صاحب المقامات لمَّا أُحضر من العراق لديوان الإنشاء ببغداد، وكُلِّف كتابةَ كتاب أُفحم، حتى قيل فيه:
شَيْخٌ لَنَا مِنْ رَبِيعَةِ الْفَرَسِ ... يَنْتفُ عُثْنُونَهُ مِنَ الْهَوَسِ
أَنْطَقَهُ اللهُ بِالْعِرَاقِ كَمَا ... أَلْجَمَهُ فِي بَغْدَاد بِالْخَرَسِ (١)
стр. 1227
وقولُنا: "على وجه تتمكن به من نفوس المخاطبين بها"، خرج به علمُ اللغة والنحو والصرف؛ إذ لا يُشترط فيها ذلك. وقولنا: "من حيث حسن ربط أجزاء الكلام" إلخ، لإخراج علم البلاغة؛ لأنه لا تُشترط فيه تلك الحيثية. وبذلك فارق هذا الفنُّ بقيةَ فنون الأدب اللساني.
وقولنا: "ما يُستجاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب"، إشارةٌ إلى أن من أخصِّ وظائف المنشِئين التدربَ على اختيار أخفِّ الألفاظ استعمالًا و [أحسنِها] (١) رونقًا، وتحسينِ أسلوب الخطاب، واختيار ما يُناسِبُ المقامَ منها. وسيأتي الكلامُ على اختيار الألفاظ في القسم اللفظي، والكلامُ على الأساليب بعد هذا.
وقولنا: "مع بلاغته"، لإخراج ما ليس ببليغ، فليس من الإنشاء المبحوث عنه عرفًا، وإنما هو التعبيرُ عن المعاني كيفما اتفق. وذلك لا يتوقَّفُ إلا على معرفة المفردات، وكيفية ربط الكلم بعضها ببعض، والبحثُ عنه في أوليات علمي النحو والصرف.
وموضوعُه (٢) الكلامُ العربي من حيث ربطُ جملِه، ومحاسن كلمه. وبذلك فارق موضوعَ البلاغة؛ إذِ الإنشاء لا يتعلق إلا بالكلام المشتمل على جُمَلٍ كثيرة، ولا يدخل الجملةَ الواحدة المفيدة. إلا أن بعضَ أبوابٍ من البلاغة لا تخلو من شديد انتسابٍ بمسائل (٣) الإنشاء، كالفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، وبعض المحسنات البديعية.
واستمدادُه من كلام البلغاء وخطبهم، ورسائلهم، وأشعارهم، وآداب العرب وعوائدهم، ومشهورِ أحوال الأمم المعروفة وأمثالها. قال ابن الأثير في المثل
стр. 1228
السائر: "وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم" (١)، وأهم ما يفتقر إليه أنواع ثمانية: علم العربية، وأمثال العرب العاربة ومن بعدهم، وأيا مهم ووقائعهم، والاطلاع على كلام المتقدمين من الكتاب في النظم والنثر وحفظ كثير منها، ومعرفة الأحكام السلطانية، وحفظ القرآن والتدرب به، و [حفظ] مشهور الأخبار النبوية (٢).
ولم يكن فنُّ الإنشاء مخصوصًا بالتأليف، ولكنه كان من جملة فنون آداب اللغة العربية، فيوجد بعضُ مسائله متناثرًا في كتب البلاغة ومختارات خطب العرب وملحهم وبدائه أجوبتهم وأمثالهم، فتكون مسائلُه مشمولةً بالرواية من أواخر عصر الدولة الأموية؛ إذ كان ابنُ القرية (٣) قد عُني بنوادر العرب ومُلَحهم. ثم
стр. 1229
شُمِلت بالتدوين في أوائل الدولة العباسية ضمن كتب أدب العرب، مثل كتب أبي عبيدة وأضرابه. ثم كان بعدُ مُدرَجًا في كتب بلاغة العربية، إلى أن شب شبابُ ديوان الإنشاء في الدولة العباسية وما تفرع عنها، فأصبح بلغاءُ الكتاب يميزون مسائلَ هذا الفن بالتدوين، وذلك من منتصف القرن الثالث، فمنهم مَنْ جمع ما صدر عنه من بديع المراسلات أو الخطب أو المقامات، ومنهم مَنْ جمع أفضلَ ما يُؤثر عن العرب ومَنْ يليهم من غرر الخطب وبدائع الجمل، كما صنع الجاحظ في بيانه (توفِّيَ سنة ٢٥٥ هـ)، ومنهم مَنْ جمع أمثال العرب وموجز أقوالهم، كما فعل أبو منصور الثعالبي في جل كتبه (توفِّيَ سنة ٤٣٠ هـ).
ثم جاء الذين حاموا حول ضبطِ الأصول وتدوين القواعد، فمزجوا الفنَّ بمسائل علوم البلاغة والمحسنات، وأكثروا فيما عدا ذلك من الوصاية بتتبع منشآت البلغاء من الكتاب، وأتوا بجملة منها، ووازنوا بينها، لتحصل للمتعلم ملكةٌ يقتدر بها على تمييز الحسن من غيره، والنسج على منوال ما يراه حسنا. وفي هذه الطريقة ظهرت أفضلُ كتب الفن وأقربُها إلى الطريقة التعليمية، كما فعل ابنُ الأثير، وسبقه لذلك أبو هلال العسكري في "كتاب الصناعتين" (توفِّيَ سنة ٣٩٥ هـ). وعلى وقع خطاهم اقتفى السالكون المطولون كتبَهم والمقصرون.
стр. 1230
وملكةُ الإنشاء تُكتَسبُ من جهة المعنى ومن جهة ما يعبر عن المعنى، وهو اللفظ والكتابة (١). فالأولُ ينحصر في معرفة إيجاد المعنى في الفكر، وترتيبه، والاستنتاج منه. والثاني يبحث عن حال اللفظ، ومناسبته للمعنى مفردًا أو مركبًا، وذلك أصولُ أساليب الكتابة.
هذا وللإنشاء فضيلةٌ واضحة؛ فإنه لم يخل عصرٌ من رجال تمكَّنوا من سَوْقِ غيرهم بعِصِيَّ آرائهم، ففي الحديث: "إن من البيان لسحرا". (٢) وقد اختار الله تعالى المعجزةَ لأصحاب اللسان العربي بلاغةَ القرآن. وقديمًا ما عالج ديموستين (٣) - الخطيبُ اليوناني - من العناء ليتدرَّب على الخطابة التي تمكَّن بها بعدُ من قهر فيليبوس ملك مقدونيا ووالد الإسكندر. وسمع أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ زياد بن أبي سفيان - وكان يومئذ لا يُدعى لأبيه - يخطب في زمن عمر ﵁ فقال: "لو كان هذا الفتى قرشيًّا لساق العربَ بعصاه". (٤) ولولا مكانةُ عبد الله ابن المقفع الشهير في الكتابة لمَا سلم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس أخو السفاح من غدر
стр. 1231
ابن أخيه أبي جعفر المنصور، فإن ابنَ المقفع كتب له على المنصور عهدًا لم يترك للمنصور فيه مدخلًا للخيانة إلا سده عليه (١).
كيفية الإنشاء للمعنى
الإنشاءُ كاسمه إحداثُ معانٍ منسَّقةٍ ومُفْرَغَة في غرضٍ مطلوب، فإذا أُحْسِنَ وصلُها وجمعُها جاء الإنشاءُ كاملا. وأساسُ ذلك ثلاثةُ أمور: المعنى الأساسي، وتفصيله، وإيضاحه.
أما المعنى الأساسيُّ فهو الموضوعُ الذي يجول فيه الفِكْرُ، ويجيش به الخاطر، وهو غرضٌ إجمالي يجب إحضارُه على إجماله، ثم يشرع في بيانه وإقناع السامعين به. فهو نظيرُ المطلوب في اصطلاح المناطقة، أعني ما يُقام عليه البرهان. وهو في اصطلاح الكتاب ما تترجَم به الرسالة، أو تُعَنْوَنُ به المقالة، مثل قولنا: العلمُ أساس العمران، والاتحاد سبب القوة. ولا نريد من إجماله كونَه بسيطًا، وإنما نريد أنه غيرُ ملحوظٍ فيه التفريعُ ابتداء.
وأما تفصيلُ المعنى، فهو التبصُّرُ في تقاسيمه وفروعه، وتفكيكُه بإطالة النظر فيه، للتنبه إلى ما ينحلُّ إليه من الحقائق، والأدلة، والمرغِّبات أو المنفِّرات.
стр. 1232
وأما الإيضاحُ فهو شرح تلك المعاني، وذكر أدلتها وفروعها، ليمكن حينئذ التعبيرُ عنها بوجهٍ سهل التصور للسامعين. فإذا حصل ذلك، لم يبق إلا كسوُ تلك المعاني بالألفاظ، فتسهلُ الإفاضةُ في إنشاء الموضوع المراد على حد ما قيل: "فإن وجدتَ لسانًا قائلًا فقلِ" (١).
نُقِل عن عبد الله ابن المعتز أنه قال: "إن البلاغة بثلاثة أمور: أن تغوص لحظة القلب في أعماق الفكر، وتجمع بين ما غاب وما حضر. ثم يعود القلب على ما أُعمِل فيه الفكر، فيُحكم سياقَ المعاني ويحسن تنضيدها. ثم يبديه بألفاظ رشيقة مع تزيين معارضها واستكمال محاسنها". (٢)
واعلمْ أنه قلما يستطيع الكاتبُ أو الخطيب أن يتناولَ الموضوعَ من أوله إلى نهايته دفعةً واحدة، فإن هو كلَّف عقلَه ذلك أرهقه ضَجَرًا، ولا سيما عند تشعُّب
стр. 1233
الموضوع، وكثرة المعاني فيه، فيكاد ييأس من المقدرة عليه؛ إذ تلوح له معانٍ كثيرة فيروعه انتشارُها، ولا يدري كيف يبتدئها. ولكنه إنِ اتبع هاته الطريقةَ المشروحة، ورتَّب المعاني الأساسية، وآخى بين المعاني الفرعية التي هي من نوعٍ واحد وأحسن ترتيبَها، فذلك وقتُ رفع القلم من الدواة للكتابة أو وقت الانتصاب للخطابة؛ لأن ثمار الفكر قد أينعتْ وآن قطافُها.
مثال للتمرين:
كتب ابنُ الأثير في الزهد في الدنيا ما يأتي: "الناسُ في الدنيا أبناءُ الساعة الراهنة، وكما أن النفوسَ ليست فيها بقاطنة فكذلك الأحوالُ ليست بقاطنة (١)، [ولهذا كانت المآتِمُ بها كالأعراس، يتفرق نديُّ جمعها، فهذه تُنْسِي ما مضى من لذة سرورها، وهذه تُنْسِي ما مضى من ألَم فَجعها]. ولا شبيهَ لها على ذلك إلا الأحلامُ يتلاشى خيالُها عاجلًا، وتجعل اليقظةُ حقَّها باطلًا، وما ينبغي حينئذ أن يُفرح بها مقبلةً، ولا يُؤسَى عليها مدبرة، وكلُّ ما تراه العينُ منها ثم يذهب فكأنها لم تره. وغايةُ مطلوبِ الإنسان منها أن يُمَدَّ له في مُدة عُمُره، وَيُمْلى له في امتداد كُثْره. أما تعميرُه فيعترضه المشيبُ الذي هو عدمٌ في وُجود، وهو أخُو الموتِ في كلِّ شيءٍ إلا في سكنى اللحود، [فالجوارح التي يُدرك بها الشهوات تُرَى وكلٌّ منها قد تحوَّل، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من مُعَوَّل، فلَا لَيْلى بِلَيْلَى ولا النَّوَّار بالنَّوَّار، ولا الأسماعُ أسماع ولا الأبصارُ أبصار]. وأما مالُهُ فإن أمسكهُ فهو عرضة لوارثٍ يأكلُه، أو لحادثٍ يستأْصِله، وإن أنفقَهُ كان عليه في الحلال حسابًا وفي الحرام عقابَا. فهذه زهرةُ الدنيا الناضرة، وهذه عقباها الخاسرة". (٢)
стр. 1234
فقوله: "وما ينبغي حينئذ أن يُفرَح بها مقبلة، ولا يُؤسَى عليها مدبرة"، هو المعنى الأساسي. وقوله في الدنيا: "ولا شبيهَ لها إلا الأحلام. . ." إلخ الفقرات، وقوله: "وهو أخو الموت في كل شيء. . ." إلخ الفقرة، من قبيل إيضاح المعنى. وقوله: "الناس في الدنيا"، وقوله: "وكل ما تراه العين" مع بقية الكلام، ذلك كلُّه من قبيل تفصيل المعنى. وقد خلط ترتيبَها خلطًا تظهر به مقدرةُ المتعلم عند تمييز بعضها من بعض بحسب المراتب الثلاث المذكورة.
أساليب الإنشاء:
للإنشاء أساليبُ متنوعةٌ باختلاف الأغراض، والمعنِيُّ باختلاف أساليب الإنشاء اختلافُ مستعمَل الألفاظ، واختلافُ كيفيةِ ربطِ الجُمَل تبعًا لاختلاف الأغراض. وذلك أمرٌ وراء اختلافِ المعاني واختلاف مقتضيات الأحوال، المدوَّنُ لأولها علمُ اللغة والنحو والصرف، ولثانيها علم البلاغة، وهو الأمرُ الذي إذا حصل جاء الكلامُ عربيًّا، وبضياعه تضيع اللهجةُ العربية مع بقاء المفردات اللغوية، وبقاء قواعد فن البلاغة (١). ولهذا لا تجد مشابهةً بين كلام المتكلِّفين من الأدباء
стр. 1235
وكلام العرب ومَنْ يليهم من البلغاء من أهل اللسان. وأحسنُ قولٍ يُفْصِح عن هذا قولُ الشيخ عبد القاهر ﵀ في دلائل الإعجاز: "إن النظمَ هو توخِّي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض". (١) وطريقُ علم ذلك هو عرضُ الأساليب المختلفة من كلام البلغاء على المتعلِّمين ليحصلَ لهم من اختلاف أمثلتها صورٌ متنوِّعة يلوح لأذهانهم منها وقتَ محاولة الإنشاء أنموذجٌ فيما يصلح له من الأغراض، وهو الذي سميناه فيما مضى بـ "القوالب غير الجزئية".
ألا ترى أن النبيَّ ﷺ لما راجعه بعضُ المسلمين في دية الجنين بقوله: "كيف نُودِي مَنْ لا شرِبَ ولا أكل، ولا نطَقَ ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطل"، قال له على وجهِ التوبيح: "أسَجْعًا كسجع الكُهَّان" (٢)، فعاب منه الأسلوبَ وإن كان كلامُه عربيًّا
стр. 1236
بليغا. وقد جادل عتبةُ بن ربيعة (١) قريشًا حين أجمعوا على أن يعتذروا لوفود العرب عام ظهور دعوة النبي ﷺ إلى الله بالقرآن بأن يقولوا: هو شعر أو كهانة أو سحر، فقال لهم: "والله ما هو بزَمْزَمَةِ الكاهن، ولقد عرفت الشعرَ ورجزَه وقصيدَه فما هو بشيءٍ من ذلك، وما هو بكلام بشر" (٢)، ففرق بين آيات القرآن وغيره باختلاف الأسلوب.
ومن الغلط أن يقتصرَ متعلِّمُ الإنشاء على أسلوبِ واحدٍ يعكف عليه، مثل أن يقتصر على أسلوب "مقامات الحريري" أو "رسائل ابنَ الخطيب" (٣) أو غيرها، فلا يرتسم في ذهنه إلا ذلك، حتى إذا أراد أن ينشئ لم يستطع أن يعدوَ ذلك الأسلوب مع أنه لا يحسن في جميع مواقع الإنشاء. كما أنه لا يحسُن أن يقتصر على نوعٍ من أنواع الإنشاء الأدبي كالرسائل فقط، فإن للإنشاء أنواعًا كثيرة.
فمن أنواعه المراسلةُ، والخطابةُ، والمحادثةُ، والتصنيفُ، والمقاماتُ، والوصف. وكلُّها فنونٌ كثيرة، ويجيء الإنشاءُ فيها نظمًا ونثرًا، ولكلٍّ منها لهجةٌ وأسلوبٌ يخالف ما لغيره. فلا بدَّ من ممارسةِ طُرُق البُلغاء في هاته الأنواع وفنونها، ليحصلَ للممارس ذوقٌ وملكةٌ يستطيع بهما أن يعرف ما يجب في كلَّ مقامٍ من هاته المقامات بحسب العصور والعوائد (٤). فليس ما يحسن للشاعر أو الخطيب يحسن للمؤرِّخ، فلو أن
стр. 1237
أبا نصر العتبي وهب محاسنَ إنشائه لغير كتاب "التاريخ اليميني" لمَا قصرت شهرتُه عن شهرة الحريري (١)، ولكنه غلط في الوضع.
قال بشرُ بن المعتمر (٢): "ينبغي للمتكلم أن يعرفَ أقدارَ المعاني، ويوازنَ بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعلَ لكلِّ طبقةٍ من ذلك كلامًا، ولكلِّ حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدارَ الكلام على أقدار المعاني، وأقدارَ المعاني على أقدار المقامات، وأقدارَ المستمعين على أقدار تلك الحالات. فإن كان خطيبًا (٣) تجنب ألفاظَ المتكلمين (علماء الكلام)، [كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام] واصفًا أو مجيبًا أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين". (٤)
стр. 1238
القسم الأول: [الإنشاء] المعنوي (١)
إنما يُنْشِئُ المنشِئُ معانيَ يُعبِّر عنها بألفاظ، فمادةُ الإنشاء هو المعنى، واللفظ ظرفٌ له. فإذا حاول الكاتبُ حتى ابتكر شريفَ المعاني، أطاعته الألفاظُ، وجاء إثشاؤه متينًا واضحًا. ولأمرٍ مَّا تفاوت البلغاءُ والشعراء من العرب في الإجادة، مع أنهم ينطِقون بلغة واحدة لا يتفاوتون في العلم بها وبخصائصها، وإنما تفاوتُهم في ابتكار المعاني والنباهة في التعبير عنها. وكذلك الأمرُ فيمن بعدهم من المولَّدين، فقد تجد الإمامَ في اللغة لا يستطيع إنشاءَ رسالة ينشئها مَنْ هو دونه علمًا، كما قيل "إن ابنَ دريد شاعر العلماء"، مع أن كثيرًا مِمَّنْ هو دونه أجودُ منه شعرًا بكثير (٢).
قال الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز: " [فقد اتضح إذن اتضاحًا لا يدع للشك مجالًا] أن الألفاظَ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظٌ مجردة، ولا من حيث هي
стр. 1239
كَلِمٌ مفردة، وأن الفضيلةَ وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها وما أشبه ذلك". (١) فيدخل في قوله "وما أشبه ذلك" ما ذكرناه هنا، وقد بسط هذا وكرره في مواضع من "دلائل الإعجاز". وقال التفتازاني في شرح قول المفتاح: "وأصلُ الحسن في جميع ذلك أن لا تكون المعاني توابعَ الألفاظ" (٢)، ما نصُّه: "إن المعاني إذا تُركت على سجيتها طَلبَتْ لأنفسها ألفاظًا تليق بها، فيحسُن اللفظُ والمعنى جميعًا. وإذا أُتِي بالألفاظ متكلَّفةً وجُعلت المعاني تابعة لها، فات الحسنُ لفواتِ ما هو المقصد الأصلي والغرض الأولي، بل ربما صارت جهةُ حُسْنِ الكلام جهةَ قبحٍ لكون الكلام كظاهر مُمَوَّه على باطنٍ مُشَوَّه". (٣)
فيجب على المتعلِّمِ الاهتمامُ أولَ الأمر بإيجاد المعاني، والبحثُ عن الحَسَن منها، ومحاولةُ التعبير عن الحوادث والصفات ومظاهر المخلوقات، فإن ذلك أسهلُ تناولا. ثم يرتقي إلى التعبير عن الوجدانيات النفسية، ثم إلى التعبير عن الحقائق الحِكْمِية ونحوها. ولا ينبغي للمتعلِّم أن يجعل جلَّ عنايته باقتباس آثار الكاتبين ونقل معانيهم؛ لأن اعتمادَ ذلك يُصَيِّره غيرَ قادرٍ على مجاوزة معاني السالفين. نعم، يجوز له ذلك في ابتداء التعلم إذا لم يستطع في وقت من الأوقات إحضارَ معنى أن يأخذ رسالة أو شعرًا، فيحوي معانيه دون ألفاظه، ثم يُكَلِّف نفسَه التعبيرَ عنه.
стр. 1240
ولا بد أن يكون ذلك مرادَ ابن الأثير في كتابه "الجامع الكبير" إذ قال: "يجب على المبتدئ في هذا الفنِّ [والمترشِّح له إذا آتاه الله طبعًا مُجيبًا، وقريحة مواتية، وكان مستكملًا لمعرفة ما يجب على المؤلِّف معرفتُه مما أشرنا إليه في صدر هذا الكتاب]، أن يأخذ رسالةً من الرسائل، أو قصيدةً من الشعر، يقف على معانيها، ويتدبر أوائلَها وأواخرها، ويقرر ذلك في قلبه، ثم يكلف نفسَه عملَ مثلِها مما هو في معناها، ويأخذ تلك الألفاظَ [التي فيها] ويقيم عوض كل لفظة منها لفظةً من عنده تسد مسدَّها (١)، [وتؤدي المعنى المندرج تحتها] ". (٢)
والنظرُ في تعيين هاته المواضيع لمدرِّس فن الإنشاء.
تعريف المعنى وتقسيمه
عرَّف السد الجرجاني المعنى "بأنه الصورةُ الذهنية من حيثُ تُقصَد من اللفظ فهمًا أو إفهامًا" (٣)، وفوائد القيود ظاهرة. ثم أن المعنى ينقسم إلى بسيط ومكيَّف (٤): فالبسيط هو الخالي عن التحسين ويسمى الخاطر، سواء كان مشهورًا نحو العلم النافع، أم كان عزيزًا نحو "الصمت حكمة"، و"الجِدَةُ عونٌ على المروءة" (٥). والمُكيَّف هو الذي زِيدَ فيه تنميقٌ من خصوصياتِ الكلام لإفادةِ محاسنَ للمعنى
стр. 1241
وتقرير له، كالاستعارة في مثل: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين" (١)، و"الإحسانُ سلاح النصر". وكذلك التقديم لإفادة الحصر ونحو ذلك، وقد يسمى بالشعور ما كان دقيقًا خفيًّا كالمعاني الشعرية.
صفات المعنى
للمعنى ثلاثُ صفاتٍ لِحُسْنِه يجب توخِّيها، وهي الوضوحُ والسَّدادُ والشَّرف.
أما الوضوحُ فهو سهولةُ مأخذه من قول صاحبه، بأن يخلُوَ عن اللَّبس، وعن التعقيد المعنوي، وعن الكنايات الخفية - وقد تكفل ببيانها علم البلاغة - إلا إذا كان في مقامٍ يُراد فيه الإخفاءُ أو التشكيك، فيجوز من اللبس والكناية ما هو خفيف. والأحسن أن يكون المعنى المطلوبُ أظهرَ من الآخر. فمن هذا قولُ المتنبي في كافور:
وَمَا طَرَبِي لمَّا رَأَيْتُكَ بِدْعَةً ... لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرَاكَ فَأَطْرَبُ (٢)
قال أبو الفتح ابن جني: "قرأت على أبي الطيب ديوانه إلى أن وصلت إلى هذا البيت فقلت له: يا أبا الطيب ما زدتَ على أن جعلته أبا زَنَّة، فضحك لقولي". (٣)
стр. 1242
وكذلك في مقام المزح أو الاستخفاف، مثل ما ذُكِر عن إياس القاضي مع الذي قال له: أين القاضي؟ فقال: بينك وبين الحائط، إلى أن قال له: اقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: على من؟ قال: على ابن أخت خالتك (١). وقال النبي ﷺ للذي تأول الخيطَ الأبيض والأسود على حقيقتهما: "إنك لعريض القفا". (٢)
ومن هذا القبيل الإلغازُ لاختبار تنبه السامع، أو للإخفاء عن الغير (٣)، كما حُكيَ أن أعرابيًّا أوصى إلى قومه ينذرهم عدوَّهم وكان أسيرًا بيد العدو: "إن
стр. 1243
العوسج قد أورق، واشتكت النساء، واتركوا ناقتي الحمراءَ فلطالمَا ركبتموها، واركبوا جملي الأسود، واسألوا الحارثَ عن خبري". (١) قال ابن الأثير في المثل: "إن الكاتب أو الشاعر ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها ما يناسبها من المعاني". (٢)
وأما السَّدادُ، فهو الموافقةُ للواقع، والمطابقةُ لمقتضى الحال من غير زيادة، كقول لُبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطلُ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ (٣)
стр. 1244
وقول الآخر:
إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ... لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيق (١)
وقد يخرج عن ذلك المبالغةُ إن اقتضاها الحال، فيُقبل منها ما اقتُصِد فيه، كما تقرر في البيان (٢).
وأما الشَّرفُ فهو أن لا يكون المعنى سخيفًا، ولا مشتملًا على فضول، سواء كان سابقًا للذهن أم مبتكرًا، وكلاهما يُجتنب إذا كان سخيفًا مبتذَلا. ومن المبتكَر السخيف قولُ المعري:
فَيَا وَطَني! إنْ فَاتَنِي بِكَ سَابِقٌ ... مِنَ الدَّهْرِ فَلْيَنْعَمْ لِسَاكِنِكَ الْبَالُ
فَإنْ أَسْتَطِعْ فِي الْحَشْرِ آتِكَ زَائِرًا ... وَهَيْهَاتَ لِي يَوْمَ الْقيَامَةِ أَشْغَالُ (٣)
وقوله في مرثية لوالد الشريف الرضي:
إنْ زَارَهُ المَوْتَى كَسَاهُمْ فِي الْبِلَى ... أَكْفَانَ أَبْلَجَ مُكْرِمِ الأَضْيَافِ
واللهُ إنْ يَخْلَعْ عَلَيْهِمْ حُلَّةً ... يَبْعَثْ إلَيْهِ بِمِثْلِهَا أَضْعَافِ (٤)
ومن غير المبتَكَر - وهو سخيف - ما خطب به والٍ من ولاة اليمامة يعظ الناس فقال: "إن الله لا يُقَارُّ عباده على المعاصي، وقد أهلك الله أمةً عظيمةً في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم"، وفي رواية: "قيمتها مائتا درهم"، فلقبوه مقوم
стр. 1245
الناقة (١). وقد رأيتُ نسبةَ هذه الخطبة لعبيد الله بن الزبير حين كان والي المدينة، وأن ذلك لما بلغ أخاه عبد الله عزله وأولَى عوضه مصعبا (٢).
وقد يعرض للمعنى الشريف سخافةٌ إذا وقع في غير موقعه، كما قال أبو فراس:
وَلَكِنَّنِي - والحْمْدُ لله - حَازِمٌ ... أَعِزُّ إِذَا ذَلَّتْ لَهُنَّ رِقَابُ (٣)
فإن ذكرَ حمد الله على حقيقته في مقام غرام وفخر لا يخلو من سماجة، فأين هو من قول الآخر؟
وَقَدْ زَعَمُوا لِي أَنَهَا نَذَرَتْ دَمِي ... وَمَا لِي بِحَمْدِ الله لَحْمٌ وَلَا دَمُ (٤)
حيث ورد في مقامِ الشِّكاية، وحسُن بكونه مستعمَلًا مجازًا على طريقة التمليح (٥).
طرق أخذ المعنى
هي ثلاثة: الابتكارُ، والبداهةُ، والشهرة. أما الابتكارُ فهو استنباطُ المعنى بفكر ونظر. وهذا الاستنباط إما أن يَعرِضَ للمعنى من أصله، نحو تشبيه ابن نباتة
стр. 1246
اجتماعَ الفرح والأسف وجريان دمع مع ابتسام بوابلِ غيثٍ في وقت الضحى (١)، وإما أن يكونَ بالأخذِ من الغير مع حسن التصرف، نحو قوله:
النَّاسُ لِلْمَوْتِ كَالْخَيْلِ الطَّرَادْ ... فَالسَّابِقُ السَّابِقُ مِنْهَا الْجَوَادْ (٢)
أخذًا من حديث: "إنَّما يعجل الله بخياركم" (٣)، أو بتركيب شيئين معروفين بالجمع بينهما، مثل قول مَنْ قال:
لَا أَرْكَبُ الْبَحْرَ خَوْفًا ... عَلَيَّ مِنْهُ المَعَاطِبْ
стр. 1247
طِينٌ أَنَا وَهوَ مَاءٌ ... وَالطِّينُ فِي المَاءِ ذَائِبْ (١)
فقد أخذه من كونِ الإنسان طينًا والبحرِ ماءً، وذلك واضحٌ مشهور، ولكنه تنبه إلى الجمع بينهما، وذكر أثرَ اجتماعهما، فأحسن الاعتذار. ويسمى المعنى الحاصلُ بالابتكار عزيزًا وغريبا.
وأما البَداهةُ فهي أخذُ المعنى الواضح للعقل من وجدان ومشاهدة، ولا فضلَ فيه إلا لحسن التعبير ونباهة المعنى في إحاطته بملاحظة ما تجب ملاحظته. وقد يبلغ المعنى من دقة الوجدان ما يُلحقه بالمعاني المبتكَرة. وكلُّ هذا يظهر في الشعر الغرامي والتوصيفي وحكايات الأحوال، ومثالُه قولُ مَنِ اعتذر عن فراره من الزحف:
ألَا لَا تَلُمْنِي إِنْ فَرَرْتُ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ عَلَى فَخَّارَتِي أَنْ تَحَطَّمَا
فَلَوْ أَنَّنِي فِي السُّوقِ أَبْتاعُ مِثْلَهَا ... وَحَقِّكَ مَا بَالَيْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَا (٢)
стр. 1248
وقول الصاحبُ ابن عباد من رسالة في وصف منهزمين: "طاروا واقين بظهورِهم صدورَهم، وبأصلابِهِم نحورَهم" (١)، فإنه لم يزد على حسن التعبير عن الحالة المشاهدة، وقول أبي نواس في وصف كؤوس ذهب بها تصاوير:
تُدَارُ عَلَيْنَا الرَّاحُ فِي عَسْجَدِيَّةٍ ... حَبَتْهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَاوِيرِ فَارِسُ
قَرَارَتها كِسْرَى وِفِي جَنبَاتِهَا ... مَهًا تُدَرِّبُهَا بِالْقِسِيِّ الْفَوَارِسُ (٢)
ويُسمى المعنى الحاصل بذلك بسيطًا؛ إذ الفضلُ - كما قلنا - للتعبير.
وأما الشُّهرةُ فهي عبارةٌ عن شيوعِ المعنى، حتى لا يكاد يتكلَّف المتكلِّمُ في استحضاره شيئًا من عمل الفكر، ويُسمى بالمعنى بالمبتذل. ويدعو البليغَ إليه إما تعيُّنُه، وإما كونُ المقام مقامَه، كخطاب العوام والصغار. وينبغي أن تُجَنَّبَ عنه مقاماتُ الإبداع والصَّنعة. ولذلك نعيب على ابن الخطيب ﵀ قولَه في وصيته البديعة: "والطهارة التي هي في تحصيلها سببٌ موَصِّل، وشرطٌ لمشروطها مُحصِّل، فاستوفوها، والأعضاءَ نظِّفوها، ومياهها بغير أوصافها الحميدة فلا تصفوها، والْحُجولَ والغُرر فأطيلوها. . ." إلخ" (٣)؛ فإنه ما كان مترقَّبًا من مثل ذلك
стр. 1249
الوزير العالم أن يُضَمِّنَ وصيةَ أبنائه الغير الأنجاب ما يتعلمه الصبيانُ في أيام الكتَّاب، خصوصًا في أضيق أوقات الكلام وأحوجه إلى الملء بالمهام (١).
ومن العجائب أن ابنَ الأثير ذكر في "المثل السائر" فصلًا لنفسه من رسالة قال فيها: "أقبلت ربائب الكِنَاس في مُخْضَرِّ اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرةَ من الألوان ليصِحَّ تشبيهُهن بالأغصان" (٢)، فعد هذا معنًى مبتدَعًا وأُعجب به، مع أنه معنى مبتذَلٌ شائع.
ترتيب المعاني وتنسيقها وتهذيبها
اعلمْ أنه لا سبيلَ إلى الاستنتاج إلا الترتيب، ولا يحصل ترتيبُ المعاني إلا بتقريرها في الذهن ابتداءً، ثم رَعْيِ التناسب بينها بتفكيكها وتقسيمها والموازنة بينها. والخطيبُ أحوجُ إلى هذا من الكاتب كما يأتي في الخطابة؛ لأنه يقول ولا يكتب، فلا يعينه إلا الاعتمادُ على الترتيب الطبيعي للكلام، حتى يعتادَ ذهنُه ذلك، ويصير له دربةً وسَجِيَّة، كي لا يُرتج عليه (٣) إن لم يُقَرِّرِ المعاني في ذهنه، ولئلا يلعن بعضُ كلامه بعضًا إن لم يُرَتِّبْها ويُقَسِّمْها. ويشهد لهذا ما نُقل أن النبي ﷺ قال
стр. 1250
لعبد الله بن رواحة: "كيف تقول الشعر؟ " فقال: "انظر ثم أقول". (١)
وأما التناسُبُ بين المعاني ففيه يبحث بابُ الفصل والوصل من علم البلاغة، وكذلك المطابقة المبحوث عنها في البديع، والمزاوجة أيضًا.
وأما التفكيكُ والتقسيمُ فهما متشابهان، إلا أن التفكيكَ عبارةٌ عن استقلال كلِّ معنى بنفسه، وعدم تراكم المعاني، المسمى بالمعالظة، المعدود قديمًا من عيوب الكلام. وقد مدح عمر ﵁ زهيرًا بأنه لا يعاظِلُ بين الكلامين (٢). وذلك أن المتكلِّم
стр. 1251
قد يخطر بباله المعنيان فصاعدًا، فيحاول أن يمزجها جميعًا، ويُنْزِلُ السامعَ منزلةَ المطلعِ على ضميره، كما قال أبو تمام:
سَبَقَ المَشِيبَ إِلَيْهِ حَتَّى ابْتَزَّهُ ... وَطَنَ النُّهَى مِنْ مَفْرِقٍ وَقِذَالِ (١)
أراد أن السيفَ سبق المشيبَ إلى رأس القِرْنِ فافتكَّ منه الرأسَ، ومرادُه أنهم لو لم يُقتَلوا لشَابُوا من هول الحرب. إلا أن هذا لا يدل عليه لفظُه، ولكنه شيءٌ قدَّره في نفسه، وتراكم بعضُه على بعض، فعبر عن الصورة التي حصلت في ذهنه دفعةً واحدة.
وأما التقسيمُ فهو جَمْعُ طائفةٍ من المعاني في شقٍّ من الكلام لارتباطٍ لها ببعضها، واتفاقٍ في نوعٍ، أو غايةٍ، أو نحوهما. وقد نُقل عن بعضِ الحكماء أنه قال: "الخطابة صحةُ التقسيم". (٢) وأكمَلُه ما استوعبَ الأقسامَ كلَّها، كقول علي ﵁:
стр. 1252
"الحق ثقيلٌ مريء، والباطل خفيف وبِيء، وأنت رجلٌ إن صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت" (١)؛ لأنه إذا شذت بعضُ الأقسام عُدَّ الكلامُ معيبًا. كما قيل إن ابن مَنارة هرب أحدُ عماله من صارفه، فكتب ابنُ مَنارة إليه: "إنك لا تخلو في هروبك من صارفك أن تكون قدمت إليه إساءة خفته معها، أو خشيت في عملك خيانة فلا بد من مطالبتك"، فوقَّع العاملُ تحته: "في الأقسام ما لا يدخل فيما ذكرته، وهو أني خفت من ظلمه إياي بالبعد عنك، وتكثيره على الباطل عندك، فوجدتُ الهرب إلى حيث يمكنني فيه دفعُ ما يتحرجه أنفَى للظنة عني، وبُعدي عَمَّنْ لا يُؤمَنُ ظُلمُه أولَى بالاحتياط لنفسي". (٢)
وأما الموازنةُ بين المعاني، فهي من ضروبِ النقد المعنوي، وإنما تعرض بين المعنيين المتشابهين فصاعدًا عند قصد التخيير لِما يناسب منها، وكذلك تعرض بين طريقَيْ أداء المعنى الواحد. فمن الأول ما يعرض بين تشبيه وحيد عصره فضلًا وعلمًا بالمسك من بين الدماء، كما صنع أبو الطيب، أو بالذهب من المعادن كما ورد في الحديث (٣)، أو بالبيض من الدماء، كما قيل في انتقاد بيت أبي الطيب (٤). وطريق
стр. 1253
الموازنة في هذا النظرُ إلى أنزه الأشياء وأقربها لمحاسن الموصوف.
والثاني كالموازنة بين أداء المعنى بالحقيقة أو بالمجاز، وبالتصريح أو بالكناية مثلا. فقد ذكر الأصوليون والبيانيون مقاماتِ العدول عن الحقيقة إلى المجاز (١)، ألا ترى أن المجاز قد يقبح في مقام الجد والحزن - مثلًا - مثل ما ترى في قول بعضهم: "دمعة أمطرتها عيني فأعشب لها قلبي" (٢)؛ إذ لَا تناسبَ بين امتلاء القلب حزنًا وبين اعشيشاب الأرض، بل هو لخلاف المقصود أقرب. وكذا قولُ الزمخشري في رثاء شيخه أبي مُضر:
وَقَائِلَةٍ مَا هَذِهِ الدُّرَرُ الَّتِي ... تَسَاقَطُ مِنْ عَيْنَيْكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ (٣)
стр. 1254
فإن المقامَ ليس مقامَ تشبيهِ دمع الحزن بالدُّرر، وإن كان قصدُه أن يصلَ بذلك إلى تشبيه فوائد شيخه، لكنه جاء بافتتاح تنكره النفس، خلاف قول الآخر:
وَأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجَسٍ وَسَقَتْ ... وَرْدًا وَعَضَّتْ عَلَى العُنَّابِ بِالْبَرَدِ (١)
стр. 1255
وعلى هذا قياسُ غيرِه.
وأما تنسيقُ المعاني وتهذيبُها فهو تنقيحُها عن كلِّ ما يعلَقُ بها مما يكون غريبًا عنها، ولا مناسبةَ له بها من خطإ أو صواب. وأظهرُ مواقعِ الحاجة إليه مقامات الاستطراد، ويُسَمَّى الاعتراض. فإن المتكلمَ أو الكاتب أو الخطيب قد تدعوه إلى الاستطراد دواع كثيرةٌ ليلقيَ من المعاني التي يرى الداعيَ لإلقائها موجودًا، ويخشى أن لا يجد لها مناسبةً غيرَ ذكرها عند نظيرها، وذلك كاستطراد الدعاء في طوالع الرسائل، أو استطراد قصة أو حادثة أو شعر في أثناء رسالة أو خطبة.
وتلك سنةٌ قديمة شائعة بين الكتَّاب والخطباء، فيجب أن يكون ذلك الاستطرادُ شديدَ التعلق بالموضوع: إما لثناءٍ، أو بيانٍ، أو تحسينٍ، أو إظهارِ إمكانِه، أو تنظيرِه، أو تذكيرٍ بسابق، أو نحو ذلك. فإن عريَ الاستطرادُ عن شيءٍ من العلاقات المقبولة الواضحة صار أشبهَ بالهذيان، مثل ما وقع لأبي العلاء المعري في نثر في رسالة كتب بها إلى قاض شافعي: "كتابي - أطال الله بقاءَ سيِّدي القاضي شافِي العِيِّ وخليفةِ الشافعِيِّ - ما جاز خيارُ مجلس، ووجب حجرٌ على مفلس. . ." إلخ (١). فإن هذا الظرف الذي استطرده لدعائه لا مناسبةَ بينه وبين الموضوع، إلا أنه ذكر شيئًا من علائق القضاة فرماه جزافًا؛ إذ ليس ذلك بأولَى من أن يقول: ما رُدت شهادة زنديق وقُبل الشاهدان في التطليق.
стр. 1256
أخذ النتائج من المعاني
كما أن المنشِئَ قد يستطرد الشيءَ لمناسبةٍ وتعلقٍ بالغرض، كذلك يلزمه سوقُ معانٍ غيرِ مقصودةٍ بالذات، ولكن المقصود هو ما تعطيه من النتيجة، وتُسمَّى حينئذ بالمقدمات. وبيان هذا يأتي عند الكلام على الخطابة لكثرة وقوعه فيها، وإنها تعرضنا له ها هنا؛ لأنه قد يقع في غيرها بأن لا يُفضيَ المتكلمُ إلى غرضه من أول وهلة، خشيةَ نفور النفس، أو عدم اتضاح المقصود. وعندي أن هذا من جملة ما يُفَرَّق به بين مقاماتِ الإطناب والإيجاز. ومنه ما يُسمَّى في فن البديع بحسن التعليل، وبحسن الاعتذار.
ومن الاستنتاج ما وقع في كتابٍ كتب به الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك [الزيات] يستعطفه، ويطلب عفوَه عن زلة، قال: "أما بعد فإن كنتُ اجترأتُ عليك، فلم أجترئْ إلا لأن دوامَ تغافلِك عني شبيهٌ بالإهمال الذي يورث الإغفال، والعفوُ المتتابع يُؤْمِنُ من المكافأة. فإن كنتَ لا تهبُ عقابي لحرمة، فهَبْهُ لأياديك عندي، وإلَّا تَفْعَلْ ذلك فَعُدْ إلى حُسْنِ العادة، وإلَّا فافْعَلْ ذلك لِحُسن الأُحدوثة، وإلا فَأْتِ ما أنت أهلُه من العفوِ دون ما أنا أهلُه من استحقاقِ العقوبة. . ." إلخ (١).
стр. 1257
وقد تُقدَّم النتيجةُ على مقدماتها، فيُؤتَى بها حينئذٍ كالأدلة، وذلك إذا كان المخاطَبُ غيرَ متوقَّع نفورُه: إما لإنصافه، أو لطاعته للمتكلِّم، أو نحو ذلك، كما تراه في كتابٍ كتَبَ به أبو بكر الخوارزمي لتلميذه يؤنِّبُه على المكابرة، وهو قولُه: "بلغني أنكَ ناظرتَ، فلما توجهتْ عليك الحجةُ كابرت، ولما وُضع نِيرُ الحق على عنقك ضجرتَ وتضاجرت. وكنتُ أحسب أنك أعرفُ بالحق من أن تعُقَّه، وأهيبُ لحجاب العدل والإنصاف من أن تشُقَّه. كأنك لم تعلم أن لسانَ الضجر ناطقٌ بالعجز، وأن وجهَ الظلم مبرقَعٌ بالقبح، وأنك إذا استدركتَ على نقد الصيارفة، وتتبعتَ خطَأ الحكماء والفلاسفة، فقد طَرَّقْتَ إلى عيبك لعائبك، ونصرتَ عدوَّك على صاحبك. وقد عجبتُ من حسن ظنك بك، وأنتَ إنسان، [والله المستعان] ". (١)
فحَسُنَ في هذا المقام إفضاؤه إلى الغرض، ثم إتيانُه بما من شأنه أن يكون مقدمةً بمنزلةِ الدليل، كما يظهر بالتأمل.
مقامات الكلام
قد عرفتَ في علم البلاغة أن مقاماتِ الكلام متفاوتة، وليس هذا جُلَّ غرضنا هنا؛ لأننا لا نحب أن ننقلَ علمًا إلى آخر، وإنما نبحثُ هنا عن مقامات الكلام التي لها مزيدُ اختصاصٍ باختلاف أساليب الإنشاء. ومِلَاكُ ذلك يرجع إلى نَباهةِ المتكلِّم في ترتيب أداء المعنى بحسب حال المخاطب وعلاقته بالواقع؛ فإن مسألةَ ضروبِ التراكيب المذكورة في البلاغة لا يُنظرُ فيها إلا إلى حالِ المخاطَب، كما أن أحوالَ التقديم والتأخير والحذف والقصر والإيجاز يُنظرُ فيها إلى حالِ المخاطَب مع علاقته بالخارج.
ويُشْبِهُ أن يكون حالُ المخاطَب وارتباطُه بالخارج مرجِعَ اختلافِ مقاماتِ الكلام كلِّها. وذلك ينضبط فيما يظهر لنا من أربع جهات: ترتيب المعاني المدلولة، وطرق الاحتجاج، وطرق الدلالة، وكيفية المعنى من جزالة أو رقة أو سهولة.
стр. 1258
فأما ترتيبُ المدلولات فالأصلُ فيه أن يكونَ على حسب حصولها، وتفرع بعضها عن بعض. فإن كان الكلامُ خبرًا، فالنَّظَرُ إلى الحصول في الخارج، فيُحكى على ترتيبه الطبيعي، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ [هود: ٧٧]. فإن مدلولاتِ هذه الجمل تحصُلُ في الخارج على نحو هذا الترتيب؛ إذ أولُ ما تحصل الإساءة في النفس، ثم فراغ الصبر، ثم التضجُّر بالقول.
وإن كان إنشاءً، فالنظرُ إلى ترتيبِه بحسب حصولِ مدلوله عند الامتثال. وقد يتعين هذا، كما في حكاية الأخبار المحزِنة؛ فإن حكايتَها على ترتيبِها الطبيعي يهيِّئُ النفسَ لتلقِّيها، كما يهيئها لذلك حصولُها في الواقع تدريجا. فإنك لو رُمتَ الإخبارَ بوفاةِ مَنْ تَرُوعُ المخاطَبَ وفاتُه، لرأيتَ أن حكايةَ مرضِه وأطواره، ثم وقوعِ اليأس من شفائه، ثم الخبر بموته، أهونُ في النفس مما لو فُوجِئَتْ بالإخبار بموته.
وقد يُخالَفُ مقتضى الظاهر، كتقديمِ ما شأنُه التأخيرُ لغرض، مثل تعجيلِ المسرة، أو قطع نزاع المنازع قبل أن يلجَّ في الخصومة فيكابر ولا يرجعَ إلى الحق، أو للتنبيه على المقصود، مثل الافتتاح بدعاء مناسب أو نحوه. ويُسَمَّى براعةَ الاستهلال، كقول بعض الكتاب التونسيين يخاطب رئيسَ ديوان الإنشاء في الدولة الصادقية متشكِّيًا من بعض أهل الشوكة: "سيدي! نفوسنا تفديك، والله تعالى من سلطة أهل الوظائف بدون استحقاق يقيك" (١)، وقول الحريري في جواب الذي جاوبَ أبا زيد السروجي حين وقف له موقفَ الزائر المسترفد:
وَحُرْمَةِ الشَّيْخِ الَّذِي سَنَّ الْقِرَى ... وَأَسَّسَ المَحْجُوجَ فِي أُمِّ الْقُرَى (٢)
يريد إبراهيم ﵇.
стр. 1259
وقد بُيِّن في علم المعاني كثيرٌ من المناسباتِ الداعيةِ إلى التقديم والتأخير في أجزاء الجملة، فلا نطيلُ بها هنا، ولكن يجب أن يُعلم السببُ في تقديم ما حقُّه التأخير وعكسه من جمل الكلام. وقد تتبعتُ ذلك حسب الجهد، فرأيتُ أن مِلَاكَ ذلك: ١. إما استبقاء الذهن لما هو أولى بالإيعاء، وتهيئة السمع لما هو أجدرُ بالإصغاء. ٢. وإما الاستراحةُ من غرضٍ خفيفٍ يُقَدَّم، ليفضيَ إلى غرض مهم يؤخَّر. ٣. وإما لأن أحدَ الغرضين وإن كان حقُّه التقديم أو عكسه، لكنه كان من المعاني المتولِّدة والمستطرَدة، واتصلَ بغيره مما قُدِّم أو أُخِّرَ اتصالًا يمنع من التفرقة بينها وبينه؛ لأنها إن فُرِّقَتْ تَشَتَّتَ الذِّهنُ في استيعابها، وتحير في جمعها وترتيبها.
فمثالُ الأول ما ذُكر في علم المعاني من التشويق الحاصل من تقديم الخبر نحو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" (١)، ونحو: "ثلاثةٌ تشرق الدنيا ببهجتها". (٢) ومثالُ الثاني قول علي ﵁ في خطبةٍ له حين بلغه استيلاءُ أصحاب الشام على سائر البلاد، وتثاقلُ أصحابِه عن القتال: "ما هي إلا الكوفةُ أقبِضُها وأبْسُطها، إن لم تكوني إلا أنتِ تهبُّ أعاصيرُك (٣)، فقبحك الله. أُنْبِئْتُ بُسرًا (٤) قدِ اطَّلع اليمن، وإني والله لأظنُّ أن هؤلاءِ القومَ سَيُدَاوِلون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن
стр. 1260
حقكم، وبمعصيتكم إمامَكم في الحق وطاعتِهم إمامَهم في الباطل، وبأدائهم الأمانةَ إلى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحِهم في بلادهم وفسادِكم. . ." إلخ (١).
فتقديم قوله "ما هي إلا الكوفة" وإن كان حقه التأخير؛ لأنه متفرع عن حكاية ما بلغه أعداؤه بخصالهم وما ملكوه من البلاد، ولكنه قدمه للتَّفرُّغِ منه إلى الإنحاء على جنده، وذكر مثالهم وأسباب انخذالهم.
ومثالُ الثالث كثير، من ذلك قولُه ﵁ في خطبةٍ حين دخل جندُ معاوية ﵁ الأنبارَ وقتلوا عاملها حسان: "أما بعد، فإن الجهادَ بابٌ من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباسُ التقوى، ودرعُ الله الحصينة، وجُنَّتُهُ الوثيقة، فمن تركه - رغبةً عنه - ألبسه الله ثوبَ الذلِّ وشملةَ البلاء، ودُيِّثَ (٢) بالصغار [والقماءة]، وضرب على قلبه بالأسداد، وأُدِيل الحقُّ منه بتضييع الجهاد، وسِيم الخسفَ (٣)، ومُنع النِّصْف (٤). ألَا وإني قد دعوتُكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وإعلانًا، وقلتُ لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ (٥) دارِهم إلا ذَلُّوا. فتواكلتم [وتخاذلتم] حتى شُنَّتْ عليكمُ الغاراتُ، ومُلكت عليكم الأوطان. وهذا أخو غامدٍ (٦) قد وردت خيلُه الأنبارَ، و [قد] قتل حسان بن حسان
стр. 1261
[البكري]. . ." (١) إلخ.
فكان الظاهرُ أن يبدأ بذكر دخولِ خيل أخي غامد للأنبار، ويبني عليه بيانَ سببِه من تواكلهم وتباطئهم، وأن ذلك شأنُ كلِّ مُتَوَاكِل. لكنه أخره حين دعتِ المناسبةُ لتقديم ذكرِ تواكلِهم، وأنه مُسَبَّبٌ عن ذُلِّهِم المُسَبَّبِ عن تركِ الجهاد المأمور به، فكان لذلك تعلق بطالع الخطبة.
وأما الإنشاءُ فمُقتضى الظاهرِ ترتيبُ المعانِي على حسبِ حُصولِها كما قلنا، وقد يُعدَلُ عن ذلك لأغراض. وأما ترتيبُ الخبر مع الإنشاء، فالأصلُ فيه تقديمُ المقدماتِ على النتائج، ولا يُعْكَسُ إلا لغرض، مثل قول عيسى بن طلحة [بن عبيد الله] حين دخل على عروة بن الزبير لما قُطعت رجلُه: "ما كنا نُعدُّك للصراع، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرَك: أبقى لنا سمعَك وبصرك، ولسانَك وعقلك، و [يديك] وإحدى رجليك. فقال له عروة: والله ما عزاني أحدٌ بمثل ما عزيتني به". (٢) فلو قَدَّم قولَه: "الحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك"، لكان يُشبِهُ الشماتةَ: أنه يحمد الله له على قطع رجله، فلا تهتدي النفسُ إلى مراده إلا حين يقول له: "ما أعددناك للصراع"؛ لأن النفوسَ عند الخطاب جَفِلاتٌ إذا هي نفرت، فربما ضلت عن طريق الحق.
وأما الجزالةُ والسُّهولةُ والرِّقَّةُ فهي مراتبُ للمعاني المستفادة من الكلام. فالجزالةُ (٣) شِدَّةٌ في المعنى تقرب من حد الإرهاب أو تبلغه، بحيث تُؤْذِنُ بعدم
стр. 1262
مبالاة المتكلِّم باستعطاف المخاطَب ولا بملاينته. ولها مواقع: الغضب، والحماسة، والوعظ، والعتاب، ونحوها. وأما السهولةُ فهي دونَها، وهي لين المعنى، وتجريده من شوائب الإرهاب، واشتماله على إيضاح بساطة حال المتكلِّم، وملاينة المخاطَب، ولها مواقع: الأمور العادية، والعلوم، والمخاطبات بين الأكفاء. وأما الرِّقَّةُ فهي غايةُ إيضاح لطيفِ الوجدانِ من المتكلِّم، أو التلطف مع السامع، ولها مواقع: الشوق، والرثاء، والاعتذار، والتأديب.
وبهذا يتضح أن ليس لشيءٍ من هذه الأوصاف مدخلٌ في صفة اللفظ، كما قد يُتَوَهَّم. ومن الواجبِ مؤاخاةُ المعاني في الغرض الواحد في الجزالة أو الرقة. ولهذا عِيب على جميل قولُه:
أَلَا أَيُّهَا النُّوَّامُ وَيْحَكُمْ هُبُّوا ... أُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الْحُبُّ (١)
فقد حُكيَ عن بعضِ أهل الأدب والعربية أنه قال فيه: "هذا بيتٌ أولُه أعرابِيٌّ في شملته، وآخرُهُ مُخَنَّثٌ من مخنَّثِي العقيق يتفكك". (٢)
стр. 1263
فإذا وقع الانتقالُ من غرض إلى غرض ساغ اختلافُ الوصف، وانظر بلاغة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، فهو من السهولة، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، فهو من الجزالة.
وقد اختلف ذلك أيضًا في قول أبي فراس - حين أسره الروم - يستنهض سيفَ الدولة لفدائه منهم، وتخلل من غرض إلى غرض، ثم رجع فأجاد في ذلك:
رقة: دَعَوْتُكَ لِلْجَفْنِ الْقَرِيحِ المُسَهَّدِ ... لَدَّي، وَلِلنَّوْمِ الطَّرِيدِ المُشَرَّدِ
جزالة: وَمَا ذَاكَ بُخْلًا بِالحْيَاةِ، وَإنَّهَا ... لأَوَّلُ مَبْذُولٍ لأَوَّلِ مُجْتَدِ
جزالة: وَلَكِنَّنِي أَخْتَارُ مَوْتَ بَنِي أَبِي ... عَلَى سَرَوَاتِ الخْيْلِ غَيْرَ مُوَسَّدِ
رقة: وَتَأْبَى وَآبَى أَنْ أَمُوتَ مُوَسَّدًا ... بِأَيْدِي النَّصَارَى مَوْتَ أَكْبَد أَكْمَدِ (١)
ولْنُمثِّلْ لما شمل السهولةَ والجزالة بكلام شيوخ بني أسد مع امرئ القيس يسألونه العفو عن دم أبيه فتكلم قبيصة بن نعيم الأسدي فقال:
"إنك في المحلِّ والقدر من المعرفة بتصرُّف الدهر وما تُحدثه أيامه وتنتقَّل به أحوالُه، بحيث لا تحتاج إلى تذكيرِ من واعظٍ ولا تبصير مجرِّب. ولك من سُؤْدَد
стр. 1264
منصِبك وشرف أعراقك (١) وكرم أصلك في العرب مَحْتِدٌ (٢) يَحتمل ما حمُل عليه من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة. ولا تتجاوز الهممُ إلى غايةٍ إلا رجعتْ إليك، فوجدتْ عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح (٣) ما يَطُولُ رغباتِها ويستغرق طِلْبَاتِها (٤). وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عَمَّتْ رزيَّتُه نزارًا واليمن، ولم تُخْصَصْ بذلك كندةُ دوننا، للشرف البارع الذي كان لحُجْر. ولو كان يُفْدَى هالكٌ بالأنفس الباقية بعده، لما بَخِلَتْ كرائمُنا بها على مثلِه، ولكنه مضى به سبيلٌ لا يرجع أُخْرَاهُ على أُولَاه، ولا يلحق أقصاه أدناه. فأَحمدُ الحالاتِ في ذلك أن تَعرِفَ الواجبَ عليك في إحدى خلالٍ ثلاث: إمَّا أنِ اخترتَ من بني أسد أشرفَها بيتًا وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فَقُدْنَاه إليكَ بنِسْعِة (٥) تذهبُ مع شفراتِ حُسامِك بباقي قَصَرَته (٦)، فنقول: رجلٌ امتُحِن بهالكٍ عزيزٍ فلم يستلَّ سخيمتَه إلا بِمُكْنَتِهِ من الانتقام (٧). أو فداءٌ بما يروحُ على بني أسدٍ من نَعَمِها، فهي ألوفٌ تجاوز الحِسبة، فكان ذلك فداءً رجعتْ به القُضُبُ (٨) إلى أجفانها، لم تَرْدُدْهَا بسليط (٩)
стр. 1265
الإحن على البرآء (١). وإما وادَعْتَنا إلى أن تضع الحواملُ، فتُسدَل الأُزُر، وتُعقد الخمرُ فوق الرايات".
فأجابهم امرؤ القيس بقوله: "لقد عَلمتِ العربُ أنه لا كُفْءَ لحُجر في دم، وإني لنْ أعتاضَ عنه جملًا ولا ناقة، فأكتسبَ به سُبَّةَ الأبد، وفتَّ العَضُد. وأما النَّظِرَةُ فقد أوجبتها الأَجنةُ في بطون أمهاتها، ولن أكونَ لعطبها سببًا وستعرفون طلائعَ كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حَنَقًا (٢)، وفوق الأسنة علقًا، أتُقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف باسوأ الاختيار". (٣)
وأما مثالُ الرِّقَّة، فيوجد كثيرًا في النَّظْم والنثر، وهي في النظم أكثر. ومِنْ جيِّد ما اشتمل عليها في النثر قولُ الوزير أبي المطرِّف ابن الدباغ الأندلسي (٤) من رسالة:
"طلع علينا هذا اليومُ فكادَ يُمْطِرُ من الغضارةِ صحوُه، ويقبِسُ من الإنارةِ جوُّه، وَيُحْيِي الرميمَ اعتدالُه، ويُصْبِي الحليمَ جمالُه، فلفَّتْنا زهرتُه، ونَظَمَتْنا بَهجتُه، في