← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وسجود، ومبطلاً بدع التعبد السخيفة، كالرياضات المجوسية، من وقوف تحت الشمس أياماً تعبداً ... والامتناع عن النكاح والطعام، وغير ذلك من العبادات الباطلة، التي أبطلتها دعوة الحق. وماحياً عادات قبيحة، لا يقرها شرع، ولا يقبلها عقل، كمنع الطلاق .. ودفن الزوجة حية مع زوجها إذا مات قبلها .. وما قصة إلقاء الفتاة في نهر النيل كل سنة بمجهولة (١)، وما شابه هذه العادات الباطلة التي سخطها الإسلام، واستبدلها بالحق الناصع، والصراط المستقيم. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾. [الأنبياء: ١٨] وهكذا عاش المسلمون في الحق، وللحق، وبالحق. الأثر الثاني من آثار الدعوة إلى الله: انتشار العدل، ورفع الظلم . الظلم ظلمان: ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره. فأما ظلم العبد لنفسه، فهو الكفر بخالقه، وصرفُه عبادتَه لغير ربه، وادّعاءُ الولد والصاحبة لله، ووصفُ اللهِ تعالى بما لا يليق به، وإعراضُه عن دعوة الله، وعصيانه، وغيرُ ذلك من صور الظلم الكثيرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَىّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. [لقمان: ١٣] وقال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾. [البقرة: ٢٥٤]

стр. 72

ولذلك كان من أعظم آثار الدعوة إلى الله تعالى إزالة هذا الظلم القبيح، من اعتداء على حدود الله، في ذاته، وربوبيته، وألوهيته، وصفاته، حتى يصبح الناس عادلين في ربهم، طيبين في نفوسهم .. والظلم الآخر: ظلم العبد لغيره، وصور هذا الظلم كثيرةٌ لا تُحصى، ومختلفة لا تنضبط .. من إزهاق الأرواح، وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، ومنع الحقوق، واختلاس الأمن، وترويع العباد، وإهلاك الحرث، وإفساد النسل. حتى عد شرع الله أن أخذ الشيء اليسير من الإنسان، كالسواك ظلمًا يستحق صاحبه العذاب الأليم. قال ﷺ : ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة))، فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله؟ ، قال: ((وإن قضيباً من أراك)) (١). لأجل ذلك جاءت النصوص الكثيرة، والأحكام الصارمة في تحريم الظلم. قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. [طه: ١١١] وقال: ﴿وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾. [الفرقان: ١٩] وخاتمة هذه النصوص القرآنية تعلن اللعن من الله على الظالمين. قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾. [هود: ١٨] وقال ﷺ : ((الظلم ظلمات يوم القيامة)). (٢)

стр. 73

وفي الحديث القدسي الجميل يقول الله تعالى: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا ... )) (١) وإذا انتفى الظلم حل العدل، وهو مطلب من أعظم مطالب الدعوة إلى الله وأسماها. لأن حلولَ الظلم، مفسدةٌ للبلاد، ومهلكةٌ للعباد، وقهرٌ للنفوس، وتفتيتٌ للأكباد، واختلالٌ في الأمن. إن الظلم ليتعدى حدود المظلمة، ليصل إلى روح المظلوم، فيذيقها الويلات، ويسكن الظلم كبد المظلوم فيفتتها. فتحل بالمظلومين روح الانتقام، وتقوى فيهم طباع التشفي. لذلك لا يهدأ للمظلوم بال، ولا يقر له قرار حتى يأخذ حقه، ولا يستقر له حال، حتى يعيد كرامته، أو ينتقم لنفسه، فتنتشر الثارات فيفقد الناس - حينئذ - أمنهم، وتختل موازين مجتمعاتهم .. ولم يكتف الله سبحانه بالأمر بالعدل بل أمر بالإحسان، الذي هو أعلى من العدل مرتبة، وأسمى منه منزلة، فإن العدل؛ أن تعطي المرء حقه، والإحسان؛ أن تزيده على حقه إحساناً منك وتفضلاً. قال تعالى: ﴿إِنّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ... ﴾ الآية. [النحل: ٩٠] كما أحسن أبو بكر الصديق إلى ابن خالته مسطح، فأرجع إليه النفقة - بعدما أمسكها عنه عندما أشاع الفاحشة في ابنته أم المؤمنين

стр. 74

عائشة ﵂ في شأن قصة الافك-استجابة لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسّعَةِ أَن يُؤْتُوَا أُوْلِى الْقُرْبَىَ ... ﴾ الآية. [النور: ٢٢] (١). وأمر الله تعالى بالعدل بين الناس جميعاً بغض النظر عن انتماءاتهم وأصولهم وألوانهم. قال تعالى حاكياً عن نبيه: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ الآية. [الشورى: ١٥] وأمر الله بالعدل وقول الحق، دون النظر إلى قرابة، أو غنى، أو ما شابه ذلك، قال سبحانه: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ ... ﴾ الآية. [النساء: ١٣٥] وأمر الله بالعدل، ولو كان لصالح الأعداء. قال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُوا ... ﴾ الآية. [المائدة: ٨] وفوق هذا كله، عدّ الله العدل من التقوى، سواء كان مع قريب أو عدو. قال سبحانه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ .. ﴾ الآية. [المائدة: ٨] فأي دين أعظم من هذا؟ ! وأيةُ وصايا أسمى من هذه؟ ! إذ جعل العدل مع العدو عملاً صالحاً يقرب إلى الله.

стр. 75

ولا تسأل بعد حلول العدل في الناس عما يكون في نفوسهم من الطمأنينة في القلوب، والسكينة في النفوس، والإحساس بالمتعة العظيمة. فضلاً عما يكون بينهم من التآلف والتسامح، فإن العدل من أوثق روابط المجتمعات، وأقوى لبنات البناء فيما بين الناس، وفيما بينهم وبين حكامهم. ولا أدل على هذا؛ مما حصل في الفتوحات الإسلامية، من تدافع الشعوب نحو الإسلام، لما رأت من عدل الإسلام ما رأت .. فدفعها هذا إلى الدخول في الإسلام أفواجاً، إيماناً بالعقيدة الصحيحة، ورغبة بما في الإسلام من العدل، وتخلصاً مما كانوا فيه من الظلم .. فقِصَصُ ظلم حكامهم قبل الإسلام مشهورة، وقضايا أمراء المسلمين وقضاتهم في العدل ومع غير المسلمين، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصى، وقد ذكرها الكثير من علماء المسلمين في مواضع كثيرة (١). والمقام ليس مقام تفصيل، وذكر حكايات. الأثر الثالث من آثار الدعوة الى الله: نشر الصلاح والوقاية من الفساد، واتقاء النقمات . مما لا ريب فيه: أن من أعظم آثار الدعوة إلى الله نشر الإصلاح بين الناس، وكبح جماح الفساد في الأرض.

стр. 76

لذلك حث الإسلام على الصلاح والإصلاح عامة، ونهى عن الفساد والإفساد عامة. قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. [المؤمنون: ٥١] وقال سبحانه: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الآية. [الأعراف: ٥٦] وقال: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ .. ﴾ الآية. [القصص: ٧٧] وأعظم الله تعالى المواكبين لدعوتهم بالعمل الصالح، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنى مِنَ الْمُسْلِمِينَ .. ﴾ الآية. [فصلت: ٣٣] ورتب الله أجراً عظيماً على الإصلاح بين الناس، كلِّ الناس، دون النظر إلى أصولهم، أو أنسابهم، أو ألوانهم. قال سبحانه: ﴿لاّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ .. ﴾. [النساء: ١١٤] وجعل للصالحين إرث الأرض في الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وجعلهم ورثة الجنة في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوّأُ مِنَ الْجَنّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]

стр. 77

قال سبحانه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنّهُمْ مّنَ الصّالِحِينَ﴾. [الأنبياء: ٨٦] وقال سبحانه: ﴿إِنّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [التوبة: ١٢٠] وكره الله الفساد وأهله، فقال سبحانه: ﴿وَاللهُ لا يُحِبّ الفَسَادَ﴾. [البقرة: ٢٠٥] وقال: ﴿وَاللهُ لا يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ﴾. [المائدة: ٦٤] وطلباً للإصلاح، ودفعاً للإفساد، قرر الإسلام عقوبة صارمة لمن يبغي الفساد في الأرض، قال سبحانه: ﴿إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَا أَوْ يُصَلّبُوَا أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدّنْيَا وَلَهُمْ فِى الاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. [المائدة: ٣٣] ذلك لأن الفساد في الأرض، يجلب الظلم والقهر، ويدفع إلى الاغتصاب، ويضيع الحقوق، ويشيع الفوضى، فُيفقدُ الأمنُ، وتضطربُ المعايشُ. ويهلك الحرث والنسل، فلا يستقر للناس قرار، ولا يهدأ لهم حال، لذلك جاءت هذه العقوبة الصارمة للمفسدين، لكي يرتدعوا. والإعراض عن الدعوة، يجلب الفساد في الأرض كلها، وانتقام الله ، بشتى صور الانتقام .. من تسلط الظلمة، وانتشار الأوبئة، وقلة الخيرات، ومحق البركات، وارتفاع الأسعار، ونكد العيش، وتتابع المصائب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ﴾. الآية [طه: ١٢٤]

стр. 78

وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِى عَمِلُوا لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. [الروم: ٤١] قال ابن كثير: ((الفساد: يعني انقطاع المطر عن البر .. ثم قال: أي: بان النقص في الزروع والثمار، بسبب المعاصي، وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض، فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة)) (١). وتارة يكون انتقامُ الله مباشراً، بإنزال العذاب بالمفسدين في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوْتَادِ * الّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. [الفجر: ١٠ - ١٤] أي: إن الله لبالمرصاد لغيرهم من أمثالهم، قال القرطبي: ((أي يرصد عمل كل إنسان، حتى يجازيه به، قاله الحسن وعكرمة)) (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مّأْكُولِ﴾. [الفيل: ١ - ٥] وتارة يكون بالجوع والخوف. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. [النحل: ١١٢]

стр. 79

وتارة يكون انتقام الله من فوق الناس بتسليط الظلمة عليهم، أو بالتفريق والفتن بينهم. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. [الأنعام: ٦٥] قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: "أما العذاب الذي من فوقكم فأئمة سوء". (١) ولقد كان كل عذاب ينزل على الأرض بأي صورة من الصور، إنما هو بأفعال الناس الفاسدة، وهكذا الأمر يكون إلى يوم القيامة. قال تعالى -بعد أن ذكر ما نزل بتلك الأقوام من العذاب لإفسادهم-: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. [الأعراف: ١٠٣، النمل: ١٤] ومن أعظم عقوبات الله تعالى بالمفسدين، أنه يمدهم في طغيانهم، ولا يصلح أعمالهم. قال تعالى: ﴿إِنّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. [يونس: ٨١] فتفسد معيشتهم، ولا يهديهم إلى إصلاحها، كما حصل من أهل مأرب، وما كانوا عليه من عيشة رغيدة، وحياة سعيدة، وتقدم مدني، حتى استطاعوا - وقتئذ - أن يبنوا سداً عظيما، يحيي الله لهم به الأرض بعد موتها ... فلما أعرضوا عن الدعوة الحق أفسدوا .. فضرب الله عليهم السد، وقطعهم في الأرض أمماً، بما كانوا يفسدون.

стр. 80

ولأهمية هذا الحدث، نسوق وقائعه من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدّلْنَاهُمْ بِجَنّاتِهِمْ جَنّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَئٍ مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجْزِى إِلاّ الْكَفُورَ﴾. (١) [سبأ: ١٥ - ١٧] وكذلك لما عاين فرعون الحق حين الموت، ونطق بكلمة الإيمان، ردّها الله عليه لما كان منه من الفساد من قبل. قال سبحانه: ﴿آلانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. [يونس: ٩١] وقد يكون العقابُ من الله مكراً باستدراجهم، ومدهم بالمال والقوة: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلى لَهُمْ إِنّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥]، [الأعراف: ١٨٣]

стр. 81

وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنّمَا نُمِدّهُمْ بِهِ مِن مّالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ بَل لاّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ولو ذهبنا نتتبع أصناف الفساد، وأنواع العذاب الذي نزل على الأمم في القرآن والسنة لطال بنا المقام. قال ابن القيم: ((فكل نقص وبلاء، وشر في الدنيا والآخرة، فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها)) (١). وإذا انقطع الفساد، انقطع الشرك، ودحض الباطل، ومحيت البدع والخرافات، وانقطعت شرور الناس بعضهم من بعض، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وذهاب العقول، وسلب الأموال، وانقطع الشر كله .. فحفظت العقول، وأمنت النفوس، وأحصنت الأعراض، وسلمت الأموال، وانتشر الصلاح والخير كله، وأمن الناس بعضهم بعضاً، وعاشوا في أمان وسلام، وأخوّةٍ ووئام. وإذا قطع الفساد، أمن الناس عذاب الله، ووقوا انتقامه، فعاشوا في أمن من الله، وأمن من الناس. قال تعالى: ﴿ ... فَأَىّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوَا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ﴾. [الأنعام: ٨] ووعد الله الصالحين بإبدال خوفهم أمنا. قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً .. ﴾ الآية. [النور: ٥٥]

стр. 82

وهكذا عاش الصالحون في ربوع الأمن قروناً، حتى إذا ما أعرضوا عن الدعوة أعرض الله عنهم، فانتشر الفساد، وحل الظلم .. وعمت الفوضى .. فكان ما كان. إلامارحم الله. الأثر الرابع من آثار الدعوة إلى الله: حلول الخيرات، ونزول البركات (الرحمات): فضلاً عما تحدثه الاستجابة لدعوة الله مما ذكر سابقاً، من سلام وأمان، وصلاح بين العباد، وحفظ للأموال والأعراض والأنفس. فضلاً عن هذا كله، فإن الله وعد المستجيبين لهذه الدعوة، بأن ينزل عليهم الخيرات، ويجعل لهم في أموالهم البركات. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ وَلَكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. [الأعراف: ٩٦] وقال سبحانه: ﴿وَأَلّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مّآءً غَدَقاً﴾ الآية. [الجن: ١٦] قال ابن كثير: ((فكلما أقيم العدل، كثرت البركات والخير، ولهذا ثبت في الصحيحين: أن الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)) (١). وقال نوح خلال دعوة قومه إلى الله، وحثهم على الاستجابة لها: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً*

стр. 83

وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً﴾. [نوح: ١٠ - ١٢] قال ابن كثير: ((وإذا تركت المعاصي كانت سبباً في حصول البركات من السماء والأرض)) (١). وقبول الدعوة يعني: نزول الرحمة .. فما بعث الله الرسل، وما حملهم من دعوة إلا رحمة عامة للناس، ورحمة خاصة بالمستجيبين لدعوتهم. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: ١٠٧] وقال سبحانه: ﴿إِنّ فِى ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [العنكبوت: ٥١] وقال: ﴿هَذَا بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [الأعراف: ٢٠٣] وقال تعالى حاكياً عن نبيه نوح: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رّبّكُمْ عَلَىَ رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتّقُوا وَلَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. [الأعراف: ٦٣] وكان ينالُ المسلمين جائزةُ ربهم، كلما استقاموا على الطريق، ويفيض المال حتى لايجد المسلمون في كثير من البقاع من يقبل الصدقة لغناهم، وقد أمر عمر بن عبد العزيز أن يصرف الفائض في مرافق المسلمين العامة، كبناء محطات للمسافرين، وتسهيل الطرق (٢).

стр. 84

ولأول مرة في تاريخ البشرية، يعطى أهل الذمة سلفا لتنمية زراعتهم (١). الأثر الخامس من آثار الدعوة إلى الله: انتشار الإخاء والسلام، والأمن بين الأنام. من أعظم آثار الدعوة إلى الله والاستجابة لها: انتشار الإخاء والمحبة، والرحمة والتعارف، والتعاون والأمان، والسلام بين العباد. وبعبارة أخرى: انتشار الدعوة بين الأمم والشعوب، وقبولهم بها، يوحد هذه الأمم، ويجمع هذه الشعوب، على راية واحدة، وفي صف واحد، فيصبحوا إخوة متحابين، لا ضغينة بينهم ولا عداء، بل محبة وسلام وإخاء. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. ففي مقام التعاون: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ﴾ الآية. [المائدة: ٢] وفي مقام الرحمة بين العالمين: قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: ١٠٧] وقال ﷺ : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (٢)

стр. 85

وفي مقام التعارف بين البشرية: قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَا ... ﴾ الآية [الحجرات: ١٣] وفي مقام المحبة بين العباد قال تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّاً﴾. [مريم: ٩٦] وقال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾. [المائدة: ٥٤] وفي مقام الأخوة: قال تعالى: ﴿إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. [الحجرات: ١٠] وقال ﷺ : ((وكونوا عباد الله إخواناً)). (١) وفي مقام السلام العزيز، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ .. ﴾ الآية [الأنفال: ٦١] وإن من أكبر الشواهد على صدق هذا، ما حققته الدعوة الإسلامية حين انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، من تعارف هذه الشعوب، مع تباعد أقطارها، وانفتاح بعضها على بعض، مع تنافر

стр. 86

طباعها .. وتآلف بعضها مع بعض رغم اختلاف ثقافاتها .. ثم اتحادها فيما بينها رغم تفاوت أجناسها وألوانها. فانقلب ما كان بينهم من تطاحن ودماء، إلى محبة وإخاء، وأصبحوا عباد الله إخوانا، يُعلّم بعضهم بعضا، ويدافع بعضهم عن بعض، بعد أن كانوا أعداء، يقتل بعضهم بعضا. قال تعالى: ﴿وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرْضِ جَمِيعاً مّآ أَلّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ﴾. [الأنفال: ٦٣] فهذا الإمام أبو حنيفة النعمان إمام الفقه، والناس في مشارق الأرض ومغاربها عالة عليه في ذلك، وهو ليس بعربي، يتبعه العرب والأعاجم على اختلاف أصولهم. وهذا الإمام البخاري من بخارى، وهي من أبعد البلاد عن العرب، أصبح إمام الثقلين في حديث النبي ﷺ ، يأخذ منه العرب قبل العجم، ولا غنى للأمة البتة عن كتبه. وهذا القائد طارق بن زياد البربري، كان قائداً للعرب ولقومه. وما كان لهؤلاء تلك المنزلة إلا بعد قبولهم لدعوة الإسلام. وغير هؤلاء ألوف مؤلفة أصبحوا علماء، وقادة، وأمراء، متعاونين متآلفين، بعد أن كانوا من بلاد شتى متنافرين، ومن أصول مختلفة متحاربين. وأما تلك الشعوب التي تعد بألوف الألوف .. المتنافرة وفي كل شيء، في أصلها، ولغتها، وثقافتها، ودينها .. أصبحت -بعد أن انتشرت الدعوة

стр. 87

فيها- أمة واحدة، ذات ثقافة واحدة، تكاد تتحدث بلسان واحد، قد تآلفت قلوبها .. وتوحدت صفوفها، قبل هذا التمزق المتأخر. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبّكُمْ فَاتّقُونِ﴾. [المؤمنون: ٥٢] الأثر السادس من آثار الدعوة إلى الله: سعادة العباد في الدارين: إن اهتداء الخلق إلى طريق الحق، يُعرفُّهم بحقوقهم وواجباتهم، تجاه ربهم، وتجاه من يتعايشون معهم؛ من أهل وأقرباء، وأصحاب، وأصحاب جنب .. ومن عرف حقوقه وواجباته، وصدق في أدائها، أمن الناس وأمنوا منه، ونال حقه، ونالوا حقوقهم، وإذا حصل ذلك، عاش الناس جميعاً عيشة السعداء، فلا خوف يهددهم، ولا فساد ينغصهم. وسعادة الإنسان في ثلاثة: -سعادته في قلبه ونفسه .. -سعادته في حياته ومعيشته .. -سعادته في مصيره وآخرته .. وإن من أهم آثار الاستجابة لدعوة الله تعالى، تحقيق هذه السعادات كلِّها، للخلق كلِّهم. فمن عرف ربه، واستجاب لخالقه، وتوكل عليه، ورضي بقضائه وقدره، وأيقن أن كل شي بيده، وأن كل شيء ماض عليه حكمه، عدل فيه قضاؤه، حصل عنده يقين في القلب، وراحة في النفس، مهما كان عليه من حال، ومهما قُدِّر له من قضاء، وكان كمن يعيش في

стр. 88

قصور، ويرتع في جنان .. فهذه سعادة القلب والنفس ﴿الّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ﴾. [الرعد: ٢٨] وذِكْرُ الله هاهنا أعَمُّ من كونه باللسان، لأن المقصود خشيتهُ وطاعتهُ، واتباعُ شرعه، والعملُ بقرآنه. قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ﴾. [النحل: ٤٤] وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِىَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللهِ﴾. [الزمر: ٢٣] فبهذا تتحقق سعادة القلب والنفس. ومن استجاب لدعوة الله، عرف الحلال والحرام، ووقف عند حدود الله، فأدى الأمانة، واستقام في بيعه وشرائه، ووفى بعقوده ووعوده، ولم يعتد بيد، ولا في مال، ولا عرض، فأعطى ما عليه، وأخذ ما له، وتخلق بأخلاق الإسلام العظيمة. فهذه سعادة الحياة والمعيشة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِى النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِى الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا .. ﴾ الآية. [الأنعام: ١٢٢] ومن استجاب لدعوة الله نال مرضاته، ونجا من ناره، وفاز بجنته، فهذه هي السعادة الحقيقية، والسعادة الأبدية.

стр. 89

﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ .. ﴾ الآية. [الأنفال: ٢٤] قال الإمام البخاري: (استجيبوا): أجيبوا، (لما يحييكم): لما يصلحكم (١). أي يصلح أمركم في الدنيا والآخرة. فبهذا يتبين: أن من أعظم آثار الاستجابة لدعوة الله، أن يحيي الله المستجيبين حياة طيبة في الدارين. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [النحل: ٩٧] ولقد تحقق هذا ظاهراً في كثير من فترات التاريخ الإسلامي، حين صدق المسلمون العمل بهذا الدين، فغمرت السعادة قلوبهم، وعم الرخاء في حياتهم ومعيشتهم، وساد الأمن والعدل في ديارهم، وسيلقون ما يوعدون عند ربهم. ﴿وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ٢٩]

стр. 90

الباب الثاني أركان الدعوة

стр. 91

الباب الثاني أركان الدعوة ترتكز الدعوة إلى الله تعالى على خمسة عناصر: المادة (الموضوع)، الداعية، المدعوين، المنهجية، الأسلوب. هذه هي العناصر التي لا تقوم الدعوة إلا بها، ولا يتحقق النجاح إلا بتسديدها، فكلما كان الصواب والنجاح فيها، كانت النتائج أعظم فائدة، وأطيب ثماراً، وسنفرد لكل عنصر فصلاً كاملاً ماعدا المادة فلها مقام آخر.

стр. 92

الفصل الأول وفيه مبحثان: الأول: الداعية وأهميته الداعية: هو الركن المهم في هذه العناصر، والمحور الأساس في الدعوة إلى الله تعالى، ومقامُه مقامٌ بالغُ الأهمية والخطورة، فهو ينوب عن الأنبياء في تبليغ أعظم رسالة في الوجود، من أعظم مرسل لها، لأعظم أمر وجد له الإنسان، فكيف لا يكون شأنه عظيماً، ومكانتُه رفيعة. وتأتي أهمية الداعية من كونه أسوةٌ للمدعوين، لأن كثيراً من المدعوين يتأثرون بالأفعال أكثر من تأثرهم بالأقوال، وكثيراً منهم يرى أكثر مما يسمع. لذلك كان الله لا ينزل رسالته إلا على أفضل البشر، صدقاً وخلقاً ولا يختار لها إلا خيرة خلقه، تضحية وفهماً. قال تعالى: ﴿وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ .. ﴾ الآية. [القصص: ٦٨] أي: يختار من الأزمنة ما يشاء .. ، ومن الأمكنة ما يشاء .. ومن البشر من يشاء. وقال تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ .. ﴾ الآية. [الحج: ٧٥] والاصطفاء في اللغة يعني: الاختيار، ولا يكون الاختيار إلا للأفضل (١).

стр. 93

قال الشيخ ابن سعدي (١): ((أي يختار ويجتبي من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق)). كما يجعل أفعالهم مكملة لرسالته، ويأمر الناس بالاقتداء بهم. قال تعالى: ﴿لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ .. ﴾ الآية. [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ .. ﴾ الآية. [الأنعام: ٩٠] فأفعال الأنبياء جزء من الوحي ... فهي مكملة له. (٢) واختيار الأنبياء دعاة، والأمر بالاقتداء بهم، ذلك لما لشخصية الداعية وصفاته وأسلوبه من أثر بالغ في المدعوين، فكثيرًا ما يتأثر المدعوون تأثراً ملحوظاً، بشخصية الداعية، وأسلوبه، وأخلاقه ومعاملته، أكثر من تأثرهم بما لديه من طرح وموضوع، وما عنده من علم ومادة. ويدفعهم هذا التأثر في كثير من الأوقات إلى التسليم لأفكاره، والاستجابة لدعوته، دون معارضة، ولا تقديم بين يديه. ولذلك كلما اتصف الداعية بالأوصاف الحميدة، كان أثره في الدعوة أكبر، واستجابة الناس له أكثر. لهذا وجب على الداعية أن يتحلى بصفات مخصوصة، ويتجمل بميزات محمودة، وأن يلتزم بأخلاق معينة، وبتصرفات مشكورة، لكي

стр. 94

يؤثر في المدعوين، كيما تثمر دعوته، وتؤتي أُكلها، وإلا انعكست آثار ذلك على الدعوة سلباً. وسيأتي في المبحث التالي أهم هذه الصفات:

стр. 95

المبحث الثاني: أهم صفات الداعية: الأولى: الإخلاص والتقوى: إن دعوة الإسلام ليست كأي دعوة من الدعوات التي يكفي فيها أن يتحدث الإنسان عن دعوته، دون أن يكون مؤمناً بها مخلصاً لها. عاملاً بصدقٍ بمبادئها. إن دعوة الإسلام تشترط على أصحابها، أن يكونوا أتقياء في أنفسهم، صادقين في دعوتهم، مخلصين في نياتهم، كي يحققوا نجاحهم في دعوتهم، وينالوا أجرهم عند ربهم. وهذا شرط في كل عمل من أعمال الإسلام، ومن أجلّها الدعوة إلى الله تعالى. قال تعالى: ﴿أَلا لِلّهِ الدّينُ الْخَالِصُ .. ﴾ الآية. [الزمر: ٣] وقال سبحانه: ﴿قل إنى أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين .. ﴾ الآية. [الزمر: ١١] وكلما كان الإخلاص أصدق، والإيمان أقوى، كان التوفيق أعظم، والأجر أكبر. والتقوى لازمة للداعية، لزوم الماء للشجر، والروح للجسد، وهي العمل بدين الله ظاهراً وباطناً، وبخاصة فيما يدعو إليه، وإنّ امرءاً لا يعمل بما يدعو إليه، حري أن لا يوفقه الله إلى ذلك، ولا يقبل منه عمله. قال تعالى: ﴿إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللهُ مِنَ الْمُتّقِينَ﴾. [المائدة: ٢٧]

стр. 96

ولأهمية التقوى: جاء الخطاب بتقوى الله مفرداً بسيد الدعاة رسول الله ﷺ في أول سورة الأحزاب ﴿يَا أَيّهَا النّبِىّ اتّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١] ولا شك أن الأمة كلها مطالبة بهذا، لكن توجيه الخطاب للنبي ﷺ له مقصود كذلك. وبالتقوى، يحصل توفيق عظيم، وسداد للأقوال، وإصلاح للأعمال. قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] وبالتقوى يعين الله الداعية، ويهبه ملكة التفريق بين الحق والباطل .. والخلاص من المواقف المحرجة .. فضلاً عن تكفير سيئاته، ومحو زلاته. قال تعالى: ﴿يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَا إَن تَتّقُوا اللهَ يَجْعَل لّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] وفضلاً عن هذا كلِّه؛ فإن لتقوى الداعية أثراً بالغاً في المدعوين، فإن النفوس جُبلت على قَبُول دعوة الصادق، والنفور من دعوة الكاذب، ولا مقياس للصدق والكذب عند معظم المدعوين إلا أفعال الداعية، ومطابقتها لما يدعو إليه. فإن العمل بما يُدعى إليه، يوحي إلى الناس صحة الدعوة، وصدق الداعي، مما يُورث القَبُول عندهم.

стр. 97

وعدم العمل بالعلم، وما يدعو إليه الداعية، يوحي إلى الناس فساد الدعوة، وكذب الداعي، مما يُورث النفور والاستهجان. ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، متنبهين أشد التنبه لهذا. فكان أحدهم -وهو نبي الله شعيب ﷺ يقول لقومه: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىَ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .. ﴾ [هود: ٨٨] بل إن الأنبياء والرسل جميعاً، كانوا يتصفون بالصدق قبل بعثتهم، وما صفة الأمين التي وُصِفَ بها النبي ﷺ قبل بعثته بغائبة يومئذ عن أذهان العرب (١) وكذلك قول قوم صالح لصالح: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا .. ﴾ الآية. [هود: ٦٢] فهي شهادة من أعدائه بصدقه، وعلوِّ منزلته فيهم قبل البعثة. هذا من جهة المدعوين، وأما من حيث ربُّ الدعوةِ والمدعوين وأجره، فإن للداعية العامل بما يدعو إليه أجراً عظيماً عند الله. وقد سبقت الأدلة على ما للداعية من أجر عظيم على دعوته، وإخلاصه في باب فضل الدعوة، مما لا حاجة لتكرارها. وكما أمر الله بالعمل بما يدعو إليه الداعية، حذر من مغبة عدم العمل بما يدعو إليه. قال تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾. [الصف: ٢، ٣]

стр. 98

وقال ﷺ : ((يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برَحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه). (١) فحري بالداعية أن يكون تقياً، كيما يقبل الناس دعوته، ولكي يقبل الله عمله. وأي ثمرة يجنيها الداعية - إذا لم يكن تقياً - واستجاب له كثير من الناس، ثم جاء يوم القيامة صفر اليدين، قد أبطل الله عمله، لعدم إخلاصه، وقلة تقواه. وفضلاً عما للتقوى من أثر في التوفيق، وأجر عند الله. فإن التقوى من أعظم عوامل الثبات على الطريق في وجه الأعاصير، ومن أقوى دروع وقاية الداعية من كيد الأعداء. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا لا يَضُرّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً .. ﴾. الآية [آل عمران: ١٢٠] وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنّ فِى أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الّذِينَ أَشْرَكُوَا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾. [آل عمران: ١٨٦]

стр. 99

فجعل سبحانه الصبر والتقوى أهم أسلحة الداعية في مواجهة الفتن، والثبات على الحق. الصفة الثانية: العلم والفقه بما يدعو إليه: إن من أعظم ضروريات الدعوة إلى الله تعالى أن يكون الداعية عالماً بعامة، مدركاً لما يدعو إليه، فقيهاً فيه بخاصة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [يوسف: ١٠٨] والبصيرة أخص من العلم العام، وفيها معنى زائد عليه، فهي تعني: البينة والإدراك، والوضوح، والفهم، واليقين .. (١) ومن البصيرة؛ أن يدرك الداعية عوقب الأمور، وأن لا يغفل عن النتائج في أقواله وتصرفاته. قال ابن تيمية: (فلابد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحباً في هذه الأحوال؛ وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعاً؛ ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به؛ فقيهاً فيما

стр. 100

ينهى عنه؛ رفيقا فيما يأمر به؛ رفيقاً فيما ينهى عنه؛ حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه"). (١) فالفقه قبل الأمر، ليعرف المعروف وينكر المنكر، وهذا شرط من شروط الدعوة إلى الله، وواجب من واجبات الداعية أن يكون الداعية مدركاً لما يدعو إليه، متحلياً بالفطنة، متسلحاً باليقين، ثابت الخطوة، واضح الرؤية في دعوته، ومدعويه، وفيمن حوله من أصدقاء وأعداء، وما يقع من أحداث .. ، فكل هذه المعاني تتضمنها ((البصيرة)) فهذا الشرط الذي ألزم الله به الدعاة في دعوتهم. ولهذا؛ فلا يجوز للمسلم أن يدعو إلى الله إلا بعد أن يحمل قدراً من العلم يكفيه في دعوته، وفهماً ووضوحاً ينير له طريقه. فالعلم يسدد له مسيرته، والفهم يوضح له رؤيته، فمن لم يحمل العلم في دعوته انحرف، ومن لم يكن على بصيرة تعثر. وفضلاً عن هذا، فإن للداعية بغير بصيرة إثماً عند الله، .. لمخالفة أمر الله، ولأن فاقد البصيرة (العلم والفهم) لا يُضل نفسه فحسب، بل يُضل معها غيرها ممن يدعوهم.

стр. 101

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّبِعُ كُلّ شَيْطَانٍ مّرِيدٍ﴾. [الحج: ٣] فلربما جعل الأمر نهياً، والنهي أمراً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة. ولربما دعا إلى أمر غير مشروع، باسم الدين، كمن يخرج على الحاكم المسلم العاصي، وكمن يعلم الناس الضلال والابتداع باسم الدين، كالخوارج والمعتزلة، وغلاة الصوفية والروافض. ولذلك حذر الله من أمثال هؤلاء فقال سبحانه: ﴿وَإِنّ كَثِيراً لّيُضِلّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ .. ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. الآية [لقمان: ٦] وقد عدّ الله كل قول بغير علم افتراءً، فكيف إذا كان في الدين والدعوة إليه. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .. ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦] وقال سبحانه بعد أن عدد بعض أقوال الكافرين وأفعالهم الكفرية قال: ﴿قَدْ خَسِرَ الّذِينَ قَتَلُوَا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَآءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. [الأنعام: ١٤٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]

стр. 102

ولذلك أمر رسول الله ﷺ من سمع مقالته أن يعيها حين يبلغها، فقال ﷺ ((نضر الله امرءًا سمع منا شيئا فبلغه كما سمع، فرُبَ مبلغ أوعى من سامع)). (١) ولأهمية هذا؛ عقد الإمام البخاري باباً في صحيحه ((باب العلم قبل القول والعمل))، فإن العلم يسدد القول، ويصوب العمل. قال العسقلاني: ((قال ابن المنير: أراد به: أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما)) (٢). قال أبو حيان الأندلسي: ((لأن الدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يصلح إلا لمن علم المعروف والمنكر، وكيف يرتب الأمر في إقامته، وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما أمر بمنكر، ونهى عن معروف .. وقد يغلظ في مواضيع اللين، وبالعكس)). (٣) ومن الجدير بالعلماء تنبيه الناس في هذا المقام إلى أمرين: الأول: أن الحفظ غير الفقه، وأن البصيرة درجة زائدة على العلم، فإن كثيرًا من الناس يظنون: أن مجرد الحفظ هو العلم، وهذا هو الذي أوقعهم في التعالم، ودفعهم إلى التقول على الله مالم يقل، وإصدار الأحكام التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهو يظن بحفظه هذا، أنه عالم بل علامة.

стр. 103

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فرب رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن، ولا يكون له من الفهم .. )) (١). فليس كل حامل علم يحمل فقهاً، وبصيرة، فحمل العلم شيء، والفقه فيه، والبصيرة بإعماله شيء آخر. الثاني: التنبيه إلى الفرق بين العلم وبين التعالم، أو بين العالم والمتعالم، والتأكيد على ذلك في الدروس والخطب واللقاءات (٢) فإن كثيراً ممن يَدْعون ويَضلون ويُضلون يظنون أنهم علماء، وهم متعالمون، وذلك لعدم تفريقهم بين العلم والتعالم، كالخوارج، والمعتزلة، والجهمية، وإخوانهم من كل فرقة، ولذلك يجب التركيز في دروس العلماء على بيان الفروق بين العلم والتعالم، وبين العالم والمتعالم، فإن كثيراً منهم أصحاب نيات حسنة، فلعلهم يرجعون. ومن الجدير ذكره - قبل نهاية هذا الباب -: أن شرط العلم، ليس على إطلاقه؛ بأن يكون كل داعية عالماً بجميع العلوم. كلا، بل الشرط أن يكون الداعية عالماً فيما يدعو إليه. وكلما كان الداعية أعلم، كان أفضل، ورُبَّ داعية عنده بصيرة وعلم فيما يدعو إليه، خير من عالم نحرير فاقد للبصيرة. والمقصود بالعلم العام -الذي أُلمح إليه في أول هذا الباب -أن يكون لدى الداعية علماً عاماً بالتوحيد، وأنواعه، وأركان الإيمان،

стр. 104

والإسلام، وأسس الدين وأصوله العامة، كالاتباع والابتداع، ومعنى العبادة وأنواعها، وأحكامها وجوباً ونفلاً .. ومعرفة الأحكام الخمسة وتعريفها .. : الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح، وما شابه ذلك. وإذا تعين على المسلم بيانُ أمر، أو النصحُ به، أو الأمر به، أو النهيُ عنه، وكان يعلمه علماً صحيحاً، وجب عليه أداء الأمانة على قدر ما علم، ولا يشترط في الداعية أن يكون عالماً مطلقا، ولاأن يعلم تفصيل ما سبق. الصفة الثالثة للداعية: الصبر والحلم: إذا كان العلم شرط الداعية إلى الله، وسبباً في سداده، فإن الصبر عتاده وسلاحهُ، ولا قتالَ بلا سلاح، ولا مواجهة بلا عتاد. وإذا كانت البصيرة واجبة على الداعية، وهي نوره في دعوته، فإن الحلم وقوده وزاده .. ولا سير بلا وقود، ولا حركة بلا زاد. ومن قاتل بغير سلاح فشل .. ومن سار بغير وقود انقطع .. لأجل هذا كان من أوائل ما نزل على رسول الله ﷺ ، الأمر بالصبر مقروناً بالدعوة إلى الله ﴿يَأَيّهَا الْمُدّثّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبّكَ فَكَبّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ* وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبّكَ فَاصْبِرْ﴾. [المدثر: ١ - ٧] وقال ﷺ : ((وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)) (١).

стр. 105

والصبر في باب الدعوة إلى الله يعني: ضبط النفس على الاستمرار في طريق الدعوة مهما لاقت، وحبسها عن الإساءة للمدعوين قولاً وفعلاً، والصبر يعني: عدم الانتقام حين الأذى، وعدم الانقطاع عن الدعوة حين الملل، وعدم اليأس حين الفشل. وبعبارة أخرى: عدم الاستجابة لردود فعل النفس، والتسرع في التصرف حيال المواقف. لذا كان القرآن والسنة حافلين بالاهتمام بالصبر، لما له من أثر كبير في استمرار الداعية، وعدم نفور المدعوين .. وقبول الدعوة إلى الله تعالى. ولذلك عدَّ الله سبحانه الصبر مع التقوى من عزائم الأمور، قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] بل جعل الله الصبر على الأذى من منهج الأنبياء، فقال سبحانه عن الأنبياء: ﴿وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا .. ﴾ الآية [إبراهيم: ١٢] ومن المعلوم أن نقيض الصبر؛ التضجر والانقطاع .. ومن تضجر نفر الناس منه، ثم انقطع عن دعوته، فخسر نفسه والمدعوين معه. ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، ولم يتسرع في تصرف بسبب فقدانه الصبر، ربما انعكس على الدعوة بالسوء، والتراجع. ومن لم يصبر ويحلم عمن آذاه انتقم لنفسه، ومن انتقم لنفسه، خسر نفسه ودعوته، وأجره عند ربه. ولذلك قرن الله بين الصبر والحلم والعفو، وعد ذلك من عزم الأمور، فقال سبحانه:

стр. 106

﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. وقال تعالى عن إبراهيم ﵊: ﴿فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] والحلمُ شعبةٌ أساسٌ من شعب الصبر. قال أهل اللغة: الحلم: الأناة والعقل، وحَلُم: تأنّى وسكن عند غضب، أو مكروه، مع قدرة، وقوة. والحليم: الذي لا تستخفه الأفعال المؤذية، ولا يستفزه الإغضاب (١). وقد أفاد العلماء: أن العلم والفقه، يكونان قبل الدعوة، ليكون الداعية ذا بصيرة قبل أن يخطو في دعوته، حتى لا يزل. (٢) ويكون الصبر، أثناء الدعوة، لكي يتحمل ردود فعل المدعوين، من أذى واتهام، ولكي يستمر في دعوتهم، ولا يتضجر منهم، ولا ينقطع عنهم .. ويكون الحلم بعد الدعوة، كي لا يحقد على من سخر منه، أو استخف به، ولا ينتقم ممن آذاه. بل على الداعية أن يتوقع الأذى، وأن يعد له عدته من الصبر والحلم، فهذه هي عزائم الأمور، لا غير ذلك من التضجر والحقد، ومد اليد والانتقام التي هي سبب الخور، والفشل. لأجل هذا أمر الله الدعاة بالصبر على ما يلقونه من أذى.

стр. 107

قال تعالى حاكياً قول لقمان لابنه: ﴿ .. وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىَ مَآ أَصَابَكَ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾. [لقمان: ١٧] ولما أمر الله تعالى نبيه بالدعوة إليه، أرشده إلى وجوب الصبر فيها، فقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل: ١٠] ونبه الله رسوله ﷺ والدعاة من بعده، بما كان من أمر نبي الله يونس ﵊ إذ لم يصبر في دعوته فكان من أمره ما كان. فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ .. ﴾ الآية [القلم: ٤٨] إذ خرج من سعة الدعوة والأنوار، إلى ضيق بطن الحوت والظلمات. وهكذا شأن كل من لا يصبر على الدعوة إلى الله، ويستبدل سلاح العنف والتطرف والمواجهة، بسلاح (١) الصبر والحلم. وهؤلاء الذين يتعجلون في المواجهة، إنما تعجلوا فيها، لأنهم فشلوا في مجال الدعوة، ولم يصبروا عليها، فتحولوا إلى المواجهة، فكان الفشل أبشع، والنتائج أشنع. ولم يكتف الله بالأمر بالصبر في الدعوة والحلم فيها، بل أمر بمقتضاهما من عدم الرد على أذى المدعوين، وعدم الالتفات إليهم،

стр. 108

قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَىَ بِاللهِ وَكِيلاً﴾. [الأحزاب: ٤٨] أي: امض في دعوتك، وثابر في تبليغك، متوكلاً على خالقك، غير ملتفت إلى عناد المعاندين من الكافرين، وخداع المخادعين من المنافقين، ولا تكترث بأذاهم، ولا تنشغل عن دعوتك بكيدهم. وهكذا كانت سيرة الأنبياء من قبل، لا يعرفون في سبيل الدعوة إلى الله عنفاً، ولا انتقاماً .. إلا صبراً وغفراناً، ولذا لم نجد نبياً من الأنبياء، واجه - من يدعوهم - بالقوة المادية في مقام الدعوة على الإطلاق، قال تعالى منبهاً نبيه الكريم ومن تبعه إلى ذلك: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] فهذا نوح ﵊، مكث في قومه تلك المدة الطويلة، ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يضرب أحداً، ولم ينتقم من أحد، على كثرة ما أوذي، وعلى شدة ما سُخر منه. وكذلك الأنبياء؛ إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام جميعاً، لم يُعرف عنهم إلا الحلم على الناس، والصبر على أذاهم. وأما رسول الله ﷺ وصحبه الكرام فقد ضربوا المثل العظيم، والقدوة المثلى في الصبر، والحلم على الذين آذوهم في الدعوة إلى الله تعالى، مع القدرة على أخذ الحق. فعن عائشة ﵂ قالت: ((ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه

стр. 109

شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ) (١). ومن ذلك ما جرى يوم فتح مكة وغيرها من المواقف النبيلة، والأخلاق الرفيعة، من العفو والصفح بل والإكرام، بعد ما فعل أهل مكة بالنبي ﷺ وصحبه ما فعلوا. ولما كان الاستعجال ناقضاً من نواقض الصبر، فقد حذر الله منه أشد التحذير بكافة أصنافه. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لّهُمْ .. ﴾. الآية [الأحقاف: ٣٥] أي: ليكن الرسل الأولون قدوتك في الصبر على الدعوة إلى الله، وعدم الاستعجال لهم، قال القرطبي: ((ولا تستعجل لهم، قال مقاتل: بالدعاء عليهم، وقيل: في إحلال العذاب بهم)) (٢) وكذا قال ابن كثير. (٣) وقال البقاعي في نظم الدرر: ((ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل، ليصلح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر: فقال: ﴿ولا تستعجل لهم﴾، أي: تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم في غير حينه الأليق به)). (٤)

стр. 110

قال سيد قطب عند تفسير هذه الآية: ((ألا إنه لطريق شاق .. طريق هذه الدعوة، وطريق مرير، حتى لتحتاج نفس كنفس محمد ﷺ في تجردها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها، تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر، وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين، نعم، وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة، وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر، وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة، من رحيق العطف الإلهي المختوم)). (١) بل ذهب الإسلام إلى أبعد من هذا .. ذهب إلى منع الدعاء عليهم حال الدعوة وعدَّ ذلك صورة من صور الاستعجال، فقد أخرج البخاري عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ قال: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلاّ الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)). (٢) ففي هذا الحديث العظيم؛ منع استعجال الدعاء - مجرد الدعاء على كفار قريش - وطلب النصر من الله عليهم ((ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا)).
следующие страницы →