← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

غير أن أنصِبَ لما تُصَوِّرُه النعوتُ الأمثلةَ، تفاديًا من الإطالة؛ ولأنه إذا وضح السبيلُ وقعت الهدايةُ بأيسر دليل، والله الموفِّق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل" (١)، "أنصُب" بضم الصاد: مضارع نصب الشيء إذا رفعه وأظهره (٢). ومنه سُمِّيَ التمثالُ من الحجر نصْبًا، تسميةً بالمصدر. واستعار المؤلفُ هذا الفعلَ لمعنى أذكر وأبين. "النعوتُ" فاعل تصوره، و"الأمثلة" مفعولُ أنصب. ومرادُه بالنعوت التوصيفاتُ الموضِّحةُ للحقائق، والقواعد التي توضع لطرق النقد والاختيار. و"التفادي" التحامي، وهو يتعدّى بمن غالبًا، لا نعلم ضمنوه معنى التباعد. وقوله "لأنه إذا وضح" في النسختين التونسيتين، ونسخة الآستانة "ولأنه". • "اعْلَمْ أنَّ مذاهبَ نُقَّاد الكلام في شرائط الاختيار مختلفة، وطرائق ذوي المعارف بأعطافها وأردافها مفترقة، وذلك لتفاوت أقدار مَنادحِها على اتساعها، وتنازُحِ أقطار مَظَانِّها ومعالِمها، ولأن تصاريفَ المباني التي هيَ كالأوعية، وتضاعيف المعاني التي هي كالأمتعة في المنثور، اتسع مجالُ الطبع فيها ومسرحُه، وتشعَّب مُرادُ الفكر فيها ومطرحُه" (٣)، وهذا شروعٌ في إجابة أسئلة الذي جاراه. "المذاهب" أصلها جمع مذهب، وهو مكان الذهاب إلى الطريق، وتطلق كثيرًا على الآراء والأفكار، سمَّوها مذاهب لأنها كالطرائق يذهب فيها الفكرُ فمثلوا حركةَ الفكر في معلومات خاصة بمشي الماشي في طريق وذهابه فيه. فهذا الإطلاقُ استعارة، ثم شاع عند أهل العلوم فصار حقيقةً عرفية علمية في مجموع المسائل العلمية النظرية التي أخذ بها طائفةٌ من علماء علم ما، فيقال مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة، ويقال مذهب البصريين ومذهب الكوفيين.

стр. 1367

و"الأعطاف" جمع عِطف (بكسر العين)، وهو قارعة الطريق. والأرداف جمع رِدف، وهو التابع الموالِي. وكأنه أراد بها أردافَ الأعطاف أي الطرق المتفرعة عنها، فصار ذانك اللفظان استعارتين لأصول أساليب الإنشاء ولما يتبع تلك الأصول من المحسِّنات، كما يشير إليه قولُه الآتي: "ومنهم من لم يرض بالوقوف على هذا الحد"، وقوله: "ومنهم مَنْ تَرَقَّى إلى ما هو أشق". قال السكاكي في مفتاح العلوم عند انتهاء كلامه على محسنات البديع: "وأصلُ الحسن في جميع ذلك أن تكون الألفاظُ توابعَ للمعاني، أعني أن لا تكون متكلَّفة". (١) و"المنادح" جمع مندوحة، وهي الأرض المتسعة، والتنازح مشتق من نزح عن المكان إذا بعد. و"الأقطار" جمع قطر (بضم القاف وسكون الطاء)، وهو الناحية المعينة من الأرض والبلدان. والمظان جمع مَظِنّة (بفتح الميم وكسر الظاء) على خلاف القياس في بناء اسم المفعلة، أي المكان الذي يُظَنُّ وجودُ شيء ما فيه. و"المعالم" جمع معلم (بفتح اللام)، وهو اسم المكان الذي يُعلم أنه كان منزل قومٍ، ومعالمُ القوم منازلهُم التي بها آثارهم، وهي مشتقة من العلم. فلذلك حَسُن جمعُ المؤلف بينها وبين المظان إيماءً إلى مراتب المعرفة بين علم وظن، فأراد بالمظان القواعدَ النظرية التي أنتجها الظن وبالمعالم القواعدَ القطعية التي هي قواعدُ الفن الناشئة عن استقراء الأدب العربي. و"على" من قوله: "على اتساعها" هي بمعنى مع. وهو معنى يعرض كثيرًا في حرف على، يعني أن تفاوتَ الأقدار تابعٌ لاتساع أساليب الأدب ولمقدار إحاطة الأديب بتلك الأساليب، وذلك أن حق "مع" أن تدخل على المتبوع فكذلك "على" التي هي بمعناها.

стр. 1368

و"التصاريف" جمع تصريف وهو التغيير، أي تغيير المتكلِّم كلامَه من أسلوب إلى أسلوب ومن كيفية إلى أخرى، بحسب اختلاف مواقعه. فالمراد تغيير طريقة الكلام التي يسلكها بأن يسلك مرةً طريقةً وأخرى طريقة غيرها، لا تغيير الكلام الواحد وتبديله. وعرفه عبد القاهر بقوله: "والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه". (١) وهذا هو المعبَّر عنه بالأساليب (جمع أسلوب)، وقد ذكرناه آنفا. وإطلاق التصريف على ذلك من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كالخَلق بمعنى المخلوق. والتضاعيف جمع تضعيف، وهو تكرير الشيء. أراد بها الفنونَ الكثيرة فجمعها؛ لأن كلَّ فن في الكلام هو تكريرٌ للجنس الأعلى، أعني جنس الخصوصيات البلاغية، فهو تكريرُ مظاهرَ لا تكرير شيء معين. وقوله: "اتسع مجالُ الطبع. . ." إلخ، هو خبر عن قوله "ولأن تصاريف المباني. . ." إلخ. والطبعُ الوجدان الذهني، والمراد به هنا وجدانُ البليغ وطبعه، وهو المسمَّى عندهم بالذوق. وهو الذي يحصلُ للبليغ من ممارسة كلام البلغاء ومن تطبيق القواعد والضوابط التي يتلقاها في تعلم الصناعة، حتى تحصل له ملكةٌ تتميز بها أصنافُ الكلام في الجودة والرفعة ودونها، بحيث تحكم بأن هذا الكلامَ حسن وهذا أحسن وهذا دون ذلك. قال الجاحظ: "والإنسان بالتعلم وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء يجود لفظُه ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير". (٢) وقال السكاكي: "ليس من الواجب في صناعة (. . .) أن يكون الدخيلُ فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعةُ مستندةً إلى تحكماتٍ وضعية، واعتبارات إلفية؟ "، ثم قال: "وكان

стр. 1369

شيخُنا الحاتمي (١) - ذلك الإمام الذي لن تسمح بمثله الأدوار ما دار الفلك الدَّوّار - يحيلنا بحُسن كثير من محسِّنات الكلام إذا راجعناه فيها على الذوق، ونحن حينئذ ممن نبغ في عدة شعب من علم الأدب". (٢) وبهذا يتضح أن الذوق والتطبع مترادفان، ولذلك تسمع أئمة الأدب يقولون: "هذا يشهد به الذوق السليم والطبع المستقيم"، ونحو هذه العبارة. و"المجال" مكان الجولان وهو الطواف، و"المسرح" مكان السروح وهو انطلاق الأنعام في المرعى. وأراد المؤلف بهذين مواضيع المعاني البلاغية التي يعمل

стр. 1370

فيها الفكر لاستخراج دقائقها. و"المراد" - بضم الميم - موضعُ رياد الإبل، وهو تنقلها في المرعى مقبلةً ومدبرة. ووقع في النسختين التونسيتين ونسخة الآستانة "مراد الفكر لها"، وهو أحسن. و"المطرح" مكان الطرح أي البعد، وكل هذه تفنناتٌ من المؤلف. وقوله "في المنثور" يتنازعه "تصاريف" و"تضاعيف"، وإنما قيَّد موضوعَ بحثه هذا بالكلام المنثور؛ لأنه سيخص الشعرَ ببحث آخر يجيء عند قوله: "وكان الشعر قد ساواه [في جميع ذلك] " (١). ومعنى كلام الإمام المرزوقي أن تنوعَ كيفيات مواقع الكلام البليغ مع دلالته على المعاني التي يقصد إليها البلغاء، قد كان تنوعًا يتجاذبه اعتبارُ ألفاظ الكلام واعتبارُ المعاني التي قصدها البلغاء من صناعتهم في البلاغة، وهو الذي كان سببًا في اختلاف أذواق علماء الأدب في شروط محاسن إيقاعها، اختلافًا ناشئًا عن اختلاف أميال (٢) الناقدين والمختارين بحسب ما أَلِفوه من ممارسة ما يُعجَبون به، ويروقُ لديهم من نتائج أهل اللسان. وهم مع ذلك متحيِّرون في تعيين سبب مدخل الاستحسان أو ضده إلى أذواقهم: أهو من جهة اللفظ أم هو من جهة المعنى؟ ويوضحه قوله "فمن البلغاء" إلخ. وقد أشار المؤلفُ إلى جهة الاختلاف الأولى إذ قال: "وذلك لتفاوت أقدار منادحها على اتساعها، وتنازح أقطار مظانها ومعالمها"، وأشار إلى معذرتهم عن التحير في تعيين مدخل الاستحسان وضده بقوله: "ولأن تصاريف المباني التي هي كالأوعية وتضاعيف المعاني التي هي كالأمتعة" إلى قوله "ومطرحه". وليس مرادُ أصحاب هذا المذهب إهمالَ الالتفات إلى جانب المعاني، ولكنهم جعلوا الاهتمامَ بالألفاظ في الدرجة الأولى. فأول ما يُقصد من اهتمام البليغ عند هذا

стр. 1371

المذهب هو الكلامُ الذي هو قوالبُ للمعاني، كما أفصح عنه المرزوقي في آخر كلامه بقوله: "فأكثرُ هذه الأبواب لأصحاب الألفاظ، إذْ كانت للمعاني بمنزلة المعارض للجواري، فأرادوا أن يلتذَّ السَّمْعُ بما يُدْرِكُ منه وَلَا يَمُجَّه، ويتلقاه بالإصغاء إليه والإذْنِ له فلا يحجُبَه"، ثم بقوله: "ومن البلغاء من قصد فيما جاش به خاطرُه" إلخ (١)، وحاصلُ ما أشار إليه المؤلفُ اختلافُ أئمة النقد في تعيين الناحية للكلام التي منها يكون فضلُه أو ضدُّه، وبها يستحق اختياره أو ردّه. وسببُ هذا الاختلاف في مرجع التفضيل أن أهل النقد والاختيار وجدوا في أنفسهم إدراكًا للتفاضل بين كلامات البلغاء تفاضلًا توافقوا عليه في الغالب، واختلفوا فيه تاراتٍ بين مختار ومنتقد، فأيقنوا أنهم ما اتفقوا على الكلام الذي اتفقوا على تفضيله إلا لخصالٍ اشتمل عليها موجبةٍ لتفضيله، متساويةٍ في الثبوت عندهم، وأنهم ما اختلفوا في الكلام الذي اختلفوا فيه إلا لخصالٍ تخالف الخصالَ التي اعتادتْ نفوسُ أهل الاختيار استحسانَها وتوافق الخصالَ التي اعتادت نفوسُ أهل النقد كراهتَها. فأيقنوا أن من خصال الكلام ما هو حقيقٌ بأن يكون مناطَ اختيارٍ وضده، فكان ذلك الإدراكُ في اتفاقهم واختلافهم حافزًا لهم للبحث عن جوامع تلك الخصال ومقوماتها. وعلموا أن إدراكهم وفاقًا وخلافًا يرجع إلى معتادهم من مزاولة مختلِف أحوال كلام البلغاء في مراتبه أعلاها وأدناها على وصف ما يسمعونه بحسن أو بدونه. وكان لكلِّ كلامٍ بليغ مبانٍ، أي ألفاظٌ بني عليها في حسن التئام وانتظام، ومعانٍ لها صورٌ في العقل يستجيدها السامعُ ويغتبط بها. وكان ذلك الإدراك انفعالًا ذهنيًّا يؤول بالدربة إلى ملكات ذوقية، فلما حاولوا أن يستدلوا عليه عند المجادلين أو أن يصفوه للمتعلمين عند المدارسة، ضاقت الأفكارُ عن الإحاطة بأسبابه، والعبارةُ عن الدلالة على منابعه، فاحتاروا في

стр. 1372

أن مثارَ ذلك الإدراك الحاصلِ لهم من أين نشأ: أهو من جانب مباني الألفاظ وانتظامها أم من جانب المعاني وصورها؟ ثم احتاروا في شرح أسباب حصول ذلك في أحد الجانبين أو في كليهما. فاستعان كلُّ واصفٍ على إبانة الأوصاف التي تعقلها إبانةً بما حضر لديه من التقريب والتشبيه والتمثيل، عسى أن يبلِّغ ما في نفسه إلى نفوس المجاذبين والمسترشدين. فشبهوا المعاني تارةً بأحوال الأناسي والحيوان من الجواري والظباء، وأحوال المتاع النفيس من حلي أو نحو ذلك. ثم استتبعوا تلك التشبيهات بالبناء عليها، فجعلوا للجواري معارضَ ومطارفَ، وجعلوا الحيوان وحشيًّا وأُنسيًّا، ووصفوا اللفظَ المقبول بالنبيه وبالشريف، وضدَّه بالهجين وبالرديء والمستكرَه. ووصفوا المعنى المقبولَ الرفيع بالكريم، وضدّه بالحقير والفاسد والدني والساقط (١). ثم عززوا ذلك كله بالمقارنات بين منشآت البلغاء والموازنة بينها. وقد تصدى المؤلِّفُ إلى تقريب ذلك كله، والجمع بين مختلِفِه بما تفنَّنَ في أوصافه، مع الحرص على الاحتضار، فقال: • "اعْلَمْ أنَّ مذاهبَ نقاد الكلام في شرائط الاختيار مختلفةٌ وطرائقَ ذوي المعارف بأعطافها وأردافها مفترقةٌ، وذلك لتفاوت أقدار منادحها على اتساعها وتنازح أقطار مظانها ومعالمها، ولأن تصاريف المباني التي هي كالأوعية وتضاعيف المعاني التي هي كالأمتعة في المنثور اتسع مجالُ الطبع فيها ومسرحُه، وتشعب مَرَادُ الفكر فيها ومطرَحُه" (٢)، وكان الخائضون في هذا الشأن فريقين:

стр. 1373

١ - ففريقٌ - وهم الأكثرون - هم من أصحاب الذوق والبلغاء من الأدباء، ولكنهم غيرُ متمرِّسين في علوم المعاني والبيان، فكانوا إذا وصفوا الكلامَ البليغ وصفوه بالأساليب التي اعتادوا في منشآتهم، وهي الإبانة عن محاسن الكلام بالتقريب بأساليب التشبيه والمجاز والكناية. فيبرز وصفُهم الكلامَ في صورة إنشاء بليغ أو شعر جيد، وهم على ذلك قد أناروا الطريق لسالكيه، ولكنه لا يشفي غليلَ الطالب، ولا يبلغ به الواصفُ قصدَه. وهذا كما وصف ابنُ الأثير (١) كلامًا فصيحًا بقوله: "البيان الذي لا يغضُّ من نسق الفرِيد، ولا يُخلِق نضرَةَ لباسُه الجديد. . . يستميل سمعَ الطروب، ويستحق وقارَ القلوب"، وقوله: "إن للكلمة طعمًا يُعرف مذاقُه من بين الكلام، وخفةُ الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام"، وقوله: "ألفاظٌ كخَفْقِ البنود، أو زأْر الأسود، ومعان تدل بوارقها أنها هي السيوف، وأن قلوبًا نَمَتْها هي الغُمُود". (٢)

стр. 1374

وكما وصف البحتري وقارن، فقال: فِي نِظَامٍ مِنَ البَلَاغَة مَا شَكَّ ... امْرُؤٌ أَنَّهُ نِظَامُ فَرِيدِ وَبَدِيعٍ كَأَنَّهُ الزَّهْرُ الضَّا ... حِكُ فِي رَوْنَقِ الرَّبِيعِ الجَدِيدِ مُشْرِقٍ فِي جَوَانِبِ السَّمْعِ مَا يُخْـ ... ـلِقُهُ عَوْدُهُ عَلَى المُسْتَعِيدِ وَمَعَانٍ فَصَّلَتْهَا القَوَافِي ... هَجَّنَتْ شِعْرَ جَرْوَلٍ وَلَبِيدِ (١) حُزْنَ مُسْتَعْمَل الكَلَامِ اخْتِيَارًا ... وَتَجَنَّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعْقِيدِ وَرَكِبْنَ اللَّفْظَ القَرِيبَ فَأَدْرَكْـ ... ـنَ بِهِ غَابَةَ المُرَادِ البَعِيدِ (٢) ٢ - وفريقٌ هم أصحابُ علوم العربية من المعاني والبيان، غير أنهم لم يكمل عندهم ذوقُ صناعة البلاغة. وهؤلاء قصاراهم بيانُ خصائص الكلام البليغ بيانًا كليًّا وتمثيله بشاهد أو شاهدين مما فيه تلك الخصوصية، ولا يحفلون بأن تكون شواهدُهم مستكملةً شروطَ الجودة بأكثر من اشتمالها على ما يحقق القاعدة.

стр. 1375

وأحقُّ الناس بإطلاق العنان في هذا الميدان هم الذين استكملوا عُدةَ الفريقين، وتكلموا باللسانين، مثل الجاحظ والآمدي وعبد القاهر والسكاكي والمرزوقي وابن الأثير، وإن كان هذا الأخيرُ دونهم ذوقا (١). - ٣ - • قال المؤلف: "فمِنَ البُلغاء مَنْ يقول: فِقَرُ الألفاظ وغُرَرُها كجواهر العقود ودُرَرِها، فإذا وُسِمَ أغفالُها بتحسين نُظومها وحُلِّيَ أعطالُها بتركيب شُذُورها، فراقَ مَسْموعُها ومَضْبوطُها، وزان مفهومُها ومحفوظُها، وجاء ما حُرِّرَ منها مصروفًا مِنْ كدَرِ العِيِّ والخطَل، مُقوَّمًا مِنْ أَوَدِ اللَّحْن والخطأ، سالِمًا من جَنَفِ التأليف، موزونًا بميزان الصواب، يَمُوجُ في حواشيه رَوْنَقُ الصَّفَاءِ لفظًا وتركيبًا، قبِله الفهمُ والتذّ به السمع. وإذا ورد على ضدِّ هذه الصفة صدِئَ الفهمُ منه، وتأذَّى السمعُ به تأذِّيَ الحواسِّ بما يخالفها" (٢)، أراد بالبلغاء أئمةَ النقد وعلماءَ فن الترسُّل وقرض الشعر والبلاغة الذين يصرفون اهتمامَهم إلى العناية بحالة الكلام المفيد المعاني، وجعله مناطَ الاختيار والنقد. وهذا المذهبُ نسبه الآمدي في كتاب "الموازنة" إلى الكتاب وأهل البلاغة، ونسبه عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" إلى القدماء (٣). وعلى حسب اهتمامهم هذا يجري اختيارُهم فيما يختارون من صنائع أهل الأدب، ويجري تعليمُهم فيما يُلقون للشَّادين في مزاولة الصناعة من الترسُّل وقرض الشعر. فهم يصرفون الاهتمامَ إلى محاسن الكلام، فلما وجدوا المعانِيَ إنما تظهر من دلالة الكلام عليها، صرفوا أولَ العنايةَ إلى جانب الكلام وألفاظه، وجعلوا المعاني حاصلة بالتبع. وعلى عكس هذه

стр. 1376

الطريقة من الاعتبار، جرى الفريقُ الثاني الذين قدَّموا النظرَ إلى جانب المعاني. وهذا المذهبُ هو الذي احتفل به الشيخ عبدُ القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز" في الفصول التي ترجمها بـ "فصول شتى في أمر اللفظ والنظم". (١) فظهر أن المقصودَ من صرفِهم الاهتمامَ إلى العناية بحالة الكلام اشتراطُهم أن يكونَ كلامًا فصيحًا بفصاحة كلماته في حدِّ ذاتها، وبفصاحة تراكيبها عند اجتماعها. فأما فصاحةُ الكلمات فلأنها أجزاءُ الكلام، فتعين أن تكون الأجزاءُ فصيحةً ليكون مجموعُ الكلام فصيحا. ومعنى فصاحة الكلمات سلامتُها من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة قواعد اللغة المستَقْرَاةِ من استعمال العرب. وهذا ما يقتضيه تشبيهُ المؤلف الألفاظَ بالجواهر والدرر؛ إذ لم يختلف أئمةُ البلاغة في أن من شرط كون الكلام فصيحًا أن تكون كلماتُه فصيحة، ولم ينكروا أن الألفاظَ المفردة تتفاضل بمقدار تفاضلها في فصاحتها. ويظهر ذلك جليًّا في المترادفات، فلا يختلفون في أن لفظة أسد أحسن من لفظة فدوكس، وقد عابوا استعمالَ المتنبي ألفاظ القلقلة في قوله: فَقَلْقَلْتُ بالهَمِّ الَّذِي قَلْقَلَ الحَشَا ... قَلَاقِلَ عِيسٍ كُلُّهُنَّ قَلَاقِلُ (٢) قال الشيخ في دلائل الإعجاز: "وقصارى تفاضل الكلمتين لا يكون أكثرَ من كون إحداهما مألوفةً والأخرى غريبة وحشية، أو تكون حروفُ هذه أخفَّ، وامتزاجُها أحسن، ومما يكدُّ اللسانَ أبعد". (٣) وقال: "ومن المعلوم أن لا معنى لعبارات البلاغة والفصاحة والبيان التي يُنسب فيها الفضلُ والمزيةُ إلى اللفظ دون

стр. 1377

المعنى غيرُ وصف الكلام بحسن دلالته وتمامها، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين، وأحقُّ بأن تستولِيَ على هوى النفس، وتنال الحظَّ الأوفرَ من قبل (١) القلوب. ولا جهةَ لاستكمال هذه الخصال غير أن يُؤْتَى المعنى من الجهة التي هي أصحّ لتأديته ويُختارَ له اللفظُ الذي هو به أخصُّ وأحرى بأن يكسبه نُبلًا ويظهر فيه مزية. وهل يُتصَوَّرُ أن يكون بين اللفظين تفاضلٌ في الدلالة حتى تكون هذه أدلَّ على معناها الذي وُضعت له من دلالة صاحبتها على ما هي موضوعةٌ له حتى يُقال إن رجلًا أدلُّ من فرس؟ فلذا لا تتفاضل الكلمتان المفردتان إلا بالنظر إلى المكان الذي تقعان فيه من نظم الكلام، ولا تجد أحدًا يقول هذه الكلمة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسنَ ملاءمةِ معناها لمعنى جارتها". (٢) وقال: "فإذا تلاقت في النطق حروف تثقل على اللسان (ومثَّله بأبيات التنافر الشديد والمتوسط)، فذلك وجهٌ من وجوه التفاضل بين كلام على كلام، ولكن ليس المقصود أن يكون ذلك عمدة المفاضلة وهذا لا ضُرَّ به علينا". (٣) ولهذا فالذين لم يتعرضوا إلى محاسن الكلمات المفردة ما أرادوا عدمَ الالتفات إلى شرائط حسنها، ولكنهم استغنوا عنه بحصوله تبعًا لحصول شرائط فصاحة

стр. 1378

الكلام ومحاسنه. ولكن المتأخرين من عهد السَّكَّاكي رأوا أن لا محيصَ عن الاعتداد بصفات الكلمة المفردة قبل دخولها في نظم الكلام، فجعلوا الفصاحةَ مشتركةَ الوقوع في المفرد وفي الكلام، لا سيما بعد أن وضحت المَحَجَّةُ وزالت الشبهةُ التي استنكرها عبد القاهر، وإن كانوا لا ينكرون أن فصاحةَ المفرد لا يُهْتَمُّ بها إلا من حيث أنه معرض للوقوع في الكلام، فآل الخلاف إلى اللفظ. وقد أشار المؤلف إلى الأمرين في قوله الآتي: "إِذْ كانت الألفاظ للمعاني بمنزلة المعارض للجواري". (١) وأصحابُ هذا المذهب لا يعبأون بالصنعة، ولا يتكلفون للمحسنات، ومنهم عبد القاهر، قال في أسرار البلاغة: "ولن تجد أَيْمنَ طائرًا (٢)، وأحسنَ أوَّلًا وآخرًا، وأهدَى إلى الإحسان، وأجلبَ للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعَها تطلب لأنفسها الألفاظَ؛ فإنها إذا تُركت وما تريد لم تكتَسِ إلا ما يليق بها، ولم تلبسْ من المعارض إلا ما يَزِينها. فأما أن تضع في نفسك أنه لا بدَّ من أن تجنِّسَ أو تسجع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بِعَرَضٍ الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم". (٣)

стр. 1379

وإليك تفسير مفرداتٍ من كلام المؤلف: "فِقَر" (بكسر ففتح اسم) جمع فقرة، وهي ما انعقد من عظام الصلب كالعُلبة، وأراد بها المفردات. و"الغرر" جمع غرة، وهي دارة بيضاء في جبهة الفرس، وهي من محاسن الخيل. وأراد بها محاسن الكلمات، والمعنى إن شروط محاسنها كشروط محاسن الجواهر في العقود أفرادًا وتأليفا. و"الأغفال" جمع غُفْل بوزن قُفْل، وهو القدح من قداح الميسر الذي لم تجعل له علامة تدل على نصيب من يخرج له. وبذلك يظهر معنى قوله "فإذا وسم أغفالها"، حيث جعل الكلمة غير المنتخبة كالقدح الذي لا حظَّ له في القداح. و"الأعطال" جمع عاطل، وهي المرأة التي لا حلية عليها، جعل الكلمة غير المنتخبة كالمرأة غير الحالية، فإذا انتخبت الكلمة للمعنى كانت كالمرأة الحالية. و"الشذور" جمع شَذرة، بفتح الشين وسكون الدال المعجمة، وهي اللؤلؤة، أو القطعة من الذهب غير المشَذَّبة. و"العِيّ" بكسر العين وتشديد الياء، العجز عن الكلام وأراد به هنا العجزَ عن تأليف الكلام في الترسل والإنشاء. و"الخطَل" (بفتحين) خطأ الرأي، أراد به هنا الخطأ في المعنى. و"اللحن" الخطأ في الألفاظ بإيرادها على خلاف الطريقة العربية، و"الخطأ" في الكلام أراد اللفظ في غير معناه الموضوع له لغة، دون قصد مجاز أو استعارة تدل عليهما قرينة، كقول المسيَّب بن علس يصف جمله: وَقَدْ أَتَلَافَى الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّة مُكْدَمِ فأخطأ؛ إذ جعل للجمل الصيعرية، والصيعرية سمةٌ توسم بها النوق، ولذلك لما سمعه طرفه قال: "استنوق الجمل"، فسارت مثلا (١).

стр. 1380

و"الجَنَف" (بجيم ثم نون مفتوحتين): الخروج عن جادة الطريق، وأراد به الخطأ في نظم الكلام على الأساليب العربية في التقديم والتأخير. ووقع في إحدى النسختين التونسيتين "حيف" (بحاء مهملة ومثناة تحتية)، وهو الظلم أو ظلم الكلام العربي لعدم إعطائه حقَّه الذي رسمه له العرب، ولفظ جنف أحسن. و"الموج" اضطرابُ سطح الماء وتحركه، وهو من محاسن منظر الماء، و"الحواشي" الأطراف، وهي للماء شطوطه وحافات سواقيه. و"الرونق"، الحسنُ اللمعان. • قال: "ومنهم مَنْ لَمْ يَرْضَ بالوقوف على هذا الحد فتجاوزه، والتزم من الزيادةِ عليه تتميمَ المقطع، وتلطيف المطلع، وعطفَ الأواخر على الأوائل، ودِلالة الموارد على المصادر، وتناسبَ الفصول والوصول، وتعادلَ الأقسام والأوزان" (١). أي من البلغاء فريقٌ لم يقتنعوا لحسن الكلام بحسن ألفاظه وتركيبه بل ارتقى إلى طلب محاسن زائدة تتعلق بزيادة في تنميق الكلام ومحاسنه، وهي "تتميمُ المقطع" (٢)، أي حسن اختتام الرسالة والخطبة والقصيدة. فالمقطع اسم مكان القطع، أي قطع الكلام، أي ختمه وتنهيته. ومعنى تتميمه جعله تامًّا لا يترقب السامعُ شيئًا بعده، وهو أن يؤتى بما يؤذن بانتهاء الكلام كقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].

стр. 1381

وأشهر أنواع المقطع الدعاء، إلا أنه لكثرة وروده في الرسائل سَمُجَ في الأذواق، فكان العدولُ إلى غيره أحسن، مثل التوريات بلفظ الكمال والختام، ومثل ما لا يبقى بعده مترقب للازدياد من الخير كقول الحريري في المقامة ٢٣: "فعاهدَنِي على أن لا أفوه بما اعتمد ما دمت بهذا البلد: [قال الحارث ابن هَمَّام: ] فعاهدته معاهدة مَنْ لا يتأوَّل، ووفيت له كما وفَّى السموأل" (١)، وقوله في المقامة العاشرة: "فمزَّقْتُ رُقْعَتَهُ شَذَرَ مَذَرَ، وَلَمْ أُبَلْ أَعَذَلَ أم عَذَرَ" (٢). وهذا الشرط الذي ذكره المؤلف من استحسان المولَّدين، ولم يكن مرعيًا عند بلغاء العرب (٣). قال: "وتلطيفَ المطلع" (٤)، أي جعله لطيفًا، أي رفيقًا حسنًا أنيقًا؛ لأنه أول ما يقرع سمع السامع. قال ابن الأثير في الجامع الكبير: "وقد كان بعضُ علماء البيان يقول: أحسنوا - معاشرَ الكتاب - الابتداءات، فإنهن دلائلُ البيان" (٥). ومن أهم ذلك الاحتراسُ من ألفاظ تُستكره عند السامع. وللعوائد أثرٌ في هذا الشأن، ولذلك قد ترى المولدين ينتقدون بعض فواتح القصائد بما كان مثله شائعًا عند العرب مثل ذكر البين والبلى. وأحسنُ مطالع القصائد ما كان يلفت نظر السامع إلى ما بعده بأن لا يكون من المطالع المعتاد تكررُها في الشعر والنثر، فينبغي أن يكون المطلع عزيزًا غير مطروق، وذلك في الألفاظ المفتَتَح بها، فإذا انضم إليها عزةُ المعنى فقد استوفَى

стр. 1382

المطلع الحسن؛ فإن من المعاني المطروقة بكاء الديار الذي ابتكره امرؤ القيس، ومع ذلك تجد مطالع للنابغة في هذا المعنى لطيفة ومن أحسن المطالع قول عنترة: "هل غادر الشعراء من متردم" (١). وعرف بإجادة المطالع أبو تمام والبحتري والمتنبي. وكذلك الأمر في الرسائل، مثل الرسالة الرقطاء للحريري. أما فواتح سور القرآن فقد وردت على أكمل الوجوه، بخلاف مطالع رسائل البديع والخوارزمي إذ التزما غالبًا افتتاحها بكلمة "كتابي"، ولعلها جرت بها عادة الكتَّاب في بلادهم. "وَعَطْف الأَوَاخر على الأوائل" (٢)، أراد به ما يُسَمَّى عند المتأخرين ردَّ العجز على الصدر، ويسمى عند المتقدمين التصدير، وأمثلتُه كثيرة. ولفظ "عطف" في كلامه هو بالمعنى اللغوي، وهو الرجوعُ والميل، وليس المراد المعنى النحوي. "ودلالة الموارد على المصادر" (٣)، أراد بها براعةَ الاستهلال، وهي أن يؤتى في أول الكلام بمعان فيها إيماءٌ إلى الغرض المقصود منه، فكأنه في أول كلامه واردٌ للماء، وكأنه في آخر كلامه صادرٌ عن الماء. وهذا قسم من براعة المطلع التي سماها المؤلف آنفًا "تلطيف المطلع". و"الموارد" جمع مورد، وهو مكانُ ورود المستقين، أي مجيئهم إلى الماء، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. و"المصادر" جمع مصدر، وهو المكان الذي يصدر المستقون منه عن الماء بعد السقي، قال تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣]. قال قُس بن ساعدة:

стр. 1383

ولَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ (١) والاختلاف بين الموارد والمصادر باعتبار اختلاف حال المستقي، أما المكان فواحد. "وتناسُبَ الفصول والوصول" (٢)، الفصول جمع فصل، والوصول (بالواو) جمع وصل، وكلاهما لقبٌ من الألقاب المصطَلَح عليها عند علماء المعاني من أئمة البلاغة. فالفصل تركُ عطف جملة على جملة قبلها بأن يؤتى بالثانية مقترنةً بحرف عطف، والوصل عطف إحدى الجمل على الأخرى. ولكل من الفصل والوصل مواقعُ بعضُها تتعين مراعاتُه وبعضُها تحسن مراعاتُه، وقد عُقِد لها بابٌ واسع في "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر وفي "المفتاح" للسكاكي (٣). وأتى المؤلف بصيغتَيْ الجمع في الفصول والأصول باعتبار تعدد مسائل كل وصورها. والمؤلفُ حشر هذا النوعَ في عداد الصناعة اللفظية نظرًا إلى كون الإتيان بالعاطف وعدمه لا يُغيِّر معنى الجملة غالبًا، وإنما هو وسيلةٌ من وسائل الإيضاح والإفصاح في العربية، فهو بمنزلة الإعراب (٤)، فآل إلى حالة لفظية في نظم الكلام،

стр. 1384

وإن كانت مراعاتُه ترتبط بمراعاة موقع معنى الجملة من معنى التي قبلها، فملاحظةُ موقع الجملة شرطٌ في مراعاة الفصل والوصل في علم المعاني. فلأن مسائلَه ليس لها شائبةُ اندراجٍ في مسائل علم البيان، ولا في مسائل علم البديع، كان علمُ المعاني أولَى بضمها، وهي بالفصاحة أعلق. وينبغي أن يُنتَبَهَ لهذا الصنيع الذي صنعه المرزوقي بتدقيقه، وسيأتي ذكرُ الفصول والوصول في عيار التحام أجزاء النظم. "وتعادلَ الأقسام" (١)، يريد بتعادل الأقسام ما يسمى عند الأدباء بصحة التقسيم، ثم مقابلة كل قسم من المعاني المتحدَّث عنها بقسميه، وعدم الغفلة عن ذلك ولا التخليط فيه. وقد قال المؤلف لما ذكر المقابح: "أو يكون في القَسم أو التقابل أو التفسير فساد" (٢)، واعلم أن هذا مبحثٌ عظيم من مباحث علم الخطابة تكثر الحاجةُ إليه فيها، ومنزعٌ دقيق من منازع صناعة الترسُّل وصناعة الشعر، وتفصيله في كتب البديع ونقد الشعر. و"التعادل" التكافؤ، أي لا يكون بعضها أوفر في الذكر. و"تعادل الأوزان" ظاهر أن ليس مراده بالأوزان أوزان الشعر؛ لأن كلامَه هنا على شرائط الاختيار في الكلام المنثور، ولأن حقيقة الشعر مشروطةٌ بتعادل أوزان. وسيجيء كلامُه على ذلك بالنسبة للشعر في ذكر الباب الخامس من الأبواب السبعة التي جعلها عمودَ الشعر، ولذلك لم يَعُدَّ هناك تعادلَ الأوزان، وإنما ذكر إتمامَ أجزاء النظم.

стр. 1385

وإنما أراد بتعادل الأوزان هنا تساويَ سموط الأسجاع - وهي المسماة بالقرائن - التي تنزل من الكلام المسجوع منزلةَ المصاريع للشعر، فتعادُلها بأن تكون متساويةَ المقدار في النطق معتدلةً فيه. وذلك أصلُ السجع، وبمقدار تساويه تتفاوت أقدارُ الكُتَّاب. مثال المعتدل التام قول الحريري في المقامة الثالثة: "وأودَى الناطق والصامت، ورثى لنا الحاسد والشامت" (١). ومن هذا القبيل قولُ المؤلف في صدر هذه المقدمة حسبما في النسخة التونسية: "وهو مستودع آدابها، ومستحفظ أنسابها، ونظام فخارها عند النفار، وديوان حجابها عند الخصام". (٢) وقد يكون بينها تفاوتٌ قليل، كقول الحريري في المقامة التاسعة والعشرين: " [قال الحارث بن همَّام: ] ألجأني حكمُ دهرٍ قاسط، إلى أن أنتجعَ أرضَ واسط". (٣) ولا يجوز التفاوتُ الكثير بين القرينين وبالخصوص إذا كانت القرينة الأولَى أطول من الثانية. ومما يندرج في تعادل الأوزان أن تُقابَل زنة اللفظ بمثلها في صيغة الاشتقاق من فعل أو وصف، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فقوبل ضللت باهتديت، وهما فعلان ماضيان، وقوبل أضل بيوحي، وهما فعلان مضارعان. ومن تعادل الأوزان قولُ الحريري في المقامة الأولى: "وهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه". (٤) وكلُّ هذا معدودٌ من المحسِّنات اللفظية، فلا يصير البليغُ إليه إلا حيث لا يُوجد ما يقتضي خلافَه من جهة المعنى البلاغي، ويُراعَى قريبٌ منه في سموط الترسل غير المسجوع. وإنما حشر المؤلفُ هذا في عداد الخصائص العائدة إلى الألفاظ؛ لأن الكاتب يغير ترتيبَ المعاني في سجعه تغييرًا يهيء لموافقة هذا الأسلوب اللفظي، فكان بسبب

стр. 1386

ذلك عملًا لأجل دقائق من حسن اللفظ يدل على قوة المنشئ في سجعه، وكذا القول في الترسل. • "والكشف عن قناع المعنى بلفظ هو في الاختيار أوْلَى حتى يطابق المعنى اللفظَ، ويسابق فيه الفهمُ السمعَ" (١)، قال عبد القاهر في دلائل الإعجاز: "وتختار للمعنى اللفظ الذي هو به أخص وأحرى بأن يُكسبَهُ نُبلًا ويظهر فيه مزية". (٢) • "ومنهم مَنْ ترقَّى إلى ما هو أشق وأصعب فلم تقنعه هذه التكاليف في البلاغة حتى طلب البديع من الترصيع والتسجيع والتطبيق والتجنيس" (٣)، وهذه ألقابٌ لأنواع من البديع لا تعسر على الناظر بمراجعة مباحثها من علم البديع. "وعكس البناء في النظم" (٤)، يريد بالنظم انتظامَ الكلام لا مقابلَ النثر، كما لا يخفى. وهذا النوع [هو] المحسن البديعي المسمَّى "ما لا يستحيل بالانعكاس" (٥)، كقول العماد الكاتب للقاضي الفاضل وقد مر عليه راكبًا فرسًا: "سِرْ فلا كبَا بك

стр. 1387

الفرس"، فأجابه الفاضل - وقد فطن لا في كلامه من البديع - فقال: "دام علَا العماد" (١). ومن أحسنه في الشعر قولُ الأرجاني: مَوَدَّتُهُ تَدُومُ لِكُلِّ هَوْلٍ ... وَهَلْ كُلٌّ مَوَدَّتُهُ تَدُومُ (٢) ومن أحسنه رسالة البديع الهمذاني المثبتة في مجموعة مراسلاته (٣). "وتوشيح العبارة بألفاظ مستعارة" (٤)، غلَّب المؤلف جانبَ الحسن اللفظي هنا على الخصوصية المعنوية، فعد هذا في المحاسن اللفظية، جريًا على طريقة كثير من الأدباء وأهل البديع، وهي طريقة المتقدمين من الأدباء الذين دوّنوا أصولَ الأدب قبل أن يُميَّز علمُ البلاغة بالتدوين بعناية الشيخين عبد القاهر والسكاكي. وإلى هذا أشار الخطيبُ القزويني في قوله: "وبعضُهم يسمي العلومَ الثلاثة علمَ البديع" (٥). وقد لمح إلى الاستعارة ومثالها عزُّ الدين الموصلي (٦) في بديعيته بقوله:

стр. 1388

دَعِ المَعَاصِي فَشَيْبُ الرَّأْسِ مُشْتَعِلٌ ... بِالاسْتِعَارَةِ مِنْ أَزْوَاجِهَا العُقُمِ (١) • "إلى وجوه أُخر تنطق بها الكتب المؤلفة في البديع فإني لم أذكر هذا القدر إلا دلائل على أمثالها ولكل مما ذكرته وما لم اذكره رسم من النفوذ والاعتلاء بإزائه ما يضاده فيسلم للنكوص والاستفال" (٢)، أي بحيث يرتفع شأن الكلام في الحسن والقبول بمقدار مراعاة هذه الخصائص والمحاسن، وينحط بإهمال ذلك في مواقع مراعاته انحطاطًا بمقدار الإهمال. • "فأكثرُ هذه الأبواب لأصحاب الألفاظ؛ إذ كانت للمعاني بمنزلة المعارض للجواري، فأرادوا أن يلتذَّ السمعُ بما يدرك منه ولا يمجه، ويتلقاه بالإصغاء والإذن له فلا يحجبه" (٣)، أشار بقوله "فأكثر هذه الأبواب لأصحاب الألفاظ" إلى أن بعضها يتجاذبه الجانبُ المعنوي مثل الفصول والوصول، ومثل توشيح العبارة بالاستعارة كما أشرنا إليه هنالك. و"المعارض" جمع مِعْرَض بوزن منبر، وهو الثوب الذي تتجلى فيه الجاريةُ حين تتعرض للبيع، وهذا تشبيهٌ طريف. وقد تبعه فيه عبد القاهر، قال في دلائل الإعجاز: "أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها" (٤). وأشار

стр. 1389

المؤلف بالتقييد في قوله: "إذ كانت المعاني بمنزلة المعارض للجواري" (١)، إلى أن البلغاء الذين صرفوا همتَهم في اختيار الكلام البليغ إلى جانبه اللفظي ما أرادوا حالةَ مفرداتِ الألفاظ، ولكن أرادوا حالةَ الكلام المؤلَّف كيف تبرز حين تأليفه، والمؤلِّف ينحو بهذا إلى ما تقدم مما حققه عبد القاهر. • "وقد قال أبو الحسن ابن طَباطَبا في الشعر: هو ما إن عَرِيَ من معنى بديع لم يعر من حسن الديباجة، وما خالف هذا فليس بشعر" (٢)، ساق المؤلف كلام ابن طباطبا حجةً على أن العناية باللفظ هي في الدرجة الأولى عند كثير من أهل الأدب، بحيث إن حسن الديباجة اللفظية يجعل الكلام مقبولًا ولو كان عَرِيًّا من معنى بديع؛ إذ قد يعرى البيتُ أو أكثر من القصيدة، والسطرُ أو أكثرُ من الرسالة، عن معنى بديع فيكسوه الكلامُ بحسنه حسنًا يعتاض به عن حسن المعنى. وكلام أبي الحسن وإن خصه بالشعر، فهو منطبِقٌ على النثر لا محالة، كما أشار إليه المرزوقي بسوق كلام أبي الحسن عقب ما تقدم، ثم تقييده بقوله "في الشعر". وأبو الحسن ابن طباطبا هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن - أيضًا - ابن علي بن أبي طالب. وطَبَاطَبَا (بفتح الطاء مكررًا) لقب أُلصِقُ بجد جده إبراهيم بن إسماعيل؛ لأنه كان يلثغ في القاف بجعله طاء وطلب يومًا غلامه أن يأتيه بثيابه فأتاه بدراعة فقال "لا طباطبا" يعني قباقبا. وأبو الحسن شاعر مفلق، وعالم محقق. ولد بأصبهان، وتوفي بها سنة ٣٢٢ هـ. كان مشهورًا بالفطنة وصحة الذهن، وله كتاب "عيار الشعر" وكتاب "تهذيب الطبع" وكتاب "العروض" وكتاب "المدخل في معرفة المعمَّى من الشعر" وكتاب في

стр. 1390

تقريظ الدفاتر. كان ابن المعتز يلهج بذكره، وله شعرٌ كثير، ترجمه ياقوت في "إرشاد الأريب" (١). ومن شعره البيتُ الذي فيه التشبيهُ اللطيف، وهو: لَا تَعْجَبُوا مِنْ بِلَى غِلَالَتِهِ ... قَدْ زَرَّ أَزْرَارَهُ عَلَى القَمَرِ (٢) • "ومِنَ البلغاء مَنْ قصد فيما جاش به خاطرُه إلى أن تكون استفادةُ المتأمل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثرَ من استفادته من آثار قوله أو مثله، وهم أصحاب المعاني" (٣)، هذا انتقالٌ إلى الطريقة الثانية من طريقتَيْ البلغاء في عماد فضيلة الكلام، وهي طريقةُ الذين صرفوا الاهتمامَ الأول إلى المعاني التي يريد البليغُ التعييرَ عنها. وأنت تعلم أن مقصودَهم الذي يرمون إليه هو مصرفُ الاهتمام الأول، على نحو ما قدمنا في تقرير مذهب أصحاب الجانب اللفظي. وسنذكر المرادَ بـ "المعنى" عند شرح قول المرزوقي: "إنهم كانوا يحاولون شرفَ المعنى وصحتَه". (٤)

стр. 1391

• "فطلبوا المعاني المُعْجِبة من خواص أماكنها وانتزعوها جزلةً عذبة حكيمة طريفة، أو رائقة بارعة فاضلة كاملة، أو لطيفة شريفة زاهرة فاخرة. وجعلوا رسومَها أن تكون قريبة التشبيه، لائقةَ الاستعارة، صادقةَ الأوصاف، لائحةَ الأوضاح، خَلابةً في الاستعطاف، عطافةً لدى الاستنفار، مستوفيةً لحلولها عند الاستهام من أبواب التصريح والتعريض، والإطناب والتقصير، والجد والهزل، والخشونة واللَّيان، والإباء والإسماح، من غير تفاوت يظهر في خلال إطباقها، ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها، مبتسمةً من مثاني الألفاظ عند الاستشفاف، محتجبةً في غموض الصِّيَّان لدى الامتهان، تعطيك مرادَك إن رفقتَ بها وتمنعك جانبَها إن عَنُفْتَ معها" (١)، أشار بكلامه هذا إلى تحقيق الجانب الذي يكون من شرف المعاني، ليُريَك أنْ ليس المرادُ بصرف العناية إلى المعاني أن تكون معاني الكلام كلُّها من الحق والموعظة أو العلم؛ فإن ذلك لا يتأتَّى في كلِّ كلام، ولا يقتضيه كلُّ مقام، وإن أكثر شعر العرب في الجاهلية بمعزل عن ذلك. وإنما المرادُ أن المعاني التي يجيش بها الخاطرُ - وهي المعاني الأصلية من أغراض التخاطب وغيره - إذا جاش بها الخاطرُ وترددت في النفس، يكون حقًّا على البليغ أن يصورَها معانِيَ فائقةً من مجاز، أو تشبيه، أو إيجاز، أو تلميح، أو تمليح، حتى إذا أُدِّيَتْ بالكلام أَبرزت ألفاظُها صورًا من الحقائق والكيفيات العقلية تقع في نفوس السامعين مواقعَ الإعجاب أو الاستحسان، فإنك إذا افتقدت قول كُثَيِّر: ولَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ وَشُدُتَّ عَلَى حُدْبِ المَهَارِي رِحَالُنَا ... وَلَا يَنْظُرُ الغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا ... وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطيِّ الأباطحُ (٢)

стр. 1392

- وهذا معدودٌ من أجود الشعر - لم تجد في أصل معناه أكثرَ من أنا فرغنا من الحج، فركبنا راجعين ونحن نتحدث على مطيِّ الرواحل. ولكنك تجده أفاد هذا المعنى بأفانين من التصوير المعنوي وتشخيص الأحوال ما إن سمعه السامع اهتز له إعجابًا، وتحرك لاستزادة سماعه طِلابا. وكان من أصحاب هذا المذهب ابن الأثير (١) في كتابه الجامع الكبير إذ يقول: "ينبغي أن يستيقن المؤلف [ويتحقق] أن المعاني أشرفُ من الألفاظ؛ والدليل على ذلك [ما أذكره: وهو أنا] لو خَلَعْنا هذه الألفاظَ من دلالتها على المعاني لما كان شيءٌ منها أحقَّ بالتقديم من شيء، بل كانت بمنزلة أصداء الأجسام والأصوات الناشئة عنها. ويزيد ما ذكرناه وضوحًا أن هذه الصناعة من النظم والنثر التي يتواصفها البلغاء بينهم، وتتفاضل بها مراتبُ البلاغة، إنما هي شيءٌ يستعان عليه بتدقيق الفكرة وكثرة الروية. ومن المعلوم أن الذي يُستخرج بالفكر ويُنعم فيه النظر، إنما

стр. 1393

هو المعنى دون اللفظ؛ لأن اللفظ يكون معروفًا عند أرباب صناعة التأليف دائرًا فيما بينهم، والمعنى قد يُبتدع فيذكر المؤلف معنى لم يسبق إليه" إلخ (١). فمعنى قول المرزوقي: "مَنْ قصد فيما جاش به خاطرُه إلى أن تكون استفادةُ المتأمل له والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثرَ من استفادته من آثار قوله"، أن أهلَ هذا المذهب يصرفون أكبرَ اهتمامهم عند قصدهم إفادةَ المعاني الأصلية إلى أن يودعوها في صور من المعاني البيانية تفيد متأمِّلَها معانِيَ جمةً ليس كلُّ معنى منها مستفادًا من جملة أو عبارة، بل يُستفاد الكثيرُ منها من الجملة الواحدة، وذلك بحسن التوصيف بتشبيه قريب واستعارة لائقة. وسيشير المؤلِّف إلى ما يحاوله البلغاء من ذلك بكناية وتعريض وضرب للأمثال، وبمراعاة تأثر السامعين على حسب اختلاف طبقاتهم، وتنوع مقامات خطابهم بما يناسب تلك المقامات من التصوير من خشونة أو رقة، ومن جِدٍّ أو مزح، ومن تصريح أو رمز. ويحصل بذلك الإيجازُ الذي هو زينةُ كلام البلغاء كما قيل "لمحة دالة"، مما لو جُعل لكل مراد منه لفظٌ أو جملةٌ لطال الكلامُ، وفاتت براعةُ مؤلفه، وضاعت فطنةُ متأمِّله أو تساوت درجاتُها. فإذا نظرتَ إلى قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وجدت التصور المفاد من كلمة اشتعل مغنيًا عن أن يُقال شاب شعر رأسي دفعةً واحدة، ولم يترك الشيبُ منه شيئًا، كالنار إذا التهبت في الحطب، فتصوير الاشتعال أفاد ذلك كلَّه. وأما معنى مفردات كلام المرزوقي فقوله جاش فاض، والخاطر الذهن باعتبار جولته في المعاني، فكأنه يخطر في خلالها أي يصثي. ومقصود المرزوقي أنه نشأت في نفسه المعاني التي أراد إفادتها ثم جالت في نفسه حتى تمكنت ووضحت، فشبه ذلك التمكن بالجيشان وهو غليان القدر.

стр. 1394

وقوله "من آثار عقله" متعلِّقٌ "باستفادة"، وقوله "ومثله" هو غير مضبوط في النسخ التي بين أيدينا أو ينبغي أن يضبط بضمتين جمع مثال يعني أن يعتني بتصوير المعاني أكثر من عنايته بالقول والإيضاح بالأمثلة. وقوله "رسومها" (براء في أوله) جمع رسم، وهو ما يُعرف به الشيء. وأصله رسم الدار، وفي النسختين التونسيتين ونسخة الآستانة ونسخة دار الكتب وسومها (بواو في أوله)، وهو جمع وسم وهو العلامة. وقوله: "من غير تفاوت يظهر في خلال أطباقها ولا قصور ينبع من أثناء أعماقها": الأطباق بفتح الهمزة جمع طَبَق (بفتحتين)، وقد تقدم في شرح قوله "لا يطابقه". وأراد بالتفاوت تفاوتَ الإفادة في ذلك التصوير بين ما يفيده بعض فقر الكلام و [ما] ويفيده بعض آخر، أي بأن تكون المعاني متوازنةً فلا يوضع المعنى الشريف بإزاء المعنى السخيف. و"القصورُ" العجز عن الوصول إلى ما حقُّه أن يصل إليه، وهو مشتق من قِصَر المقامة، أي قلة الامتداد في الأشياء بما يقتضيه كمالُ أنواعها. وشبه القصورَ الظاهر أثرُه بماء نابع بجامع الظهور وأثبت له النبع على طريقة الاستعارة المكنية، وهو من تشبيه المعدوم المتخيَّل بالوجود، مثل تشبيه اللؤم في بيت حسان: لَوْ أَنَّ اللُّؤْمَ صُوِّرَ كَانَ عَبْدًا ... قَبِيحَ الوَجْهِ أَعْوَرَ مِنْ ثَقَيف (١) ومناسبة الأعماق للنبع ظاهرة، فتكون ترشيحًا لا استعارة. وأراد بالمبتسمة أنها تكشف عما تحجبه كشفًا حسنًا، كما يكشف الابتسامُ عن محاسن الثغر. ومثاني الألفاظ هي التراكيب؛ لأن الكلمات تُثَنَّى فيها، أي تُكرَّر، ومنه سميت الفاتحة المثاني.

стр. 1395

و"الاستشفاف" هو نظر المتأمل، وفي إحدى النسختين التونسيتين الاستسعاف أي طلب الإسعاف أي قضاء المطلوب فعلى هذه النسخة يكون الابتسام تمثيلًا بحالة سرور الكريم عند ملاقاة العفاة كما قال الشاعر: "تراه إذا ما جئته متهللًا" (١). و"الاحتجاب" تمثيلٌ للمعاني بالنسوة يحتجبن ممن قد يستخف بهن في مواقع صونهن فقوله "لدى الامتهان" أي لدى إرادة الامتهان. وأما قوله "تعديك مرادك"، فهو تمثيلٌ آخر مثل فيه المعاني بالناقة الكريمة لا تَدِرُّ إلا بالإِبساس؛ أي برفق الحالب بها، فإذا رفق بها مكنته ودرَّت وإن اشتدّ عليها منعت، قال بشار: "والدَّرُّ يَقْطَعُهُ جَفَاءُ الحَالِبِ" (٢). • "فهذه مَنَاسِبُ المعاني لطلابها، وتلك مناصبُ الألفاظ لأربابها" (٣)، الإشارة بـ "هذه" إلى الصفات المذكورة قريبًا، و"تلك" إشارة للبعيد، وهو الصفات المذكورة سالفًا؛ لأنها بَعُد ذكرُها. و"المناسب" (بفتح الميم) جمع مَنْسَب (بفتح الميم وفتح السين)، وهو مصدر ميميٌّ لنسبه ينسبه إذا ذكر نسبه. وغالبُ إطلاق ذلك في ذكر الأنساب الشريفة. أي: فهذه الصفاتُ التي ذكرتها قريبًا هي

стр. 1396

صفاتُ المعاني الشريفة الأصلية، فهي للمعاني كالأنساب للناس، فمَنْ طلب المعاني الشريفة فليتوخَّ منها الصفاتِ التي ذكرتها. و"المناصب" جمع مَنْصِب (بفتح الميم وكسر الصاد)، وهو مكانُ النصب، أي رفع الشيء وإظهاره، ومنصب المرء شرفه ورفعته. أي: الصفات التي ذكرتُها سالفًا هي مظانُّ شرف الألفاظ، فمن كان من أرباب الألفاظ - أي المعتنين بها - فليبحثْ عن انطباق تلك الأوصاف عليها. وبَيْن المناسب والمناصب في كلامه الجِنَاسُ المحرَّف (١). - ٤ - • "ومتى اعترف اللفظُ والمعنى فيما تَصُوبُ به العقول، فتعانقا وتلابسَا، متظاهرين في الاشتراف وتوافقا، فهناك يلتقي ثَريَا البلاغة فيُمْطرُ روضُها، ويُنشر وشْيُها، ويتجلَّى البيانُ فصيحَ اللسان، نجيحَ البرهان، وترى رائدَيْ الفهم والطبع متباشرَيْن، لهما من المسموع والمعقول بالمسرح الخصب والمَكْرع العذب" (٢)، تخلص المرزوقي في هذا الكلام إلى مقام الحكم بين مذهب أهل الألفاظ ومذهب أهل المعاني، فبين أنه لا يتم للكلام حسنُه وبلاغتُه إلا باجتماع شرف لفظه وشرف معانيه. واعتراف اللفظ والمعنى هو توافقُهما وتآلُفهما، كالشخصين اللذين يعرف أحدُهما الآخر ويألفه. و"تصُوبُ" تمطر، والصَّوب المطر. ويقال صَوب المزن، أي ماء السحاب. شبَّه العقولَ المختارة للألفاظ والمنظمة للمعاني بالأسحبة، وشبه ما تأتي به من محاسن الألفاظ وشريف المعاني بالمطر. وأثبت الصوبَ للعقول

стр. 1397

على طريقة الاستعارة المكنية، مع كونها استعارة تبعية. وهذه الاستعارةُ مأخوذةٌ من قول أبي تمام في وصف الشعر: وَلَكِنَّهُ صَوْبُ العُقُولِ إِذَا انْجَلَتْ ... سَحَائِبُ مِنْهُ أُعْقِبَتْ بِسَحَائِبِ (١) وقد أَتْبع المؤلفُ استعارتَه هذه بتمثيل بناه عليها، فشبه هيئةَ انهيال الصنائع البليغة الرائقة من آثار أهل البلاغة نثرًا ونظمًا، وتلقِّى السامعين إياها، واهتزازَ أذواقهم لقبولها، وإقبالَهم على الاختيار منها، على حسب الأذواق، [شبّه ذلك كله] بهيئة عُروض السحاب في أغزر الأنواء إفاضةً، وهو نَوْءُ منزلة الثريا، فتغزر معصراتُها وتنتشر آثارها بين الأدباء كانتشار وشي الزرع في الرياض النَّضِرة، فتصبح الأدباءُ تفسِّر دقائقَها للطلاب كما تبشرُ روادُ المراعي رعاءَ الحي بالمسارح الخصبة والمكارع العذبة، فذكر هنا الهيئةَ المشبهة بها. وقد أشار إلى الهيئة المشبهة بقوله عقب هذا: "ولتُعرَف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه ومراسم أقلام المزيفين على ما زيفوه، ويُعلَم أيضًا فرقُ ما بين المصنوع والمطبوع وفضيلة الأَتِيِّ السمح على الأَبِيِّ الصعب". (٢) ولقد أجاد التمثيل، فأصبح كلامه لقواعد الأدب خير تمثيل. وقوله "في الاشتراف" بفاء في آخره، أي الارتفاع. فيكون شبه الرفعة المعنوية برفعة السحاب إذا أخذ يتصاعد وينضم بعضه إلى بعض. ووقع في إحدى النسختين التونسيتين "الاشتراق" (بقاف في آخره)، ولا يستقيم (٣).

стр. 1398

وقوله: "تلتقي ثريا البلاغة": هكذا في بعض النسخ يلتقي (بياء الغائب)، وفي بعضها تلتقي (بتاء الغائبة). وصيغة الالتقاء تقتضي ملاقاةَ شيئين، وليس في عبارة المؤلف سوى الثريا. فالظاهر أن صواب العبارة يَلْقَى (بالمثناة التحتية المفتوحة وفتح القاف)، والضمير عائدٌ إلى "ما تَصُوبُ به العقول"، والمعنى: فهنالك يقع ذلك الصوب في منزلة الثريا فيلقاها فيغزر مطره. ويجوز أن يكون الالتقاء بمعنى التلقي مبالغة. والثريا من الأنواء الوَسْمية، أي الربيعية، أي التي يكثر الإمطارُ في زمان طلوعها في بلاد العرب (١). والمطر الربيعي يُضرب المثلُ بشدته، قال النابغة: وَكَانَتْ لَهُمْ رِبْعِيَّةٌ يَحْذَرُونَهَا ... إِذَا خَضْخَضَتْ مَاءَ السَّمَاءِ القَبَائِلُ (٢) • "فإذا كان النثرُ بما له من تقاسيم اللفظ والمعنى والنظم اتسع نطاقُ الاختيار فيه على ما بيناه، بحسب اتساع جوانبها وموادها، وتكاثر أسبابها ومَوَاتِّها، وكان الشعر قد ساواه في جميع ذلك وشاركه، ثم تفرَّد عنه وتميز بأن كان حدُّه: لفظ موزون مقفّى يدل على معنى. فازدادت صفاتُه التي أحاط الحدُّ بها بما انضم من الوزن والتقفية إليها - ازدادت الكُلَفُ في شرائط الاختيار فيه؛ لأن للوزن والتقفية أحكامًا تُماثلُ ما كانت (٣) للمعنى واللفظ والتأليف أو تقارب. وهما يقتضيان من

стр. 1399

مراعاة الشاعر والمنتقِد مثلَ ما تقتضيه تلك من مراعاة الكاتب والمتصفح لئلا يختلَّ لهما أصلٌ من أصولهما أو يعتل فرعٌ من فروعهما" (١)، تقدم أن المؤلف جلب كلام أبي الحسن ابن طباطبا في مزية الشعر، استدلالًا به على مراعاة جانب اللفظ في معيار النقد، ولأن ما ذكره أبو الحسن في الشعر يجري بعينه في النثر. و"المواتُّ" بتشديد المثناة، الوسائل جمع ماتَّة، وهي الوسيلة إلى الشيء لأنها تمت إليه، أي تمد وتتوسل، يُقال مَتَّ بقرابة أي اتصل وتوسل. ومعنى كلام المؤلف ظاهر. وجوابُ "إذا" قولُه: "ازدادت الكلف" إلخ. • "وإذا كان الأمر على هذا، فالواجب أن يُتبيَّنَ ما هو عمودُ الشعر المعروفُ عند العرب، ليتميَّزَ تليدُ الصنعة من الطريف، وقديمُ نظام القريض من الحديث، ولتُعرفَ مواطئُ أقدام المختارين فيما اختاروه ومراسمُ إقدام المزيِّفين على ما زيفوه، ويُعلمَ أيضًا فرقُ ما بين المصنوع والمطبوع". (٢) تخلص هنا إلى تخصيص بحثه بالشعر، وهو المقصود من هذه المقدمة. ولذلك سيقول فيما يأتي: "فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر". وقد نبهنا آنفًا على أن هذه الفقرات تشير إلى الهيئة المشبهة بهيئة السحاب والمطر في قوله آنفًا: "فهنالك يلقى ثريا البلاغة فيمطر روضها" إلخ. و"المصنوع" هو الشعر الذي أُدخل فيه ما يُسمى عند أهل الفن بالصَّنْعة، وهي التهذيبُ والتنقيح للشعر، وإبداع المحاسن البديعية واللطائف اللفظية. فكان علمُ أصحابه مكتَسبًا بالصنعة، أي أن يعمدوا إلى القواعد والنكت وصور الأمثلة التي تلقوها بالتعلم، فيراعوها في منشآتهم بالتروِّي والتثقيف، فيكون شعرُهم كالشيء

стр. 1400

المصنوع باليد. وقد يقع بعضُ ذلك عفوًا بدون تعمد ولا تكلف، وهو الغالب من شعر المولدين، قال ابن رشيق: "وأشهر الشعراء في المصنوع ابن المعتز". (١) و"المطبوع" هو الشعر الذي يصدر عن الشاعر بالسجية والطبيعة الناشئة عن تدربه بسماع أشعار البلغاء، واندفاع طبيعته لمحاكاة أشعارهم، حتى يصير الشعرُ البليغ له كالطبع فلا يصرف فيه تعمقَ روية ولا معاودةَ تنقيح وتثقيف. • "وفضيلة الأَتِيِّ السمح على الأَبِيِّ الصعب" (٢)، تقدم بيانُ الأتِيِّ والأبِيِّ في تفسير أول الديباجة، ووصفَهما هنالك بالمستسهل والمستنكر، ووصفهما هنا بالسمح والصعب. و"السمحُ" صفة من السماحة، وهي لينُ الأخلاق وحسنُ المعاملة، و"الصعب" صفة من الصعوبة وهي الشدة في الخلق. • "فنقول وبالله التوفيق: إنهم كلانوا يحاولون شرفَ المعنى وصِحتَه" (٣)، ضمير "إنهم" عائد إلى الشعراء وإن لم يذكر معاد، بناءً على أنه معلوم من سياق الكلام المذكور على الشعر، وهذا هو المناسب للإخبار عن الضمير بفعل يحاولون. ويجوز أن يعود الضمير إلى نُقَّاد الكلام المذكور في قواه: "اعلم أن مذاهب نقاد الكلام" إلخ.

стр. 1401

وقد كنا وعدناك أيها الناظرُ عند قول المرزوقي آنفًا: "هم أصحاب المعاني"، بأن نبين المراد بالمعنى، فهذا أوان أن نبينه. اعلم أن الشيخ عبد القاهر قال في "دلائل الإعجاز": "إن قولنا المعنى في مثل هذا يُراد به الغرضُ الذي أراد المتكلم أن يبينه أو ينفيه، نحو أن تقصِد تشبيهَ الرجل بالأسد، فتقول: زيدٌ كالأسد، ثم تريد هذا المعنى بعينه فنتول: كأن زيدًا الأسد، فتفيد تشبيهَه أيضًا بالأسد. إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادةً لم تكن في الأول، وهي أن تجعلَه من فرط شجاعته وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يُقصَّر عنه حتى يُتوهم أن أسد في صورة آدمي". (١) ثم قال: "الكلام على ضربين: ضربٌ أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تُخبر عن زيد مثلًا بالخروج على الحقيقة فقلت: خرج زيد، [وبالاطلاق عن عمرو فقلت: عمرو منطلق، وعلى هذا القياس]. وضربٌ آخر لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلُّك اللفظُ على معناه الذي يقتضيه موضوعُه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالةً ثانية تصل بها إلى الغرض. ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل". (٢) ثم قال عقب ذلك: "وإذا عرفت هذه الجملة، فها هنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى: المفهومَ من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنىً، ثم يُفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، كالذي فسرت لك". (٣) ثم قال: "فالمعاني الأُوَل المفهومة من أنفس الألفاظ، والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك المعاني الأول". (٤) فهذا كلام الشيخ تمييزًا بيَّن المراد بالمعنى.

стр. 1402

ثم إن علماء المعاني قفَّوا عليه بما يزيده بيانًا ويعصِم المتأمِّلَ من اختلاط المقصود بكلمة "معنى" في مختلف إطلاقاتها، مما أفاده السكاكي في المفتاح وشارحو كلامه، من أن المعنى الذي يجيش في نفوس البلغاء ثلاثة أقسام: قسم سمَّوْه أصلَ المعنى، وهو الأغراض المجملة التي يُرادُ إفادتُها من خبر أو إنشاء. وهذا المعنى هو الذي يُفاد بكلامٍ بسيط، وهذا يجيش في الناس من الخاصة والعامة، وليس هو موضوع الاختلاف (١). وقسم سَمَّوْه معنى أول، وهو الأغراض الخاصة التي يقصدها البلغاء لنكتة، مثل ردِّ الإنكار. وقسم سموه معنىً ثانيًا، ويقال له: "معنى المعنى" (٢)، وهو الخواص الكلامية التي تفيد كيفيات في المعاني الأول، مثل القصر والاستغراق والكناية والمبالغة، وهذا خاص ببلغاء الكلام العربي. فإذا علمتَ هذا، فلْنَرجِعْ إلى بيان كلام المؤلف. "المحاولة" ابتغاء الشيء وتطلُّبُه، و"الشرف" حصول صفات الكمال النوعي في بعض أفراده. فشرفُ المعنى أن يكونَ من أحاسن المعاني المستفادة من الكلام، بأن يَتلَقَّى فهمُ السامع المعنى مستغنيًا به في استفادة الغرض الذي يُفاد به. وقد وصف المؤلِّفُ المعنى هنا بـ "الشرف والصحة"، ووصفَه فيما تقدم بـ "المعجِبة الجَزْلة، العذبة الحكيمة، الزاهرة الفاخرة". وطريقةُ صَوْغ المعنى الشريف هي أن يَلحظ البليغُ ما يجيش في نفسه مما يريدُ إبلاغَه إلى نفس السامع، فينشئه في نفسه، ويكيفه بأحسن صورة يَرى أنَّها تقعُ لدى السامعين موقعًا حسنًا يفي بمراد الشاعر، ويليق بالغرض الشاعري، معتمدًا في تحصيل تلك الكيفية على فِطنته ودُربته المتولِّدة في ذوقه بما ورد على ذهنه من محاسن البلغاء والحكماء والعلماء، فأكسب ذوقَه صورًا غيرَ جزئية، يقيس عليها أمثالَها إذا

стр. 1403

أراد التعبيرَ بابتكار مماثلاتٍ لها جديدة، أو بتصرفٍ فيها يغيرها عن حالتها السابقة تصرفًا كثيرًا أو قليلًا، ويندفع إليها ذهنُه سريعا. ومن أكبر أسباب شرف المعنى أن يكون مبْتَكَرًا غيرَ مسبوق، ثم أن يكون بعضُه مبتكرًا وبعضُه مسبوقًا، وبمقدار زيادة الابتكار فيه على المسبوقية يدنو من الشرف. ولبشار وأبي تمام وأبي الطيب ابتكاراتٌ كثيرة، ويقرُب من ذلك أبو نواس وابن الرومي ثم المعري. فإذا أنشأ ذوقُ البليغ معنًى، لاحت له منه محاسنُ المعنى ونقائصُه ومعائبه، فاحتفظ بالمحاسن، وأكمله عن النقائص، ومحا عنه المعائب. فإذا تقوَّم فيه ما مِنْ شأنه أن يفيَ بأمله من إرضاء السامعين من أهل الصناعة وامتلاك استحسانهم، فرأوه مَحُوكًا على منوال ما يحوك على مثله البلغاءُ فيما انتهت إليه مزاولتُه ودربته، وثق بأنه معنى شريف. فعُلِمَ أن شروطَ شرف المعاني تختلف باختلاف محالِّها من أغراض الكلام: من إثارة حماس، أو استعطاف وإبساس (١)، أو غزل، أو نسيب، أو فخر، أو ذب عن شرف، أو نحو ذلك. قال ابنُ الأثير في المثل السائر: "إن الكاتبَ أو الشاعر ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها ما يناسبها من المعاني". (٢) وهذا عملٌ محتاجٌ إلى صفاء قريحة، وكرم سجية، وطول دربة، وحسن اقتداء، وتمييزٍ بين المقبول والمرفوض. وقد ذكر ابن الأثير في "المثل السائر" من المعنَى الشريف قولَ أبي الطيب: تَلَذُّ لَهُ المُرُوءَةُ وَهْيَ تُؤْذِي ... وَمَنْ يَعْشَقْ يَلَذُّ لَهُ الغَرَامُ (٣) لولا لفظة تؤذي فيه؛ فإنها تؤذي (٤).

стр. 1404

ولا يُتوهَّم من كلام ابن الأثير ولا من مادة "شريف" أن شرط المعنى كونُه من الفضائل أو المعاني الحميدة؛ فإنه لو كان ذلك مرادَهم لذهبَ معظمُ النسيب والهجاء، ولذهب ما كان من الشعر كذبا. بل مرادُهم ما أفصح عنه قدامةُ في "نقد الشعر" إذ يقول: "إن مناقضةَ الشاعر نفسَه في قصيدتين أو كلمتين، بأن يصف شيئًا وصفًا حسنًا، ثم يذمه بعد ذلك ذمًّا حسنًا بيِّنًا، غيرُ منكَرٍ عليه، ولا معيبٍ من فعله، إذا أحسن المدحَ والذم. بل عندي يدلُّ على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها. وإنما قدمتُ هذين المعنيين لما وجدتُ قومًا يعيبون هذين المسلكين، فإني رأيتُ مَنْ يعيب امرأ القيس في قوله: فمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ ... فَألهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِم مُحْوِلِ إذَا مَا بَكَى مَنْ خَلْفَهَا انْصَرَفَتْ لَهُ ... بِشِقٍّ، وَتَحْتِي شِقُّها لَمْ يُحَوَّلِ (١) وليس فحاشةُ المعنى في نفسه مما يُزيل جودةَ الشعر فيه". (٢) وأما "صحةُ المعنى" في كلام المؤلف، فهي الدرجةُ الأولى للصعود في مصاعد الشرف، أي أن لا يكون في المعنى اضطرابٌ أو سوءُ ترتيب أو انتقاضُ بعضه ببعض، فيصيرَ الإنشاءُ أو الترسلُ أجوف، قال ابن رشيق: "وفِرقةٌ (من الشعراء) أصحاب جلبة وقعقعة، بلا طائل معنى إلا القليل النادر، [كأبي القاسم ابن هانئ ومَنْ جرى مجراه]؛ فإنه يقول في أول مذهبته: أَصَاخَتْ فَقَالَتْ وَقْعُ أجْرَدَ شَيْظَمِ ... وَشَامَتْ فَقَالَتْ لمْعُ أَبْيَضَ مِخذَم وَمَا ذُعِرَتْ إلَّا لِجَرْسِ حُلِيِّهَا ... وَلَا رَمَقَتْ إِلَّا بُرًى فِي مُخَدَّمِ (٣)

стр. 1405

وليس تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد. وما الذي يفيدنا أن تكون هذه المنسوب بها لبست حليها، فتوهمته - بعد الإصاخة والرمق - وقعَ فرس أو لمعَ سيف، غير أنها مغزوةٌ في دارها، أو جاهلة بما حملته من زينتها؟ " (١) على أن في قوله "شامت" خطأ؛ لأن الشيم هو النظرُ إلى البرق ليُعلم أين يذهب، ويُتوسّم أين يُمطر. واعلم أن ضد المعنى الشريف المعنى السخيف، لقلة جدواه أو لدلالته على تعلق تفكير صاحبه بصور ضعيفة، كما خطب والٍ باليمامة في موعظة فقال: "إن الله لا يعاون عبادَه على المعاصي، وقد أهلك أمة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم"، فلقبوه مقوِّمَ ناقة (٢). ومن المعاني السخيفة قولُ نُصَيب: أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيتُ فَإِنْ أَمُتْ ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ يَهِيمُ بِهَا بَعْدِي (٣)
следующие страницы →