← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشافعية. (١) ونسبه ابنُ عطية إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين. (٢) والذي في جمع الجوامع أن إمام الحرمين قائلٌ بتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وهو صريحُ كلامه في كتاب الإرشاد. (٣) وأحسن ما حُدِّدت به الكبيرةُ ما قاله إمامُ الحرمين في الإرشاد: "إنها كلُّ جريرة تُؤْذِنُ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة"، (٤) وعدوا ثمانٍ وثلاثين معصيةً كبائر. (٥)

стр. 72

وفي الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة: "الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكبائر". (١) فأما أصحاب الأشعري فمنعوا الكبائر مطلقًا، وجوزوا الصغائرَ سهوًا. وذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في "الإيجاز" أن نبينا محمدًا ﷺ معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (٢) قال التفتازاني في المقاصد: واختلفوا في صدور بعض المعاصي من الأنبياء على التفصيل، والجمهور على وجوبِ عصمتهم عما ينافِي مقتضى المعجزة - وهو دلالتُها على قول الله تعالى: "صدق عبدي فيما أخبر به عني". (٣) - لا عمدًا ولا سهوًا، وجوَّز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوعَ ذلك سهوًا، ولم يرتضه الجمهور. والمذهبُ عند جمهور الأشاعرة منعُ صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها. (٤) وأما الصغائرُ فلا تصدر

стр. 73

منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورُها منهم سهوًا، لكن لا يصرون عليها ولا يقرون. (١) وذهب إمامُ الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا. قال إمام الحرمين في الإرشاد: "وأما الذنوب المعدودة من الصغائر، [على تفصيل سيأتي الشرحُ عليه، فلا تنفيها العقول]، ولم يقم عندي قاطعٌ سمعي على نفيها (أي: عدم وقوعها) ولا على إثباتها (أي: جواز وقوعها)؛ إذ القواطع نصوص أو إجماع، ولا إجماعَ، إذ العلماء مختلفون في تجويز وقوع الصغائر على سائر الأنبياء. والنصوص التي تُثبت حصولَها قطعًا، ولا يقبل فحواها التأويلَ، غيرُ موجودة. فإن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة فما الأغلب على الظن عندكم؟ قلت: الأغلب جوازها، [وقد شهدت أقاصيصُ الأنبياء في الآي من كتاب الله تعالى على ذلك] ". (٢) واستدل أبو بكر الباقلاني لرأيه بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ إذ لا يُقالُ لِمَنْ لا ذنبَ له كالطفل والمجنون: قد غفرت لك، ولأن الآية وردت في معرض الامتنان، فلو لم يكن له ذنبٌ لم يكن له وجه، وبقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وبقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١]، وبقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، وبقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله حكايةً عن

стр. 74

يونس: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] , وغيرها من الآيات الواردة في نفس هذا المعنى. (١) وقال الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام: "والأصح أنهم معصومون عن الصغائر عصمتَهم عن الكبائر؛ فإن الصغائر إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر، [وما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام]. لكن المجوز عليهم عقلًا وشرعًا مثل ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازًا وجوازًا، وحظرًا وحظرًا. ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي التشديدَ على غيرهم في كبائر الأمور". (٢) وكلامه لا يدل على وجوب العصمة قبل البعثة. ونقل في الفقه الأكبر ما يقارب كلامَ الشهرستاني. (٣) ووجه آخر، وهو أن يتركوا الأفضلَ كآدم ﵇ حين قاسمه إبليس حتى نسي النهي، وظن أنه يحترم اسم الله العظيم وترك الأفضل، وهو غاية الأمر، ولهذا قال الله تعالى في حقه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥]. فأما ما قبل النبوة أو قبل أن يوحى إليه في فعل بعد النبوة، فالذي عليه الأكثرُ منعُ إنشاء الذنب والإصرار، لئلَّا تزول العصمةُ أصلًا. وجوزوا وقوعَ ذلك على سبيل الندرة، كقصة يوسف وإخوانه - وقد اختلف في كونهم أنبياء. والمرجح أن الأنبياء معصومون بعد النبوة صيانةً لمنصب النبوءة وحماية لأبهة الرسالة، ألا ترى قوله تعالى حكاية عن نبينا ﷺ : ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦]؟ يعني لبثت بين ظهرانيكم أربعين سنة وما رأيتم افتراءً ولا خيانة فإنه ﷺ كان مشهورًا فيما بينهم بمحمد الأمين ﷺ . (٤)

стр. 75

قول عياض: قد اهتم - أعني عياضًا في "الشفا" - برد واحد وعشرين دليلًا تمسك بها الذين جوَّزُوا صدورَ الصغائر من الأنبياء بعد النبوة - الباقلاني ومَنْ وافقوه. (١) وقد رد التفتازاني في المقاصد من تلك الأدلة اثني عشر دليلًا، (٢) ويظهر أنه لم يطلع على كلام عياض في "الشفا". ثم قال عياض بعد أن رد تلك الأدلة: "أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء عن الفواحش والكبائر والموبقات. ومستَنَدُ الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه، وهو مذهب القاضي أبي بكر. ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافة. واختاره الأستاذ أبو إسحاق [الإسفراييني]. وكذلك لا خلافَ أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ؛ لأن كلَّ ذلك يقتضي العصمةَ منه المعجزةُ مع الإجماع على ذلك من الكافة. والجمهور قائلٌ بأنهم معصومون من قبل الله معتصمون باختيارهم وكسبهم. . . وأما الصغائرُ فجوزها جماعةٌ من السلف وغيرهم على الأنبياء، وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره، من الفقهاء والمحدثين والمتكلِّمين. . . وذهبت طائفةٌ أخرى إلى الوقف، وقالوا: العقل لا يحيل وقوعَها منهم، ولم يأت في الشرع قاطعٌ بأحد الوجهين. وذهبت طائفةٌ من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر: قالوا لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك، وقول ابن عباس وغيره: إن كل ما عُصي الله به فهو كبيرة. . . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن في معاصي الله صغيرةً إلا على معنى أنها تُغتفر باجتناب الكبائر. . . وقد استدل بعضُ الأئمة

стр. 76

على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم، واتباع آثارهم وسيرهم مطلقًا. وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام قرينة (أي دالة على إرادة امتثال أفعالهم)، بل مطلقًا عند بعضهم وإن اختلفوا في حكم ذلك. وحكى ابن خُوَيْز مِنْداد، وأبو الفرج عن مالك، التزامَ ذلك وجوبًا، وهو قولُ الأبهري وابن القصار وأكثر أصحابنا وأكثر أهل العراق وابن سريج والإصطخري وابن خَيران من الشافعية. وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب". (١) قال: "ونزيد هذا حجةً بأن نقول: مَنْ جوَّز الصغائرَ ومَنْ نفاها عن نبينا ﵇ مجمعون على أنه لا يُقِرُّ على مُنكَرٍ من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئًا فسكت ﷺ عنه دلَّ على جوازه، فكيف يكون هذا حالُه في حقِّ غيره، ثم يجوز وقوعُه منه؟ " (٢) قال: "فقد عُلم من دأب الصحابة [قطعًا] الاقتداءُ بأفعال النبي ﷺ كيف توجهت، وفي كل فن، كالاقتداء بأقواله. فقد نبذوا خواتمهم حين نبذ خاتمه، [وخلعوا نعالهم حين خلع نعله. . .] واحتجَّ غيرُ واحدٍ منهم في غير شيء مما بابُه العبادةُ أو العادة، بقوله: رأيت رسول الله ﷺ فعله. . . والآثارُ في هذا أعظمُ من أن نُحيط بها، لكنه يُعلم من مجموعها على القطع اتباعُهم أفعالَه واقتداؤهم بها". (٣) ثم قال: "فبان لك عظيمُ فضل الله على نبينا ﵇ وعلى سائر أنبيائه ﵈ بأن جعل أفعالَهم قرباتٍ وطاعات بعيدةً عن وجه المخالفة ورسم المعصية". (٤)

стр. 77

ولم يُنقل عن سلف عياض مثلُ هذا القول، إلا ما نُسِب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (دون استدلال). وأما ما نُقل عن الشهرستاني مما يماثل قولَ الأستاذ، فذلك قد كان في عصر عياض؛ لأنه معاصرٌ للشهرستاني، وعياض أسبق ولادة ووفاة بمدة قليلة فيهما (توُفِّيَ الشهرستاني سنة ٥٤٨، وتوُفِّيَ عياض سنة ٥٤٢). فلعل اتفاقَهما من توارد الآراء، إن لم يكن الشهرستاني تَبع عياضًا في قوله. وقال تاج الدين السبكي في منظومته في المسائل التي وقع اختلافٌ فيها بين الأشعري والماتريدي: قَالُوا: وَتَمْتَنِعُ الصَّغَائِرُ مِنْ نَبِـ ... ـيٍّ لِلإِلَهِ وَعِنْدَنَا قَوْلَانِ (١) وَالمَنْعُ مَرْوِيٌّ عَنِ الأُسْتَاذِ (٢) وَالْـ ... ـقَاضِي عِيَاضٍ وَهْوَ ذُو رُجْحَانِ وَبِهِ أَقُولُ وَكَانَ رَأْيُ أَبِي (٣) كَذَا ... صَوْنًا لِرُتْبَتِهِمْ عَنِ النُّقْصَانِ (٤) [الخلاصة]: فَيُستخلص من هذا المبحث أن حالَ الأنبياء ﵈ قبل النبوة يجب أن تكون حالةَ عصمة عن النقائص المتعَيَّر بها في عرف أهل العقول السليمة، مثل السرقة والكذب والخيانة. وما عدا ذلك مِمَّا يُعدُّ ذنوبًا كبائر أو صغائر إن كان ذلك النبِيُّ متبِعًا شريعةً سابقة كان معصومًا من ارتكاب ما يعد كبيرة في الشريعة التي هو

стр. 78

مُتَّبِعُها، ولذلك قال إخوةُ يوسف في مصر: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ [يوسف: ٧٣]، وأقر الله كلامهم فلم يعقبه بنقضه كما عقب كلام يوسف بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]. وأما ما هو صغائرُ في تلك الشريعة، فلا يَمتنِع وقوعُها قبل النبوة. وأما بعد أن يصير نبيًّا، فهو محل البحث؛ إذ بعد نبوته يكون له شرعٌ إما سابقٌ أُمِر باتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل - ولذلك لم يسكت يوسف لَمَّا قال إخوتُه في شأن أخيهم بنيامين: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾؛ لأنهم اتهموه بما هو معصومٌ منه فقال لهم: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧]، فإجراءُ حاله على حسب ذلك الشرع. وإما أن يُوحى إليه بشرع يخصه مثل لقمان، أو يدعو إليه، فذلك النبي حينئذ رسول. وأيًّا ما كان فَلْيَجْرِ البحثُ في أفعاله على حسب ما أُمر باتباعه أو بالدعاء إليه. واختلفوا في صدور بعض المعاصي منهم على التفصيل. والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافِي مقتضى المعجزة من حيث دلالتها على قول الله تعالى: "صدق عبدي فيما أخبر به عني"، لا عمدًا ولا سهوًا. وجوَّز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوعَ ذلك سهوًا، ولم يرتضه الجمهور. والمذهب عند جمهور الأشاعرة منعُ صدور الكبائر منهم بعد البعثة وقبلها، وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورُها منهم سهوًا لكن لا يصرون عليها ولا يقرون. (١)

стр. 79

وذهب إمامُ الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا. ويظهر أنهم أرادوا بالتجويز عدمَ الاستحالة، ولم يدعوا وقوعَ ذلك. وقد تقدم أن عياضًا أبطل الأدلةَ التي استدل بها مدَّعُو وقوع ذلك منهم، وكفى بذلك. (١)

стр. 80

شفاعة محمد ﷺ - (١) جاءني من الأستاذ السيد حسن قاسم مدير مجلة "هدى الإسلام" كتابٌ يشعرني فيه بالعزم على إصدار عدد ممتاز من المجلة لذكرى مولد الرسول ﵊، ورجا مني أن أكتبَ كلمةً في ذلك. ولكن هذا الكتاب بلغني بآخرة من الوقت، في حال تراكم أشغال بين يدي. ولولا أني أغتبطُ بالمشاركة في هذا العمل المبارك، لَلُذْتُ بالاعتذار. وقد تذكرت أنِّي كنتُ وعدت على صفحات مجلة هدى الإسلام أن سأكتب في حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، (٢) إجابةً لسؤال الأستاذ حسن إبراهيم موسى الذي أرجأته منذ مدة. فقلت: هذا واجبُ الوفاء قد أظل زمانُه وأقام، ورأيتُ هذا البحثَ جديرًا بالتحقيق والتحرير لتعلقه بالسيرة وبأصول الدين. معنى الشفاعة: الشفاعةُ توسُّطُ سيِّدٍ أو حبيب أو ذي نفوذ لِمن يملك عقوبة أو حقًّا بأن يعدل عن الأخذ به، وقد كانت عند العرب في الغالب من شعار الود. وفي الحديث: "قالوا هذا حرِيٌّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يشَفَّع". (٣)

стр. 81

وفي شفاعة الحبيب، قال الشاعر: وَنُبِّئْتُ لَيْلَى أَرْسَلَتْ بِشَفَاعَةٍ ... إلَيَّ فَهَلَّا نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُهَا (١) شفع الشعراء عند الملوك لِمَا للشعر من النفوذ: شفع علقمة الفحل عند الملك عمرو بن هند في أخيه شاس وأسرى من قومه، ولم يتوسل له إلا بكونه نزيلًا في بلاده غريبًا عن قومه، فقال: فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا مِنْ شَفَاعَةٍ ... فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ (٢) وقد تُطلق الشفاعةُ مجازًا وتسامُحًا على الوساطة في الخير ورفع الدرجة. ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "اشفعوا فلتؤجروا، وليقضِ الله على لسان رسوله ما شاء"، (٣) وقول دعبل الخزاعي: (٤)

стр. 82

شَفِيعَكَ فَاشْكُرْ فِي الْحَوَائِجِ إِنَّهُ ... يَصُونُكَ عَنْ مَكْرُوهِهَا وَهُوَ يَخْلُقُ (١) ومن الشواهد لذلك نكتةٌ تاريخية قلَّ مَنْ يتفطن لها، وهو ما وقع في ظهير الخليفة القادر بالله الذي أصدره للسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي بولاية خراسان، فقد جاء فيه: "وليناك كورةَ خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني". (٢) والمرادُ بالشفاعة الثابتة لرسول الله شفاعتُه يومَ القيامة للناس عند الله تعالى لدفع ما يلاقونه من العذاب. وإذ قد أراد الله تعالَى إكمالَ الفضائل لرسوله محمد ﷺ ، كان من جملة ما أعطاه أن أعطاه فضيلةَ الشفاعة وسماها بالمقام المحمود فقال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، تكميلًا لفضائله في الآخرة، على حسب ما له من السؤدد والقبول عند الله تعالى. فقد أعطى أهلَ السيادة الدنيوية

стр. 83

الزائلة خصلةَ الشفاعة الزائلة، وأعْطى صاحبَ السيادة الحقة الدائمة الشفاعةَ الصادقة في دار الخلود، وخصه بها كما خصه بفضائلَ لم يشاركه فيها أحد. فقد روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُحِلت لِيَ الغنائم، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عامة". (١) وفي صحيحَيْ البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة، قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق. فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيهتمون لذلك، فيُلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلَى ربنا حتى يريحنا من مكاننا، ثم ذكر أنهم يأتون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى (فكلٌّ يعتذر)، وأن عيسى يقول: ائتوا محمدًا عبدًا قد غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني فأستأذن على ربّي فيأذن لي فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، قُلْ تُسمع، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفع رأسي فأحمد ربّي بتحميد يعلمنيه ربّي، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجدًا". (٢)

стр. 84

ووصف مثل ما وصف في المرة الأولى: "ثم أشفع فيحد لِي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة: قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة: فأقول ما بقي في النار إلا ما حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود". (١) وزاد مسلم عن حذيفة: "ويقوم محمد فيؤذن له، وتُرسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبَتَيْ الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولُكم كالبرق. . . ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال، تجري بهم أعمالُهم، ونبيُّكم قائم على الصراط يقول: رب سَلِّمْ سَلِّمْ، حتى تعجِزَ أعمالُ العباد حتى يجيء الرجلُ فلا يستطيع السيرَ إلا زحفًا. . . وفي حافَّتَيْ الصراط كلاليبُ معلقة مأمورة بأخذ من أُمِرت به، فمخدوشٌ ناجٍ ومكدوسٌ في النار". (٢) وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك - يزيد بعضُهم على بعض - عن رسول لله ﷺ ، أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، فأُريد أن أختبئ دعوتِي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". (٣) وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قيل: "يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ " قال رسول الله: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه [أو من نفسه] ". (٤) وفي

стр. 85

صحيح مسلم عن أنس: "قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس يشفع في الجنة"". (١) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ : "إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة"، (٢) يريد بشفاعة محمد؛ لأن التعريف للعهد. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل بأسانيدهم عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، قال الترمذي: هو "حديث حسن صحيح غريب". (٣) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن مقام محمد المحمود هو الذي يخرج الله به من يخرج من النار. (٤) فشفاعةُ رسول الله يوم القيامة أمرٌ ثابت على الجملة بأدلة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وثبوتها للنبي ﷺ بأدلة من القرآن، قال تعالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، وبما ثبت في الصحيح ورويناه آنفًا. أنواع الشفاعة ومكانة الرسول ﵇ منها: والشفاعات على ما حققه أئمتنا خمسة أقسام: الأول: الشفاعةُ إلى الله في إراحة الأمم من هول الموقف بأن يُعَجِّل حسابَهم. وتُسمى بالشفاعة العظمى؛ لأنَّها أعمُّ أقسام الشفاعات، وهي من خصائص محمد

стр. 86

- ﷺ بصريح حديث البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان. الثاني: الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب. وهذه أيضًا من خصائص النبي ﷺ ، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. الثالث: الشفاعة في قوم استوجبوا النار، فيعتقهم الله منها. الرابع: الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار بعد أن يعذبوا، على ما اقتضاه حديثُ أنس وأبي هريرة وحذيفة في الصحيحين. الخامس: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة. (١) وإطلاقُ اسم الشفاعة على القسم الأخير مجازٌ وتسامح، وإنما هي وساطةٌ ووسيلة لزيادة النفع. وفي كلام عياض ما يدل على أن هذا القسم ليس من خصائص محمد ﷺ ؛ إذ ورد في صحيح الآثار ما ظاهرُه أن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة، وبذلك جزم عياض في إكمال مسلم. (٢) وأما بقية الأقسام، فاختصاصُ رسول الله بالقسم الأول - الذي هو الشفاعة العظمى - وبالقسم الثاني وبالقسم الثالث ثبت بصحيح البخاري التي لا معارضَ لها من مثلها. وأما القسم الرابع، فقد ورد في بعض صحيح الآثار أن الملائكة والأنبياء يشفعون. وبه جزم عياض في الإكمال أيضًا. (٣) ولم يجب عياض عما تضمنه حديثُ الموطأ والصحيحين من اختصاص رسول الله بالشفاعة على الإطلاق. وأرى أن يكونَ الجوابُ على مجاراة ما جزم به عياض ﵀، أن يكون محملُ حديث الموطأ والصحيحين: "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي. . ."، فذكر

стр. 87

منها: "وأعطيت الشفاعة": إما الشفاعةَ العظمى، فيكون التعريفُ للعهد أو للكمال. وإما على جنس الشفاعة بقيد تحقق إجابة شفاعته، لما ورد في حديث الصحيحين عن جابر وأنس وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فأردتُ أن أختبئَ دعوتِي لأمتي يوم القيامة". (١) وأما حديثُ "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، فهو يقتضي تخصيصَ الشفاعة بكونها لأهل الكبائر من المسلمين. فيتعين حملُ هذا الحديث على أن المراد بالشفاعة فيه القسمان الثالث والرابع، وهما اللذان يتحقق فيهما معنى الشفاعة بمعناه اللغوي الأتم؛ لأنها شفاعةٌ تتحقق بها النجاةُ من أثر الجناية نجاةً مستمرة. بخلاف الخامس؛ إذ إطلاقُ الشفاعة عليه مجاز، كما علمته. والتحقيقُ عندي في شأن هذه الشفاعات أن ما ورد من الآثار مِمَّا ظاهرُه إثباتُ شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة أنها شفاعةٌ مجازية؛ لأنها إما دعاء، كقول النبيين على الصراط: "اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ"، (٢) كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيحين. وإما شهادةٌ وتعريضٌ بالتشفع، كقول المؤمنين الناجين في شأن المؤمنين الذين أُدْخِلوا النار: "ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقول الله لهم: أخرجوا

стр. 88

من عرفتُم". (١) فهذا إذنٌ من الله لهم بعد شهادتهم، كما اقتضاه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم. وإما تلقي إذن من الله تعالى، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيحين. وعليه فما وقع في بعض روايات حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون"، (٢) هو من باب المجاز، أي: وُسطت الملائكة، واستجيب دعاءُ النبيين بالسلامة، وقُبلت شهادةُ المؤمنين لأقوامهم بالإيمان والأعمال الصالحة. وعليه فحملُ حديثِ الموطأ والصحيحين المصرح بأنه أعطي الشفاعة ولم يُعطها أحدٌ قبله، أن يكونَ على ظاهره. ويدل لذلك أن حديثَ الصحيحين المرويَّ عن أنس وأبي هريرة وحذيفة صريحٌ في أن القسم الرابع من الشفاعات من خصائص النبي ﷺ لتفصِّي أفضل بقية الرسل منها. وقد أنكر بعضَ أقسام الشفاعة طوائفُ من المبتدعة في الدين، وأولُ مَنْ أنكر الشفاعةَ الخوارجُ في عصر الصحابة. ففي صحيح مسلم عن يزيد الفقير قال: "كنتُ قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عِصابة ذوي عدد، نريد أن نَحُج ثم نَخْرُجَ على الناس. (٣) فمررنا على المدينة، فإذا جابرُ بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث القوم عن رسول الله ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين [أي أهل المعاصي الذين يخرجون من النار فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، كما ورد في حديث عمران بن حُصَين وأنس بن مالك]. (٤) قال (يزيد): فقلت له: يا صاحبَ رسول

стр. 89

الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. فما هذا الذي تقولون؟ قال [أي زيد]: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعتَ بمقام محمد ﵇ (يعني الذي يبعثه الله فيه)؟ [يعني قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ -المحمود الذي يُخرج به مَنْ يُخرِج. قال: ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه. . ." (١) وإن إنكار الشفاعة مبنِيٌّ على أصلهم؛ فإنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة مستوجبٌ الخلودَ في النار، إلا أن يتوب. فإن كان قد تاب، فالشفاعةُ محال؛ لأنها لا تفيد المشفوعَ فيه شيئًا لوجوب خلوده في النار. وأدلتُهم في ذلك ظواهرُ من القرآن تقتضي خلودَ مرتكِبِ الكبيرة والإيمان إلى أنه كافر. (٢) وتلك الأدلةُ عندهم أقامت لهم أصلًا قاطعًا من أصول الاعتقاد في نظرهم، واستدلوا على بطلان الشفاعة بالخصوص بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فلذلك تأولوا الآيات التي تقتضي وجود الشفاعة لمنافاتها للأصل القاطع.

стр. 90

وقد كان حديث جابر هذا من أعظم الحجج على بطلان مقالة الخوارج. ولذلك لَمَّا حدَّث به عصابةَ يزيد الفقير التي عزمت على الخروج على الناس تبعًا للخوارج، علمت تلك العصابةُ صدقَ ذلك الصحابي الشيخ. قال يزيد الفقير: "فرجعنا. فلا والله! ما خرج منا غير رجل واحد". ووافقهم المعتزلةُ على ذلك مع اختلاف الدليل؛ وذلك أن المعتزلة يقولون بخلود مرتكبِ الكبيرة في النار إذا لم يتب، ولا يجوِّزون المغفرةَ له؛ لأن الإحسانَ للمسيء والإساءةَ للمحسن قبيحٌ يستحيل صدورُه من الله تعالى، وتأولوا ما ورد في الشفاعة بأنها شفاعةٌ لرفع الدرجات في الجنة. ومذهبُنا - معاشرَ أهل السنة - أن الشفاعةَ ثابتة؛ وسبيلُنا في ذلك أنها جائزة، وأنها ليست بقبيح، وأن الصفح عن بعض عقاب المذنب ليس بقبيح. وأدلتُنا السمعيةُ واضحةٌ من الكتاب والسنة، ومحملُ آيات نفي الشفاعة على الكفار بقرينة قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر: ١٨]؛ لأن اصطلاح القرآن في الظلم أنه الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩]، ونظائرُ ذلك كثيرة. واعلم أن الشفاعةَ التي ينكرها هؤلاء هي الأقسامُ الثاني والرابع، ولم ينكروا الشفاعةَ للإراحة من هَوْلِ الموقف ولا الشفاعةَ من رفع الدرجات، كما حققه عياض ﵀ في الإكمال. (١)

стр. 91

مراجعة في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١) طالعتُ في الجزء السادس من "المجلة الزيتونية" بحثًا نفيسًا دبجه قلمُ الأستاذ الفاضل المنزل مني منزلةَ الابن البار الشيخ ناصر الصدام (٢) في ما يُعَوَّل عليه من تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فرأيته ختم بحثَه بالرغبة في إحقاق الحق من معنى الآية، وعلمت أنه يحب مجاذبةَ البحث مما أكده من الرجاء والحث. (٣) فهزَّ عطفي إلى تذَكُّر عهدِ زمنٍ مديد، بأن أسايره بتكملة وتأييد، وفصل بين قريب وبعيد. أقول: إن ما استظهره في معنى الآية هو الأظهر، وهو المأثور عن ابن عباس في صحيح البخاري وغيره، (٤) وتابعه عليه أساطينُ المفسرين من التابعين: مجاهد

стр. 92

وقتادة وعكرمة ومقاتل وطاووس والشعبي والسدي والضحاك. وهو الذي اقتصر عليه البخاري في كتاب التفسير، وعياض في الباب الأول من كتاب الشفاء. (١) وعلى ذلك التفسير تكون "في" - من قوله تعالى: "في القربى" - تعليلية. ومما لا يشك فيه المضطلع بأسرار كلام البلغاء أن التعليلَ الذي يُستفاد بـ "في" غيرُ التعليل الذي يُستفاد بلام التعليل؛ لأن التعليل بـ "في" إنما هو معنًى عارضٌ لها متفرِّعٌ عن معنى الظرفية الأصلي فيها؛ فإن "في" قد تُستعار للظرفية المجازية. ومن صور تلك الظرفية المجازية أن تنزل علةُ الشيء وسببُه منزلةَ الظرف الواقعُ الشيءُ فيه، لِمَا في المجاز من الدقة والبيان. وذلك مقتضى العدول عن الحقيقة إلى المجاز، فلله در الشيخ صاحب البحث من تطرقه إلى بيان موجب العدول عن لام التعليل إلى حرف الظرفية. أما ما ارتآه من إشعارِ حرف الظرفية بأضعف مما يشعر به حرفُ التعليل في التسبب فلا أشايعه عليه، ولا أحسبه مرادًا من استعمال العرب. ألا ترى قولَ الحماسي - وهو سبرة (بن عمرو) الفُقعسي - من شعراء الجاهلية:

стр. 93

نُحَابِي بِهَا أكْفَاءَنَا وَنُهِينُها ... وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ (١) وقد كنتُ ذكرتُ في شرحي على الحماسة المسمى "فوائد الأمالي التونسية على فرائد اللآلي الحماسية" (٢) أن "في" للظرفية المجازية، أي: تحصل معاقرة الخمر ومعاطاة اليسر بأثمان تلك الإبل. فربما كان الأكثرُ للشرب، وربما كان الأكثر للقمار. والكلُّ مظروفٌ في أثمانها، فجعلها ظرفًا ليتطرق بذلك إلى إرادة إتلاف جميع أثمانها في ذلك. فالظرفيةُ على معنى باء السببية والمقصود هذا المسبب، وهو ما يرضيهم من الشراب واليسر. ولذلك لم يأت بـ "من" لئلا يُوهِمَ أنهم يشربون ويقامرون ببعض أثمانها، ويستبقون بعضها اكتنازًا، فهم يتعيرون بذلك. ونظيرُ الظرفية قولُه تعالَى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، أي ارزقوهم بها، ولم يقل منها، للإشارة إلى عدم التقتير عليهم في أموالهم، وإنما هي أسبابٌ لرزقهم وكسوتهم. فالمنظور إليه هو المسبَّب، والسبب تبعٌ لحال المسبب. ويكون التعريف في قوله تعالى: "القربى" تعريفَ الأجل، أي لأجل حقيقة القرابة بيننا. وهذا الوجهُ في معنى الآية هو الأنسب بالسياق؛ لأن الخطاب موجهٌ إلى المشركين، وكانوا عادَوْا النبي ﷺ ، وتداعوا للتألب عليه، فناسب أن يُذَكَّروا بوشائج الأرحام. والتذكير بها سنةٌ عربية مألوفة، كما قال القتَّال الكلابي: نَهَيْتُ زِيَادًا وَالمُقَامَةُ بَيْنَنَا ... وَذَكَّرْتُهُ أَرْحَامَ سِعْرٍ وَهَيْثَمِ (٣)

стр. 94

وليس من مناسِبِ المقام أن يسألَهم مودةَ أهل بيته وأقاربه؛ لأن ذلك لا غَناءَ له في غرض الآية. وأما الوجه الثاني في تفسيرها فليس بباطل؛ إذ قد قال به جمعٌ من التابعين، مثل عمرو بن شعيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وذكره صاحب الكشاف، (١) ولم يذهب إليه أحدٌ من الصحابة، وإني أراه مرجوحًا وضعيفًا. وقد روى البخاري إنكارَ ابن عباس على سعيد بن جبير في تفسير الآية به، (٢) ولم يعرج على ذكره عياضٌ في فصل وجوب البر بآل محمد ﷺ من كتاب الشفاء. وعلى هذا الوجه يكون في قوله تعالى: "في القربى" حذفُ مضاف، أي: في ذوي القربى، وتكون "في" مستعملة في الظرفية المجازية بأن جعل أهلَ قرابة الرسول كالمكان لاستقرار المودة، كما صرح به في الكشاف. (٣)

стр. 95

وقد ذكر بعضُ المفسرين في ترجيح كون هذا الوجه هو المراد من الآية حديثًا عن ابن عباس أنه قال: "لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ فقال: "فاطمة وولدها". (١) وهذا الحديث شديدُ الضعف؛ لأن في سنده حسينًا الأشقر، وكان مشهورًا بالغلُوِّ في التشيع، وكان مع ذلك مجهولًا غيرَ مقبول الحديث. (٢) وأما ما يرمي إليه الكُميت في أبياته وشريح بن أوفَى العبسي (٣) في بيته، فإنما هو تقليدٌ لهذا التأويل في معنى الآية.

стр. 96

ثم لا حاجةَ بنا إلى التخليط الذي وقع فيه بعضُ المفسرين في ترجيح هذا التأويل بجلب الأدلة على وجوب مودة أهل قرابة رسول الله ﷺ ؛ (١) فإن إبطالَ كون ذلك مستفادًا من هذه الآية لا يوهم إبطالَه في نفسه، إذ لم يدع أحدٌ انحصارَ الدليل في هذه الآية. (٢) وهنالك وجهٌ ثالث في تفسير الآية، هو أبعدُ الوجوه. فقد رُوِيَ عن ابن عباس والحسن البصري أن المعنى: إلا أن توادوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة، فيكون المرادُ القربَى المجازية، أي: الموالاة وتطلُّب الرضا. ويكون التعريفُ للعهد، بقرينة من مقام الخطاب لا وجود لها في لفظ الآية. وقد ذكر أبو بكر ابن العربي الوجوهَ الثلاثة، وقال إثرها: "وليس يبعد أن يكون الكلُّ معْنِيًا من الآية". (٣) ويتعين أن يكون أراد مِنْ نفي الاستبعاد نفيَ

стр. 97

استبعادٍ يقتضي البطلان، بحيث يكون احتمالًا لا يسمح به لفظُ الآية، وليس يعني به استواءَ الوجوه الثلاثة في التبادر من الآية. وكيف وهو بصدد شرح الخبر الذي أخرجه الترمذي عن ابن عباس أنه أنكر على سعيد بن جبير تفسيره الآية بالوجه الثاني وفسرها ابن عباس بالوجه الأول؟ وأما الاستثناء الواقع في قوله: "إلا المودة"، فهو منقطعٌ على جميع الوجوه؛ لأن المودة ليست بأجر. فالاستثناءُ في معنى الاستدراك، وقد استُعمِلت أداةُ الاستثناء في معنى أداة الاستدراك. ولذلك جعل العلماءُ الاستثناءَ في مثله منقطعًا، ثم فسروه بأنه على ادعاء أنه إن كان أجرٌ فهذا هو أجري. ويُسمَّى هذا الاستعمالُ في اصطلاح الأدباء تأكيدَ المدح بما يشبه الذم، وهو معدودٌ في المحسِّنات البديعية بهذا الاسم وبضده، وهو تأكيدُ الذم بما يشبه المدح. وقال العلامة التفتازاني: "الأجدر أن يُسمَّى تأكيدَ الشيء بما يشبه نقيضَه". (١) وأنا سَمَّيتُه في كتاب "موجز البلاغة" (٢) تأكيدَ الشيء بما يشبه ضدَّه، توسعةً في التسمية، لئلا يختص بالنقيض. ثم أرى أنه يتعين في مثل هذا الاستثناء أنه إن وقع في مقام تُعتبر في مثله المحسناتُ فليسمَّ استثناءً ادعائيًّا، كما سَمَّى البلغاءُ بعضَ أنواع القصر قصرًا ادعائيًّا، وإن كان عريًّا عن قصد التحسين سُمِّيَ استثناءً منقطعًا. وللأديب تتبعُ فروقه، وتعيينُ صوبه من شيم بروقه (٣).

стр. 98

المهدي المنتظر (١) [مقدمة]: طالعتُ في مجلة "هدى الإسلام" الغراء في عددها التاسع من سنتها الثالثة اقتراحًا من الأستاذ الفاضل السيد حسن إبراهيم موسى يدعو فيه صاحبَ المجلة أن يلتمس مني إبانةَ رأيي في مسألتين: حديث "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢) وأحاديث ظهور المهدي. ورأيتُ الفاضلَ السيد صاحب المجلة يعزز ذلك الاقتراح، ويمتح من تمادي ما ينتزعه من العذب القراح، فأسأل من الله الذي حسَّن بي ظنَّهما الإعانةَ على تحصيل ما يُقنعهما. فأما حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر"، فإني أرجئ الجوابَ عنه إلى ما بعد. (٣) وأما الآثار المروية في مجيء المهدي، فالخوض فيها أَوْلَى. فنجعل الآخرَ ما له تعلقٌ بالآخرة، والأولَ ما تعلق بالأُولَى. [مكانة حديث المهدي من تعاليم الإسلام]: إن واجباتِ الدين ترجع إلى ثلاثةِ أنواع: اعتقاداتٍ وأعمالٍ وآداب. وإن التصديقَ بظهور المهدي في آخر الزمان لا ينزوي تحت تلك الأنواع؛ إذ ليس هو من

стр. 99

الأمور التي يجب اعتقادُها في ضمن العقيدة الإسلامية، فسواءٌ على المسلم أن يعتقد ظهورَ المهدي أو يعتقد عدم ظهوره. وليس العلمُ بذلك من قبيل العلم الواجبُ طلبُه على الأعيان، ولا على وجه الكفاية، بحيث إذا قام به البعضُ سقط عن الباقين؛ إذ ليس العلم بذلك راجعًا إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، ولا إلى ما يتبع ذلك مما يترتب عليه تحقيقُ وصف الإيمان عند طوائف المسلمين أو عند بعضهم. ولا هو من الأمور العملية؛ إذ ليس بعمل كما هو واضح، ولا يترتب عليه اختلافُ أحوال الأعمال الإسلامية. ولا هو من الأمور الراجعة إلى آداب الشريعة التي يجب التحلي بها والتخلي عن أضدادها، كأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يجتنب الكبر والحسد والغيبة ونحوها. فإذا خلا من الاندراجِ تحت واحدٍ من هذه الأنواع الثلاثة من أمور الدين، تبين أنه ليس مِمَّا يتعيَّن على المسلمين العلمُ به واعتقادُه، وتمحَّضَ لأن يكون مسألةً علمية من المسائل التي تتعلق بالمعارف الإسلامية التي يُؤْثَرُ في شأنها خبرٌ عن رسول الله ﷺ أو عن سلف علماء الأمة. فهي بمنزلة الخوض في حديث موسى والخضر، (١) أو في حديث ذي السويقتين من الحبشة الذي يخرب الكعبة حجرًا

стр. 100

حجرًا، (١) أو في أشراط الساعة، أو نحو ذلك مما يبحث عنه علماءُ الأثر رواية ودراية؛ بمعنى أن يكون الخوض فيها خوضًا علميًّا لتوسيع المعرفة والتحقيق والتمحيص للعلوم الإسلامية لِمَنْ تفرغ لذلك، ولا يكون من متناول عامة المسلمين إذ ليسوا بمظنة السلوك في تلكم المسالك. وإنما اشتبه هذا المبحثُ على بعض الناس بالمسائل الاعتقادية لسببين: أحدهما: أنه لما كان متعلَّقُ هذا المبحث راجعًا إلى التصديق بوقوع شيء أو عدم وقوعه، كان محلُّه الاعتقاد والعقل، وكان من الواضح أنه ليس بعمل ولا أدب، فأشبه المسائلَ الاعتقادية. ولكن شتَّان بين كونِ الشيء من مطلق المدركات بالعقل وحاصلًا اطمئنانُ القلب بوقوعه أو عدم وقوعه، وبين كونه من خصوص ما يجب اعتقادُه شرعًا لتعلقه بتقوُّم حقيقة الإيمان والإسلام أو توقُّفِهما عليه. وبعد هذا، فالواجب التنبيهُ إلى أن هذا المعلومَ لو أن داخلًا في العقيدة الإسلامية التي يُطالَب المؤمنون بها بإثباتها، لمَا كفى في إثباته أخبارُ الآحاد؛ لأن الاعتقاد الديني مِمَّا يُطلب فيه القطعُ واليقين، والقطع واليقين لا يحصل في مثل الأمور الاعتقادية إلا بأحد أمرين: البرهان العقلي، والخبر الشرعي القطعي، وهو ما كانت نسبتُه إلى الشرع قطعية، وهو الخبر المتواتر، مثل القرآن وأخبار الرسول المتواترة بالنسبة لعصر الصحابة، ثم كانت دلالتُه على المراد منه قطعية أيضًا، كإيجاب الصلاة وتحريم السرقة، إذ قد يكون الخبرُ مقطوعًا بصدوره من الله أو رسوله، ولكن معناه

стр. 101

ليس مقطوعًا به؛ إذ لم يكن من قبيل النصِّ بل كان من قبيل الظاهر الذي يحتمل معنيين: أحدهما راجح، أو من قبيل المجمل الذي يحتمل معنيين على السواء. وهذا كثير، تجد أمثلتَه فيما اختلف علماء الأمة في المراد منه من آيات القرآن. وليس بين أيدينا الآن من المتواتر غيرُ القرآن، وما هو معلومٌ من الدين بالضرورة. وأما الأحاديث المتواترة، فقد قال علماؤنا: ليس في السنة متواتر، لتعذر وجود العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع عصور الرواة بيننا وبين رسول الله ﷺ . وإنما أكثرُ الأحاديث رواةً لا يعدُو أن يكون من المستفيض، كما تقرر في أصول الفقه. [مذاهب العلماء في المهدي]: من أجل ذلك لا تجد علماءَ أصول الدين مشتغلين بهذه المسألة، إلا أنك تجد في بعض كتبهم ما يشير إليها في أثناء الكلام على مسائل الإمامة التي ألحقوها بمسائل أصول الدين، وما هي منها كما قال إمام الحرمين في الإرشاد؛ (١) لأن مسائل الإمامة قد اختلفت في معظمها فرقُ المسلمين. وكان خلافُهم فيها سببًا في تفسيق بعضهم بعضًا وتكفير بعضهم بعضًا، فأشبهت الخلافَ في أصل الاعتقاد الموجب لامتشاق الحسام، والتهمة بالخروج عن دائرة الإسلام، كما فعل الحروريةُ والأزارقة في قولهم: "لا حكم إلا لله". وإذا تقصَّيْنا أقوالَ المثبتين للمهدي وجدناها ترجع إلى مذهبين: أحدهما - وهو الأشهر - مذهبُ الإمامية، يقول بأن المهدي الذي يخرج في آخر الزمان هو موجودٌ من قبل، وهو مختف. وهذا المذهب قد تصدَّى أصحابُنا إلى رده بما لخصه النسفي في عقيدة أهل السنة إذ قال: "ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهرًا، لا مختفيًا ولا منتظرًا". قال التفتازاني في شرحه: "وأنت خبير بأن اختفاء الإمام يساوي عدمَه

стр. 102

في عدم حصول الأغراض المطلوبة من وجود الإمام، وأن خوفه من الأعداء لا يوجب الاختفاءَ بحيث لا يوجد منه إلا الاسم. بل غايةُ الأمر أن يوجب اختفاءَ دعوى الإمامة، كما كان آباؤه الذين كانوا ظاهرين في الناس ولا يدعون الإمامة". (١) المذهب الثاني مذهب القائلين بخروج المهدي آخرَ الزمان، من غير دعوى أنه موجود الآن، ولا أنه مختف. وهذا قد قال به بعضُ أهل السنة وبعض الصوفية استنادًا للآثار المروية دون تمحيص، وذلك مما لصق بهم من أقوال الرافضة والإمامية حين اختلط العلم. وليس اعتقادُهم ذلك بشيء عظيم إذ رضوه لأنفسهم؛ فإن اعتقادَ مجيئه واعتقاد عدم مجيئه سواء. فإن قال قائل: يترتب على تحقيق أمره عملٌ إسلامي، وهو وجوب اتباعه عند ظهوره. قلت: لهذه النزعة اختلف المختلفون، وهم في غفلة يعمهون. فإن سمات الإمام الذي يجب اتباعُه لا يتوسمها المتوسمون بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ولا بخفق أعلامه ولا بأفق ظهوره، فإن جميعَ ذلك يمكن تلبيسُه وادعاؤه باطلًا، كما وقع غيرَ مرة. إن الله بين لعلماء الأمة أحكامَ الملة بالقواعد والشروط، فأغنى عن وضع الملامح والرموز. فإمامُ العدل الذي تجب طاعتُه والدخولُ في حزبه وأنصاره، هو الذي استكمل شروطَ الإمامة والقدرة على حماية البيضة في وقت الحاجة إلى ذلك، فتجتمع على أهليته الأمةُ ويأمن الناسُ أن تصيبهم من خروجه فتنة. فإن هو كان كما شرطت الشريعةُ البيضاء النقية، فهو في غِنًى عن الأخبار الملفقة والرموز الجبرية. وإلا فخير له أن يختبئ في جحره كالخنفساء في الشتاء، وأن يستزيد على ما أحضر له من عسل وماء، فلا يزال عاكفًا على مزج واحتساء إلى أن يفعل الله به ما يشاء. (٢)

стр. 103

كيف نشأ القولُ بالمهدي المنتظر ؟ نبتت قصةُ المهدي من عصف هشيم قصة الإمام المنتظر عند الشيعة، وأصلُ ذلك كله أن شيعة الهاشميين لَمَّا أخفقوا في دعوتهم بعد تنازل سيدنا الحسن ثم بعد مقتل سيدنا الحسين ﵄، وبعد استتباب الأمر لبني أمية، وعلموا أن قوةَ العرب أصبحت مع بني أمية لأسباب جمة ليس هذا محلَّ بسطها، وأيِسُوا من نَوَال المقصود بالعصبية العربية، تفرقوا في البلاد على حنقٍ وغيظ، ودبروا لنجاح دعوتهم بالسعي إليها من ناحية التأثير الديني وبالسعي إلى تكوين عصبية عجمية. وقد علموا أن المسلمين كلَّهم من عرب وعجم لم يزالوا بإيمان صحيح وتعلق بدينهم، وشأنُ أهل الدعوات السياسية أن يتوسَّلوا لترويج أعمالهم بين العامة بالوسائل الاعتقادية لعلمهم بأن عقول العامة تقصر عن إدراك الأدلة العقلية وعن توسم عواقب الأمور، ويتوسَّلوا تلقيَهم الأشياءَ المنسوبة إلى الدين بمزيد الاعتبار من دون تأمل ولا إقامة برهان، لثقتهم بأن ما يجيء في الدين هو أمر مقطوع بصدقه، سواء اطلعنا على دليله أم لم نطلع. فأصحابُ الدعوة يسربون دعوتَهم للعموم من مسارب الاعتقاد الديني، وإنما تظهر مقدرةُ الدعاة في تمويه دعوتهم بطلاء الأمور الدينية حتى لا يشكَّ العمومُ في أن ما يدعونهم إليه هو من الدين، ولا حظَّ فيه لنفوس طالبيه. ويعززون ذلك بما يختلقونه منسوبًا إلى أَثَارة علم الأولين المنبئة بأن عاقبةَ الظفر والنجاح تكون لهم حتى يكونوا في سعيهم على قوة أقل من النجاح، (١) فيحصل لهم اليقينُ بأنهم قد نجحوا في العاجلة والآجلة. وقد يجمع الدعاةُ في الصيغة الواحدة بين الأمرين، فينتحلون أخبارًا معزوة للرسول ﷺ على أنها مما أخبر عنه الرسول من علم الغيب المقطوع بوقوعه،

стр. 104

فيحصل بذلك أثران في مؤثر واحد. ومن شأنهم فيما يصنعونه من الأخبار أن يدُسُّوا فيها ذكرَ أمارات تناسب زمانَهم، أو حالَهم، أو أنسابَهم، أو مواطنَهم، أو اسمَ أحل من أئمتهم، ليتبين كونُهم المقصودَ من ذلك الخبر، فإن أعوزهم ذلك لقَّبوا بعضَ دعاتهم بألقاب تواطئ ما سبق من الأخبار. [أنواع الآثار المروية في المهدي]: ولقد تصفحنا أنواعَ ما يعدونه لهذا الغرض، فإذا هي ثلاثة أنواع: النوع الأول: آثارٌ مروية يرجعونها إلى رسول الله ﷺ . النوع الثاني: أخبارٌ غيبية يكتبونها بأيديهم، ويَعْزُونَها لِمَنْ يُنسب إليه الكشفُ أو التنبؤ بالغيب، ثم يثبتونها في العامة ويعبرون عنها بالأجفار؛ لأنها تُكتب في رق جفر - وهو الصغير من أولاد المعز. النوع الثالث: أخبار اضطهاد فيها مبالغاتٌ أو مختلقةٌ من أصلها، من شأنها أن ترقِّقَ قلوبَ سامعيها على الجانب المضهود، علمًا بأن النفوس تميل إلى الضعيف وإن ابتدأ بالظلم، وأن النفوس تتأثر بالشيء المشاهد، ولا تلتفت إلى ما غاب عنها بتعاهد. فإن تحققت أمانيهم من هذه الثلاثة فذاك، وإن خابت اختلقوا أخبارًا يحيون بها لأنصارهم الأملَ ويدفعون بها عنهم الفشل حتى يعود نهوضُهم بعد دهشة الانهزام، وحتى لا تنقطع آمالُهم في مستقبل الأيام. لما سُقِط في أيدي شيعة الهاشميين كما قلنا، جعلوا الأمرَ لِمَنْ بقي من أبناء أمير المؤمنين سيدنا علي ﵁، وهو السيد محمد الملقب بابن الحنفيَّة، (١) وزعم غلاتُهم أنه لم يمت ولا يموت حتى ينصر

стр. 105

ينصر دين الله، ولأنه مختفٍ بغار في جبال رضوى، ولقبوه بالمهدي. وقد قال في ذلك شاعرُ الشيعة إسماعيل الحميري: (١) أَلَا إِنَّ الأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ ... وُلَاةَ الْحَقِّ أَرْبَعَةٌ سَوَاءُ عَلِيٌّ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ بَنِيهِ ... هُمُ الأَسْبَاطُ لَيْسَ بِهِمْ خَفَاءُ فَسِبْطٌ سِبْطُ إِيمَانٍ وحِلْمٍ (٢) ... وَسِبْطٌ غَيَّبَتْهُ كَرْبَلَاءُ (٣) وَسِبْطٌ لَا يَذُوقُ المَوْتَ حَتَّى ... يَقُودَ الْخَيْلَ يَقْدُمُهَا اللّوَاءُ (٤) تَغَيَّبَ لَا يُرَى فِينَا زَمَانًا ... بِرَضْوَى عِنْدَهُ عَسَلٌ وَمَاءُ (٥)

стр. 106

وله في استبطاء خروج المهدي المختفي أبياتٌ منها: أَلَا قُلْ لِلْوَصِيِّ فَدَتْك نَفْسِي ... أَطَلْتَ بِذَلِكَ الْجَبَلِ المُقَامَا (١) وقال جمهورُ الشيعة الإمامية: إن للسيد الحسن العسكري ولدًا اسمه محمد، وإنه اختفى صغيرًا، وإنه لا يموت، وإنه المهدي المنتظر، وإنه سيخرج فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وفي اعتقادهم أنه لا يصلح جميعُ الناس حتى يخرج المهدي، وأنه لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورًا.

стр. 107

واتفق جمهورُ علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. ومن اللطائف في هذا المقام، الجارية مجرى الإفحام، ما وقع لأبي الفتح المقدسي الشافعي (١) مع أحد رؤساء الشيعة الإمامية؛ فإن الشيعي أخذ يشكو فسادَ الخلق وأن الأمر لا يصلح إلا بخروج المهدي المنتظر. فقال له المقدسي: هل لخروجه ميقات معلوم؟ قال الشيعي: نعم، له ميقات معلوم. قال المقدسي: متى يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق كلُّهم. قال المقدسي: فلماذا تكونون سببًا في حرمان الأمة من خروجه، قد فسد جميعُ الناس إلا إياكم، فلو فسدتم واتبعتم مذهبَنا لخرج المهديُّ للناس. فلماذا لا تطلقوه من سجنه؟ فأُفْحِم الشيعي. (٢) تلقف السامعون قصةَ الإمام المنتظر، فرام كلُّ قائمٍ بدولة أن يدخل تحت مظلتها، ويجعل أخبارَها مطابقة لنزعته. فإن هو روج ذلك بين طوائف من الناس، قلب تلك المظلةَ راية، مبرزًا للناس نحلته، ومؤيدًا رأيه. وقد قلت آنفًا: إن من شأن الذين يصنعون أخبار المهدي أن يدسُّوا فيها ذكرَ أماراتٍ تناسب حالَهم، أو صفاتِهم، أو أسماءهم، أو مواطنَهم. وربما ارتقوا إلى التصريح بأسماء بعض دعاتهم، فإن أعوزهم ذلك جعلوا للداعي لقبًا يناسب انطباقَ ما سبق من مرويِّ الأخبار إن كانت الأخبارُ سابقةً لوقت ظهورهم. فقد صنع أصحابُ الدعوة الهاشمية في خراسان حديثًا عن ابن مسعود قال: "بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله، إذ أقبل فتيةٌ من بني هاشم، فلما رآهم رسولُ الله ذرفت عيناه وتغير لونُه. قال: فقلت: ما لنا نرى في وجهك شيئًا نكرهه؟ فقال: إنا أهلَ البيت اختار الله لنا الآخرةَ على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون

стр. 108

بعدي بلاءً وتشريدًا، حتى يأتِيَ قومٌ من قبل المشرق معهم راياتٌ سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون وينصرون" إلخ. (١) انظر إلى كلمة "تشريد" المنطبقة على المستعصين من بني هاشم بخراسان، وإلى كلمة "من المشرق"؛ فإن بلادَ فارس شرق بلاد العرب، وإلى "الرايات السود"، فإنها شعارُ أصحاب الدعوة الهاشمية المتمحضة بعد في العباسية. وقريبٌ من هذا جميعُ الآثارِ المروية في أن المهدي من أبناء العباس، وأن الحقَّ معه، ومع أصحاب الرايات السود، ومع الخارجين من المشرق أو من بلادٍ مصرَّحٍ بأسمائها من بلدان فارس. فقد كان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى (٢) بالمدينة يتطلع إلى الخلافة، ويُزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها في مكة في آخر مدة مروان

стр. 109

ابن محمد الأموي، (١) وأنه هو الرضي من آل البيت. ولمَّا حج المنصور بالناس في خلافة أخيه السفاح طلب محمد بن عبد الله بن الحسن في المدينة فاختفى محمد، ثم في خلافة المنصور لم يزل محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى مختفيًا في شعاب جبل رضوى من بلاد جهينة. فمن ذلك دخل ذكر جبال رضوى في قصة المهدي المنتظر، واختلطت القصةُ من عدة حوادث. (٢) وأيضًا نرى أبا جعفر المنصور، وقد لقب ابنه محمدًا بالمهدي، وأخذ له العهدَ بالخلافة. وساعده أنه سَمِيُّ رسول الله ﷺ ، وأن أباه سَمِيُّ أبي رسول الله ﵇ إذ كان من روايات حديث المهدي الرواية القائلة: "يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي"، كما سيأتي. فالمهدي العباسي أولُ مَنْ تلقب بالمهدي، وتطلع إلى أن يكون هو المعنيَّ من الأخبار المروية في شأن القائم المنتظر. وقد كان لصنيعه ذلك فائدتُه المطلوبة؛ إذ قد انقطعت عند بيعته مطامع العلويين المزاحمين للعباسيين في الخلافة من أواخر مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ثم انتحل هذا اللقبَ أناسٌ من الثائرين والناجمين في الممالك والأمم، مثل المهدي الذي قام بالدعوة العبيدية في إفريقية ودبر الثورةَ على الدولة الأغلبية، ومثل المهدي ابن تومرت الذي قام بدعوة الدولة الموحدة بإفريقية، ومثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبرُه وزعم أصحابه أنه اختفى فلا يظهر إلا في زمن مرقوب.

стр. 110

الآثار المروية في المهدي: لقد كثرت الآثارُ المروية في المهدي، المتضمنةُ أنه يجيء في آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا. وربما خلا بعضُها عن ذكر وصف المهدي، ولكنه يذكر من صفاته ما يوافق الصفةَ التي ذُكرت في الأحاديث المذكورُ فيها وصفُ المهدي. وقد أسندها رواتُها إلى ثمانية عشر من الصحابة، وهم عثمان وعلي وطلحة وعبد الله بن مسعود وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو أيوب وحذيفة وأبو أمامة وعمران بن حصين وثوبان مولى رسول الله وقرة بن إياس وعبد الله بن الحارث بأسانيد مختلفة. ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان: ١ - قسم اختلف أئمةُ الحديث ونقد الرجال اختلافًا متكافئًا في تعديلهم وتجريحهم. وأسانيدهم هي أمثلُ أسانيد هذا الآثار، وتلك هي التي رواها الترمذي وأبو داود وابن ماجه ومجموعُها ثمانيةُ طرق سنذكرها. ٢ - وقسم يأبَى جمهورُ أهل النقد قبولَهم، وهم الذين انفردت بإخراج أحاديثهم في هذا الشأن المصنفاتُ المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والتساهل في قبول الرواة، مثل معاجم الطبراني، ودلائل النبوة للبيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم. ونحن نقتصر هنا على أسانيد القسم الأول، فإنها أشبهُ ما رُويَ في هذا الشأن، ونترك بقيتها الكثيرة تجنبًا للتطويل. ومجموع أسانيد القسم الأول يرجع إلى ثمانية طرق: الطريق الأول: روى الترمذي وأبو داود من طريق عاصم بن بهدلة عن زِرِّ بن حُبيش (١) إلى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ : "لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل
следующие страницы →