← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وامتنع ﷺ عن تحقيق مصلحة بناء الكعبة على أسس إبراهيم، خشية وقوع مفسدة الفتنة بين الناس وهي أكبر (١). إن تحلي الداعية بهذا الفقه العظيم، يجعله يحصّل في دعوته مصالح عظيمة، ويدفع مفاسد كثيرة. ويندرج تحت فقه هذا الباب: فقه بعض القواعد: • درء المفاسد أولى من جلب المصالح أو المنافع (٢) • "عند تعارض مصلحتين يعمل بأعلاهما وإن فات أدناهما" (٣). • "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما" (٤)، وهو ما يعبر عنه بعض الفقهاء بقولهم: "يختار أهون الشرين أو أخف الضررين". (٥) وللعلماء تقسيمات بديعة، وتفصيلات مفيدة في هذا الباب، ليس هاهنا محل ذلك، ولكن نذكر بعضها باختصار: قال ابن القيم: ((لإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثاني: أن يقل وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

стр. 37

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه)). (١) ومعرفة هذه الأحكام تقي من مفاسد كثيرة. المطلب الخامس: فقه الشعب والمقامات: من المعلوم؛ أن في الإسلام شعباً، ولكل شعبة مقام. فثمة: مقام الولاية .. ومقام القضاء .. ومقام الجهاد .. ومقام الدعوة .. ومقامات أخرى، والمقصود بفقه المقامات: أن لكل شعبة من هذه الشعب، أحكاماً خاصة بها، ومواقف يجب على المسلم الالتزام بها، فموقف ولي الأمر في معالجة القضايا ليس كموقف القاضي، الذي يمثُل أمامه المذنب، وليس كموقف الداعية وهو ينصح المذنبين. وموقف المسلم مع الذمي (المعاهد) غير موقفه مع العدو الصائل. وموقف المسلم مع الكافرين في الجهاد، غير موقفه معهم في الدعوة. فإن اعتدى على المسلمين عدو ردوا عليه بالقوة، وإذا أُوذي المسلمُ نفسُه من الكافر نفسِه -وهو في مقام الدعوة- كان موقفه مغايراً تماماً لموقفه وهو في حال الجهاد .. إذ يجب على المسلم وهو في مقام الدعوة الصبر، والاحتساب، وكف اليد، أي: عدم الرد بتاتاً إلا بالقول الحسن والحكمة. وهكذا تتفاوت الأحكام بتفاوت المقامات. وقديماً قيل: لكل مقام مقال .. وهاهنا يمكن أن يقال: لكل مقامٍ حُكْمٌ وموقف.

стр. 38

وإذا عُلم فقه المقامات، عُلم فقه كثيرٍ من الآيات، الذي يظن من لا فقه عنده، أنها متعارضة أو منسوخة. فمن هذا الباب: صنف من الآيات تأمر بالصبر والعفو. كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ ... لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون] وقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾. الآية [الشورى: ٤٣] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوَا أَيْدِيَكُمْ .. ﴾. الآية [النساء: ٧٧] ومن ذلك؛ صنف من الآيات تأمر بالقتال والرد بالمثل. كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ١٩٠] وقوله تعالى: ﴿الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤] فإذا لم تُفهم هذه النصوص على ضوء فقه المقامات، ظنَّها ضعيف العلم، قليل الفقه: أنها متعارضة أشد التعارض، وإذا لم تصنف هذه النصوص على مقاماتها، وقع المسلمون في أشد التناقض، وفوتوا مصالح كثيرة، ووقعوا في مفاسد عظيمة. وإذا توفر فقه المقامات عُلم؛ أن أحكام الآيات الثلاث الأُوَل (الصنف الأول) -التي أمرت بالعفو والصفح- تكون في مقام الدعوة،

стр. 39

وعندما يكون المسلمون بين أظهر الكافرين في حال السلم، وأن أحكام الآيتين الأخيرتين تكون بعد التمكين في حال الجهاد. وفي حال غياب -فقه المقامات هذا- عند الدعاة والناشئة، سيسقطون في حمئة التناقض، ووضع الأحكام في غير محلها، وتنفير الناس من الدين .. إذا ما استعمل العنف في مقام الدعوة، ونصب الداعية نفسه قاضياً صارماً، بدل أن يكون داعية رحيماً، فيصدر على الناس الأحكام، ويقسم عليهم الضلالة والهداية. بل ربما سفك الدم الحرام، وكشف الستر المصون، وجر على المسلمين أذى كثيرًا ومصائب لا يعلمها إلا الله، وهو يستشهد بتلك النصوص ويضعها في غير مقامها، وهو يحسب أنه يحسن فقهًا، ويجيد دعوة، أو يحيي جهاداً .. ويقيم دولة ..

стр. 40

المبحث الرابع حاجتنا إلى التربية: ليست التربية فرعاً من فروع الدين، أو مسألة من مسائل الفقه، ولا هي علماً نافلاً .. أو قضية هامشية فحسب. بل إن التربية ركيزة مهمة في بناء المسلم بعامة والداعية بخاصة. فما هي هذه التربية وما هي مهمتها ؟ التربية - بتعريف مبسط - هي: تدريب الناشئة في الدين -صَغُرَ في السن أو كبر- على القيام بالأحكام، والتكيُّف مع الواقع بصورة صحيحة، لاتخاذ مواقف سلمية فيما بعد. ولهذا فالتربية لا تتم بموعظة تُلقى .. أو خطبة جمعة تسمع .. ولا هي تتحقق بكتاب يُؤلف .. أو بحث يُقرأ .. ولا بدرس يُحضر .. أو بمحاضرة تُلقى فحسب .. إن عملية التربية أعمق معنى، وأوسع مدى من هذا كله. وإنه لمن الخطأ الواضح؛ أن نظن: أن التعلم يغني عن التربية، وأن مجرد حشو أذهان الطلاب من الناشئة بالمعلومات، وتكديس صدورهم بالحفظ، مُغنٍ لنا عن التربية. إنها جهد متواصل، وتدريب دؤوب، ومتابعة مستمرة للمتربين .. فلا تُحقق إلا بممارسةٍ عمليةٍ، وإشراف مباشرٍ على المتربيين. ولذلك لم يرسل الله رسُلاً من الملائكة ليس من طباعهم معاشرة الناس، بل أرسل الله الأنبياء والرسل بشراً من جنسهم، يعايشون الناس، حتى يتمكنوا من تعليم المدعوين، وتزكية العباد، وممارسة

стр. 41

العملية التربوية بين أظهرهم، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِى إِلَيْهِمْ .. ﴾ الآية [الأنبياء: ٧] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً .. ﴾ الآية [الأنعام: ٩] وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ .. ﴾ الآية [إبراهيم: ٤] وذلك لأجل الاختلاط بهم، ومتابعة تصرفاتهم، ولتصحيح ما كان منها خطأ، وإقرار ما كان منها صواباً ﴿رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ ... ﴾ الآية [البقرة: ١٢٩] فالتزكية - التي تعني في عُرفنا التربية -: هي تطهير القلوب، وتسديد الأقوال، وإصلاح الأعمال، وتدريب المدعوين على ذلك عملياً. وكذلك لم يكتف الله تعالى لهداية الناس بإنزال الكتب، إذ كان الله قادرًا على أن يُنّزَل في كل بيت صحفاً تتلى، أو كتاباً بالصوت ينطق .. وأن يريح الأنبياء من العناء، والرسل من الابتلاء، ولكن العملية التربوية إذ ذاك لن تحصل، لأن التربية لا تكون إلا بمرب يَتتبَّع، وبمدرب يُدرب، وبموجه يُصحح، وبأب يَحنُو، وبشيخ يَعطف، ولا تكون إلا في تجارب تُصوَّب أو تُخَطِّأ .. هكذا كانت حياة الأنبياء بين أقوامهم .. وبخاصة رسولنا الكريم محمد عليهم الصلاة والسلام جميعاً، كان يربي أصحابه بكل ما في هذه الكلمة من معنى، حتى أخرج الله على يده ﷺ جيلاً أصبح قدوة للعباد، ومنارات في البلاد ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]

стр. 42

إن مَثَل بعض الناشئة اليوم، كمثل رجل أراد أن يتعلم السباحة. فطالع لذلك الكتب الكثيرة، وحفظها غيباً، وقتلها فهماً، ووسعها هضماً .. ثم قال في نفسه: إن السباحة أصبحت أمرًا هينًا بعدما قرأتُ عنها ما قرأتُ .. وفهمتُ ما فهمت .. ، حتى إذا ما جاء اليم ألقى نفسه فيه، وهو واثق من نفسه، مستحضر لطريقتها، حافظ لقواعدها .. مستغنٍ عن المدرب، فغاب في جوف الماء ولم يعد. أو كمن أراد أن يتعلم قيادة مركبة، فقرأ لها وحفظ، وأتقن ذلك نظرياً، حتى إذا ما استلم مقود المركبة معتمداً على نفسه، مستغنياً عن المدرب، معتداً بتحضيره. فما كان منه إلا أن آذى العباد ونفسه وأهله. وهكذا كان من بعض ناشئة الصحوة في بعض بقاع المسلمين، حَضَروا دروساً .. أو سمعوا أشرطة .. أو قرؤوا كتباً .. ثم قاموا إلى الدعوة .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إلى الجهاد زعموا .. (١). ثم .. كان ما كان مما نحن نذكره .. فقل خيراً ولا تسأل عن الخبر. إن معظم مظاهر سوء تصرف بعض الناشئة، وبخاصة في مقام الدعوة إلى الله، مرجعه إلى فقدان التربية .. فحري بالعلماء، وجدير بالدعاة، أن يعطوا هذا الأمر حقه، كي نقي الناشئة شر الانحراف، والبلاد والعباد شر الفساد.

стр. 43

المبحث الخامس حاجتنا إلى الورع: هذا المَعْلم ليس بأقلَّ أهمية من المعالم الأخرى، فهو يصقل النفوس، ويُهذِّب التصرف، ويضبط اللسان، ويجعل المرء روياً متأنياً. وإن إهمال تربية الناشئة عليه، دفعها إلى سفك الدم الحرام، في الشهر الحرام، في البيت الحرام، وهي تظن أنها تحسن صنعا. وقد رُؤي بعض من فقد الورع، وقد قاطعوا آباءهم، وآذوا علماءهم، وانتهكوا أعراض إخوانهم، بل قتلوا إخوانهم، وهتكوا حرمة مساجدهم، بدعوى الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو أنهم مبتدعون، أو مخالفون في المنهج .. إلى غير ذلك من الدعاوى التي جرَّت فساداً، وأحدثت فتناً. لقد انقلبوا بسبب غياب هذا المعلم -الورع- إلى وحوش كاسرة، تنهش الأعراض، وتسلب الأموال، وتسفك الدماء .. وفي الوقت الذي أمرنا الله بدعوة الناس، ذهب بعض الدعاة إلى محاسبتهم، وإعلان الحكم وتنفيذه عليهم، حتى قام بعضهم مقام الله سبحانه في الحكم، يدخل من يشاء الجنة، ويدخل من يشاء النار. وإذ أمر الله دعوة الناس بالستر والنصح، إذا بهم يسلكون مسلك الكشف والفضح، ونشر عيوب العباد على رؤوس الأشهاد. ولقد رؤي من الناشئة وغيرهم، من يتصدى للفتوى في مسائل لو عرضت على الأئمة الكبار بل الصحابة، لترددوا فيها .. وقد أفتوا في

стр. 44

مسائل أحجم عنها الفحول، وحارت فيها العقول، وهي عندهم بديهة .. بل من لم يُفت بها استخفوا به، وبعلمه. وإن تعجب فاعجب مما فعله الخوارج، إذ تورعوا عن أكل تمرة ساقطة على الأرض، ولم يتورعوا عن قتل عبد الله بن خباب الصحابي المشهور، ولا عن قتل زوجته الحامل، (١) بل تقربوا إلى الله بقتل أفضل الخلق في زمانه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. وقال أبو أيوب لخارجي عندما أراد طعنه، أبشر يا عدو الله بالنار فقال الخارجي: "ستعلم أينا أولى بها صليا" (٢). فانظر إلى هذه الجرأة على الصحابة، وقذف الأحكام .. كل ذلك بسبب فقدان الورع. وما أجمل هذه القاعدة في هذا المقام: إذا حكمت حوكمت .. وإذا تورعت عوفيت. أي إذا حكمت على الناس، فستُسأل عن حكمك، وستحاكم بين يدي ربك، وأما إذا تورعت عن الحكم على الناس، والخوض في أعراضهم، عافاك الله من تحمل تبعة حسابهم، والحكم عليهم، وشتان بين من يُحاكم، وبين من يُعافى.

стр. 45

المبحث السادس حاجتنا إلى الواقعية: إن من أجمل ما اتصفَتْ به دعوة الإسلام وأعظمِه: الواقعية في التصور .. الواقعية في الطرح .. الواقعية في المعالجة .. الواقعية في التعبد. وكيف لا يكون ذلك، وقد أنزله مَنْ خلق الخلق، ويعلم حالهم وما يحتاجون إليه. قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. [الملك: ١٤] أي لا يأمر المخلوق إلا بما يناسبه، وبما يناسب واقعه، لما يعلم من طبيعته. وقال تعالى: ﴿لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا .. ﴾ الآية. [البقرة: ٢٨٦] والمقصود بالواقعية هاهنا: فهم الواقع على حقيقته، ومعالجة ذلك معالجة شرعية متوافقة مع كل ظرف، ومتجانسة مع كل حدث، ومتلائمة مع كل حال وواقع. والواقعية تعني كذلك: أن لا نكون خيالين في أذهاننا، حتى إذا ما نزلنا ساحة الواقع صُدمنا .. ثم فشلنا. إن بعض الدعاة يريد كمالاً في الإيمان .. فلا أحد يعصي .. كمالاً في التعبد .. فلا أحد يُقصِّر .. كمالاً في الفهم .. فلا خلاف في الاجتهاد .. كمالاً في الأخلاق .. فلا أحد يخطئ. (١)

стр. 46

إن مثل الذين يطلبون المثالية بعيدين عن الواقعية، كمثل من يطلب زوجة مثالية في جمالها، مثالية في أخلاقها، مثالية في تصرفاتها، مثالية في ثقافتها .. إنه سيبقى أبد الدهر عازباً. وإن تزوج فليُصدَمنَّ، فإما يصبرَنّ، وإما يطلقَنَّ .. وسيبقى في خيال وعذاب .. وقِصر .. وتقصير .. ، قصر نظر في رؤيته، وتقصير في عمله. إن عدم واقعية بعض دعاتنا، جرَّ عليهم وعلى المسلمين مشكلات كثيرةً، ومصائب جسيمة، وتقصيرًا في الأداء، ثم عجزًا وفشلاً في الدعوة إلى الله. إن الذي يظن أن يُحكم بعد أبي بكر وعمر ﵄ بمثلهما فلينتظر .. إنا معه منتظرون. وإن الذي يدعو قوماً يريد أن يكونوا كالصحابة في الإيمان والعمل .. لن يحصد إلا الخيبة والفشل. إن الذين يطلبون الكمال في الدعوة، كالمُنْبَتِّ لا أرضاً قطع، ولا ظهرًا أبقى. إن على الدعاة والناشئة، أن يدركوا أن البشر لن يكونوا ملائكة أبداً، وأنه من ظن أن العباد سيهتدون بموعظة أو موعظتين .. أو بترهيب أو ترهيبين .. فقد أبعد النُّجعة، وطلب المحال. إن من المعلوم في دين الله، أن الله لم يوجب الكمال على العباد، لا كمالاً في الإيمان، ولا كمالاً في العمل .. ولا في أي شيء آخر.

стр. 47

فعن أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم)). (١) وقد وُجد في الصحابة من وقع في الذنوب، وهم بشهادة القرآن خير أمة أخرجت للناس. وإذا كان بعض الأنبياء وقع في هفوة، كآدم ﵊، أفنطلب من أبنائه أن يكونوا معصومين؟ .. بل يقع منهم هفوات .. بل بليات. إن محاسبة الناس على التقصير عن الكمال، جر على المسلمين عبر تاريخهم ويلات كثيرة، ومصائب جسيمة .. من نقض البيعات، إلى اتهام العلماء، وتكفير الناس، بل وقتلهم .. وما واقعنا اليوم عن ذلك ببعيد. إن الانطلاق من تصور صحيح واقعي لأحوال الناس وظروفهم، ومعرفة صحيحة لما يريده الله منهم، يجعل المسلم بعامة، والداعية بخاصة موفقاً في خطابه، مُثمراً في دعوته. وليس ثمة مانع من أن يسعى الدعاة إلى طلب الكمال المشروع، والمعقول، ولكن عليهم أن يغضوا الطرف عن المحاسبة عن الكمال.

стр. 48

المبحث السابع حاجتنا إلى مخاطبة الناس بما يعقلون، وبما يحتاجون . يكفي في هذا المعْلَم حتى يتضح؛ أن نورد قوله تعالى ((لايكلف الله نفسا إلا وسعها)) قال المفسرون)) الوسع: الطاقة والقدرة)) (١) قلت: والسع يشمل: الوسع العقلي، والبدني، والعلمي، فلا تكليف لإنسان فوق أي وسع منحه الله إياه ومما يؤيد هذا المعنى؛ ما ورد عن إمامين كبيرين، يُهتدى بهديهما، ويُقتدى بآثارهما. النص الأول: لعلي ﵁ قال: ((حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله)) (٢). الثاني: لعبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة)) (٣). والمقصود من هذه الإلماحة: أن يُحدَّث الناسُ بما يعقلون .. ويدركون .. ويفهمون .. وبما يحتاجون إليه، وبما ينفعهم، وبما كلفوا به، وبما سيحاسبون عليه، وبما يقدرون على فعله.

стр. 49

ولقد كان من أعظم أسباب جهل الناس بدينهم، وانحرافهم عن صراطه المستقيم، مخاطبتهم بما لا يعقلون، وبما لايحتاجون. أو بعبارة أخرى: مخاطبتهم بما هو فوق مستواهم الإيماني، والعلمي، أو بما لا حاجة لهم به، فكانوا يخرجون من كثير من الدروس العلمية كما دخلوا .. لقد كانت كثير من دروس العلماء في التوحيد فلسفةً، وعلم كلام .. في (العرض والجوهر .. ) (والعدم والمعدوم) (والاسم والمسمى (١)) مما لا يفهم منه العامة شيئاً، بدل أن يلقنونهم التوحيد من مصدريه الأساسين الكتاب والسنة، لذلك انفض العامة عن دروس العلماء .. وأقبلوا على مواعظ الدعاة، وحكايات الوعاظ، مما أضعف الحصيلة العلمية عندهم .. ولا تسأل بعد ذلك عما يفعله الجاهل .. ؟ ؟ ! ! كما يجب على الداعية، أن يخاطب الناس بما ينفعهم، وبما يلبي حاجاتهم.

стр. 50

فلا ينبغي له أن يحدثهم بدقائق العقيدة، التي لم يوجبها الشرع، ولا بتفصيلات الفقه، وخلافات العلماء .. فهذا كله مما لا حاجة لهم فيه إلا نادراً. ولا ينبغي له أن يكثر عليهم من ذكر أعداء الله وما يمكرون، فإن في ذلك تخويفًا لهم، أو إشغالهم عن الأصل والأهم - وهو التعليم والتربية، وإزالة الجهل، وتقوية الإيمان -، ويصرفهم عن ما ينفعهم، ويشغلهم بما لا ينفعهم. فإن مِثْل هذا، لا يكون في مقام الدعوة، وإنما له مقام آخر. وليس من الدعوة في شيء، مخاطبة الناس بما لا يعنيهم، كالكلام عن مشكلات مشرقية في ديار مغربية، أو الكلام عن سلطان بعيد، لا تعني حاله المخاطبين من قريب أو بعيد. كما يجب أن يخاطب المدعوين بلغة يفهمونها، وأسلوب يعونه .. فعن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يُحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه)). (١) وعن أنس: ((كان رسول الله ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى تفهم عنه)). (٢) وأما ما يفعله بعض العلماء والدعاة بلغة عالية، وأسلوب معقد، حتى غدا أحدهم يكتب لأجل الكتابة، ويخطب لأجل الخطبة، سواء فهم القارئ أو السامع، أو لم يفهم.

стр. 51

حتى بدت بعض تعليمات الدين وكأنها طلاسم، لا يحل ألغازها إلا المتخصصون، ولا يدركها إلا العالمون، فليس هذا من الحكمة في شيء، بل ربما كان سبباً في صدود كثير من الناس عن قبول الدعوة وإعراضهم عنها (١).

стр. 52

المبحث الثامن حاجتنا إلى التواضع: إن حاجة العلماء والدعاة إلى التواضع أشد من حاجة غيرهم إليه، لما له من أثر إيجابي كبير في نفوس المدعوين. والمقصود بالتواضع: خفض الجناح، وقبول الحق ممن كان صغيراً أو كبيراً، صعلوكاً أو وجيهاً، صديقاً أو عدواً، واحترام كل الناس (١)، وعدم ازدرائهم للون أو نسب أو مهنة، وتذليل النفس للمؤمنين، ومخالطة الضعفاء والمساكين، والاستشعار بفضل الآخرين بكل شيء، والتقصير في كل شيء وهذا واجب على كل مسلم بعامة، وعلى العالم والداعية بخاصة. بل على العالم أو الداعية - فوق ذلك - أن يتنازل عن كثير من حقوقه، وأن يغض النظر عن كثير من تجاوزات المدعوين تجاهه، وأن يتحلى بالتواضع فعلاً، بكل ما في هذه الكلمة من معان شرعية، حتى يكون قريباً من الناس بخطابه، ومن المتربين بتوجيهه، ومن المدعوين بنفسه. إن على كثير من العلماء والدعاة؛ أن ينزلوا من بروجهم العاجية، ليجلسوا مع الناشئة، وأن يفتحوا أبوابهم، ليتحاوروا مع المتعلمين، وأن يوسعوا صدورهم، لمعرفة ما يدور في خلد المدعوين.

стр. 53

إن اعتزال العالم، وإغلاق بابه، والتكلم بلغة لا تُسمع، وبتعابير لا تفهم، له أثره الخطير على الناشئة، بل هو سبب من أسباب انحرافهم. فإن الناشئة إذا لم يُفرغوا ما في نفوسهم، ولم تُزل شبههم من صدورهم، ولم يجدوا من يأخذ بأيديهم، انعكس ذلك على تصوراتهم .. ثم على أفعالهم. ولعل من أسباب انحراف الناشئة وتطرفهم هو تلك الفجوة التي حصلت بين العلماء والناشئة بخاصة، وبينهم وبين الناس بعامة، لذا بات من الضروري المسارعة في سدها، ومعالجة ما نشأ عنها، ومن الدعاة من يرى أن علمه ومنزلته لا يسمحان له بزيارة الفقراء، ومجالسة الضعفاء .. وخفي على هذا الصنف أن هذا هو الكبر بعينه، وهو لا يشعر. كيف وقد عَلِمْنا ما كان من سيد الناس شرفاً ومنزلة ونسباً من تواضع جم، ومخالطته لمن لا يتوقع مخالطة ... فكان ﷺ مائدته بعد فتح مكة الخبز والخل (١)، .. وقبل دعوة امرأة يهودية (٢). وعاد غلاماً يهودياً (٣) .. وكان يجلس على الحصير حتى تؤثر في جنبه (٤)، وكان يجلس مع أصحاب الصفة، وكل هذا معروف لدى المسلمين جميعاً مما يغني عن سرد مراجعه.

стр. 54

فهل نحن معشر الدعاة مهما كنا على علم، ومهما بلغنا من منزلة .. هل نصل معشار علم النبي ﷺ ومنزلته؟ ، ومع ذلك كان يفعل ذلك سجية في نفسه، وطاعة لربه، ومحبة لإخوانه. فصلاة ربي وسلامه عليه ما دعا داع .. واهتدى مهتد .. وتواضع متواضع. وقبل مغادرة هذا المعلم لنذكر أنفسنا جميعاً بقوله ﷺ : ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (١) والله المستعان على ذلك. وفي آخر هذه الإلماحات أكرر أنه لم يُقصد بهذه الإلماحات التوسع فيها، وإنما أريد بها التنبيه كتمهيد للبحث. لذلك لم يتوسع بالاستدلال. وإلا فإن هذه الإلماحات تحتاج لمؤلف مستقل.

стр. 55

الفصل الثاني الدعوة إلى الله تعالى وفيه ستة مباحث: المبحث الأول تعريف الدعوة إلى الله: تطلق كلمة الدعوة لغة وعرفاً على عدة معان، وليس ها هنا محل تفصيل، وأما فيما يخص الدعوة إلى الله تعالى، فإنها تطلق على مقصدين: الأول: تطلق على الإسلام كله، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ ... ﴾ [الرعد: ١٤] فيقال دعوة الإيمان، ودعوة الإسلام، ودعوة الأنبياء، وهكذا .. ، ومن هذا المعنى ما ورد في دعاء الأذان ((اللهم رب هذه الدعوة التامة)) (١). أي دعوة التوحيد (٢)، ودعوة الإيمان. الثاني: تطلق على كل عمل يدعى فيه إلى الله: كالتدريس، والخطابة، والوعظ، والمحاضرات والمؤتمرات، والمناظرات والدفاع عن الإسلام، والرد على خصومه، والجهاد، وكل ما من شأنه إعلاء كلمة الإسلام.

стр. 56

المبحث الثاني أهميتها ومقامها في الإسلام: مقام الدعوة في الإسلام عظيم، بل هي أساس من أسس انتشارهِ، وركن من أركان قيامه. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [يوسف: ١٠٨] فلولا الدعوة إلى الله لما قام دين، ولا انتشر إسلام، ولولاها لما اهتدى عبد، ولما عَبدَ الله عابد .. ولما دعا الله داع. ﴿يَاأَيُّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ، وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ .. ﴾ الآية. [المائدة: ٦٧] فبالدعوة إلى الله تعالى: يُعبَد الله وحده، ويهتدي الناس، فيتعلمون أمور دينهم، من توحيد ربهم، وعبادته، وأحكامه من حلال وحرام، ويتعلمون حدود ما أنزل الله. وبالدعوة إلى الله تعالى: تستقيم معاملات الناس، من بيع وشراء، وعقود، ونكاح، وتصلح أحوالهم الاجتماعية والأسرية. وبالدعوة إلى الله تعالى: تتحسن أخلاق الناس، وتقل خلافاتهم، وتزول أحقادهم وضغائنهم، ويقل أذى بعضهم لبعض. وإذا ما قامت الدعوة على وجهها الصحيح، واستجاب الناس لها، تحقق للدعاة وللمدعوين سعادة الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَىَ دَارِ السّلامِ .. ﴾ الآية. [يونس: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَياقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النّجَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النّارِ .. ﴾ الآية. [غافر: ٤١]

стр. 57

وبالدعوة إلى الله تعم الرحمة بين العباد ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وبالدعوة إلى الله ينتشر الأمن، ويسود السلام، ويتحقق العدل بين الأنام. قال تعالى: ﴿الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوَا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِى ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ الآية. [النور: ٥٥] وإذا استجاب الناس للدعوة، وعملوا بالشريعة، حُفظت الأموال، وعصمت الدماء، وصينت الأعراض، فأمن الناس على أنفسهم، واطمأنوا على أموالهم وأعراضهم، وانتشر الخير، وانقطع الفساد. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] كل ذلك لا يتم إلا بالدعوة إلى الله ، لذلك كان للدعوة في الإسلام، الحُظوة الكبرى، والقِدْح المعلاّ، والفضل العظيم، وكانت وظيفة الأنبياء الأولى. قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا النّبِىّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً﴾. [الأحزاب: ٤٥]

стр. 58

فالدعوة إلى الله، شرف عظيم، ومقام رفيع، وإمامة للناس، وهداية للخلق، فضلاً عما ينتظر الداعين في الآخرة من أجر عظيم، ومقام كريم.

стр. 59

المبحث الثالث فضل الدعوة إلى الله تعالى: ولِما كان للدعوة من أهمية بالغة في دين الله، وأثر كبير في إصلاح البشرية، جعل الله لأصحابها شرفاً عظيماً، ومقاماً رفيعاً، وإمامة للناس في الدنيا. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] وفضلاً عن هذا كله، جعل الله لصاحبها أجراً عظيما، ومنزلة كبيرة، ومقاماً كريماً في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] فهذا النص يقرر: أن الدعوة إلى الله المقرونة بالعمل الصالح، من أجلِّ الأعمال، وأفضل العبادات، وهي شهادة لصاحبها: أنه من أحسن الناس ديناً، وأقومهم طريقا. وعدَّ الله من دعا إلى الخير والهدى من المفلحين، قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وأخبر رسول الله ﷺ ما للداعية من خير، فقال ﷺ لعلي ﵁ في حديث طويل -: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم". (١)

стр. 60

وحمر النعم: ((هي الإبل النفيسة)). (١) قال العسقلاني: ((قيل: المراد خير لَكَ مِنْ أن تكون لك فتتصدق بها، وقيل: تقتنيها وتملكها .. )). (٢) وقد أخبر رسول الله ﷺ ما للداعية من أجر عظيم، وثواب دائم، ونماء في أجره، وتعاظم في ثوابه، مادام أثر دعوته قائمًا، ونفعها جاريًا. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ... )) (٣) الحديث. فكل دعوة يقوم بها الداعي يؤجر عليها، وإن لم يستجب المدعوون، فإن استجاب المدعوون، كان للداعي أجر بكل عمل يقوم به المدعو، مهما كان عدد المدعوين، ولو بلغ ألوفاً مؤلفة، ودهوراً مديدة، ولا يُنقص ذلك من أجر المدعوين شيئا. فأي منزلة أعظم من هذا؟ ! ؟ وأي ثواب أكبر من هذا؟ ! ؟ وأي عمل أنفع من هذا .. ؟ ! ! إن مِثْل هذا الفضل العظيم قلما يوجد في أمر من أمور الإسلام، كما وجد في الدعوة إلى الله .

стр. 61

المبحث الرابع حكم الدعوة إلى الله تعالى: دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله - بمعناها العام - على كل مسلم ومسلمة، كل حسب وسعه. والوسع يشمل: الوسع العلمي، والمالي، والبدني، والقدرة على أداء الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: ﴿يَاأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ .. ﴾ الآية. [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ .. ﴾ الآية. [النحل: ١٢٥] وقال ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية .. )) الحديث. (١) وهذه الألفاظ (بلِّغ) (ادع) (بلِّغوا)، أوامر صريحة، وإطلاقات شاملة، والأصل في الأمر الوجوب، وفي الإطلاق الشمول. فهي توجب الدعوة على كل مسلم ومسلمة، كُلاً في حدود وسعه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فالدعوة إلى الله واجبة على كل من اتبعه (أي الرسول) وهم أمته، يدعون إلى الله كما دعا إلى الله)). (٢) ويتأكد هذا الوجوب على طائفة من الناس، أن تقوم بالدعوة إلى الله في كل مكان وتجمع، في المدينة، وفي الحي، وفي القرية، وفي الوزارة، وفي الشركة، وفي المؤسسة، وفي كل تجمع للمسلمين، يجب أن تقوم طائفة بتحمل أعباء الدعوة إلى الله، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ

стр. 62

لّيَتَفَقّهُوا فى الدّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَا إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. [التوبة: ١٢٢] وهذا القيام بأمر الدعوة، واجب على الكفاية، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ولكن قد تجب على عين إذا تعين عليها ذلك، كأن لا يقدر أحد غيره على تبليغ أمر ما، أولم يقم به أحد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تبين بهذا: أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم، لكنها فرض على الكفاية، وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه، إذا لم يقم به غيره) (١). والدعوة إلى الله لا تقتصر على صورة معينة، بل تتعدد صورها، وتتنوع سبلها. فمن عَلِم آيةً فبلغها، فقد دعا إلى الله، ومن حفظ حديثاً فنشره بين الناس، فقد دعا إلى الله. ومن رأى قوماً غافلين فذكَّرهم، فقد دعا إلى الله .. ومن رَبَّى أهله على الهدى، فقد أبلغ رسالة الله .. ، ومن نصح للناس، وعلمَّهم، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فقد دعا إلى الله .. ويزداد عظم المسؤولية، كلما ازداد علم المرء، وقدرته، ومنزلته بين الناس.

стр. 63

وكلما ازداد العلم، والدعوة، والمسؤولية، ازداد الأجر، وارتفع القدر، ونيلت الدرجات.

стр. 64

المبحث الخامس أهداف الدعوة إلى الله تعالى: إن للدعوة إلى الله تعالى أهدافاً سامية، وغايات نبيلة، ومن أهم هذه الأهداف والغايات: الأول: تعريف العباد بخالقهم، وحقِّه عليهم، وحقِّهم عليه . الإنسان بطبيعته فقير إلى غيره، وهو أفقر إلى خالقه منه إلى سواه، فإذا فقد الصلة بالله، وجهل خالقه وحقوقه، حصل في النفس البشرية ضياع، وأصبح فيها فراغ، وأُحدث فيها قلق لا تستقر معه النفس. والفرد عضو من هذه البشرية، فإذا عمّ هذا الأمر، اضطربت البشرية اضطراباً شديداً، فأكل الناس بعضهم بعضاً، وطحنت الأمم بعضها بعضا، وعاشت في فوضى لا تبقي ولا تذر، فلا أمان ولا سلام، ولا معيشة طيبة ولا اطمئنان ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ .. ﴾ الآية. [طه: ١٢٤] وأما إذا عرف العبد خالقه، وعلم مُراده، وعمل بذلك، استقرت النفس، واطمأن القلب، وحصلت الاستقامة في تصرف الأفراد. والفرد جزء من البشرية، فإذا عمّ هذا الأمر، استقرت البشرية، واطمأنت الخليقة، فتعاون الناس على البر والتقوى، بدل التعاون على الإثم والعدوان، فانتشر الأمان، وعم السلام، وعاش الناس في بُلَهنِيِّةٍ من العيش ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .. ﴾ الآية. [النحل: ٩٢]

стр. 65

وفوق هذه الحياة الطيبة في الدنيا، فإن للمستجيبين الحياة الأطيب، والسعادة الأكبر في الآخرة. هذا هو الهدف الأول والأسمى للدعوة إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة. وليس هدفها إفساد البلاد، وتقتيل العباد، والتشديد عليهم .. وما أراد الله من الخلق إلا أن يعرفوه، وأن يعرفوا حقوقه فيعبدوه، وأن يعلموا ما لهم من الأجر إذا هم فعلوا ذلك ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ .. ﴾ الآية. [الذاريات: ٥٦] ومعرفة الخالق لا تعني مجرد الإيمان بوجوده، بل لابد من العلم به وبحقوقه، والالتزام بما يريده في كتبه، وعلى ألسنة رسله، في طاعته فيما يأمر، والانتهاء عما ينهى عنه. وأن يؤمن بأن ثمة حساباً عن كل صغيرة وكبيرة، وكل قول وعمل، ثم الجزاء الأوفى، بما أعد الله للطائعين من كرامة وجنان، وما أعد للعاصين من خزي ونيران. وأما مجرد أن يقول المرء: آمنت بأن الله موجود، ولا يتبع الرسل، أو يؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولا يبالي بما يأمر الله به، ولا بما ينهى عنه، ولا يحسب ليوم الحساب حسابه، ولا يعد للجنة أسبابها. ولا يتجنب أعمال أهل النار وسبلها، فهذا إيمان لا ينفع، ودعوى لا تقبل. ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِي نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِيَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء: ١٣٦]

стр. 66

وقال تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً﴾. [النساء: ١٥٠ - ١٥١] الثاني: نشر الخير والصلاح، وقطع دابر الشر والفساد . بكل ما في كلمتي الخير والصلاح من معنى وعمل .. فإن الإسلام يأخذ به ويدعو إليه .. وبكل ما في كلمتي الشر والفساد من معنى وعمل .. فإن الإسلام يأباه ... وينهى عنه. قال تعالى: ﴿إِنّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَىَ .. ﴾ الآية. [النحل: ٩٠] وقال تعالى في وصف النبي ﷺ : ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ .. ﴾ الآية. [الأعراف: ١٥٧] فما من أمر في الإسلام - مهما ظن العبد أن فيه شراً - إلا وهو خير عظيم. وما من منهي عنه في الإسلام - مهما ظن العبد أن فيه خيراً - إلا وفيه شر كبير. قال تعالى: ﴿وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. [البقرة: ٢١٦]

стр. 67

الثالث: تعارف الشعوب، وتوحيد الأمم، ونشر السلام بينهم . إن من أعظم غايات الإسلام وأهدافه؛ تعارف هذه الشعوب المنتشرة على سطح المعمورة، وتقاربها ... وتوحيد هذه الأمم تحت راية واحدة -راية توحيد الخالق - وتفاهمها. ﴿يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَا .. ﴾ الآية. [الحجرات: ١٣] فإذا تعارفت الشعوب وتقاربت، وتوحدت الأمم وتفاهمت، على رب واحد، ودين واحد، وقبلة واحدة، وبالإيمان بالرسل جميعاً، وأصبح عامل تفاضلها تقوى الله، إذا حصل هذا، أصبح الناس جميعاً عباداً مؤمنين، وأخوة متحابين، فيزول ما بينهم من عداء، وينطفئ ما بينهم من نيران الحروب والبغضاء، فيعيشون وقتئذ بسلام، وينعمون بأمان.

стр. 68

المبحث السادس آثار الدعوة إلى الله تعالى: إن للدعوة إلى الله تعالى آثارًا عظيمة، وثماراً نافعة، تعم العباد .. وتنتشر في البلاد. والآثار هي الأهداف إن تحققت، ولذلك نجد اشتراكاً كبيراً بينهما وتوافقاً، وهذه الثمار نفسُها متداخلةُ المعاني فيما بينها، ومترابطةُ الأسباب، بل منها ما هو سبب للآخر، ومشاركٌ له في كثير من شُعبه، ويمكن إيجازها في ست: - إحقاق الحق .. ودحض الباطل. - انتشار العدل .. ورفع الظلم. - انتشار الصلاح .. وقطع دابر الفساد .. واتقاء النقمات الإلهية. - انتشار الخيرات .. ونزول البركات. - انتشار الإخاء والسلام .. والأمن بين الأنام. - سعادة العباد في الدارين. ونبين في هذا الفصل هذه الآثار، من غير تفصيل ممل، ولا إيجاز مخل، والله الهادي إلى سواء الصراط. الأثر الأول: إحقاق الحق، ودحض الباطل . إن أس الإسلام، ولبه، ومحوره: هو إحقاقُ الحق، أيًا كان، ومع من كان .. وإزهاق الباطل، أينما كان، ومع من كان .. دون النظر إلى

стр. 69

جوانب عاطفية، أو مصالح شخصية، أو قرابات نسبية، مهما كانت درجة هذه القرابة. بل إنَّ نصر الحق، ودحض الباطل، هو الأصل في الدعوة إلى الله، وهو المطلب الأساس. قال تعالى -حاكياً عن أهل الجنة قولهم بعد دخولهم الجنة-: ﴿لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبّنَا بِالْحَقّ ... ﴾.الآية [الأعراف: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ... ﴾. الآية [الكهف: ٢٩] والحق في الدعوة إلى الله، ليس محصوراً في صورة دون صورة، ولا موجهاً لطبقة دون طبقة، ولا يسير في منحنى دون آخر، بل الحق يشمل كل صور الحياة، وأحداث الواقع، وطبقات الناس، وجميع المنحنيات، فلا يُستثنى أحد من قول الحق، أو قبول الحق. كما يشمل جميع صور الاعتقاد، وأنواع العبادة، والأقوال والأفعال، وأنواع المعاملات والعادات في الميادين كلها. قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ ... ﴾ الآية [الرعد: ١٤] في كل صور الحياة. ولذلك خاطب الله البشرية جميعاً بذلك فقال: ﴿قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَنُ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ ... ﴾ الآية. [يونس: ١٠٨] وأوصانا رسول الله ﷺ بقول الحق في كل مقام، دون خوف من أحد، فقال ﵊:

стр. 70

((لا يمنعن أحدَكم مخافةُ الناس -وفي رواية هيبةُ الناس- أو بَشَرٍ، أن يتكلم بالحق، إذا علمه أو شهده أو سمعه)). (١) وجاءت النصوص مشددة على قول الحق في مقام الحكم بين الناس. ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ ... ﴾ الآية. [المائدة: ٤٨] ولما أراد أسامة بن زيد أن يشفع في المخزومية التي سرقت، غضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً، وقال له: ((أتشفع في حد من حدود الله))، ثم قال ﵊: ((إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (٢). ولا يخفى على عاقل ما في نصر الحق، ودحض الباطل من خير عميم للبلاد، ومصالح عظيمة للعباد، ولذلك سارعت تلك الأمم على اختلاف ألوانها .. وتنوع أصولها .. إلى الدخول في الإسلام. تاركةً الباطل الذي عشعش في عقائدهم، وتحكم في عباداتهم، وسيطر على عاداتهم، مجافيةً سلاطين السوء، وحكام الجور، الذين تحكموا فيهم على مدى قرون، هاجرةً دجاجلة من كهنة ورجال دين، أفسدوا عليهم دينهم، فظهر الحق مستعلياً على باطل الشرك، كعبادة غير الله، من سؤال

стр. 71

وسجود، ومبطلاً بدع التعبد السخيفة، كالرياضات المجوسية، من وقوف تحت الشمس أياماً تعبداً ... والامتناع عن النكاح والطعام، وغير ذلك من العبادات الباطلة، التي أبطلتها دعوة الحق. وماحياً عادات قبيحة، لا يقرها شرع، ولا يقبلها عقل، كمنع الطلاق .. ودفن الزوجة حية مع زوجها إذا مات قبلها .. وما قصة إلقاء الفتاة في نهر النيل كل سنة بمجهولة (١)، وما شابه هذه العادات الباطلة التي سخطها الإسلام، واستبدلها بالحق الناصع، والصراط المستقيم. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾. [الأنبياء: ١٨] وهكذا عاش المسلمون في الحق، وللحق، وبالحق. الأثر الثاني من آثار الدعوة إلى الله: انتشار العدل، ورفع الظلم . الظلم ظلمان: ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره. فأما ظلم العبد لنفسه، فهو الكفر بخالقه، وصرفُه عبادتَه لغير ربه، وادّعاءُ الولد والصاحبة لله، ووصفُ اللهِ تعالى بما لا يليق به، وإعراضُه عن دعوة الله، وعصيانه، وغيرُ ذلك من صور الظلم الكثيرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَىّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. [لقمان: ١٣] وقال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾. [البقرة: ٢٥٤]

стр. 72

ولذلك كان من أعظم آثار الدعوة إلى الله تعالى إزالة هذا الظلم القبيح، من اعتداء على حدود الله، في ذاته، وربوبيته، وألوهيته، وصفاته، حتى يصبح الناس عادلين في ربهم، طيبين في نفوسهم .. والظلم الآخر: ظلم العبد لغيره، وصور هذا الظلم كثيرةٌ لا تُحصى، ومختلفة لا تنضبط .. من إزهاق الأرواح، وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، ومنع الحقوق، واختلاس الأمن، وترويع العباد، وإهلاك الحرث، وإفساد النسل. حتى عد شرع الله أن أخذ الشيء اليسير من الإنسان، كالسواك ظلمًا يستحق صاحبه العذاب الأليم. قال ﷺ : ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة))، فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله؟ ، قال: ((وإن قضيباً من أراك)) (١). لأجل ذلك جاءت النصوص الكثيرة، والأحكام الصارمة في تحريم الظلم. قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. [طه: ١١١] وقال: ﴿وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾. [الفرقان: ١٩] وخاتمة هذه النصوص القرآنية تعلن اللعن من الله على الظالمين. قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾. [هود: ١٨] وقال ﷺ : ((الظلم ظلمات يوم القيامة)). (٢)

стр. 73

وفي الحديث القدسي الجميل يقول الله تعالى: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا ... )) (١) وإذا انتفى الظلم حل العدل، وهو مطلب من أعظم مطالب الدعوة إلى الله وأسماها. لأن حلولَ الظلم، مفسدةٌ للبلاد، ومهلكةٌ للعباد، وقهرٌ للنفوس، وتفتيتٌ للأكباد، واختلالٌ في الأمن. إن الظلم ليتعدى حدود المظلمة، ليصل إلى روح المظلوم، فيذيقها الويلات، ويسكن الظلم كبد المظلوم فيفتتها. فتحل بالمظلومين روح الانتقام، وتقوى فيهم طباع التشفي. لذلك لا يهدأ للمظلوم بال، ولا يقر له قرار حتى يأخذ حقه، ولا يستقر له حال، حتى يعيد كرامته، أو ينتقم لنفسه، فتنتشر الثارات فيفقد الناس - حينئذ - أمنهم، وتختل موازين مجتمعاتهم .. ولم يكتف الله سبحانه بالأمر بالعدل بل أمر بالإحسان، الذي هو أعلى من العدل مرتبة، وأسمى منه منزلة، فإن العدل؛ أن تعطي المرء حقه، والإحسان؛ أن تزيده على حقه إحساناً منك وتفضلاً. قال تعالى: ﴿إِنّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ... ﴾ الآية. [النحل: ٩٠] كما أحسن أبو بكر الصديق إلى ابن خالته مسطح، فأرجع إليه النفقة - بعدما أمسكها عنه عندما أشاع الفاحشة في ابنته أم المؤمنين

стр. 74

عائشة ﵂ في شأن قصة الافك-استجابة لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسّعَةِ أَن يُؤْتُوَا أُوْلِى الْقُرْبَىَ ... ﴾ الآية. [النور: ٢٢] (١). وأمر الله تعالى بالعدل بين الناس جميعاً بغض النظر عن انتماءاتهم وأصولهم وألوانهم. قال تعالى حاكياً عن نبيه: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ الآية. [الشورى: ١٥] وأمر الله بالعدل وقول الحق، دون النظر إلى قرابة، أو غنى، أو ما شابه ذلك، قال سبحانه: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ ... ﴾ الآية. [النساء: ١٣٥] وأمر الله بالعدل، ولو كان لصالح الأعداء. قال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُوا ... ﴾ الآية. [المائدة: ٨] وفوق هذا كله، عدّ الله العدل من التقوى، سواء كان مع قريب أو عدو. قال سبحانه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ .. ﴾ الآية. [المائدة: ٨] فأي دين أعظم من هذا؟ ! وأيةُ وصايا أسمى من هذه؟ ! إذ جعل العدل مع العدو عملاً صالحاً يقرب إلى الله.

стр. 75

ولا تسأل بعد حلول العدل في الناس عما يكون في نفوسهم من الطمأنينة في القلوب، والسكينة في النفوس، والإحساس بالمتعة العظيمة. فضلاً عما يكون بينهم من التآلف والتسامح، فإن العدل من أوثق روابط المجتمعات، وأقوى لبنات البناء فيما بين الناس، وفيما بينهم وبين حكامهم. ولا أدل على هذا؛ مما حصل في الفتوحات الإسلامية، من تدافع الشعوب نحو الإسلام، لما رأت من عدل الإسلام ما رأت .. فدفعها هذا إلى الدخول في الإسلام أفواجاً، إيماناً بالعقيدة الصحيحة، ورغبة بما في الإسلام من العدل، وتخلصاً مما كانوا فيه من الظلم .. فقِصَصُ ظلم حكامهم قبل الإسلام مشهورة، وقضايا أمراء المسلمين وقضاتهم في العدل ومع غير المسلمين، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصى، وقد ذكرها الكثير من علماء المسلمين في مواضع كثيرة (١). والمقام ليس مقام تفصيل، وذكر حكايات. الأثر الثالث من آثار الدعوة الى الله: نشر الصلاح والوقاية من الفساد، واتقاء النقمات . مما لا ريب فيه: أن من أعظم آثار الدعوة إلى الله نشر الإصلاح بين الناس، وكبح جماح الفساد في الأرض.
следующие страницы →