← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الثالث: أن لا يُتجاوز في الوسيلة مهمتها، حتى لا تصبح الوسيلة غاية في ذاتها، إذ غايتها إعانة الناس. فالمنارة - مثلاً - وسيلة، مهمتها توسيع رقعة الأذان، ويمكن أن تكون وسيلة للدلالة على المسجد، فلا يجوز بناؤها بحجم كبير، وزخرفتها زخرفة بالغة، تخرج بذلك عن كونها وسيلة لرفع الأذان، أو للدلالة على المسجد، فتصبح غاية في نفسها، يتباهى بها أصحابها .. حتى وجد من ينكر وجود مسجد بلا منارة كبيرة، أو منبر غير مرتفع، أو غير مزخرف. ودليل ذلك: أنه يخشى من تجاوز الحد في الوسيلة مع الزمن أن تصبح طريقة تعبدية، فتكون بدعة .. وتحريم البدع معلوم من الدين بالضرورة، أو لما يكون فيها من الإسراف، وضياع الجهد والمال فيما لا طائل وراءه. الرابع: أن لا يكون لها أثر في المادة الدعوية - أو الأمر الديني نفسه. أي: لأجل التمثيلية، تُغير بعض عبارات الممثل عنهم، أو لأجل طول المنبر وعظمه تقطع الصفوف، وما شابه ذلك، فتكون هناك مخالفات شرعية واضحة. الخامس: جواز استعمال الوسيلة التي حرمت سداً للذريعة، عند تحقق المصلحة، وعلى قدر الحاجة، وأن لا يترتب عليها المفسدة التي حرمت لأجلها.

стр. 352

ثمة وسائل جاء النص من الكتاب والسنة بتحريمها، كاستعمال الناقوس، والتصوير، والمعازف، والنظر إلى النساء. غير أن التحريم - كما هو معلوم - إما أن يكون لذات الشيء كالزنى، والخمر .. وإما أن يكون سداً للذريعة؛ كالتصوير سداً لذريعة الشرك، والمضاهاة، وكالنظر إلى النساء سداً لذريعة الفاحشة. فما كان سداً لباب ذريعة، أبيح عند تحقق المصلحة الراجحة، بشرط أن لا يترتب على العمل به تلك المفسدة التي حُرِّم لأجلها. فمثلاً: النظر إلى النساء محرم سداً لباب ذريعة الفاحشة، ومع ذلك فقد أباح الشرع النظر إلى المخطوبة، لتحقق مصلحة راجحة، ولانتفاء تحصيل مفسدة الفاحشة. قال ابن تيمية: ((النهي إذا كان لسد الذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة)) (١). السادس: أن لا يكون أصل الوسيلة شعاراً للكافرين، كبناء المساجد على شكل كنائس النصارى، كما هو الحال في بعض البلدان، أو استعمال الناقوس أو الجرس، للتنبيه على بدء أمر شرعي كالأذان، أو الصلاة. ودليل ذلك قوله ﷺ : ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (٢). وقوله ﷺ : ((ليس منا من عمل بسنة غيرنا)) (٣).

стр. 353

المطلب الخامس: أن حكم الوسائل حكم مقاصدها: الوسيلة إذا لم تكن محرمة فحكمها حكم غايتها، فإذا كانت الغاية مشروعة، وكانت الوسيلة غير منهي عنها، شرعت الوسيلة، كاستخدام مكبر الصوت في الأذان، فإن الغاية تبليغ الأذان، وهو غاية مشروعة، ولم يرد نهي عن استخدام مكبر الصوت، فتشرع - حينئذ - هذه الوسيلة، ويؤجر المرء عليها. وأما إذا كانت الغاية مذمومة، فلا تشرع لها أي وسيلة كانت. وهذا أمر مسلم به عند كل ذي عقل .. فلا يجوز استخدام آلة لقتل معصوم، أو لصنع الخمر، وما شابه ذلك، فعلى مستخدمها إثم لأن غايتها لا تشرع. والمقصود: أنه يحرم استعمال الوسيلة إذا كانت محرمة، أو كانت غايتها محرمة، ولو كانت هي مباحة. وباختصار تباح الوسيلة بشرطين: ١ - أن تكون مباحة في أصلها (لم يرد نص بتحريمها). ٢ - أن تكون غايتها: مباحة.

стр. 354

المبحث الثالث حث الإسلام على استخدام الوسائل: مع أن الأصل في الوسائل الإباحة، فإن الإسلام حث على استخدامها، ورغب فيها، بل أمر أحياناً ببعضها، وجعل لصاحبها بها أجراً، وحذر من التهاون فيما فيه حاجة، أو مصلحة. ويكفي دليلاً في هذا الجانب، إنزال الكتب على الأنبياء، وأمر العباد بحفظها، ونشرها بين الناس، وشهرة هذا الأمر، يغني عن ذكر أدلته. ومن ذلك: أن أول آيات نزلت، ذكرت وسيلة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله، ألا وهي: القلم. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبّكَ الأكْرَمُ * الّذِى عَلّمَ بِالْقَلَمِ﴾. [العلق: ٣ - ٤] وأقسم الله بالحبر والقلم والكتابة، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (١) [القلم: ١] وهذه كلها وسائل دعوية عظيمة. بل؛ إن الله كتب التوراة بيده (٢).

стр. 355

وأمر الله تعالى: باستخدام الوسائل الممكنة في الجهاد في سبيل الله، بقوله: ﴿وَأَعِدّوا لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ .. ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]. وهذا يعني: وجوب تطوير السلاح، بما يتناسب وكل حال، لأن الله أطلق الأمر، ولم يقيده، وأناطه بالاستطاعة، وما دام المسلمون يستطيعون التطوير، فهو واجب عليهم. وقال تعالى: ﴿وَعَلَىَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، والضامر: هو الدابة المجهزة للسفر (١). ففي هذا؛ إشارة واضحة إلى تجهيز الوسيلة، والاهتمام بها. بل جعل عليها أجراً، كما سبق بيانه في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((الخيل لثلاثة: لرجل أجر .. ولرجل سِتر .. ولرجل وِزر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، لأهل الإسلام في مرجٍ وروضة، فما أكلت من ذلك المرج، أو الروضة من شيء، إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها، وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها، فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات ... )) (٢). وقال ﷺ : ((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)) (٣).

стр. 356

وقال ﷺ : ((قيدوا العلم بالكتاب)) (١)، وفي رواية: ((بالكتابة)). وقال ﷺ : ((من علم الرمي ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى)) (٢). إلى غير ذلك؛ من أقوال النبي ﷺ وأفعاله التي تحث على استخدام الوسائل.

стр. 357

المبحث الرابع الاستخدام العملي للوسائل عند الأنبياء: لم يكتف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالحث على استخدام الوسائل، بل قاموا بأنفسهم باستخدام الوسائل بكافة أنواعها، وعلى مختلف أشكالها في دعوتهم، وفي عباداتهم. ومن ذلك؛ المعجزات المادية: كعصى موسى، وناقة صالح، وقصر أو صرح سليمان، وإحضار عرش بلقيس. فاستخدم نوح السفينة، واستخدام إبراهيم عليهم الصلاة والسلام القُدّوم، لأداء شعيرة من شعائر الدين، - وهو الختان -. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اختتن إبراهيم ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقَدوم)) (١). وأما رسول الله ﷺ . فالأحاديث عنه في هذا أكثر، والأخبار أطيب. فمن ذلك؛ استخدامه ﷺ الرسم على الرمل كوسيلة إيضاح. فعن ابن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وخط خطوطاً أخرى عن يمينه .... )) (٢) الحديث. وعن ابن مسعود ﵁ أيضاً قال: خط النبي ﷺ خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه ـ وخط خططا صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: ((هذا الإنسان، وهذا

стр. 358

أجلهُ محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)) (١). واستخدم رسول الله ﷺ الجدي الميت، وسيلة توضيحية، لخطابه الدعوي. فعن جابر أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كَنَفَتَه، فمر بجدي أسكّ (٢) ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، ومانصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) (٣)، ثم رماه. وكان الصحابة ﵃، يشغلون أولادهم باللُّعب من العِهْن ليلهوهم بها عن الطعام في الصيام. فعن الرُّبِّيع بنت معوذ قالت: ((أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن

стр. 359

أي: الصوف - فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار)) (١). واستخدم رسول الله ﷺ صوت ربيعة بن أمية بن خلف، وسيلة لإسماع الناس في الحج (٢). ولما لم يجد النبي ﷺ وسيلة توضيحية لترسيخ المعنى سوى الحصى أمامه استخدمه. فعن أبي سعيد الخدري قال: ((دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت يارسول الله: أيّ المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: ((هو مسجدكم هذا .. لمسجد المدينة)) (٣). وفضلاً عن هذا كله، ما استخدمه النبي ﷺ وصحبه من آلات القتال، وخطط الحروب، مما يطول ذكره، مما سبق الإشارة إلى بعضه.

стр. 360

المبحث الخامس تتابع المسلمين على استخدام الوسائل: لم يقف المسلمون عبر تاريخهم الطويل - والحمد لله - مكتوفي الأيدي تجاه استخدام الوسائل المتوفرة، وإحداث مايتناسب وكل عصر، مما ينفعهم في دينهم ودعوتهم. فجمع أبو بكر الصديق ﵁ القرآن (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: ((علموا أولادكم السباحة والرماية، والفروسية)) (٢) -وفي رواية: ركوب الخيل -. وأحدث الدواوين (٣). ونسخ عثمان ﵁ المصحف، ووزعه في الأمصار (٤)، وهو بالتعبير المعاصر: الطباعة والنشر. وأمر معاوية ﵁ بصنع السفن الحربية (٥). وهو ما يسمى بلغة العصر (الأسطول البحري). وكل هذه وسائل، تدل على عظم الإسلام في الشمول، ومواكبته الأحداث، ومناسبته لكل زمان، ومكان، وقوم.

стр. 361

المبحث السادس الداعية والوسائل وتطورها، وقواعد استخدامها الفنية: ثمة أمور فنية لاستخدام الوسائل، تزيد من فاعليتها، وتوسع من أثرها .. وتُذهب سلبياتها. ففضلاً عمّا سبق من البيان، والتفصيل، في ضوابط استخدام الوسائل، ينبغي للداعية أن يراعي - عند استعمالها - ما يلي: أولاً: عدم التقصير في استخدام الوسائل المتاحة والمتنوعة، والنافعة، طاعة لربه ولرسوله ﷺ ، وخدمة لدينه، ونشراً لدعوته. ثانياً: أن تكون الوسيلة مناسبة لزمانه، ومكانه، وللمدعوين. من المهم للداعية؛ أن تكون الوسيلة مما يتناسب وزمانه، ويتواءم ومكانه، ويتواكب وثقافة المدعوين، فلا يستخدم وسيلة فوق مداركهم، ولا دونها .. ولا مالا يناسب بيئتهم. ثالثاً: أن تكون بسيطة واقعية، غير متكلف فيها، وإلا انقلبت إلى غاية. كما ينبغي أن لا يغادر ذهن الداعية: أن الوسيلة هي وسيلة، وليست غاية .. وأنها لأداء دور لا تتعداه، لا أن تصل إلى منهج الدعوة، أو تؤثر في مضامين التبليغ، أو تشغله عن الدعوة.

стр. 362

لذلك لا ينبغي التكلف بها، حتى لا تشغل عن المقصود، وأن تكون بسيطة التركيب، ومن واقع البيئة، فقد استعمل رسول الله ﷺ - كما مر سابقاً - الرمل والحصى، والجدي، والخشب، كل هذه وسائل من بيئته لم يتكلف في صنعها .. ولم يقصر في استخدامها. فمثلاً لا تزخرف اللوحات الدعوية، ويتفنن في خطها إلى درجة لا تكاد تقرأ (١). وكذلك؛ التمثيليات المشروعة، فإن المقصود منها توضيح المقصود الديني، وزيادة ترسيخه في الأذهان، فلا ينبغي أن تصرف عليها الأموال، وأن تكرر الأدوار، وتركز الأنوار، وتضيع الأوقات، ويسرف في الألبسة والتزيين، فتكون مفاسدها والحال هذه أكثر من المصلحة المتوخاة منها، وكذلك ما يفعله بعض المسلمين، في المنابر، والقبب، والمآذن .. من التكلف بها حتى يخرجها عن المقصود. رابعاً: مواكبة تطور الوسائل. إن من حكمة الداعية وفطنته، أن يواكب تطور الوسائل، وبخاصة في هذا العصر، وأن لا يتخلف عن ركبها واستعمالها، لما لها من أثر كبير في توسيع إطار الدعوة وتوضيحها، بل عليه أن يبتدع فيها، وأن

стр. 363

يُبدع في استخدامها ما استطاع، فإن عجلة القطار إذا سارت لا ترحم من صادمها، ولا تنتظر من تأخر عنها. ولقد تراجع كثير من الذين كانوا يستنكفون عن استخدام بعض الوسائل؛ كالإذاعة، والرائي، والفضائيات، لما أحسوا بخطورة هذا التخلف عن هذه الوسائل، وسارع كثير منهم إلى استعمالها، بعد ما كانوا ينتقدون من استعملها. وليس من المبالغة في شيء أن يقال: إن للمسلمين القِدْح المُعَلّى، وقصب السبق في استخدام الوسائل عبر تاريخهم الطويل، لخدمة دينهم، ونشر دعوتهم. فلا أدل على ذلك من استخدام المسلمين لكل آلة حدثت، مما يمكن استخدامها لخدمة الدين، ونشر الدعوة، وبخاصة في هذا العصر، كالفضائيات، والشبكة العالمية (الإنترنت)، والبرامج الحاسبية، ولا يوجد برامج دينية على وجه الأرض خدمت الدين، كما هو الحال في البرامج العلمية الإسلامية، كموسوعة التفسير، وموسوعة الحديث، وموسوعة الفقه، وبقية الموسوعات. خامساً: الموازنة بين الأثر والبذل. من بصيرة الداعية - قبل أن يُقبل على استخدام وسيلة ما -؛ أن يتفطن لأثرها، وكلفتها المادية، والوقتية، وأن يوازن بين الأمرين، بين بذل الوقت والمال والجهد، وبين أثرها.

стр. 364

فتسجيل المحاضرات على أشرطة سمعية، لا يكلف شيئاً في هذا الزمان، مقابل أثرها النافع. ولكن؛ صُنع منبر كبير مرتفع مزخرف .. أو بناء مئذنة ضخمة عالية .. أو مسرح كبير مُكلِّف .. ليس لهذه الوسائل أثر يعادل ما يبذل فيها، من وقت وجهد ومال.

стр. 365

المبحث السابع موافقة التربويين منهج الرسول ﷺ في استخدام الوسائل: هذه الشروط الفنية التي سبق ذكرها، مما نص عليها التربويون المعاصرون من الغربيين وغيرهم. والمتتبع للوسائل التي استخدمها رسول الله ﷺ ؛ يجد تحقق هذه الشروط الفنية - المذكورة سابقاً - فيها تحققاً عظيماً، وهذا يدل على أن النبي ﷺ سبق التربويين جميعاً في تقرير ذلك .. ولكن هل من مدّكر. فقد استعمل ﷺ الوسيلة المتوفرة، والمناسبة في الوقت المناسب، وبالاستخدام الموفق، فاستخدامه الجدي الميت لأنه الوسيلة المتوفرة - وقتئذ - وهي مناسبة للبيئة، وتتوافق ومدارك المدعوين. وحين استخدم ﷺ الرسم على الأرض كان هو الوسيلة المتاحة يومئذ. ولا شك؛ أن النبي ﷺ لو توفرت له غير هذه الوسائل، لاستخدمها، كاللوح المعلق والقلم. لأن المقصود التوضيح والبلاغ، وهما يكونان على اللوح المعلق، أوضح في البيان من كونهما على الأرض. وعندما لم يتمكن عثمان ﵁ من طباعة المصحف، كما هو عليه الحال اليوم من الطباعة والنشر، كتبه ووزعه بالوسيلة الممكنة يومئذ.

стр. 366

الخلاصة: كلما كانت الوسيلة أسهل تناولاً، وأقل تكلفة، وأوسع انتشاراً وأوضح بياناً، كانت الحاجة إليها أمس، والداعي إليها أوجب. وكلما كانت الوسيلة أصعب استعمالاً، وأكثر تكلفة، وأضيق انتشاراً، وأعقد بياناً، كان تركها أولى من استخدامها. وأن التخلف عنها، والتكلف فيها، والانشغال بها، تطرف ومخالفة للسنة، ومعارضة للفطرة. والمسألة تخضع لقواعد تزاحم المصالح والمفاسد، مما هو مفصل في مظانه.

стр. 367

الفصل الثالث في ذكر أهم الوسائل الدعوية مفردة، وبخاصة العصرية منها لم يخل عصر من العصور من الوسائل الدعوية، ولم يقف المسلمون - والحمد لله - حيالها موقف المتهاون، بل أكثروا من استعمالها، وأحسنوا استخدامها. وقد اختُرع في هذا العصر، وسائل مادية، وطرقية (حركية)، انتشرت انتشاراً لم يعهد له سابقة. وسنتعرض في هذا الفصل إلى دراسة معظم الوسائل القديمة منها والحديثة، وبيان أهميتها وحكمها، وما فيها من إيجابيات أو سلبيات بإيجاز، وذلك في ستة عشر مبحثاً:

стр. 368

المبحث الأول الوسيلة الأولى: الكلمة: تعد الكلمة؛ الوسيلة الأولى والأساس في مجال الدعوة، بل في عالم الخلق على مر العهود، ولمختلف الأجناس، ولكافة طبقات الناس. وهي أبسط الوسائل استعمالاً، وأسهلها تناولاً، وأقلها كلفة، وأسرعها استجابة، وأكثرها انتشاراً، وأعظمها نفعاً. فبها بدأ الله الخلق، وبها بعث الله الرسل، وبها أمر ونهى، وبها رفع ووضع، وبها أحيا وأمات. قال تعالى: ﴿إِنّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً .. ﴾ الآية [البقرة: ٣٠]. ومعظمُ تبليغ الرسل، ومَنْ بعدهم من العلماء والدعاة، كان عن طريق الكلمة؛ بموعظة، أو درس، أو محاضرة، أو أمر أو نهي ..

стр. 369

المبحث الثاني الوسيلة الثانية: القلم والكتابة: تُعد هذه الوسيلة هي الوسيلة الثانية بعد الكلمة، من حيث سهولة الاستعمال، وانتشار الأثر والنفع، إلا أنها أثبت منها للمعلومات. وهي: أول وسيلة خلقها الله ، وبها كتب الله اللوح المحفوظ، وغيره -كما مر سابقاً-. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. ولا حاجة للإسهاب والتفصيل في هاتين الوسيلتين - الكلمة والكتابة - وذكر حكمهما ومنافعهما، فهي من الأمور المسلمة عند الجميع، ولا يخفى أهميتهما ونفعهما وحكمهما على أحد. وتتضمن هذه الوسيلة؛ كل ما يكتب من كتب وغيرها، وقد تطورت هذه الوسيلة تطوراً كبيراً في النوع، والكمّ والشكل، وسيأتي -في المباحث التالية- تفصيل لبعضها.

стр. 370

المبحث الثالث الوسيلة الثالثة: الكتيبات والنشرات (المطويات): وفيه ثلاثة مطالب: الأول: المقصود منها وأهميتها: المقصود بالكتيبات، تلك الكتب الصغيرة الحجم، والنشرات المطوية، التي يمكن اصطحابها في الحضر والسفر، ومطالعتها في الليل والنهار. لذلك تعد هذه الوسيلة وسيلة نافعة، لما يتوفر فيها من ميزات الوسيلة الناجحة. المطلب الثاني: فوائدها، وسلبياتها: - سهولة الحمل، وتواجدها عند الحاجة، مما يسهل مطالعتها متى ما شاء المدعو. - ملء فراغ كثير من الناس، في أماكن انتظارهم، وأثناء سفرهم. إذ يمكن وضعها في أماكن تجمعهم وانتظارهم، مما يسهل تناولها لدى العامة، دون كلفة. - قلة التكلفة المادية، مما يساعد على انتشارها. - مناسبتها لحال الناس اليوم، من عدم تمكُّنِهم، أو رغبتِهم في مطالعة الكتب الكبيرة.

стр. 371

سلبياتها: - يخشى من انتشار ما يخالف الكتاب والسنة مما يضل العامة، لعدم تمكنهم من العلم. المطلب الثالث: شروط الكتيبات والنشرات الناجحة: لكي تكون هذه الوسيلة ناجحة، ينبغي أن يتوفر فيها العناصر التالية: ١ - أن تتضمن مادة دعوية، لا مادة علمية دقيقة. ٢ - أن تكتب بعبارات سهلة، يدركها جمهور القراء. ٣ - أن تصاغ بأسلوب بسيط، حتى تُفهم من الجميع. ٤ - أن تكتب بخط كبير .. حتى يتسنى قراءتها من ضعيفي النظر. ٥ - أن توضع في كل مكان يرتاده الناس. وبهذا تكون ذات نفع عظيم، باتفاق الجميع.

стр. 372

المبحث الرابع الوسيلة الرابعة: الإذاعات: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أهميتها: من أهم الوسائل المحدثة في هذا العصر الإذاعات .. وإن كان لها أصل عند الأمم من قبل، فقد كانوا يرسلون من ينادي في المدن والقرى والأسواق، بما يأمر به السلطان، أو بما تريده القبيلة. غير أن وجودها بهذا الشكل المتطور، وبهذا الانتشار الواسع، مما لم يُسبَق إليه. والإذاعة لغة: من أذاع الخبر نشره وأفشاه. والإذاعة عرفاً: هي: محطات لبث الكلام عبر أجهزة لا سلكية إلى أجهزة استقبال لاسلكية في أي مكان كانت في حدود موجات الإرسال. ورغم ما أُحدث من وسائل إعلامية أكثر جاذبية، وأوسع انتشاراً، كادت تطغى عليها؛ كالفضائيات والشبكة، إلا أنه لم يزل للإذاعة أثر فاعل، وما زال لها مستمعون، كراكبي المواصلات، والعمال في مصانعهم، والبائعين في متاجرهم، والنساء في بيوتهن .. فهؤلاء وأمثالهم - في الغالب - لا يستطيعون أثناء أداء مهامهم استعمال وسيلة دعوية أخرى .. كالكتب أو الفضائيات وغيرها، ولكن يمكنهم - بكل سهولة - السماع إلى الإذاعة.

стр. 373

المطلب الثاني: الوضع الواقعي للإذاعات، وحكم المشاركة فيها: والإذاعة - من حيث الارتباط - إذاعتان: إذاعة رسمية .. وإذاعة أهلية (١). ومن حيث المنهج، فمنها؛ الرسمي، الذي يمثل سياسة الدولة، ومنها السياسي، ومنها التجاري، ومنها الديني، ومنها الخبيث المفسد. فأما المشاركة في الإذاعة الدينية والتجارية، فلا غبار عليها. وأما المشاركة في الإذاعات الرسمية والسياسية، فترجع المسألة إلى المصالح والمفاسد، فإن كان في هذه المشاركة مفاسد، من مداهنة، أو تغرير بالمستمعين، فلا يشارك فيها، فإن دفع المفاسد، مقدم على جلب المصالح (٢). وإن كانت في المشاركة مصالح، ولا يوجد مفاسد، أو كانت المفاسد قليلة لا تذكر أمام المصالح، فلا بأس بالمشاركة فيها. وأما المشاركة في الإذاعات الخبيثة، التي تنشر الفساد، وتحارب الشرع، فلا ينبغي للدعاة المشاركة فيها، فإن في هذا تكثيراً لسواد المفسدين، وتغريراً بكثير من المستمعين. المطلب الثالث: ميزات الموضوعات الناجحة:

стр. 374

من الحكمة بمكان؛ أن يتسم الطرح عبر وسائل الإعلام العامة كالإذاعات والفضائيات، والصحف، بما يلي: أولاً: أن تطرح الموضوعات العامة، التي تخص الأمة، وتشغل بالها، وتعالج الأدواء التي تعاني منها، من جهل وضعف في الإيمان. ثانياً: تُجنب الموضوعات الفرعية، والتي هي من شأن الخاصة، كدقائق العقيدة، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، وبعض علوم الآلة، أو التي تفرق الأمة بغير حق، أو تحدث الفتن العلمية، أو الواقعية. وأما ما يطرح عبر بعض الإذاعات من موضوعات العقيدة الفرعية والمعقدة لدى العامة، مثل بحث هل (الاسم هو المسمى)، وخلاف العلماء في (تفاوت المعرفة)، وما شابه ذلك، مما لا يفهمه عموم الناس، ولا يهمهم ذلك، ولا يلزمهم، فليس بمناسب من حيث الأولويات. ثالثاً: على الداعية أن يراعي ما مر سابقاً، في باب حسن الأسلوب؛ من بساطة الطرح، وسهولة التعبير، ولو أدى ذلك إلى التكلم بلغة الناس العامية (الدارجة) عند الحاجة، وأن يبتعد عن الأسلوب ((الأرسطوي)) الفلسفي، والإلقائي الرتيب الممل، فإن ذلك لاينفع المستمعين. فإن من المستمعين؛ المرأةَ والرجلَ، والصغيرَ والكبيرَ، والعامي والمثقف، والحضري والبدوي. وأن لا يغفل عن ضرب الأمثلة المبينة، والقصص المعبرة، وما شابه ذلك مما ذكر في باب الأسلوب الحسن.

стр. 375

المبحث الخامس الوسيلة الخامسة: المحطات المرئية: (الرائي - الفضائيات) (١): وفيه ثلاثة مطالب: الأول: المقصود والأهمية: لعل المحطات المرئية المحلية منها، والفضائية العالمية، من أكثر وسائل الإعلام انتشاراً، ومن الناس إقبالاً، ولربما طغت على كثير من الوسائل الأخرى، لأن طبيعة الإنسان، يشدها الصوت والصورة مجتمعين، ولِما تتميز به من تنوع في الأداء، وثراء في المادة المقدمة، وجاذبية في العرض. والمقصود بالمحطات المرئية: أو (الرائي) هي: إذاعات تبث الصوت والصورة معاً. المطلب الثاني: حكم المشاركة فيها: وهي كالإذاعات في تقسيمها، وفي حكم المشاركة فيها. لكن التخلف عنها بدعوى حرمة التصوير، وما شابه ذلك غير صحيح، وقد تراجع كثير ممن كانوا يرون ذلك (٢). فإن التصوير - وإن كان محرماً - فإن تحريمه لسد الذريعة، وما كان كذلك يباح عند تحقق المصلحة الراجحة، كما سبق بيانه.

стр. 376

ولا شك؛ أن المصلحة في الدعوة إلى الله عبر هذه القنوات مصلحة راجحة ومحققة .. فضلاً عن أن التخلف عن المشاركة في هذا الإعلام الهائل، يشكل فراغاً دعوياً كبيراً، يستغله بعض الضالين والمفسدين. المطلب الثالث: ايجابياتها و سلبياتها: إيجابياتها: - الكم الهائل من المشاهدين والمستمعين. - الانتشار الكبير للكلمة بين الناس، ووصولها إلى بيوتهم، وأسواقهم .. وحتى إلى نزههم. - سد فراغ كثير من الناس، وإشغالهم بما ينفعهم عما لا ينفعهم أو يضرهم. سلبياتها: - وجود المخالفات الشرعية أو الفساد في معظمها، مما يخشى على المرء في كثير من الأحيان؛ الانزلاق فيها. - تغرير الناس بخروج الدعاة في بعضها، مما قد يجعل ذلك مسوغًا عند العامة لمشاهدتها. - خروج من ليس أهلاً للتبليغ والدعوة مما يضل الناس، فإن في كثير من الأحايين، تتحكم في خروج الداعية في هذه الوسائل عوامل مختلفة.

стр. 377

المبحث السادس الوسيلة السادسة: الصحف والمجلات: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أهميتها: من نافلة القول؛ أن نذكر ما للصحف والمجلات من أثر كبير في الإعلام المعاصر. وإذا كان للدعاة أثر في إنشاء كثير من المجلات، فإن جهدهم في إنشاء الصحف ما يزال ضعيفاً، بل يكاد أن يكون معدوماً، أمام الكم الهائل من الصحف الأخرى. ولا شك؛ أن إنشاء الصحف، لا يتأتى من جهد فرد أو فردين، بل يحتاج إلى مؤسسات دعوية تتبناه، لما يحتاج من إنفاق، وجهد فني وعلمي كبيرين. المطلب الثاني: حكم المشاركة فيها واقتنائها: ما يقال: في أنواع الإذاعات، وحكم المشاركة فيها، يقال عن الصحف والمجلات، لتشابه علل الحكم بينهما، فتشابهت الأحكام. والمشكلة تكمن في مثل هذه الوسائل: أن معظمها غير متميز، فهي ليست ككتاب: يقال فيه: يقرأ ... أو لا يقرأ، فقد اختلط فيها الفساد بالصلاح، فصعب التمييز، فأشكل الحكم.

стр. 378

والأحوط للمسلم أن يتجنب مثل هذه الوسائل التي فيها فساد، عملاً بقاعدة: (ومن حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه) (١)، وقاعدة: (دفع المفاسد، مقدم على جلب المصالح) (٢). المطلب الثالث: فوائدها وسلبياتها: أما الفوائد: فهي تتفق مع وسيلة الكتيبات والنشرات في الفوائد. وأما سلبياتها فهي: - احتواؤها على الغث والسمين، مما يصعب التمييز بينهما لدى عامة المسلمين. - احتمال انزلاق القارئ في مقالات فاسدة، تؤثر على دينه. وليس بمُبالغ من قال: إن معظم الفساد في الأخلاق، والانحراف في الأفكار، كان من وسائل الإعلام على اختلاف تنوعها، فانظر كم جلبت هذه الصرخة الإعلامية من فساد خلقي وانحراف فكري، إذ لم تكن هناك أفكار دخلية بين المسلمين، ولا كان فساد في الأخلاق بهذا الكم منتشر، لذلك بات من الضروري جداً مضاهات وسائل الإعلام هذه بوسائل نافعة.

стр. 379

المبحث السابع الوسيلة السابعة: الدروس والمحاضرات والندوات: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأهمية والتعريف: معظم هذه الوسائل ليست جديدة في المجال الدعوي، وإنما الجديد فيها الترتيب والتخطيط، والقدرة على التبليغ. فالدروس: لها طابع معروف، وهي: مادة علمية مخصوصة، يلقيها شيخ معين بالتتابع، في وقت ومكان محددين. وأما المحاضرة: فهي وسيلة من الوسائل الدعوية، ذات طابع خاص. وهي: إلقاء موضوع معين، لداعية معين، مرة واحدة، في وقت ومكان محددين، ويتم ذلك بالتعاون بين المحاضر - أو المحاضرين في حال الندوة - من جهة، وبين المسئولين الذين رغبوا بالمحاضرة أو الندوة من جهة أخرى. وتكمن أهمية هذه الوسيلة في اهتمامها بالتعليم، بل لعلها الوسيلة الأساس في تدارس العلم وتناقله .. كما تكمن أهمية المحاضرة في التركيز على جانب علمي، أو دعوي معين، مما يكون له أثر علمي ودعوي عظيم.

стр. 380

المطلب الثاني: مزايا الدروس وسلبياتها: من أهم ميزات الدروس: أنها تمنح طالب العلم الملتزم بها حصيلة علمية متينة، ومادة فقهية وفيرة، وسيراً على خطى صحيحة في مضمار طلب العلم. إذ تهبه الدروس أدباً وهيبة، واتزاناً في التفكير .. أما السلبيات: فيؤخذ على بعض الدروس: - جمود الأسلوب. - عدم فتح باب المحاورة، مما لا يعطي قدرة للطالب على الفهم المطلوب، أو على إزالة الشبه العالقة. - ضعف التأصيل العلمي، حيث يُشغل الطالب بالحواشي والحفظ بعيداً عن العلم الحقيقي من الكتاب والسنة، فترى الطلبة لا يقدرون على استنباط الأحكام .. بل لا يستطيعون الترجيح بين الأقوال. - تطبيع التلاميذ على التقليد مما يعطل التفكير عندهم، ويحجر آلة الاجتهاد، فيخرج بعض الطلبة وهم لا يعرفون تفسير آيات الأحكام، ولا أحاديثها. - ضعف العملية التربوية .. إذ الاهتمام ينصب على حشو المعلومات. - عدم الاهتمام بالجانب الدعوي تأصيلاً، وعدم تدريب الطلبة على تطبيقه.

стр. 381

المطلب الثالث: من ميزات المحاضرة وسلبياتها: تتميز المحاضرة بما يلي: عرض موضوع واحد، وبأسلوب علمي مقنع، يتدرج فيها المحاضر، فيلقي فيها أفكاره ويؤيدها، ويتعرض للأفكار المخالفة ويفندها، وغالباً ما تكون موجهة لمستوى معلوم من الناس، ويعقبها أسئلة ومناقشة .. كل ذلك يدفع المستمع (المدعو) إلى استجماع أفكاره، وخروجه بنتيجة مثمرة. وأما الندوة: فهي كالمحاضرة؛ إنما تزيد الندوة عن المحاضرة ميزة مشاركة أكثر من محاضر في وقت واحد، في الموضوع نفسه، مما يثري المدعوين كثافة في المعلومات، وذلك لتنوع الأفكار، وتفاوت الطرح من المشاركين. وقد شارك الدعاة في هذه الوسيلة في مضمار الدعوة مشاركة فعالة، واستطاعوا أن يغطوا معظم القضايا الدعوية. وقد وقعت سلبيات في هذه الوسيلة من أهمها: - خروج بعضهم عن الإطار الدعوي إلى الاستغراق في قضايا غير دعوية.

стр. 382

- انطلاق بعضهم انطلاقة حزبية ضيقة، عكس آثاراً سلبية على الدعوة، وقلل من عدد المحاضرات والحضور في كثير من البقاع. - كما لا يزال العامة بمنأى عن اهتمام الدعاة بهم، وعما يجذبهم، فمعظم المحاضرات كانت تخص شباب الصحوة، ومثقفيها إلا قليلاً قليلاً.

стр. 383

المبحث الثامن الوسيلة الثامنة: المؤتمرات: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأهمية والتعريف: المؤتمرات هي: مجموعة محاضرات مكثفة، ذات موضوع مترابط، تلقى في وقت محدد، لا يتجاوز في الغالب أياماً معدودة، وفيها يتبادل المحاضرون وجهات النظر حول الموضوع المطروح. وقد كثرت هذه الوسيلة الدعوية في الآونة الأخيرة، وعليها إقبال كبير من الشباب والمثقفين. وقد كان لكثير من هذه المؤتمرات أثر دعوي واجتماعي بين المسلمين، وبخاصة تلك التي تُعقد في ديار الغرب (١).

стр. 384

المطلب الثاني: الإيجابيات: الأولى: تبادل وجهات النظر، والتعاون الفكري بين المسلمين بعامة، وبين المحاضرين بخاصة. الثانية: أثر هذه المحاضرات دعوياً وعلمياً على المدعوين، وغيرهم فيما بعد. الثالثة: الأثر الروحاني والاجتماعي الذي يعيشه المسلمون الحاضرون أثناء المؤتمر، وبعده. الرابعة: التعارف بين المسلمين في أفكارهم، وأشخاصهم. الخامسة: الظهور بمظهر القوة للإسلام والمسلمين. ففي هذه المؤتمرات يستشعر المسلمون وغيرهم، بقوة الإسلام، وبخاصة العلمية منها .. وبإقبال الناس عليه، في الوقت الذي يُدبر الناس عن أديانهم. السادسة: الخروج بحلولٍ لكثيرٍ من قضايا الإسلام العالقة، أو التفكير في حلها. السابعة: إنقاذ كثير من المسلمين دينياً واجتماعياً، مما حل بهم من الضياع والفساد، وبخاصة في ديار الغرب.

стр. 385

المطلب الثالث: السلبيات: - قلة المادة العلمية التي تعرض فيها، وما يترتب على ذلك من ضعف في التأصيل، والمنهج. - عدم التركيز على القضايا العملية، مما يجعل المؤتمرات نظرية، وبخاصة في الجانب الدعوي. - عدم الالتزام في كثير من الأحايين بمقررات المؤتمرات، مما يجعلها حبراً على ورق. - عدم ضبط ما يلقى فيها بما يوافق الدليل من الكتاب والسنة، مما يسبب تناقضات في المطروح، واضطرابات لدى المدعوين، وانحرافات منهجية خطيرة في صفوف الصحوة المرتبطة بها. - الاهتمام البالغ في الشكليات، مما يؤدي إلى الإسراف، وعدم ظهور الدعاة بمظهر التواضع، مما يثير مشاعر الفقراء وغيرهم بذلك. -نحوُ كثير من المؤتمرات منحاً سياسياً بحتاً، وغلبة التحليلات الواقعية عليها. تتبع الأحداث بعيداً عن مضامين الشرع، ومنهج الكتاب والسنة، وانطلاق بعضها انطلاقات حزبية، مما يعطل شموليتها، ويحجر واسعها، ويقطع في كثير من الأحيان سيرها.

стр. 386

المبحث التاسع الوسيلة التاسعة: الدورات العلمية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأهمية والتعريف: الدورات العلمية هي: مجموعة دروس متنوعة مكثفة، تعقد في وقت محدود، قد يطول أو يقصر، حسب الخطة الموضوعة لذلك. ويخرج المدعو (الطالب) منها بحصيلة علمية جيدة. ولقد بدأت هذه الوسيلة الدعوية تتنامى في الأيام الأخيرة، وتثمر ثمرات طيبة، وعليها إقبال كبير، وتظهر أهميتها في إيجابياتها. المطلب الثاني: ميزاتها: الأولى: خروج طالب العلم بحصيلة علمية جيدة في كثير من العلوم، في وقت قصير. الثانية: إشغال وقت الشباب، وبخاصة أوقات العطل. الثالثة: تنوع التلقي من مصادر متفاوتة. الرابعة: تسهيل طلب العلم، لمن لا يتيسر له عبر المؤسسات العلمية الرسمية؛ كالجامعات وغيرها. المطلب الثالث: سلبياتها: يؤخذ على هذه الدورات السلبيات التالية:

стр. 387

الأولى: عدم تعرضها للقضايا المنهجية .. الأمر الذي دفع الشباب لأخذها في كثير من الأحيان من مصادر غير سليمة. الثانية: عدم اهتمامها بالجانب التأصيلي، الذي أشرنا إليه في التمهيد، إذ تكون معظم الدروس فيها في التمثيل وتكون حيناً في الحواشي. الثالثة: تقصيرها في الجانب التطبيقي؛ من تدريب على إنزال الأحكام على الوقائع، أو إيجاد أحكام للأحداث. الرابعة: إغفالها الطرح الدعوي، من منهجية الدعوة، وطرقها، وأساليبها. مما جعل الطلاب يخرجون بحصيلة علمية جيدة من حيث الحفظ، ضعيفة من حيث التأهيل للفهم والاجتهاد والدعوة، وضعف كبير في المنهج، لذلك تأخذ بهم الرياح يمنة ويسرة. ومع ذلك؛ فإن زيادة هذه الدورات وتكثيرها وتكميلها مطلوبة، لما فيها من خير عظيم، ونفع كبير.

стр. 388

المبحث العاشر الوسيلة العاشرة: الأشرطة السمعية والمرئية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأهمية: إن لكل وسيلة من هذه الوسائل المذكورةِ مهمةً تؤديها، وثغرةً تسدها. وإن للأشرطة السمعية دوراً كبيراً لا ينكر، وللمرئية مهمة عظيمة لا تجحد. فهي: علم متحرك، وعلماء جوالون، ودعاة متنقلون، مع كل طالب علم، وراغب هداية، حسب رغبته. المطلب الثاني: الإيجابيات: الأولى: ملء فراغ كثير من الناس، منهم: ركاب المواصلات، والنساء في بيوتهن، والعمال في مصانعهم، والموظفون في مكاتبهم، والمنتظرون في أماكن انتظارهم. الثانية: إمكانية اختيار المادة المحبوبة لدى كل فرد. الثالثة: سهولة اصطحاب هذا العلم في السفر والحضر، والركوب، والجلوس، وفي البر والبحر، وداخل البيت وخارجه، وإمكانية السماع منفردين أو مجتمعين. الرابعة: سهولة اقتناء أجهزتها ومادتها، فقد أصبحت آلات التسجيل والمنظور (الفيديو) بأثمان يمكن لقطاع كبير من الناس اقتناؤها.

стр. 389

الخامسة: إمكانية عقد مجالس علمية ودعوية في كل مكان، بالاستماع إليها، أو مشاهدتها. إذ يمكن لرب الأسرة عقد جلسة مع أسرته، أو المدرس مع تلاميذه، والمدير مع عماله؛ والاستماع إلى إحدى المحاضرات والتعليق عليها، ومداولة الرأي، وتدريب المدعوين على إبداء الرأي، والتناصح في العلم، واستخراج الفوائد، وما شابه ذلك. وذلك لما فيها من خاصية الاختيار والتحكم. ولأجل هذه الميزات، فقد شاركت هذه الوسيلة مشاركة فعالة ورئيسة في موكب الدعوة إلى الله. المطلب الثالث: السلبيات: الأولى: ما تزال كلفتها المادية تعيق انتشارها في كثير من البلدان الفقيرة. ويمكن معالجة هذه السلبية، بتشجيع المحسنين على التبرع بكلفتها، لتوزيعها في تلك البلاد. الثانية: انفلات حبلها، إذ يمكن لكل من هب ودب أن يلقي ما يريد .. مما جعل كثيراً من الدخن يخرج من خلالها. وهذا أمر من الصعوبة بمكان ضبطه، إلا عن طريق التأصيل الشرعي، والوعي الديني، الذي يجب أن يتسلح به كل مسلم. الثالثة: الاستغناء بها عن حضور دروس العلماء، ومجالس العلم، مما يضعف التربية، ويوحي بالتعالم في غياب المربي.

стр. 390

المبحث الحادي عشر الوسيلة الحادية عشرة: اللوحات المعلقة: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التعريف والأهمية: المقصود باللوحة المعلقة؛ كل لوحة معلقة يكتب عليها ما يذكّر الناس .. وتعلق لأجل ذلك. وهي نوعان: مطلقة، وخاصة. أما المطلقة: فهي التي يكتب عليها موعظة عامة، تصلح لكل زمان، ومكان، ومناسبة .. ككتابة آية، أو حديث، أو تذكير بذكر، أو بعمل صالح. وتعلق في المساجد، وعلى جوانب الطرق، وفي البيوت، والدوائر الرسمية، والمؤسسات الأهلية. وأما الخاصة فهي: التي توضع لحدث معين، أو للتذكير بأمر محدد، أو بموسم مخصوص، كوفاة امرئ، أو موسم حج، أو دخول عشر ذي الحجة، وما شابه ذلك. فتكون - والحال هذه - موجهة لأناس مخصوصين، أو لتصرف محدد، كالتذكير بالصبر عند المصيبة، أو الرد بالتي هي أحسن عند الإساءة في الحج، وما شابه ذلك. ولهذه الوسيلة فوائد جمة تظهر في إيجابياتها التي ستذكر.
следующие страницы →