا متفاوتة في وعيي الفكري ونموِّي العقلي وفي رؤيتي للأمور، وإذا بي أُراني في العام ١٩٩٧ مسوقًا، مع انشراح صدر ومن دون سابق تخطيط، إلى العناية بذلك الكتاب وبصنوه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام"، دراسةً وتوثيقًا وتحقيقًا، على الرغم من أن ذلك كان على حساب دراستي في مرحلة الدكتوراه التي تخليتُ عنها وانخرطت في

стр. 13

أعمال علمية أخرى. كان ذلك في ماليزيا التي قدمت إليها في شهر أبريل من العام ١٩٩١ لمواصلة الدراسة العليا بالجامعة الإسلامية العالمية. وكم كانت غبطتي بالغةً حين فرغتُ من إعداد الكتابين ودفعتُهما للنشر، وكانت سعادتي أكبر حين صدرا وكأنما كنت أنا مؤلفهما! وحين عدتُ إلى مشروع الدراسة العليا الذي جمدته، ألفيتُني مندفعًا بدون تفكير طويل إلى أن أجعل موضوعَ أطروحتي في مقاصد الشريعة وأسس النظام الاجتماعي من خلال أعمال ابن عاشور. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل ما أن انتهيتُ من كتابة الأطروحة حتى وجدتني منخرطًا في مغامرة ترجمةٍ لكتاب المقاصد إلى اللسان الإنجليزي على الرغم من علوّ لغته وكثافة أسلوبه فضلًا عن دقة مباحثه، متجشِّمًا بذلك الاجتهادَ في التعبير عن مفاهيم ونقل مصطلحات يشكو القاموس الفني الإسلامي في اللسان الإنجليزي من نقص كبير فيها. ولكن يسر الله، وآتت المغامرة ثمرتها، واستوى سفينُها على جودي، ثم لقي الكتابُ من أهل ذلك اللسان مَنْ يقوِّم عوجه، ويصقل عبارته، ويسبك أسلوبه. وهكذا يبدو لي وكأنما نوعٌ من استبطان ما كان يجيش بخاطر والدي قد استبد بي وساقني سوقًا رفيقًا إلى تمتين صلتي بابن عاشور والاعتناء بتراثه مطالعة ودراسةً وتدريسًا ونشرًا، قضاءً لدَين أو قيامًا بواجب لا أدري على التحديد منشأه. وحين عزمت - في النصف الثاني من سنة ٢٠٠٦ - على جمع مقالات الشيخ ورسائله، لم أكن أتوقع أن سيمتد بيَ الزمنُ معها سنوات عدة، ولا أن سيبلغ حجمها القدر الذي بلغ. محاولات سابقة لجمع مقالات ابن عاشور، ولكن . . .: ليس اعتنائي بمقالات الشيخ ابن عاشور أمرًا أُنُفًا، وإنما هو استئنافٌ واستكمال لجهود سلفت. فهناك - فيما أعلم - ثلاثُ محاولات سعى أصحابها إلى جمع شيء من تلك المقالات ونشرها في سفر واحد: الأولى نهض بها نجلُه الأستاذ عبد الملك ابن عاشور عليه رحمة الله ونشرها بعنوان "تحقيقات وأنظار في القرآن

стр. 14

والسنة" (١). وقد اشتمل هذا المجموعُ على إحدى وعشرين مقالة تتفاوت طولًا وقصرًا، نظمها جامعُها في قسمين: قسم خاص بالقرآن (ست مقالات) وقسم خاص بالسنة (خمسة عشر مقالة). ومن هذه المقالات ما نشر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ومنها ما نشرته مجلات أخرى، ومنها ما يبدو أنه لم يسبق نشره. أما المحاولة الثانية فنهض بها الأستاذ الأديب علي الرضا الحسيني المحامي (ابن أخت الشيخ محمد الخضر حسين) نزيل دمشق، ونشرها بعنوان "مقالات الإمام محمد الطاهر ابن عاشور" في سلسلة "روائع مجلة الهداية الإسلامية" (٢). وكما هو واضح من اسم السلسلة، فقد اقتصر الحسيني في هذا المجموع على اثني عشر مقالًا مما نشر في مجلة "الهداية الإسلامية". والحقيقة أن ما أودعه الأستاذ الحسيني في هذا الكتاب هو المجموعة الأخيرة من مقالات ابن عاشور التي نشرتها المجلة المذكورة، والتي يبدو أن الحسيني أصدرها في حلقات تحت اسم السلسلة نفسها متوخيًا في ترتيبها الرابط الموضوعي بين مقالات كل حلقة، كما ينبئ عن ذلك ظاهرُ كلامه في تقديمه للمجموعة التي اطلعنا عليها (٣). أما المحاولة الثالثة فنهض بها الأستاذ محمد إبراهيم الحمد من الزلفي بالمملكة العربية السعودية، وهي ليست ممحضة لابن عاشور، وإنما شملت مجموعًا منتخبًا من المقالات لعدد من الكتاب العرب البارزين في القرن الميلادي الماضي نشرها جامعُها في ثلاثة مجلدات بعنوان "مقالات لكبار كتاب العربية" (٤). وقد نسق

стр. 15

الأستاذ الحمد مختاراته وفق ترتيب موضوعي، فجاءت مقالاتُ ابن عاشور البالغ عددها ستة موزعة في مواضع مختلفة تبعًا لذلك الترتيب، وهي مأخوذةٌ كلها من مجلتي "السعادة العظمى" و"الهداية الإسلامية". إلا أن أحدها - وهو "من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" - جاء منقوصًا نقصًا كبيرًا يتجاوز النصف، وقد اعتذر الأستاذ الحمد عن ذلك بأنه لم يتيسر له الاطلاعُ على جميع حلقات المقال (١). وتختلف هذه المحاولات الثلاث من حيث المقالات التي اشتملت عليها إلا واحدًا، هو مقال "من يجدد لهذه أمر دينها الذي نشرته مجلة "الهداية الإسلامية" في تسعة نجوم. ولكنها تشترك جميعًا في أنها خلت خلوًّا تامًّا من أيِّ توثيقٍ لما جاء في تلك المقالات من آثار أو أقوال أو أشعار، كما خلت من أيِّ تعليق على ما بثه ابن عاشور في ثناياها من آراء، أو آثاره من مسائل، أو أومأ إليه من مواقف ومفاهيم. وبينما حرص علي الرضا الحسيني ومحمد إبراهيم الحمد على بيان مصادر المقالات التي جمعاها بذكر أعداد المجلة أو المجلات التي نُشرت فيها، جاءت محاولةُ عبد الملك ابن عاشور خالية من ذلك إلا قليلًا. والحقيقة أن خلو المحاولات المذكورة من التوثيق والتعليق والتحقيق أمرٌ لا يختص بها، فهو حالُ كل ما تيسر لنا الاطلاعُ عليه من مجاميع المقالات والفتاوى لعدد من العلماء والمفكرين (٢). ويبدو أن سببَ ذلك هو ما تتطلبه عمليةُ التوثيق والتعليق والتحقيق من جهد مضن ووقت طويل ونفس أطول، ولا ينبئك مثلُ خبير! وربما كان الداعيَ إلى ذلك حرصُ الجامعين لتلك المقالات على إيصالها إلى القراء تعجيلًا لانتفاعهم بها. ومهما

стр. 16

كان السبب أو الداعي، فإنه لا مراء في أن ذلك يعد نقصًا وقصورًا في ميزان التحقيق العلمي. ويمكن أن نضيف إلى الجهود السابقة في جمع ما تناثر من تراث ابن عاشور ما صنعه كلٌّ من الأستاذين محمد بن يونس السويسي ومحمد بن إبراهيم بوزغيبة، وإن كان عملُهما قد اقتصر على الفتاوى دون البحوث والمقالات العلمية. وبصرف النظر عن أيهما سابق في ذلك، فإنا نعرض هنا لما أنجزه كلٌّ منهما حسب تاريخ نشره. محض بوزغيبة جهده لجمع فتاوى ابن عاشور دون غيره ونشرها بعنوان "فتاوى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور" (١) محتويًا على مائة وثلاثة عشر فتوى، بينما يندرج صنيعُ السويسي في سياق أوسع هو مجموع ما صدر عن علماء تونس من فتاوى خلال قرن من الزمان، وذلك في كتابه "الفتاوى التونسية في القرن الرابع عشر الهجري" الذي اشتمل على ثمان وثمانين فتوى (٢). وكانت مصادرهما الرئيسة في ذلك الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات العلمية التي كانت تصدر بتونس وفتحت صفحاتها لفتاوى ابن عاشور. وقد سلك بوزغيبة والسويسي في محاولتيهما نهجًا موضوعيًّا في ترتيب الفتاوى على أبواب تتفاوت في حجمها حسب وفرة المادة المنضوية في كل باب. ومما يميز هاتين المحاولتين توثيق الشواهد والأقوال، والتعليق على جملة من المواضع شرحًا للفظ، أو بيانًا لمعنى، أو تصحيحًا لخطأ، حسبما قدره القائمان بهما من الحاجة إلى ذلك. على أننا نلاحظ أن بعضَ نصوص ابن عاشور التي عدها الأستاذان من قبيل الفتوى هو محلُّ نظر، إذا عايرناها بمعيار علمي دقيق في صناعة الفتوى، سواء

стр. 17

كان ذلك من حيث الموضوع أو من حيث الأركان والشروط أو من حيث المخرج، إلا أن يُحمل معنى الفتوى على غير قليل من التجوز والتسامح (١). تلك هي الجهود التي وقفنا عليها والتي اهتم أصحابها بجمع شيء من مقالات ابن عاشور. ومهما كان من محدودية تلك الجهود من حيث الإحاطة والشمول، ومهما كان تفاوتها وقصور بعضها من حيث الدقة والاستقصاء في التحقيق والتوثيق، فإنها أسدت لا محالة خدمةً جليلة بجعل جزء مهم من تراث ابن عاشور - المنثور في مجلات وصحف متعددة باعد الزمان بيننا وبينها عبر بلدان مختلفة - في متناول القراء والباحثين. وهي بذلك مهدت جانبًا من الطريق وفتحت أمامنا أفقًا مهمًّا، فيسرت علينا ما أقدمنا عليه وتجشمناه في صناعة هذا المجموع أو الجمهرة لمقالات ابن عاشور ورسائله وما ألحقناه بها، وذلك على الأقل بأن نبهتنا إلى تدارك بعض ما شابها من مظاهر القصور التي ألمحنا إليها. ولذلك فليس جهدُنا فيما عزمنا عليه إلا بناءً على ما صنعه أولئك السابقون وتكميلًا لما بدؤوه. منهجنا في هذه الجمهرة جمعا وترتيبا: قام عملُنا في هذا المجموع على قاعدة الاستيعاب لما أمكننا الوصول إليه من المقالات والبحوث العلمية، مما نشره عدد من المجلات التي تعامل معها ابن عاشور من أول مسيرته الفكرية كاتبًا ومصنفًا، منذ منتصف العقد الأول من القرن الميلادي العشرين، ومن الرسائل والأبحاث التي نُشرت مستقلةً سواء لتكون جزءًا من المقررات العلمية لطلبة الزيتونة أم لا، معرضين عن الفتاوى إلا نزرًا يسيرًا جدًّا أدرجناه في الموضع الذي خصصناه للمسائل الفقهية الفرعية. وقد حدانا إلى هذا الاختيار من الاستيعاب والاستبعاد سببان رئيسان: الأول أن فتاوى ابن عاشور قد كفانا مؤنتَها

стр. 18

الأستاذان السويسي وبوزغيبة، والثاني أننا أردنا إبرازَ التراث الفكري الذي تجلت فيه قدرةُ ابن عاشور ومهارته في كتابة المقال العلمي القائم على منهج في إثارة المسائل وتحليلها ومناقشتها وتحقيقها على نحوٍ يكشف عن عمق في التناول وأصالة في الرأي، فضلًا عن التنوع والسعة في الموضوعات والقضايا التي طرقها. وقد رأينا أن نعضِّد تلك المقالات والرسائل بضمائم من مادة أخرى نُشرت بين يدي تحقيقه لعدد من دواوين الشعر وكتب الأدب كالدراسة الممتعة التي قدم بها لديوان بشار بن برد، وقد بينّا ذلك في مواضعه. بل رفدنا هذا المجموع بطائفة من الخطب التي ألقاها العلامة ابن عاشور في مناسبات مختلفة متصلًا جميعها بموقعه شيخًا لجامع الزيتونة وفروعه، كما حليناه بمخاطبات ورسائل (هي طرائف من النثر والشعر) صدرت منه لأشخاص من شيوخه وزملائه وأصدقائه. وجريًا على ما قالته العرب: "هذا الشبل من ذاك الأسد"، رأينا من المناسب أن نُدرج في هذا المجموع نَصَّيْن مهمين لنجله الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور ضممنا كلًّا منهما إلى المحور المناسب له، تتميمًا للفائدة وتعميقًا للنظر في القضايا المنضوية تحت ذلك المحور. ومع ذلك كله، فلا مجالَ للزعم بأن ما تيسر لنا الوقوفُ عليه مما جمعناه في هذه الجمهرة قد أحاط بكل ما كتبه ونشره الشيخ ابن عاشور من مقالات وبحوث ورسائل، فهناك بعضُ المجلات - منها على سبيل الذكر لا الحصر مجلة "هدى الإِسلام" - حُليت صحائفُها بشيء من مبتكرات قلمه أعيانا البحثُ والسؤال عنها، ولم نقف لها على أثر، وهناك بحوثٌ دبجتها يراعُه وعلمنا بمكان وجودها، ولكن لم يمكن الحصولُ عليه (١). ولا نستبعد - بل نكاد نجزم - أن تكون هنالك مظانّ

стр. 19

أخرى تحوي من تراث ابن عاشور العلمي والفكري قدرًا غير يسير، وخاصة مكتبته الزاخرة بالمرسى في تونس. ولعل قادمَ الأيام أن يزيل عن ذلك حجبَ الستر، وينفض عنه غبارَ السنين، فيخرج من زوايا النسيان والإهمال، فنزيد معرفةً بمدى سعة ذلك التراث وتنوعه وغناه وبما ينطوي عليه من قضايا وإشكالات. ذلك عن الجانب الكمي لعملنا في هذا المجموع. أما الجانب المنهجي الخاص بتصنيف مادته وترتيبها فقد ترددنا فيه بين طريقتين: إما أن نتبع نهجًا زمنيًّا خطّيًّا تندرج فيه المقالاتُ والرسائل وغيرها حسب تاريخ نشرها من الأقدم إلى الأحدث، وهو نهجٌ مفيد يمكن أن يوقفنا على التطور العلمي والفكري لكاتبها، وأن يُبِينَ عن أثر تقدم السن وتراكم الخبرة في تحديد القضايا التي عالجها، وفي تشكيل الرؤية أو الرؤى التي بلورها. أما الطريقةُ الثانية فهي أن نسلك في تصنيفها وتبويبها نهجًا موضوعيًّا تتوزع فيه وفقًا لطبيعة المجالات العلمية التي تنتمي إليها تلك المقالاتُ والرسائل وما لحق بها، فترتسم لنا بذلك صورةٌ كلية للمشاغل العلمية والقضايا الفكرية والهموم العملية التي استبدت بعقل ابن عاشور خلال مسيرة علمية وعملية امتدت لما لا يقل عن ستة عقود. وقد رجح لدينا الخيارُ الثاني لما لا يخفى من جدواه في إدراك الجوانب المختلفة لعطائه العلمي وإسهامه الفكري، دون أن يعنيَ هذا الترجيحُ تهوينًا لجدوى الخيار الأول. وبناءً على هذا النهج الموضوعي الذي رجحناه، اجتهدنا في توزيع مادة هذا المجموع على خمسة محاور كبرى يندرج في كل محورٍ منها جملةٌ من الفروع. فكان المحور الأول للمقالات الخاصة بمسائل العقيدة والتفسير والفكر والحكمة، وقد أقمناه على فرعين، الأول للعقيدة والتفسير (ومسائل التفسير التي عرض لها ابن عاشور هي أساسًا مسائل عقدية)، والثاني للفكر والحكمة. أما المحور الثاني فتنضوي فيه المقالاتُ الخاصة بفقه السنة بمعناها العام الذي يشمل الحديث والسيرة، ومن ثم انتظم هذا المحور في فرعين: الأول لفقه الحديث، والثاني لفقه السيرة. ثم خصصنا المحورَ الثالث لمسائل أصول الفقه والفقه والفتوى، وهو كذلك يشتمل

стр. 20

على فرعين: واحد للبحوث التي تتناول مسائل وموضوعات في أصول الفقه، والآخر يضم المقالات التي تعالج مسائل وموضوعات فقهية تطبيقية. وقد خرجنا في هذا المحور عما التزمناه من استبعاد للفتاوى في هذا المجموع ربطًا للمباحث الأصولية بشيء من المسائل الفقهية الفرعية التي يتضح بها جانبٌ من المنهج وتطبيقه عند ابن عاشور، خاصة وأن نصوصَ الفتاوى التي أدرجناها فيه ليست تقريرًا مجردًا للأحكام، وإنما هي في حقيقتها بحوث علمية قائمة على التحليل والتحقيق والاستدلال. وقد أتبعنا هذا المحورَ الثالث بملحق يتمثل في مقال الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور عن "المصطلح الفقهي في المذهب المالكي"، وهو أقرب إلى البحث الأصولي التاريخي. وجريًا على المنوال نفسه، جعلنا محورًا رابعًا للغة والأدب، وقد فرعناه هو الآخر إلى فروع ثلاثة: الأول للبحوث والتحقيقات اللغوية، والثاني لعلوم البلاغة، والثالث للدراسات الأدبية. وألحقنا بهذا المحور بحثًا تاريخيًّا عن "السند التونسي في علم متن اللغة" لنجل المصنف الشيخ محمد الفاضل. ولا ندعي أن ما انضوى تحت المحاور والفروع المذكورة قد جرى تبويبُه وتوزيعُه فيها على نحو صارم يتوخى قواعدَ دقيقة من منطق تمايز العلوم واستقلال بعضها عن بعض، بل هناك بين المقالات والبحوث التي أدرجناها فيها ما لا يخفى من الاتصال والتداخل الذي ليس ههنا مجالُ بيانه وتفصيل القول في وجوهه. وإنما قصدنا بذلك أن تنتظم مادةُ هذا المجموع في أطر كلية تضبط انتسابها إلى المجالات المختلفة للمعرفة الإسلامية التي تعاطى معها المصنف. على أنا لم نجر في تصنيف جميع محتويات الكتاب على نحو واحد مطرد من الاعتداد بالجانب الموضوعي فيها، كما هو الشأنُ في المحاور الأربعة التي وصفناها. بل راعينا في المحور الخامس (وهو الأخير) جانبَ الشكل والمنهج والمقام في المادة التي أدرجناها فيه منضويةً تحت فروع خمسة: أولها لمراجعات الكتب والتعليق عليها

стр. 21

شرحًا ونقدًا، وثانيها للمتابعات اللغوية الخاصة بالأخطاء الشائعة وغير الشائعة في العربية. أما الفرع الثالث فخصصناه للتراجم إنشاءً كانت أو استدراكًا، بينما جعلنا الفرع الرابع للمقدمات التي وضعها الشيخ ابن عاشور بين يدي تحقيقه لجملة من دواوين الشعر وكتب الأدب، وقد استثنينا من ذلك ما كتبه تقديمًا لديوان بشار؛ إذ جاء في الحقيقة بحثًا تاريخيًّا أدبيًّا نقديًّا مسهبًا يصلح أن يكون كتابًا قائمًا بنفسه، ولذلك وضعناه تحت الفرع الخاص بدراسات الأدب والنقد من المحور الرابع. ولم نستوعب كلَّ ما لابن عاشور في هذا النوع من الكتابة إذ عزت طائفةٌ من الدواوين والكتب التي حققها عن متناولنا، ولعل الله تعالى ييسر لنا تداركَها وغيرها في المستقبل القريب. وإنما عمدنا إلى إدراج هذا النوع من كتابات ابن عاشور في هذا المجموع حرصًا على تقريبه من القراء ممن قد لا تسنح لهم الفرصة أو تقوم لديهم الدواعي ليقرؤوا الأعمال التي ارتبطت بها تلك المقدمات، خاصة في زمن ضعفت بل انطفت فيه - خاصة لدى المنتسبين للدراسات الشرعية - الهممُ الداعية إلى مطالعة مجاميع الأدب ودواوين الشعر، كالبيان والتبيين للجاحظ، والكامل للمبرد، وديوان الحماسة لأبي تمام وشروحه، والعقد الفريد لابن عبد ربه. وقد أدرجنا في خاتمة العقد من هذا المحور الأخير (المحور الخامس) طائفةً من الخطب والرسائل والمخاطبات ذات القيمة التاريخية المهمة في حياة ابن عاشور وعلاقاته الشخصية خاصة وفي الحركة العلمية والفكرية في تونس عامة. وهناك جانبٌ آخر مهم أوليناه عنايةً قصوى في هذا العمل، حتى عدَّه بعضُ الأصدقاء من لزوم ما لا يلزم (١)، ذلكم هو جانبُ التوثيق والتعليق حيثما لاحت الحاجةُ وقام الداعي، فضلًا عن الضبط والتدقيق لمتن النصوص وترتيب أجزائها

стр. 22

وتنسيق فقراتها كلما استدعى الأمر ذلك. فما من شاذة ولا فاذة، ولا صغيرة ولا كبيرة من الشواهد والنقول والإحالات التي تضمنتها النصوصُ المودعة في هذا المجموع، إلا وقد تتبعناها وعملنا على توثيقها مهما كان حجمُها ومهما كانت طبيعتها، اعتمادًا على المطبوع من المصادر والمراجع، مع الحرص على المحقق والقريب العهد منها، فإن تعذر ذلك عوَّلْنا على الموجود منها ولو كان مخطوطًا (وهذا نادر). أما ما جرينا عليه من تعليق في العديد من المواضع، فلم نسرف ولم نطلق عنانَ القلم فيه لكي لا نثقل نصوصَ ابن عاشور بما لا ضرورة له، ولا نفرض على القارئ نهجًا معينًا في قراءتها. وقد اجتهدنا في مواضع قليلة أن نجلب من مصنفاته الأخرى (وخاصة تفسير التحرير والتنوير) بعض النصوص تبيينًا لإجمال معنى أو استكمالًا لترتيب حجة أو استيعابًا لبارق فكرة، مما رأينا الاكتفاءَ بالنص المتوفر من بعض المقالات لا يفي بالغرض فيه. وربَّ قائلٍ يقول: لِمَ هذا العناءُ والنَّصَبُ في تقصِّي مقالات ابن عاشور ورسائله وجمعها وتحقيقها وبين أيدينا أمهاتُ مصنفاتِه مشهورةً ميسورة تسير بها الركبان وتزخر بها المكتبات العامة والخاصة؟ ألا يُغنينا في التعرُّف على آرائه وأفكاره واجتهاداته واختياراته ما بثه تصريحًا وتلميحًا في "التحرير والتنوير" وما قرره تأصيلًا وتفريعًا في "مقاصد الشريعة الإسلامية" وما بينه تأكيدًا وتنظيرًا في "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" وما سطره شرحًا وتحليلًا في "أليس الصبح بقريب"؟ ما الجديد الذي تحتوي عليه تلك المقالات والرسائل مما لا يمكن استفادته والوقوف عليه من هذه المصنفات؟ ودون الولوج في التفاصيل، ولكي ندع الأمر للقارئ يحكم فيه بما ينتهي إليه من فهم وتقدير، نقرر الآتي فنقول: إن ما يحتوي عليه المجموعُ الذي بين أيدينا لا يزيدنا فقط اقتناعًا بأن الإمام ابن عاشور كان أكثرَ علماء تونس وكتابها خلال القرن الرابع عشر الهجري غزارةَ إنتاج، بل تكشف عن أنه أكثرُهم تنوعًا فيما طرق من موضوعات، وأبعدُهم غورًا فيما عالج من قضايا، وأكثرهم تماسكًا وتوازنًا فيما قرر من آراء، وأبعدهم عن التطاول والجور فيما أصدر من أحكام. وهو في كل المقالات

стр. 23

والرسائل والمراجعات والمتابعات التي نقرؤها له هنا يصدر عن منزع صارم في التحقيق العلمي، واتجاه واضح من النقد الرصين والتبصر العميق، والإحاطة بمعطيات ما يتناوله من موضوعات وما يناقشه من قضايا، يجلل ذلك كلَّه حرصٌ أكيد على الاجتهاد والتجديد بعيدًا عن مجرد التكرار والترديد. فابن عاشور هو العالم والمثقف الموسوعيُّ الذي لم يكد يدع مجالًا من مجالات المعرفة الشرعية والحِكْمية الإسلامية - مقاصد ووسائل - دون أن يكتب فيه كتابةَ العارف البصير والعالم الخبير. ولا نجازف في الحكم ولا نجحف بالحقيقة إن قلنا إنه لا يدانيه - بل لا يضاهيه - في ذلك أحدٌ من علماء تونس وكتابها في القرن العشرين الميلادي، زيتونيًّا "تقليديًّا" كان أو جامعيًّا "حداثيًا". وربما اعتُرِض علينا بآثار صديق ابن عاشور وخليله الشيخ محمد الخضر حسين عليه رحمة الله، وجوابُنا على ذلك من وجهين: الأول أن إنتاج الشيخ الخضر إنما كان جلُّه في مصر التي كان بها مستقره ومجلى نشاطه ومسرح حركته. أما الوجه الثاني، فحتى إذا راعينا النَّسَب التونسي لهذا الشيخ، فإن أعماله الكاملة التي جمعها ابنُ أخته الأستاذ علي الرضا الحسيني ونشرتها دارُ النوادر في خمسة عشر مجلدًا لا يمكن أن تضاهي حجمًا وكمًّا مصنفات ابن عاشور المطبوعة، فما الظن إذا أضيف إليها ما لم يطبع قط! وفضلًا عن ذلك، ومهما كان التقديرُ للقيمة العلمية والفكرية الذاتية لما جمعناه في هذه الجمهرة، فإن له قيمةً تاريخية توثيقية كبيرة تعكس جانبًا مهمًّا من الحركة العلمية خلال حِقَبٍ مفصلية من تاريخ تونس وتطورها الثقافي والاجتماعي والسياسي في العصر الحديث. فعسى أن نكون بما صنعناه قد وفرنا قاعدة مادية غنية لدراسات علمية تحليلية صارمة تنظر في مغزى ما كتبه ابن عاشور متواشجًا مع الإشكاليات الرئيسة التي واجهت وما زالت تواجه مساعيَ الإصلاح والتجديد والبناء في تونس وفي غيرها من بلدان العالم العربي الإسلامي، ومتضافرًا مع ما أنتجه زملاؤه ومعاصروه مجاوبةً لتلك الإشكاليات، فتستوي لنا بذلك معرفةٌ علمية رصينة بحركة الأفكار والمفاهيم ونموها وتطورها في سياق التحولات البنوية العميقة التي شهدتها المجتمعات العربية الإسلامية بين عهدي الاستعمار وما بعده.

стр. 24

أما تسميةُ هذا المجموع وإعطاؤه عنوانًا، فأمر قد ترددت بشأنه، وكنت على وشك أن أجعل العنوان الذي اختاره الأستاذ عبد الملك ابن عاشور لمجموعة المقالات التي نشرها: "تحقيقات وأنظار" عنوانًا له، فهو اختيار موفَّقٌ ومعبِّرٌ عن حقيقة ما كتبه الشيخ وعن النهج الذي سار عليه فيما جمعناه ههنا. ولكن الخشيةَ من أن يشوِّش ذلك على القارئ فيحسب العملين شيئًا واحدًا، واعتبار ما قد ينجم عن تبني هذا العنوان من إشكالات قانونية مع ناشري "تحقيقات وأنظار"، جعلانا نصرف النظر عنه، ونعتاض عنه بغيره. وقد رأيتُ من المناسب أن يكون العنوان عامًّا "محايدًا"، فاخترتُ أن يكون: "جمهرة مقالات ورسائل الإمام محمد الطاهر ابن عاشور"، فعسى أن تكون هذه التسمية وافية بالغرض، على ما في صيغة الإضافة فيها من وجه للاعتراض عليها. ومهما كان الجهد الذي بُذل في إعداد هذه الجمهرة والحرص على خدمة نصوصها خدمة علمية دقيقة، فلا مجالَ للادعاء أو الشعور بأني بلغت فيها النهاية وأوفيت على الغاية، لا جمعًا واستيعابًا ولا تحقيقًا وتوثيقًا، فلا أحسب إلا أن قد شذت عني منها شوارد، وغابت عني موارد، ولحقت عملي فيها شوائب. فعسى ناقدًا بصيرًا ينبهني، وقارئًا نصوحًا يرشدني، ومعينًا حريصًا يساعدني، فأتدارك النواقص، وأزيل الشوائب، وأصحح الأخطاء. فبذلك وحده تنضج الأعمال وتزكو، وتنصلح الأمور وتصفو، وتتضافر الجهود وتسمو، ويتكامل البناء ويرسو. شكر وعرفان ودعاء " من لا يَشكُرِ الناسَ لا يشكُرِ الله"، كذا قال رسول الله ﵇ (١)، و"لا أحدٌ هو جزيرةٌ قائمة بذاتها"، هكذا قال الشاعر الإنجليزي جون دونِّي John Donne

стр. 25

(١٥٧٢ - ١٦٣١) في التأمل السابع عشر من تأملاته وابتهالاته الشعرية الماتعة (١). فلولا ما تهيأ لي من تعاون الكثيرين وتضافر جهودهم لما أمكنني أن أبلغ بهذا العمل ما بلغت. والواجبُ في ذلك كله يقتضيني العرفانَ والشكرَ لكل مَنْ أسدى لي عونًا ومدَّ إلي يدًا وشدَّ مني أزرًا، مهما كان مقدارُ تلك المعونة وطولُ تلك اليد وقوةُ ذلك الشد. ولْنبدأ في ذلك بمنْ رحل عن هذه الدنيا بعد أن أسدى للفقه الإسلامي ولتراث ابن عاشور من الخدمة ما أسدى، أعني الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله تعالى، فقد صوَّر لي ما توافر في مكتبته بجدة من مقالات وخاصة المجموعة التي نشرها الحسيني، وما فتئ يشجعني فيما جرى بيني وبينه من لقاءات ومراسلات على المضيِّ قدمًا في هذا المشروع. كما أشكر الشيخ محمد المختار السلامي - متعه الله بسابغ الصحة والعافية - الذي أرسل إلي نسخة من بحث "الوقف وآثاره في الإسلام" في صورته التي أصدرته بها مطبعة الهداية الإسلامية رسالة مستقلة. والشكرُ موصولٌ للشيخ الدكتور عبد الستار أبي غدة - حفظه الله - الذي زودني بنسخة من مقال "النسب" الذي خصَّ به ابنُ عاشور "الموسوعةَ الفقهية الكويتية" عند تأسيسها. والعرفان الجميل أرفعه إلى كل من الأستاذ خالد عبد المنعم بمعهد الدراسات المعرفية بالقاهرة الذي صور لي بعض ما نشرته مجلة مجمع اللغة العربية من مقالات ابن عاشور، والدكتور عبد الرحمن حللي بجامعة حلب (فرج الله كربها وكربَ الشعب السوري) الذي زودني بصورة لكل ما نُشر لابن عاشور في مجلة المجمع العلمي بدمشق، والدكتور نور الدين الخادمي الذي مدني بصورة لما نشره ابن عاشور في مجلات "السعادة العظمى" و"الهداية" و"جوهر الإسلام" كما زودني بنسخة من رسائل "قصة المولد" و"أصول الإنشاء والخطابة" و"موجز البلاغة".

стр. 26

والشكر الجزيل والتقدير الكبير أسجلهما للدكتور إبراهيم محمد زين الذي لم يتوان في توجيه إدارة مكتبة المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية إبان ولايته عميدًا له (٢٠٠٧ - ٢٠١٠) إلى اقتناء المجموعة الكاملة لأعداد مجلة "الهداية الإسلامية" من بيروت، وللأختين الكريمتين: مديرة مكتبه سلمى أحمد ومايزة عثمان المسؤولية المالية بالمعهد، اللتين تابعتا تنفيذَ ذلك التوجيه بنجاعة فائقة في أقل من خمسة أسابيع، فتوفر بين يديَّ بذلك مصدرٌ أساسي لمقالات ابن عاشور جنبني عناء البحث وطول الانتظار. كما أشكر الدكتور محمد أبا الليث الخيرآبادي - شيخ علوم الحديث بالجامعة الإسلامية العالمية - الذي كان دائمًا على استعداد لمساعدتي وإنارة طريقي في ضبط كثير مما عسر علي ضبطه من روايات وأسانيد. ولا بد لي من أن أشكر كذلك أستاذ الجيل في تونس الدكتور عبد المجيد النجار الذي لم يزل مذ علم بفكرة هذا المشروع يلاحقني بالسؤال والتذكير والحث حتى لا أفشل في منتصف الطريق أو أتهاون وأتباطأ في السير فيها. ولا ينبغي كذلك أن يفوتني الإعرابُ عن شكريَ الخاص لكل من الدكتور عبد المقصود جعفر (من مصر) والدكتور منتهى أرتاليم زعيم (من إندونيسيا) اللذين توليا عني العبءَ الأكبر في رقم المادة الضخمة التي يشتمل عليها هذا المجموع وتحويلها إلى لغة الحاسوب. إن شكري وعرفاني بالجميل لا يقفان عند هؤلاء الذين ذكرتُ أسماءهم، بل يمتدان إلى أولئك الجنود الأخفياء من المتطوعين بالتصوير الضوئي للكتب والمجلات - النادر منها وغير النادر - ورفعها على المواقع العلمية المختلفة في الشبكة العنكبوتية الدولية، فلولا جهودُهم الدؤوبة المتقنة لتضاعفت المدةُ التي أُنجز فيها هذا العمل، لما يتطلبه البحثُ عن المصادر والمراجع في رفوف المكتبات العادية من زمن وتفرغ لا أُراني متمكنًا منهما في ظل الظروف التي أعيشها. وشكري وتقديري موصولان أخيرًا - وليس آخرًا - إلى أسرتي في ماليزيا التي كثيرًا ما كان انهماكي في هذا العمل يتم على حساب هذا الحق أو ذاك من حقوقها علي، فصبرت على ذلك وما ضجرت، وخاصة زوجتي سعاد رموش التي كثيرًا ما

стр. 27

كانت تشفق على صحتي من كثرة جلوسي المتطاول أمام الحاسوب أقرأ وأراجع وأصحح وأوثق. إن ما لهؤلاء جميعًا من دَيْنٍ يطوق عنقي لا قبلَ لي بالوفاء لهم بشيء منه، إلا أن أبتهل إلى الله الجليل الكريم أن يضاعفَ لهم الثوابَ على ما أسدَوْا، وأن يغفر لي ما قد أكون ارتكبته في حقهم من خطأ عمدًا كان أو سهوًا. وقد بدأتُ العمل في صنعة هذه الجمهرة وانتهيت منه في كنف الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، فكان للمناخ العلمي والثقافي والاجتماعي فيها وللمرافق المتوفرة بها عونٌ كبير لي على السير بخطى حازمة مطمئنة في طريق إنجازه، وخاصة مكتبتها المركزية التي كفتني مؤنة البحث عن كثير من المصادر والمراجع. فاللهَ أدعو أن يحفظها والمنتسبين إليها ويجعلها منارة حق وخير لخدمة الأمة والإنسانية. وبعدُ، ففي البدء والمختتم وما بينهما، الحمد والشكر لله أولًا وآخرًا على ما أولى من نعمة الصحة والعافية، وما أسبغ من بركة التوفيق، وما ألهم من سداد البصيرة، فلولا ما منَّ به من نعمه التي نعلم قليلَها ولا ندرك كثيرها، لما بلغتُ من هذا الشأن المهمِّ الغاية التي بلغت، ولما وصلت إلى هذه اللحظة من حياتي وتجربتي التي يغمرني فيها غيرُ قليل من مشاعر الفرحة والراحة والبهجة. فإياه تعالى أسأل أن يجزيَ الشيخ ابن عاشور كفاء ما قدم للإسلام وللأمة، وأن ينفع بهذا المجموع قارئه والناظر فيه، وأن يجعل ما صنعته فيه وسيلةً لي إلى عفوه وقربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، ولا حول ولا قوة إلا به، عليه توكلت وإليه أنيب. وقد كمل تحريرُ هذا التقديم على الساعة الثامنة مساءً من يوم السبت ٢٩ ربيع الآخر ١٤٣٥/ ١ مارس ٢٠١٤ قاله محمد الطاهر الميساوي بمنزله الكائن بضاحية غومباك من مدينة كوالالمبور

стр. 28

ضميمة كان في خاطري أثناء العمل في جمع مادة هذه الجمهرة من مقالات الشيخ ابن عاشور ورسائله أن أقدم لها بمقال تحليلي ضافٍ عن مضمونها: أتتبع فيه الموضوعات التي طرقها والمسائل التي بحثها والأسئلة التي أثارها، وأحلل الأفكار التي عبر عنها، والأطروحات التي صاغها، والرؤى التي بلورها، وأعرض النتائج التي انتهى إليها، والمواقف التي قررها، وأترسم الطرائق التي سلكها، والمناهج التي اجترحها، وأكشف عن الوشائج التي تصل بينها، وانظر في ذلك كله مقارنةً وموازنة بتراثٍ يشاكل محتويات جمهرتنا لبعض سابقي منشئها القريبين ومعاصريه المقارنين، من علماء ومفكرين حملوا همَّ الإصلاح وعبءَ النهوض وناضلوا في سبيلهما. والغرض من كل ذلك وضعها في سياقيها الذاتي من حيث مكانها في حياة منشئها وعلاقتها بتطور مسيرته العلمية وتراكم خبرته العملية، والموضوعي من حيث مكانتها في سياق التطور الفكري والثقافي في تونس خاصة والعالم العربي الإسلامي خاصة. ولكن ما أن استتب الأمر، وتبين لي الحجمُ الحقيقي لهذه الجمهرة ومدى سعة مادتها وتنوع موضوعاتها وتعدد أبعادها، حتى تحولتُ عن ذلك الخاطر، ورجحتْ عندي صعوبةُ تحقيقه، إلا أن أحبس ما جمعتُ شهورًا أخرى قد تمتد لسنة أو أكثر. وفضلًا عن ذلك، رأيتُ أن إنشاء مثل هذا المقال ووضعه بين يدي هذه الجمهرة قد يوحي إلى القارئ بل ربما يفرض عليه نهجًا معينًا في قراءة محتوياتها والتفاعل معها، وهو ما لا أريد أن أبوء به في حق القارئ النبيه: احترامًا لرشد عقله واحتفالًا بسديد فهمه وتعويلًا على سليم فطرته، وإن كان ذلك مما قد يُستحسن - بل يجب - في حق غير النبيه، أو الذي استُلِب عقله وانطمس فهمُه وفسدت فطرتُه. ومع ذلك فإن العزم منعقد - إن يسر الله وشد مني الهمة وأفسح في المهلة وأنعم بالصحة وقلة المشاغل - أن أخصَّ هذا الجانبَ المهم من الإنتاج العلمي

стр. 29

والفكري للشيخ ابن عاشور بدراسة علمية تفي بالشروط التي وصفت. وربما انبرى لهذه المهمة غيري ممن سيقرأ محتويات هذه الجمهرة بـ "أسفارها الأربعة"، (١) فتتسع بذلك دائرةُ التواصل والتفاعل مع فكر ابن عاشور. وعسى ذلك أن يكون قريبًا، والحمد لله رب العالمين.

стр. 30

المِحْوَرُ الأَوَّل فِي العَقِيْدَةِ وَالتَفْسِيْر وَالفِكرِ وَالحِكمَةِ

стр. 31

الفَرْع الأَوّل العَقيْدَة والتّفسِيْر

стр. 32

تنبيه ونصيحة (١) إن واجبَ النصح في الدين والتنبيه إلى ما يغفل عنه المسلمون مما يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم قضى علي أن أنبه إخواننا إلى خطر أمر تفسير كتاب الله والقول فيه دون مستند: من نقل صحيح عن أساطين المفسرين، أو من إبداء تفسير أو تأويل من قائله إذا كان القائل قد توفرت فيه شروط المفسر من الضلاعة في علوم الشريعة وعلوم العربية، ولا سيما علمًا المعاني والبيان اللذين بدونهما لا يأمن المرء من تكرر الخطأ في فهم معاني القرآن، فيضل المقدم على ذلك ويُضل غيره. وقد قال العلامةُ الزمخشري في خطبة الكشاف: " [ثم] إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح [- من غرائب نكت يلطف مسلكُها، ومستودعاتِ أسرارٍ يدق سلكُها -] علمُ التفسير الذي لا يتم تعاطيه وإجالةُ النظر فيه لكل ذي علم [كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن]. فالفقيهُ وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلِّمُ وإن بزَّ أهلَ الدنيا في صناعة الكلام، [وحافظُ القصص والأخبار وإن كان من ابن القِرِّيَّة (٢) أحفظ، والواعظ وإن كان

стр. 33

من الحسن البصري أوعظ]، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحدٌ لسلوك تلك الطرائق ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجلٌ قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علما المعاني والبيان، وتمهل في ارتيادهما آونةً، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، [وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظ، جامعًا بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثيرَ المطالعات، طويلَ المراجعات، قد رجع زمانًا ورُجع إليه، [ورَدّ ورُدَّ عليه]، فارسًا في علم الإعراب، مقدَّمًا في حَمَلة الكتاب (يعني كتاب سيبويه). وكان مع ذلك مسترسلَ الطبيعة منقادَها، مشتعلَ القريحة وقَّادَها، [يقظان النفس]، درَّاكًا للمحة وإن لطف شأنها، منتبهًا إلى الرمزة وإن خفيَ مكانُها". (١) وقال العلامة السكاكي في المفتاح: "وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقفَ على تمام مُراد الحكيم تعالى وتقدس من كلامه مفتقِرٌ إلى هذين العلمين: المعاني والبيان كلَّ الافتقار، فالويلُ كلُّ الويل لِمَنْ تعاطى التفسيرَ وهو فيهما راجل". (٢) وقد ذكر القرطبي في مقدمة التفسير أن مَنْ فسَّر شيئًا من القرآن بدون مُستَنَدٍ من نقل صحيح أو دليل اقتضته قوانينُ العلم كالنحو والأصول والبلاغة، فهو متَّبِعٌ لهواه ورأيه المجرد، واقعٌ في الوعيد الوارد فيمن فسر القرآن بهواه ورأيه. (٣)

стр. 34

وبرغم هذا ونحوه، فقد رأينا تهافتَ كثيرٍ من الناس على الخوض في تفسير آيات من القرآن. فمنهم مَنْ يتصدى لبيان معاني الآيات على طريقة كتب التفسير، ومنهم مَنْ يضع الآيةَ ثم يركُض في مجالات من أساليب المقالات، تاركًا معنى الآية جانبًا، جالبًا من معاني الدعوة والموعظة ما كان جالبًا. وقد دلت شواهدُ الحال على ضعف كفاءة البعض لهذا العمل العلمي الجليل، فيجب على العاقل أن يعرف قدره، وأن لا يتعدَّى طورَه، وأن يردَّ الأشياء إلى أربابها، ويأتِيَ البيوت من أبوابها. وعلى مَنْ لا يأنس من نفسه الكفاءة - وهو يرغب في إفادة العموم بمعاني القرآن - أن يقتصر على نقل كلام المفسِّرين في التفاسير المشتهرة، عازيًا ذلك إلى مواقعه، مع التحفظ على عباراته. وفي الناس طبقةٌ ترتقي كفاءتُها إلى درجةٍ تُخوِّلها التصرفَ في جمع كلام المفسِّرين وترتيبه واختصاره. والواجبُ على كل راغبٍ في التحلي بذلك أن يدققَ النظرَ في ميزان نفسه ليقفَ عند الحد الذي يثق به عندها، حتى لا يختلطَ الخاثرُ بالزباد، ولا يكونَ كحاطبٍ في حالكِ سواد. وبذلك تحصل الفائدة، والاستبراء للدين والعرض. وإن سكوتَ العلماء على ذلك زيادةٌ في الورطة، وإفحاشٌ لأهل هذه الغلطة. فمَنْ يركب متنَ عمياء ويخبط خبطَ عشواء، فحق على أساطين العلم تقويمُ اعوجاجه، وتمييزُ حُلوه من أُجاجه، تحذيرًا للمطالع، وتنزيلًا في البرج والطالع.

стр. 35

الرحمن على العرش استوى (١) [مقدمة] كتب إلَيَّ أحد الفضلاء من بلد طولقة من عمالة قسنطينة (٢) يسألني عن قوله تعالى في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. وذكر أنه عجز عن فهم المراد منها، وأنه تطلَّب كشفَ الإشكال فلم يُحْظَ بكشفه. ولمَّا رأيتُ من حذقَه وسُمُوَّ همته، أحببتُ أن أُتحفه بتفسير هذه الآية على وجه أرجو أن يزيل إشكالَه، ويزيد على مثل هذا المهِمِّ الشريف إقبالَه. [موقع الآية من المتشابه] هذه الآيةُ تندرج تحت القسم الثاني من أقسام المتشابه العشرة التي تعرضتُ لتأصيلها وفرَّعتُها في تفسير سورة آل عمران، ونشرتُ خلاصةَ ما كتبتُه فيها في مجلة "الهداية الإسلامية" في الجزء ١٢ من المجلد ٢ لسنة ١٣٤٨ هـ. (٣) وحاصلُه أن هذا القسمَ هو من المتشابه الذي نشأ التشابهُ فيه من القصد إلى إعلام الأمة بمعانٍ من شؤون عظمة الله تعالى، تعيَّن إيرادُها مجملةً لتعظيم وقعها في

стр. 36

نفوس السامعين حتى يستحضرَ كلُّ ذي لُبٍّ مقدارًا من مدلولها على مقدار تفاوت القرائح والأفهام، مع الاعتماد على إيمان المخاطَبين بها أن لا يَحملوها على ما يظهر بادئَ الرأي من معانٍ لا تليق بجلال الله تعالى. [طريقة السلف إزاء المتشابه] وهذه الآية ونحوها - كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١) - لكونها من المتشابه، كانت طرائقُ علماء الإسلام في الكلام عليها مختلفةً متفاوتة. فأما السلف من الصحابة فلم يخض منهم فيه سائلٌ ولا مسول، ولا تطلَّبوا بيانَه من الرسول، وتلك سنتُهم في أمثالها حين كانت عقائدُ الأمة سليمةً من الدَّخَل، وحين كان معظمُ انصرافها إلى حسن العمل. ثم حدث التشوُّف إلى الغوص على المعاني في عصر التابعين، وربما طنت بأذهانهم أسئلةُ السائلين، فأخذوا يسدون بابَ الخوض في مثل هذا ويبعدون عنه لواذًا، وألْحقوه بالمتشابه، فقضَوْا بالإمساك عن تأويله، ويقولون: آمنا به، ويتأولون لطريقتهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. ولذلك نُقل عن جماعة منهم أنهم قالوا في آيات المتشابه: "نُمِرُّها إمرارًا كما جاءت، بلا كيف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل". (٢)

стр. 37

ودرج على ذلك معظمُ أئمة العصر الذي بعد عصر التابعين، مثل مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وسفيان بن عيينة، ومَنْ تبع طريقتَهم من أصحابهم، والطبقةُ التي تليهم مثل الشافعي وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد شيخ البخاري وأحمد بن حنبل والبخاري. وقد سُئل مالك ﵀ عن هذا الآية فقال للسائل: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، (وفي رواية: والكيف غير معقول)، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك

стр. 38

رجلَ سوء، أخرجوه عني". (١) وعن سفيان الثوري أنه سئل عن الآية فقال: "فعل فعلًا في العرش سماه استواء". (٢) [الخلف وتأويل المتشابه] ثم طلع الشكُّ بقرنه في نفوس مَنْ لم يزنوا الإيمان حقَّ وزنه، فاضطر المتكلمون من أئمة الإسلام - فيما اضطروا إليه من تبيين حقائق الصفات وتعلقاتها - إلى أن يخوضوا في الآيات وتأويل متشابهاتها، إقناعًا للمرتاب، وإقماعًا لِمَنْ جاء يفتح لإلحاده الباب، ولم يرَوْا عملَهم هذا مخالفًا لِمَا درج عليه السلف. ولكنهم رأوا السلفَ سلكوا التأويلَ بإجمال، ورأوا أنفسَهم في حاجة إلى تفصيل التأويل. ورأوا أن كلتا الطريقتين تأويل، وفسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، بمعنى عطف قوله: "والراسخون" على اسم الجلالة.

стр. 39

ولقد أبدع إمامُ الحرمين في بيان وجه عدم الإمساك عن تفصيل التأويل إذ قال: "إن كلَّ مؤمنٍ مجمعٌ على أن لفظةَ الاستواء ليست على عُرفها في الكلام العربي، فإذا فعل ذلك فهو قد فسَّر لا مَحالة (يعني حيث لم يحمل اللفظ على ظاهر معناه)، فلا فائدةَ في تأخيره عن طلب الوجه والمخرج البين، بل في تأخيره عن ذلك إلباسٌ على الناس وإيهام للعوام". (١) وقال الغزالي: "لا خلافَ في وجوب التأويل عند

стр. 40

تعيين شبهةٍ لا ترتفع إلا به". (١) وتُسَمَّى هذه الطريقةُ طريقةَ الخلف، وهي الطريقةُ المثلى المناسبة لِما عدا القرون الثلاثة الأولى، ومن ثم قال بعض العلماء: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم (وأحكم) ". (٢) ومعنى هذا الكلام - فيما أفهم أنا - أن السلفَ أرشدوا إلى تطلب السلامة من الخوض في مثله خشيةَ قصور الأفهام والتورط في الشك. فلما لم ينصعِ الناسُ إلى نصحهم وأبَوْا إلا السؤالَ وإدخالَ الشك، تعين سلوكُ طريقة الخلف فهي أعلم، أي: أدخلُ في العلم، أي: أكثر علمًا؛ لأن بيان التأويل وتفصيلَه يكثر فيه الاحتياج إلى الاستدلال بالعلم والقواعد. وكلتا الطريقتين طريقةُ هدى يسع المسلمَ سلوكُها. قال ابن السبكي في خاتمة جمع الجوامع: "وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهرَ المعنى، وننزه عند سماع المشكل. ثم اختلف أئمتُنا أنُؤَوِّل أم نفوض منزهين، مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح". (٣)
следующие страницы →