← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

[البكري]. . ." (١) إلخ. فكان الظاهرُ أن يبدأ بذكر دخولِ خيل أخي غامد للأنبار، ويبني عليه بيانَ سببِه من تواكلهم وتباطئهم، وأن ذلك شأنُ كلِّ مُتَوَاكِل. لكنه أخره حين دعتِ المناسبةُ لتقديم ذكرِ تواكلِهم، وأنه مُسَبَّبٌ عن ذُلِّهِم المُسَبَّبِ عن تركِ الجهاد المأمور به، فكان لذلك تعلق بطالع الخطبة. وأما الإنشاءُ فمُقتضى الظاهرِ ترتيبُ المعانِي على حسبِ حُصولِها كما قلنا، وقد يُعدَلُ عن ذلك لأغراض. وأما ترتيبُ الخبر مع الإنشاء، فالأصلُ فيه تقديمُ المقدماتِ على النتائج، ولا يُعْكَسُ إلا لغرض، مثل قول عيسى بن طلحة [بن عبيد الله] حين دخل على عروة بن الزبير لما قُطعت رجلُه: "ما كنا نُعدُّك للصراع، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرَك: أبقى لنا سمعَك وبصرك، ولسانَك وعقلك، و [يديك] وإحدى رجليك. فقال له عروة: والله ما عزاني أحدٌ بمثل ما عزيتني به". (٢) فلو قَدَّم قولَه: "الحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك"، لكان يُشبِهُ الشماتةَ: أنه يحمد الله له على قطع رجله، فلا تهتدي النفسُ إلى مراده إلا حين يقول له: "ما أعددناك للصراع"؛ لأن النفوسَ عند الخطاب جَفِلاتٌ إذا هي نفرت، فربما ضلت عن طريق الحق. وأما الجزالةُ والسُّهولةُ والرِّقَّةُ فهي مراتبُ للمعاني المستفادة من الكلام. فالجزالةُ (٣) شِدَّةٌ في المعنى تقرب من حد الإرهاب أو تبلغه، بحيث تُؤْذِنُ بعدم

стр. 1262

مبالاة المتكلِّم باستعطاف المخاطَب ولا بملاينته. ولها مواقع: الغضب، والحماسة، والوعظ، والعتاب، ونحوها. وأما السهولةُ فهي دونَها، وهي لين المعنى، وتجريده من شوائب الإرهاب، واشتماله على إيضاح بساطة حال المتكلِّم، وملاينة المخاطَب، ولها مواقع: الأمور العادية، والعلوم، والمخاطبات بين الأكفاء. وأما الرِّقَّةُ فهي غايةُ إيضاح لطيفِ الوجدانِ من المتكلِّم، أو التلطف مع السامع، ولها مواقع: الشوق، والرثاء، والاعتذار، والتأديب. وبهذا يتضح أن ليس لشيءٍ من هذه الأوصاف مدخلٌ في صفة اللفظ، كما قد يُتَوَهَّم. ومن الواجبِ مؤاخاةُ المعاني في الغرض الواحد في الجزالة أو الرقة. ولهذا عِيب على جميل قولُه: أَلَا أَيُّهَا النُّوَّامُ وَيْحَكُمْ هُبُّوا ... أُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الْحُبُّ (١) فقد حُكيَ عن بعضِ أهل الأدب والعربية أنه قال فيه: "هذا بيتٌ أولُه أعرابِيٌّ في شملته، وآخرُهُ مُخَنَّثٌ من مخنَّثِي العقيق يتفكك". (٢)

стр. 1263

فإذا وقع الانتقالُ من غرض إلى غرض ساغ اختلافُ الوصف، وانظر بلاغة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، فهو من السهولة، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، فهو من الجزالة. وقد اختلف ذلك أيضًا في قول أبي فراس - حين أسره الروم - يستنهض سيفَ الدولة لفدائه منهم، وتخلل من غرض إلى غرض، ثم رجع فأجاد في ذلك: رقة: دَعَوْتُكَ لِلْجَفْنِ الْقَرِيحِ المُسَهَّدِ ... لَدَّي، وَلِلنَّوْمِ الطَّرِيدِ المُشَرَّدِ جزالة: وَمَا ذَاكَ بُخْلًا بِالحْيَاةِ، وَإنَّهَا ... لأَوَّلُ مَبْذُولٍ لأَوَّلِ مُجْتَدِ جزالة: وَلَكِنَّنِي أَخْتَارُ مَوْتَ بَنِي أَبِي ... عَلَى سَرَوَاتِ الخْيْلِ غَيْرَ مُوَسَّدِ رقة: وَتَأْبَى وَآبَى أَنْ أَمُوتَ مُوَسَّدًا ... بِأَيْدِي النَّصَارَى مَوْتَ أَكْبَد أَكْمَدِ (١) ولْنُمثِّلْ لما شمل السهولةَ والجزالة بكلام شيوخ بني أسد مع امرئ القيس يسألونه العفو عن دم أبيه فتكلم قبيصة بن نعيم الأسدي فقال: "إنك في المحلِّ والقدر من المعرفة بتصرُّف الدهر وما تُحدثه أيامه وتنتقَّل به أحوالُه، بحيث لا تحتاج إلى تذكيرِ من واعظٍ ولا تبصير مجرِّب. ولك من سُؤْدَد

стр. 1264

منصِبك وشرف أعراقك (١) وكرم أصلك في العرب مَحْتِدٌ (٢) يَحتمل ما حمُل عليه من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة. ولا تتجاوز الهممُ إلى غايةٍ إلا رجعتْ إليك، فوجدتْ عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح (٣) ما يَطُولُ رغباتِها ويستغرق طِلْبَاتِها (٤). وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عَمَّتْ رزيَّتُه نزارًا واليمن، ولم تُخْصَصْ بذلك كندةُ دوننا، للشرف البارع الذي كان لحُجْر. ولو كان يُفْدَى هالكٌ بالأنفس الباقية بعده، لما بَخِلَتْ كرائمُنا بها على مثلِه، ولكنه مضى به سبيلٌ لا يرجع أُخْرَاهُ على أُولَاه، ولا يلحق أقصاه أدناه. فأَحمدُ الحالاتِ في ذلك أن تَعرِفَ الواجبَ عليك في إحدى خلالٍ ثلاث: إمَّا أنِ اخترتَ من بني أسد أشرفَها بيتًا وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فَقُدْنَاه إليكَ بنِسْعِة (٥) تذهبُ مع شفراتِ حُسامِك بباقي قَصَرَته (٦)، فنقول: رجلٌ امتُحِن بهالكٍ عزيزٍ فلم يستلَّ سخيمتَه إلا بِمُكْنَتِهِ من الانتقام (٧). أو فداءٌ بما يروحُ على بني أسدٍ من نَعَمِها، فهي ألوفٌ تجاوز الحِسبة، فكان ذلك فداءً رجعتْ به القُضُبُ (٨) إلى أجفانها، لم تَرْدُدْهَا بسليط (٩)

стр. 1265

الإحن على البرآء (١). وإما وادَعْتَنا إلى أن تضع الحواملُ، فتُسدَل الأُزُر، وتُعقد الخمرُ فوق الرايات". فأجابهم امرؤ القيس بقوله: "لقد عَلمتِ العربُ أنه لا كُفْءَ لحُجر في دم، وإني لنْ أعتاضَ عنه جملًا ولا ناقة، فأكتسبَ به سُبَّةَ الأبد، وفتَّ العَضُد. وأما النَّظِرَةُ فقد أوجبتها الأَجنةُ في بطون أمهاتها، ولن أكونَ لعطبها سببًا وستعرفون طلائعَ كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حَنَقًا (٢)، وفوق الأسنة علقًا، أتُقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف باسوأ الاختيار". (٣) وأما مثالُ الرِّقَّة، فيوجد كثيرًا في النَّظْم والنثر، وهي في النظم أكثر. ومِنْ جيِّد ما اشتمل عليها في النثر قولُ الوزير أبي المطرِّف ابن الدباغ الأندلسي (٤) من رسالة: "طلع علينا هذا اليومُ فكادَ يُمْطِرُ من الغضارةِ صحوُه، ويقبِسُ من الإنارةِ جوُّه، وَيُحْيِي الرميمَ اعتدالُه، ويُصْبِي الحليمَ جمالُه، فلفَّتْنا زهرتُه، ونَظَمَتْنا بَهجتُه، في

стр. 1266

رَوْضَةٍ أرضعتْها السماءُ شآبيبَها، ونثرتْ عليها كواكبَها، وَوَفَدَ عليها النُّعمانُ بشقيقه، واحتلَّ فيها الهندُ بخَلُوقه، وبكَّرَ إليها بابِلٌ برحيقِه. فالجمالُ يُثْنِي لِحُسْنِها طرفَه، والنَّسيمُ يهزُّ لأنفاسها عِطْفَه. وتمنَّيْنَا أن يتَبَلَّجَ صُبْحُك من خلالِ فُروجه، وَتَحُلَّ شمسُك في منازلِ بُرُوجِه، فيَطْلع علينا الأُنسُ بِطُلوعِك، وتُهْدِيه بوُقُوعِك. ولنْ تَعْدِم نَوْرًا يَحْكِي شَمائلَكَ طيبًا وَبَهْجَة، وَرَاحًا تَخالُها خِلَالَك صفاءً ورقة، وألْحانًا تُثِيرُ أشْجانَ الصَّبِّ، وتَبْعثُ أطْرَابَ القَلْب، وَنَدَامَى تَرْتَاحُ إليهم الشَّمُولُ، وتَتَعَطَّر بِأرَجِهم القَبُول، ويَحسد الصبحُ عليهم الأصيل، ويقصر بمجالستهم الليلُ الطويل". (١) ثم إن للكلامِ مقاماتٍ متنوعة: منها مقامُ تحقيق، ومنها مقامُ مسامحة. ففي الأول يُؤتَى بالبرهان والحكمة والجد، وفي الثاني يؤتى بالخطابة والشعر والتمليح والمزح. ومن المقاماتِ مقامُ تبيينٍ، ومقام تنميق. ففي الأول الحقيقةُ، والتصريحُ، واللفظُ المتعارَف. وفي الثاني المجازُ، والكنايةُ، والتعريضُ، والتمليح، والتوجيهُ، والإبهامُ، والخصوصِيُّ من الألفاظ. و[ينقسم الكلامُ] باعتبارٍ آخر إلى مقامِ اقتصاد، ومقامِ إفراط. ففي الأول حكايةُ الواقع، وفي الثاني المبالغةُ وفروعُها. وباعتبار آخر إلى مقامِ إطنابٍ، ومقام

стр. 1267

إيجاز، لضيق المجال أو المبادرة خَشيةَ الفَوَات؛ فإن التطويلَ قد يُشَتِّتُ الذهنَ، كقول [عثمان بن] أبي العاص الثقفي لقومه ثقيف حين همُّوا بالارتداد مع مَنِ ارتد من العرب: "يا قوم! كنتم آخرَ العرب إسلامًا، فلا تكونوا أولَهم ارتدادًا" (١)، فصدَّهم بذلك عن همِّهم الذي لو سلكوه لعَسُرَ انسلالُهم منه. أو لقصد الوعي، مثل مقام الوصاية، مثل ما كتب بديع الزمان لابن اخته: "أنتَ ابني ما دمتَ والعلمُ شأنُك، والمدرسةُ مكانُك، والمحبرةُ حليفُك، والدفترُ أليفُك. فإن قَصَّرْتَ - ولا إخالُك - فغيري خالُك، والسلام". (٢) ولجميع هاته المقاماتِ خصوصياتٌ يطولُ بنا بيانُها. القسم الثاني: [الإنشاء] اللفظي إن للفظِ حظًّا كبيرًا في الإنشاء، فإنَّ بحسنه يظهر رونقُ الإنشاء، ويترقرق ماؤه؛ وإنك لترى المعنى الشريفَ إذا لم يُمنح من الألفاظ ما يناسبه أصبحَ لفظُه له

стр. 1268

قبرًا، ولم يطْرُقْ لسامعه فكرا. وبالعكس قد تغطِّي الألفاظُ الحسنة في حال تركيبها بسائطَ المعاني ومبتذَلها. فإن الشاعرَ أو الكاتبَ أو الخطيب قد يُضطرُّ إلى أن يذكر من المعاني ما ليس له كبيرُ أهمية، إما لكونه على قدر أفهام مخاطَبيه، وإما لكون ذلك المعنى لا يقبل تنميقًا فيلزمه حينئذٍ أن يكسوَ المعنى من حلية الألفاظ ما يُنَبِّهُ مقدارَه، ويعلي مناره. وترى هذا في كثيرٍ من الشعر التوصيفي، كما قلنا فيما تقدم. قال الجاحظ: "إن المعاني إذا كُسيت الألفاظَ الكريمة، وأُلبست الأوصافَ الرفيعة، تحولتْ في العيون عن مقادير صورها، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرا"". (١) وإلى هذا الحال من المعنى واللفظ (٢) يشير قولُ قدامة (٣) وعبد القاهر - في مواضع -: إن المعاني مطروحةٌ بالطريق، يستوي في تناولها القرويُّ والبدويُّ، ويهديه

стр. 1269

إليها طبعُه وبصرُه، وإنما المزيةُ للألفاظ (١)، وقولُ ابنِ رشيق القيرواني رحمه الله تعالى (٢): "سمعت بعضَ الحذاق يقول: قال العلماء: اللفظُ أغلى ثمنًا؛ فإن المعانِيَ موجودةٌ في طباع الناس، يستوي فيها الجاهلُ والحاذق". (٣) ولنضرِبْ لك مثلًا ما ذكره أئمةُ الأدب أن أبا تمام كان كثيرًا ما يأخذُ معنى العامة والسوقة فيجيدُ نسجَه، ويجيء غريبًا مبتدَعًا، من ذلك أنه سمع سائلًا يسأل فيقول: "اجعلوا بياضَ عطاياكم في سواد مطالبنا"، فنظمه بقوله: وَأَحْسَنُ مِنْ نَوْرٍ تُفَتِّحُهُ الصَّبَا ... بَيَاضُ الْعَطَايَا فِي سَوَادِ المَطَالِبِ (٤) والنظرُ في أحوال اللفظ ينحصر في أحوال الألفاظ المفردة، وأحوال الألفاظ في حال تركيبها، والتدرُّبِ على كيفية التعبير.

стр. 1270

أحوال الألفاظ المفردة وهي الفصاحةُ، والصراحةُ، والعزةُ، والرشاقة. أما الفصاحةُ فهي وصف الكلمة، وهي خُلوصُها مما يُكَدِّرها، ويُثْقِلها في السمع، ويُبْعدها عن سلامة الذوق العربي. وقد تكفَّل ببيانها أئمةُ علم المعاني. وأما الصراحةُ فهي دلالةُ اللفظ على كمال المعنى المراد، بأن يتعيَّن المرادُ منه، قال الجاحظ في كتاب البيان: "حسن البيان هو الإبانةُ عمَّا في النفس بكلام بليغ، بعيدٍ عن اللَّبْس". (١) ويحصُلُ ذلك بأمور كثيرة: منها توخِّي الألفاظِ الموضوعة للمقيَّدات، نحوُ "الخِوانُ" للمائدة قبل أن يُوضع عليها الطعام، و"الرَّسْفُ" لمشي الرجلِ المقَيَّد، و"القاني" لشديد الحمرة، و"الصباحةُ" للوجه، و"الوضاءةُ" للبَشَرة، و"اللَّباقَةُ" للشمائل، و"الرشاقةُ" للقَدِّ، و"الظَّرْفُ" في النطق، ونحوُ ذلك. ولذا تجب معرفةُ المترادفات؛ لأنها تخلو عن تقييد أو إطلاق. ومنها تجنبُ استعمالِ المشترَك بدون قرينة، مثل كلمة "مُسَرَّج" في قول رؤبة بن العجاج: "وَفَاحِمًا وَمَرْسِنًا مُسَرَّجَا" (٢)، فلم يُعرَفْ هل أراد أنه كالسراج أم كالسيف السُّرَيْجي في الدقة والاستواء. وقولنا: "بلا قرينة" يُخْرِجُ نحوَ قوله تعالى:

стр. 1271

﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فإن عطفَ "نصروه" يُبَيِّنُ أن التعزيرَ هنا هو النصرُ لا ضرب الحد. ونحوَ قول الحريري: " فيدَّعِي تارةً أنه من آل ساسان" حيث علم أنه يريد ملوكَ الفرس، لمقابلته بقوله: "ويعتزِي مرةً إلى أَقْيَال غسان". (١) فانتفى احتمالُ أن يكون المراد الشحَّاذين الذين أَطلق عليهم هذا اللفظَ في موضع آخر. وقد يدعو المقامُ للعدول عن الصراحةِ لأغراض، مثل التورية والتوجيه والمواربة. ويحسن ذلك في التخلص من المضايق، كقول بعضهم وقد سئل في مجلس جماعة من الشيعة عن الأفضل بعد رسول الله ﷺ ، فقال: "الذي كانت ابنتُه تحته" (٢)، فاحتمل أن يريد أبا بكر وعليًّا ﵄ بحسب الترتيب في الضمير بين. تنبيه: مما يدخل تحت هذا الشرط التنبيهُ إلى كلمات كثيرة يستعملها الكتاب والمنشئون غلطًا، إما في معناها وإما في اشتقاقها. وقد ألف في ذلك الحريري "درة الغواص"، وألف فيه بعضُهم "لفُّ القِماط فيما يُستعمل من الأغلاط" (٣). وقد أكثر الكتابُ المتأخرون من ذلك، وألف في ذلك الشيخ إبراهيم اليازجي كتابًا سماه "لغة الجرائد"، إلا أنه قليلُ الفائدة، كثيرُ الغلط في كثير مما عده غلطا.

стр. 1272

فعلى المنشِئِ أن لا يتابعَهم في استعمال لفظٍ إلا بعد تحقيقِ معناه لغة. فمن أغلاطهم "رَدَحٌ من الزمن" يريدون حصةً قليلة، وإنما هو المدةُ الطويلة جدًّا، وقولهم: "باهِظُ الثمن" بمعنى كثير، وإنما هو الأمر المثقل. وقولهم: "توًّا" بمعنى الآن أو الوقت الحاضر، وهو غلَط؛ إذِ التَّوُّ الذهابُ على سواءٍ واستقامة، بحيث لا يُعَرجِّ على شيء، تقول: "سار توًّا، أي لم يقف ولم يعَرِّج. وقولهم: "ناهز"، يريدون تجاوز، وصوابه قارب، إلى غير ذلك. وأما العِزَّةُ فهي سلامةُ الكلمة من الابتذال. والابتذالُ يقع على وجوه: أحدها نقلُ العامة الكلمةَ من معنى واستعمالُها في معنى غيرِ حسَن، كـ "البُهلول" فأصله السَّيِّدُ الجامعُ لصفاتِ الكمال، فأخرجه عامتُنا للمغفَّل، و"الخِرِّيت" أصله البصيرُ بالطرقات، كما رُوِي في حديث الهجرة (١) فاستعملوه للجبان. وكثيرٌ من أسماء الأضداد نشأ من مثل هذا. الثاني أن تكون الكلمةُ من موضاعاتِ العامة المفقودة أو المنسِيَّةِ في فصيح الكلام، مثل "الخازِ باز" لذُباب الرياض، ومثل "اللقالق" جمع لقلق، وهو طائر له منقارٌ طويل دقيق، ورجلاه طويلتان (٢).

стр. 1273

الثالثُ أن يحصلَ مِنْ بعضِ صِيَغِ الاشتقاقِ ما يُوهِمُ معنًى مُسْتَبْشَعًا، مثل أنْ يُشتَقَّ مِنْ "همَّه الأمرُ" وزن فاعلة، فيقال عرضت له نازلة هامة، أي مهمة، فيُتَوَهَّم أنها الهامةُ بمعنى الدَّاهِية. الرابعُ أن يكونَ معنى الكلمةِ سخيفًا، فيجب على الكاتبِ إنِ اضطر إلى التعبير عن مدلولها أن يتنَكَّبَ عنها إلى مسالك الكناية تنزيهًا للسان، كما جاء في القرآن العظيم: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]. ويُغتَفَرُ استعمالُ المبتذَلِ في مقام الهزل، أو الحكاية، أو المشاتمَة، مثل ما وقع في أوائل رسالة ابن زيدون المشهورة برسالة ولادة (١).

стр. 1274

وأما الرَّشَاقَةُ فهي مناسَبَةُ حالِ اللفظ لمقام الكلام؛ فإن الألفاظَ منها جَزْلٌ، ومنها سَهْل. فالجزلُ يُستعمَلُ في ذكر الحروب، والحماسة، والتوبيخ، ونحوها. والسَّهلُ في مقام الملاطفة، والغزل، والمديح. ومنها ما لا يُوجِبُ شيئًا من الأمرين. والتحقيقُ أن كل هذا لا يَتْبَعُ وصفَ الألفاظ في ذاتها؛ إذ ليس وصفُها مختلفًا، ولكنه يَتْبَعُ جلبَ بعضِ الألفاظ وترك البعض بحسب المقام، كما حسن استعمالُ "سيِّدتي" في قول أبي العتاهية: أَلَا مَا لِسَيِّدَتِي مَالَهَا ... تُدِلُّ فَأَحْمِلُ إِدْلَالَهَا (١) ولو جِيءَ به في مقامٍ آخر لقَبُح. وقد عيب على جميل قولُه:

стр. 1275

أَلَا أَيُّهَا النُّوَّامُ وَيْحَكُمْ هُبُّوا ... أُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الْحُبُّ (١) كما تقدم في آخر القسم المعنوي. أحوال الألفاظ المركبة وللألفاظِ في حال تركيبها أحوالٌ غيرُ أحوالِها مفردة، وهي تُجمع في فصاحة الكلام، ونزاهته، وانسجامه، والاقتصاد من الفضول فيه، واتصالِ جمله، ومناسبتِه للغرض. فأما فصاحةُ الكلام، فقد عُرفت في علم المعاني. وأما النزاهةُ فهي الخلوُّ من الألفاظ المستهجَنَة والشنيعة، ولو باعتبارِ ما يَسْبِقُ الكلمةَ أو يلحقُها. وقد عِيب على أبي تمام قولُه: أَعْطَيْتَنِي دِيَةَ الْقَتِيلِ وَلَيْسَ لِي ... عَقْلٌ وَلَا حَقٌّ هُنَاكَ قَدِيمُ (٢) فإنه أراد العقلَ بمعنى العاقلة في القرب من القتيل، إلا أن تركيبَه مع "ليس" و"لي" أعطاه صورةَ نفيِ العقل - بمعنى الإدراك - عن نفسه، كما يُقال: ليس لفلان عقل. ومنه قولُ صاحب "حسن التوسُّل" في وصفِ مقدم سرِيَّة جيش: "أروع للعدى في تطلعه من سَلَّة سيف، حتى يتعجَّب عدوُّ الدين في الاطلاع على عوراتهم من أين دُهِيَ وكيف" (٣)، فلو أبدل كلمةَ الاطلاع بالاتباع لَسَلِم من الهُجنة الحاصلة من الجمع بين كلمتي "الاطلاع" و"العورات". وأما الانسجامُ فهو سهولةُ الكلام في حال تركيبه، بحيث لا يثقلُ على اللسان. ومرجع ذلك للفظ، وهو أخصُّ من فصاحة الكلام، قال الجاحظ عن

стр. 1276

بعض الأدباء: "إن المعنى إذا اكتسى لفظًا حسنًا، وأعاره البليغُ مخرجًا سهلًا، ومنحَه المتكلِّم قولًا متعشَّقًا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك أملا". (١) ويندرجُ تحت الانسجام سلامةُ الكلام من التكلُّفِ والتصَنُّع، بحيث لا تَعرِف منه كدَّ الذِّهن، ولا تلفيقَ المعاني لأجل الألفاظ، ولا البحثَ عن الألفاظ المستغرَبة. وكذا الإكثارُ من المحسِّنات البديعيَّة المتكلَّفة التي يُعبَّرُ عنها بالصَّنْعة، وإن وقع شيءٌ منها فإنما يقع بدون تكلِّف، أو بخفيفٍ من التكلف عندما تجودُ به فرصةُ المقام. ويُسمَّى الكلامُ المستكثِرُ منها مصنوعًا، وغيرُ المتكلِّف لها مطبوعًا، قال صاحبُ التلخيص: "وأصلُ الحسن في جميع ذلك أن تكونَ الألفاظُ توابع". (٢) وممن عيب عليه التكلُّفُ في ذلك إبراهيم بن هلال الصابي - كاتب بني بويه - وعبد الله بن المعتز. وفنُّ الشعر أشدُّ تحملًا للصنعة من النثر. وأما الاقتصادُ فهو بطرحِ الفُضُولِ في اللفظ، وحذفِ المُكرَّرِ من القول، والاستغناءِ عن كثرة المؤكِّدات. وإن كان لهذا شيءٌ من التعلق بالمعاني، إلا أننا أدرجناه في عدادِ صفات اللفظ، لَمَّا كان المعنى فيه غيرَ معتبر، وإنما الداعي إليه الإكثارُ من الألفاظ أو التهويلُ بها، مثل قولهم: "من غير شك ولا ريب"، وقول بعض مَنْ وصف العفوَ، لا سِيَما إذا عظم الجرمُ وكبر الإثم: "والملوك إنما تُؤثر عنهم الخلالُ الحميدة، والخصالُ الشريفة السعيدة". (٣) ومثل زيادة حروف لا حاجةَ

стр. 1277

إليها، كقول بعضهم: "من المعلوم وأنه كذا"، وقول بعضهم: "قيل بكذا"، فكلٌّ من الواو والباء مزيدةٌ عبثا. تمرين كتب أبو إسحاق الصابي في طالعة بعضِ مكاتيبه: "الحمد لله الذي لا تدركه الأعينُ بألحاظها، ولا تَحُدُّه الألسُنُ بألفاظها، ولا تخلقُه العصورُ بمرورها، ولا تهرمُه الدهورُ بكرورها"، ثم قال: "لم ير للكفر أثرًا إلا طمسه ومحاه، ولا رسمًا إلا أزاله وعفَّاه. . ." إلخ (١). فكلٌّ من الفقرتين الرابعة والسادسة عينُ معنى الثالثة والخامسة. وكتب في بعض كتبه: "يُسافِرُ رأيُه وهو دانٍ لم ينزح، ويسير تدبيرُه وهو ثاوٍ لم يبرح" (٢)، والفقرتان بمعنى واحد. وكتب الصاحبُ بن عباد: "وصل كتابُه جامعًا من الفوائد أشدَّها للشكرِ استحقاقًا، وأتَمَّها للحمدِ استغراقًا، وتعرَّفْتُ من إحسان الله فيما وفَّره من سلامته وهيأه من كرامته، أنفسَ موهوبٍ ومطلوب، وأحمدَ مرقوب ومخطوب. . ." إلخ (٣). وفي هذا ما يقرب من إعادة المعاني. وقد شمل قولُنا "الاقتصاد" - الذي هو في اللغة الأخذُ بالعدل - ما يقابل ما وصفناه من الفضول، وذلك هو الإخلالُ بما يلزم من اللفظ لأداء المعنى، وهو عيبٌ إلا إذا كان مقصودًا لغرض، كالألغاز والمحاورات العلمية المشتملة على اصطلاحاتٍ لا يفهمُها غيرُ أهلِ ذلك العلم. وقد حصر الماورديُّ ﵀ في كتاب "أدب الدين والدنيا" الأسبابَ المانعةَ من فهم الكلام لعلة فيه في ثلاثة، وهي تقصيرُ

стр. 1278

اللفظ عن المعنى، وزيادةُ اللفظِ على المعنى، والمواضعةُ، أي الاصطلاحات (١). وأما اتصالُ جُمَلِ الكلام فهو فُسْطاط علم الإنشاء، وحَلَبةُ استباقِ هِمَم المتضلِّعين فيه. وقد تَتَبَّعْتُ كلامَ أئمةَ الفن، فوجدتُ غايةَ ما تبلغ إليه الضوابطُ في اتصال جُمَلِ الكلام - على كثرةِ الأسماء والألقاب المتناثرة في كتبِ الأدب - أربعةَ أشياء: تناسبَ بعضِ الجمل مع بعض، وعدمَ انفكاك بعضِها عن بعض، والانتقالَ من أسلوب إلى أسلوب، وحسنَ الابتداء، والتخلصَ، والختام. فأما تناسبُ بعض الْجُمَلِ مع بعض - وهو المعبَّرُ عنه بالفصلِ والوصل - فموضِعُ القولِ فيه في علم البلاغة. وأما ارتباطُ الجُمَلِ وعدمُ انفكاكِ بعضِها عن بعضٍ فهو أن تَتَّصلَ الجملُ ولا يُفصَلَ بينها إلا بشيءٍ مناسبٍ لها، ويُعرَفَ كيف يكونُ الرجوعُ عما فُصِلتْ به إلى ما فُصِلتْ عنه؛ إذ المتكلِّمُ في المقاماتِ الخطابية لا يقتصِرُ على ما تكلَّم لأجله، وإلا لجاء الكلامُ قصيرًا، وما طالت الخطبُ والقصائد، وصار الكلامُ كلُّه أمرًا أو نهيًا أو خبرا (٢).

стр. 1279

فلذلك احتِيجَ إلى تقديم المقدمات، وذكرِ العلل والغايات، والاستشهادِ بالمناسبات، واستطرادِ النَّظَائِرِ والأمثال. فقديمًا ما صُدِّر المديحُ بالنسيب، والخطبةُ بالثناء والاعتبار. فإذا علم المتكلِّمُ أيْنَ يَضَعُ أجزاءَ الكلام جاء كلامُه مرتبطًا، وإذا لم يُحْسِنْ ذلك اختلط عليه وخرج من غرضٍ إلى غرض. فإذا استطرَدَ أو قَدَّم أو ذَيَّل،

стр. 1280

فلْيقتصِرْ على قدر الحاجة؛ فإنه إن زادَ على ذلك سَمُج، كما ترى في مُستطرَدات "حياة الحيوان" (١). ولقد نال شيءٌ من ذلك بعضَ مواضع كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع، على مكانته من علم البلاغة، إلا أنه كان كتابًا مترجمًا من لغة الفرس. ومن وجيزِ مُسْتَطْردَاتِه قولُه: "فلما قرب ذو القرنين من فُورِ الهندِيِّ، وبلغه ما قد أعدَّ له من الخيل التي كأنها قِطعُ الليل، مِمَّا لم يلقَهُ بمثلِه أحدٌ من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوَّف ذو القرنين من تقصيرٍ يقع به إن عجَّل المبارزة. . ." إلخ (٢)، فلقد أسرع الرجوعَ إلى الغرض. وقولُ الفتح في "قلائد العقيان": " [أخبرني ابن زرقون] أنه حضر مَجلسَ راح، ومَكنِس ظِباءٍ وأفراح، وفيهم جماعةٌ منهم الوزيرُ أبو بكر [بن القَبْطُرْنة]، شيخ الفُتُوَّة ومعرِضُ فتياتها المجلوة، ومعهم سعد بن المتوكِّل وهو غلام ما نضَا عنه الشبابُ بردَه، ولا أَذْوَى ياسَمينَه ولا وَردَه، فكان الوزيرُ وأخواه [أبو محمد وأبو

стр. 1281

الحسن] مُختَصِّين بالفضلِ أخيه، اختصاصَ الأنوار بالكمائم، واللَّبَّات بالتمائم، فتذاكروا فقدَه، وكيف شفى منه الزمنُ حِقدَه. . . فهاج شجوُه، وبَانَ طربُه ولهوُه، وأرسل مدامعَه سجالًا، وقال ارتجالًا. . ." إلخ (١). وكذا من الشعر قولُ النابغة: فَمَا الْفُرَاتُ إِذَا جَاشَتْ غَوَارِبُهُ ... تَرْمِي أَوَاذِيُّهُ الْعَبْرَيْنِ بِالزَّبَدِ يُمِدُّهُ كُلُّ وَادٍ مُتْرَعٍ لَجِبٍ فِيهِ ... رُكَامٌ مِنَ الْيَنْبُوتِ وَالْخَضَدِ يَظَلُّ مِنْ خَوْفِهِ المَلَّاحُ مُعْتَصِمًا ... بِالْخَيْزُرَانَةِ بَعْدَ الأَيْنِ وَالنَّجَدِ يَوْمًا بِأَجْوَدَ مِنْهُ سَيْبَ نَافِلَةٍ ... وَلَا يَحُولُ عَطَاءُ الْيَوْمِ دُونَ غَدِ (٢) وربما طال الاستطرادُ لاقتضاء المقام ذلك، فيناسب عند الرجوع إلى الغرض المقصود أن يُنَبَّهُ السامعُ لذلك بإعادة الكلمة التي تربط الغرض، مثل كلمة "لولا" في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]؛ لأن أصلَ الكلام: "فلولا إذا بلغت الحلقوم ترجعونها إن كنتم صادقين في أنكم غير مربوبين". (٣)

стр. 1282

وأشدُّ مَنْ يظهر احتياجُه إلى رَعْيِ قواعدِ هذا الاتصال الخطباء، فإن من دأبهم التطرقَ إلى موضوعاتٍ كثيرة، فإنْ هم لم يُحْسِنُوا ترتيبَها جاء الكلامُ نُتَفًا ينبُو بعضُه عن بعض. وقد رأينا الشعراءَ لا يزيدون في انفكاك الغرض على أكثر من ثلاثة أبيات، ويتوخَّوْن من الصفات ونحوها ما له علاقةٌ بالغرض شديدة، وكذلك شأنُ الكاتب أيضًا. وأما الانتقالُ من غرض إلى غرض ومن أسلوب إلى أسلوب، فهو زينةُ الكلام للكاتب والشاعر والخطيب، وهو أحسنُ تطريةً لنشاط السامع، وأكثرُ إيقاظًا للإصغاء إليه. ويختصُّ من اللطافة بمثل ما قرره علماءُ المعاني للالتفات، فقد سماه السكاكي "قِرَى الأرواح" (١). ولا بد فيه من مراعاة المناسبة، كما ترى في انتقالاتِ القرآن العظيم. وأما حسنُ الابتداء والتخلصُ والختامُ، فإنما خُصَّتْ بالبحث وإن كان جميعُ الكلام مشروطًا بالحسن، فذلك لأن الإجادةَ فيها أعسر؛ إذ الابتداءُ هو أولُ ما يقرع السمعَ، وأولُ ما يبتدئ به المتكلِّمُ، وهو مفتاحُ الكلام، فإن هو أتقنه، كان إتقانُه

стр. 1283

معينًا على النسج على منواله، كما يُقال: "الحديث شجون" (١). وكذلك التخلصُ من المقدمة إلى الغرض، فإنه يحتاج إلى فضلِ براعةٍ في الارتباط بينهما. وكذلك الختام؛ لأنه يجب أن يكونَ قد استوعب ما تكلم لأجله حتى لا يثني إليه عنانَ الكلام مرةً أخرى بعد السكوت. ولا جرمَ أن يكون ما يتخلل بين هذه الثلاثةِ رشيقًا بليغًا، متى سهلت على المتكلم الإجادةُ في هذه الثلاثة. وهذا هو المرادُ من التأنُّقِ الذي حَرَّضَ عليه أئمةُ البلاغة في هاته المواضع الثلاثة. ولنرجِعْ إلى الحالةِ السادسة من أحوال الألفاظ المركَّبة، وهي مناسبةُ الكلام للغرض بأن يُناسِبَهُ في الرِّقَّة والجَزَالة، وبأن تُنَاسِبَهُ كيفيةُ انتظامه: من سجع، وترسل، وإيجاز، وإطناب، وبساطة وضعه. وهذا أهمُّ شيءٍ في الإنشاء بعد ما تقدم وأصعبُه. ومن الأدباء مَنْ يُقَسِّم الإنشاءَ إلى عالٍ وَوَسَطٍ وسافل، فيظن مَنْ لا يتأمل أن هذا التقسيمَ يدخل في التعليم، وهو غلط؛ إذ التعليمُ لا يقصد إلا الغايةَ العليا من

стр. 1284

الفنِّ الذي يُعَلَّم. وإنما المرادُ التنبيهُ على مراتبِ الإنشاء في الخارج، والموازنة بينها، ليحصُلَ من ذلك تمرينٌ على اختيار أحسنه. نعم، يكتفي معلِّمُ المبتدئين منهم بالإنشاء السافل، لكن لا ليبقوا في تلك المرتبة، بل ليرتقُوا عنها رُوَيْدًا رويدًا، ويحتذوا في كلِّ صنفٍ آثارَ المجيدين فيه: من كتاب دولة، وأدباء، وموثقين، وصحافيين، وخطباء، ومؤرخين، ومؤلفين، وشعراء. فتوجد في كلِّ صنفٍ منها مراتبُ في البساطة والتأنُّق، بحسب أحوالِ المخاطَبين من خاصة وعامة، وأذكياء وأغبياء. ولا شكَّ أن لأحوال المتكلمين أيضًا علاقةً بحالة إنشائهم، فلذلك غلب على العرب الأندلسيين الرقةُ في الكلام، وعلى العربِ في صدر الإسلام الجزالة، وعلى أهل الحواضر والسبق في المدنية مُخترَعَ المعاني، وبعكسهم أهلُ البوادي. وقد قال بعضُ الأدباء لما قيل له: ما يمنعك أن تقول مثلَ قول ابن المعتز في تشبيه الهلال: فَانْظُرْ إِلَيْهِ كَزَوْرَقٍ مِنْ فِضَّةٍ ... قَدْ أَثْقَلَتْهُ حُمُولَةٌ مِنْ عَنْبَر (١) فقال: "كلٌّ يقول بما يرى في بيته". (٢) ولا بأسَ أن نُمَثِّلَ هنا لشيءٍ من أغراضِ الكلام وما يُناسبها من أحوال الألفاظ المركَّبة، وإن كان ذلك لا ينحصر، ولكن لتحصيل أنموذج منه للمتعلِّم.

стр. 1285

وعلى المدرس أن يأتي لكل صنف منها بمثال من المنشآت، ليحترز من الغلَطِ في وضع بعض هاته الفنون في غير ما يليق به من الأغراض. فإن مَنْ عكف على بعضِ هاته الفنون، وارتسم حَدُّه في ذهنه، لم يكد يعدوه إلى غيره، فربما وضعه في غيرِ ما يَحسُنُ وضعُه فيه، مع أن الواجبَ الأخذُ من كل فنٍّ والاطلاعُ على جميعها. وبيانُ ذلك أن الرِّقَّةَ والصَّنعة تُستحسنان في الأغراضِ الهزْليَّة، والتَّهاني، والمقامات، والمواعظِ الترغيبية، ومخاطباتِ الأصدقاء في المودة، ونحوها. والجزالةُ وما يقرب منها تُستحسن في المراثي، والترهيبات، والحروب، والمخاطبات من العظماء، والأدعية، والتآليف العلمية. والسجعُ يحسن وقعُه في المقامات، والتهاني، والوداديات، والغراميات، لقربه من الشعر، وديباجاتِ التآليف، ومقدماتِ التحلية في المخاطبات، والأمثال والحكم؛ لأن المرادَ تعلُّقُها بالحفظ، والسَّجْعُ يُعِينُ على ذلك مثل النظم. والترسُّلُ يحسُنُ في الأدعية، والخطب والمواعظ، والعِلمِيَّات، والتاريخ والتراجم، ومخاطبات العموم، والمراسلات الدولية، والصُّكوك، والشروط، ونحوها. ومتى وُضع فنٌّ مِنْ فُنون أحوالِ الألفاظ المركَّبة في غيرِ موضِعهِ المناسب جاء سَمِجًا، كما ترى مِنْ سماجَةِ خُطَبِ الخطباء المنْتَحَلة من خطب الشيخ ابن نُباتة ونحوه، مع أن المخاطَبَ بها العمومُ الذين لا يتفطَّنُون لما أكَدَّ الخطيبُ فيه ذهنَه. وكما ترى من ثقل "التاريخ اليميني" للكاتب أبي نصر العتبي، فإنه أودعه من السَّجْعِ ومحاسن الصنعة ما كان بعيدًا عن أن يُودَعَ في تاريخِ الحوادث. وكذلك كُتُبُ التراجم - مثل الرَّيْحَانة للخفَّاجي - التي ظَنَّ أصحابُها أنهم يتبعون فيها الفتحَ بن خاقان الأندلسي صاحب "قلائد العِقْيان" (١)، مع الغفلةِ عن الفَرْق بينهم وبينه، فإنَّ الْمُهِمَّ مِنْ غرَضِه هو ذكرُ مُلَحِ المترجَم لهم في البلاغة،

стр. 1286

والرِّقة، ووصف مجالس أنسهم، فكان له العذرُ فيما التزمه من السَّجع والصَّنْعة. على أنهم لو كانوا أجادُوا جودتَه، لكان في الأمر بعضُ السُّلو، ولكنهم أهملوا هذا وأهملوا الترجمة، فلا تأخذ منها إلا تحلياتٍ اللهُ أعلمُ بمطابقتها للواقع، وتكاد أن ترى المترجَمَ لهم متماثلين فيها. وإنَّك لَتَنْظُرُ إلى مُنْشآت ابنِ الخطيب ﵀، فتراها - على عُلُوِّ كَعْبِها - قد اشتملت على شيءٍ من السماجة الحاصلة من الإطناب والإسهاب في كلِّ غرض. وكذلك تجد مثلَ ذلك في التقاليد التي أنشأها الكاتب الحسين بن أبي نماء كاتب الخليفة الناصر العباسي في أواخر القرن السادس (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ)، فلا يكاد يصل المطالعُ إلى المقصودِ من التقليد إلا وقد أَسْأَمَهُ النظرُ وخسِئ منه البصر (١). السجع والترسل لما جرى الكلامُ على السَّجع والتَّرسُّل، وكان السَّجعُ من أشهر طرُقِ الإنشاء حتى ظنه كثيرٌ من الناس الإنشاء كله، وجب أن نُشير إلى حقيقته وشيءٍ من أقسامه، ومحامده ومعائبه، والمفاضلة بينه وبين التَّرسُّل. قال ابن الأثير في المثل السائر: "السَّجْعُ تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد". (٢) والأصلُ فيه "الاعتدال في مقاطع الكلام، ولكن لا يكمل السَّجْعُ إلا إذا كانت ألفاظُه غير غَثَّةٍ ولا باردة. والمعنيُّ بالغثة الباردة أن صاحبَها يصرف نظرَه إلى السجع من غير نظرٍ إلى المفردات وما يُشترطُ لها، وإلا لكان كلُّ أديب سجَّاعا. بل هناك مطلوبٌ آخر، وهو أن يكونَ اللفظُ فيه تابعًا للمعنى؛ فإنك إذا صورتَ في نفسك معنًى ثم أردتَ أن تصوغه بلفظٍ مسجوع ولم يواتك إلا بزيادةٍ في اللفظ أو نقصان منه، فإن فعلتَ

стр. 1287

ذلك فهو الذي يُذَمُّ من السجع لما فيه من التكلُّف. وأما إذا كان محمولًا على الطَّبْع غير متكلَّف، فإنه يجيء في غاية الحسن". (١) وأحسنُه ما تساوت فواصلُه أو تقاربت في طول لا يقطع النَّفَسَ، ولا يقصر عن أربعِ كلماتٍ أو يقاربها، كثلاثٍ طوال، ويُغتفر أن تكونَ الفاصلةُ الثانية أطولَ من الأولى. والقبيحُ ما طالت فاصلتُه الأولى، وقصُرت الثانية. والمتوسِّطُ ما تقاصرت فواصلُه جدًّا، وإن كان محتاجًا إلى قوَّةٍ في اللغة. وقد أكثر منه بديعُ الزمان الهمذاني (٢). وإذا لم يلتزم الكاتبُ السجع، وكان كلامه ترسلًا، حسن أن يأتي في أثنائه بهاته الكيفيات كلها بلا قيد. وأقسامُه وتفاريعُها كثيرة تكفَّلت ببيانها كتبُ البديع، وهو يدلُّ على مقدرة الكاتب إذا جاء في غاية الحسن غيرَ متكلَّف؛ لأنه يُؤْذِنُ بسَعَةِ صاحبه في استحضار ما يريد من المفردات اللغوية، وبجودة قريحته في تطبيق المعاني على الأسجاع. ولكنه لا يحسن إلا في مواقعه من الرسائل، والديباجات، والأشياء المقروءة، والأمثال والحكم التي يُراد تناقلُها وتعلُّقُها بالأذهان. ولذلك يحسن في بعض الجمل من الخطب، وهو ما كان موضعَ حكمةٍ أو موعظة. وليس قولُ الشيخ عبد القاهر في مقدمة أسرار البلاغة: "والخطب من شأنها أن يُعتمد فيها الأوزان والأسجاع، فإنها تُروَى وتُتَناقلُ تناقلَ الأشعار" (٣)، إلا ناظرًا لذلك كما يلوِّح إليه تعليلُه، وإلا فهو لا يجهلُ أن جُلَّ الخطب النبوية وخطب السلف والعرب كانت غيرَ مشتملة على الأسجاع إلا قليلًا.

стр. 1288

ولا يَحْسُنُ السَّجْعُ في البدائه والارتجالات؛ لأنه يصرف الذهنَ عن المحافظة على المعنى، بخلافِ الكاتب فإنه في سعة من أمره. ولهذا لا نجد السَّجْعَ كثيرًا في كلام العرب ومن يليهم ممن كانوا لا يُزَوِّرون الكلامَ من قبل. وما يُرى في "نهج البلاغة" من الخُطَبِ المنسوبةِ لسيدنا علي ﵁ من هذا النوع، فهو من موضوعاتِ أدباء الشيعة، كما هو مشهور. ولا يرتجلُ أحدٌ خطابًا مسجوعًا إلا وقد دلَّ على أنه محفوظٌ لديه من قبل. والسَّجْعُ يكسو الكلامَ الخلِيَّ عن المعاني الفائقة وعن المحاسن اللفظية جمالًا، ولذلك يأوي إليه ضعفاءُ الكتاب كما قال ابن خلدون (١). بخلاف الترسُّل، فلا

стр. 1289

يظهر رَوْنَقُه إلا إذا صح معناه، وجادت ألفاظُه. التمرن على الإجادة معالجةُ المتكلِّمِ أداءَ ما قرره وهذبه من المعاني بما يناسبها من اللفظ، وما يناسب غرضَ الكلام ومقامَه، هو غايةُ علم الإنشاء؛ لأن تلك المعالجةَ تصير دربةً وبيانا. ويحصل ذلك بمطالعة كلام البلغاء، وتتبع اختيارهم، وسَبْر أذواقهم في انتقاء الألفاظِ وابتكار المعاني، لتنطبع في الذهن صورٌ مناسبة، كما تقدم في أساليب الإنشاء. فيحصُلُ من ذلك ما لا يحصل من دراسة قواعد الفصاحة والبلاغة، وقد قالوا: "إن السمع أبو الملكات اللسانية". (١) ولهذه المعالجة طرائق: إحداها المطالعة، ثانيتُها الحفظ، ثالثتُها حلُّ الشعر وعقدُ النثر، بمعنى تصيير الشعر نثرًا والنثرِ نظمًا، مع المحافظة على أصل المعنى، سواء كان بتغييرٍ قليلٍ في اللفظ وفي المعنى أم بدونه. ومن أحسن حل الشعر قولُ صاحب "قلائد العقيان": "فإنه لما قبحت فعلاتُه، وحنظلت نخلاتُه، لم يزل سوءُ الظن يقتاده، ويُصَدِّق تَوَهُّمَه الذي يعتَادُه"، (٢) حلَّ به قول المتنبي:

стр. 1290

إِذَا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ (١) وقول الخوارزمي في بعض مكاتبيه: "إذا أحسَّ من لسانه بسطة، ووجد في خاطره فضلة، وأصاب من القول جريانًا، قال ما وجد بيانًا، " (٢) فحل بذلك قول الشاعر: وَقَدْ وَجَدْتَ مَجَالَ الْقَوْلِ ذَا سَعَةٍ ... فَإِنْ وَجَدْتَ لِسَانًا قَائِلًا فَقُلِ (٣) مع تغييرٍ في اللفظ والمعنى. وأما عقدُ النثر فكثير، ومنه قولُ أبي تمام: أَتَصْبِرُ لِلْبَلْوَى عَزَاءً وَحِسْبَةً ... فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سُلُوَّ الْبَهَائِمِ (٤) عَقَدَ قولَ علي ﵁ للأشعث بن قيس: "إن صَبَرْتَ صبرَ الأحرار، وإلَّا سَلَوْتَ سُلُوَّ البهائم". (٥)

стр. 1291

حكى القاضي الفاضل قال: "أرسلني أبي إلى يوسف بن أبي الخلال رئيس ديوان الإنشاء بمصر في الدولة الصلاحية لتعلم فن الكتابة، فرحب بي: ثم سألني: ما الذي أعددتَ من الآلات؟ فقلت القرآن وكتاب الحماسة، فقال: إن في هذا لبلاغًا. فلما ترددتُ إليه وتدَرَّبْتُ بين يديه، أمرني أن أحل شِعرَ الحماسة، فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحله مرة ثانية ففعلت، فقال لي: اشتغل بمثل هذا وأنت إذًا تحسن الإنشاء". (١) ومما يجب التنبهُ له أن المرجِعَ في كل صنفٍ إلى اختيارِ جيِّدِ إنشاء فحوله، ففي الكتابة يجبُ أن تُتبع أساليب مجيديها من كتابة ديوانية أو أدبية أو علمية أو صحافية، وفي الشعر كذلك، وفي الشروط والتوثيق كذلك، وفي الخطابة كذلك. وفي المحادثات يجب التمرُّنُ بمطالعة محادثات العرب، وقِصارِ الجُمَلِ والأجوبة البديعة؛ فإن معرفةَ المراسلة والخطابة لا تُغني عن معرفة كيفية المحادثة. ألا ترى أنه لو عمد إنسانٌ إلى أن يكتب كما يتكلَّم لجاءت كتابتُه مقطعة، وكذا لو تكلم كما يكتب لكان كمن يسرد شيئًا محفوظا. وهكذا تجد لكل فن لهجة تشبه أن تكون لغة خاصة. فمن الغلَطِ الكبير أن يلتزم المتمرِّنُ أسلوبًا واحدًا، أو طريقةً منفردة، لا يعدو ذلك إلى غيره. وقد تنبهتَ إلى أنموذج ذلك، وفي استقرائه كثرة، وليس الرِّيُّ عند التَّشَافِّ (٢). والله أعلم.

стр. 1292

[خاتمة] انتهى القسم اللفظي، وفي منتهاه بَلْغُ ما أردناه من أصول فن الإنشاء. وسنقَفِّيه إن شاء الله تعالى بخلاصةٍ تتعلق بفنِّ الخطابة وآداب الخطباء، لتكون له كالتكملة. وعسى إذا حَظِيَ ذلك بإعمالِ بصيرةٍ نَقَّادة، وأُورِيَ له زِنادُ (١) فكرةٍ وقَّادة، أن يكون كافيًا للمتعلم القاصد، سيَّما إذا نَفَحَها المدرِّسُ النِّحريرُ بما تجود به همتُهُ من الزوائد. انتهى، يتلوه الكلام على فن الخطابة.

стр. 1293

فنُّ الخطابة (١) ما هي الخطابة ؟ إن الخطابةَ وإن كانت فنًّا من فنون الإنشاء، وكانت القواعد المتقدمة والشروط المقررة مطردة فيها لا محالة، غير أن صاحبها لما كان أشدَّ اعتمادًا على البداهة والارتجال منه على الكتابة، تعين أن يُذكر لها من الضوابط والشروط ما لا يجري مثلُه في عموم صناعة الإنشاء، كما كان للشعر من الضوابط ما يختصُّ به عن الإنشاء، وإن كان هو في الأصل فنًّا من أفانينه. ولقد رأينا المتقدِّمين مِمَّن ألف في صناعة الإنشاء لم يُعرِّجوا على ذكر ما هو من خصائص الخطابة، حتى إنك لتجد شيئًا من قواعدها في خلال مطولاتِ كتب المنطق (٢)، ولا تجد ذلك في كتب الأدب. غير أن المناطقةَ خصُّوها بضرب من

стр. 1294

ضروب الحجة، وهو ما يتركب من قياسات مظنونة أو محمولة على الصدق (١). وأما المعنيُّ بها عند علماء الأدب، فهو شاملٌ لجميعِ أقسامِ الحجة؛ إذ الخطيبُ قد يأتي بجميعِها وإن كان الغالبُ عليه بيانَ القياسات المظنونة؛ إذ هو لا يتعرض للقطعِيَّات إلا عند الاحتجاج بها، ولا يتعرَّضُ للشعر والسفسطة إلا نادرًا، لئلا يُعرِّضَ نفسَه للتكذيب أو الاستخفاف. فيُمكِنُ أن نعَرِّفها بأنها "كلامٌ يُحَاوَلُ به إقناعُ أصنافِ السامعين بصحة غرضٍ يقصده المتكلِّمُ لفعله أو الانفعال به". فقولُنا "كلام" خرجت به الرسائلُ العامة، والمكاتيب، والتقاليد الموجَّهة للبلدان (٢). وشمل ذلك الكلامَ المنظوم والمنثور؛ إذ يجوز أن تشتمل الخطبةُ على نظمٍ أو يكون جلُّها نظمًا كما سيأتي.

стр. 1295

وقولُنا: "يحاول به إقناع أصناف السامعين" يخرج التدريس؛ فإنه كلام يحاول به إقناع صنف واحد من السامعين، وهم طلبة فن خاص في موضع خاص. ولا يُسمَّى ذلك في العرف خطابةً، ولا صاحبُه خطيبًا، وإن كان له عونٌ كبيرٌ على ملكة الخطابة وتعلقٌ شديدٌ بأصولها. ويخرج ما يخاطَبُ به شخصٌ واحد، كالمناظرات العلمية، ومرافعاتِ الخصوم والوكلاء لدى القضاة؛ فإنها لا تُسَمَّى خطابةً عرفًا، وإن كانت شديدةَ التعلق بقواعدها. وفي الحديث: "ولعل بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع". (١) وقولُنا: "بصحةِ غرضٍ يقصده المتكلِّم"، نريد منه التعميمَ ليشمل كلَّ غرضٍ تصدى له الخطيب لترويجه، سواء كان المرادُ حملَ الناس على فعله كالحث على طلب العلم والجهاد، أم اعتقادَهم صوابه كالخطبة في إرضاء الناس بأمر واقع - ويشمل ذلك الخُطبَ التي يردُّ بها الخطيبُ على الغير، أو يعتذر بها عن فعله أو فعل غيره - أم الكفَّ عن فعل كالمواعظ وتسكين الثورات، أم تحصيلَ علمهم به كالخطب التي تُقال على ألسنة الملوك والرؤساء للإعلام بقانونٍ أو فتحٍ أو نحو ذلك (٢). ويشمل

стр. 1296

ذلك التعليمَ الذي يتعرض له الخطيب، مثل الخطب الدينية التي يتعرض فيها لتعليم بعض الواجبات، فإنها لا تُتَلَقَّى بوصف قواعدَ علمية، ولكن بوصف تعليماتٍ عامة يستوي فيها الناسُ، أو بوصف التنبيهِ على تركها وإهمالها. وبهذا الاعتبار تصير غرضًا للمتكلِّم يحاول الإقناعَ بصحته (١). ويخرج به ما يُقرأ على المنابر من عقود البَياعات السُّلطانية ونحوها، كالتقاليد، فلا تسمى خطبًا، وإنما القصدُ من ذلك إشهارُها وإعلانها. وقولنا: "لفعله والانفعال به"، إشارةٌ إلى غاية الخطيب من الخطابة، وهي إما فعلُ المخاطبين شيئًا يريده، أو اعتقادهم شيئًا يعلِّمُهم إياه، وقد انطبق التعريفُ على المعرَّف. منافع الخطابة إن الخطابةَ ركنٌ عظيم من آداب الاجتماع البشري، فبها يحصل تهذيبُ الجمهور وحملُهم على ما فيه صلاحُهم، وتسكينُ جأشهم عند الرَّوْع، وبثُّ حماسهم عند اللقاء. وبها تحصلُ محاجةُ المموِّهين عليهم والمعنتِّين لهم؛ إذ الجمهور إنما يتألف من أفراد لا تبلغ عقولهُم بسرعةٍ إلى إدراك البراهين النظرية، ولا تهتدي من تلقاء نفسها إلى الغاياتِ الحقيقية، فناسَبَ أن يُعْدَلَ عند خطابهم إلى الأمور الإقناعية، وهي المشهوراتُ الموَصِّلةُ إلى ما يوصِّل إليه البرهانُ ولو خالفته في الطريق. وقد يخاطب الخطيبُ قومًا من الخاصة، إلا أن المقام يكون نابيًا عن سلوك طريقة البرهان، إما لقصر الوقت واحتياج البرهان إلى طول (٢)، وإما لأن في البرهان

стр. 1297

خفاءً (١) وتدقيقًا وتفاوتًا في قبول الناس له، أو مكابرة في الاعتقاد، فيُصارُ إلى الإقناعيات والتمثيلات والمسلمات، لتمكن معارضةُ الخصم الألدِّ، وإيقاظُ الغالط الغافل. ولذلك كان الخطيبُ في حاجة إلى معرفة محاسن الأشياء وأضدادها، ليتوسل بذلك إلى مناقضة ضالٍّ مرَوِّج، أو إرشاد جهل غير متيقن. وحسبُك من منفعةِ الخطابة أن الله تعالى شرع لنا الخطبةَ عند كلِّ اجتماعٍ مهم من جمعةٍ وعيدٍ وحج (٢)، وذلك أن النفوسَ تميلُها طباعُها إلى متابعةِ الشهوات، وتتجهم الاتباعَ لمقتضى الأخلاق الفاضلة، فإذا لم تتكرر عليها الدعوةُ إلى الفضائل بالخطب غلبت عليها أضدادُ الفضائل والعدالة. وليس كلُّ صنفٍ من أصناف الناس بصالحٍ لتلَقِّي ذلك وحده من مطاوي كتب التهذيب وأوراق الحكمة، ولا كلُّ صالحٍ لذلك بفاعل. فلا جرمَ وجب التذكيرُ عند المجتمعات العامة؛ لأنها تحشر أصنافَ الناس. ولقد كان الشعرُ أغلبَ على العرب، وكان الشاعر مقدَّمًا عندهم على الخطيب في الجاهلية - كما قال أبو عمرو بن العلاء - "لفرط حاجتهم (حينئذ) إلى الشعر الذي يقيِّد عليهم مآثرَهم، ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم. . . فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعرَ مكسبة، [ورحلوا إلى السوقة]، وتسرعوا إلى

стр. 1298

أعراضِ الناس صار الخطيبُ عندهم فوق الشاعر". (١) ومع ذلك لم يُحْفَظْ من خُطبِهم شيءُ كثير؛ لأن الشعر كان أسرعَ إلى الحفظ وأعلقَ بالذهن. ولما جاء الإسلام وتأسس الدين، ارتفع شأنُ الخطابة، وقُيِّدت آثارُها بشيوع الكتابة. أصول الخطابة اعلم أن أصولَ الخطابة من حيث أنها كلامٌ مُنشَأٌ لا تفارقُ الأحوالَ الثلاثة التي شرحناها في كيفية إنشاء المعنى من القسم الأول في الإنشاء، وهي المعنى الأصليُّ وتفصيلُه وإيضاحُه، المشار إليها بقول ابن المعتز: "إن البلاغة بثلاثة أمور: أن تغوص لحظة القلب في أعماق الفكر، وتجمع بين ما غاب وما حضر. ثم يعود القلبُ على ما أُعمِل فيه الفكر، فيُحكم سياقَ المعاني ويحسن تنضيدها. ثم يبديه بألفاظ رشيقة مع تزيين معارضها واستكمال محاسنها". (٢) وكلُّ ذلك محتاجٌ إلى طبعٍ سليم، فقد قال أبو داود بن حَريز [الإيادي]: "رأس الخطابة الطبع". (٣) ولكن الذي يختلف هو كيفيةُ التفصيلِ والتنسيق، وكيفيةُ الإيضاحِ والتعبير. فأما كيفيةُ التفصيل فسيأتي جُلُّها في معرفة أركان الخطبة. وأما كيفية التنسيق فهي في الخطابة أن يتمكَّن الخطيبُ من الموضوع الذي يتصدَّى للتكلُّمِ فيه، ويجمع أصولَه، ويستحضر غايتَه والغرضَ الذي يرمي إليه، ويتصور ذلك بوجهٍ مجمَل، ثم

стр. 1299

يأخُذُ في تفريعِه قبل التكلُّم، لكي لا يُرْتَجَ عليه عند الشروع. ثم إنه يُحسِنُ ربطَه، ويُناسِبُ في الانتقال، لكي لا يشذَّ عليه وقتَ الاشتغال بالتكلم بعضُ ما كان أعده؛ فإن لوقت التكلُّمِ ضيقًا غير ما يكون من السَّعَة في حالِ التفكير. فإذا أخذ بعضُ المعاني بأيدي بعض، وحسُنَ ربطُ بعضِه ببعض، كان أسهلَ استحضارًا وأقربَ تناولًا للسامع والناقل؛ لأن بعضَه يذكِّر ببعض - ومن هذا ما يعبر عنه بحسن التخلص. ثم يعقُبُ ذلك تقريرُ المعنى على حسب ما تقدم في نقد المعاني، ثم الاستدلال عليه، وذلك لا يعسر على الخطيب إن هو أحسن تنسيقَ أصول خطبته؛ لأنه يتمكن منها كمالَ التمكن. ثم إن الخطيبَ لا يستغني عن الاستكثار من استحضار معانٍ صالحة في أغراضٍ شتَّى يحتاج إليها في الاستدلال على فضلِ شيءٍ أو ضده، لتكون له عونًا عند الاندفاع في الخطابة، وتخفيفًا عن ذهنه من شدة التحضير، ولأنه إذا لم ينفتِحْ له بابُ القول في غرضٍ ارتجالي يأخذ من تلك المعاني ما يدفع عنه عيبَ الإرتاج والْحُبْسة (١). وقد رُوِيَ أن عثمان ﵁ لما قام عندما بُويع بالخلافة أُرتِج عليه فقال: "أما بعد فإن لكل قادم دهشة، وأنتم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، وإن أعِشْ فستأتيكم الخطب على وجهها". (٢)

стр. 1300

وكذلك رُوي أن دواد بن علي (١) قام للخطبة، فلما قال: "أما بعد"، أُرتج عليه فقال: "أما بعد فقد يجد المعسر، ويعسر المؤسر، ويُفَلُّ الحديد، [ويقطع الكليل]. وإنما الكلامُ بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام. وقد يعزب البيان، ويعتقم الصواب، وإنما اللسان مضغةٌ من الإنسان، يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانسباطه إذا ارتجل. ألا وإنا لا ننطق بطرًا، ولا نسكت حصرًا، بل نسكت معتبرين، وننطق مُرشِدين. ونحن بعد ذلك أمراء القول، فينا وشجت أعراقُه (٢)، وعلينا عطفت أغصانُه، ولنا تهدلت ثمرته (٣)، فنتخير منه ما احْلُولَى وعذب، ونطرح منه ما املولح وخبث. ومن بعد مقامنا هذا مقام، ومن بعد يومنا أيام، [يعرف فيها فضل البيان وفصل الخطاب] ". (٤) فبذلك كان في إرتاجِه أبلغَ منه في ارتجاله، ولولا أن هذه المعاني كانت حاضرةً في ذهنه حتى صار بها خطيبًا في بيان أحوال الخطيب، لسكت وحُبس لسانه.
следующие страницы →