نفوس السامعين حتى يستحضرَ كلُّ ذي لُبٍّ مقدارًا من مدلولها على مقدار تفاوت القرائح والأفهام، مع الاعتماد على إيمان المخاطَبين بها أن لا يَحملوها على ما يظهر بادئَ الرأي من معانٍ لا تليق بجلال الله تعالى.
[طريقة السلف إزاء المتشابه]
وهذه الآية ونحوها - كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١) - لكونها من المتشابه، كانت طرائقُ علماء الإسلام في الكلام عليها مختلفةً متفاوتة. فأما السلف من الصحابة فلم يخض منهم فيه سائلٌ ولا مسول، ولا تطلَّبوا بيانَه من الرسول، وتلك سنتُهم في أمثالها حين كانت عقائدُ الأمة سليمةً من الدَّخَل، وحين كان معظمُ انصرافها إلى حسن العمل.
ثم حدث التشوُّف إلى الغوص على المعاني في عصر التابعين، وربما طنت بأذهانهم أسئلةُ السائلين، فأخذوا يسدون بابَ الخوض في مثل هذا ويبعدون عنه لواذًا، وألْحقوه بالمتشابه، فقضَوْا بالإمساك عن تأويله، ويقولون: آمنا به، ويتأولون لطريقتهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. ولذلك نُقل عن جماعة منهم أنهم قالوا في آيات المتشابه: "نُمِرُّها إمرارًا كما جاءت، بلا كيف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل". (٢)
стр. 37
ودرج على ذلك معظمُ أئمة العصر الذي بعد عصر التابعين، مثل مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وسفيان بن عيينة، ومَنْ تبع طريقتَهم من أصحابهم، والطبقةُ التي تليهم مثل الشافعي وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد شيخ البخاري وأحمد بن حنبل والبخاري. وقد سُئل مالك ﵀ عن هذا الآية فقال للسائل: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، (وفي رواية: والكيف غير معقول)، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك
стр. 38
رجلَ سوء، أخرجوه عني". (١) وعن سفيان الثوري أنه سئل عن الآية فقال: "فعل فعلًا في العرش سماه استواء". (٢)
[الخلف وتأويل المتشابه]
ثم طلع الشكُّ بقرنه في نفوس مَنْ لم يزنوا الإيمان حقَّ وزنه، فاضطر المتكلمون من أئمة الإسلام - فيما اضطروا إليه من تبيين حقائق الصفات وتعلقاتها - إلى أن يخوضوا في الآيات وتأويل متشابهاتها، إقناعًا للمرتاب، وإقماعًا لِمَنْ جاء يفتح لإلحاده الباب، ولم يرَوْا عملَهم هذا مخالفًا لِمَا درج عليه السلف. ولكنهم رأوا السلفَ سلكوا التأويلَ بإجمال، ورأوا أنفسَهم في حاجة إلى تفصيل التأويل. ورأوا أن كلتا الطريقتين تأويل، وفسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، بمعنى عطف قوله: "والراسخون" على اسم الجلالة.
стр. 39
ولقد أبدع إمامُ الحرمين في بيان وجه عدم الإمساك عن تفصيل التأويل إذ قال: "إن كلَّ مؤمنٍ مجمعٌ على أن لفظةَ الاستواء ليست على عُرفها في الكلام العربي، فإذا فعل ذلك فهو قد فسَّر لا مَحالة (يعني حيث لم يحمل اللفظ على ظاهر معناه)، فلا فائدةَ في تأخيره عن طلب الوجه والمخرج البين، بل في تأخيره عن ذلك إلباسٌ على الناس وإيهام للعوام". (١) وقال الغزالي: "لا خلافَ في وجوب التأويل عند
стр. 40
تعيين شبهةٍ لا ترتفع إلا به". (١)
وتُسَمَّى هذه الطريقةُ طريقةَ الخلف، وهي الطريقةُ المثلى المناسبة لِما عدا القرون الثلاثة الأولى، ومن ثم قال بعض العلماء: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم (وأحكم) ". (٢) ومعنى هذا الكلام - فيما أفهم أنا - أن السلفَ أرشدوا إلى تطلب السلامة من الخوض في مثله خشيةَ قصور الأفهام والتورط في الشك. فلما لم ينصعِ الناسُ إلى نصحهم وأبَوْا إلا السؤالَ وإدخالَ الشك، تعين سلوكُ طريقة الخلف فهي أعلم، أي: أدخلُ في العلم، أي: أكثر علمًا؛ لأن بيان التأويل وتفصيلَه يكثر فيه الاحتياج إلى الاستدلال بالعلم والقواعد. وكلتا الطريقتين طريقةُ هدى يسع المسلمَ سلوكُها. قال ابن السبكي في خاتمة جمع الجوامع: "وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهرَ المعنى، وننزه عند سماع المشكل. ثم اختلف أئمتُنا أنُؤَوِّل أم نفوض منزهين، مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح". (٣)
стр. 41
فعلى طريقة الخلف تأوَّلوا قولَه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ بتأويلات ثلاثة:
التأويل الأول: قال جمهور الأشاعرة - وفي مقدمتهم إمامُ الحرمين - إن معنى الاستواء: القهرُ والغلبةُ والاستيلاء (١)، كما في قول الأخطل:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاق ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مِهْرَاقِ (٢)
وقول الآخر:
فلمَّا عَلَوْنَا واسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمْ ... جَعَلْنَاهُمْ مَرْعَى لِنَسْرٍ وَطَائِرِ (٣)
стр. 42
وهذا هو التأويلُ الشائع بين طلبة العلم. وعندي أن معناه ضعيف؛ إذ لا مناسبةَ لأن تُستعمل غلبةُ العرش في معنى عظمة الله تعالى؛ إذ ليس العرشُ بمتوهَّمٍ فيه خالقيةٌ ولا تعاصٍ حتى يُعبَّر بغلبته عن عظمة الغالب. وعلى هذا التأويل، فالمرادُ بالعرش العرشُ الذي هو من عالَم السماوات.
التأويل الثاني: للإمام الرازي، قال: "الاستواء: الاقتدار"، وزعم أنه أحسن التأويل. (١) والحق عندي أنه تأويلٌ ضعيف؛ إذ لا كبيرَ معنى للاقتدار هنا، والمرادُ بالعرش على هذا مثلُ المرادِ به على التأويل الأول.
التأويل الثالث: قال صاحب الكشاف: "لمَّا كان الاستواء على العرش - وهو سرير الملِك (بكسر اللام) - يرادف الْمُلكُ (بضم الميم وسكون اللام) عرفًا (أي يلازم وصف الْمِلْك) جعلوه (أي العرب) كنايةً عن الْمُلك (بضم الميم) فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة"؛ (٢) يريد أن ذلك من الكناية باللازم المتعارَف عن الملزوم.
ومعلومٌ أن اللفظَ المستعملَ كنايةً عن لازمِ معناه لا يلزم فيه صحةُ إرادة الملزوم، فلذلك زاد صاحبُ الكشاف قوله: "وإن لم يقعد على السرير البتة". فالمراد بالاستواء فيه هو معنى الجلوس، والمراد بالعرش كرسيُّ الملك، فحصلت الكنايةُ بذلك عن الملك ولا استواء ولا عرش.
стр. 43
[رأي المصنف]
ويظهر لِي تأويلٌ رابع، وميزانُه في سَوْرَة الحق ماتع. وهو أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ مركَّبٌ دالٌّ على هيئة جلوس الملك على العرش، وتلك هيئةٌ عظيمة في عقول السامعين. فقد عرف العربُ ملوكَ الفرس وملوك الروم وتبابعةَ اليمن، ودخلت وفودُهم إليهم، وتحدثوا بعظمتهم في سوامرهم ونواديهم، حتى تقرر في أذهان أهل الصناعة اللسانية منهم ما لهؤلاء الملوك عند جلوسهم على عروشهم من العظمة المفرطة والجلالة البالغة، فجاء في هذه الآية تشبيهُ عظمة الله تعالى - التي لا تصل العقولُ إلى كنه هيئتها - بهيئة عظمة هؤلاء الملوك تشبيهًا مقصودًا به التقريب، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس. واستُعْمِل المركَّبُ الدالُّ على الهيئة المشبَّهِ بها في معنى الهيئة المشبهة استعمالَ الاستعارة التمثيلية.
وقد تقرر في علم البيان أن التمثيلَ هو أعلى أنواع الاستعارة؛ لابتنائه على التشبيه المركَّب الذي هو أبدعُ من التشبيه البسيط، وقد نشأت عنه أمثالُ العرب، كما هو مقرَّر. وعلى هذا الوجه، فالمرادُ بالاستواء وبالعرش مثلُ المراد به في التأويل الثالث، وإنما ترجَّح عندي كونُ الآية استعارةً تمثيلية وليست بكناية، وإن كانت الكناية تجيء بالمركب، نحو قول زياد الأعجم: (١)
إن السَّمَاحَةَ والمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ (٢)
стр. 44
لوجهين: أحدهما اعتبارُ رشاقة المعنى؛ فإن الكناية تنبني على صحة إرادة المعنى الصريح، وذلك أصلُ الفرق بينها وبين المجاز المرسَل الذي علاقتُه اللزوم. فقولُهم: "طويل النجاد" لا يفهم منه السامعُ إلا أن له نجادًا طويلًا، وأن ذلك يلزمه طولُ القامة، وأن المتكلم ما أراد إلا الإخبارَ عن طول القامة. فالسامع يظن أنه طويلُ النجاد حقيقة، وكذلك جبانُ الكلب ومهزولُ الفصيل. (١) ألا ترى أن قول عنترة:
فشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ (٢)
لا يفهم منه السامعُ إلا أن الشاعرَ شبك بالرمح جسدَ العدوِّ بأنه لا يشك ثيابه بالرمح لقصده تخريق ثيابه، بل إنما أراد أنه شكَّ جسده. ولما كان شكُّ الجسد لا يكون إلا مع شكِّ الثياب، صح التكني عنه بشك الثياب، والمقصود شكُّ الجسد، أي طعنه، وهنا لا يحصل المعنى الكنائي إلا مع المعنى الأصلي. وقد يكون المتحدَّث عنه لا نجادَ له ولا كلبَ له ولا فصيل، إلا أن ذلك أمرٌ قلما يعلمه السامع.
وأما الآية فلا يصح فيها إرادةُ المعنى الأصلي، لما هو معلومٌ لكل مؤمن من استحالةِ جلوس الرحمن على العرش، فلا يصح التكنِّي به عن معنى الملك المقصود من الآية. ولا يُغْنِي عن ذلك قولُ صاحب الكشاف: "وإن كان لم يقعد على السرير
стр. 45
البتة"؛ لأن الذي نظَّر به تجوز فيه إرادةُ المعنى الأصلي، والآية لا يجوز فيها ذلك. فكيف يصح في الآية الانتقالُ من المعنى الأصلي إلى المعنى الكنائي مع أن المنتقل منه لا يستقر فيه الذهن، فضلًا عن أن ينتقل منه؟ فلزم سلوكُ طريقة الاستعارة التمثيلية.
ونظيرُ الآية قولُ أبي تمام:
مِنْ شَاعِرٍ وَقَفَ الكَلَامُ بِبَابِهِ ... وَاكْتَنَّ فِي كَنَفَيْ ذُرَاهُ الْمَنْطِقُ (١)
فقوله: "وَقَفَ الكَلَامُ بِبَابِهِ"، ليس كنايةً عن ملازمة صنعة الكلام لهذا الشاعر، بل هو تمثيلٌ لتسخير الكلام، حتى صارت هيئةُ مقدرته على الكلام الذي يريده تشبه هيئةَ تسخير عبد واقف ببابه لخدمته يتوجه أينما وجهه، أو هيئة عافٍ وقف ببابه لطلب معروفه.
وكذلك قوله: "وَاكْتَنَّ فِي كَنَفَيْ ذُرَاهُ الْمَنْطِق"، لظهور أن الشاعر لَمْ يُثبِتْ لنفسه ذُرًى يسكنها المنطق. بخلاف بيت زياد الأعجم، فإن المروءة والسماحة والندى مشتملٌ عليها ابن الحشرج، فتكون قبةُ ابن الحشرج مشتملةً على السماحة والمروءة والندى، لاشتمالها على الموصوف بها.
والوجه الثاني بقاءُ لفظ الاستواء ولفظ العرش لمعنييهما الحقيقيين؛ لأن المركَّب في الاستعارة التمثيلية ليس فيه إطلاقُ مفرداته على غير ما وُضعت له، بل مفرداتُه باقيةٌ في معانيها، وإنما الاستعارةُ في مجموع المركب. وهذا الوجهُ أحسنُ تأويلًا، وأقوم قيلًا، وأوضحُ حجةً ودليلا. (٢)
تكليم الله لموسى ﵇ - (١)
قد أعلمنا الدليلُ بأن الله تعالى يستحيل عليه سمات (٢) المحدثات من الصوت والجهر ونحوه، وقد أعلمنا أنه كلم موسى تكليمًا، ونحن نعلم أيضًا أن موسى ﷺ كان يومئذ في شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وقد سمع صوتًا يقول: ﴿يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ١١ - ٤٤].
فهل يجوز أن يكون هذا الصوت قائمًا بالله تعالى؟ حاش لله، لم يكن الله أن يقوم به صوت. وموسى قد سمع صوتًا، سمعه بأذنه الحادثة، فهل يكون ذلك هو الكلام النفسي القديم؟ أم هل يكون موسى قد سمع ذلك بقلبه؟ كلا! لو كان ذلك لم يفْضُل موسى ﷺ على النحلة التي أوحى الله إليها ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨].
стр. 48
ولكن نجزم أنه صوتٌ كلمه بلا واسطة، فقل إن شئت: كلمته الشجرة، أو كلمه شاطئ الواد، أو كلمه الجو، بل ذلك يفضي إلى كلامٍ ووحي من الله تعالَى بدون واسطة.
فمَنْ قال: كلَّمته شجرة، أراد التمثيلَ والاحتمال كالتعيين. ولا يصح قولُ مَنْ قال من أصحابنا: إن الكلامَ الذي كلم اللهُ به موسى هو كلامُه الذي هو صفةُ ذاته؛ (١) لأنه يفضي إما (٢) إلى حدوث الله جل وعلا؛ لأنه يستلزم أن تكون ألفاظًا صادرةً عن شفتي الله تعالى وتقدس. نعم، عندهم شيء سهل المبدأ صعب الغاية، وهو أن يقولوا: إن الله خلق لِموسى سَمْعًا قديمًا في صماخه يسمعه، وهاته مُضْحِكة؛ لأنه يلزم عليه تركيبُ موسى من قديم وحادث، فاتضح أن الكلام الذي سمعه موسى على ما تعارفه الناس.
ستقولون: فما هاته المنقبة لموسى يعدها الله تعالَى وهو لم يزد على سماع متعارف؟ فالجواب أن المنقبة في الجائي (٣) إليه بلا واسطة. وذلك كما يلقي الله الوحي إلى جبريل؛ فإنه يكون بكتابةٍ تظهر له أو نطقٍ من بعض الأشياء مما يدله على أن هذا قولُ الله.
والذي سوَّغ إطلاقَ إضافته إلي الله في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] هو انقطاعُ الواسطة، ودلالةُ تلك الألفاظ المخلوقة على كلام الله النفسي ومراده من موسى، كما يُسَمَّى القرآنُ كلامَ
стр. 49
الله وكتابَ الله بهذا المعنى. وهو بناءٌ على الشائع المتعارَف من إسناد الأمور التي خفيت أسبابُها إلى الله تعالى، وإن كان الكلُّ من عند الله. يقول العامةُ اليوم في السؤال عن الميت: "قتله أحد أم مات موت ربي؟ "
وبهذا يتضح لكم أن الاختلاف بيننا وبين المعتزلة في هذا الشأن أن مَنْ قال غير هذا، فقد توقَّف في فهم معنى الآية وعسر عليه الأمر، وأنكم إلى اليوم لم تفهموا هذا إلا بتقليد محض لا يمكنكم الركونُ إليه، ولا التعبير عنه لشدة اضطرابه. (١)
[والتكليم حقيقتُه النطقُ بالألفاظ المفيدة معانِيَ بحسب وضعٍ مصطلح عليه. وهذه الحقيقةُ مستحيلةٌ على الله تعالى؛ لأنها من أعراض الحوادث. فتعين أن يكون إسنادُ التكليم إلى الله مجازًا مستعمَلًا في الدلالة على مراد الله تعالَى بألفاظٍ من لغة المخاطَب به بكيفية يوقن المخاطَبُ أن ذلك الكلام من أثر قدرة الله على وفق الإرادة ووفق العلم، وهو تعلقٌ تنجيزي بطريق غير معتاد.
стр. 50
فيجوز أن الله خلق الكلامَ في الشجرة التي كان موسى حذوَها، وذلك أولُ كلام كلمه اللهُ موسى في أرض مدين في جبل حوريب. (١) ويجوز أن يخلق الله الكلام من خلال السحاب، وذلك الكلام الواقع في طور سينا وهو المراد هنا، وهو المذكورُ في الإصحاح التاسع عشر من سفر الخروج. (٢)
والكلام بهذه الكيفية كان يسمعه موسى حين يكون بعيدًا عن الناس في المناجاة أو نحوها، وهو أحدُ الأحوال الثلاثة التي يكلم الله بها أنبياءه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ]﴾ [الشورى: ٥١]. وهو حادثٌ لا محالة، ونسبته إلى الله أنه صادرٌ بكيفية غير معتادة لا تكون إلا بإرادة الله أن يخالف به المعتاد تشريفًا له، وهو المعبَّرُ عنه بقوله: "أو من وراء حجاب".
وقد كلم الله تعالى محمدًا ﷺ ليلةَ الإسراء. وأحسب أن الأحاديث القدسية كلها أو معظمها مما كلم الله به محمدًا ﷺ . وأما إرسالُ الله جبريل بكلام إلى أحد أنبيائه فهي كيفيةٌ أخرى، وذلك بإلقاء الكلام في نفس الْمَلَك الذي يبلغه إلى النبي، والقرآنُ كلُّه من هذا النوع. وقد كان الوحيُ إلى موسى بواسطة الملك في أحوال
стр. 51
كثيرة، وهو الذي يُعبَّرُ عنه في التوراة بقولها: "قال الله لموسى".] (١)
стр. 52
وجهُ تسمية يوم القيامة بيوم التغابن (١)
سألني عالِمٌ فاضل صديق، اعتاد تأنيسي بزيارته، عن تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وما وجهُ تسمية يوم القيامة في هذه الآية بيوم التغابن، غير منثلج لِمَا قاله بعضُ المفسرين في وجه التسمية من أن التغابن هو أن أهل الجنة يغبنون أهل النار. وذكر أنه راجع تفاسيرَ كثيرةً فلم يجد فيها ما يقنعه، وحاورني في ذلك محاورةً هزت من عطفي إلى أن أُفصح في تفسير هذه الآية بما عسى أن يكون فيه مقنع، واللبيب يتبع أحسن القول ويسمع.
ذهب الجمهورُ إلى أن سورة التغابن مكية، إلا الآيات الأخيرة من آخرها التي أولها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. (٢) وأحسب أن هذه الآيات هي التي بعثت القائلين بأن السورة مدنية، إذ نعلم أن المقصودَ من الخطاب بالآية هم أهل مكة ابتداء، وهم قريش. ولذلك جاء فيها: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا
стр. 53
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٧ - ٩].
وقد قال أئمةٌ من المفسرين: إن عادة القرآن أنه يريد بالذين كفروا، متى ذكر في القرآن المشركين من قريش. (١)
وقوله: ﴿قُلْ بَلَى﴾ كلمة "بلى" فيه إبطالٌ للنفي الواقع في قوله: ﴿لَنْ يُبْعَثُوا﴾، فإنها حرف يفيد عكسَ معنى "نعم"، ويقع بعد النفي في الاستفهام وفي الخبر.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ظرفٌ متعلق بقوله: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾، ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ باعتبار عطف قوله: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ عليه، أي: يبعثكم فينبئكم يوم يجمعكم ليوم الجمع؛ لأن البعث حاصلٌ قبل الجمع. وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلخ. جملة معترضة بين الفعل والظرف، و"يوم الجمع" يوم القيامة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ جاء فيه اسمُ الإشارة للبعيد لتهويله ولفت العقول إليه، فلذلك عدل عن وصفه بيوم بعده فلم يقل: ليوم الجمع يوم التغابن، لئلا يفوت معنى الحصر المقصود، وسيُعلم ما فيه من النكتة.
وجملة ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ جملةٌ إسمية معرفة الجزءين، فكان حقُّها أن تفيدَ الحصر، أي: هو يوم التغابن وليس غيره من الأيام يومَ التغابن. ومعنى هذا الحصر
стр. 54
أن ذلك اليوم لما حصل فيه التغابن في أم الفضائل جُعل ما عداه من الأيام التي يقع فيها التغابنُ كالعدم، فحصر جنسَ يوم التغابن في ذلك اليوم بتنزيل التغابن الواقع في غيره منزلة العدم، وهذا من قَصْر الصفة على الموصوف على وجه المبالغة. وهذا الوجه من الحصر يسمَّى بالحصرَ الادعائي؛ لأن المتكلم يدعي أن الوصف بيوم التغابن محصور في ذلك اليوم وهو يوم الجمع كقولهم: أنت الحبيب.
واعلم أن الحصر إنما حصل هنا من صيغة القصر التي هي تعريفُ المسند والمسند إليه، ولم يحصل الحصرُ من التعريف باللام في قوله: ﴿التَّغَابُنِ﴾، بناءً على أن اللام فيه دالةٌ على معنى الكمال؛ لأن معنى الجنس الذي هو أصلُ معنى اللام صالِحٌ هنا، فلا يُعدَل عنه إلى حمل اللام على معنى الكمال، إذ لا يُحمل عليه إلا عند تعيُّن الحمل عليه بالقرينة، وهي منفيةٌ هنا لاستقامة الحمل على تعريف الجنس، وهو أكثرُ معاني اللام.
ولولا صيغةُ القصر لمَا استُفِيد معنى الحصر، فكيف يكون حاصلًا من معنى الكمال الذي لم ينشأ في هذا المقام إلَّا من حصول معنى الحصر؟ فلا يختلطْ عليك، كما اختلط على بعض العلماء.
والتغابن مشتقٌّ من الغُبن، والغبن الحطُّ من قيمة المبيع عند شرائه، فكلُّ شراء بأقلَّ من القيمة فهو غبن. ومادة التغابن تفاعل من الغبن. وأصل مادة التفاعل تدل على وقوع الفعل من جانبين فصاعدًا، كالتقاتل والتسابق، فلفظ التغابن يدل على وقوع غبن حاصلٍ بين جوانب في يوم القيامة.
وقد اتفق المفسرون على أن المفاعلة غيرُ مقصودٍ منها هنا وقوعُ الفعل من جوانب، ولكنهم اختلفوا في تحصيل المعنى. فذهب الزمخشري ومَنْ تبعه - مثل الفخر والبيضاوي - إلى أن المفاعلة هنا هي أن يغبن أهلُ السعادة أهل الشقاوة، إذ ينزلون منازلَ الجنة التي كان يمكن لأهل الشقاوة أن ينزلوها لو عملوا عملَ السعداء، وهذا يشبه الغبن، فالغبن المستفاد من هذا الجانب استعارة، وهذا أحد
стр. 55
جانبي الفعل. وأما جانبُ غُبن أهل الشقاوة، فجعلَه الزمخشريُّ تهكمًا؛ لأن نزولهم في منازلَ النار ليس غبنًا لأهل السعادة. وعلى هذا الوجه يكون اللفظُ مستعملًا في مجازين مختلفين على وجه يشبه المشاكلةَ التقديرية. وهذا المعنى ينحو إلى تفصيل كلام مجمل نُقل عن ابن عباس، وهو تفسيرٌ بعيدٌ جدَّ البعد. (١)
وذهب ابنُ عطية إلى أن صيغة التفاعل هنا غيرُ مستعملةٍ في معناها الأصلي، وهو الدلالة على وقوع الفعل من جانبين فأكثر، بل هنا لحصول الفعل من جانب واحد للمبالغة مثل التواضع والتمايل، فيكون المعنى: ذلك يوم الغبن، أي: يوم غبن الكافرين. (٢) وهو ينحو إلى تفصيل كلام نُقِل عن مجاهد في تفسير الآية (٣) هو أقرب إلى الاستعمال وأبعد عن التعسف، ولكنه لا يشفي الغليل؛ لأن الأشقياء والكفار لم يغبنوا فيما لقوه، بل أخذوا حقَّهم من العذاب فلم يحصل معنى أصل الغبن، فضلًا عن المبالغة فيه المستفادة من مادة التفاعل التي لا يحسن ادعاؤها إلا إذا كان أصلُ الفعل واقعًا. فهذا التفسير، وإن خرج من ورطة عدم صحة التفاعل، لم يخرج من ورطة عدم وجود أصل مادة الغبن.
стр. 56
وجميع التفاسير - في رأينا - لم يخرج عن هذين المعنيين، إما مع ضبط أو مع تخليط. ومنهم من مر بالآية مرًّا، ولم يحتلب منها دُرًّا. أما أنا فأكد ثِمادي، (١) وأستهدي بالهادي، فأقول: ليس المعنى في الآية حاصلًا من مراعاة معاني المفردات، لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولكنه معنى عزيزٌ جليل حصل من مجموع التركيب، وهو قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. فقد أشار الحصرُ الادعائي الذي قدمنا بيانَه إلى أن المخاطبين يحسبون أيامًا كثيرة أيامَ تغابن، وأن هذا اليوم المتحدَّث عنه هو يومُ التغابن لا غيره من الأيام.
فبنا أن نتعرف الأيامَ التي يعدها المخاطَبون أيامَ تغابن، وأن نرجع إلى أحوال المخاطبين وهم أهلُ مكة ومَنْ حولهم. ذلك أن "التغابن" هنا قد أضيف إليه "يوم"، فعلمنا أن ليس المرادُ من التغابن تغابنَ آحاد الناس في بيوعاتهم الخاصة التي تعرض من ساعة إلى أخرى، وفي يوم معين يكثر فيه التبايع، فيُغبن فيه ناسٌ كثير، ويتربص فيه بعضُ الناس ببعض لإلحاق الغبن والخسارة.
ولا نجد أيامًا بهذه الصفة غيرَ أيام الأسواق، وقد كانت قريش أهلَ تجارة، وكانت الأسواقُ حول مكة في الحج: سوق عكاظ، وسوق ذي المجاز، وسوق مجنة. فكلُّ داخلٍ إلى الأسواق يحرص على أن يجلب الربح إلى نفسه، ويغبن غيره، ويحذر من أن يغبنه غيرُه. فكلٌّ يترقب الربحَ ويحذر الخسارة، ولا يرضى لنفسه أن يكون مغبونًا؛ لأن الغبن يُؤْذِن بغباوة المغبون، واستخفاف الناس به، وتمشِّي الحيلة عليه.
стр. 57
وكلُّ هذه أوصافٌ يأباها العربي، فشُبِّه في الآية حالُ الناس يوم القيامة بحال الناس يوم السوق في ترقب ما ينفع والإشفاق مما يضر، وهو تشبيهُ هيئةٍ بهيئة، وليس تشبيهَ معنى لفظ مفرد بمعنى مفرد آخر. واستُعملَ المركَّبُ الدال على الهيئة المشبَّه بها، فأطلق على الهيئة المشبهة على طريقة الاستعارة التمثيلية، وهي أعلى أنواع الاستعارة. والمقصود من ذلك تذكيرُ الكفار والمؤمنين بتلك الحالة بين الرغبة والرهبة حتى يستحضروا كأنهم قد تلبسوا بها فيحذروا سوءَ عاقبتها من الآن، وذلك بأن يسعوا إلى ما يجلب الربح ويتقوا ما يجلب الخسارة الحقة، قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]. وقد تكرر القرآن تمثيلُ حال أهل الفوز وأهل الثبور في الآخرة بحال التجارة، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦].
ونظيرُ هذا المعنى قولُ النبي ﷺ فيما رواه الترمذي، وذكره البخاري تعليقًا في بعض أبواب الأدب: "إنما المفلسُ الذي يفلس يوم القيامة"، (١) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩]، أي: يوم القيامة هو يوم النصر؛ لأن اليوم إذا أُطلق فهو يومُ النصر لبعض جيوش العرب أو بعض ملوكهم، كما قالوا: يوم تحلاق اللمم. (٢)
стр. 58
وفي الحديث: "الصومُ في الشتاء الغنيمةُ الباردة"، (١) فإنه اشتهر بين الناس بالغنيمة الباردة، بمعنى الغنيمة بلا مشقة عمل من شأنه إصعاد مرارة البدن. ولكن الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة؛ لأنه غنيمة أجر عظيم حصلت في برودة الجسم، وهو الآمن بهذا الوصف الذي هو وصفُ مدحٍ في عرفهم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]، أي إذا كنتم تعلمون وصف الخاسر فالخاسرون حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم إلخ.
ولذلك جاء هذا الكلامُ المجموع في قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ مجيءَ الدليل والمقدمة وهو أسلوب عجيب في صناعة التخاطب، فهو بمنزلة الدليل لقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، وهو أيضًا بمنزلة المقدمة لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن: ٩, ١٠]، فلا جرم أن تحصل للسامعين بعد سماع تلك المقدمة وهذه النتيجة روعةُ الخائف الوجل، فتحملهم على توخي خير العمل.
стр. 59
فطرة الله (١) ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. كلَّما لَمَحَ آياتِ القرآن قارئُها المتبصر وتدبرها حقَّ التدبر، وجد فصاحةَ إعجازه الدالِّ على أنه ليس من مألوف كلام البشر ساريةً في كل ما يحتويه مما له دلالةٌ على مقدار من معاني الكلام البليغ، سواء كان جملًا تامة الإفادة، أو تراكيبَ مكملةً إفادةَ ما معها، أو روابطَ تَشُدُّ بين كلماتِه وتراكيبه عُرى الالتئام، فتكون للكلام كالسلك للعقد النظيم، أو القالب الذي يفرغ فيه الذهب الكريم. فبهذه المثابة، وعلى هذا النعت، نجد موقعَ الفاء التي افتُتِحت بها هذه الآيات. تلك هي الفاء التي يسميها علماءُ العربية فاءَ الفصيحة، ويحق لها هنا أن يَقال لها الفاء الفصيحة. (٢)
وفاءُ الفصيحة هيَ التي تقع بعد كلامٍ يفيد غرضًا من الأغراض، فتُوزَن بشيء مقدَّر، كشرطٍ تكون تلك الفاءُ رابطةً لجوابه لقصد الإيجاز، فيقدر هنا إجمالًا: إذا علمتَ ما قيل لك، فأقِمْ وجهَك للدين حنيفًا. وقد يكون المقدَّر غيرَ شرط في كلام آخر؛ ذلك أن الآياتِ السابقة تحوم حولَ إثبات أن الله واحد في الألوهية، وأنه
стр. 60
لا شريكَ له، وأن قدرتَه لا يتعاصى عليها شيءٌ من الممكنات، إبطالًا لتكذيب المشركين بالبعث، ابتداءً من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]، وما عُطِف عليه من الدلائل والأمثال بتقدير الكلام تفصيلًا؛ (١) إذا علمت أنك على الحق، وعلمت أن المعرضين عن دعوتك معاندون مبطلون، فأقم وجهك للدين حنيفًا.
فالأمر مستعمل في طلب الدوام على الفعل، لا في ابتداء إيجابه وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. والخطاب للرسول ﷺ تثبيتًا لفؤاده وتأييدًا له، وهو شامل للمسلمين؛ لأن الرسول ﵇ قدوتهم. ولذلك قال في الآية التي بعده: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١]. وإقامة الوجه تقويمه، أي: تعديله بتوجيهه قبالة نظرك غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا.
فالإقامة في هذه الآية تمثيلٌ لحالة التمحُّضِ للشغل بشيء بحالة قَصْرِ النظر على صوب المقابلة دون الالتفات إلى يمنة ويسرة. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
стр. 61
وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩].
والتعريف في قوله: "للدين" تعريفُ العهد، وهو الدين المعهود للنبي ﷺ وهو الإسلام، وهو المعهود للمسلمين الذين تقلدوه. ووصف "حنيفًا" وصف يوزن بوزن فعيل، وهو مبالغة في الاتصاف بالحنف، والحنف الميل عن شيء. وغلب إطلاقُ الحنيف على المائل عن الباطل، أي: العادل عن الباطل إلى الحق. فالحنيف الموحد غير المشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقد اشتهر وصفُ إبراهيم ﵇ بالحنيف، كما اشتهرت ملةُ إبراهيم باسم الحنيفية. (١) والتحنف عبادة الله وحده دون إشراك، واشتهر دينُ الإسلام بالحنيف؛ لأنه أشد الأديان في قطع دابر الإشراك، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
ولذلك فوصف "حنيفًا" هنا منصوبٌ على الحال؛ يصح أن يكون حالًا من الضمير المستتر في فعل "فأقم"، ويصح أن يكون حالًا من الدين، على تشبيه الدين الإسلامي في خلوه من شوائب الإشراك برجل تجنب الشرك وعدل عنه. فيكون في صفة "حنيف" تمثيلٌ، وفي إجراء تلك الصفة على الدين استعارةٌ مصرحة. وفي الآية مُحَسِّنُ الطباق، وهو الجمع بين معنيين متضادين ولو في الجملة، وذلك في الجمع بين "فأقم" - الذي هو من الإقامة والاعتدال - و"حنيف" الذي هو في معنى الميل والانحراف.
стр. 62
وأما قوله: "فطرة الله"، فهو حال من "الدين" حالًا أُولَى أو ثانية؛ فإن الحال تتعدد بعاطف وبدون عاطف على التحقيق. والفطرة مصدر بوزن فِعلة، مثل الخلقة، يقال: فَطَر اللهُ الإنسان، أي: خلقه.
ومعنى كون الدين فطرة أن ما يدعو إليه يناسب ما فُطر عليه الإنسان ولا يجافيه بحيث لا يلحق الإنسانَ من أحكام الإسلام حرجٌ ولا مشقة، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفي الحديث: "إن هذا الدين يسر". (١) ولذلك بين الله تعالى كونَ الدين فطرةً بقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: خلقهم قابلين لأحكام هذا الدين وتعاليمه، صالحين للعمل بها في نظام أمورهم وحياتهم؛ لأنها تساوي العملَ السليم والفكر الصحيح.
وبيانُ ذلك أن الفطرة هي النظام الجبلي الذي أوجده الله في الإنسان جسدًا وعقلًا. فمشيُ الإنسان على رجليه فطرة جسدية، فلو حاول أن يتناول الأشياءَ برجليه كان محاولًا خلافَ الفطرة الجسدية. واستنتاجُ المسبَّبات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرةٌ عقلية، فإن حاول الإنسانُ استنتاجَ أمر من غير سبب كان محاولًا خلاف الفطرة العقلية. وجزْمُنا بأن ما نبصر من المبصَرات هو حقائقُ ثابتة في عالم الوجود فطرة عقلية، ولكن إنكار السوفسطائية ثبوتَ المحسوسات في نفس الأمر تحريف للفطرة العقلية. وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة، فقال:
стр. 63
"ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسانُ نفسَه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيًا، ولم يعتقد مذهبًا، ولم يعاشر أمة، ولم يعرف سياسة. لكنه شاهد المحسوسات، وأخذ منها الخيالات، ثم يعرض على ذهنه شيئًا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشكُّ فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشكُّ فهو ما توجبه الفطرة. وليس كلُّ ما توجبه فطرةُ الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرةُ القوة التي تسمى عقلًا.
وأما فطرةُ الذهن بالجملة، فربما كانت كاذبة. وإنما يكون هذا الكذبُ في الأمور التي ليست بمحسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات. . . فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجب التصديقَ بها إمَّا شهادةُ الكل، مثل أن العدل جميل، وإما شهادةُ الأكثر، وإما شهادةُ العلماء والأفاضل منهم. . . وليست الذائعاتُ من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديقُ بها في الفطرة. فما كان من الذائعات ليس بأولِيٍّ عقليٍّ ولا وهمي، (١) فإنها غيرُ فطرية ولكنها متقررةٌ عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا إليها محبةُ التسالُمِ والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كونُ القول في نفسه ذا شرطٍ دقيق لأَنْ يكونَ حقًّا (٢) صرفًا، فلا يُفطن لذلك الشرط، ويؤخذ على الإطلاق". (٣)
стр. 64
فوصفُ دين الإسلام بأنه فطرةُ الله معناه أن أصولَ الاعتقاد جاريةٌ على مقتضى الفطرة العقلية، وأن تشريعَه جارٍ على وَفق ما يدرك العقلُ فائدتَه، ويشهد بصلاحه، وأن النواهي والزواجر وقوانين المعاملات جاريةٌ على ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب صلاح المجتمع محبوب في الفطرة.
[ومعنى وصف الإسلام بأنه "فطرة الله" أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة. ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تُركت الفطرةُ وشأنها لما شهدت بها ولا بضدها. فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها.
مثال ذلك الحياء والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة. وقد كان بعض الحكماء معروفًا بالوقاحة والسلاطة، مثل الحكيم ديوجينوس اليوناني. ولكنا نجد الحياء محبوبًا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم. فلذلك كان من شعار الإسلام؛ ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ مَرَّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء (أي: ينهاه عما تلبس به من الحياء)، فقال رسول الله ﷺ : "دعه، فإن الحياء من الإيمان". (١) فلم تسلم حكمة أصحاب الشدة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 65
ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فُطر عليه العقل، ولكنها مما عرض للفطرة عروضًا كثيرًا حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات. وإنما كان عروضُها للفطرة بسوء استعمال العقل وسوء فهم الأسباب، ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات. بل تجد سلطان هذين الأخيرين أشدَّ بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهلَ العقول الراجحة في سلامة منهما]. (١)
ولهذا فإن شواهدَ الفطرة قد تكون واضحةً بينة وقد تكون خفية، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بما ليس فطريًّا، فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء أهلُ النظر، الذين تمرسوا بممارسة الحقائق والتفريق بين متشابهاتها، وسبر أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زمانًا لتصاريف الشريعة، وتوسموا مراميها وغاياتها، وعصموا أنفسَهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء.
إن المجتمع الإنساني قد مُنِيَ بأوهام وعوائد وبمألوفات أدخلها عليه أهلُ التضليل، فاختلطت فيه بالعلوم الحقة، وتقاول الناس عليها، وارتاضوا على قبولها، فالتصقت بعقولهم التصاقَ العنكبوت ببيته. فتلك التي يخاف منها أن تلقى بالتسليم على مرور العصور، فيعسر إقلاعُهم عنها وإدراكُهم ما بينها من انحراف عن الحق. فليس لتمييزها إلا أهلُ الرسوخ، أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلَّ سبيل، واستوضحوا خطيرَها فكانوا للماشين خير دليل.
وكونُ الإسلام دينَ الفطرة وصفٌ اختُصَّ به الإسلامُ من بين سائر الأديان؛ لأن مسايرته الفطرة مطردة في أصوله وفروعه. وأما سائر الأديان فقد بُنيت أصولُ
стр. 66
الاعتقاد فيها على مراعاة الفطرة، ولم يطرد ذلك في شرائعها الفرعية. وهذا ما أفاده قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]؛ لأن الله جعله خاتمة الأديان وجعله باقيًا في جميع العصور وصالِحًا بجميع الأمم، فجعله مساوقًا للفطرة البشرية ليكون صالِحًا للناس كافة، وللعصور عامة. وفي قوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، بيانٌ لوجه الإضافة في وصفه بفطرة الله، وتصريحٌ بأن الله خلق الإنسان سليم العقل مما ينافي الفطرةَ من العقائد الضالة والعوائد الذميمة، وأن ما يدخل عليها من ذلك ما هو إلا من جراء التلقي الضال والتعود الذميم.
وقد قال النبي ﷺ : "يولد الولد على الفطرة، ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". (١) روى مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه: "وإنِّي خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتالَتْهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أَحلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزِل به سلطانًا". (٢) لهذا كان قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]،
стр. 67
مُقَرَّرًا لكون هذا الدين فطرةَ الله، أي: لا تبديلَ في أحكامه لِمَا خلق الله الناس عليه.
وقد حصل من مجموع هذه الوصاة والصفات التي تضمنتها الآية إيذانٌ بفضل هذا الدين ومزيته على سائر الأديان الحقة الماضية بطريقة الكناية العرضية، فكان من مزيد العناية بتشريفه إفادةُ هذا التفضيل بصريح المقال فذيل الكلام بقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. فلاسم الإشارة وقعُه البليغ من الإشعار بتعظيم المشار إليه؛ إذ جعل بمرتبة البعيد بُعد رِفعةٍ وعلو، على حد [قوله تعالى: ] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]، والمعنى هو الدين القيم.
و"القيِّم" وصفٌ على صيغة فيعل، وهي أشد مبالغة من صيغة فَعَل، مثل هيِّن وليّن. فيفيد قوةَ معنى الوصف فيه وهو القيام، أعني القيام المجازي الذي هو ضد الاعوجاج، يقال: عود مستقيم وقيم. فوصف الدين بالقيم هنا استعارةٌ بتشبيه الدين بالعود المستقيم في انتفاء العيب عنه والخطأ، تشبيهًا للمعنى المعقول بالشيء المحسوس.
وموقعُ الاستدراك بـ ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠] تبيينُ أن إعراضَ أكثر الناس عن هذا الدين، ليس لكون الأديان الأخرى أرجحَ منه في صلاح الناس، ولأجل شدةٍ أو إرهاقٍ في تشريعاته، بل لأن المعرضين عنه لا علمَ عندهم، فأزال هذا الاستدراكُ ما قد يتوهمه مَنْ تغرُّه كثرةُ المنصرفين عنه فيخالهم انصرفوا عنه على بصيرةٍ في أحواله وتدبُّرٍ في مراميه. والمراد بأكثر الناس المشركون وغيرهم مِمَّن يُدعون إلى الإسلام فيعرضون عن قبوله.
стр. 68
وفعل ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ مُنَزَّلٌ منزلةَ اللازم، فلا يقدر له مفعول، ولا يُطلب دليلٌ على تقدير مفعوله. فإذن يكون مفاد نفي العلم عنهم أنهم فاقدون العلم، فلذلك لم تبلغ مداركُهم إلى إدراك الدلائل الواضحة في أحوال هذا الدين حيثما توجد. فلذلك كان ما عندهم من الإدراك والعقل شبيهًا بالعدم، فنفي العلم على سبيل المبالغة؛ إذ اعتبار الأوصاف بآثارها. (١)
стр. 69
عصمة الأنبياء (١)
القول الفصل - لا في الفضل - في عصمة الأنبياء من بعد النبوة ومن قبل:
العصمةُ اسمٌ اصطلح أئمةُ علم الكلام على وصف الأنبياء بها، وبعضُهم يعبِّر عنها بالأمانة. واسم العصمة مأخوذٌ من قول النبي ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم مَنْ عصم الله تعالَى". (٢)
والعصمة: المنعُ أو الحفظ، على خلاف في أنها منعٌ من المعصية جعله الله في ذات النبي، أو هي حفظٌ من الله للنبي من إتيان المعصية عند إرادتها. وعرف السيد الجرجاني العصمةَ فقال: "العصمةُ ملكةُ اجتنابِ المعاصي مع التمكُّن منها". (٣)
стр. 70
والقائلون بالعصمة منهم مَنْ يقول: المعصوم هو الذي لا يُمكنُه الإتيانُ بالمعاصي. ومنهم مَنْ يقول: لا يأتي بها بتوفيق الله تعالى له، وتهيئة ما يتوقف عليه الامتناعُ منها، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، مع قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤]. وأيضًا لو كان المعصومُ مسلوبَ الاختيار لمَا استحقَّ على عصمته مدحًا، ولبطل الأمرُ والنهيُ والثوابُ والعقاب.
وعُدَّت أسبابُ العصمة أربعة: أحدها: العدالة، والثاني: حصولُ العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، والثالثُ: تأكدُ ذلك بالوحي الإلهي، والرابعُ: خوفُ المؤاخذة على ترك الأولى والنسيان. فإذا حصلت هذه الأمور، صارت النفسُ معصومة. وقال أبو منصور الماتريدي: "العصمةُ لا تُزيل المحنة، يعني لا تجبر المعصومَ على الطاعة ولا تجيره من المعصية، بل هي لُطفٌ من الله يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء والاختبار". (١)
والمرادُ بالعصمة العصمةُ من ارتكاب الذنوب، أي المعاصي والذنوب، وهي تنقسم عند الجمهور إلى كبائر وصغائر. وذهب جمعٌ قليل إلى أن الذنوبَ والمعاصي ليس منها صغائر، ونُسب إلى ابن عباس. وهو قولُ القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي (٢) من المالكية، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (٣) والشيخ تقي الدين السبكي من
стр. 71
الشافعية. (١) ونسبه ابنُ عطية إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين. (٢) والذي في جمع الجوامع أن إمام الحرمين قائلٌ بتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وهو صريحُ كلامه في كتاب الإرشاد. (٣) وأحسن ما حُدِّدت به الكبيرةُ ما قاله إمامُ الحرمين في الإرشاد: "إنها كلُّ جريرة تُؤْذِنُ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة"، (٤) وعدوا ثمانٍ وثلاثين معصيةً كبائر. (٥)
стр. 72
وفي الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة: "الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكبائر". (١) فأما أصحاب الأشعري فمنعوا الكبائر مطلقًا، وجوزوا الصغائرَ سهوًا. وذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في "الإيجاز" أن نبينا محمدًا ﷺ معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (٢)
قال التفتازاني في المقاصد: واختلفوا في صدور بعض المعاصي من الأنبياء على التفصيل، والجمهور على وجوبِ عصمتهم عما ينافِي مقتضى المعجزة - وهو دلالتُها على قول الله تعالى: "صدق عبدي فيما أخبر به عني". (٣) - لا عمدًا ولا سهوًا، وجوَّز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوعَ ذلك سهوًا، ولم يرتضه الجمهور. والمذهبُ عند جمهور الأشاعرة منعُ صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها. (٤) وأما الصغائرُ فلا تصدر
стр. 73
منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورُها منهم سهوًا، لكن لا يصرون عليها ولا يقرون. (١) وذهب إمامُ الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا. قال إمام الحرمين في الإرشاد: "وأما الذنوب المعدودة من الصغائر، [على تفصيل سيأتي الشرحُ عليه، فلا تنفيها العقول]، ولم يقم عندي قاطعٌ سمعي على نفيها (أي: عدم وقوعها) ولا على إثباتها (أي: جواز وقوعها)؛ إذ القواطع نصوص أو إجماع، ولا إجماعَ، إذ العلماء مختلفون في تجويز وقوع الصغائر على سائر الأنبياء. والنصوص التي تُثبت حصولَها قطعًا، ولا يقبل فحواها التأويلَ، غيرُ موجودة. فإن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة فما الأغلب على الظن عندكم؟ قلت: الأغلب جوازها، [وقد شهدت أقاصيصُ الأنبياء في الآي من كتاب الله تعالى على ذلك] ". (٢)
واستدل أبو بكر الباقلاني لرأيه بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ إذ لا يُقالُ لِمَنْ لا ذنبَ له كالطفل والمجنون: قد غفرت لك، ولأن الآية وردت في معرض الامتنان، فلو لم يكن له ذنبٌ لم يكن له وجه، وبقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وبقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١]، وبقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، وبقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله حكايةً عن
стр. 74
يونس: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] , وغيرها من الآيات الواردة في نفس هذا المعنى. (١)
وقال الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام: "والأصح أنهم معصومون عن الصغائر عصمتَهم عن الكبائر؛ فإن الصغائر إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر، [وما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام]. لكن المجوز عليهم عقلًا وشرعًا مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازًا وجوازًا، وحظرًا وحظرًا. ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديدَ على غيرهم في كبائر الأمور". (٢) وكلامه لا يدل على وجوب العصمة قبل البعثة. ونقل في الفقه الأكبر ما يقارب كلامَ الشهرستاني. (٣) ووجه آخر، وهو أن يتركوا الأفضلَ كآدم ﵇ حين قاسمه إبليس حتى نسي النهي، وظن أنه يحترم اسم الله العظيم وترك الأفضل، وهو غاية الأمر، ولهذا قال الله تعالى في حقه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
فأما ما قبل النبوة أو قبل أن يوحى إليه في فعل بعد النبوة، فالذي عليه الأكثرُ منعُ إنشاء الذنب والإصرار، لئلَّا تزول العصمةُ أصلًا. وجوزوا وقوعَ ذلك على سبيل الندرة، كقصة يوسف وإخوانه - وقد اختلف في كونهم أنبياء. والمرجح أن الأنبياء معصومون بعد النبوة صيانةً لمنصب النبوءة وحماية لأبهة الرسالة، ألا ترى قوله تعالى حكاية عن نبينا ﷺ : ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦]؟ يعني لبثت بين ظهرانيكم أربعين سنة وما رأيتم افتراءً ولا خيانة فإنه ﷺ كان مشهورًا فيما بينهم بمحمد الأمين ﷺ . (٤)
стр. 75
قول عياض:
قد اهتم - أعني عياضًا في "الشفا" - برد واحد وعشرين دليلًا تمسك بها الذين جوَّزُوا صدورَ الصغائر من الأنبياء بعد النبوة - الباقلاني ومَنْ وافقوه. (١) وقد رد التفتازاني في المقاصد من تلك الأدلة اثني عشر دليلًا، (٢) ويظهر أنه لم يطلع على كلام عياض في "الشفا". ثم قال عياض بعد أن رد تلك الأدلة:
"أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء عن الفواحش والكبائر والموبقات. ومستَنَدُ الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه، وهو مذهب القاضي أبي بكر. ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافة. واختاره الأستاذ أبو إسحاق [الإسفراييني]. وكذلك لا خلافَ أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ؛ لأن كلَّ ذلك يقتضي العصمةَ منه المعجزةُ مع الإجماع على ذلك من الكافة. والجمهور قائلٌ بأنهم معصومون من قبل الله معتصمون باختيارهم وكسبهم. . . وأما الصغائرُ فجوزها جماعةٌ من السلف وغيرهم على الأنبياء، وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره، من الفقهاء والمحدثين والمتكلِّمين. . . وذهبت طائفةٌ أخرى إلى الوقف، وقالوا: العقل لا يحيل وقوعَها منهم، ولم يأت في الشرع قاطعٌ بأحد الوجهين. وذهبت طائفةٌ من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر: قالوا لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك، وقول ابن عباس وغيره: إن كل ما عُصي الله به فهو كبيرة. . . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن في معاصي الله صغيرةً إلا على معنى أنها تُغتفر باجتناب الكبائر. . . وقد استدل بعضُ الأئمة