← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المبحث التاسع الوسيلة التاسعة: الدورات العلمية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأهمية والتعريف: الدورات العلمية هي: مجموعة دروس متنوعة مكثفة، تعقد في وقت محدود، قد يطول أو يقصر، حسب الخطة الموضوعة لذلك. ويخرج المدعو (الطالب) منها بحصيلة علمية جيدة. ولقد بدأت هذه الوسيلة الدعوية تتنامى في الأيام الأخيرة، وتثمر ثمرات طيبة، وعليها إقبال كبير، وتظهر أهميتها في إيجابياتها. المطلب الثاني: ميزاتها: الأولى: خروج طالب العلم بحصيلة علمية جيدة في كثير من العلوم، في وقت قصير. الثانية: إشغال وقت الشباب، وبخاصة أوقات العطل. الثالثة: تنوع التلقي من مصادر متفاوتة. الرابعة: تسهيل طلب العلم، لمن لا يتيسر له عبر المؤسسات العلمية الرسمية؛ كالجامعات وغيرها. المطلب الثالث: سلبياتها: يؤخذ على هذه الدورات السلبيات التالية:

стр. 387

الأولى: عدم تعرضها للقضايا المنهجية .. الأمر الذي دفع الشباب لأخذها في كثير من الأحيان من مصادر غير سليمة. الثانية: عدم اهتمامها بالجانب التأصيلي، الذي أشرنا إليه في التمهيد، إذ تكون معظم الدروس فيها في التمثيل وتكون حيناً في الحواشي. الثالثة: تقصيرها في الجانب التطبيقي؛ من تدريب على إنزال الأحكام على الوقائع، أو إيجاد أحكام للأحداث. الرابعة: إغفالها الطرح الدعوي، من منهجية الدعوة، وطرقها، وأساليبها. مما جعل الطلاب يخرجون بحصيلة علمية جيدة من حيث الحفظ، ضعيفة من حيث التأهيل للفهم والاجتهاد والدعوة، وضعف كبير في المنهج، لذلك تأخذ بهم الرياح يمنة ويسرة. ومع ذلك؛ فإن زيادة هذه الدورات وتكثيرها وتكميلها مطلوبة، لما فيها من خير عظيم، ونفع كبير.

стр. 388

المبحث العاشر الوسيلة العاشرة: الأشرطة السمعية والمرئية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأهمية: إن لكل وسيلة من هذه الوسائل المذكورةِ مهمةً تؤديها، وثغرةً تسدها. وإن للأشرطة السمعية دوراً كبيراً لا ينكر، وللمرئية مهمة عظيمة لا تجحد. فهي: علم متحرك، وعلماء جوالون، ودعاة متنقلون، مع كل طالب علم، وراغب هداية، حسب رغبته. المطلب الثاني: الإيجابيات: الأولى: ملء فراغ كثير من الناس، منهم: ركاب المواصلات، والنساء في بيوتهن، والعمال في مصانعهم، والموظفون في مكاتبهم، والمنتظرون في أماكن انتظارهم. الثانية: إمكانية اختيار المادة المحبوبة لدى كل فرد. الثالثة: سهولة اصطحاب هذا العلم في السفر والحضر، والركوب، والجلوس، وفي البر والبحر، وداخل البيت وخارجه، وإمكانية السماع منفردين أو مجتمعين. الرابعة: سهولة اقتناء أجهزتها ومادتها، فقد أصبحت آلات التسجيل والمنظور (الفيديو) بأثمان يمكن لقطاع كبير من الناس اقتناؤها.

стр. 389

الخامسة: إمكانية عقد مجالس علمية ودعوية في كل مكان، بالاستماع إليها، أو مشاهدتها. إذ يمكن لرب الأسرة عقد جلسة مع أسرته، أو المدرس مع تلاميذه، والمدير مع عماله؛ والاستماع إلى إحدى المحاضرات والتعليق عليها، ومداولة الرأي، وتدريب المدعوين على إبداء الرأي، والتناصح في العلم، واستخراج الفوائد، وما شابه ذلك. وذلك لما فيها من خاصية الاختيار والتحكم. ولأجل هذه الميزات، فقد شاركت هذه الوسيلة مشاركة فعالة ورئيسة في موكب الدعوة إلى الله. المطلب الثالث: السلبيات: الأولى: ما تزال كلفتها المادية تعيق انتشارها في كثير من البلدان الفقيرة. ويمكن معالجة هذه السلبية، بتشجيع المحسنين على التبرع بكلفتها، لتوزيعها في تلك البلاد. الثانية: انفلات حبلها، إذ يمكن لكل من هب ودب أن يلقي ما يريد .. مما جعل كثيراً من الدخن يخرج من خلالها. وهذا أمر من الصعوبة بمكان ضبطه، إلا عن طريق التأصيل الشرعي، والوعي الديني، الذي يجب أن يتسلح به كل مسلم. الثالثة: الاستغناء بها عن حضور دروس العلماء، ومجالس العلم، مما يضعف التربية، ويوحي بالتعالم في غياب المربي.

стр. 390

المبحث الحادي عشر الوسيلة الحادية عشرة: اللوحات المعلقة: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التعريف والأهمية: المقصود باللوحة المعلقة؛ كل لوحة معلقة يكتب عليها ما يذكّر الناس .. وتعلق لأجل ذلك. وهي نوعان: مطلقة، وخاصة. أما المطلقة: فهي التي يكتب عليها موعظة عامة، تصلح لكل زمان، ومكان، ومناسبة .. ككتابة آية، أو حديث، أو تذكير بذكر، أو بعمل صالح. وتعلق في المساجد، وعلى جوانب الطرق، وفي البيوت، والدوائر الرسمية، والمؤسسات الأهلية. وأما الخاصة فهي: التي توضع لحدث معين، أو للتذكير بأمر محدد، أو بموسم مخصوص، كوفاة امرئ، أو موسم حج، أو دخول عشر ذي الحجة، وما شابه ذلك. فتكون - والحال هذه - موجهة لأناس مخصوصين، أو لتصرف محدد، كالتذكير بالصبر عند المصيبة، أو الرد بالتي هي أحسن عند الإساءة في الحج، وما شابه ذلك. ولهذه الوسيلة فوائد جمة تظهر في إيجابياتها التي ستذكر.

стр. 391

المطلب الثاني: حكمها: اختلف أهل العلم في حكم هذا التعليق، فذهب طائفة منهم إلى إباحته على أنها وسيلة دعوية. وذهب آخرون إلى تحريمه، خشية أن يكون في ذلك امتهان للقرآن، أو الحديث، أو أن يكون من باب اتخاذ آيات الله هزواً، وبخاصة ما تحمله مثل هذه اللوحات من زخرفة وفن، وتكلف لا حاجة إليه، يخرجها عن المقصود الدعوي إلى التزيين. وقد استشهد كل فريق بنصوص على ما ذهب إليه. الترجيح: لَمّا لم يكن هذا الكتاب مبحثاً فقهياً، لاستعراض أدلة كل طائفة، والتعليق عليها، فإنني أُعرض عن التفصيل، وأذكر الراجح والصواب مختصراً: إن الأصل في هذه اللوحات؛ أنها من باب الوسائل، والأصل فيها - كما بُيّن سابقاً - الإباحة، ما لم تتضمن مخالفة شرعية. وإبقاءً لها على هذا الأصل، وحتى لا يُخرج عنه، يمكن ضبطها بما يلي: - أن توضع لأجل الدعوة لا الزينة. - أن تكتب بخط واضح. - أن لا يغلب عليها الزخرفة. - أن لا يُتَكلّف فيها، ولا في صنعها.

стр. 392

- أن يفسر الكلام الغامض فيها. فإذا توفرت هذه الضوابط، لم يكن للمحرِّمين حجة -بعد ذلك- في منعها. وأما إذا وضعت لأجل الزينة، وتُكُلِّف في زخرفتها، فلا شك في منع مثل ذلك، إلا أن يعلق بدلها ما يفسد ولا يصلح، فيسكت عن تعليقها - وقتئذ - من باب درء مفسدة أكبر منها (١). المطلب الثالث: ميزاتها وسلبياتها: أما ميزاتها فتظهر في الأمور التالية: - قلة كلفتها المادية، وبساطة مادتها العلمية. - سهولة وصول المعلومات إلى الناس. - بقاء النفع بها، مادامت معلقة، دون بذل جهد، أو تضحية في مال، أو وقت زائد. - عموم النفع بها للقراء جميعاً. ولا يخفى على بصير، ما لهذه الوسيلة من أثر في التذكر والحفظ، فكم من آية أو حديث حفظهما المرء من لوحة، وكم غفلة عن ذكر الله، زالت بقراءة موعظة معلقة. ولا يزال الطلاب يحفظون آيات كريمة، وآحاديث عظيمة، وأبيات شعر جميلة، من لوحات المدرسة.

стр. 393

سلبياتها: - كتابة الأحاديث الضعيفة عليها، وانتشارها بين الناس. - كتابة القصص، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة. المطلب الرابع: توجيهات ونصائح حولها: فضلاً عن التوصيات السابقة الذكر، فإنه يفضل: - أن يتأكد من المعلومة التي تكتب فيها، وبخاصة الأحاديث النبوية. - أن تكون في مكان واضح. - أن تبدل كل فترة معينة. - أن يسأل أهل المكان الذي علقت به عن حفظها، فيسأل إمام المسجد المصلين عن حفظها، ويسمع ممن حفظها، ويمكن أن يضع مكافآت لمن يحفظها من الأولاد. ولو أن كل إمام مسجد وضع كل أسبوع لوحة، تتضمن آية أو حديثًا، وشرح مضمونها خلال هذه الفترة، وطلب من المصلين حفظها على مدار الأسبوع، لخرج المصلون في هذا المسجد في سنة واحدة باثنين وخمسين آية، واثنين وخمسين حديثاً حفظاً وفهماً. ولو فعل هذا رب كل أسرة، وعمل، ومؤسسة، ودائرة، لكان في هذا من الخير والدعوة إلى الله، ما لا يتحصل في إذاعة، ولا خطبة، ولا شريط مسموع أو منظور، بل ولا كتاب مقروء ...

стр. 394

لأن هذه الوسائل على نفعها، لا تدفع للحفظ، ولا تركز على الفهم، كما لو كان الأمر على ما وصف في هذه الوسيلة، والله الموفق.

стр. 395

المبحث الثاني عشر الوسيلة الثانية عشرة: وسيلة .. المجادلة والمحاورة والمناظرة: وفيه عشرة مطالب: المطلب الأول: الأهمية والمقصود: لما كان من المعلوم بالضرورة: أن دين الإسلام لا يقوم بالإكراه، ولا ينتشر بالعنف. ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَىّ .. ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٦]. وإنما يُدعى إليه عن طريق البيان، وإقامة الحجة، ودحض الباطل. قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ .. ﴾ الآية [الأنبياء: ١٨]. لذلك شرع الله المجادلة بكافة أشكالها، وما يدخل في هذا الباب؛ من المناظرة والمحاورة .. وما شابه ذلك سبلاً من أهم سبل الدعوة إليه. وليس القصد من هذا المبحث التفصيل في طرقها وشروطها، فلها كتب مخصوصة، ومباحث معينة، وسوف يُتعرض لها على سبيل الإجمال. المطلب الثاني: المعاني والتعريف المجادلة والمناظرة والمحاورة والمماراة وارتباط هذه الألفاظ بعضها مع بعض ومعانيها: وذلك؛ حتى يتناسب خطاب الداعية كافة الأحوال، وليعم كافة المدعووين، فقد سبق أن الداعية يتعرض إلى أحوال دعوية متفاوتة، وأن المدعووين يتفاوتون في فهمهم وثقافتهم وطرق دعوتهم.

стр. 396

لذلك كان تنوع خطاب الداعية من إلقاء إلى حوار إلى مناظرة أقوى سلاحاً له وأنفع للمدعووين. ذهب بعض أهل العلم واللغة إلى: أن المجادلة والمحاورة والمناظرة والمناقشة .. كلها ألفاظ مترادفة، ذات معنى واحد، أو متقارب (١). قلت: المتتبع لألفاظ الجدل والمحاورة والمناظرة والمراء .. وما شابهها في القرآن والسنة، يجد أن ثمة اشتراكاً كبيراً بين هذه الألفاظ في معانيها، وبينهما فروق تدل على أن لكل نقطة معنى مخصوصاً، فمن ذلك: أن الله أمر بالجدال، ولم يحدد صوره، وإنما حدد أسلوبه: أن يكون بالتي هي أحسن ﴿وَجَادِلْهُم بِالّتِى هِىَ أَحْسَنُ .. ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]. وامتثالاً لهذا الأمر؛ نجد أن رسول الله والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - من قبل، ناظروا وحاوروا، وأن الله وصف ما جرى بين النبي وخولة بنت ثعلبة - التي كانت تشتكي زوجها -، بالجدال وبالحوار في وقت واحد. ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ [المجادلة: ١]. وسمى الله الكفار المعاندين: بالمجادلين بالباطل، فقال:

стр. 397

﴿وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ .. ﴾ الآية [الكهف: ٥٦]. وسمّى بعض بيان الأنبياء لأقوامهم جدالاً ﴿قَالُوا يَنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا .. ﴾ الآية [هود: ٣٢]. وسمّى الله المجادلة مراء في قوله تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاّ مِرَآءً ظَاهِراً .. ﴾ الآية [الكهف: ٢٢]. وحاج إبراهيم صاحبه، وسمّاه العلماء مناظرة. (١) وسمّى رسول الله ﷺ المجادلة بالباطل؛ مراء. فقال ﷺ : ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء، وإن كان محقاً)). (٢) وبناء على هذا فالظاهر: من هذه الألفاظ؛ المجادلة، المحاورة، المناظرة، المراء التي ذكرت في هذه النصوص، إما أنها مترادفة مع فروق قليلة في المعنى. وإما أنها -المناظرة، والمحاورة، والمراء - صور من صور الجدال، ويكون الجدال جامعاً لهذه الألفاظ، وهن شعب من شعبه، وهذا أشبه بالصواب. قال ابن الأثير ((المجادلة: المناظرة والمخاصمة)) (٣)

стр. 398

وقد عُرّفتْ هذه الألفاظ؛ الجدال، المناظرة، الحوار .. تعريفات فلسفية منطقية، أعرضت عن ذكرها، لأننا في مقام الدعوة، لا في مقام علم الكلام، وسأحاول تبسيط هذه التعريفات، وتسهيل عباراتها، وتقريبها إلى أذهان الدعاة والمدعوين ما استطعت .. والله وحده المعين. الجدال لغة: اشتداد الخصومة. (١) ويتم بتبادل الكلام. وقال ابن الأثير ((الجدال: مقابلة الحجة بالحجة)). (٢) والجدال - بعامة - اصطلاحاً: هو بيان ما عند المتكلم من الحق، وتخطئة المخالف، ورد الشبهات. الحوار لغة: المجاوبة والمجادلة. (٣) الحوار والمحاورة اصطلاحاً: تبادل وجهات النظر المختلفة بين أكثر من طرف، لإحقاق قوله، وتخطئة قول غيره، دون تعمد لكسر مخالفه. ففيه يلقي كل طرف ما عنده، بكلمات موجزة، أو محاضرات قصيرة، محاولاً إظهار ما عنده من الحق، وإزالة ما وقع على مذهبه من اللبس، وبيان ما عند المخالف من الخطأ، ومافي مذهبه من اللبس. وتتم في جو يسوده الهدوء والإنصات. وغايتها: إظهار الحق، وإقناع الطرف الآخر، عن طريق التفاهم والمناصحة والبيان.

стр. 399

وحكمه - حكم الأصل -أصل الدعوة- الوجوب على من يستطيعه، وقد ورد في القرآن الكريم صور له، من ذلك في سورة الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ... ﴾ الآية [الكهف: ٣٧]. إلى آخر النص. المناظرة لغة: المباراة في المحاجة. (١) المناظرة اصطلاحاً: بيان ما عند كل طرف من الصواب أو الحق، ودحض ما عند الطرف الآخر من الخطأ والباطل، على طريقة السؤال والجواب، لأجل الإلزام، والإفحام، والإحراج. وهي: أدق صور المجادلة، وأصعبها، وتحتاج إلى فن خاص، فوق العلم والفقه. ولذلك لا يجوز لأي طالب علم أن يقوم بها، لأنها سلاح حاد ذو حدين (٢). المراء لغة: هو الجدال (٣). المراء اصطلاحاً: الجدال بالباطل، قال تعالى: ﴿أَلا إِنّ الّذِينَ يُمَارُونَ فَي السّاعَةِ لَفِي ضَلالَ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]، وأحياناً يأتي بالمعنى اللغوي. ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ [الكهف: ٢٢] .. أي الجدال. الجدال بالتي هي أحسن: أن يكون الجدال بأسلوب حسن، وعرض مقبول دون تعرض إلى شتم، أو استهزاء، أو تقبيح.

стр. 400

والجدال بالسوء: هو أن يكون بأسلوب سيء، وخروج عن الأدب، من مقاطعة وصراخ، وصدور ألفاظ سيئة، وخروج عن البحث العلمي إلى الشخصي، وما شابه ذلك. المطلب الثالث: مشروعية الجدال بعامة، وحرمة المذموم منه: بناء على ماسبق، فإن للجدال صوراً متعددة، منها المشروع، ومنها ماهو مذموم. قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِىَ أَحْسَنُ .. ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوَا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِىهِىَ أَحْسَنُ .. ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦]. فهذا إذنٌ بالجدال، بل أمر به .. بشرطين: الأول: أن يكون بالحق. الثاني: أن يكون بالتي هي أحسن. ويكون الجدال مذموماً - غير مشروع - في الأحوال التالية: الأولى: أن يكون دفاعاً عن خطأ، أو باطل. قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ .. ﴾ الآية [النساء: ١٠٧] أي لا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بالظلم والكذب. وقال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ .. ﴾ الآية [الكهف: ٥٦]. الثانية: عندما يكون بغير علم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّبِعُ كُلّ شَيْطَانٍ مّرِيدٍ﴾. [الحج: ٣]

стр. 401

الثالث: إذا كان بغير التي هي أحسن، وقد سبقت الأدلة على ذلك. الرابع: أن يكون في الشبهات، أو مما يثير الفتنة، أو فيما لا طائل وراءه. قال تعالى: ﴿فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. والضابط في هذا: أن كل جدال بعلم، وأسلوب حسن، ابتغاء معرفة الحق، وسلوك سبيل الهداية، فهو محمود، فإن سقط أحد هذه الشروط، صار مذموماً .. وأما ما ورد عن السلف في النهي عن الجدال فالمقصود من ذلك المذموم منه، وذلك توفيقاً من أقوال السلف الذين مدحوه، فضلاً عن ثبت الأمر به في الكتاب والسنة وفعله الرسل والأئمة. (١) المطلب الرابع: الجدال في القرآن الكريم: تعرض القرآن الكريم في بيانه البديع إلى جميع صور الجدل؛ من محاورة ومناظرة، ودعا المخالفين إلى ذلك، بالشروط السابقة، وفي هذا المطلب مسائل: المسألة الأولى: الدعوة إلى الجدال:

стр. 402

قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [ال عمران: ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالّتِى هِىَ أَحْسَنُ .. ﴾ الآية [النحل: ١٢٥] .. فهذه دعوة واضحة، للمحاورة والمفاهمة. المسألة الثانية: صور من الحوار في القرآن: وقد قام القرآن الكريم بمجادلتهم، بصورة المحاورة، وتظهر ملامحها جلية في مواضع كثيرة، من ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]. المسألة الثالثة: صور من المناظرة في القرآن الكريم: تتجلى معالم المناظرة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وما فيها من إحراج الخصم بل إفحامه، وعجزه عن الجواب، منذ خلق البشرية إلى يوم القيامة، إلا أن يسلم ويؤمن.

стр. 403

قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩]. وقال: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [الرحمن: ٣٣]. وطلبُ الإجابة والتحدي، صورٌ من صور المناظرة، التي تعرض لها القرآن أكثر من مرة. المطلب الخامس: تتابع الرسل على المجادلة: تتابع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم على المجادلة بصورها المتعددة، من محاورة ومناظرة. فمن بديع المحاورة ما قصه الله بالإجمال؛ مما حصل بين الرسل وأقوامهم من محاورة هادفة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ اللهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَرَدّوَا أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوَا إِنّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكّ مّمّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكّ فَاطِرِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى قَالُوَا إِنْ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدّونَا عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مّبِينٍ

стр. 404

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نّحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَكِنّ اللهَ يَمُنّ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَآ أَلاّ نَتَوَكّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنّكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبّهُمْ لَنُهْلِكَنّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٩ - ١٣] وفي سورة (يس) يعرض الله صورة من المحاورة بين الرسل وأقوامهم بقوله تعالى: ﴿فَقَالُوَا إِنّآ إِلَيْكُمْ مّرْسَلُونَ قَالُوا مَآ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٤ - ١٩]. وينقل الله لنا محاورة جميلة، بين رجل مؤمن، وآخر كافر، جرى بعضها في الدنيا وبعضها الآخر في الآخرة. ﴿قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنّكَ لَمِنَ الْمُصَدّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنّا لَمَدِينُونَ

стр. 405

قَالَ هَلْ أَنتُمْ مّطّلِعُونَ * فَاطّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيم قَالَ تَاللهِ إِن كِدتّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاّ مَوْتَتَنَا الاُولَىَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ * إِنّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٥١ - ٦٠] وانظر غير مكره؛ المحاورة في سورة (الكهف) بين مؤمن وكافر ﴿فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىَ رَبّي لأجِدَنّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً * لّكِنّ هُوَ اللهُ رَبّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً * وَلَوْلآ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللهُ لا قُوّةَ إِلاّ بِاللهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىَ رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مّن جَنّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مّنَ السّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا * وَيَقُولُ يَلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَداً﴾ [الكهف: ٣٤ - ٤٢] ونقل الله لنا محاورة إبراهيم مع أبيه وقومه أكثر من مرة في القرآن الكريم مما يغني عن تسجيلها هاهنا. ومن أبدع المناظرات التي نقلها لنا القرآن بين الأنبياء وأقوامهم. ما نقله عن مناظرة إبراهيم مع الذي حاجه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ فِى رِبّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ

стр. 406

إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّىَ الّذِى يُحْيِى وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِى وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ اللهَ يَأْتِى بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِى كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. [البقرة: ٢٥٨] المطلب السادس: الترتيب الدعوي لصور الجدال: مما يجدر التنبه له؛ أنه في كثير من الأحيان تختلط صور الجدال بعضها ببعض، فتكون محاورة، ثم تتحول إلى مناظرة، ولكن على الداعية أن يبدأ دعوته بالمحاورة .. حتى إذا انقطع أمله في هداية المخالف، وتبينت معاندته، لجأ إلى المناظرة، لقطع حجته، وإظهار باطله. ولدفع الاغترار به. وبين أيدينا مقطع من أجمل ما جرى من المحاورة والمناظرة بين نبي وكافر، بين موسى ﵇ وفرعون. فبعد أن بدأ موسى فيها بالبيان، وسرد الأدلة؛ أراد فرعون أن يخرجه أكثر من مرة عن نقاط البحث، وإثارة القضايا الشخصية، ولكن موسى ﷺ كان متنبهاً لذلك، فكان كلما حاول فرعون الخروج والتفلت، رده موسى إلى نقطة البحث الأولى، ولنستمع إلى هذه المحاورة الجميلة، التي تحولت في آخرها إلى مناظرة وتحدٍ.

стр. 407

﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (خروج عن نقطة البحث، بإثارة الماضي) قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالّينَ * فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنّهَا عَلَىّ أَنْ عَبّدتّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (اعتراف بالحق، وإزالة للشبهة) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبّ الْعَالَمِينَ (استهزاء واستنكارًا) قَالَ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (استخفافاً واستنكار للحق) قَالَ رَبّكُمْ وَرَبّءَابَآئِكُمُ الأوّلِينَ (استمرار بالبيان وعدم الالتفات إلى الإشغال) قَالَ إِنّ رَسُولَكُمُ الّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (خروج عن نقطة البحث بالتهم الزائفة) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (استمرار بيان الحق، وعدم الرد على التهم الشخصية) قَالَ لَئِنِ اتّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِى لأجْعَلَنّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (تهديد بالسلطان) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَئٍ مّبِين (دفع بالأدلة) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ (متحدياً) فَأَلْقَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنّاظِرِينَ (الحجة الدافعة)

стр. 408

قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (تحريش وكيد) قَالُوَا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مّعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنتُمْ مّجْتَمِعُونَ * لَعَلّنَا نَتّبِعُ السّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمّا جَآءَ السّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنّ لَنَا لأجْراً إِن كُنّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنّكُمْ إِذاً لّمِنَ الْمُقَرّبِينَ* قَالَ لَهُمْ مّوسَىَ أَلْقُوا مَآ أَنتُمْ مّلْقُونَ (تحدياً واطمئناناً) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيّهُمْ وَقَالُوا بِعِزّةِ فِرْعَونَ إِنّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فَأَلْقَىَ مُوسَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (انتصار الحق وهزيمة الباطل) فَأُلْقِىَ السّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواءَامَنّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨ - ٤٧] (اعتراف بالحق، وتسليم له). وفي هذه المحاورة البديعة -في هذه السورة وغيرها-، التي تحولت في آخرها إلى مناظرة، فوائد جليلة، ونكت بديعة، ليس هاهنا محلها، ولكن نظراً لأهميتها، وما تعود به على الدعاة من ثمار طيبة، نوجز بعضها لأهميته: الأولى: البدء بالبيان. بدأ موسى ﵊ محاورته بالبيان، وأنه وأخاه رسولا رب العالمين.

стр. 409

الثانية: عدم انسياق موسى وراء ما يثيره فرعون، مما ليس هو محل المحاروة. فقد اعترض عليهما فرعون - بما لا يعترض به-بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]. إشغالاً لهما عن نقطة البحث، وهي إثبات الربوبية لله. ثم ذكّره بقتل الرجل: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الّتِي فَعَلْتَ ... ﴾ [الشعراء: ١٩]. فتنبه موسى ﵇ إلى المكر، وبادره بالاعتراف، حتى لا يضيع الوقت في ذلك، فالوقت ثمين، والموقف لا يسمح بضياع شيء منه، ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. فقطع موسى بذلك الطريق على فرعون، كي لا يخرج عن الموضوع، وحتى لا يحول المحاورة إلى قضايا شخصية. ثم رد على شبهته في مسألة تربيته باختصار ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنّهَا عَلَيّ أَنْ عَبّدتّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]. أي: هل تعادل نعمة تربيتك لي، بالإساءات والأذيات لبني إسرائيل، أوَ تريد أن تستر ظلمك، وتعبيدك بني إسرائيل، بتربيتك لي، وبعبارة أخرى: أتذكر وتمن علي بتربيتك لي، وتتناسى ظلمك واستعبادك لبني إسرائيل (١). الثالثة: عدم انشغال موسى عن الدعوة إلى الله، بالدفاع عن نفسه.

стр. 410

فلما فشل فرعون في إشغال موسى والحضور بإثارة الماضي، لجأ إلى الاتهام المباشر، وحاول السخرية من موسى واتهامه بالجنون. فلم يعبأ موسى بمثل هذه الاتهامات، لأن فرعون أُسقط في يديه، فلا حاجة بعد ذلك للرد على الأمور الشخصية، فالقضية أكبر، والوقت أثمن. فاستمر موسى في بيانه، وفي عرض أدلته .. فلما استهزأ فرعون به قائلاً ﴿وما ربُ العالمين﴾. كان جواب موسى: ﴿رَبّكُمْ وَرَبّءَابَآئِكُمُ الأوّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]. ولما اتهمه فرعون بتهمة الجنون، أجابه موسى: ﴿رَبّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨]. الفائدة الرابعة: عدم الخوف من التهديد: لما عجز فرعون عن إشغال موسى، وإخراجه عن نقطة البحث، والتدليس على الحضور، وخسر الجولة، بادر إلى التهديد، تعويضاً عن الخسارة، ورداً للاعتبار. قال (فرعون): ﴿لَئِنِ اتّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِى لأجْعَلَنّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. فلم يلتفت موسى إلى هذا التهديد. ولفت نظر الخصم والحضور إلى: أن المسألة مسألة علم ودليل وبيان، لا مسألة سجن وتهديد وطغيان. ورد عليه بسلاح الحجة، وسهام الآيات، فانتقل به إلى المناظرة المادية، وإقامة الحجج الواقعية.

стр. 411

﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَئٍ مّبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠]. وفي كل هذه المواقف المحرجة، كان موسى ﵊، يتابع بيانه دون انقطاع وخروج عن الموضوع، ويوضح مقصوده بأجمل بيان. ويبين حجته دون خوف ولا تردد .. أَبَعْد هذا كله يقال: إن الإسلام - دعوة الأنبياء - دعوةٌ قامت على الإكراه! ! المطلب السابع: صور من الجدال في السنة: ولا تقل السنة عطاءً في هذا المضمار عن القرآن. فمن جميل ما نقل لنا رسول الله ﷺ مناظرة جرت بين آدم وموسى ﵉. فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قدره عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى)) (١). ومن ذلك؛ محاورة رسول الله ﷺ ثمامة يوم أُسر، وهو كافر حتى أسلم.

стр. 412

فعن أبي هريرة قال بعث النبي ﷺ خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ﷺ فقال: ((ماعندك ياثمامة؟ )) فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ماشئت، فتُرِك حتى كان الغد، ثم قال له: ((ما عندك يا ثمامة؟ ))، قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر .. ، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ((ماعندك يا ثمامة؟ ))، فقال: عندي ما قلت لك، فقال: ((أطلقوا ثمامة)). فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)). (١) فانظر - رحمك الله - ما للحوار الهادف الحكيم من آثار عظيمة.

стр. 413

المطلب الثامن: شروط الجدال المحمود، وضوابطه: لكي يكون الجدال مثمراً، والمناظرة والمحاورة نافعتين، وحتى لا يكون كحوار الطرش، وحتى لا تكون مفاسد هذه الوسائل أكبر من مصالحها فتصبح محرمة، ينبغي الالتزام بالشروط والآداب التالية: فمنها ما هو في المحاورِ، ومنها ما هو لضبط الجدال. الأول: أن يكون محور الجدال نصرة الدين وأصولَه بعامة مع الكافرين، لا الخوض في فروعه وتمثيله، ونصرةَ الكتاب والسنة ومنهجَ السلف مع المخالفين، لا نصرة الأحزاب المنشأة، أو الطرق المحدثة، أو القضايا الشخصية. الثاني: أن لا يُناظر المسلم غير المسلمين في الشبهات، إلا ما كان من ذلك من ضرورة، وذلك حين تثار، وتكون مشوهة للإسلام، أو تكون مانعاً من دخوله، ولا تُناظَر الطوائف الضالة في فرعيات الدين، أو المسائل الاجتهادية، وإنما تُناظَر في الأسس والأصول. فلا يُناظر الكافرين، في عدد الصلوات، وعدد الطلقات، وعدد الرميات في الحج، وحجاب المرأة. إن من الخطأ المبين: أن يجادل من لا يؤمن بالله، بأحكام الله. الثالث: أن لا تكون أمام العامة، كي لا تثير عليهم شبها، أو تضعف عندهم حقا. فإن للمناظرة أمام العامة سلبياتٍ كثيرة، ومن ذلك سماعهم الشبهات، حول ما عندهم من الحق، أو حول ما عند غيرهم من الباطل.

стр. 414

والعامة أصحاب عاطفة وتزيين، لا أصحاب تفكير ودليل، وقد يكون صاحب الحق ضعيفاً، لا يحسن الرد، أو قوياً، ولكنه لا يحسن التوضيح، فيقع في نفوس الناس اللبس، ويضعف عندهم الحق، أو ينتصر الباطل. الرابع: أن تُحَدَّد نقطة البحث قبل البدء بالمناظرة. الخامس: أن تُحَدَّد المرجعية قبل البدء بالمناظرة. السادس: أن يُضْبَطَ الوقت. السابع: أن يلتزم الجميع وبخاصة المسلم، الأدب وحسن الاستماع. الثامن: أن لا يسمح لأحد غير المتناظرين بالتدخل. المطلب التاسع: نصائح للمناظر: الأولى: إخلاص النية لله، وأن يكون مقصده الوصول إلى الحق، والدعوة إليه. وقد ورد عن الإمام الشافعي قوله: ((ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه)). (١) قال البيهقي: ((وحكمته: أن لا يستنكف عن الأخذ به بخلاف خصمه .. )) (٢).

стр. 415

الثانية: أن لا يحمله الموقف على رد الحق، أو عدم التراجع عن الخطأ، أو الكذب، فإن التراجع عن الخطأ، وقول الحق، خير عند الله وعند الناس من التمادي في الباطل. فإن كثيراً من الناس يظنون: أن التراجع عن الخطأ منقصةٌ لهم، ينزل به قدرهم، ويذهب من هيبتهم، ويفقدون ثقة الناس بهم، والعكس هو الصواب، فما تراجع امرؤ إلى الحق إلا رفعه الله، وأعلى قدره. الثالثة: أن لا يكون همه مجرد الانتصار على شخصية الخصم، بل يكون همه السعي نحو هدايته، فإن لم يكن إلا كسره من أجل بيان باطله حتى لا يغتر به، فلا بأس - وقتئذ - بذلك. الرابعة: الرفق والتلطف في الأسلوب، ولو كان في المناظرة، ولو كان مع أعدى الأعداء. الخامسة: أن يكون المناظر عالماً بعامة، وبموضوع المناظرة بخاصة. السادسة: أن تتوفر فيه موهبة المناظرة، وإدراك نفسية المناظر والمستمعين. إن المناظرة فن من أعظم فنون الدعوة إلى الله، ولها خاصية فوق خاصية العلم، وليس كل عالم مناظراً، إذ لها طرق ومداخل واستدراج، وفيها مخارج وإحراج. وهي أشبه بالمعركة، ففيها هجوم ومناورة والتفاف، ثم غلبة وانتصار، أو هزيمة واندحار. السابعة: أن لا يغيب ذهنه عن المستمعين، فهم المقصود .. وليعلم أن كل كلمة، أو إشارة، أو حركة، محسوبة عليه.

стр. 416

ولذلك لا يحسنها إلا من وهبه الله هذا الفن، وسهله له، فمن تعرض لها وهو غير مؤهل لها فلا يدخلها، وعلى المناظر أن يستنصح إخوانه .. وعليهم أن يصدقوه .. فإذا نصحوه بعدم دخولها فليقبل نصيحتهم، ولا يركب رأسه، فإن الانسحاب خير من الفشل، لما له من تأثير كبير على الدعوة. الثامنة: أن لا يخرج عن نقطة البحث، ولا عن المرجعية، مهما حاول الخصم إخراجه أو استدراجه. التاسعة: كسب القلوب، مقدم على كسب المواقف، إلا أن يكون موقف حق، ودونه الباطل. العاشرة: إذا عجز عن إقناعه بدليل، أو راوغ فيه المخالف، فلينتقل إلى دليل آخر، كما فعل إبراهيم ﵊ لما قال للذي حاجه: إن الله يحي ويميت، قال الخصم: أنا أحي وأميت .. فلم يناقشه إبراهيم ﵊ في هذه .. لأن الوقت أثمن .. فأتاه بقارعة أسقطته وأسقطت ادعاءه بالإحياء والإماتة. الحادية عشر: أن لا يغضب، وأن لا ينتقم لنفسه، فمن يعلم أن من طبعه الغضب، فلا يدخل المناظرة، فإن الغضب في المناظرة له آثار سيئة ولو كان لله. الثانية عشر: الانسحاب عند تبين مراء الخصم، لقوله تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاّ مِرَآءً ظَاهِراً .. ﴾ الآية [الكهف: ٢٢]

стр. 417

ولقوله ﷺ : ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا)). (١) ولقوله ﷺ : (( .. وأنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً)) (٢). ولذلك يجب على المتناظرين أن يكونا حريصين أشد الحرص على أن لا تحول المناظرة إلى مراء لا ينفع في علم، ولا يهدي إلى طريق، بل يفسد القلوب، ويوغر الصدور، ويزيد الشحناء، مع إضاعة الأوقات، وإبطال الأجر. فإما أن يلتزما آداب المناظرة وشروطها، وإما أن ينسحبا، لأن في الاستمرار على المراء إثم عند الله، وفساد عند العباد. المطلب العاشر: خلاصة المبحث: مما سبق يتبين ما يلي: - أن المناظرة: وسيلة مشروعة، وأسلوب دعوي مؤثر. - أن لها شروطاً وآداباً يجب الالتزام بها، وإلا أصبحت مفاسدها أكبر من مصالحها. وتمنع المناظرة في الأحوال التالية: -عندما تنقلب إلى مراء.

стр. 418

-عندما لا يُلتزم بشروطها. -عندما تثير شبهاً لدى العامة. -عند ضعف المناظِر علماً أو فناً بها. -أن يغلب على الظن أن مفسدتها أكبر من مصلحتها. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 419

المبحث الثالث عشر الوسيلة الثالثة عشرة: المباهلة: يقصد بالمباهلة: دعاء الفريقين المتكاذبين، كلاً بالهلاك على الطرف الكاذب وذريته (١). متى يدعى لها؟ : تكون بعد استنفاذ كافة السبل الدعوية، من بيان، وحوار، ومناظرة، مع إصرار الخصم وجحوده وعناده. فإذا استمر الخصم على الافتراء والكذب، دعي إلى المباهلة. لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ... ﴾ الآية [آل عمران: ٦١]، أي من أبَنْتَ له الحق، وأقمت عليه الحجة، فأبى وعاند .. فادعه بعد ذلك إلى المباهلة. ففي هذا دليل على أنها آخر المطاف. قال ابن كثير: ((كما دعا رسول الله ﷺ وفد نجران من النصارى -بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم، وعنادهم -إلى المباهلة)) (٢). وقال ابن القيم: (( .. أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا، بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة)) (٣).

стр. 420

كيفيتها: يدعو أحد الطرفين الآخر لها .. ويجتمعان في مكان واحد، مع أهليهما وذريتهما، ثم يدعو بعضهم على بعض: أن ينزل الله لعنته على الكاذب منهما. دليلها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [ال عمران: ٦١]. وبعد نزول هذه الآية دعا رسول الله ﷺ وفد نجران، بعد أن ناظرهم وأقام عليهم الحجة، وأَبَوا الإسلام، وأصروا على الافتراء - كما سبق ذكره - دعاهم إلى المباهلة، فخافوا وأبوا، ثم سالموا ودفعوا الجزية. فعن حذيفة ﵁ قال: ((جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبياً فلاعنّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا .. )) (١) الحديث. فيما تشرع فيه المباهلة: تشرع المباهلة في كل أمر أساس في الدين، ينكره الخصم، ويفتري فيه، وللمباهل فيه برهان من الله لا اجتهاد فيه. ولذلك لا تشرع المباهلة في الأمور الاجتهادية، ولا الفرعية، فإن الخطأ في الاجتهاد لا يلاعن عليه، بل يؤجر صاحبه بشروطه المعروفة.

стр. 421

هل ما تزال المباهلة مشروعة؟ : المباهلة مشروعة في الكتاب والسنة كما سبق بيانه، وإذا شرع أمر في الكتاب والسنة، فلا يقبل دعوى نسخه، أو تخصيصه، إلا بدليل قطعي، لا بالظن والاجتهاد .. ودعوى بعضهم أنها خاصة بالنبي ﷺ دعوى مردودة، لأن الأمر للنبي أمر للأمة، ما لم يأت دليل يمنعه، وليس ثمة دليل مانع على هذه الدعوى. قال ابن القيم: ((وقد أمر الله سبحانه بذلك- أي بالمباهلة- رسوله ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك .. )) (١). وقد تتابع المسلمون على استخدام هذه الوسيلة، مما يؤكد بقاء مشروعيتها. وقد دعا إلى المباهلة ابن عباس، والأوزاعي، والعسقلاني، وغيرهم (٢).

стр. 422

المبحث الرابع عشر الوسيلة الرابعة عشرة: الشبكة العالمية (الشبكة العنكبوتية) (الإنترنت) وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ضرورة استغلالها في الدعوة إلى الله: لم يَعُدْ خافيا على أحد - وبخاصة الدعاة - ما حصل من قفزة نوعية في عالم الاتصال، وسرعة فائقة في نقل المعلومات، ثم سهولة في تناولها، حتى كادت تغطي كل بقعة، وتصل إلى معظم الأيدي، وتدخل كثيراً من البيوت، والمؤسسات، والدوائر، والمراكز التعليمية. وقد حوت وسائل الاتصال هذه؛ الغث والسمين، والشر والخير .. ويستطيع المرء أن يتناول منها ما شاء، ويدع ما شاء، كل ذلك عبر وسائل كثيرة، من أهمها (الشبكة العالمية) وقد سبق أن ذُكر أهمية استخدام هذه الوسائل، وأن التخلي عنها يترك ثغرة في المجال الدعوي، يستغلها المفسدون، بما لا حاجة إلى تكراره، وتفصيله. والواقع؛ أن معظم الدعاة، سارعوا إلى استغلال هذه الوسيلة على نطاق واسع، وأجادوا وأفادوا، وإن تردد فريق منهم، وأحجم ورعاً، فله اجتهاده. وقد فتحت مواقع جيدة، منها: الإخباري .. ومنها العلمي .. ومنها الحواري .. ومنها الاجتماعي .. ومنها للفتاوى، ومنها دون ذلك. وفيها خير مدخون، وشر معسول.

стр. 423

وهي كأي وسيلة أخرى، يمكن استخدامها في الخير، وفي الشر، ولا تخلو وسيلة من مثل هذه الوسائل من إيجابيات وسلبيات. المطلب الثاني: إيجابياتها: الأولى: سهولة تبليغ المعلومة، وسهولة الحصول عليها. لم يَعُدْ خافياً على كثير من الدعاة، سهولة إيصال المعلومة إلى من يريد، وسهولة الحصول عليها، عبر هذه الوسيلة. وأصبح العالم - والمسلمون جزء منه - في عالم تسوده سهولة انتقال المعلومة، وسهولة تلقيها. وأصبح بإمكان كل داعية؛ أن يرسل ما يريد بكل سهولة، وبإمكان كل مدعو تلقي ذلك بكل يسر ومرونة. الثانية: سرعة في تبليغ المعلومة، وسرعة في تلقيها. لا تخفى حاجة المسلم إلى بعض الفتاوى العاجلة وبخاصة المرأة، وما تحتاجه من فتاوى في شؤونها؛ من حيض، ونفاس، وطلاق، تستدعي وصولَ الفتوى إليها على وجه السرعة. ولا يخفى صعوبة تحرك المرأة .. وانشغال أهل العلم، وصعوبة الوصول إليهم، ونظام دوائر الإفتاء، الأمر الذي لا يلبي حاجة المستفتي العاجلة. وقد أزالت هذه الوسيلة الحواجز بين الداعية وإرسال المعلومة، وأزاحت الموانع بين المدعو وتلقي المعلومة، وأصبح التواصل بين الداعية والمدعو اليوم عبر الشبكة بالسرعة المطلوبة.

стр. 424

الثالثة: تنوع المعلومات وغزارتها. أما تنوع معلومات الشبكة وغزارتها فهو أمر معروف، نظراً لتعدد مصادر العطاء، وتنوعها. الرابعة: وسيلة من وسائل الترفيه المشروعة. من المعلوم أن كثيراً من الناس لديهم فراغ كبير لا يحسنون استغلاله، أو لديهم معلومات أو أفكار لا يستطيعون - لظرف أو آخر - أن يفيدوا غيرهم بها عبر وسائل الإعلام المعروفة، أو يفرغوا ما في صدورهم .. فمشاركة المسلم في حواراتها مشاركة هادفة مفيدة فعالة، منضبطة بضوابط الشرع، ينمي مداركه، ويزيد في ثقافته، ويفرغ ما في صدره، ويشغل وقته بما ينفعه. لذلك كانت هذه الوسيلة مخرجاً لهم إذا أحسنوا استخدامها. الخامسة: مشاركة المسلم في مشكلات المسلمين، ووقوفه على أخبارهم. من المعلوم أن للمسلمين مشكلات عامة وخاصة، وأخباراً لا تتناقلها وسائل الإعلام الرسمية والعامة. فاطلاع المسلم عليها، ومشاركته المعنوية والمادية فيها، له أثره الطيب في نفوس الجميع.

стр. 425

السادسة: إمكانية الاستماع للدروس والمحاضرات مباشرة، مع المشاركة فيها داخل البيوت، والمكاتب. من المعلوم أن في الشبكة غرفاً صوتية، تنقل الدروس، والمحاضرات، والمؤتمرات مباشرة .. يمكن الاستماع لها، والمشاركة فيها من داخل البيوت، مما يوفر كلفة الخروج على الجميع، ويخفف شكاوى النساء من أزواجهن الدعاة. وأكثر ما يستفيد من هذه الوسيلة النساء والعجزة والمرضى، ولولا هذه الوسيلة لحُرِموا هذا الخير، وهذه إيجابية في هذه الوسيلة، لا تتوفر في غيرها. السابعة: وصول الدعوة إلى المحرومين: هناك بلاد كثيرة محروم الناس فيها من الدعوة، وتلقي العلم، إما لقلة العلماء، أو لظلم من السلطان .. أو لظرف آخر. وبوجود هذه الوسيلة، التي تتجاوز الحدود بلا تأشيرة، وتدخل البيوت بلا إذن، يسهل على الدعاة دعوة هؤلاء الناس، ويسهل على المدعوين التلقي. الثامنة: مجال واسع للعلماء: معظم وسائل الإعلام لها ضوابط تقيدها، ولها ظروف تحول دون كثير من الدعاة امتطاء جوادها، والتكلم من وراء لاقطها (الميكرفون).
следующие страницы →