ولذلك لا نَعُدُّ خطبةَ منذر بن سعيد البلُّوطي التي ارتجلها في مجلس الأمير الناصر بقرطبة - حين وَفَدَ رُسلُ ملِكِ الروم وحين أُرتِج على أبي علي القالي - إلا من حُسْنِ استعداده للحوادث، وعلمِه بأن مَنْ عُيِّن للخطابة لا يُحسنها (١). وقد قدمنا في فن الإنشاء طرفًا من هذا.
هذا ومما يلتحق بالكلام على نسج الخطب اشتمالُها على شيء من الشعر، وكان ذلك قليلًا عند العرب، كما في خطبة قس بن ساعدة إذ ختمها بأبيات، وكما في
стр. 1332
خطبتين لسيدنا علي ﵁ تمثل في إحداهما ببيت الأعشى وفي الأخرى ببيت دريد بن الصمة، وكذا خطبة عبد الملك المتقدمة فإنه ذكر في آخرها بيتَ النابغة (١).
وقد أكثر صاحبُ المقامات في خطبِه المذكورةِ فيها مِنْ ذكرِ الشِّعر، ولا شك أن غرضَه منه إدخالُ طريقةٍ جديدة في الخطابة، إلا أنه لم يُتَابَعْ عليها من أحد، فلم يزل ذكرُ الشعر في الخطب قليلًا جاريًا مَجْرَى التَّمَثُّل.
التدرب بالخطابة
قد قدمنا في قسم الإنشاء أن أجدرَ بالغٍ بالمرء إلى اتقان هذه الصناعة هو التدرب والتمرن، ولا شك أن الخطابة إلى ذَلك أحوج، وهي به أعلق؛ فإن لصاحبها فضل احتياج إلى بداهة القول وحسن العبارة. ولا يكاد يَنَالُ ذلك إلا بالتمرن عليها، وإلا كان عالةً على ما حرره المتقدمون، أو التزم كُلَيْماتٍ يعيدها أينما حل، وقد حكى الجاحظ عن محمد بن سليمان أنه كان ملتزمًا خطبةً يوم الجمعة لا يغيرها. ويظهر أن أصولَ التدرب على الخطابة خمسةُ أمور:
стр. 1333
أولُها ضبطُ الغرضِ المرادُ التكلُّمُ فيه، وذلك بتصوُّرِه وتصور الغاية منه، وحسنِ تفهمه وإتقانه، والإحاطةِ بِمُهِمِّ ما ينبغي أن يُقال فيه من المعاني. ولا يُهتم بالألفاظ إلا بعد ذلك؛ لأنه إن ابتدأ بانتقاء الألفاظ ضاعت عنه المعاني.
ثانيها التكريرُ ليرسخ إما بإعادة الفكرة فيه المرة بعد الأخرى، وإما بمذاكرة الغير فيه، والتنبه لما عسى أن يكون قد أغفله؛ فإنَّ ما بين الرأيين رأيا. ولأنه بالمذاكرة يرى المتكلمُ هل بلغ إلى حد التأثير في السامعين، حتى أن لم ير منهم التأثير علم أنه لم يتقن الغرض ولم يقتله تعبيرا.
ثالثُها اختيار ساعة نشاط البال، كما ذكر أبو هلال العسكري والجاحظ عن بشر بن المعتمر أنه قال لمن علمه الخطابة: "خذ من نفسك ساعةَ نشاطك، وفراغ بالك، [وإجابتها إياك]؛ فإن قليلَ تلك الساعة أكرمُ جوهرًا، وأشرف حسبًا، وأحسن في الأسماع، [وأحلى في الصدور]، وأسلم من فاحش الخطإ. . . واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومُك الأطولُ بالكد والمطاولة [والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة]. ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولًا [قصدًا]، وخفيفًا على اللسان [سهلًا]، كما خرج من ينبوعه، ونجم من معدنه". (١)
رابعُها تدريبُ القوة الذاكرة، وذلك بتجنب الاعتماد على الكتابة بقدر الاستطاعة. وقد يعسر ذلك على المرء بادئ بدء، فيُغتَفرُ حينئذٍ الاعتمادُ على الكتابة على شرط أن يأخذ في الإقلال من الكتابة تدريجًا، فيكتب عقد الموضوع كالفهرس، ويشير عندها إلى خلاصة الأمثلة. وإذا أخذ في استحضار أول خطبته، فإنه إن استرسل فيها جاءته البقيةُ طوعا. ومع ذلك فقد قيل: إن الذي يعتمد على ذاكرته تُلَبِّيه مسرعة. وإذا قُدِّرَ لبعضِ الخطباء كتابةُ مفكراتِ الخطبة، فمن المستحسَن أن لا يحضرها معه وقتَ الخطابة. ولكن من الخطباء من يضطر إلى ذلك لضعف ذاكرته، ولا ضيرَ في ذلك إذا لم يكثر ترددُ بصره عليها.
стр. 1334
خامسُها المواظبةُ، فيُشترط في الخطيب أن يكون غيرَ هيابٍ ولا وجل، مع تكرير التكلم، وعدم الاكتراث في أول الأمر بالإجادة. وقد عرفتَ ما نُقِلَ عن عمرو بن سعيد الأشدق وعن ديموستين الخطيب (١) اليوناني؛ إذ كان كلٌّ منهما في أول أمره عييًّا، فعالج بالمواظبة والتدرب حتى صار أفصحَ خطباء زمانه.
هذا غايةُ ما تعين تحريره من فنِّ الخطابة لأبناء الأدب، السامية هممُهم لمراقي الفنون، الأَبِيَّةُ نفوسُهم من الاقتناع بالدون. فإذا انعطف عليه صنوُه السالف (٢)، والتفَّ به التفافًا يبسط الوارف، جاء بحمد الله تعالى كتابًا وافيًا بما لا غِنًى عن معرفته للمنشئ والخطيب، كافيًا عن المطوَّلات بلمحةٍ تغني اللبيب.
شرح المقدمة الأدبية لشرح الإمام المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمام (١)
متن المقدمة الأدبية (٢)
الحمد لله خالق الإنسان متميزًا بما علمه من التبين والبيان، وصلى الله على أفضل من صدع بأمره وزجْره، داعيًا وناهيًا، وعلى الطاهرين من آله وسلم.
стр. 1337
وبعد، فإنك جَارَيْتَنِي - أطال اللهُ بقاءَك في أشمل سعادة، وأكمل سلامة، لما رأيتني أقصُر ما أستفضله من وقتي، وأستخلصه من وُكدي، على عمل شرح للاختيار المنسوب إلى أبي تمام حبيب بن أوس الطائي، المعروف بكتاب "الحماسة" - أمرَ الشعر وفنونَه، وما قال الشعراءُ في الجاهلية وما بعدها، وفي أوائل أيام الدولتين وأواخرها من الرفعة به، إذ كان الله قد أقامه للعرب مقامَ الكتب لغيرها من الأمم، فهو مستودعُ آدابها، ومستَحفَظُ أنسابها، ونظامُ فخارها يوم النفار، وديوانُ حجاجها عند الخصام.
ثم سألتَني عن شرائط الاختيار فيه، وعمَّا يتميز به النظمُ عن النثر، وما يُحمد أو يُذَمُّ من الغلو فيه أو القصد، وعن قواعد الشعر التي يجب الكلام فيها وعليها، حتى تصير جوانبُها محفوظةً من الوهن، وأركانها محروسة من الوهي؛ إذ كان لا يُحكم للشاعر أو عليه بالإساءة أو بالإحسان إلا بالفحص عنها، وتأمّل مأخذه منها، ومدى شأوه فيها، وتمييز المصنوع مما يحوكه من المطبوع، والأَتِيّ المستسهل من الأبِيَّ المستنكَر.
وقضيتَ العجبَ كيف وقع الإجماعُ من النقاد على أنه لم يتفقْ في اختيار المقطوعات أنقى مما جمعه، ولا في اختيار المقصَّدات أَوْفَى مما دوّنه المفضّلُ ونقدَه.
وقلتَ: إن أبا تمام معروفُ المذهب فيما يقرضه، مألوفُ المسلك بنظمه، نازعٌ في الإبداع إلى كل غاية، حاملٌ في الاستعارات كلَّ مشقة، متوصِّل إلى الظَّفر بمطلوبه من الصنعة أين اعتسف وبما عثر، متغلغلٌ إلى توعير اللفظ وتغميض المعنى أنّى تأتّى له وقَدَر. وهو عادلٌ فيما انتخبه في هذا المجموع عن سلوك معاطِفِ ميدانه، ومرتضٍ ما لم يكن فيما يصوغه في أمره وشانه. فقد فَلَيْتُه، فلم أجدْ فيه ما يوافق ذلك الأسلوبَ إلا اليسير. ومعلومٌ أن طبعَ كلِّ امرئ - إذا ملك زمامَ الاختيار - يجذبه إلى ما يستلذُّه ويهواه، ويصرفه عمَّا ينفر منه فلا يرضاه.
وزعمتَ - بعد ذلك أَجْمَعَ - أنك مع طول مجالستِك لجهابذة الشِّعر والعلماء بمعانيه، والمبَرِّزين في انتقاده، لم تقفْ من جهتهم على حدٍّ يؤديكَ إلى المعرفة بجيِّدِه
стр. 1338
ومتوسِّطِه ورديئه، حتى تُجرِّد الشهادةَ في شيء منه، وتبُتَّ الحكمَ عليه أو له آمنًا من المجاذبين والمدافعين. بل تعتقد أن كثيرًا مما يستجيزه زيد يجوز أن لا يطابقه عمرو، وأنه قد يُسْتَحْسَنُ البيتُ ويُثْنَى عليه، ثم يُستَهْجَنُ نظيرُه في الشبه لفظًا ومعنى حتى لا مخالفةَ، فيُعرَضُ عنه، إذْ كان ذلك موقوفًا على استحلاء المستحلي واجتواء المجتوي، وأنه كما يُرزق الواحدُ في مجالس الكبار من الإصغاء إليه والإقبال عليه، ما يُحرم صنوُه وشبيههُه، مع أنه لا فضيلةَ لذلك ولا نقيصةَ لهذا إلا ما فاز به من الجَدِّ عند الاصطفاء والقَسْم.
وقلتَ أيضًا: إني أتمنى أن أعرفَ السببَ في تأخُّر الشعراء عن رتبة الكُتَّاب البلغاء، والعذرَ في قلة المترسِّلين وكثرة المُفْلِقِين، والعلةَ في نباهة أولئك وخمول هؤلاء، ولماذا كان أكثرُ المترسِّلين لا يُفْلِقُون في قَرْض الشعر، وأكثرُ الشعراء لا يَبْرعون في إنشاء الكتب؟ حتى خُصَّ بالذكر عددٌ يسير منهم، مثلُ إبراهيم بن العباس الصولي، وأبي علي البصير، والعَتّابي، في جمعهم بين الفنَّيْن واغترَازِهم ركابَ الظَّهْرَيْن. هذا ونظامُ البلاغة يتساوَى في أكثره المنظومُ والمنثور.
وأنا - إن شاء الله وبه الحولُ والقوة - أُورد في كل فصل من هذه الفصول ما يحتمله هذا الموضع، ويمكن الاكتفاءُ به، إذ كان لتقصِّي المقال فيه موضعٌ آخر، من غير أن أنصِبَ لما تُصَوِّرُه النعوتُ الأمثلةَ، تفاديًا من الإطالة؛ لأنه إذا وضح السبيلُ وقعت الهدايةُ بأيسر دليل، والله الموفِّق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعْلَمْ أنَّ مذاهبَ نُقَّاد الكلام في شرائط الاختيار مختلفة، وطرائقَ ذوي المعارف بأعطافها وأردافها مفترقة، وذلك لتفاوت أقدار مَنادحِها على اتساعها، وتنازُحِ أقطار مَظَانِّها ومعالِمها، ولأن تصاريفَ المباني التي هيَ كالأوعية، وتضاعيف المعاني التي هي كالأمتعة في المنثور، اتسع مجالُ الطبع فيها ومسرحُه، وتشعَّب مُرادُ الفكر فيها ومطرحُه.
فمِنَ البُلغاء مَنْ يقول: فِقَرُ الألفاظ وغُرَرُها كجواهر العقود ودُرَرِها، فإذا وُسِمَ أغفالُها بتحسين نُظومها وحُلِّيَ أعطالُها بتركيب شُذُورها، فراقَ مَسْموعُها ومَضْبوطُها،
стр. 1339
وزان مفهومُها ومحفوظُها، وجاء ما حُرِّرَ منها مصروفًا مِنْ كَدَرِ العِيِّ والخطَل، مُقوَّمًا مِنْ أَوَدِ اللَّحْن والخطأ، سالِمًا من جَنَفِ التأليف، موزونًا بميزان الصواب، يَمُوجُ في حواشيه رَوْنَقُ الصَّفَاءِ لفظًا وتركيبًا، قبِله الفهمُ والتذّ به السمع. وإذا ورد على ضدِّ هذه الصفة صدِئَ الفهمُ منه، وتأذَّى السمعُ به تأذِّيَ الحواسِّ بما يخالفها.
ومنهم مَنْ لَمْ يَرْضَ بالوقوف على هذا الحد فتجاوزه، والتزم من الزيادة عليه تتميمَ المقطع، وتلطيفَ المطلع، وَعَطْف الأَوَاخر على الأوائل، ودلالةَ الموارد على المصادر، وتناسُبَ الفصول والوصول، وتعادلَ الأقسام والأوزان، والكشفَ عن قناع المعنى بلفظ هو في الاختيار أولى، حتى يطابق المعنى اللفظَ، ويسابق فيه الفهمُ السمع.
ومنهم مَنْ ترقَّى إلى ما هو أشق وأصعب، فلم تُقنعه هذه التكاليف في البلاغة حتى طلب البديع: من الترصيع والتسجيع، والتطبيق والتجنيس، وعكس البناء في النظم، وتوشيح العبارة بألفاظ مستعارة، إلى وجوه أُخر تنطق بها الكتب المؤلفة في البديع، فإني لم أذكر هذا القدر إلا دلائلَ على أمثالها. ولكلٍّ مما ذكرته وما لم أذكره رسمٌ من النفوذ والاعتلاء بإزائه ما يضاده، فيُسلم للنكوص والاستفال. وأكثرُ هذه الأبواب لأصحاب الألفاظ؛ إذ كانت للمعاني بمنزلة المعارض للجواري، فأرادوا أن يلتذَّ السمعُ بما يدرك منه ولا يمجه، ويتلقاه بالإصغاء والإذن له فلا يحجبه.
وقد قال أبو الحسن ابن طَباطَبا في الشعر: هو ما إن عَرِيَ من معنى بديع لم يعر من حسن الديباجة، وما خالف هذا فليس بشعر.
ومِنَ البلغاء مَنْ قصد فيما جاش به خاطرُه إلى أن تكون استفادةُ المتأمل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثرَ من استفادته من آثار قوله أو مُثُله، وهم أصحاب المعاني. فطلبوا المعاني المُعْجِبة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزلةً عذبة حكيمة طريفة، أو رائقة بارعة فاضلة كاملة، أو لطيفة شريفة زاهرة فاخرة. وجعلوا رسومَها أن تكون قريبة التشبيه، لائقةَ الاستعارة، صادقةَ الأوصاف، لائحةَ الأوضاح، خَلابةً في الاستعطاف، عطافةً لدى الاستنفار، مستوفيةً لحظوظها عند الاستهام من
стр. 1340
أبواب التصريح والتعريض، والإطناب والتقصير، والجد والهزل، والخشونة واللَّيان، والإباء والإسماح، من غير تفاوت يظهر في خلال إطباقها، ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها، مبتسمةً من مثاني الألفاظ عند الاستشفاف، محتجبةً في غموض الصِّيَّان لدى الامتهان، تعطيك مرادَك إن رفقتَ بها وتمنعك جانبَها إن عَنُفْتَ معها.
فهذه مَنَاسِبُ المعاني لطلابها، وتلك مناصبُ الألفاظ لأربابها. ومتى اعترف اللفظ والمعنى فيما تصُوبُ به العقول، فتعانقا وتلابسا، متظاهرين في الاشتراك وتوافقا، فهناك يلتقي ثَريَا البلاغة فيُمطرُ روضُها، ويُنشر وشْيُها، ويتجلى البيانُ فصيحَ اللسان، نجيحَ البرهان، وترى رائدَيْ الفهم والطبع متباشرَيْن لهما من المسموع والمعقول بالمسرح الخصب والمَكْرع العذب.
فإذا كان النثرُ - بما له من تقاسيمِ اللفظ والمعنى والنظم - اتسع نطاقُ الاختيارِ فيه على ما بيناه، بحسب اتساع جوانبها وموادها، وتكاثر أسبابها ومَوَاتِّها، وكان الشعرُ قد ساواه في جميع ذلك وشاركه، ثم تفرَّد عنه وتميز بأن كان حدُّه: "لفظ موزون مقفّى يدل على معنى"، فازدادت صفاتُه التي أحاط الحدُّ بها بما انضم من الوزن والتقفية إليها - ازدادت الكُلَفُ في شرائط الاختيار فيه؛ لأن للوزن والتقفية أحكامًا تُماثلُ ما كانت (١) للمعنى واللفظ والتأليف أو تقارب. وهما يقتضيان من مراعاة الشاعر والمنتقِد مثلَ ما تقتضيه تلك من مراعاة الكاتب والتصفح لئلا يختلَّ لهما أصلٌ من أصولهما أو يعتل فرعٌ من فروعهما.
فإذا كان الأمرُ على هذا، فالواجبُ أن يُتبيَّنَ ما هو عمودُ الشعرِ المعروفُ عند العرب، ليتميَّزَ تليدُ الصنعة من الطريف، وقديمُ نظام القريض من الحديث، ولتُعرفَ مواطئُ أقدام المختارين فيما اختاروه، ومراسمُ إقدام المزيِّفين على ما زيَّفُوه، ويُعلمَ أيضًا فرقُ ما بين المصنوعِ والمطبوع، وفضيلةُ الأَتِيِّ السَّمْح على الأَبِيِّ الصعب، فنقول وبالله التوفيق:
стр. 1341
إنهم كانوا يحاولون شرفَ المعنى وصِحتَه، وجزالةَ اللفظ واستقامتَه، والإصابةَ في الوصف - ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات - والمقاربةَ في التشبيه، والتحامَ أجزاء النظم والتئامَها على تخيرٍ من لذيذ الوزن، ومناسبةَ المستعار منه للمستعار له، ومشاكلةَ اللفظِ للمعنى، وشدةَ اقتضائهما للقافية حتى لا منافرةَ بينهما. فهذه سبعةُ أبواب هي عمود الشعر، ولكلِّ بابٍ منها معيار.
فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح، والفهم الثاقب، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء، مستأنِسًا بقرائنه، خرج وافيًا، وإلا انتقص بمقدار شَوْبه ووِحْشته.
وعيارُ اللفظِ الطبعُ والروايةُ والاستعمال، فما سلم مما يُهَجِّنُه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم. وهذا في مفرداته وجملته مراعًى؛ لأن اللفظة تُستكره بانفرادها، فإذا ضامَّها ما لا يوافقها عادت الجملةُ هجينا.
وعيارُ الإصابةِ في الوصفِ الذكاءُ وحسنُ التمييز، فما وجداه صادقًا في العلوق، ممازجًا في اللصوق، يتعسَّرُ الخروجُ عنه والتبرُّؤُ منه، فذلك سيماءُ الإصابة فيه. ويُروى عن عمر ﵃ أنه قال في زهير: "كان لا يمدح الرجلَ إلا بما يكون للرجال"، فتأمل هذا؛ فإن تفسيره ما ذكرناه.
وعيارُ المقاربة في التشبيه الفطنةُ وحسن التقدير، فأصدقُه ما لا ينتقِضُ عند العكس، وأحسَنُه ما أُوقِع بين شيئين اشتراكُهما في الصفات أكثرُ من انفرادهما ليَبِينَ وجهُ التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوبُ من التشبيه أشهرَ صفات المشبَّه به وأملكَها له؛ لأنه حينئذٍ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل: أقسام الشعر ثلاثة: "مثلٌ سائر، وتشبيهٌ نادر، واستعارةٌ قريبة".
وعيارُ التحام أجزاء النظم والتئامه على تخَيُّرٍ من لذيذ الوزن، الطبعُ واللسان، فما لم يتعثَّرِ الطَّبْعُ بأبنيتِهِ وعقودِه، ولم يتحَبَّس اللسانُ في فصوله ووصوله، بل استمرَّا
стр. 1342
فيه واستسهلاه بلا مَلَالٍ ولا كلال، فذلك يُوشِكُ أن تكونَ القصيدةُ منه كالبيت، والبيت كالكلمة، تَسَالُمًا لأجزائه وتقارنًا، وألا يكون كما قيل فيه:
وَشِعْرٍ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ ... لِسَانُ دَعِيٍّ فِي القَرِيضِ دَخِيلِ
وكما قال خلف:
وَبَعْضُ قَرِيضِ الشِّعْرِ أَوْلَادُ عَلَّةٍ ... يَكُدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ المُتَحَفِّظِ
وكما قال رُؤبةُ لابنه عقبة، وقد عرض عليه شيئًا مما قاله، فقال: "قد قلتَ لو كان له قران".
وإنما قلنا: "على تخير من لذيذ الوزن"؛ لأن لذيذَه يَطرب الطبعُ لإيقاعه، ويمازجُهُ بصفائه، كما يَطْرَبُ الفهمُ لصوابِ تركيبه، واعتداله نظومه. ولذلك قال حسَّان:
تَغَنَّ فِي كُلِّ شِعْرٍ أَنْتَ قَائِلُهُ ... إِنَّ الغِنَاءَ لِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ
وعيارُ الاستعارة الذِّهْنُ والفطنة، ومِلَاكُ الأمر تقريبُ التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبَّهُ والمشبَّهُ به، ثم يُكتفى فيه بالاسم المستعار؛ لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له.
وعيارُ مشاكلة اللفظِ للمعنى وشدةِ اقتضائهما للقافية، طولُ الدربة ودوامُ المدراسة، فإذا حكما بحسن التباسِ بعضها (١) ببعضٍ، لا جفاءَ في خلالها ولا نُبُوَّ، ولا زيادة فيه ولا قصور، وكان اللفظُ مقسومًا على رُتَبِ المعاني: قد جُعِل الأخصُّ للأخص، والأخسُّ للأخس، فهو البريء من العيب. وأما القافيةُ فيجب أن تكون
стр. 1343
كالموعود به المنتظر، يتشوَّقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقةً في مقرها، مُجتلَبةً لمستغنٍ عنها.
فهذه الخصالُ عمود الشعر عند العرب. فمَنْ لزمها بحقِّها وبنى شعرَه عليها، فهو عندهم المفلِقُ المعظَّم، والمحسِن المقدَّم. ومَنْ لم يجمعها كلَّها، فبقدر سُهْمَته منها يكون نصيبُه من التقدم والإحسان. وهذا إجماع مأخوذٌ به ومتَّبع نهجُه حتى الآن. واعلم أن لهذه الخصال وسائطَ وأطرافًا، فيها ظهر صدقُ الواصف، وغلوُّ الغالي، واقتصادُ المقتصد. قد اقتفرها (١) اختيارُ الناقدين:
فمنهم من قال: "أحسن الشعر أصدقه"، قال: لأن تجويد قائله فيه مع كونه في إسار الصدق يدل على الاقتدار والحذق.
ومنهم مَنِ اختار الغلوَّ حتى قيل: "أحسن الشعر أكذبه"؛ لأن قائلَه إذا أسقط عن نفسه تقابُلَ الوصف والموصوف، امتد فيما يأتيه إلى أعلى الرتبة، وظهرت قوتُه في الصياغة، وتمهرُه في الصناعة، واتسعت مخارجُه وموالجه، فتصرف في الوصف كيف شاء؛ لأن العمل عنده على المبالغة والتمثيل، لا المصادقة والتحقيق. وعلى هذا أكثر العلماء بالشعر والقائلين له.
وبعضُهم قال: "أحسن الشعر أقصده"؛ لأن على الشاعر أن يبالغه فيما يصير به القولُ شعرًا فقطِّ، فما استوفى أقسامَ البراعة والتجويد أو جلَّها من غير غلو في القول ولا إحالة في المعنى، ولم يُخرج الموصوفَ على أن لا يُؤْمَنَ بشيء من أوصافه، لظهور السَّرَف في آياته وشمول التَّزيُّد لأقواله، كان بالإيثار والانتخاب أولى.
ويتبع هذا الاختلافَ ميلُ بعضِهم إلى المطبوع وبعضهم إلى المصنوع. والفرقُ بينهما أن الدواعِيَ إذا قامت في النفوس وحرَّكَتِ القرائحَ أعملت القلوب، وإذا جاشت العقولُ بمكنون ودائعها وتظاهرت مكتسباتُ العلوم وضرورياتها، نبعت
стр. 1344
المعاني ودَرَّت أخلافُها، وافترقت خفِيَّاتُ الخواطر إلى جلِيَّاتِ الألفاظ. فمتى رُفِض التكلُّفُ والتعمُّلُ، وخُلَّيَ الطبعُ المهذَّبُ بالرواية المدرَّبُ في الدراسة لاختياره فاسترسل غيرَ محمول عليه ولا ممنوعٍ مما يميل إليه، أدَّى من لطافة المعنى وحلاوة اللفظ ما يكون صفوًا بلا كدَر وعفوًا بلَا جُهد؛ وذلك هو الذي يُسمَّى المطبوع. ومتى جُعل زمامُ الاختيار بيد التعمُّل والتكلف، عاد الطبعُ مستخْدَمًا متمَلَّكًا، وأقبلت الأفكارُ تستحمله أثقالَها، وتردده في قبول ما يؤديه إليها، مطالبةً له بالإغراب في الصنعة، وتجاوز المألوف إلى البدعة، فجاء مؤداه وأثرُ التكلُّفِ يلوحُ على صفحاته؛ وذلك هو "المصنوع".
وقد كان يتَّفِقُ في أبياتِ قصائدهم - من غير قصدٍ منهم إليه - اليسيرُ النزر، فلما انتهى قرضُ الشعر إلى المحدَثين ورأوا استغرابَ الناسِ للبديع على افتنانهم فيه، أُولِعوا بتورِّده إظهارًا للاقتدار، وذاهبًا على الإغراب. فمن مُفرِّطٍ ومقتصد، ومحمودٍ فيما يأتيه ومذموم، وذلك على حسب نهوضِ الطبع بما يُحمَّل، ومدى قواه فيها يُطلب منه ويُكَلَّف. فمَنْ مال إلى الأوَّلِ، فلأنه أشبهُ بطرائقِ الإعراب، لسلامته في السبك، واستوائه عند الفحص. ومَنْ مال إلى الثاني، فلدلالته على كمال البراعة، والالتذاذ بالغرابة.
وأما تعجُّبُك من أبي تمامٍ في اختيار هذا المجموع، وخروجه عن ميدان شعره، ومفارقته ما يهواه لنفسه، وإجماع نقاد الشعر بعده على ما صحبه من التوفيق في قصده، فالقولُ فيه أن أبا تمَّامٍ كان يختارُ ما يختاره لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته. والفرقُ بين ما يُشتهَى وبين ما يُستجَادُ ظاهر، بدلالة أن العارفَ بالبَزِّ قد يشتهي لُبسَ ما لا يستجيده، ويستجيد ما لا يشتهي لُبسَه. وعلى ذلك حالُ جميع أعراض الدنيا مع العقلاء العارفين بها في الاستجادة والاشتهاء.
وهذا الرجلُ لم يعمِدْ من الشعراء إلى المشتهرين منهم دون الأغفال، ولا من الشِّعرِ إلى المتردِّدِ في الأفواه والمجيب لكل داع، فكان أمره أقرب. بل اعتسفَ في دواوين الشعراء، جاهليِّهم ومخضْرَمِهم وإسلاميِّهم ومولَّدهم، فاختطف منها
стр. 1345
الأرواحَ دون الأشباح، واخترف الأثمارَ دون الأكمام، وجمع ما يوافق نظمَه ويخالفه؛ لأن ضروبَ الاختيار لم تخفَ عليه، وطرقَ الإحسان والاستحسان لم تستتر عنه، حتى إنك تراه ينتهي إلى البيت الجيِّدِ فيه لفظةُ تشِينُه فيَجْبُرُ نقيصتَهُ من عنده، ويبدِّل الكلمةَ بأختها في نقده.
وهذا يَبِينُ لمَنْ رجع إلى دواوينهم فقابل ما في اختياره بها. ولو أن نقدَ الشعر كان يُدرَك بقوله، لكان مَنْ يقول الشعرَ من العلماء أشعرَ الناس. ويكشِف هذا أنه قد يُمَيِّزُ الشعرَ مَنْ لا يقوله، ويقول الشعرَ الجيِّدَ مَنْ لا يعرِف نقدَه. على ذلك كان البُحْتُرِيُّ؛ لأنه فيما حُكِيَ عنه كان لا يُعْجَبُ من الشعر إلا بما وافق طبعَه ومعناه ولفظَه.
وحكى الصوليُّ أنه سمع المبرَّد يقول: "سمعتُ الحسن بن رجاء يقول: ما رأيتُ أحدًا قط أعلمَ بجيِّدِ الشعر قديمه وحديثه من أبي تمام". وحُكِيَ عنه أنه مَرَّ بشعرِ ابن أبي عُيَيْنَة فيما كان يختارُه من شِعْرِ المحدَثين فقال: "وهذا كلُّه مختار". هذا وشعره أبعد الأشياء من شعره، وهذا واضح.
وأما ما غلب على ظنِّك من أن اختيارَ الشعراء موقوفٌ على الشهوات؛ إذ ما كان يختاره زيدٌ يجوز أن يزَيِّفَه عمرو، وأن سبيلَها سبيلُ الصور في العيون، إلى غير ذلك مما ذكرته، فليس الأمرُ كذلك؛ لأن مَنْ عرف مستورَ المعنى ومكشوفَه، ومرفوضَ اللفظ ومألوفَه، وميَّز البديعَ الذي لم تقتسمْه المعارضُ ولم تعتسفه الخواطر، ونظَرَ وتبَحَّر، ودار في أساليب الأدب فتخَيَّر، وطالت مجاذبتُه في التذاكر والابتحاث، والتداول والابتعاث، وبان له القليلُ النائبُ عن الكثير، واللَّحْظُ الدالُّ على الضمير، ودرى تراتيبَ الكلام وأسرارَها، كما درى تعاليقَ المعاني وأسبابَها، إلى غير ذلك مما يُكمِّل الآلةَ ويشحذ القريحة - تراه لا ينظُرُ إلا بعينِ البصيرة، ولا يسمع إلا بأُذُنِ النَّصَفَة، ولا ينتقد إلا بيد المَعْدِلة، فحكمُه الحكمُ الذي لا يبدَّل، ونقدُه النَّقْدُ الذي لا يُغيَّر.
واعلم أنه قد يعرِف الجيدَ مَنْ يجهل الرديء. والواجبُ أن تَعرِف المقابحَ المتَسخَّطة، كما عَرَفتَ المحاسنَ المرتضاة. وجِماعُها إذا أُجْمِلتْ أنها أضدادُ ما بيَّنَّاه من
стр. 1346
عَمَد البلاغة وخصال البراعة في النظم والنثر. وفي التفصيل كأن يكون اللفظ وحشيًّا أو غير مستقيم، أو لَا يكون مستعملًا في المعنى المطلوب، فقد قال عمر ﵁ في زهير: "لا يتتبع الوحشيَّ، ولا يُعاظل في الكلام"، أو يكون فيها زيادةٌ تُفسد المعنى أو نقصان، أو لَا يكون بين أجزاء البيت التئام، أو تكون القافيةُ قلقةً في مقرِّها أو مَعيبةً في نفسها، أو يكون في القَسْمُ أو التقابل أو في التفسير فسادٌ، أو فِي المعنى تناقضٌ أو خروجٌ إلى ما ليس في العادة أو الطبع، أو يكون الوصفُ غيرَ لائقٍ بالموصوف، إلى غير ذلك مما يحصِّله لك تأملُك جُمَلَ المحاسن وتفصيلها، وتتبعُك ما يضادُّها وينافيها، وهذا هَيِّنٌ قريب.
وإنما قلت هذا؛ لأن ما يختاره الناقدُ الحاذقُ قد يتَّفِقُ فيه ما لو سُئِلَ عن سبب اختياره إياه، وعن الدلالة عليه، لم يمكنه في الجواب إلا أن يقول: هكذا قضيةُ طَبْعِي، أو ارجِعْ إلى غيري مِمَّنْ له الدُّربةُ والعلمُ بمثله، فإنه يحكُمُ بمثلِ حكمي. وليس كذلك ما يسترذِلُه النقدُ أو ينفيه الاختيار؛ لأنه لَا شيءَ من ذلك إلا ويمكن التنبيهُ على الخللِ فيه، وإقامةُ البرهان على رداءته، فاعلمْه.
وأما تمنِّيك معرفةَ السببِ في تأخُّرِ الشعراء عن رُتْبَةِ الكتاب والبلغاء، والعذرِ في قلةِ المترسِّلين وكثرةِ المفلقين، والعلةِ في نباهة أولئك وخمولِ هؤلاء، ولماذا كان اكثرُ المُفْلِقِين لا يَبْرَعُون في إنشاء الكتب، وأكثرُ المترسِّلين لا يُفْلِقُون في قرض الشعر، فإني أقول في كل ذلك بما يحضر، والله ولي توفيقي، وهو حسبي وعليه توكلي.
اعلم أن تأخرَ الشعراء عن رتبة البلغاء موجِبُه تأخُّرُ المنظوم عن رتبة المنثور عند العرب لأمرين:
أحدهما أن ملوكَهم قبل الإسلام وبعده كانوا يتبجَّحُون بالخطابة والافتنان فيها، ويَعُدُّونها أكملَ أسبابِ الرئاسة، وأفضلَ آلات الزعامة. فإذا وقف أحدُهم بين السِّمَاطين لحصول تنافرٍ أَو تضاغُنٍ أو تظالُمٍ أو تشاجر، فأحسنَ الاقتضابَ عند البداهة، وأَنْجَعَ في الإسهابِ وقتَ الإطالة، أو اعتلى في ذِرْوة مِنْبَرٍ فتصرَّف في
стр. 1347
ضروبٍ من تخشينِ القول وتليينه، داعيًا إلى طاعة، أو مستصلِحًا لرعية، أو غير ذلك مما تدعو الحاجةُ إليه، كان ذلك أبلغَ عندهم من إنفاقِ مالٍ عظيم، وتجهيزِ جيشٍ كبير. وكانوا يأنَفُون من الاشتهار بقَرْض الشعر، ويَعُدُّه ملوكُهم دناءة، وقد كان لامرئ القيس في الجاهلية مع أبيه حُجْر بن عمرو حين تعاطى قولَ الشعر فنهاه عنه وقتًا بعد وقت وحالًا بعد حالٍ، ما أخرجه إلى أن أمر بقتله، وقصتُه مشهورة، فهذا واحد.
والثاني أنهم اتخذوا الشعرَ مكسَبَةً وتجارة، وتوصَّلوا به إلى السُوَقة، كما توصَّلوا به إلى العلية، وتعرضوا لأعراض الناس، فوصفوا اللئيمَ عند الطمع فيه بصفة الكريم، والكريمَ عند تأخر صلته بصفة اللئيم، حتى قيل: "الشعر أدنى مروءة السري وأسرى مروءة الدني". فهذا البابُ ظاهر. وإذا كان شرف الصانع بمقدار شرف صناعته، وكان النظمُ متأخرًا عن رتبة النثر، وجب أن يكون الشاعرُ أيضًا متخلفًا عن غاية البليغ.
ومما يدلُّ على أن النثرَ أشرفُ من النظم أن الإعجازَ من الله تعالى جده والتحدي من الرسول ﵇ وقعا فيه دون النظم، يكشف ذلك أن معجزاتِ الأنبياء ﵈ في أوقاتهم كانت من جنسِ ما كانت أُممُهم يولَعون به في حينهم، ويغلب على طبائعهم، وبأشرف ذلك الجنس. على ذلك كانت معجزةُ موسى ﵇؛ لأنها ظهرت عليه وزمنُه زمنُ السِّحر والسَّحرة، فصارت من ذلك الجنس وبأشرفه. وكذلك كان حالُ عيسى ﵇؛ لأن زمنه كان زَمنَ الطب، فكانت معجزتُه - وهي إحياء الموتى - من ذلك الجنس وبأشرفه.
فلما كان زمنُ النبي ﷺ زمنَ الفصاحة والبيان، جعل الله معجزتَه من جنسِ ما كانوا يُولَعون به وبأشرفه، فتحدَّاهم بالقرآن كلامًا منثورًا، لا شعرًا منظومًا. وقد قال الله في تنزيه (١) النبي ﷺ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْر
стр. 1348
وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩]، وقال أيضًا: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ [الشعراء: ٢٢٤, ٢٢٥]. ولَمَّا كان الأمرُ على ما بينَّاه، وجب أن يكون النثرُ أرفعَ شأنًا وأعلى سمكًا وبناءً من النظم، وأن يكون مزاولُه كذلك، اعتبارًا بسائر الصناعات وبمزاوليها.
وأما السببُ في قلةِ المترسِّلين وكثرة المفلِقين وعِزِّ مَنْ جمع بين النوعين مبرِّزًا فيهما، فهو أن مَبْنَى "الترسُّل" أن يكون واضحَ المنهج، سهلَ المعنى، ممتدَّ الباع، واسعَ النطاق، تدُلُّ لوائحُه على حقائقه، وظواهرُه على بواطنه؛ إذ كان مورُده على أسماعٍ مفترقة: من خاصِّي وعامي، وأفهامٍ مختلفة: من ذكِيٍّ وغبي. فمتى كان متسهَّلًا متساوقًا، ومتسلسلًا متجاوبًا، تساوتِ الآذانُ في تلقيه، والأفهامُ في درايته، والألسُن في روايته، فيَسْمَحُ شاردُه إذا استُدعِي، ويتعجَّلُ وافدُه إذا استُدنِي، وإنْ تطاول أنفاسُ فصوله، وتباعَد أطرافُ حزونه وسهوله.
стр. 1349
ومبنى "الشعر" على العكس من جميع ذلك؛ لأنه مبنِيٌّ على أوزانٍ مقدرة، وحدودٍ مقسمة، وقوافٍ يُساق ما قبلها إليها مهيأة، وعلى أن يقوم كلُّ بيتٍ بنفسه غيرَ مفتقرٍ إلى غيره، إلا أن يكون مضمَّنًا بأخيه، وهو عيب فيه. فلما كان مداه لا يمتدُّ بأكثرَ من مقدارِ عَرُوضِه وضَرْبِه، وكلاهما قليل، وكان الشاعرُ يعمل قصيدتَه بيتًا بيتًا، وكلُّ بيتٍ يتقاضاه بالاتحاد، وجب أن يكون الفضلُ في أكثر الأحوال في المعنى، وأن يبلغ الشاعرُ في تلطيفه والأخذ من حواشيه حتى يتسعَ له اللفظ، فيؤديَه على غموضه وخفائه - حدًّا يصير المدركُ له والمشرفُ عليه كالفائز بذخيرةٍ اغتنمها، والظافرِ بدفينةٍ استخرجها. وفي مثل ذلك يحسن امِّحاء الأثر (١)، وتباطؤ المطلوب على المنتظر. فكلُّ ما يُحمد في الترسل ويُختار يُذَمُّ في الشعر ويُرفض.
فلما اختلف المبنيان كما بينَّا، وكان المتولِّي لكلِّ واحد منهما يختار أبعدَ الغايات لنفسه فيه، اختلفت فيهما الإصابتان، لتباين طرفيهما، وتفاوت قُطريهما، وبَعُد على القرائح الجمعُ بينهما. يكشف ذلك أن الرَّجَزَ وإنْ خالف القصيدَ مخالفةً قريبة ترجع إلى تقطيع شأو اللفظ فيه، وتزاحم السجع عليه، قلّ عددُ الجامعين بينهما لتقاصر الطباع عن الإحاطة بهما. فإذا كان الرجزُ والقصيد مع أنهما من واد واحد، أفضت الحالُ بمتعاطيهما إلى ما قلتُ على خلاف يسير بينهما، فالنثر والنظم، وهما في طرفين ضِدَّيْن وعلى حالتين متباينتين، أولى وأخص.
وأما السَّبَبُ في قلةِ البلغاءِ وكثرةِ الشعراء، ونباهةِ أولئك وخمولِ هؤلاء، فهو أن المترسِّلَ محتاجٌ إلى مراعاة أمورٍ كثيرة، إن أهملَها أو أهملَ شيئًا منها رجعت النقيصةُ إليه، وتوجهت اللَّائمةُ عليه.
стр. 1350
ومنها تَبَيُّنُ مقادير مَن يكتب عنه وإليه، حتى لا يرفعَ وضيعًا ولا يضَعَ رفيعا.
ومنها وزِنُ الألفاظ التي يستعملها في تصاريفه، حتى تجيءَ لائقةً بمن يُخاطب بها، مفخِّمة لحضرةِ سلطانه التي يصدر عنها.
ومنها أن يعرِفَ أحوالَ الزمان وعوارضَ الحدَثَان، فيتصرَّفَ معها على مقاديرِها في النَّقْضِ والإبرام، والبسطِ والانقباض.
ومنها أن يعلم أوقاتَ الإسْهابِ والتطويل، والإيجاز والتخفيف، فقد يتَّفِقُ ما يُحتاج فيه إلى الإكثار حتى يستغرق في الرسالة الواحدة أقدارَ القصائد الطويلة؛ ويتفق أيضًا ما تُغْنِي فيه الإشارةُ وما يجري مجرى الوحْيِ في الدلالة.
ومنها أن يعرف من أحكام الشريعة ما يقف به على سواء السبيل، فلا يشتطُّ في الحكومة، ولا يعدل فيما يخُطُّ عن المحجة. فهو إنما يترسَّل في عهود الولاة والقضاة، وتأكيدِ البيعة والأيمان، وعمارةِ البلدان، وإصلاحِ فسادٍ، وتحريضٍ على جهاد، وسدِّ ثُغورٍ، ورَتْقِ فتوق، واحتجاجٍ على فئة، أو مجادلةٍ لملة، أو دُعاءٍ إلى ألفة، أو نهيٍ عن فرقة، أو تهنئةٍ بعطية، أو تعزيةٍ برزية، أو ما شاكل ذلك من جلائل الخطوبِ وعظائمِ الشؤون التي يُحتَاجُ فيها إلى أدواتٍ كثيرة، ومعرفةٍ مُفْتَنَّة.
فلما كان الأمرُ على هذا، صار وجودُ المضطلِعين بجودة النثر أعزَّ، وعددُهم أنزر. وقد وَسَمَتْهم الكتابةُ بشرفها، وبوأتهم منزلةَ رئاستها، فأخطارُهم عاية بحسب عُلُوِّ صناعتهم، ومعاقد رئاستهم، وشدة الفاقة إلى كفايتهم.
والشعراء إنما أغراضُهم التي يُسَدِّدُون نحوها، وغايتهم التي ينزِعون إليها، وصفُ الديار والآثار، والحنينُ إلى المعاهد والأوطان، والتَّشْبِيبُ بالنساء، والتلطيفُ في الاجتداء، والتَّفَنُّنُ في المديح والهجاء، والمبالغةُ في التشبيه والأوصاف. فإذا كان كذلك، لم يتدانَوْا في المضمار، ولا تقاربوا في الأقدار.
وإذ قد أتينا بما أردنا، ووفَّيْنا بما وعَدْنا، فإنَّا نَشتغل بما هو القصدُ من شرحِ الاختيار، والله الموفِّق للصواب، والصلاة والسلام على رسوله وآله الأخيار.
стр. 1351
شرح المقدمة الأدبية
-١ -
[تقديم]
وافاني الجزءُ الأول من المجلد السابع والعشرين الصادر في ربيع الثاني سنة ١٣٧١ هـ لمجلة المجمع العلمي بدمشق، فإذا مِنْ أحسنِ ما حواه مقدمةٌ دبَّجها الإمامُ البليغ أبو علي المرزوقي (١) لشرحه على ديوان الحماسة اختيار أبي تمام، وهي مِمَّا نشر وصحَّح وحقَّق الأستاذ الدكتور شكري فيصل. فلما رأيتُها تحدثتْ نفسي بالشكر لشكري فيصل على نشرة مَثَلُها ومَثَلُه كالمهَنَّد بيد صَيْقَل. فإنها خيرُ رائدٍ لمنتجِعِ روضَ الفصاحة، وأبصرُ مقدمة لجحفل البلاغة، تفتح لمقتفيها ما استعصمتْ به خفايا النُّكتِ من الصياصي، وتمكّن بيد مُتْقِنِها من جياد السبق أجفلَ النواصي؛ إذ كانت قد أحاطتْ بمعاقدِ الأدب، وتعاطتْ بمحجنها أفنانَه فتدلّى يانعُ ثمره واقترب.
وقد كنتُ قِدْمًا اهتممتُ بتدبُّرها عند إقرائي ديوانَ الحماسة بجامع الزيتونة بتونس منذ عام ١٣٢٦ هـ، فقدَرتُ قدرَها، وتبيّنتُ نفاستَها في صناعة الأدب
стр. 1352
وخَطْرَها، ثم طَواها الذهنُ ببسطِ مسائلَ أخرى، وثَنَى عِنَانَ طِرْفه فأطلق له في ميادن فسيحةٍ وأجرى. فإذَا بهذه النشرةِ تطالعُنِيها مطالعةَ الخريدة، تبسِم إلى الصَّبِّ فتردُّ محبتَه الرثَّة جديدة، أو كالظَّبْيِ ينفر عن مراعاة رَبْرَبِه (١)، ثم يُنِيلُها عِطْفَه وجيدَه (٢).
ذلك هزَّ من عِطفي وحرَّك سواكني إلى مراجعة عهدٍ مضى، فأصدّق عزمًا قديمًا وغرضَا، هو العزم على أن أعلق على هذه القدمة القيمة، وأسرح إليها جوادَ الذهن وأسومه. فإنها جديرةٌ بشرح ينشر مطاويها الوفيرة الأغراض، ويصدِّق شَيْمَ مَنِ اتبع صوبَ بروقها المتكررة الإيماض، إذ هيَ من قبيل اللمحة الدالة، والخريدة الملتحفة غير المتجالَّة (٣). فهي خليقةٌ بِفَسْر كثيرٍ من معانيها؛ إذ كانت مُفْرَغَةً في دقَّة صياغة، ولو أُخِذتْ على غِرِّها لم يُدرِكْ غورَها سوى الراسخين في البلاغة، فعُنيتُ بتوضيح دقائقها، واكتفيتُ في بعض المواضع بالحوالة على كتب الأدب.
ومن غريب الاتفاق أني حين حلَلْتُ بالآستانة في أواخر العام ١٣٧٠ هـ لحضور المؤتمر الثاني والعشرين للمستشرقين (٤)، ورأيتُ خزائنَ كتبها الثرية، كان
стр. 1353
مما لفت نظري نسخةٌ تامة من شرح المرزوقي في مكتبة كوبريلي باشا تحت عدد ١٣٠٤. وهي نسخة عتيقة نُسخت سنة ٦٧٦ هـ، ذاتُ ٤٢٠ ورقة في القالب الرابعي، وقد حصلتُ منها على شريط فوتوغرافي. ولم يكن عندنا بخزائن تونس إلا نسختان من جزءٍ أول ومن تجزئة خمسة، حوتهما مكتبةُ الجامع الأعظم عدد ٤٥٣٤ وعدد ٤٥٣٥، ورأيتُ ما بينهما من اختلاف، وقد رأيتُ أن أضمَّ إلى ذلك ما خالفتْ فيه النسختان التونسيتان نسخةَ الآستانة استكمالًا للضبط. وإلى القارئ تعليقَنا على هذه المقدمة بتفسير غريبها، وتبيين مقاصدها وتقريبها (١).
• قال الإمام المرزوقي: "وبعدُ فإنَّكَ جَارَيْتَنِي - أطالَ الله بقاءك في أشمل سعادة وأكمل سلامة - لمَّا وجدتَني أقصُرُ ما أستفضلُه من وقتي وأستخلصه من وكْدِي على عمل شرحٍ للاختيار المنسوب إلى أبي تمام حبيب بن أوس الطائي، المعروف بكتاب الحماسة، أمرَ الشعر وفنونَه" (٢)،
الخطابُ لِمَنْ سأله تحقيقَ ما تضمنته هذه المقدمة، ويظهر أن هذا المخاطَب هو أيضًا قد سأله شرحَ اختيار أبي تمام، أو أنه حرَّضه على إتمامه؛ لأن المؤلف قال في
стр. 1354
خاتمة الشرح (١): "قد سهل الله، وله الحمد تعالى جَدُّه، بلوغَ المنتظَر مِن تتميم شرح هذا الاختيار. والله بمنه وطَوْله ينفعكَ وإيَّانَا به، ويعينُك على تفهمه. . ." إلخ (٢). وفيما حكاه المرزوقيُّ عن هذا المخاطَب من السؤال ما يدُلُّ على أنه من الممارِسين للأدب، الواقفِين على جياده، ولكنه لم يبلغ مبلغَ أئمة علم الأدب والنقد. فلذلك أوى إلى المرزوقي في كشف حقائقها؛ إذ كان المرزوقيُّ يُلقَّب بالإمام.
وقوله "جاريتني" هكذا ثبت في جميع النسخ. ومعناه حادثتني فيه، قال في لسان العرب: "وجاراه الحديثَ وتجارَوْا فيه" (٣)، فاستُعيرت المجاراةُ تمثيلًا لحال المتحادِثَيْن بحال الفارسَيْن يجربان. ومن هذا القبيل قولُهم تساجلَا الشعرَ، وتسايرا المجادلة. وقد أعاد المؤلفُ هذا اللفظَ في خاتمة الشرح إذ قال: "فإني لم أدركه إلا بمجاراةٍ لشيوخ الصناعة فيه". (٤)(٥)
стр. 1355
وقول المؤلف "أَقصُر" (بهمزة مفتوحة وبضم الصاد)، أي أرد وأحبس، ويتعلق به قولُه "على عمل شرح". و"الوَكْد" بفتح الواو وسكون الكاف هو الهم والقصد، وقوله "أمرَ الشعر" كذلك ثبت في أكثر النسخ وفي نسخة ذكرها الناشر "في أمر الشعر"، وهي الأوْلَى، وعلى ما في معظم النسخ يكون "أمرَ الشعر" منصوبًا على نزع الخافض.
وأبو تمام من شعراء الدولة العباسية في خلافة المعتصم، امتاز بطريقةٍ ابتكرها في الشعر، وهي طريقةُ تدقيق المعاني وتكثيرِها، ولو أداه ذلك إلى شيءٍ من الخفاء في استفادتها من اللفظ. وأخذ عنه البحتريُّ، وتُوُفِّيَ بالموصل سنة ٢٢٨ هـ، وقيل ٢٣١ هـ، وقيل سنة ٢٣٢ هـ، وديوانُه مشهور. وجمع "ديوانَ الحماسة"، وهو واضحُ الشهرة في الأدب العربي، اشتمل على عشرةِ أبواب من فنون الشعر، أولها باب الحماسة وهو الذي دُعِي به، جمع فيه قطعًا للشعراء غير المشهورين. وله اختيارٌ ترجمه بالقبائلي، اختار فيه قطعًا من محاسن أشعار القبائل. وله الاختيارُ القبائلي الأكبر، اختار منه (١) من كل قصيدة. وله اختيارُ الشعراء الفحول، واختيارٌ على طريقة ديوان الحماسة صدّره بباب الغزل.
• قال المؤلف: "وما قال الشعراء في الجاهلية وما بعدها وفي أوائل أيام الدولتين وأواخرهما من الرفعة به" (٢)،
ترتيبُ هذه الفقرات في أكثر النسخ كما رأيتَ هنا، وفي نسخة من النسختين بتونس مغايَرةٌ لهذا؛ إذ وقعتْ فقرة "من الرفعة به" عقب فقرة "وما نال الشعراء"، وذلك أحسنُ مما في النسخ الأخرى. ووقع قوله "وفي أوائل" في إحدى نسختي تونس مجردًا عن واو العطف، وهو أحسن إذ يكون قولُه "في أوائل الدولتين" حالًا
стр. 1356
من قوله "وما بعدها"، أي بعد الجاهلية، فيكون عصرُ النبوة وعصرُ الخلفاء الأربعة غيرَ داخل. وأما النُّسَخُ التي فيها إثباتُ الواو فهي تقتضي أن يكونَ المرادُ بما بعد الجاهلية مدة زمن صدر الإسلام، وليس للشعراء في صدر الإسلام رفعة، بل كان الشعراء قد هجروا الشعرَ مثل لبيد بن ربيعة العامري، إلا أن يكون المقصودُ الشعراء الذين ذبُّوا عن رسول الله ﷺ مثل حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة.
قوله "وأواخرها"، وقع في إحدى النسختين التونسيتين "وأواخرهما" بالتثنية، والمرادُ أواخرُ مجموعهم، أي أواخر الثانية منهما.
• "إذ كان الله قد أقامه للعرب مقامَ الكتب لغيرها من الأمم" (١): أراد بالكتب كتبَ العلوم والتاريخ؛ لأن العرب أمةٌ أمية امتازت بالفطنة في السجية، فكان شعرُها ترجمانَ ذكائها وديوان آرائها.
• "فهو مستودع آدابها ومستحفَظ أنسابها" (٢). وقع في نسختي تونس ونسخة الآستانة عقب هذا جملة لم تثبت فيما نشر الدكتور شكري، وهي "ونظام فخارها يوم النفار"، وموقع هذه الفقرة حسنٌ لما في إثباتها من تعادل الأقسام في الترسل. [و] "النِّفار" بكسر النون، مصدر نافر غيره، إذا خاصمه في الشرف والفخر، فتحاكما في ذلك إلى حكم.
• "وديوان حجاجها عند الخصام، ثم سألتني عن شرائط الاختيار فيه وعمَّا يتميز به النظمُ عن النثر وما يُحمد أو يُذَمُّ من الغلو فيه أو القصد، وعن قواعد الشعر التي يجب الكلام فيها وعليها" (٣)، وفي إحدى نسختي تونس "لها أو عليها" وهما أظهر.
стр. 1357
• "حتى تصير جوانبُها محفوظةً من الوهن وأركانها محروسة من الوهي إذ كان لا يُحكم للشاعر أو عليه بالإساءة أو بالإحسان إلا بالفحص عنها وتأمّل مأخذه منها ومدى شأوه فيها" (١)، "المدى" الغاية، و"الشأو" السبق، أي منتهى ما سبق فيه شاعرٌ غيرَه من الشعراء.
• "وتمييز المصنوع مما يحوكه من المطبوع، والأَتِيِّ المستسهل من الأبِيَّ المستنكَر" (٢)، سيأتي للمؤلف ذكرُ المصنوع والمطبوع بعد ذكر الأبواب السبعة التي هي عمود الشعر ونشرحه هنالك.
و"الأتي" ما يجلبه الساقي إلى أرضه من السيل أو النهر بأن يحفر به حفيرًا يجري فيه الماء، قال النابغة يذكر جاريةً ضربت في الأرض حفيرًا بالمسحاة لصرف الماء عن بيت أهلها:
خَلَّتْ سَبِيلَ أتِيٍّ كَانَ يَحْبِسُهُ ... ورَفّعَتْهُ إلى السَّجْفين فالنَّضَدِ (٣)
والمؤلف أراد بالأَتِيِّ السهل، ولذلك أتبعه بوصف المستسهل وصفًا كاشفًا، وقد أتبعه فيما يأتِي بوصف السمح في صفحة ٨٨ سطر ٦ من النشرة. و"الأَبِيُّ" فعيل من أمثلة المخالفة، وأصلُه الرجل المتعاصي غير المطواع. وقد استعاره المؤلفُ للكلام الذي يبدو عليه التكلُّف، ولذلك أَتبعه بوصف المستنكَر والمستكرَه، وأتبعه فيما يأتي بوصف الصعب (٤).
стр. 1358
• "وقضيتَ العجبَ كيف وقع الإجماعُ من النقاد على أنه لم يتفقْ في اختيار المقطوعات أنقى مما جمعه، ولا في اختيار المقصَّدات أَوْفَى مما دوّنه المفضّلُ (١) ونقدَه. وقلتَ إن أبا تمام معروفُ المذهب فيما يقرضه، مألوفُ المسلك بنظمه، نازعٌ في الإبداع إلى كل غاية، حاملٌ في الاستعارات كلَّ مشقة، متوصِّلٌ إلى الظَّفر بمطلوبه من الصنعة أين اعتسف وبما عثر، متغلغلٌ إلى توعير اللفظ وتغميض المعنى أنّى تأتّى له وقَدَر؛ وهو عادلٌ فيما انتخبه في هذا المجموع عن سلوك معاطِفِ ميدانه، ومرتضٍ ما لم يكن فيما يصوغه في أمره وشانه. فقد فَلَيْتُه فلم أجدْ فيه ما يوافق ذلك الأسلوبَ إلا اليسير. ومعلوم أن طبعَ كلِّ امرئ - إذا ملك زمامَ الاختيار - يجذبه إلى ما يستلذُّه ويهواه، ويصرفه عمَّا ينفر منه فلا يرضاه" (٢)،
"قضيت العجب" كلمةٌ جرت مجرى المثل، معناه تعجبتَ العجبَ القوي؛ لأنه إذا تعجب عجبًا قويًّا فكأنه قضاه، أي أداه وأتمه، ومنه قضى وطرًا، قال الحريري في المقامات: "وقضيتُ العجبَ مما رأيت". (٣) و"المقطوعات" القِطع من الشعر المختارة من قصائد، أو التي نُظمتْ من أول الأمر قطعًا قصيرةً من الشعر.
стр. 1359
وتسمى مقاطيع جمع مقطوع، وتسمى قطعًا جمع قطعة، وهي ما كان من الشعر أقلَّ من ستة عشر بيتا. ووصفُ ديوان الحماسة بذلك باعتبار غالبه، وإن كان قد يوجد فيه ما يزيد على ستة عشر بيتًا من قصائد كاملة أو بعضها.
و"المقصَّدات" جمع المقصَّدة، وهي القصيدة وجمعها قصائد، واسم الجمع قصيد، وقد يُطلق القصيدُ على القصيدة باعتبار الجنس. والقصيدة طائفةٌ من الشعر زائدة على خمسة عشر بيتًا، وهذه الأسماء مشتقة من القصد؛ لأن قائلَها قصدها واعتمدها. فأما المَقصَّدة فلأن الشاعر جعلها قصيدة، وما دون القصيدة يسمى قطعة. والذي "دوّنه المفضّلُ" هو الديوان المعروف بالمفضليات، يشتمل على مائة وأربع وعشرين قصيدة اختارها إجابةً لرغبة أبي جعفر المنصور لفائدة ابنه المهدي، وجامعها هو المفضل بن محمد بن يعلى الضبي الكوفي، الراوية اللغوي، توُفِّيَ سنة ١٦٨ هـ. وعلى "المفضليات" شرحٌ للمرزوقي، ذكره ياقوت (١). وقوله "إلى كل غاية"، أي إلى غايات كثيرة، فإن كلمة كل تستعمل في الكثرة للمبالغة دون قصد الشمول كقول النابغة:
بِهَا كُلُّ ذَيَّالٍ وَخَنْسَاءَ تَرْعَوِي ... إِلَى كُلِّ رَجَّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فَارِدِ (٢)
وفي القرآن: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢]. ووقع في نسخة الأستانة "أكمل" عوض "كل"، وهي ظاهرة.
وقوله فقد "فليته": وقع في إحدى النسختين التونسيتين "قلَّبْته" (بقاف ثم لام مشددة ثم موحدة)، وهي أحسن استعارة من فليته؛ لأن الفَلْيَ كلمةٌ مرذولة ينبو الأدباءُ من استعارتها كما سيأتي. والتاء مضمومة، وهي تاء المتكلم حكايةً لقول
стр. 1360
المخاطَب المحكي آنفًا بقوله: "وقلتَ إن أبا تمام إلخ". و"الأسلوب" الطريق، وهو في الاصطلاح الطريقةُ المخصوصة من الكلام البليغ، كقولهم في الالتفات إنه انتقالٌ من أسلوب إلى أسلوب، أي من طريقة الخطاب إلى طريقة الغيبة مثلًا، وقولهم الأسلوب الحكيم هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب (١).
• "وزعمتَ بعد ذلك أَجْمَعَ أنك مع طول مجالستِك لجهابذة الشِّعر والعلماء بمعانيه، والمبَرِّزين في انتقاده، لم تقفْ من جهتهم على حدٍّ يؤديكَ إلى المعرفة بجيِّدِه ومتوسِّطِه ورديئه، حتى تُجرِّد الشهادةَ في شيء منه، وتبُتَّ الحكمَ عليه أو له آمنًا من المجاذبين والمدافعين" (٢)،
"المجاذبون" أصحاب المجاذبة، وهي مفاعلة من الجذب للشيء، أي إدناؤه باليد لأخذه. فالمجاذبة أن يجذب كلا الشخصين شيئًا واحدًا كلاهما يطلب أخذَه لنفسه. والمرادُ بها هنا تمثيلٌ للمحاجَّة والاستدلال، فكلٌّ يُظهِرُ أن الحقَّ في جانبه، وهي من شعار أهل العلم في محادثاتهم ومناظراتهم. قال الزمخشريُّ في ديباجة "الكشاف"، في صفة من يستأهل أن يفسر القرآن: "قد رَجَع زمانًا ورُجِع إليه، ورَدَّ ورُدَّ عليه". (٣)
وأما "المدافعةُ" فهي مفاعلة أيضًا، وهو إبعادك الشيءَ عن جهة ما. فالمدافعة مرادٌ بها إبطالُ دليلِ الخصم عند المناظرة. فمن المدافعة المنعُ المجرد، والمنعُ بالسَّند في قواعد الجدل، وبقية الاعتراضات على الأدلة، وكلها راجعة إلى المنع (٤). واعلم أن
стр. 1361
المؤلف قد بين المجاذبة في آخر هذا الشرح (١) بقوله: "لا أنسى مجاذبتي فيها، متى كان في القول إمكان، وللتحصيل إرصاد، ولسهم النضال تسديد، وفي قوس الرماء منزع"، وهنا يظهر من حسن وقع لفظ المجاذبة ما لا يظهر في تغيير قوله في صدر الديباجة "فإنك جاريتني" إذ لم يقل "جاذبتني" كما قدمنا هنالك.
• "بل تعتقد أن كثيرًا مما يستجيزه زيدٌ يجوز أن لا يطابقَه عليه عمرو": الذي في النسختين التونسيتين ونسخة الآستانة "يستجيده" (٢) بدالٍ عوضَ الزاي، وهي أحسن معنًى ولفظا. ومعنى "لا يطابقه" لا يوافقه، مأخوذٌ من الإطباق، وهذه المادة تؤذن بالمساواة. ومنه الطبَق، وهو غطاء الإناء؛ لأنه يجعل بمقداره، ومنه أيضًا الانطباق.
• "وأنه قد يُسْتَحْسَنُ البيتُ ويُثْنَى عليه، ثم يُستَهْجَنُ نظيرُه في الشبه لفظًا ومعنى حتى لا مخالفةَ، فيُعرَضُ عنه، إذْ كان ذلك موقوفًا على استحلاء المستحلي واجتواء المجتوي" (٣): "الاجتواء" (بالجيم) افتعال من الجَوى، وهو الداء الباطني. والمراد بالاجتواء هنا الكراهةُ ونفورُ الطبع، وأصله عدم ملاءمة الجو للساكن فيه، وفي حديث النفَر من عُكْلٍ وعُرَيْنَة "أنهم اجتووا المدينة" (٤)، أي استوخموا جوَّها وهواءها إذ كانوا من أهل بادية، وصيغة الافتعال هنا للمطاوعة.
стр. 1362
• "وأنه كما يُرزق الواحدُ في مجالس الكبار من الإصغاء إليه والإقبال عليه، ما يُحرم صنوُه وشبيههُه، مع أنه لا فضيلةَ لذلك ولا نقيصةَ لهذا إلا ما فاز به من الجَدِّ عند الاصطفاء والقَسْم" (١)، أي وأن ذلك يشبه ما يُرزقه الشخصُ من الإصغاء إليه. وقوله "ما يحرم صنوه"، كذا في جميع النسخ، وهو من حذف عائد صلة الموصول إذ كان منصوبًا بفعل وهو كثير، فالتقدير ما يُحرمه. و"الجَد" (بفتح الجيم) الحظ والبخت، و"القَسْم" (بفتح القاف وسكون السين) مصدر اسم المفعول، وهو ما يقسم للمعطَى (بفتح الطاء) من العطاء. قال الأعشى: "ويقسم أمر الناس يومًا وليلةً". (٢)
و"القسْم" - في كلام المؤلف - معطوفٌ على الاصطفاء. والمعنى أنك تتوهم أن سببَ التفاضل بين البلغاء تابعٌ لميل الأعيان إلى بعض البلغاء دون بعض، بسبب اجتباء المائل الممالَ إليه اجتباءً ناشئًا عما للمُمَالِ إليه من البخت الذي قدره الله له.
والمقصودُ من كلام المؤلِّف إبطالُ أن يكون التفاضلُ خَلِيًّا عن أسباب حقيقية، وأنه ليس لأسباب وهمية. وإنما احتاج إلى إبطال هذا الوهم؛ لأنه جاش في نفس المخاطَب، ولأنه شاع بين ضعفاء العقول وقاصري الصناعة إذا خانتهم المقدرةُ أن يعتلُّوا لخيبتهم بأنهم حُرموا البخت، وأن تفَوُّقَ مَنْ سواهم عليهم لأجل أن المتفوِّق مبخوت. ومن هذا القبيل حالُ المشركين حين عجزوا عن معارضة القرآن فإنهم قالوا هو سحر (٣).
стр. 1363
- ٢ -
• "وقلتَ أيضًا: أني أتمنى أن أعرفَ السببَ في تأخُّر الشعراء عن رتبة الكُتَّاب البلغاء، والعذرَ في قلة المترسِّلين وكثرة المُفْلِقِين، والعلةَ في نباهة أولئك وخمول هؤلاء، ولماذا كان أكثرُ المترسِّلين لا يُفْلِقُون في قَرْض الشعر، وأكثرُ الشعراء لا يَبْرعون في إنشاء الكتب، حتى خُصَّ بالذكر عددٌ يسير منهم، مثلُ إبراهيم بن العباس الصولي وأبي علي البصير، والعَتّابي، في جمعهم بين الفنَّيْن واغترَازِهم ركابَ الظَّهْرَيْن. [هذا] ونظامُ البلاغة يتساوَى في أكثره المنظومُ والمنثور" (١)،
هذا تمام مجاراة المخاطَب المحكية في قول المؤلف "فإنك جاريتني"، وقوله "ثم سألتَني"، وقوله "وقلتَ"، وقوله "وزعمتَ". ووقع في كلام المؤلف: "والعذر في قلة المترسلين وكثرة المفلقين". فـ "المترسِّلون" هم أصحابُ الترسُّل، وهو صناعة إنشاء الكلام النثري؛ فإن الإنشاء يُطلق عليه اسم الترسل إطلاقًا شائعًا، وقد سَمَّى شهابُ الدين محمود الحلبي كتابه في صناعة الإنشاء "حسنَ التوسل إلى صناعة الترسل" (٢).
و"المُفلِقون" (بضم الميم وكسر اللام) هم فحولُ الشعراء، يقال أفلق الشاعرُ إذا نبغ في الشعر. وهذا اللفظ مشتقٌّ من الفِلق (بكسر الفاء وسكون اللام)، وهو الشيء العجيب. وهذا اللفظ من الكلمات التي ذهل عن إثباتها صاحبُ الصحاح وصاحب القاموس (٣). وذكر المؤلفُ ثلاثةً مِمَّنْ خُصَّ بالذكر من شعراء الكتاب.
стр. 1364
وقد بوب ابنُ رشيق في العمدة بابًا لأشعار الكتاب، فذكر الصولي وبعضًا من جيِّد شعره. وذكر أيضًا محمد بن عبد الملك الزيات، والحسنَ بن وهب، وسعيدَ بن حميد الكاتب. وذكر الوزير أبا الحسن بن الخلال المهدوي وزير بني عبيد (١). وأقول: من شعراء الكتاب لسانُ الدين بن الخطيب السلماني الأندلسي (٢).
стр. 1365
والصُّولي منسوبٌ إلى صُول، ضَيعة من جرجان، وهو تركيُّ الأصل نشأ في الدولة العباسية في مدة المعتصم، واتصل بالوزير الفضل بن سهل، وتوفي سنة ٢٤٣ هـ. له نثرٌ بليغ، وشعر رقيق غير طويل، ترجمه ياقوت في إرشاد الأريب. وأبو علي البصير هو الفضل بن جعفر النخعي الكوفي الضرير، سكن بغداد في خلافة المعتصم، شاعرٌ وكاتب توفي سنة ٢٥٥ هـ، ترجمه الصفدي. والعَتَّابي هو كلثوم بن عمرو العتابي (بفتح العين وتشديد التاء)، منسوب إلى بني عتاب من بطون تغلب. ولد بالشام، وسكن بغداد، واختص بالبرامكة، ومدح الرشيد. وهو شاعر مجيد، وكاتب حسن الترسل. توُفِّي سنة ٢٢٠ هـ، ترجمه في إرشاد الأريب (١).
ونظير ما ذَكَرَ فيمَنْ جمع الشعر والترسل ما ذكره الجاحظ فيمن جمع الشعر والخطابة، وعدّ منهم بضعةَ عشر في كتاب "البيان والتبيين" (٢). وذكر المؤلفُ لفظ "الخمول"، وهو بضم الخاء المعجمة، مصدر خمل، أي سقط. وهو مستعار لعدم الشهرة.
• "وأنا إن شاء الله وبه الحولُ والقوة، أُورد في كل فصلٍ من هذه الفصول ما يحتمله هذا الموضع، ويمكن الاكتفاءُ به؛ إذ كان لتقصِّي المقال فيه موضعٌ آخر، من
стр. 1366
غير أن أنصِبَ لما تُصَوِّرُه النعوتُ الأمثلةَ، تفاديًا من الإطالة؛ ولأنه إذا وضح السبيلُ وقعت الهدايةُ بأيسر دليل، والله الموفِّق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل" (١)،
"أنصُب" بضم الصاد: مضارع نصب الشيء إذا رفعه وأظهره (٢). ومنه سُمِّيَ التمثالُ من الحجر نصْبًا، تسميةً بالمصدر. واستعار المؤلفُ هذا الفعلَ لمعنى أذكر وأبين. "النعوتُ" فاعل تصوره، و"الأمثلة" مفعولُ أنصب. ومرادُه بالنعوت التوصيفاتُ الموضِّحةُ للحقائق، والقواعد التي توضع لطرق النقد والاختيار. و"التفادي" التحامي، وهو يتعدّى بمن غالبًا، لا نعلم ضمنوه معنى التباعد. وقوله "لأنه إذا وضح" في النسختين التونسيتين، ونسخة الآستانة "ولأنه".
• "اعْلَمْ أنَّ مذاهبَ نُقَّاد الكلام في شرائط الاختيار مختلفة، وطرائق ذوي المعارف بأعطافها وأردافها مفترقة، وذلك لتفاوت أقدار مَنادحِها على اتساعها، وتنازُحِ أقطار مَظَانِّها ومعالِمها، ولأن تصاريفَ المباني التي هيَ كالأوعية، وتضاعيف المعاني التي هي كالأمتعة في المنثور، اتسع مجالُ الطبع فيها ومسرحُه، وتشعَّب مُرادُ الفكر فيها ومطرحُه" (٣)،
وهذا شروعٌ في إجابة أسئلة الذي جاراه. "المذاهب" أصلها جمع مذهب، وهو مكان الذهاب إلى الطريق، وتطلق كثيرًا على الآراء والأفكار، سمَّوها مذاهب لأنها كالطرائق يذهب فيها الفكرُ فمثلوا حركةَ الفكر في معلومات خاصة بمشي الماشي في طريق وذهابه فيه. فهذا الإطلاقُ استعارة، ثم شاع عند أهل العلوم فصار حقيقةً عرفية علمية في مجموع المسائل العلمية النظرية التي أخذ بها طائفةٌ من علماء علم ما، فيقال مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة، ويقال مذهب البصريين ومذهب الكوفيين.
стр. 1367
و"الأعطاف" جمع عِطف (بكسر العين)، وهو قارعة الطريق. والأرداف جمع رِدف، وهو التابع الموالِي. وكأنه أراد بها أردافَ الأعطاف أي الطرق المتفرعة عنها، فصار ذانك اللفظان استعارتين لأصول أساليب الإنشاء ولما يتبع تلك الأصول من المحسِّنات، كما يشير إليه قولُه الآتي: "ومنهم من لم يرض بالوقوف على هذا الحد"، وقوله: "ومنهم مَنْ تَرَقَّى إلى ما هو أشق".
قال السكاكي في مفتاح العلوم عند انتهاء كلامه على محسنات البديع: "وأصلُ الحسن في جميع ذلك أن تكون الألفاظُ توابعَ للمعاني، أعني أن لا تكون متكلَّفة". (١) و"المنادح" جمع مندوحة، وهي الأرض المتسعة، والتنازح مشتق من نزح عن المكان إذا بعد. و"الأقطار" جمع قطر (بضم القاف وسكون الطاء)، وهو الناحية المعينة من الأرض والبلدان. والمظان جمع مَظِنّة (بفتح الميم وكسر الظاء) على خلاف القياس في بناء اسم المفعلة، أي المكان الذي يُظَنُّ وجودُ شيء ما فيه.
و"المعالم" جمع معلم (بفتح اللام)، وهو اسم المكان الذي يُعلم أنه كان منزل قومٍ، ومعالمُ القوم منازلهُم التي بها آثارهم، وهي مشتقة من العلم. فلذلك حَسُن جمعُ المؤلف بينها وبين المظان إيماءً إلى مراتب المعرفة بين علم وظن، فأراد بالمظان القواعدَ النظرية التي أنتجها الظن وبالمعالم القواعدَ القطعية التي هي قواعدُ الفن الناشئة عن استقراء الأدب العربي. و"على" من قوله: "على اتساعها" هي بمعنى مع. وهو معنى يعرض كثيرًا في حرف على، يعني أن تفاوتَ الأقدار تابعٌ لاتساع أساليب الأدب ولمقدار إحاطة الأديب بتلك الأساليب، وذلك أن حق "مع" أن تدخل على المتبوع فكذلك "على" التي هي بمعناها.
стр. 1368
و"التصاريف" جمع تصريف وهو التغيير، أي تغيير المتكلِّم كلامَه من أسلوب إلى أسلوب ومن كيفية إلى أخرى، بحسب اختلاف مواقعه. فالمراد تغيير طريقة الكلام التي يسلكها بأن يسلك مرةً طريقةً وأخرى طريقة غيرها، لا تغيير الكلام الواحد وتبديله. وعرفه عبد القاهر بقوله: "والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه". (١) وهذا هو المعبَّر عنه بالأساليب (جمع أسلوب)، وقد ذكرناه آنفا. وإطلاق التصريف على ذلك من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كالخَلق بمعنى المخلوق. والتضاعيف جمع تضعيف، وهو تكرير الشيء. أراد بها الفنونَ الكثيرة فجمعها؛ لأن كلَّ فن في الكلام هو تكريرٌ للجنس الأعلى، أعني جنس الخصوصيات البلاغية، فهو تكريرُ مظاهرَ لا تكرير شيء معين.
وقوله: "اتسع مجالُ الطبع. . ." إلخ، هو خبر عن قوله "ولأن تصاريف المباني. . ." إلخ. والطبعُ الوجدان الذهني، والمراد به هنا وجدانُ البليغ وطبعه، وهو المسمَّى عندهم بالذوق. وهو الذي يحصلُ للبليغ من ممارسة كلام البلغاء ومن تطبيق القواعد والضوابط التي يتلقاها في تعلم الصناعة، حتى تحصل له ملكةٌ تتميز بها أصنافُ الكلام في الجودة والرفعة ودونها، بحيث تحكم بأن هذا الكلامَ حسن وهذا أحسن وهذا دون ذلك. قال الجاحظ: "والإنسان بالتعلم وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء يجود لفظُه ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير". (٢) وقال السكاكي: "ليس من الواجب في صناعة (. . .) أن يكون الدخيلُ فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعةُ مستندةً إلى تحكماتٍ وضعية، واعتبارات إلفية؟ "، ثم قال: "وكان
стр. 1369
شيخُنا الحاتمي (١) - ذلك الإمام الذي لن تسمح بمثله الأدوار ما دار الفلك الدَّوّار - يحيلنا بحُسن كثير من محسِّنات الكلام إذا راجعناه فيها على الذوق، ونحن حينئذ ممن نبغ في عدة شعب من علم الأدب". (٢)
وبهذا يتضح أن الذوق والتطبع مترادفان، ولذلك تسمع أئمة الأدب يقولون: "هذا يشهد به الذوق السليم والطبع المستقيم"، ونحو هذه العبارة.
و"المجال" مكان الجولان وهو الطواف، و"المسرح" مكان السروح وهو انطلاق الأنعام في المرعى. وأراد المؤلف بهذين مواضيع المعاني البلاغية التي يعمل
стр. 1370
فيها الفكر لاستخراج دقائقها. و"المراد" - بضم الميم - موضعُ رياد الإبل، وهو تنقلها في المرعى مقبلةً ومدبرة. ووقع في النسختين التونسيتين ونسخة الآستانة "مراد الفكر لها"، وهو أحسن. و"المطرح" مكان الطرح أي البعد، وكل هذه تفنناتٌ من المؤلف. وقوله "في المنثور" يتنازعه "تصاريف" و"تضاعيف"، وإنما قيَّد موضوعَ بحثه هذا بالكلام المنثور؛ لأنه سيخص الشعرَ ببحث آخر يجيء عند قوله: "وكان الشعر قد ساواه [في جميع ذلك] " (١).
ومعنى كلام الإمام المرزوقي أن تنوعَ كيفيات مواقع الكلام البليغ مع دلالته على المعاني التي يقصد إليها البلغاء، قد كان تنوعًا يتجاذبه اعتبارُ ألفاظ الكلام واعتبارُ المعاني التي قصدها البلغاء من صناعتهم في البلاغة، وهو الذي كان سببًا في اختلاف أذواق علماء الأدب في شروط محاسن إيقاعها، اختلافًا ناشئًا عن اختلاف أميال (٢) الناقدين والمختارين بحسب ما أَلِفوه من ممارسة ما يُعجَبون به، ويروقُ لديهم من نتائج أهل اللسان. وهم مع ذلك متحيِّرون في تعيين سبب مدخل الاستحسان أو ضده إلى أذواقهم: أهو من جهة اللفظ أم هو من جهة المعنى؟ ويوضحه قوله "فمن البلغاء" إلخ. وقد أشار المؤلفُ إلى جهة الاختلاف الأولى إذ قال: "وذلك لتفاوت أقدار منادحها على اتساعها، وتنازح أقطار مظانها ومعالمها"، وأشار إلى معذرتهم عن التحير في تعيين مدخل الاستحسان وضده بقوله: "ولأن تصاريف المباني التي هي كالأوعية وتضاعيف المعاني التي هي كالأمتعة" إلى قوله "ومطرحه".
وليس مرادُ أصحاب هذا المذهب إهمالَ الالتفات إلى جانب المعاني، ولكنهم جعلوا الاهتمامَ بالألفاظ في الدرجة الأولى. فأول ما يُقصد من اهتمام البليغ عند هذا